الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٧٥ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٥ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) أي : له سوية أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه ، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام ، كما قال : ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ) [ الزخرف : 59 ] .
وقوله : ( وأمه صديقة ) أي : مؤمنة به مصدقة له .
وهذا أعلى مقاماتها فدل على أنها ليست بنبية ، كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى ونبوة أم عيسى استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) [ القصص : 7 ] [ قالوا ] وهذا معنى النبوة ، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال ، قال الله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) [ يوسف : 109 ] ، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله الإجماع على ذلك .
وقوله : ( كانا يأكلان الطعام ) أي : يحتاجان إلى التغذية به ، وإلى خروجه منهما ، فهما عبدان كسائر الناس وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة ، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة .
ثم قال تعالى : ( انظر كيف نبين لهم الآيات ) أي : نوضحها ونظهرها ( ثم انظر أنى يؤفكون ) أي : ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون؟
وبأي قول يتمسكون؟
وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون؟
؟
القول في تأويل قوله : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ قال أبو جعفر: وهذا [خَبَرٌ] من الله تعالى ذكره، (19) احتجاجًا لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم على فِرَق النصارى في قولهم في المسيح.
يقول= مكذِّبًا لليعقوبية في قِيلهم: " هو الله " والآخرين في قيلهم: " هو ابن الله " =: ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح، ولكنه ابن مريم ولدته ولادةَ الأمهات أبناءَهن، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر، وإنما هو لله رسولٌ كسائر رسله الذين كانوا قبلَه فمضوا وخَلَوْا، أجرى على يده ما شاء أن يجريه عليها من الآيات والعِبر، حجةً له على صدقه، وعلى أنه لله رسول إلى من أرسله إليه من خلقه، كما أجرى على أيدي من قبله من الرسل من الآيات والعِبر، حجةً لهم على حقيقةِ صدقهم في أنهم لله رسلٌ (20) =" وأمه صِدّيقة "، يقول تعالى ذكره وأمّ المسيح صِدِّيقةٌ.
* * * و " الصِدِّيقة "" الفِعِّيلة "، من " الصدق "، وكذلك قولهم: " فلان صِدِّيق "،" فِعِّيل " من " الصدق "، ومنه قوله تعالى ذكره: وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ .
[سورة النساء: 69].
(21) وقد قيل إن " أبا بكر الصدّيق " رضي الله عنه إنما قيل له: " الصّدّيق " لصدقه.
وقد قيل: إنما سمي" صديقًا "، لتصديقه النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره في ليلة واحدةٍ إلى بيت المقدس من مكة، وعودِه إليها.
* * * وقوله: " كانا يأكلان الطعام "، خبٌر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمّه: أنهما كانا أهل حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم، فإنّ من كان كذلك، فغيرُ كائنٍ إلهًا، لأن المحتاج إلى الغذاء قِوَامه بغيره.
وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليلٌ واضحٌ على عجزه.
والعاجز لا يكون إلا مربوبًا لا ربًّا.
* * * القول في تأويل قوله : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا محمد، كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى=" الآيات "، وهي الأدلَّةُ، والأعلام والحُجج على بُطُول ما يقولون في أنبياء الله، (22) وفي فريتهم على الله، وادِّعائهم له ولدًا، وشهادتهم لبعض خلقه بأنه لهم ربٌّ وإله، ثم لا يرتدعون عن كذبهم وباطل قِيلهم، ولا ينـزجرون عن فريتهم على ربِّهم وعظيم جهلهم، مع ورود الحجج القاطعة عذرَهم عليهم.
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد صلى الله عليه &; 10-486 &; وسلم: " ثم انظر "، يا محمد=" أنَّى يؤفكون "، يقول: ثم انظر، مع تبييننا لهم آياتنا على بُطول قولهم، أيَّ وجه يُصرَفون عن بياننا الذي نبيِّنه لهم؟
(23) وكيف عن الهدى الذي نهديهم إليه من الحق يضلُّون؟
* * * والعرب تقول لكل مصروف عن شيء: " هو مأفوك عنه ".
يقال: " قد أفَكت فلانًا عن كذا "، أي: صرفته عنه،" فأنا آفِكه أفْكًا، وهو مأفوك ".
و " قد أُفِكت الأرض "، إذا صرف عنها المطر.
(24) ------------- الهوامش : (19) الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام.
(20) انظر تفسير"المسيح" فيما سلف ص: 480 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(21) انظر تفسير"الصديق" فيما سلف 8: 530- 532.
(22) انظر تفسير"الآيات" فيما سلف (أيي).
(23) المطبوعة: "بينته لهم" ، والصواب من المخطوطة ، وهي غير منقوطة.
(24) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 174 ، 175.
قوله تعالى : ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكونقوله تعالى : ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ابتداء وخبر ; أي : ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل ; فإن كان إلها فليكن كل رسول إلها ; فهذا رد لقولهم واحتجاج عليهم ، ثم بالغ في الحجة فقال : وأمه صديقة ابتداء وخبر كانا يأكلان الطعام أي : أنه مولود مربوب ، ومن ولدته النساء وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر المخلوقين ; ولم يدفع هذا أحد منهم ، فمتى يصلح المربوب لأن يكون ربا ؟
!
وقولهم : كان يأكل بناسوته لا بلاهوته فهذا منهم مصير إلى الاختلاط ، ولا يتصور اختلاط إله بغير إله ، ولو جاز اختلاط القديم بالمحدث لجاز أن يصير القديم محدثا ، ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره حتى يقال : اللاهوت مخالط لكل محدث ، وقال بعض المفسرين في قوله : كانا يأكلان الطعام إنه كناية عن الغائط والبول ، وفي هذا [ ص: 186 ] دلالة على أنهما بشران ، وقد استدل من قال : إن مريم عليها السلام لم تكن نبية بقوله تعالى : وأمه صديقة .قلت : وفيه نظر ، فإنه يجوز أن تكون صديقة مع كونها نبية كإدريس عليه السلام ; وقد مضى في " آل عمران " ما يدل على هذا .
والله أعلم .
وإنما قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به .
عن الحسن وغيره .
والله أعلم .قوله تعالى : انظر كيف نبين لهم الآيات أي الدلالات .
ثم انظر أنى يؤفكون أي : كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان ; يقال : أفكه يأفكه إذا صرفه ، وفي هذا رد على القدرية والمعتزلة .
ثم ذكر حقيقة المسيح وأُمِّه، الذي هو الحق، فقال: { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ْ} أي: هذا غايته ومنتهى أمره، أنه من عباد الله المرسلين، الذين ليس لهم من الأمر ولا من التشريع، إلا ما أرسلهم به الله، وهو من جنس الرسل قبله، لا مزية له عليهم تخرجه عن البشرية إلى مرتبة الربوبية.
{ وَأُمَّهُ ْ} مريم { صِدِّيقَةٌ ْ} أي: هذا أيضا غايتها، أن كانت من الصديقين الذين هم أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء.
والصديقية، هي العلم النافع المثمر لليقين، والعمل الصالح.
وهذا دليل على أن مريم لم تكن نبية، بل أعلى أحوالها الصديقية، وكفى بذلك فضلا وشرفا.
وكذلك سائر النساء لم يكن منهن نبية، لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل الصنفين، في الرجال كما قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ْ} فإذا كان عيسى عليه السلام من جنس الأنبياء والرسل من قبله، وأمه صديقة، فلأي شيء اتخذهما النصارى إلهين مع الله؟
وقوله: { كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ْ} دليل ظاهر على أنهما عبدان فقيران، محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب، ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد.
ولما بين تعالى البرهان قال: { انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ْ} الموضحة للحق، الكاشفة لليقين، ومع هذا لا تفيد فيهم شيئا، بل لا يزالون على إفكهم وكذبهم وافترائهم، وذلك ظلم وعناد منهم.
قوله تعالى : ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت ) [ مضت ] ( من قبله الرسل ) أي : ليس هو بإله بل هو كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة ) ( وأمه صديقة ) أي : كثيرة الصدق .
وقيل : سميت صديقة لأنها صدقت بآيات الله ، كما قال عز وجل في وصفها : " وصدقت بكلمات ربها " ( التحريم ، 12 ) ، ( كانا يأكلان الطعام ) أي : كانا يعيشان بالطعام والغذاء كسائر الآدميين ، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام؟
وقيل : هذا كناية عن الحدث ، وذلك أن من أكل وشرب لا بد له من البول والغائط ، ومن هذه صفته كيف يكون إلها؟
ثم قال : ( انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ) أي يصرفون عن الحق .
«ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت» مضت «من قبله الرسل» فهو يَمضي مثلهم وليس بإله كما زعموا وإلا لما مضى «وأُمُّه صدَيقة» مبالغة في الصدق «كانا يأكلان الطعام» كغيرهما من الناس ومن كان كذلك لا يكون إلها لتركيبه وضعفه وما ينشأ منه من البول والغائط «أنظر» متعجبا «كيف نبين لهم الآيات» على وحدانيتنا «ثم أنظر أنَّى» كيف «يُؤفكون» يصرفون عن الحق مع قيام البرهان.
