الآية ٧٢ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٧٢ من سورة المائدة

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ ٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٢ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٢ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنسطورية ممن قال منهم بأن المسيح هو الله ، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوا كبيرا .

هذا وقد تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله ، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال : ( إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ) ولم يقل : أنا الله ، ولا ابن الله .

بل قال : ( إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ) إلى أن قال : ( وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) [ مريم : 30 - 36 ] .

وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته ، آمرا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له ; ولهذا قال تعالى : ( وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله ) أي : فيعبد معه غيره ( فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ) أي : فقد أوجب له النار ، وحرم عليه الجنة ، كما قال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [ النساء : 48 ، 116 ] ، وقال تعالى : ( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ) [ الأعراف : 50 ] .

وفي الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مناديا ينادي في الناس : " إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة " ، وفي لفظ : " مؤمنة " .

وتقدم في أول سورة النساء عند قوله : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) [ النساء : 48 ، 116 ] حديث يزيد بن بابنوس ، عن عائشة : الدواوين ثلاثة فذكر منهم ديوانا لا يغفره الله ، وهو الشرك بالله ، قال الله تعالى : ( من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة [ ومأواه النار ] ) الحديث في مسند أحمد .

ولهذا قال [ الله ] تعالى إخبارا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل : ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) أي : وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن بعض ما فَتَن به الإسرائيلين الذين أخبر عنهم أنهم حسبوا أن لا تكون فتنة.

يقول تعالى ذكره: فكان مما ابتليتهم واختبرتهم به، فنقضوا فيه ميثاقي، وغيَّروا عهدي الذي كنت أخذته عليهم بأن لا يعبدوا سواي، ولا يتخذوا ربًّا غيري، وأن يوحِّدوني، وينتهوا إلى طاعتي= عبدي عيسى ابن مريم، فإني خلقته، وأجريت على يده نحوَ الذي أجريت على يد كثير من رسلي، فقالوا كفرًا منهم: " هو الله ".

(6) وهذا قول اليعقوبيّة من النصارى عليهم غضب الله.

يقول الله تعالى ذكره: فلما اختبرتهم وابتليتهم بما ابتليتهم به، أشركوا بي، وقالوا لخلق من خلقي، وعبدٍ مثلهم من عبيدي، وبشر نحوهم معروفٍ نسبه وأصله، مولود من البشر، يدعوهم إلى توحيدي، ويأمرهم بعبادتي وطاعتي، &; 10-481 &; ويقرّ لهم بأني ربه وربهم، وينهاهم عن أن يشركوا بي شيئًا: " هو إلههم "، جهلا منهم بالله وكفرًا به، ولا ينبغي لله أن يكون والدًا ولا مولودًا.

ويعني بقوله: " وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم "، يقول: اجعلوا العبادة والتذلل للذي له يَذِلّ كل شيء، وله يخضع كل موجود (7) =" ربي وربكم "، يقول: مالكي ومالككم، وسيدي وسيدكم، الذي خلقني وإياكم (8) =" إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة "، أن يسكنها في الآخرة=" ومأواه النار "، يقول: ومرجعه ومكانه- الذي يأوي إليه ويصير في معاده، من جعل لله شريكًا في عبادته- نارُ جهنم (9) =" وما للظالمين "، يقول: وليس لمن فعل غير ما أباح الله له، وعبد غير الذي له عبادة الخلق (10) =" من أنصار "، ينصرونه يوم القيامة من الله، فينقذونه منه إذا أورده جهنم.

(11) ---------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"حسب" فيما سلف 7: 384 ، 421.

(2) انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف ص: 392 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(3) انظر تفسير"العمى" و"الصمم" ، فيما سلف 1: 328- 331/3: 315.

(4) انظر القول في رفع"كثير" في معاني القرآن للفراء 1: 316 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 174.

(5) انظر تفسير"بصير" فيما سلف من فهارس اللغة.

(6) انظر تفسير"المسيح" فيما سلف 10: 146 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

(7) انظر تفسير"العبادة" فيما سلف من فهارس اللغة (عبد).

(8) انظر تفسير"الرب" فيما سلف 1: 142 ، ثم فهارس اللغة فيما سلف.

(9) انظر تفسير"المأوى" فيما سلف 9: 225 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

(10) انظر تفسير"الظلم" فيما سلف من فهارس اللغة.

(11) انظر تفسير"الأنصار" فيما سلف 9: 339 ، تعليق 3 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصارقوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم هذا قول اليعقوبية فرد الله ذلك بحجة قاطعة مما يقرون به ; فقال وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي أي : إذا كان المسيح يقول : يا رب ويا الله فكيف يدعو نفسه أم كيف يسألها ؟

هذا محال .

إنه من يشرك بالله قيل : هو من قول عيسى ، وقيل : ابتداء كلام من الله تعالى ، والإشراك أن يعتقد معه موجدا ، وقد مضى في ( آل عمران ) القول في اشتقاق المسيح فلا معنى لإعادته .

وما للظالمين من أنصار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن كفر النصارى بقولهم: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ْ} بشبهة أنه خرج من أم بلا أب، وخالف المعهود من الخلقة الإلهية، والحال أنه عليه الصلاة والسلام قد كذبهم في هذه الدعوى، وقال لهم: { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ْ} فأثبت لنفسه العبودية التامة، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق.

{ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ْ} أحدا من المخلوقين، لا عيسى ولا غيره.

{ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ْ} وذلك لأنه سوى الخلق بالخالق، وصرف ما خلقه الله له - وهو العبادة الخالصة - لغير من هي له، فاستحق أن يخلد في النار.

{ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ْ} ينقذونهم من عذاب الله، أو يدفعون عنهم بعض ما نزل بهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) وهم الملكانية واليعقوبية منهم ، ( وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم» سبق مثله «وقال» لهم «المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم» فإني عبد ولست بإله «إنه من يشرك بالله» في العبادة غيره «فقد حرَّم الله عليه الجنة» منعه أن يدخلها «ومأواه النار وما للظالمين من» زائدة «أنصار» يمنعونهم من عذاب الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يقسم الله تعالى بأن الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، قد كفروا بمقالتهم هذه، وأخبر تعالى أن المسيح قال لبني إسرائيل: اعبدوا الله وحده لا شريك له، فأنا وأنتم في العبودية سواء.

إنه من يعبد مع الله غيره فقد حرَّم الله عليه الجنة، وجعل النار مُستَقَرَّه، وليس له ناصرٌ يُنقذُه منها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما استقصى الكلام مع اليهود ، شرع ههنا في الكلام مع النصارى ، فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا : إن الله هو المسيح بن مريم .وهذا هو قول اليعقوبية؛ لأنهم يقولون : إن مريم ولدت إلها ، ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون : إن الله - تعالى - حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى .واللام في قوله : ( لَقَدْ كَفَرَ ) واقعة جواباً لقسم مقدر .والمراد بالكفر : ستر الحق وإنكاره والانغماس في الباطل والضلال .أي : اقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا : إن الله المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح ابن مريم .وقد أكد - سبحانه - كفرهم بالقسم المقدر؛ لأنهم غالوا في إطراء عيسى وفي وضعه في غير موضعه كما غالت اليهود في الكفر به وفي وصفه بالأوصاف التي هو برئ منها .ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى في الرد على من جعلوه إلها فقال : ( وَقَالَ المسيح يابني إِسْرَائِيلَ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) .أي : وقال المسيح مكذبا لمن وصفه بالألوهية : يا بني إسرائيل اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً ، فهو ربي الذي خلقني وتهدني بالتربية والرعاية ، وهو ربكم - أيضاً - الذي أنشأكم وأوجدكم ورزقكم من الطيبات .والواو في قوله : ( وَقَالَ المسيح ) للحال .

والجملة حالية من الواو التي هي فاعل ( قالوا ) .أي : قالوا ما قالوا ، والحال أن عيسى قد تبرأ مما قالوه .