ما المسيح ابن مريم عليه السلام إلا رسولٌ كمن تقدمه من الرسل، وأُمُّه قد صَدَّقت تصديقًا جازمًا علمًا وعملا وهما كغيرهما من البشر يحتاجان إلى الطعام، ولا يكون إلهًا مَن يحتاج الى الطعام ليعيش.
فتأمَّل -أيها الرسول- حال هؤلاء الكفار.
لقد وضحنا العلاماتِ الدالةَ على وحدانيتنا، وبُطلان ما يَدَّعونه في أنبياء الله.
ثم هم مع ذلك يَضِلُّون عن الحق الذي نَهديهم إليه، ثم انظر كيف يُصرفون عن الحق بعد هذا البيان؟
ثم بين - سبحانه - حقيقة عيسى عليه السلام - وحقيقة أمه مريم حتى يزيل عن ساحتهما ما افتراه عليهما المفترون فقال - تعالى - ( مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ) .وقوله ( صديقة ) صيغة مبالغة في التمسك بفضيلة الصدق مثل شريب ومسيك مبالغة في الشرب والمسك .قال الراغب : والصديق من كثير منه الصدق ، وقيل : بل يقال لمن لم يكذب قط : وقيل : بل لمن لا يأتي منه الكذب لتعوده الصدق .
وقيل ، لمن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله .
.
قال - تعالى - ( فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين )فالصديقون هم قوم دون الأنبياء في الفضيلة .والمعنى : إن الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة .
قد قالوا منكرا وزورا ، إذ ليس الألوهية إلا لله وحده لوليس المسيح عيسىابن مريم سوى بشر من البشر ورسول مثل الرسل الذين سبقوه كنوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الرسل الذين مضوا دون أن يدعي واحد منهم الألوهية .
وأما أم عيسى مريم فما هي إلا أمة من إماء الله كسائر النساء ديدنها الصدق مع خالقها - عز وجل - أو التصديق له في سائر أمورها .
وهما - أي عيسى وأمه مريم - عبدان من عباد الله كانا يأكلان الطعام ، ويشربان الشراب ويتصرفان كما يتصرف سائر البشر فكيف ساغ لكم - يا معشر النصارى - أن تصفوهما بأنهما إلهين مع أن طبيعتهما الظاهرة أمامكم تتنافى تنافيا تاما مع صفات الأولوهية : إن وصفكم لهما بالألوهية لدليل واضح على فساد عقولكم وضلال تفكيركم ، وعظيم جهلكم .وقوله ( مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ) جملة مشتملة على قصر موصوف على صفة ، وهو قصر إضافي ، أي أن المسيح مقصور على صفة الرسالة لا يتجاوزها إلى غيرها وهي الألوهية فالقصر قصر قلب لرد اعتقاد النصارى في عيسى أنه الله ، أو أنه جزء من الله أو أنه أحد آلهة ثلاثة .وقوله : ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل ) صفة للرسول وهو عيسى أريد بها بيان أنه مساو للرسل الكرام الذين سبقوه في تبليغ رسالة الله إلى الناس؛ وأنةه ليس بدعا في هذا الوصف وإذا فلا شبهة للذين زعموا أنه إله " لأنه لم يجيء بشيء زائد على ما جاء به الرسل " .وقوله .
( وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) معطوف على قوله : ( مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ) والقصد من وصف مريم بذلك مدحها والثناء عليها ، ونفي أن يكون لها وصف أعلى من ذلك ، فهي ليست إلها .
كما أنها ليست رسولا .ولذا قال ابن كثير : دلت الآية على أن مريم ليست بنبية - كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق وبنوة أم عيسى ونبوة أم موسى - استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله : ( وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ) والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلأا من الرجال - قال تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى ) وقوله : ( كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ) جملة مستأنفة لبيان خواصهما الآدمية بعد بيان منزلتهما السامية عند الله - تعالى - .وقد اختيرت هذه الصفة لهما من بين صفات كثيرة كالمشرب والملبس .
لأنها صفة واضحة ظاهرة للناس ، ودالة على احتياجهما لغيؤرهما في مطلب حياتهما ، ومن يحتاج إلى غيره لا يكون إلها .وقال صاحب الكشاف : لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض ، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروض وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة ..
وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام وحاسا للإِله أن يكون كذلك .ففي هذه الجمل الكريمة رد على ما زعمه النصارى في شأن عيسى وأمه بأبلغ وجه وأحكمه ، ولذا عجب الله - تعالى - رسوله وكل من يصلح للخطاب من جهلهم وبعدهم عن الحق مع وضوحه وظهوره فقال : ( انظر كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيات ثُمَّ انظر أنى يُؤْفَكُونَ ) أي : يصرفون .يقال أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشيء .أي : انظر - يا محمد - كيف تبين لهم الأدلة المنوعة على حقيقة عيسى وأمه بيانا واضحاً ظاهراً .
ثم انظر بعد ذلك كيف ينصرفون عن الإِصاخة إليها والتأمل فيها لسوء تفكيرهم ، واستيلاء الجهل والوهم والعناد على عقولهم .فالجملتان الكريمتان تعجيب لكل عاقل من أحوال النصارى الذين زعموا أن الله هو المسيح ابن مريم ، أو أن الله ثالث ثلاثة .
مع أنه - سبحانه - أقام لهم الأدلة المتعددة على بطلان ذلك .وكرر الله - سبحانه - الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب من أحوالهم الغريبة وجيء بثم المفيدة للتراخي في قوله ( ثُمَّ انظر أنى يُؤْفَكُونَ ) لإظهار ما بين وضوح الآيات وانصرافهم عنها من تفاوت شديد أي : أن بياننا للآيات أمر بديع في بابه بحيث يجعل كل عاقل يستجيب لها ، ويخضع لما تدعو إليه من هدايات وخيرات .
وانصراف هؤلاء الضالين عنها - مع وضوحها وتعاضد ما يوجب قبولها - أمر يدعو إلى العجب الشديد من جهلهم وضلالهم وسوء تفكيرهم .
ثم قال تعالى: ﴿ مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ ﴾ أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها، فإن كان الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى وفلق البحرعلى يد موسى، وإن كان خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى ﴿ وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ ﴾ وفي تفسير ذلك وجوه: أحدها: أنها صدقت بآيات ربها وبكل ما أخبر عنه ولدها.
قال تعالى في صفتها ﴿ وَصَدَّقَتْ بكلمات رَبَّهَا وَكُتُبِهِ ﴾ .
وثانيها: أنه تعالى قال: ﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ فلما كلمها جبريل وصدقته وقع عليها اسم الصديقة.
وثالثها: أن المراد بكونها صديقة غاية بعدها عن المعاصي وشدة جدها واجتهادها في إقامة مراسم العبودية، فإن الكامل في هذه الصفة يسمى صديقاً قال تعالى: ﴿ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ .
واعلم أن المقصود من ذلك: الاستدلال على فساد قول النصارى، وبيانه من وجوه: الأول: أن كل من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن، وكل من كان كذلك كان مخلوقاً لا إلها، والثاني: أنهما كانا محتاجين، لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة، والإله هو الذي يكون غنياً عن جميع الأشياء، فكيف يعقل أن يكون إلها.
الثالث: قال بعضهم: إن قوله: ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ كناية عن الحدث لأن من أكل الطعام فإنه لابد وأن يحدث، وهذا عندي ضعيف من وجوه: الأول: أنه ليس كل من أكل أحدث، فإن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون.
الثاني: أن الأكل عبارة عن الحاجة إلى الطعام، وهذه الحاجة من أقوى الدلائل على أنه ليس بإله، فأي حاجة بنا إلى جعله كناية عن شيء آخر.
الثالث: أن الإله هو القادر على الخلق والايجاد، فلو كان إلها لقدر على دفع ألم الجوع عن نفسه بغير الطعام والشراب، فما لم يقدر على دفع الضرر عن نفسه كيف يعقل أن يكون إلها للعالمين، وبالجملة ففساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل.
ثم قال تعالى: ﴿ انظر كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الأيات ثُمَّ انظر أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ يقال: أفكه يأفكه إفكاً إذا صرفه، والإفك الكذب لأنه صرف عن الحق، وكل مصروف عن الشيء مأفوك عنه، وقد أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر، ومعنى قوله: ﴿ أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ أنى يصرفون عن الحق، قال أصحابنا: الآية دلت على أنهم مصروفون عن تأمل الحق، والإنسان يمتنع أن يصرف نفسه عن الحق والصدق إلى الباطل والجهل والكذب، لأن العاقل لا يختار لنفسه ذلك، فعلمنا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي صرفهم عن ذلك.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
من في قوله: ﴿ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد ﴾ للاستغراق وهي القدرة مع (لا) التي لنفي الجنس في قولك ﴿ لاَ إله إِلاَّ الله ﴾ والمعنى: وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له، وهو الله وحده لا شريك له: و(من) في قوله: ﴿ لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ ﴾ للبيان كالتي في قوله تعالى: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان ﴾ [الحج: 30] فإن قلت: فهلا قيل: ليمسنهم عَذَابٌ أَلِيمٌ.
قلت: في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ ﴾ وفي البيان فائدة أخرى وهي الإعلام في تفسير (الذين كفروا منهم) أنهم بمكان من الكفر.