وقال لبني إسرائيل حين إرساله إليهم : اعبدوا الله ربي وربكم .وقوله : ( رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) تنبيه إلى ما هو الحجة القاطعة على فساد قولهم المذكور؛ لأن عيسى لم يفرق بينه وبين غيره في العبودية لله - تعالى - لأنه - سبحانه - هو الخلاق له ولهم وللكل شيء .ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى محذراً من الإِشراك فقال : ( إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة وَمَأْوَاهُ النار وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) .وهذه الجملة تعليل للأمر بعبادة الله وحده .

والضمير المقترن بإن ضمير الشأن والمراد بتحريم الجنة على المشرك : منعه من دخولها ، لإِشراكه مع الله آلهة أخرى .والمأوى : المكان الذي يأوى إليه الإِنسان .

أي يرجع إليه ويستقر فيه .أي : قال المسيح لبني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ، لأنه أي الحال والشأن ( مَن يُشْرِكْ بالله ) شيئاً في عبادته - سبحانه - ( فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة ) أي : منعه من دخولها ، بسبب شركه وكفره ، وجعل ( وَمَأْوَاهُ النار ) أي : جعل مستقره ومكانه النار بدل الجنة ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) ينصرونهم بأن ينقذوهم مما هم فيه من بلاء وشقاء مقيم .فالجملة الكريمة تحذير شديد من الإِشراك بالله ، وبيان لما سيؤول إليه حال المشركين من تعاسة وشقاء .وجمع - سبحانه - بين العقوبة السلبية للمشركين وهي حرمانهم من الجنة وبين العقوبة الإِيجابية وهي استقرارهم في النار ، للإِشارة إلى عظيم جرمهم حيث أشركوا بالله ، وتقولوا عليه الأقاويل الباطلة التي تدل على جهلهم وسفاهتهم .والمراد بالظالمين : المشركون الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم فتكون ال للعهد .ويجوز أن يراد بهم كل ظالم بسبب إشراكه وكفره ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا فتكون أل للجنس .وقال - سبحانه - ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) بصيغة الجمع لكلمة " أنصار " وبالتأكيد بمن المفيدة للاستغراق ، للإِيذان بأنه إذا كان الظالمون لن يستطيع الأنصار مجتمعين أن ينصروهم فمن باب أولى لن يستطيع واحد أن ينصرهم .أي : ما لهم من أحد كائنا من كان أن يننقذهم من عقاب الله بأي طريقة من الطرق .وهذه الجملة الكريمة يحتمل أن تكون من كلام عيسى الذي حكاه الله عنه - كما سبق أن ذكرنا - ويحتمل أن تكون من كالم الله - تعالى - وقد ساقها - سبحانه - لتأكيد ما قاله المسيح من أمره لقومه بعبادة الله وحده ولتقرير مضمونه المفيد للتحذير من الإِشراك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَقَالَ المسيح يَابَنِى إسراءيل اعبدوا الله رَبّى وَرَبَّكُمْ ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما استقصى الكلام مع اليهود شرع هاهنا في الكلام مع النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وهذا هو قول اليعقوبية لأنهم يقولون: إن مريم ولدت إلها، ولعلّ معنى هذا المذهب أنهم يقولون: إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى، ثم حكى تعالى عن المسيح أنه قال.

وهذا تنبيه على ما هو الحجة القاطعة على فساد قول النصارى، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يفرق بين نفسه وبين غيره في أن دلائل الحدوث ظاهرة عليه.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة وَمَأْوَاهُ النار وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴾ ومعناه ظاهر.

واحتج أصحابنا على أن عقاب الفساق لا يكون مخلداً، قالوا: وذلك لأنه تعالى جعل أعظم أنواع الوعيد والتهديد في حق المشركين هو أن الله حرم عليهم الجنة وجعل مأواهم النار، وأنه ليس لهم ناصر ينصرهم ولا شافع يشفع لهم، فلو كان حال الفساق من المؤمنين كذلك لما بقي لتهديد المشركين على شركهم بهذا الوعيد فائدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لم يفرق عيسى عليه الصلاة والسلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوب كمثلهم، وهو احتجاج على النصارى ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله ﴾ في عبادته، أو فيما هو مختص به من صفاته أو أفعاله ﴿ فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة ﴾ التي هي دار الموحدين أي حرّمه دخولها ومنعه منه، كما يمنع المحرّم من المحرّم عليه ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴾ من كلام الله على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما تقوّلوا على عيسى عليه السلام، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم ردّه وأنكره، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره.

أو من قول عيسى عليه السلام، على معنى: ولا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول.

أو و لا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ ﴾ أيْ إنِّي عَبْدٌ مَرْبُوبٌ مِثْلُكم فاعْبُدُوا خالِقِي وخالِقَكم.

﴿ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ أيْ في عِبادَتِهِ أوْ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ.

﴿ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ﴾ يُمْنَعُ مِن دُخُولِها كَما يُمْنَعُ المُحَرَّمُ عَلَيْهِ مِنَ المُحَرَّمِ فَإنَّها دارُ المُوَحِّدِينَ.

﴿ وَمَأْواهُ النّارُ ﴾ فَإنَّها المُعَدَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ.

﴿ وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ أيْ وما لَهم أحَدٌ يَنْصُرُهم مِنَ النّارِ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلى أنَّهم ظَلَمُوا بِالإشْراكِ وعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِعِيسى  ، وتَقَرُّبًا إلَيْهِ وهو مُعادِيهِمْ بِذَلِكَ ومُخاصِمُهم فِيهِ فَما ظَنَّكَ بِغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)

{لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربّي وربّكم} لم يفرق عيسى عليه السلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوب ليكون حجة على النصارى {إنّه من يشرك بالله} في عبادته غير الله {فقد حَرَّمَ اللَُّه عليهِ الجنّةَ} التي هي دار الموحدين أى حرمه دخولها ومنعه منه {ومأواه النَّارُ} أي مرجعه {وما للظّالمين} أي الكافرين {من أنصَارٍ} وهو من كلام الله تعالى أو من كلام عيسى عليه السلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ قَبائِحِ النَّصارى وإبْطالِ أقْوالِهِمُ الفاسِدَةِ بَعْدَ تَفْصِيلِ قَبائِحِ اليَهُودِ، وقائِلُ ذَلِكَ طائِفَةٌ مِنهم - كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ - وقَدْ أشْبَعْنا الكَلامَ عَلى تَفْصِيلِ أقْوالِهِمْ وطَوائِفِهِمْ فِيما تَقَدَّمَ، فَتَذَكَّرْ.

﴿ وقالَ المَسِيحُ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ( قالُوا ) بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) مُفِيدَةٌ لِمَزِيدِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ بِبَيانِ تَكْذِيبِهِمْ لِلْمَسِيحِ، وعَدَمِ انْزِجارِهِمْ عَمّا أصَرُّوا عَلَيْهِ بِما أوْعَدَهم بِهِ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ، وقَدْ قالَ المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُخاطِبًا لَهم ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ ﴾ فَإنِّي مَرْبُوبٌ مِثْلُكُمْ، فاعْبُدُوا خالِقِي وخالِقَكم ﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ أيْ: شَيْئًا في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ، كَنِسْبَةِ عِلْمِ الغَيْبِ وإحْياءِ المَوْتى بِالذّاتِ إلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ﴾ لِأنَّها دارُ المُوَحِّدِينَ، والمُرادُ يُمْنَعُ مِن دُخُولِها، كَما يُمْنَعُ المُحَرَّمُ عَلَيْهِ مِنَ المُحَرَّمِ، فالتَّحْرِيمُ مَجازٌ مُرْسَلٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلْمَنعِ؛ إذْ لا تَكْلِيفَ ثَمَّةَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

﴿ ومَأْواهُ النّارُ ﴾ فَإنَّها المُعَدَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ، وهَذا بَيانٌ لِابْتِلائِهِمْ بِالعِقابِ إثْرَ بَيانِ حِرْمانِهِمُ الثَّوابَ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الإشارَةِ إلى قُوَّةِ المُقْتَضِي لِإدْخالِهِ النّارَ.

﴿ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ أيْ ما لَهم مِن أحَدٍ يَنْصُرُهم بِإنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، وإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، إمّا بِطْرِيقِ المُغالَبَةِ أوْ بِطْرِيقِ الشَّفاعَةِ، والجَمْعُ لِمُراعاةِ المُقابَلَةِ بِالظّالِمِينَ.