والمعنى: ليمسنّ الذين كفروا من النصارى خاصة ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي نوع شديد الألم من العذاب كما تقول: أعطني عشرين من الثياب، تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون.
ويجوز أن تكون للتبعيض، على معنى: ليمسنّ الذين بقوا على الكفر منهم، لأنّ كثيراً منهم تابوا من النصرانية ﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ ﴾ ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكرّرة عليهم بالكفر.
وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه.
وفيه تعجب من إصرارهم ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل ﴾ صفة لرسول، أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها، أن أبرأ الله الأبرص وأحيا الموتى على يده، فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى، وفلق بها البحر، وطمس على يد موسى.
وإن خلقه من غير ذكر، فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى ﴿ وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ ﴾ أي وما أمه أيضاً إلا كصديقة كبعض النساء المصدّقات للأنبياء المؤمنات بهم، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين: أحدهما نبي، والآخر صحابي.
فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم؟
مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه.
ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما في قوله: ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ لأنّ من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام ﴿ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الأيات ﴾ أي الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم: ﴿ أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله.
فإن قلت: ما معنى التراخي في قوله ثم انظر؟
قلت: معناه ما بين العجبين، يعني أنه بين لهم الآيات بياناً عجيباً، وإنّ إعراضهم عنها أعجب منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ أيْ ما هو إلّا رَسُولٌ كالرُّسُلِ قَبْلَهُ خَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالآياتِ كَما خَصَّهم بِها، فَإنَّ إحْياءَ المَوْتى عَلى يَدِهِ فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أعْجَبُ، وإنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ وأُمٍّ وهو أغْرَبُ.
﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ كَسائِرِ النِّساءِ اللّاتِي يُلازِمْنَ الصِّدْقَ، أوْ يَصْدُقْنَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ﴾ ويَفْتَقِرانِ إلَيْهِ افْتِقارَ الحَيَواناتِ، بَيَّنَ أوَّلًا أقْصى ما لَهُما مِنَ الكَمالِ ودَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُوجِبُ لَهُما أُلُوهِيَّةً لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُشارِكُهُما في مِثْلِهِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى نَقْصِهِما وذَكَرَ ما يُنافِي الرُّبُوبِيَّةَ ويَقْتَضِي أنْ يَكُونا مِن عِدادِ المَرْكَباتِ الكائِنَةِ الفاسِدَةِ، ثُمَّ عَجِبَ لِمَن يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ لَهُما مَعَ أمْثالِ هَذِهِ الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ فَقالَ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وتَأمُّلِهِ وثُمَّ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ أيْ إنَّ بَيانَنا لِلْآياتِ عَجَبٌ وإعْراضَهم عَنْها أعْجَبُ.
<div class="verse-tafsir"
{مّا المسيح ابن مريم إلاّ رسولٌ} فيه نفي الألوهية عنه {قد خلت من قبله الرسل} صفة الرسول أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى لم يكن منه لأنه ليس إلها بل الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده كما أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وخلقه من غير ذكر كخلق آدم من غير ذكر وأنثى {وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ} أي وما أمه أيضاً إلا كبعض النساء المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم ووقع اسم الصديقة عليهم لقوله تعالى {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} ثم أبعدهما عما نسب إليهما بقوله {كانا يأكلان الطّعام} لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام
وما يتبعه من الهضم والنقض لم يكن إلا جسماً مركباً من لحم وعظم وعروق وأعصاب وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام {انظر كيف نبيّن لهم الآيات} أي الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم ثمّ انظر {أنى يؤفكون} كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله بعد هذا البيان وهذا تعجيب من الله تعالى في ذهابهم عن الفرق بين الرب والمربوب
﴿ ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبَيانِ حَقِيقَةِ حالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحالِ أُمِّهِ بِالإشارَةِ أوَّلًا إلى ما امْتازُوا بِهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ حَتّى صارا مِن أكْمَلِ أفْرادِ الجِنْسِ، وآخِرًا إلى الوَصْفِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما وبَيْنَ أفْرادِ البَشَرِ، بَلْ أفْرادِ الحَيَواناتِ، وفي ذَلِكَ اسْتِنْزالٌ لَهم بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ عَنِ الإصْرارِ، وإرْشادٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، أيْ هو - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ لا يَكادُ يَتَخَطّاها إلى ما يَزْعُمُ النَّصارى فِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ صِفَةُ رَسُولٍ مُنْبِئَةٌ عَنِ اتِّصافِهِ بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، فَإنَّ خُلُوَّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ مُنْذِرٌ بِخُلُوِّهِ، وذَلِكَ مُقْتَضِي لِاسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ، أيْ ما هو إلّا رَسُولٌ كالرُّسُلِ الخالِيَةِ قَبْلَهُ، خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِبَعْضِ الآياتِ كَما خَصَّ كُلًّا مِنهم بِبَعْضٍ آخَرَ مِنها، ولَعَلَّ ما خَصَّ بِهِ غَيْرَهُ أعْجَبُ وأغْرَبُ مِمّا خَصَّهُ بِهِ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنْ أحْيا مَن ماتَ مِنَ الأجْسامِ الَّتِي مِن شَأْنِها الحَياةُ فَقَدْ أحْيا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجَمادَ، وإنْ كانَ قَدْ خُلِقَ مِن غَيْرِ أبٍ فَآدَمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ خُلِقَ مِن غَيْرِ أبٍ وأُمٍّ، فَمِن أيْنَ لَكم وصْفُهُ بِالأُلُوهِيَّةِ؟!
﴿ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ أيْ وما أُمُّهُ أيْضًا إلّا كَسائِرِ النِّساءِ اللَّواتِي يُلازِمْنَ الصِّدْقَ أوِ التَّصْدِيقَ، ويُبالِغْنَ في الِاتِّصافِ بِهِ، فَمِن أيْنَ لَكم وصْفُها بِما عَرِيَ عَنْ أمْثالِها؟!
والمُرادُ بِالصِّدْقِ هُنا صِدْقُ حالِها مَعَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: صِدْقُها في بَراءَتِها مِمّا رَمَتْها بِهِ اليَهُودُ، والمُرادُ بِالتَّصْدِيقِ تَصْدِيقُها بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ ﴾ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: تَصْدِيقُها بِالأنْبِياءِ، والصِّيغَةِ كَيْفَما كانَتْ لِلْمُبالَغَةِ كَـ( شِرِّيبٍ ).
ورُجِّحَ كَوْنُها مِنَ الصِّدْقِ بِأنَّ القِياسَ في صِيَغِ المُبالَغَةِ الأخْذُ مِنَ الثُّلاثِيِّ، ولَكِنْ ما حُكِيَ رُبَّما يُؤَيِّدُ أنَّها مِنَ المُضاعَفِ، والحَصْرُ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ والعَطْفِ - كَما قالَهُ العَلّامَةُ الثّانِي - وتَوَقَّفَ في ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، ولَيْسَ في مَحَلِّهِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى عَدَمِ نُبُوَّةِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - وذَلِكَ أنَّهُ - تَعالى شَأْنُهُ - إنَّما ذَكَرَ في مَعْرِضِ الإشارَةِ إلى بَيانِ أشْرَفِ ما لَها الصِّدِّيقِيَّةَ، كَما ذَكَرَ الرِّسالَةَ لِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مِثْلِ ذَلِكَ المَعْرَضِ، فَلَوْ كانَ لَها - عَلَيْها السَّلامُ - مَرْتَبَةُ النُّبُوَّةِ لَذَكَرَها سُبْحانَهُ دُونَ الصِّدِّيقِيَّةِ؛ لِأنَّها أعْلى مِنها بِلا شَكٍّ، نَعَمِ، الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والصِّدِّيقِيَّةِ مَقامٌ وهَذا أمْرٌ آخَرُ، لا ضَرَرَ لَهُ فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ.
﴿ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، مُبَيِّنٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن كَوْنِهِما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ، بَلْ أفْرادِ الحَيَوانِ في الِاحْتِياجِ إلى ما يَقُومُ بِهِ البَدَنُ مِنَ الغِذاءِ، فالمُرادُ مِن أكْلِ الطَّعامِ حَقِيقَتُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ قَضاءِ الحاجَةِ؛ لِأنَّ مَن أكَلَ الطَّعامَ احْتاجَ إلى النَّفْضِ، وهَذا أمَرُّ ذَوْقًا في أفْواهِ مُدَّعِي أُلُوهِيَّتِهِما لِما في ذَلِكَ - مَعَ الدَّلالَةِ عَلى الِاحْتِياجِ المُنافِي لِلْأُلُوهِيَّةِ - بَشاعَةٌ عُرْفِيَّةٌ، ولَيْسَ المَقْصُودُ سِوى الرَّدِّ عَلى النَّصارى في زَعْمِهِمُ المُنْتِنِ واعْتِقادِهِمُ الكَرِيهِ.
قِيلَ: والآيَةُ في تَقْدِيمِ ما لَهُما مِن صِفاتِ الكَمالِ، وتَأْخِيرِ ما لِأفْرادِ جِنْسِهِما مِن نَقائِصِ البَشَرِيَّةِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ ﴾ حَيْثُ قَدَّمَ سُبْحانَهُ العَفْوَ عَلى المُعاتَبَةِ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِئَلّا تُوحِشَهُ مُفاجَأتُهُ بِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ لَهُما الرُّبُوبِيَّةَ، ولا يَرْعَوُونَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَما بَيَّنَ لَهم حَقِيقَةَ الحالِ بَيانًا لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ رَيْبٍ، والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ لِكُلِّ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ ذَلِكَ، و( كَيْفَ ) مَعْمُولٌ لِـ( نُبَيِّنُ ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ، مُعَلِّقَةٌ لِلْفِعْلِ قَبْلَها، والمُرادُ مِنَ الآياتِ الدَّلائِلُ، أيِ: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الدَّلائِلَ القَطْعِيَّةَ الصّاعِدَةَ بِبُطْلانِ ما يَقُولُونَ.
﴿ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإصاخَةِ إلَيْها والتَّأمُّلِ فِيها؛ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ وخَباثَةِ نُفُوسِهِمْ، والكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ فِيما قَبْلَهُ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، و( ثُمَّ ) لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجْبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ، أيْ: إنَّ بَيانَنا لِلْآياتِ أمْرٌ بَدِيعٌ في بابِهِ، بالِغٌ لِأقْصى الغاياتِ مِنَ التَّحْقِيقِ والإيضاحِ، وإعْراضُهم عَنْها - مَعَ انْتِفاءِ ما يُصَحِّحُهُ بِالمَرَّةِ وتَعاضُدِ ما يُوجِبُ قَبُولَها - أعْجَبُ وأبْدَعُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى حَقِيقَتِها، والمُرادُ مِنها بَيانُ اسْتِمْرارِ زَمانِ بَيانِ الآياتِ وامْتِدادُهُ، أيْ أنَّهم مَعَ طُولِ زَمانِ ذَلِكَ لا يَتَأثَّرُونَ، ( ويُؤْفَكُونَ ).
<div class="verse-tafsir"
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ يعني: هو رسول كسائر الرسل، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وهو من جماعة الرسل، وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ شبه النبيين، وذلك حين صدقت جبريل حين قال لها: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ [مريم: 19] والصديق في اللغة هو المبالغ في التصديق.
وقال في آية أخرى: وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها [التحريم: 12] ثم قال: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ يعني: المسيح وأمه كانا يأكلان ويشربان.
ومن أكل وشرب، تكون حياته بالحيلة، والرب: لا يأكل ولا يشرب.
ويقال: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ كناية عن قضاء الحاجة.
لأن الذي يأكل الطعام.
فله قضاء الحاجة.
ومن كان هكذا لا يصلح أن يكون ربّاً.
ثم قال: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ يعني: العلامات في عيسى ومريم أنهما لو كانا إلهين ما أكلا الطعام، ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ يقول: من أين يكذبون بإنكارهم بأني واحد.
وقال القتبي: أَنَّى يُؤْفَكُونَ يعني: أنى يصرفون عن الحق ويعدلون عنه.
يقال: أفك الرجل عن كذا، إذا عدل عنه.
ثم أخبر الله تعالى عن جهلهم، وقلة عقلهم، فقال: قُلْ يا محمد، أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: عيسى، مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ يقول: ما لا يقدر لكم، ضَرًّا في الدنيا وَلا نَفْعاً في الآخرة: وتركتم عبادة الله، وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقولكم، الْعَلِيمُ بعقوبتكم.
وقوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ يقول: لا تجاوزوا الحد، والغلو: هو الإفراط والاعتداء.
ويقال: لا تتعمقوا.
ثم قال: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ وهم الرؤساء من أهل الكتاب، يعني: لا تتّبعوا شهواتهم، لأنهم آثروا الشهوات على البيان والبرهان، قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وهم رؤساء النصارى ضلوا عن الهدى، وَأَضَلُّوا كَثِيراً من الناس، وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ يعني: أخطئوا عن قصد الطريق.
وقال مقاتل: نزلت في برصيصا العابد، فجاءه الشيطان فقال له: قد فضلك الله على أهل زمانك لكي تحل لهم الحرام، وتحرم عليهم الحلال، وتسن لهم سنة، ففعل فاتبعه الناس بذلك، ثم ندم على فعله.
فعمد إلى سلسلة، فجعلها في ترقوته فعلق نفسه فجاءه ملك، فقال له: أنت تتوب فكيف لك من تابعك؟
فذلك قوله: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: الذين آمنوا: لفظٌ عامٌّ لكلِّ مؤمنٍ من مِلَّةِ نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ومِنْ غَيْرها من المِلَلِ، فكأنَّ ألفاظ الآية حُصِرَ بها الناسُ كلُّهم، وبُيِّنَتِ الطوائفُ على اختلافها، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقد مَضَى الكلامُ في «سورة البقرة» ، فراجعْهُ هناك، وقرأ الجمهورُ: «وَالصَّابِئُونَ» ، وقرىء خارجَ السبعة «١» :
«والصَّابِئِينَ» ، وهي بيِّنة الإعراب، وأما على قراءة الجمهورِ، فاختلف في إعرابها، ومَذْهَبُ سبيَوَيْهِ، والخَلِيلِ، ونُحَاةِ البَصْرة: أنه من المقدَّم الذي معناه التأْخِيرُ، كأنَّه قال: إنَّ الذين آمنوا والذين هَادُوا، مَنْ آمَنَ باللَّه واليومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالحاً، فلا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنُونَ، والصَّابِئُونَ والنصارى كذلك.
قال ص: ووجه ثانٍ أنَّ خبر «إنَّ» محذوفٌ، أي: إنَّ الذين آمنوا لهم أجرهم، وخبر «الصّابئين» : مَنْ آمَنَ وما بعده، قال ابنُ عُصْفُورٍ وهو حَسَنٌ جدًّا إذ ليس فيه أكثر من حَذْفِ خبرِ «إنَّ» للفهم، وهو جائزٌ في فصيحِ الكلامِ.
انتهى.
قلتُ: قال ابْنُ مالكٍ: وهو أسهلُ من التقديمِ والتأخيرِ، وقيل: إن الصابِئين في موضِعِ نَصْبٍ، ولكنه جاء على لغة بَلْحَارِثِ الذين يَجْعَلُونَ التثنيةَ بالأَلِفِ على كل حال، والجَمْعَ بالواو على كُلِّ حال قاله أبو البقاء، وقيل غير هذا.
وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)
وقوله سبحانه: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ: المعنى في هذه الآيةِ: وظَنَّ هؤلاءِ الكفرةُ باللَّه، والعصاةُ مِنْ بني إسرائيل ألاَّ يكونَ مِنَ اللَّه ابتلاءٌ لهُمْ وأخذ في الدنيا، فلَجُّوا في شهواتهم، وعَمُوا فيها، إذْ لم يُبْصِرُوا الحقّ، وهذا كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» «١» .
وقوله سبحانه: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالتْ جماعة من المفسِّرين: هذه التوبةُ هِيَ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِس بعد الإخراج الأول، ورَدُّ مُلْكِهِمْ وحَالِهِم، ثم عَمُوا وصَمُّوا بعد ذلك حتى أُخْرِجُوا الخرجةَ الثانيةَ، ولم ينجبرُوا أبداً، ومعنى: تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي:
رجَعَ بهم إلى الطاعةِ والحقِّ، ومِنْ فصاحة القُرآن: / استناد هذا الفعْلِ الشريفِ إلى اللَّه تعالى، واستناد العمى وَالصَّمَمَ اللَّذَيْن هما عبارةٌ عن الضَّلال إليهم، ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكَّداً بلام القَسَمِ عن كُفْر القائلين: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وهذا قولُ اليَعْقُوبِيَّةِ من النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول المسيحِ لهم، فقال: وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ...
الآية، فضَلُّوا هم، وكفروا بسَبَب ما رأَوْا على يديه من الآيات.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ ﴾ فِيهِ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ في تَكْذِيبِهِمْ رِسالَتَهُ، وعَلى النَّصارى في ادِّعائِهِمْ إلَهِيَّتَهُ.
والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، وإنَّما حُكْمُهُ حُكْمُ مَن سَبَقَهُ مِنَ الرُّسُلِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ رَدٌّ عَلى مَن نَسَبَها مِنَ اليَهُودِ إلى الفاحِشَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والصِّدِّيقَةُ: المُبالِغَةُ في الصِّدْقِ، وصِدِّيقٌ "فِعِّيلٌ" مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ سِكِّيتٌ، أيْ: مُبالِغٌ في السُّكُوتِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهُما يَعِيشانِ بِالغِذاءِ، ومَن لا يُقِيمُهُ إلّا أكْلُ الطَّعامِ فَلَيْسَ بِإلَهٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ نَبَّهَ بِأكْلِ الطَّعامِ عَلى عاقِبَتِهِ، وهو الحَدَثُ، إذْ لا بُدَّ لِآكِلِ الطَّعامِ مِنَ الحَدَثِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ﴾ مِن ألْطَفِ ما يَكُونُ مِنَ الكِنايَةِ.