وقِيلَ: لِيُعْلَمَ نَفْيُ النّاصِرِ مِن بابٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَنْصُرْهُمُ الجَمُّ الغَفِيرُ فَكَيْفَ يَنْصُرُهُمُ الواحِدُ مِنهُمْ؟!

وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ جارٍ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ لَهم أنْصارًا كَثِيرَةً فَنُفِيَ ذَلِكَ؛ تَهَكُّمًا بِهِمْ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ - والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مِن ) كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها - وإمّا لِلْجِنْسِ، وهم يَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ووَضْعُهُ عَلى الأوَّلِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظَلَمُوا بِالإشْراكِ، وعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وهو إمّا مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإمّا وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى؛ تَأْكِيدًا لِمَقالَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وذلك أن نصارى أهل نجران يزعمون أنهم مؤمنون بعيسى، فأخبر الله تعالى أنهم كافرون بعيسى، وأنهم كاذبون في مقالتهم، وأخبر أن المسيح دعاهم إلى توحيد الله، وأنهم كاذبون على المسيح.

وهو قوله وَقالَ الْمَسِيحُ: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني: وحدوا الله وأطيعوه، رَبِّي وَرَبَّكُمْ يعني: خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم.

ثم قال: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ يعني: ويموت على شركه، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ أن يدخلها، وَمَأْواهُ النَّارُ يعني: مصيره إلى النار، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني: ليس للمشركين من مانع يمنعهم من العذاب.

ثم أخبر أن الفريق الآخر من النصارى هم كفار أيضاً، فقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ فيه مضمر معناه: ثالث ثلاثة آلهة، ويقال: ثلث من ثلاثة آلهة، يعني: أباً وأماً وروحاً قدساً، يعني: الله ومريم وعيسى.

قال الله تعالى رداً عليهم: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ يعني: هم كاذبون في مقالتهم، ثم أوعدهم الوعيد إن لم يتوبوا فقال: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ يعني: إن لم يتوبوا، ولم يرجعوا عن مقالتهم، لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ فهذا لام القسم، فكأنه أقسم بأنه ليصيبهم عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: أن أقاموا على كفرهم.

ثم دعاهم إلى التوبة فقال: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ من النصرانية، وَيَسْتَغْفِرُونَهُ عن مقالتهم الشرك، فإن فعلوا فإنَّ وَاللَّهُ غَفُورٌ للذنوب رَحِيمٌ بقبول التوبة، ويقال: قوله: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ لفظه لفظ الاستفهام والمراد به الأمر فكأنه قال: توبوا إلى الله، وكذلك كل ما يشبه هذا في القرآن، مثل قوله: (أتصبرون) يعني: اصبروا.

ثم بيّن الله تعالى أن المسيح عبده ورسوله، وبيّن الحجة في ذلك، فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: الذين آمنوا: لفظٌ عامٌّ لكلِّ مؤمنٍ من مِلَّةِ نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ومِنْ غَيْرها من المِلَلِ، فكأنَّ ألفاظ الآية حُصِرَ بها الناسُ كلُّهم، وبُيِّنَتِ الطوائفُ على اختلافها، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقد مَضَى الكلامُ في «سورة البقرة» ، فراجعْهُ هناك، وقرأ الجمهورُ: «وَالصَّابِئُونَ» ، وقرىء خارجَ السبعة «١» :

«والصَّابِئِينَ» ، وهي بيِّنة الإعراب، وأما على قراءة الجمهورِ، فاختلف في إعرابها، ومَذْهَبُ سبيَوَيْهِ، والخَلِيلِ، ونُحَاةِ البَصْرة: أنه من المقدَّم الذي معناه التأْخِيرُ، كأنَّه قال: إنَّ الذين آمنوا والذين هَادُوا، مَنْ آمَنَ باللَّه واليومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالحاً، فلا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنُونَ، والصَّابِئُونَ والنصارى كذلك.

قال ص: ووجه ثانٍ أنَّ خبر «إنَّ» محذوفٌ، أي: إنَّ الذين آمنوا لهم أجرهم، وخبر «الصّابئين» : مَنْ آمَنَ وما بعده، قال ابنُ عُصْفُورٍ وهو حَسَنٌ جدًّا إذ ليس فيه أكثر من حَذْفِ خبرِ «إنَّ» للفهم، وهو جائزٌ في فصيحِ الكلامِ.

انتهى.

قلتُ: قال ابْنُ مالكٍ: وهو أسهلُ من التقديمِ والتأخيرِ، وقيل: إن الصابِئين في موضِعِ نَصْبٍ، ولكنه جاء على لغة بَلْحَارِثِ الذين يَجْعَلُونَ التثنيةَ بالأَلِفِ على كل حال، والجَمْعَ بالواو على كُلِّ حال قاله أبو البقاء، وقيل غير هذا.

وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)

وقوله سبحانه: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ: المعنى في هذه الآيةِ: وظَنَّ هؤلاءِ الكفرةُ باللَّه، والعصاةُ مِنْ بني إسرائيل ألاَّ يكونَ مِنَ اللَّه ابتلاءٌ لهُمْ وأخذ في الدنيا، فلَجُّوا في شهواتهم، وعَمُوا فيها، إذْ لم يُبْصِرُوا الحقّ، وهذا كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» «١» .

وقوله سبحانه: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالتْ جماعة من المفسِّرين: هذه التوبةُ هِيَ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِس بعد الإخراج الأول، ورَدُّ مُلْكِهِمْ وحَالِهِم، ثم عَمُوا وصَمُّوا بعد ذلك حتى أُخْرِجُوا الخرجةَ الثانيةَ، ولم ينجبرُوا أبداً، ومعنى: تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي:

رجَعَ بهم إلى الطاعةِ والحقِّ، ومِنْ فصاحة القُرآن: / استناد هذا الفعْلِ الشريفِ إلى اللَّه تعالى، واستناد العمى وَالصَّمَمَ اللَّذَيْن هما عبارةٌ عن الضَّلال إليهم، ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكَّداً بلام القَسَمِ عن كُفْر القائلين: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وهذا قولُ اليَعْقُوبِيَّةِ من النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول المسيحِ لهم، فقال: وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ...

الآية، فضَلُّوا هم، وكفروا بسَبَب ما رأَوْا على يديه من الآيات.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ، قالُوا ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ المَسِيحُ ﴾ أيْ: وقَدْ كانَ المَسِيحُ قالَ لَهم وهو بَيْنَ أظْهُرِهِمْ: إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي ورَبَّكم إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النارُ وما لِلظّالِمِينَ مَن أنْصارٍ ﴾ اَلْمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: وظَنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ والعُصاةُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ألّا يَكُونَ مِنَ اللهِ ابْتِلاءٌ لَهُمْ؛ وأخْذٌ في الدُنْيا؛ وتَمْحِيصٌ؛ فَلَجُّوا في شَهَواتِهِمْ؛ وعَمُوا فِيها؛ إذْ لَمْ يَتَبَصَّرُوا الحَقَّ؛ شُبِّهُوا بِالعُمْيِ؛ وصَمُّوا إذْ لَمْ يَسْمَعُوهُ؛ شُبِّهُوا بِالصُمِّ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "حُبُّكَ الشَيْءَ يُعْمِي ويُصِمُّ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذِهِ التَوْبَةُ هي رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الإخْراجِ الأوَّلِ؛ ورَدُّ مُلْكِهِمْ؛ وحالِهِمْ؛ ثُمَّ عَمُوا؛ وصَمُّوا بَعْدَ ذَلِكَ؛ حَتّى أُخْرِجُوا الإخْراجَ الثانِي؛ ولَمْ يُجْبَرُوا أبَدًا؛ وقالَتْ جَماعَةٌ: ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِبَعْثِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - إلَيْهِمْ؛ وقالَتْ جَماعَةٌ: تَوْبَتُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بَعْثُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وخَصَّ بِهَذا المَعْنى كَثِيرًا مِنهم لِأنَّ مِنهم قَلِيلًا آمَنَ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "ألّا تَكُونَ"؛ بِنَصْبِ النُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "أنْ لا تَكُونُ"؛ بِرَفْعِ النُونِ؛ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في رَفْعِ "فِتْنَةٌ" لِأنَّ "كانَ"؛ هُنا هي التامَّةُ؛ فَوَجْهُ قِراءَةِ النَصْبِ أنْ تَكُونَ "أنْ" هي الخَفِيفَةُ الناصِبَةُ؛ ووَجْهُ قِراءَةِ الرَفْعِ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ وحَسُنَ دُخُولُها؛ لِأنَّ "لا" قَدْ وطَّأتْ أنْ يَلِيَها الفِعْلُ؛ وقامَتْ مَقامَ الضَمِيرِ المَحْذُوفِ؛ عِوَضًا مِنهُ؛ ولا بُدَّ في مِثْلِ هَذا مِن عِوَضٍ؛ مِثْلَ قَوْلِكَ: "عَلِمْتُ أنْ قَدْ يَقُومُ زَيْدٌ"؛ وقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى  ﴾ ؛ وقَوْلِكَ: "عَلِمْتُ أنْ سَوْفَ يَقُومُ زَيْدٌ"؛ و"أنْ لا تَكُونُ فِتْنَةٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى  ﴾ ؛ حَسُنَ فِيهِ ألّا يَكُونَ عِوَضٌ؛ لِأنَّ "لَيْسَ"؛ لَيْسَ بِفِعْلٍ حَقِيقِيٍّ؛ والأفْعالُ ثَلاثَةُ ضُرُوبٍ: ضَرْبٌ يُجْرى مُجْرى "تَيَقَّنْتُ"؛ نَحْوَ "عَلِمْتُ"؛ و"دَرَيْتُ"؛ فَهَذا الضَرْبُ تَلِيهِ "أنَّ"؛ اَلثَّقِيلَةُ؛ الَّتِي تُناسِبُهُ في الثُبُوتِ؛ وحُصُولِ الوُقُوعِ؛ وضَرْبٌ في الضِدِّ مِن ذَلِكَ؛ نَحْوَ "طَمِعْتُ"؛ و"رَجَوْتُ"؛ و"خِفْتُ"؛ هو مُصَرَّحٌ بِأنْ لَمْ يَقَعْ؛ فَهَذا الضَرْبُ تَلِيهِ "أنْ"؛ اَلْخَفِيفَةُ؛ إذْ هي تُناسِبُهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي  ﴾ ؛ وتَخافُونَ أن يَتَخَطَّفَكُمُ الناسُ ؛ ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ  ﴾ ؛ و ﴿ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا  ﴾ ؛ و ﴿ أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا  ﴾ ؛ ونَحْوِ هَذا؛ وضَرْبٌ ثالِثٌ يَنْجَذِبُ إلى الأوَّلِ مَرَّةً؛ وإلى الثانِي أحْيانًا؛ نَحْوَ "ظَنَنْتُ"؛ و"حَسِبْتُ"؛ و"زَعَمْتُ"؛ فَيُجْرى مُجْرى "أرْجُو"؛ و"أطْمَعُ"؛ مِن حَيْثُ الظَنُّ؛ والزَعْمُ؛ والمَحْسَبَةُ أُمُورٌ غَيْرُ ثابِتَةٍ؛ ولا مُسْتَقِرَّةٍ؛ وقَدْ تُنْزَلُ مَنزِلَةَ العِلْمِ؛ مِن حَيْثُ تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ  ﴾ ؛ وقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ  ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَمُوا وصَمُّوا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والصادِ؛ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "عُمُوا وصُمُّوا"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ والمِيمِ مُخَفَّفَةً؛ وبِضَمِّ الصادِ؛ وهَذا هو عَلى أنْ تُجْرى مُجْرى: "زُكِمَ الرَجُلُ"؛ و"أزْكَمَهُ اللهُ"؛ و"حُمَّ الرَجُلُ"؛ و"أحَمَّهُ اللهُ"؛ ولا يُقالُ: "زَكَمَهُ اللهُ"؛ ولا "حَمَّهُ اللهُ"؛ فَكَذَلِكَ يَجِيءُ هَذا: "عُمِيَ الرَجُلُ"؛ و"أعْماهُ غَيْرُهُ"؛ و"صُمَّ"؛ و"أصَمَّهُ غَيْرُهُ"؛ ولا يُقالُ: "عَمَيْتُهُ"؛ ولا "صَمَمْتُهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ أيْ: رَجَعَ بِهِمْ إلى الطاعَةِ؛ والحَقِّ؛ ومِن فَصاحَةِ اللَفْظِ اسْتِنادُ هَذا الفِعْلِ الشَرِيفِ إلى اللهِ تَعالى؛ واسْتِنادُ العَمى والصَمَمِ اللَذَيْنِ هُما عِبارَةٌ عَنِ الضَلالِ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَثِيرٌ"؛ يَرْتَفِعُ مِن إحْدى ثَلاثِ جِهاتٍ؛ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ "عَمُوا وصَمُّوا"؛ ﴾ وإمّا عَلى جَمْعِ الفِعْلِ؛ وإنْ تَقَدَّمَ؛ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"؛ وإمّا عَلى أنْ يَكُونَ "كَثِيرٌ" خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا مُؤَكَّدًا بِلامِ القَسَمِ عن كُفْرِ القائِلِينَ: ﴿ إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ ؛ وهَذا قَوْلُ اليَعْقُوبِيَّةِ مِنَ النَصارى؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قَوْلِ المَسِيحِ لَهم وَتَبْلِيغِهِ كَيْفَ كانَ؛ فَقالَ: ﴿ وَقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ؛ وهَذِهِ المَعانِي قَوْلُ المَسِيحِ بِألْفاظِ لُغَتِهِ؛ وهي بِعَيْنِها مَوْجُودَةٌ في تَبْلِيغِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ  ﴾ ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ؛ وأخْبَرَهم عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أنَّ اللهَ تَعالى هو رَبُّهُ ورَبُّهُمْ؛ فَضَّلُوا هُمْ؛ وكَفَرُوا بِسَبَبِ ما رَأوا عَلى يَدَيْهِ مِنَ الآياتِ.

والمَأْوى هو المَحَلُّ الَّذِي يَسْكُنُهُ المَرْءُ؛ ويَرْجِعُ إلَيْهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ "اَلْمَسِيحِ"؛ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي لإبطال ما عليه النّصارى، يناسب الانتهاء من إبطال ما عليه اليهود.

وقد مضى القول آنفاً في نظير قوله ﴿ لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابنُ مريم قل فمن يملك من الله شيئاً ﴾ [المائدة: 17] ومَن نُسب إليه هذا القولُ من طوائف النّصارى.

والواو في قوله ﴿ وقال المسيح ﴾ واو الحال.

والجملة حال من ﴿ الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ﴾ ، أي قالوا ذلك في حال نِداء المسيح لبني إسرائيل بأنّ الله ربّه وربّهم، أي لا شبهة لهم، فهم قالوا: إنّ الله اتّحد بالمسيح؛ في حال أنّ المسيح الّذي يزعمون أنهم آمنوا به والّذي نسبوه إليه قد كذّبهم، لأنّ قوله: ﴿ ربّي وربّكم ﴾ ، يناقض قولهم: ﴿ إنّ الله هو المسيح ﴾ ، لأنّه لا يكون إلاّ مربُوباً، وذلك مفاد قوله: ﴿ ربّي ﴾ ، ولأنّه لا يكون مع الله إله آخر، وذلك مفاد قوله ﴿ وربَّكم ﴾ ، ولذلك عُقّب بجملة ﴿ إنّه مَن يشرك بالله فقَد حرّم الله عليه الجنَّة ﴾ .

فيجوز أن تكون هذه الجملة حكاية لكلام صدر من عيسى عليه السّلام فتكون تعليلاً للأمر بعبادة الله.

ووقوع (إنّ) في مثل هذا المقام تغني غَناء فاء التّفريع وتفيد التّعليل.