و "يُؤْفَكُونَ": يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْدَلُونَ، يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ عَنْ كَذا: إذا عَدَلَ عَنْهُ، وأرْضٌ مَأْفُوكَةٌ: مَحْرُومَةُ المَطَرِ والنَّباتِ، كَأنَّ ذَلِكَ صُرِفَ عَنْها وعُدِلَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ مُؤَكَّدٌ؛ كالَّذِي قَبْلَهُ؛ وهو عن هَذِهِ الفِرْقَةِ الناطِقَةِ بِالتَثْلِيثِ؛ وهي - فِيما يُقالُ - "اَلْمَلْكِيَّةُ"؛ وهم فِرَقٌ؛ مِنهُمُ "اَلنُّسْطُورِيَّةُ"؛ وغَيْرُهُمْ؛ ولا مَعْنى لِذِكْرِ أقْوالِهِمْ في كِتابِ تَفْسِيرٍ؛ إنَّما الحَقُّ أنَّهم عَلى اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ كُفّارٌ؛ مِن حَيْثُ جَعَلُوا في الأُلُوهِيَّةِ عَدَدًا؛ ومِن حَيْثُ جَعَلُوا لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - حُكْمًا إلَهِيًّا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ثالِثُ ثَلاثَةٍ"؛ ﴾ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الإضافَةُ؛ وخَفْضُ "ثَلاثَةٍ"؛ لِأنَّ المَعْنى: أحَدُ ثَلاثَةٍ؛ فَإنْ قُلْتَ: "زَيْدٌ ثالِثُ اثْنَيْنِ"؛ أو "رابِعُ ثَلاثَةٍ"؛ جازَ لَكَ أنْ تُضِيفَ؛ كَما تَقَدَّمَ؛ وجازَ ألّا تُضِيفَ؛ وتَنْصِبَ "ثَلاثَةً"؛ عَلى مَعْنى: "زَيْدٌ يُرْبِعُ ثَلاثَةً".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ ﴾ ؛ خَبَرٌ صادِعٌ بِالحَقِّ؛ وهو الخالِقُ المُبْتَدِعُ؛ المُتَّصِفُ بِالصِفاتِ العُلا؛ تَعالى عَمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ.
ثُمَّ تَوَعَّدَ - تَبارَكَ وتَعالى- هَؤُلاءِ القائِلِينَ هَذِهِ العَظِيمَةَ بِمَسِّ العَذابِ؛ وذَلِكَ وعِيدٌ بِعَذابِ الدُنْيا مِنَ القَتْلِ؛ والسَبْيِ؛ وبِعَذابِ الآخِرَةِ بَعْدُ؛ لا يُفْلِتُ مِنهُ أحَدٌ مِنهم.
ثُمَّ رَفَقَ - جَلَّ وعَلا - بِهِمْ بِتَحْضِيضِهِ إيّاهم عَلى التَوْبَةِ؛ وطَلَبِ المَغْفِرَةِ؛ ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِالغُفْرانِ والرَحْمَةِ؛ اسْتِجْلابًا لِلتّائِبِينَ؛ وتَأْنِيسًا لَهُمْ؛ لِيَكُونُوا عَلى ثِقَةٍ مِنَ الِانْتِفاعِ بِتَوْبَتِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حَقِيقَةِ أمْرِ المَسِيحِ وأنَّهُ رَسُولٌ؛ بَشَرٌ؛ كالرُسُلِ المُتَقَدِّمَةِ قَبْلَهُ.
و"خَلَتْ"؛ مَعْناهُ: مَضَتْ؛ وتَقَدَّمَتْ في الخَلاءِ مِنَ الأرْضِ؛ وقَرَأ حِطّانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَقاشِيُّ: "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ رُسُلٌ"؛ بِتَنْكِيرِ "اَلرُّسُلُ"؛ وكَذَلِكَ قَرَأ: ﴿ "وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُسُلُ"؛ ﴾ وقَدْ مَضى القَوْلُ عَلى وجْهِ هَذِهِ القِراءَةِ هُناكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ ؛ صِفَةٌ بِبِناءِ مُبالَغَةٍ؛ مِن "اَلصِّدْقُ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "اَلتَّصْدِيقُ"؛ وبِهِ سُمِّيَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ لِتَصْدِيقِهِ؛ وهَذِهِ الصِفَةُ لِمَرْيَمَ تَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: "هِيَ نَبِيَّةٌ"؛ وقَدْ يُوجَدُ في صَحِيحِ الحَدِيثِ قَصَصُ قَوْمٍ كَلَّمَتْهم مَلائِكَةٌ في غَيْرِ نُبُوَّةٍ؛ كَقِصَّةِ الثَلاثَةِ: اَلْأقْرَعِ؛ والأعْمى؛ والأبْرَصِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ولا تَكُونُ هُنالِكَ نُبُوَّةٌ؛ فَكَذَلِكَ أمْرُ مَرْيَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانا يَأْكُلانِ الطَعامَ ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى نَقْصِ البَشَرِيَّةِ؛ وعَلى حالٍ مِنَ الِاحْتِياجِ إلى الغِذاءِ؛ تَنْتَفِي مَعَها الأُلُوهِيَّةُ؛ وذَكَرَ مَكِّيٌّ ؛ والمَهْدِيُّ؛ وغَيْرُهُما أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى الغائِطِ؛ وهَذا قَوْلٌ بَشِعٌ؛ ولا ضَرُورَةَ تَدْفَعُ إلَيْهِ حَتّى يُقْصَدَ هَذا المَعْنى بِالذِكْرِ؛ وإنَّما هي عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى التَغَذِّي؛ ولا مَحالَةَ أنَّ الناظِرَ إذا تَأمَّلَ بِذِهْنِهِ لَواحِقَ التَغَذِّي وجَدَ ذَلِكَ؛ وغَيْرَهُ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وفي الضِمْنِ أُمَّتَهُ - بِالنَظَرِ في ضَلالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؛ وبُعْدِهِمْ عن سَنَنِ الحَقِّ؛ وأنَّ الآياتِ تُبَيَّنُ لَهُمْ؛ وتُبْرَزُ في غايَةِ الوُضُوحِ؛ ثُمَّ هم بَعْدَ ذَلِكَ يُصْرَفُونَ؛ أيْ: تَصْرِفُهم دَواعِيهِمْ؛ ويُزَيِّلُهم تَكَسُّلُهم عَنِ الحَقِّ.
وَ"كَيْفَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لَيْسَتْ سُؤالًا عن حالٍ؛ لَكِنَّها عِبارَةٌ عن حالٍ شَأْنُها أنْ يُسْألَ عنها بِكَيْفَ؛ وهَذا كَقَوْلِكَ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ؛ فَأنْتَ صَدِيقٌ".
و"أنّى"؛ مَعْناها: مِن أيِّ جِهَةٍ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناها: "كَيْفَ"؛ و"مِن أيْنَ".
و"يُؤْفَكُونَ"؛ مَعْناهُ: يُصْرَفُونَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يُؤْفَكُ عنهُ مَن أُفِكَ ﴾ ؛ والأرْضُ المَأْفُوكَةُ: اَلَّتِي صُرِفَتْ عن أنْ يَنالَها المَطَرُ؛ والمَطَرُ في الحَقِيقَةِ هو المَصْرُوفُ؛ ولَكِنْ قِيلَ: "أرْضٌ مَأْفُوكَةٌ"؛ لَمّا كانَتْ [مَأْفُوكًا] عنها.
<div class="verse-tafsir"
استئناف لتبيان وصف المسيح في نفس الأمر ووصففِ أمّه زيادة في إبطال معتقد النّصارى إلهيّة المسيح وإلهيّة أمّه، إذ قد عُلم أنّ قولهم ﴿ إنّ الله ثالث ثلاثة ﴾ [المائدة: 73] أرادوا به إلهيّة المسيح.
وذلك مُعتقد جميع النّصارى.
وفرّعت طائفة من النّصارى يُلَقَّبون (بالرّكُوسِيَّةِ) (وهم أهل ملّة نصرانيّة صابئة) على إلهيةِ عيسى إلهيَّةَ أمّه ولولا أنّ ذلك معتقدهم لما وقع التّعرض لوصف مَريم ولا للاستدلال على بَشَرِيَّتها بأنّهما كانا يأكلان الطّعام.
فقوله: ﴿ ما المسيح ابن مريم إلاّ رسول ﴾ قصرُ موصوففٍ على صفة، وهو قصر إضافي، أي المسيح مقصور على صفة الرّسالة لا يتجاوزها إلى غيرها، وهي الإلهيّة.
فالقصر قصر قلب لردّ اعتقاد النّصارى أنّه الله.
وقوله: ﴿ قد خلت من قبله الرّسل ﴾ صفة لرسول أريد بها أنّه مساو للرّسل الآخرين الّذين مضوا قبله، وأنّه ليس بدعا في هذا الوصف ولا هو مختصّ فيه بخصوصيّة لم تكن لغيره في وصف الرّسالة، فلا شبهة للّذين ادّعوا له الإلهيّة، إذ لم يجئ بشيء زائد على ما جاءت به الرسل، وما جرت على يديه إلاّ معجزات كما جرت على أيدي رُسل قبله، وإن اختلفت صفاتها فقد تساوت في أنّها خوارق عادات وليس بعضها بأعجب من بعض، فما كان إحياؤه الموتى بحقيق أن يوهم إلهيّتَه.
وفي هذا نداء على غباوة القوم الّذين استدلّوا على إلهيّته بأنّه أحيا الموتى من الحيوان فإنّ موسى أحيا العصا وهي جماد فصارت حيّة.