وفي حكايته تعريض بأنّ قولهم ذلك قد أوقعهم في الشرك وإن كانوا يظنّون أنّهم اجتنبوه حذراً من الوقوع فيما حذّر منه المسيح، لأنّ الّذين قالوا: إنّ الله هو المسيح.

أرادوا الاتّحاد بالله وأنّه هو هُو.

وهذا قول اليعاقبة كما تقدّم آنفاً، وفي سورة النّساء.

وذلك شرك لا محالة، بل هو أشدّ، لأنّهم أشركوا مع الله غيره ومزجوه به فوقعوا في الشّرك وإن راموا تجنّب تعدّد الآلهة، فقد أبطل الله قولهم بشهادة كلام من نسبوا إليه الإلهية إبطالاً تامّاً.

وإن كانت الجملة من كلام الله تعالى فهو تذييل لإثبات كفرهم وزيادة تنبيه على بطلان معتقدهم وتعريض بهم بأنّهم قد أشركوا بالله من حيث أرادوا التّوحيد.

والضّمير المُقترن بإنّ ضمير الشأن يدلّ على العناية بالخبر الوارد بعده.

ومعنى ﴿ حَرّم الله عليه الجَنّة ﴾ منعها منه، أي من الكون فيها.

والمأوى: المكان الّذي يأوى إليه الشيء، أي يرجع إليه.

وجملة ﴿ وما للظّالمين من أنصار ﴾ يحتمل أيضاً أن تكون من كلام المسيح عليه السلام على احتمال أن يكون قوله: ﴿ إنّه من يشرك بالله ﴾ من كلامه، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى تذييلاً لكلام المسيح على ذلك الاحتمال، أو تذييلاً لكلام الله تعالى على الاحتمال الآخر.

والمراد بالظّالمين المشركون ﴿ إنّ الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13]، أي ما للمشركين من أنصار ينصرونهم لينقذوهم من عذاب النّار.

فالتّقدير: ومأواه النّار لا محالة ولا طمع له في التّخلّص منه بواسطة نصير، فبالأحرى أن لا يتخلّص بدون نصير.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ ﴾ رَدَّ اللَّهُ بِذَلِكَ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، فَرَدَّهُ عَلى اليَهُودِ في تَكْذِيبِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ ونِسْبَتِهِمْ لَهُ إلى غَيْرِ رِشْدَةٍ، ورَدَّهُ عَلى النَّصارى في قَوْلِهِمْ إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.

﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ رَدَّ عَلى اليَهُودِ في نِسْبَتِها إلى الفاحِشَةِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ صِدِّيقَةٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُبالَغَةٌ في صِدْقِها ونَفْيِ الفاحِشَةِ عَنْها.

والثّانِي: أنَّها مُصَدِّقَةٌ بِآياتِ رَبِّها فَهي بِمَنزِلَةِ ولَدِها، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَنّى بِذَلِكَ عَنِ الغائِطِ لِحُدُوثِهِ مِنهُ، وهَذِهِ صِفَةٌ تُنْفى عَنِ الإلَهِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ نَفْسَ الأكْلِ لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ عَجْزٌ والإلَهُ لا يَكُونُ عاجِزًا.

﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ﴾ يَعْنِي الحُجَجَ والبَراهِينَ.

﴿ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي يُصْرَفُونَ، مِن قَوْلِهِمْ أفَكَتِ الأرْضُ إذا صُرِفَ عَنْها المَطَرُ.

والثّانِي: يَعْنِي يُقْلَبُونَ، والمُؤْتَفِكاتُ: المُنْقَلِباتُ مِنَ الرِّياحِ وغَيْرِها.

والثّالِثُ: يَكْذِبُونَ، مِنَ الإفْكِ، وهو الكَذِبُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال: لما رفع الله عيسى ابن مريم اجتمع من علماء بني إسرائيل مائة رجل، فقال بعضهم: أنتم كثير نتخوف الفرقة، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير نتخوف الفرقة، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير فاخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير فاخرجوا عشرة حتى بقي عشرة، فقالوا: أنتم كثير حتى الآن فاخرجوا ستة وبقي أربعة، فقال بعضهم: ما تقولون في عيسى؟

فقال رجل منهم: أتعلمون أنه لا يعلم الغيب إلا الله؟

قالوا: لا.

فقال الرجل: هو الله كان في الأرض ما بدا له، ثم صعد إلى السماء حين بدا له.

وقال الآخر: قد عرفنا عيسى وعرفنا أمه هو ولده، وقال الآخر: لا أقول كما تقولون، قد كان عيسى يخبرنا أنه عبد الله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فنقول كما قال لنفسه، لقد خشيت أن تكونوا قلتم قولاً عظيماً.

قال: فخرجوا على الناس فقالوا لرجل منهم: ماذا قلت؟

قال: قلت هو الله كان في الأرض ما بدا له ثم صعد إلى السماء حين بدا له.

قال: فاتبعه عنق من الناس وهؤلاء النسطورية واليعقوبية، ثم خرج الرابع فقالوا له: ماذا قلت؟

قال: قلت هو عبد الله روحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فاتبعه عنق من الناس فقال محمد بن كعب، فكل قد ذكره الله في القرآن ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة...

﴾ الآية.

ثم قرأ ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ [ النساء: 156] ثم قرأ ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ﴾ [ المائدة: 65] إلى قوله: ﴿ منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ [ المائدة: 66] قال محمد بن كعب: فهؤلاء أمة مقتصدة، الذين قالوا: عيسى عبد الله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ قال: النصارى يقولون: ﴿ إن الله ثالث ثلاثة ﴾ وكذبوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: تفرق بنو إسرائيل ثلاث فرق في عيسى، فقالت فرقة!

هو الله.

وقالت فرقة: هو ابن الله.

وقالت فرقة: هو عبد الله وروحه، وهي المقتصدة، وهي مسلمة أهل الكتاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ قال: قالت النصارى: إن الله هو المسيح وأمه، فذلك قوله: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ [ المائدة: 116] .

قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن هلال الدمشقي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان الداراني: يا أحمد- والله- ما حرك ألسنتهم بقولهم ثالث ثلاثة إلا هو، ولو شاء الله لأخرس ألسنتهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ المسيح ﴾ الآية: رد على النصارى، وتكذيب لهم ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ يحتمل أن يكون من كلام المسيح، أو من كلام الله ﴿ مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ﴾ الآية: رد على من جعله إلهاً ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ أي بليغة الصدق في نصفها، أو من التصديق، ووصفها بهذه الصفة دون النبوّة يدفع قول من قال: إنها نبية ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ استدلال على أنهما ليسا بإلهين لاحتياجهما إلى الغذاء الذي لا يحتاج إليه إلا محدَث مفتقر، ومن كان كذلك فليس بإله، لأن الإله منزه عن صفة الحدوث، وعن كل ما يلحق بالبشر، وقيل: إن قوله يأكلان الطعام: كناية عن نقص البشر، ولا ضرورة تدعو إلى إخراج اللفظ عن ظاهره، لأن الحجة قائمة بالوجهين ﴿ ثُمَّ انظر ﴾ دخلت ثم لتفاوت الأمرين ولقصد التعجيب من كفرهم بعد بيان الآيات.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن لا تكون ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف غير سهل وحفص وأبي بكر وحماد.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ رسلاً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ لا لأن عامل ﴿ كلما ﴾ قوله ﴿ كذبوا ﴾ ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ كثير منهم ﴾ ط ﴿ بما يعملون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ من أنصار ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ واحد ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ويستغفرونه ﴾ ط والوصل أيضاً حسن بناء على أن الواو للحال أي هلا يستغفرونه وهو غفور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ الرسل ﴾ ط لأن الواو للاستنئاف لا للعطل ﴿ صدّيقة ﴾ ط لأن ما بعده لا يصلح للصفة لأن الضمير في ﴿ كانا ﴾ مثنى ﴿ الطعام ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ولا نفعاً ﴾ ط والوصل يحسن على أن الواو للحال أي يعبدون ما لا ينفع ولا يضر والحال أن الله يسمع دعاء المضطر ويعلم رجاء المعتر ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه ﴿ فعلوه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ أشركوا ﴾ ج لطول الكلام والفصل بين الوصفين المتضادين ﴿ نصارى ﴾ ط ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ من الحق ﴾ ج لاحتمال ما يتلوه الحال والاستئناف ﴿ الشاهدين ﴾ 5 ﴿ من الحق ﴾ لا لأن الواو بعده للحال.

﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه.

/التفسير: افتتح الله  السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وانجر الكلام إلى ما انجرّ والآن عاد إلى ما بدأ به والمقصود بيان عتوّ بني إسرائيل وشدة تمردهم أي أخذنا ميثاقهم بخلق الدلائل وخلق العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال ﴿ وأرسلنا إليهم رسلاً ﴾ لتعريف الشرائع والأحكام.

قال في الكشاف ﴿ كلما جاءهم رسول ﴾ الخ جملة شرطية وقعت صفة لـ ﴿ رسلاً ﴾ والراجع إلى الموصوف محذوف أي رسول منهم.

وأقول: الأصوب جعلها جملة مستأنفة جواباً لسائل يسأل كيف فعلوا برسلهم؟

ولهذا كان الوقف على ﴿ رسلاً ﴾ مطلقاً، أما جواب الشرط فاختار في الكشاف أنه محذوف لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن يقال: إن أكرمت أخي أخاك أكرمت فالتقدير: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه أو عادوه وقوله ﴿ فريقاً كذبوا ﴾ جواب قائل: كيف فعلوا؟

وأقول أما أن التركيب المذكور غير مستحسن فعين النزاع، وأما أن الرسول الواحد لا يكون فريقين فتغليط لأن قوله ﴿ كلما ﴾ يدل على كثرة مجيء الرسل فلهذا صح جعلهم فريقين ومعنى ﴿ بما لا تهوى أنفسهم ﴾ بما يضاد شهواتهم لرغبتهم عن التكاليف، وفائدة تقديم المفعول وإيراد ﴿ يقتلون ﴾ مضارعاً ذكرناها في سورة البقرة وزعم في التفسير الكبير أنه ذكر التكذيب بلفظ الماضي لأنه إشارة إلى معاملتهم مع موسى  في ألبتة وتمردهم عن قبول قوله وقد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل بلفظ المستقبل لأنه رمز إلى ما فعلوا بزكريا ويحيى وعيسى على زعمهم وإن ذلك الزمان قريب فكان كالحاضر.

﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ قال علماء الأدب: الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء كالعلم والتيقن فيقع بعده أن المشددة الدالة على ثبات الشيء أيضاً لتأكيد مقتضاه كقوله: ﴿ ويعلمون أن الله هو الحق المبين  ﴾ فإن خففت ودخلت على الفعل لم يجز إلا أن يكون مع فعله "قد" أو "سوف" أو "السين" أو حرف نفي ليكون كالعوض من إحدى النونين وقيل: من حذف ضمير الشأن مثل ﴿ علم أن سيكون  ﴾ وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار نحو "أطمع" و "أخاف" و "أرجو" فلا يجيء معه إلا الخفيفة الناصبة للفعل كقوله ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي  ﴾ وفعل يحتمل المعنيين فيجوز فيه كلا الوجهين كقوله ﴿ وحسبوا أن لا تكون ﴾ قرىء بالنصب على أن المصدرية، وكون الحسبان بمعنى الظن وبالرفع على أن المخففة أي أنه لا تكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن، ونزل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم، وما يشتمل عليه صلة "أن" و "أنّ" من المسند والمسند إليه سد مسد المفعولين و "كان" تامة.

والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنه لا تقع فتنة وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

وعذاب الدنيا أقسام منها: القحط/ ومنها الوباء ومنها القتل ومنها العداوة والبغضاء فيما بينهم ومنها الإدبار والنحوسة وكل ذلك قد وقع بهم وقد فسرت الفتنة بكل ذلك، وحسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين: الأول أنهم كانوا يعتقدون أن لا نسخ لشريعة موسى، وأن كل رسول جاء بعده يجب تكذيبه، والثاني أنهم اعتقدوا كونهم مخطئين في التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه وأن نبوّة إسلافهم تدفع العقاب عنهم.

ثم إن الآية تدل على أن عماهم عن الدين وصممهم عن الحق حصل مرتين، فقال بعض المفسرين: إنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ثم تاب الله على بعضهم حيث وفقهم للإيمان به ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ في زمان محمد  فأنكروا نبوّته إلا بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.

وقوله ﴿ كثير منهم ﴾ بدل عن الضمير كقولك: رأيت القوم أكثرهم، وقيل: إنه على لغة من يقول "أكلوني البراغيث" وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم، وقال بعضهم: ﴿ عموا وصموا ﴾ حين عبدوا العجل ثم تابوا منه فتاب الله عليهم ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ بالتعنت وهو طلب رؤية الله جهرة.

وقال القفال: إنه يجوز أن يكون إشارة إلى ما في سورة بني إسرائيل ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما  ﴾ ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة  ﴾ وقرئ ﴿ فعموا وصموا ﴾ بالضم أي رماهم الله وضربهم بالعمى والصمم كما يقال: ركبته إذا ضربته بالركبة.

ثم إنه  لما استقصى الكلام مع اليهود شرع في حكاية كلام النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم ﴿ قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ وهذا قول اليعقوبية القائلين إن مريم ولدت إلهاً، ولعل مرادهم أنه  حل في ذات عيسى أو اتحد به.

ثم حكى عن المسيح ما حكى ليكون حجة قاطعة على فساد ما اعقتدوا فيه وذلك أنه لم يفرق بين نفسه وبين غيره في المربوبية وفي ظهور دلائل الحدوث عليه، ثم أكد ذلك المعنى بقوله: ﴿ إنه من يشرك بالله ﴾ أي في العبادة أو في تجويز الحلول أو الاتحاد أو في إجراء وصفه في المخلوقين أو بالعكس ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ التي هي دار الموحدين أي منعه منها ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ من كلام الله  أو من حكاية قول عيسى  لهم وقد مر تفسيره في آخر سورة آل عمران, وفيه تقريع لهم لأنهم كانوا يعتقدون أن لهم أنصاراً كثيرة فيما يقولون ويعتقدون فنفى الله  أو عيسى ذلك وإن كانوا يريدون بذلك تعظيمه.

قال المفسرون ﴿ ثالث ثلاثة ﴾ معناه ثالث آلهة ثلاثة ليلزم الكفر وإلا فما من شيئين وإلا والله ثالثهما.

يحكى أن النصارى يقولون أب وابن وروح قدس والثلاثة إله واحد كما أن الشمس تتناول القرص والشعاع والحرارة.

وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، قالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء/ بالخمر، وزعموا أن الأب إله واحد، والابن إله واحد، والروح إله واحد، والكل إله واحد.

واعلم أن هذا معلوم البطلان بالبديهة لأن الثلاثة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة فلا جرم رد الله مقالتهم بقوله: ﴿ وما من إله إلا إله واحد ﴾ فزاد من الاستغراقية.

والمعنى ما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له ولا شريك.

ثم زجرهم بقوله ﴿ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا ﴾ قال الزجاج: يعني الذين أقاموا على هذا الدين لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية فـ "من" في قوله ﴿ منهم ﴾ للتبعيض، ويجوز أن تكون للبيان والمراد ليمسنهم، ولكن أقيم الظاهر مقام المضمر تكريراً للشهادة عليهم بالكفر ورمزاً إلى أنهم من الكفر بمكان حتى لو فسر الكفار المعذبون عنوا بذلك خاصة.

ومعنى ﴿ عذاب أليم ﴾ نوع شديد الألم من العذاب ﴿ أفلا يتوبون ﴾ قال الفراء: إنه أمر بلفظ الاستفهام وفيه تعجيب من إصرارهم على الكفر بعد الوعيد الشديد.