وجملة ﴿ وأمّه صدّيقة ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ما المسيح ابن مريم إلاّ رسول ﴾ .
والقصد من وصفها بأنّها صدّيقة نفيُ أن يكون لها وصف أعلى من ذلك، وهو وصف الإلهيّة، لأنّ المقام لإبطال قول الّذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة، إذْ جعلوا مريم الأقنوم الثالث.
وهذا هو الّذي أشار إليه قول صاحب «الكشاف» إذ قال «أي وما أمّه إلاّ صديقة» مع أنّ الجملة لا تشتمل على صيغة حَصر.
وقد وجّهه العلامة التفتزاني في «شرح الكشّاف» بقوله: «الحصر الّذي أشار إليه مستفاد من المقام والعطف» (أي من مجموع الأمرين).
وفي قول التفتزاني: والعطف، نظر.
والصدِّيقة صيغة مبالغة، مثل شِرِّيب ومسِّيك، مبالغة في الشُّرب والمَسْك، ولَقَببِ امرئ القيس بالمَلك الضّلِّيل، لأنّه لم يهتد إلى ما يسترجع به مُلك أبيه.
والأصل في هذه الصيغة أن تكون مشتقّة من المجرّد الثّلاثي.
فالمعنى المبالغة في وصفها بالصدق، أي صدق وعد ربّها، وهو ميثاق الإيمان وصدقُ وعد النّاس.
كما وُصف إسماعيل عليه السّلام بذلك في قوله تعالى: ﴿ واذكر في الكتاب إسماعيل إنّه كان صادق الوعد ﴾ [مريم: 54].
وقد لقّب يوسف بالصدّيق، لأنّه صَدَق وعد ربّه في الكفّ عن المحرّمات مع توفر أسبابها.
وقيل: أريد هنا وصفها بالمبالغة في التّصديق لقوله تعالى: ﴿ وصدّقت بكلمات ربّها ﴾ [التحريم: 12]، كما لقّب أبو بكر بالصدّيق لأنّه أوّل من صدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: ﴿ والّذي جاء بالصّدق وصدّق به ﴾ [الزمر: 33]، فيكون مشتقّاً من المزيد.
وقوله: ﴿ كانا يأكلان الطّعام ﴾ جملة واقعة موقع الاستدلال على مفهوم القصر الّذي هو نفي إلهيّة المسيح وأمّه، ولذلك فصلت عن الّتي قبلها لأن الدّليل بمنزله البيان، وقد استدلّ على بشريتهما بإثبات صفة من صفات البشر، وهي أكل الطّعام.
وإنَّما اختيرت هذه الصّفة من بين صفات كثيرة لأنّها ظاهرة واضحة للنّاس، ولأنّها أثبتتها الأناجيل؛ فقد أثبتت أنّ مريم أكلت ثَمر النخلة حين مخاضها، وأنّ عيسى أكل مع الحواريين يوم الفِصْح خبزاً وشرب خمراً، وفي إنجيل لوقاً إصحاح22 «وقال لهم اشتهيت أن آكل هذا الفِصحَ معكم قبل أن أتألّم لأنّي لا آكل منه بعدُ، وفي الصبح إذْ كان راجعاً في المدينة جاع».
وقوله: ﴿ انظر كيف نبيّن لهم الآيات ﴾ استئناف للتعجيب من حال الّذين ادّعوا الإلهيّة لعيسى.: والخطاب مراد به غيرُ معيّن، وهو كلّ من سمع الحجج السابقة.
واستُعمل الأمر بالنّظر في الأمر بالعِلم لتشبيه العالم بالرأي والعلممِ بالرؤية في الوضوح والجلاء، وقد تقدّمت نظائره.
وقد أفاد ذلك معنى التعجيب.
ويجوز أن يكون الخطاب للرّسول عليه السّلام.
والمراد هو وأهل القرآن.
و ﴿ كيف ﴾ اسم استفهام معلِّق لفعل ﴿ انظر ﴾ عن العمل في مفعولين، وهي في موضع المفعول به ل ﴿ انظر ﴾ ، والمعنى انظر جواب هذا الاستفهام.
وأريد مع الاستفهام التعجيب كناية، أي انظر ذلك تجد جوابك أنّه بيان عظيم الجلاء يتعجّب النّاظر من وضوحه.
والآيات جمع آية، وهي العلامة على وجود المطلوب، استعيرت للحجّة والبرهان لشبهه بالمكان المطلوب على طريق المكنية، وإثبات الآيات له تخييل، شبّهت بآيات الطّريق الدّالة على المكان المطلوب.
وقوله: ﴿ ثمّ انظر أنّى يؤفكون ﴾ (ثمّ) فيه للترتيب الرتبي والمقصود أنّ التأمّل في بيان الآيات يقتضي الانتقال من العجب من وضوح البيان إلى أعجب منه وهو انصرافهم عن الحقّ مع وضوحه.
و ﴿ يؤفكون ﴾ يصرفون، يقال: أفكَهُ من باب ضَرب، صَرفه عن الشّيء.
و ﴿ أنَّى ﴾ اسم استفهام يستعمل بمعنى من أين، ويستعمل بمعنى كيف.
وهو هنا يجوز أن يكون بمعنى كيفَ (كما) في «الكشاف»، وعليه فإنّما عدل عن إعادة ﴿ كيف ﴾ تفنّناً.
ويجوز أن تكون بمعنى من أين، والمعنى التعجيب من أين يتطرّق إليهم الصّرف عن الاعتقاد الحقّ بعد ذلك البيان المبالغ غاية الوضوح حتّى كان بمحلّ التّعجيب من وضوحه.
وقد علّق ب ﴿ أنَّى ﴾ فعل ﴿ انظر ﴾ الثّاني عن العمل وحذف متعلّق ﴿ يؤفكون ﴾ اختصاراً، لظهور أنّهم يصرفون عن الحقّ الّذي بيّنته لهم الآيَات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ ﴾ رَدَّ اللَّهُ بِذَلِكَ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، فَرَدَّهُ عَلى اليَهُودِ في تَكْذِيبِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ ونِسْبَتِهِمْ لَهُ إلى غَيْرِ رِشْدَةٍ، ورَدَّهُ عَلى النَّصارى في قَوْلِهِمْ إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.
﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ رَدَّ عَلى اليَهُودِ في نِسْبَتِها إلى الفاحِشَةِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ صِدِّيقَةٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُبالَغَةٌ في صِدْقِها ونَفْيِ الفاحِشَةِ عَنْها.
والثّانِي: أنَّها مُصَدِّقَةٌ بِآياتِ رَبِّها فَهي بِمَنزِلَةِ ولَدِها، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَنّى بِذَلِكَ عَنِ الغائِطِ لِحُدُوثِهِ مِنهُ، وهَذِهِ صِفَةٌ تُنْفى عَنِ الإلَهِ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ نَفْسَ الأكْلِ لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ عَجْزٌ والإلَهُ لا يَكُونُ عاجِزًا.
﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ﴾ يَعْنِي الحُجَجَ والبَراهِينَ.
﴿ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي يُصْرَفُونَ، مِن قَوْلِهِمْ أفَكَتِ الأرْضُ إذا صُرِفَ عَنْها المَطَرُ.
والثّانِي: يَعْنِي يُقْلَبُونَ، والمُؤْتَفِكاتُ: المُنْقَلِباتُ مِنَ الرِّياحِ وغَيْرِها.
والثّالِثُ: يَكْذِبُونَ، مِنَ الإفْكِ، وهو الكَذِبُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال: لما رفع الله عيسى ابن مريم اجتمع من علماء بني إسرائيل مائة رجل، فقال بعضهم: أنتم كثير نتخوف الفرقة، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير نتخوف الفرقة، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير فاخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير فاخرجوا عشرة حتى بقي عشرة، فقالوا: أنتم كثير حتى الآن فاخرجوا ستة وبقي أربعة، فقال بعضهم: ما تقولون في عيسى؟
فقال رجل منهم: أتعلمون أنه لا يعلم الغيب إلا الله؟
قالوا: لا.
فقال الرجل: هو الله كان في الأرض ما بدا له، ثم صعد إلى السماء حين بدا له.
وقال الآخر: قد عرفنا عيسى وعرفنا أمه هو ولده، وقال الآخر: لا أقول كما تقولون، قد كان عيسى يخبرنا أنه عبد الله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فنقول كما قال لنفسه، لقد خشيت أن تكونوا قلتم قولاً عظيماً.
قال: فخرجوا على الناس فقالوا لرجل منهم: ماذا قلت؟
قال: قلت هو الله كان في الأرض ما بدا له ثم صعد إلى السماء حين بدا له.
قال: فاتبعه عنق من الناس وهؤلاء النسطورية واليعقوبية، ثم خرج الرابع فقالوا له: ماذا قلت؟
قال: قلت هو عبد الله روحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فاتبعه عنق من الناس فقال محمد بن كعب، فكل قد ذكره الله في القرآن ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة...
﴾ الآية.
ثم قرأ ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ [ النساء: 156] ثم قرأ ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ﴾ [ المائدة: 65] إلى قوله: ﴿ منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ [ المائدة: 66] قال محمد بن كعب: فهؤلاء أمة مقتصدة، الذين قالوا: عيسى عبد الله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ قال: النصارى يقولون: ﴿ إن الله ثالث ثلاثة ﴾ وكذبوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: تفرق بنو إسرائيل ثلاث فرق في عيسى، فقالت فرقة!