ثم احتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ ما المسيح ابن مريم إلا رسول ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن لأنه منعهم من الكفر أوّلاً، ثم حثهم على الإسلام ثانياً، ثم شرع في حل شبههم ثالثاً، ومن هنا قيل: إن المرتد يستتاب بلا مهل ومناظرة إن عنت له شبهة بل يسلم أوّلاً ثم تحل شبهته ثانياً، والمعنى ما هو إلا رسول من جنس الرسل الماضين لا يتخطى الرسالة إلى الإلهية كما لم يتخطوا، فإن خلق من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وإن أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى فقد جعل موسى العصا حية تسعى إلى غير ذلك من آيات ربه الكبرى ﴿ وأمه صديقة ﴾ كبعض النساء المؤمنات بالأنبياء الصادقات في أقوالهن وأفعالهن وأحوالهن قال  في وصفها: ﴿ وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين  ﴾ أي من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم المجتهدون في إقامة مراسم العبودية.

ففيه تكذيب للنصارى المفرطين فيها إذ جعلوها إلهاً، وفيه تكذيب لليهود المفرّطين في شأنها حيث نسبوها إلى الهنات، وإلى الكذب في أن عيسى خلق من غير أب.

وفيه أن من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن فكان مخلوقاً لا إلهاً.

ثم أكد حدوثهما وعجزهما بقوله ﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾ فإن المحتاج إلى الاغتذاء سيحتاج إلى ما يتبعه من الهضم والنفض، وكل هذه الافتقارات دليل ظاهر وبرهان باهر على حدوثهما وأفولهما في حيز الإمكان.

ثم عجب من غاية غوايتهم ﴿ انظر ﴾ يا محمد أو كل من له أهلية النظر ﴿ كيف نبين لهم الآيات ﴾ الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم.

والعامل في ﴿ كيف ﴾ قوله ﴿ نبين ﴾ ومفعول ﴿ انظر ﴾ مجموع الجملة بل مضمونها أي تبصر هذه الحالة وتفكر فيها ومثله ﴿ ثم انظر أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق.

أفكه بالفتح يأفكه/ بالكسر أفكاً بالفتح والسكون صرفه عن الشيء.

ومنه الإفك بالكسر للكذب لأنه مصروف عن الحق، وأرض مأفوكة صرف عنها المطر.

ومعنى "ثم" التراخي والبون بين العجبين أي بينا لهم الآيات بياناً عجيباً ولكن إعراضهم عنها أعجب، ثم الصارف عن تأمل الحق هو الله أو العبد فيه خلاف مشهور بين الأشاعرة والمعتزلة، وأنت قد عرفت التحقيق في ذلك مراراً.

ثم أقام حجة أخرى على فساد قول النصارى فقال ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك ﴾ أي شيئاً لا يستطيع أو الذي لا يقدر على مثل ما يضركم به الله من البليات والمصائب أو ينفعكم به من الصحة والخصب بواسطة أو بغير واسطة بل لم يملك شيئاً من ذلك لنفسه، فإن اليهود كانوا يقصدونه بالسوء ولم يقدر على دفعهم.

ومن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ولما عطش وطلب الماء صبوا الخل في منخريه وكان  مصروف الهمة إلى عبادة الله ولو كان إلهاً كان معبوداً فقط لا عابداً له ﴿ والله هو السميع العليم ﴾ يسمع أباطيلهم ويعلم ضمائرهم ليجازيهم عليه وفيه من الوعيد ما فيه.

ثم عاد إلى مخاطبة الفريقين فقال ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا ﴾ والغلو مجاوزة حد الاعتدال وأنه شامل لطرفي الإفراط والتفريط وإن كان قد يخص بطرف الإفراط ويجعل مقابلاً للتقصير.

ولعل المراد ههنا هو الأول فاليهود فرطوا فيه حيث نسبوه إلى الزنا والكذب، والنصارى أفرطوا فيه حيث ادعوا فيه الإلهية.

قال في الكشاف: قوله ﴿ غير الحق ﴾ صفة للمصدر أي غلوا غير الحق، ولزمه القول بأن الغلو في الدين غلو، إن حق وهو أن يبالغ في تقرير الحق وتوضيحه واستكشاف حقائقة، وباطل وهو أن يتبع الشبهات على حسب الشهوت، والثاني منهي عنه دون الأوّل، وأقول: لما كان الغلو مجاوزة الحد وكل شيء جاوز حدّه شابه ضدّه فكيف يتصوّر غلو حق ولّله در القائل: كلا طرفي قصد الأمور ذميم *** فالأصوب أن يقال: انتصب ﴿ غير الحق ﴾ على أنه صفة قائمة مقام المصدر أي لا تغلوا غلواً كقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين  ﴾ أي إفساداً وكقولهم: تعال جائياً وقم قائماً.

ولو سلم أن المصدر محذوف كان ﴿ غير الحق ﴾ صفة مؤكدة مثل ﴿ نفخة واحدة  ﴾ و "أمس الدابر" لا صفة مميزة فافهم ﴿ ولا تتبعوا أهواء قوم ﴾ هي المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة.

قال الشعبي: ما ذكر الله  لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه ﴿ ولا تتبع الهوى فيضلك  ﴾ ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ قال أبو عبيد: لم نجد للهوى موضعاً إلا في/الشر.

لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال إنما يقال يريد الخير ويحبه.

وقيل: سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار.

وقال رجل لابن عباس: الحمد لّله الذي جعل هواي على هواك.

فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة ﴿ قد ضلوا من قبل ﴾ يعني أئمتهم في النصرانية واليهودية قبل بعث النبي  ﴿ وأضلوا كثيراً ﴾ ممن شايعهم على التثليث أو التفريط في شأن مريم وابنها ﴿ وضلوا عن سواء السبيل ﴾ عند مبعث النبي  فكذبوه.

والغرض بيان استمرارهم على الضلال قديماً وحديثاً.

وقيل: الضلال الأوّل عن الدين، والضلال الثاني عن الجنة.

وقيل: الضلال الثاني اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق ﴿ لعنهم الله ﴾ في الزبور على لسان داود وفي الإنجيل على لسان عيسى، وفيه تعيير لهم حيث ادعوا أنهم أولاد الأنبياء وقد لعنوا على ألسنتهم، وقال كثير من المفسرين: إن أصحاب أيلة كما سيجيء في الأعراف لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة.

وإن أصحاب المائدة لما أكلوا منها ولم يؤمنوا قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي.

وعن الأصم أن داود وعيسى بشرا بمحمد  ولعنا من يكذبه، وذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم.

ثم فسّر المعصية والاعتداء بقوله ﴿ كانوا لا يتناهون ﴾ وللتناهي معنيان: أحدهما وعليه الجمهور أنه تفاعل من النهي أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً.

عن ابن مسعود أن النبي  قال: " "من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم" وذلك أن في التناهي المأمور به حسماً للفساد فكان الإخلال به معصية وظلماً.

والثاني أنه بمعنى الانتهاء أي لا يمتنعون ولا ينتهون.

والمراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه لأن النهي بعد الفعل لا يفيد، أو المراد لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته، أو لا ينتهون أو لا ينهون عن الإصرار على منكر فعلوه.

ثم عجب من سوء فعلهم مؤكداً بالقسم المقدر فقال ﴿ لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ ثم لما وصف أسلافهم بما وصف شرع في نعت الحاضرين بأن كثيراً منهم يتولون المشركين والمراد كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله  وقد مر في تفسير سورة النساء عند قوله ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً  ﴾ ﴿ لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم ﴾ من العمل لمعادهم.

ومحل ﴿ أن سخط ﴾ رفع على أنه مخصوص بالذم أي بئس الزاد إلى الآخرة سخط الله يعني موجب سخط الله وسببه، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدّعون واتخذوا المشركين أولياء لأن تحريم ذلك متأكد في شريعة موسى ﴿ ولكن كثيراً منهم فاسقون ﴾ في دينهم لأن مرادهم تحصيل الرياسة والجاه بأي طريق قدروا عليه لا تقرير دين موسى.

ويحتمل أن يراد ولو كان هؤلاء اليهود المنافقون مؤمنين بالله وبمحمد والقرآن إيماناً خالصاً ما اتخذوا المشركين أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون متمردون في كفرهم ونفاقهم فلهذا يتولون المشركين.