هو الله.
وقالت فرقة: هو ابن الله.
وقالت فرقة: هو عبد الله وروحه، وهي المقتصدة، وهي مسلمة أهل الكتاب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ قال: قالت النصارى: إن الله هو المسيح وأمه، فذلك قوله: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ [ المائدة: 116] .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن هلال الدمشقي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان الداراني: يا أحمد- والله- ما حرك ألسنتهم بقولهم ثالث ثلاثة إلا هو، ولو شاء الله لأخرس ألسنتهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ ، أي أنه رسول ليس بإله، كما أنهم رسل ليسوا آلهة، وإنما أتى بالمعجزات من قبل ربه كما أتوا بها من قبل ربهم، فمن ادعى له الإلهية فهو كمن ادعى لهم الإلهية؛ لتساويهم في المنزلة.
وهذا معنى قول أبي إسحاق (١) وقوله تعالى: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ ، ذكرنا معنى الصديق فيما سبق (٢) ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ﴾ (٣) وقال الفراء: ووقع عليها التصديق (٤) ﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا ﴾ فلما كلمها جبريل وصدقته وقع عليها اسم الرسالة، فكانت كالنبي (٥) وقوله تعالى: ﴿ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ﴾ ، قال أهل المعاني: هذه الآية احتجاج على النصارى بأن من ولَده النساء وهو يأكل الطعام لا يكون إلهًا للعباد؛ لأن سبيله سبيلهم في الحاجة إلى الصانع المدبر، والمعنى أنهما كانا يعيشان بالغذاء كما يعيش سائر الآدميين، فكيف يكون إله لا يقيمه إلا أكل الطعام؟
(٦) ﴿ يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ﴾ يريد هما لحم ودم، يأكلان ويشربان، ويبولان ويتغوطان (٧) قال عبد الله بن مسلم (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ﴾ ، قال ابن عباس: نفسر لهم أمر ربوبيتي (١١) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ ، يقال: أفكه يأفكه أفكًا، إذا صرفه.
والإفك: الكذب؛ لأنه صرف عن الحق، وكل مصروف عن شيء مأفوك عنه (١٢) (١٣) وقد أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر، وأرض مأفوكة لم يصبها مطر (١٤) ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ أي يصرفون عن الحق الذي يؤدي إليه تدبر الآيات (١٥) وقال أبو عبيدة: أي يحرمون الحق، من قولهم: أرض مأفوكة، إذا حرمت (١٦) (١٧) (١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 196.
(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ .
(٣) انظر: "النكت والعيون" 2/ 56، "تفسير البغوي" 2/ 83.
(٤) في (ج): (الصديق).
(٥) معاني القرآن 1/ 318.
(٦) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 315، "تفسير البغوي" 3/ 83.
(٧) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 213.
(٨) ابن قتيبة.
(٩) "غريب القرآن" ص 144، انظر: "زاد المسير" 2/ 404.
(١٠) لم يتبين من عمرو بن يحيى هذا، ويحتمل أن عمرو تصحفت عن: (أحمد)، فيكون المقصود: أحمد بن يحيى المعروف بثعلبَ، والمؤلف كثير ما ينقل عنه.
والله أعلم.
(١١) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 213.
(١٢) انظر:"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 144، "تفسير الطبري" 6/ 315، "معاني == الزجاج" 2/ 197، "بحر العلوم" 1/ 452، و"الصحاح" 4/ 1573 (أفك)، "النكت والعيون" 2/ 57.
(١٣) البيت لعروة بن أذينة كما في الصحاح 4/ 1573 (أفك)، و"معجم شواهد العربية" ص 257، ونسبه في "اللسان" 1/ 97 (أفك) لعمرو بن أذينة، ولعل الأول أقرب.
(١٤) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 315، "تهذيب اللغة" 1/ 174 (أفك)، "النكت والعيون" 1/ 479.
(١٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 57.
(١٦) في (ج): (حرم) بالتذكير.
(١٧) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 174، 175، "تهذيب اللغة" 1/ 174 (أفك).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ المسيح ﴾ الآية: رد على النصارى، وتكذيب لهم ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ يحتمل أن يكون من كلام المسيح، أو من كلام الله ﴿ مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ﴾ الآية: رد على من جعله إلهاً ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ أي بليغة الصدق في نصفها، أو من التصديق، ووصفها بهذه الصفة دون النبوّة يدفع قول من قال: إنها نبية ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ استدلال على أنهما ليسا بإلهين لاحتياجهما إلى الغذاء الذي لا يحتاج إليه إلا محدَث مفتقر، ومن كان كذلك فليس بإله، لأن الإله منزه عن صفة الحدوث، وعن كل ما يلحق بالبشر، وقيل: إن قوله يأكلان الطعام: كناية عن نقص البشر، ولا ضرورة تدعو إلى إخراج اللفظ عن ظاهره، لأن الحجة قائمة بالوجهين ﴿ ثُمَّ انظر ﴾ دخلت ثم لتفاوت الأمرين ولقصد التعجيب من كفرهم بعد بيان الآيات.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أن لا تكون ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف غير سهل وحفص وأبي بكر وحماد.
الباقون بالنصب.
الوقوف: ﴿ رسلاً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ لا لأن عامل ﴿ كلما ﴾ قوله ﴿ كذبوا ﴾ ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ كثير منهم ﴾ ط ﴿ بما يعملون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ من أنصار ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ واحد ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ويستغفرونه ﴾ ط والوصل أيضاً حسن بناء على أن الواو للحال أي هلا يستغفرونه وهو غفور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ الرسل ﴾ ط لأن الواو للاستنئاف لا للعطل ﴿ صدّيقة ﴾ ط لأن ما بعده لا يصلح للصفة لأن الضمير في ﴿ كانا ﴾ مثنى ﴿ الطعام ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ولا نفعاً ﴾ ط والوصل يحسن على أن الواو للحال أي يعبدون ما لا ينفع ولا يضر والحال أن الله يسمع دعاء المضطر ويعلم رجاء المعتر ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه ﴿ فعلوه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ أشركوا ﴾ ج لطول الكلام والفصل بين الوصفين المتضادين ﴿ نصارى ﴾ ط ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ من الحق ﴾ ج لاحتمال ما يتلوه الحال والاستئناف ﴿ الشاهدين ﴾ 5 ﴿ من الحق ﴾ لا لأن الواو بعده للحال.
﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه.
/التفسير: افتتح الله السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وانجر الكلام إلى ما انجرّ والآن عاد إلى ما بدأ به والمقصود بيان عتوّ بني إسرائيل وشدة تمردهم أي أخذنا ميثاقهم بخلق الدلائل وخلق العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال ﴿ وأرسلنا إليهم رسلاً ﴾ لتعريف الشرائع والأحكام.
قال في الكشاف ﴿ كلما جاءهم رسول ﴾ الخ جملة شرطية وقعت صفة لـ ﴿ رسلاً ﴾ والراجع إلى الموصوف محذوف أي رسول منهم.
وأقول: الأصوب جعلها جملة مستأنفة جواباً لسائل يسأل كيف فعلوا برسلهم؟
ولهذا كان الوقف على ﴿ رسلاً ﴾ مطلقاً، أما جواب الشرط فاختار في الكشاف أنه محذوف لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن يقال: إن أكرمت أخي أخاك أكرمت فالتقدير: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه أو عادوه وقوله ﴿ فريقاً كذبوا ﴾ جواب قائل: كيف فعلوا؟
وأقول أما أن التركيب المذكور غير مستحسن فعين النزاع، وأما أن الرسول الواحد لا يكون فريقين فتغليط لأن قوله ﴿ كلما ﴾ يدل على كثرة مجيء الرسل فلهذا صح جعلهم فريقين ومعنى ﴿ بما لا تهوى أنفسهم ﴾ بما يضاد شهواتهم لرغبتهم عن التكاليف، وفائدة تقديم المفعول وإيراد ﴿ يقتلون ﴾ مضارعاً ذكرناها في سورة البقرة وزعم في التفسير الكبير أنه ذكر التكذيب بلفظ الماضي لأنه إشارة إلى معاملتهم مع موسى في ألبتة وتمردهم عن قبول قوله وقد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل بلفظ المستقبل لأنه رمز إلى ما فعلوا بزكريا ويحيى وعيسى على زعمهم وإن ذلك الزمان قريب فكان كالحاضر.
﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ قال علماء الأدب: الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء كالعلم والتيقن فيقع بعده أن المشددة الدالة على ثبات الشيء أيضاً لتأكيد مقتضاه كقوله: ﴿ ويعلمون أن الله هو الحق المبين ﴾ فإن خففت ودخلت على الفعل لم يجز إلا أن يكون مع فعله "قد" أو "سوف" أو "السين" أو حرف نفي ليكون كالعوض من إحدى النونين وقيل: من حذف ضمير الشأن مثل ﴿ علم أن سيكون ﴾ وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار نحو "أطمع" و "أخاف" و "أرجو" فلا يجيء معه إلا الخفيفة الناصبة للفعل كقوله ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ وفعل يحتمل المعنيين فيجوز فيه كلا الوجهين كقوله ﴿ وحسبوا أن لا تكون ﴾ قرىء بالنصب على أن المصدرية، وكون الحسبان بمعنى الظن وبالرفع على أن المخففة أي أنه لا تكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن، ونزل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم، وما يشتمل عليه صلة "أن" و "أنّ" من المسند والمسند إليه سد مسد المفعولين و "كان" تامة.
والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنه لا تقع فتنة وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
وعذاب الدنيا أقسام منها: القحط/ ومنها الوباء ومنها القتل ومنها العداوة والبغضاء فيما بينهم ومنها الإدبار والنحوسة وكل ذلك قد وقع بهم وقد فسرت الفتنة بكل ذلك، وحسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين: الأول أنهم كانوا يعتقدون أن لا نسخ لشريعة موسى، وأن كل رسول جاء بعده يجب تكذيبه، والثاني أنهم اعتقدوا كونهم مخطئين في التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه وأن نبوّة إسلافهم تدفع العقاب عنهم.
ثم إن الآية تدل على أن عماهم عن الدين وصممهم عن الحق حصل مرتين، فقال بعض المفسرين: إنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ثم تاب الله على بعضهم حيث وفقهم للإيمان به ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ في زمان محمد فأنكروا نبوّته إلا بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.
وقوله ﴿ كثير منهم ﴾ بدل عن الضمير كقولك: رأيت القوم أكثرهم، وقيل: إنه على لغة من يقول "أكلوني البراغيث" وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم، وقال بعضهم: ﴿ عموا وصموا ﴾ حين عبدوا العجل ثم تابوا منه فتاب الله عليهم ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ بالتعنت وهو طلب رؤية الله جهرة.
وقال القفال: إنه يجوز أن يكون إشارة إلى ما في سورة بني إسرائيل ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما ﴾ ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وقرئ ﴿ فعموا وصموا ﴾ بالضم أي رماهم الله وضربهم بالعمى والصمم كما يقال: ركبته إذا ضربته بالركبة.
ثم إنه لما استقصى الكلام مع اليهود شرع في حكاية كلام النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم ﴿ قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ وهذا قول اليعقوبية القائلين إن مريم ولدت إلهاً، ولعل مرادهم أنه حل في ذات عيسى أو اتحد به.
ثم حكى عن المسيح ما حكى ليكون حجة قاطعة على فساد ما اعقتدوا فيه وذلك أنه لم يفرق بين نفسه وبين غيره في المربوبية وفي ظهور دلائل الحدوث عليه، ثم أكد ذلك المعنى بقوله: ﴿ إنه من يشرك بالله ﴾ أي في العبادة أو في تجويز الحلول أو الاتحاد أو في إجراء وصفه في المخلوقين أو بالعكس ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ التي هي دار الموحدين أي منعه منها ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ من كلام الله أو من حكاية قول عيسى لهم وقد مر تفسيره في آخر سورة آل عمران, وفيه تقريع لهم لأنهم كانوا يعتقدون أن لهم أنصاراً كثيرة فيما يقولون ويعتقدون فنفى الله أو عيسى ذلك وإن كانوا يريدون بذلك تعظيمه.
قال المفسرون ﴿ ثالث ثلاثة ﴾ معناه ثالث آلهة ثلاثة ليلزم الكفر وإلا فما من شيئين وإلا والله ثالثهما.
يحكى أن النصارى يقولون أب وابن وروح قدس والثلاثة إله واحد كما أن الشمس تتناول القرص والشعاع والحرارة.
وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، قالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء/ بالخمر، وزعموا أن الأب إله واحد، والابن إله واحد، والروح إله واحد، والكل إله واحد.
واعلم أن هذا معلوم البطلان بالبديهة لأن الثلاثة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة فلا جرم رد الله مقالتهم بقوله: ﴿ وما من إله إلا إله واحد ﴾ فزاد من الاستغراقية.
والمعنى ما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له ولا شريك.
ثم زجرهم بقوله ﴿ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا ﴾ قال الزجاج: يعني الذين أقاموا على هذا الدين لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية فـ "من" في قوله ﴿ منهم ﴾ للتبعيض، ويجوز أن تكون للبيان والمراد ليمسنهم، ولكن أقيم الظاهر مقام المضمر تكريراً للشهادة عليهم بالكفر ورمزاً إلى أنهم من الكفر بمكان حتى لو فسر الكفار المعذبون عنوا بذلك خاصة.
ومعنى ﴿ عذاب أليم ﴾ نوع شديد الألم من العذاب ﴿ أفلا يتوبون ﴾ قال الفراء: إنه أمر بلفظ الاستفهام وفيه تعجيب من إصرارهم على الكفر بعد الوعيد الشديد.
ثم احتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ ما المسيح ابن مريم إلا رسول ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن لأنه منعهم من الكفر أوّلاً، ثم حثهم على الإسلام ثانياً، ثم شرع في حل شبههم ثالثاً، ومن هنا قيل: إن المرتد يستتاب بلا مهل ومناظرة إن عنت له شبهة بل يسلم أوّلاً ثم تحل شبهته ثانياً، والمعنى ما هو إلا رسول من جنس الرسل الماضين لا يتخطى الرسالة إلى الإلهية كما لم يتخطوا، فإن خلق من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وإن أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى فقد جعل موسى العصا حية تسعى إلى غير ذلك من آيات ربه الكبرى ﴿ وأمه صديقة ﴾ كبعض النساء المؤمنات بالأنبياء الصادقات في أقوالهن وأفعالهن وأحوالهن قال في وصفها: ﴿ وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ﴾ أي من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم المجتهدون في إقامة مراسم العبودية.
ففيه تكذيب للنصارى المفرطين فيها إذ جعلوها إلهاً، وفيه تكذيب لليهود المفرّطين في شأنها حيث نسبوها إلى الهنات، وإلى الكذب في أن عيسى خلق من غير أب.
وفيه أن من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن فكان مخلوقاً لا إلهاً.
ثم أكد حدوثهما وعجزهما بقوله ﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾ فإن المحتاج إلى الاغتذاء سيحتاج إلى ما يتبعه من الهضم والنفض، وكل هذه الافتقارات دليل ظاهر وبرهان باهر على حدوثهما وأفولهما في حيز الإمكان.
ثم عجب من غاية غوايتهم ﴿ انظر ﴾ يا محمد أو كل من له أهلية النظر ﴿ كيف نبين لهم الآيات ﴾ الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم.
والعامل في ﴿ كيف ﴾ قوله ﴿ نبين ﴾ ومفعول ﴿ انظر ﴾ مجموع الجملة بل مضمونها أي تبصر هذه الحالة وتفكر فيها ومثله ﴿ ثم انظر أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق.
أفكه بالفتح يأفكه/ بالكسر أفكاً بالفتح والسكون صرفه عن الشيء.
ومنه الإفك بالكسر للكذب لأنه مصروف عن الحق، وأرض مأفوكة صرف عنها المطر.
ومعنى "ثم" التراخي والبون بين العجبين أي بينا لهم الآيات بياناً عجيباً ولكن إعراضهم عنها أعجب، ثم الصارف عن تأمل الحق هو الله أو العبد فيه خلاف مشهور بين الأشاعرة والمعتزلة، وأنت قد عرفت التحقيق في ذلك مراراً.
ثم أقام حجة أخرى على فساد قول النصارى فقال ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك ﴾ أي شيئاً لا يستطيع أو الذي لا يقدر على مثل ما يضركم به الله من البليات والمصائب أو ينفعكم به من الصحة والخصب بواسطة أو بغير واسطة بل لم يملك شيئاً من ذلك لنفسه، فإن اليهود كانوا يقصدونه بالسوء ولم يقدر على دفعهم.
ومن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ولما عطش وطلب الماء صبوا الخل في منخريه وكان مصروف الهمة إلى عبادة الله ولو كان إلهاً كان معبوداً فقط لا عابداً له ﴿ والله هو السميع العليم ﴾ يسمع أباطيلهم ويعلم ضمائرهم ليجازيهم عليه وفيه من الوعيد ما فيه.
ثم عاد إلى مخاطبة الفريقين فقال ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا ﴾ والغلو مجاوزة حد الاعتدال وأنه شامل لطرفي الإفراط والتفريط وإن كان قد يخص بطرف الإفراط ويجعل مقابلاً للتقصير.
ولعل المراد ههنا هو الأول فاليهود فرطوا فيه حيث نسبوه إلى الزنا والكذب، والنصارى أفرطوا فيه حيث ادعوا فيه الإلهية.
قال في الكشاف: قوله ﴿ غير الحق ﴾ صفة للمصدر أي غلوا غير الحق، ولزمه القول بأن الغلو في الدين غلو، إن حق وهو أن يبالغ في تقرير الحق وتوضيحه واستكشاف حقائقة، وباطل وهو أن يتبع الشبهات على حسب الشهوت، والثاني منهي عنه دون الأوّل، وأقول: لما كان الغلو مجاوزة الحد وكل شيء جاوز حدّه شابه ضدّه فكيف يتصوّر غلو حق ولّله در القائل: كلا طرفي قصد الأمور ذميم *** فالأصوب أن يقال: انتصب ﴿ غير الحق ﴾ على أنه صفة قائمة مقام