وقال القفال: ولو أن هؤلاء المشركين يؤمنون بالله وبمحمد  ما اتخذهم اليهود أولياء.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ...

﴾ \[الآية\]: يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ ﴾ : أي: كفروا بعيسى؛ لأن عيسى كذبهم في قولهم: "إنه ابن الله" بقوله: ﴿ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ...

﴾ الآية، وبقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [مريم: 30]، أخبر أنه عبد الله، ليس هو إلهاً ولا ابنه،  الله عن ذلك.

والثاني: كفروا بعلمهم؛ لأنهم علموا أنه ابن مريم، وسموه ابن مريم، ثم قالوا: هو الله أو ابن الله، فإن كان ابن مريم أَنَّى يكون له ألوهية؟!

فإذا كانت أمه لم تستحق الألوهية وهي أقدم منه، كيف يكون لمن بعدها؟!

ولكن لسفههم قالوا ذلك،  الله عن ذلك علواً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ ﴾ : إذا حرم عليه الجنة صار مأواه النار.

وقيل: سمي: مسيحاً؛ قال الحسن: سمي ذلك؛ لأنه ممسوح بالبركات، وسمي الدجال: مسيحاً؛ لأنه ممسوح باللعنة.

وقيل: المسيح بمعنى الماسح، وذلك جائز؛ الفعيل بمعنى الفاعل، وهو ما كان يمسح المريض والأكمة والأبرص فيبرأ، ويمسح الموتى فيحيون، ومثل ذلك؛ فسمي بذلك، والله أعلم.

والفعيل بمعنى المفعول جائز - أيضاً - يقال: جريح ومجروح، وقتيل ومقتول؛ هذا كله جائز في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ﴾ .

قوله  : ﴿ كَفَرَ ﴾ بعلمهم، علموا [بوحدانيته]، فكيف يكون ثالث ثلاثة وهو واحد؟!

فإذا قالوا: هو الله فلا يكون هناك ثان ولا ثالث، وذلك تناقض في العقل.

والثاني: أنهم لم يروا غير الله خلق السماوات والأرض، ولا رأوا أحداً خلقهم سوى الله، كيف سموا دونه إلهاً ولم يخلق ما ذكرنا؟!

إنما خلق ذلك الله الذي لا إله غيره، وذلك قوله: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ أي: يعلمون أنه لا إله إلا [الله] إله واحد، لكنهم يتعنتون ويكابرون في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ ﴾ : عما تقدم ذكره ﴿ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ﴾ : عن مقالتهم الشرك، فإن فعلوا فإن الله غفور رحيم؛ كقوله -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ﴾ .

في الآية دلالة المحاجة مع الفريقين؛ كأنهم كانوا فريقين: أحد الفريقين كانوا ينكرون أنه رسول، والفريق الآخر يدعون له الربوبية والألوهية، فقال: إنه ابن مريم، وابن مريم لا يحتمل أن يكون إلهاً.

والثاني: أخبر أنه رسول قد خلت من قبله الرسل، أي: قد خلت من قبل عيسى رسل مع آيات وبراهين لم يقل أحد من الأمم السالفة: إنهم كانوا آلهة، فكيف قلتم أنتم بأن عيسى إله، وإن كان معه آيات وبراهين لرسالته؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ .

قيل: مطهرة عن الأقذار كلها، صالحة.

وقيل: ﴿ صِدِّيقَةٌ ﴾ : تشبه النبيين، وذلك أن جبريل -  - لما أتاها وقال: ﴿ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً  ﴾ صدقته كتصديق الأنبياء والرسل الملائكة، وأما سائر الخلائق: إنما يصدقون الملائكة بإخبار الرسل إياهم، وهي إنما صدقت جبريل بإخباره أنه ملك، وأنه رسول؛ لذلك سميت صديقة، والله أعلم.

وقيل: كل مؤمن صديق، كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ...

﴾ \[الآية\] [الحديد: 19].

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ ﴾ : فيه الاحتجاج عليهم من وجهين: أحدهما: أن الجوع قد كان يغلبهما ويحوجهما إلى أن يدفعا ذلك عن أنفسهما، ومن غلبه الجوع وقهره كيف يصلح أن يكون ربّاً إلها؟!.

والثاني: أنهما إذا احتاجا إلى الطعام لا بد من أن يدفعهما ذلك إلى إزالة الأذى عن أنفسهما ودفعه، والقيام في أخبث الأماكن وأقبحها، فمن دفع إلى ذلك لا يكون إلها،  الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ﴾ : والآيات ما ذكر من وجوه المحاجة عليهم: أحدها: أنه ابن مريم، ومن كان ابن آخر لا يكون إلها.

والثاني: أنه رسول، وقد كان قبله رسل مع آيات وبراهين، لم يدع أحد لهم الألوهية والربوبية.

والثالث: أنه كان يأكل الطعام، ومن كان تحت غلبة آخر وقهره، لا يكون إلها.

والرابع: من أكل الطعام احتاج أن يدفع عن نفسه الأذى، ويقوم في أخبث مكان، ومن كان هذا أمره لم يكن ربّاً.

وليس في القرآن - والله أعلم - آية أكثر ولا أبين احتجاجاً على النصارى وأولئك، ولا أقطع لقولهم من هذه الآية؛ للمعاني التي وصفنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ : أي: من أين يكذبون.

قال أبو عبيد: ﴿ يُؤْفَكُونَ ﴾ : يصرفون، ويخادعون عن الحق، كل من صرفته عن شيء فقد أفكته.

ويقال: أفكت الأرض، إذا صرف عنها القطر.

وقوله: ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ  ﴾ .

قال ابن عباس -  - ﴿ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ  ﴾ قال: أضلهم، فإذا أضلهم، فقد صرفهم عن الهدى.

قال أبو عوسجة: الإفك عندي: الصرف عن الحق، وفي الأصل: الإفك: الكذب.

وقال القتبي: ﴿ يُؤْفَكُونَ ﴾ : يصرفون عن الحق ويعدلون.

وقيل: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يخدعون بالكذب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ﴾ إن خالفتموه ﴿ وَلاَ نَفْعاً ﴾ إن أطعتموه.

ويحتمل: قوله: ﴿ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ﴾ إن كان الله أراد بكم نفعاً، ولا نفعاً إن حل بكم الضر، أي: لا يملكون دفعه عنكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ﴾ : لنسبتكم عيسى إليه  ، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بعبادتكم غير الله.

ويحتمل: ﴿ ٱلسَّمِيعُ ﴾ المجيب لدعائكم، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بنياتكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

خاطب الله - عز وجل - بالنهي عن الغلو في الدين أهل الكتاب، لم يخاطب أهل الشرك بذلك فيما خاطب بقوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ  ﴾ ؛ وذلك أن أهل الكتاب ادعوا أنهم على دين الأنبياء والرسل [الذين] كانوا من قبل، فنهاهم الله - عز وجل - عن الغلو في الدين.

والغلو: هو المجاوزة عن الحد الذي حد، والإفراط فيه والتعمق؛ فكأنه - والله أعلم - قال: لا تجاوزوا في الدين الحد الذي حد فيه بنسبة الألوهية والربوبية إلى غير الله والعبادة له.

وأما أهل الشرك: فإنهم يعبدون ما يستحسنون، ويتركون ما يستقبحون، ليس لهم دين يدينون به.

وأما هؤلاء: فإنهم يَدَّعُون أنهم على دين الأنبياء والرسل؛ لذلك خرج الخطاب لهم بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ ﴾ : يعني: الرؤساء بذلك، والله أعلم.

[ ﴿ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً ﴾ : أي: أتباعهم.

﴿ وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ : أي: عن قصد طريق الهدى].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد كفر النصارى القائلون بأن الله هو المسيح عيسى بن مريم؛ لنسبتهم الألوهية لغير الله، مع أن المسيح ابن مريم نفسه قال لهم: يا بني إسرائيل اعبدوا الله وحده، فهو ربي وربكم، فنحن في عبوديته سواء، ذلك أن من يشرك بالله غيره فإن الله قد منع عليه دخول الجنة أبدًا، ومستقره نار جهنم، وما له ناصر عند الله ولا معين، ولا منقذ ينقذه مما ينتظره من العذاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.VQpw3"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله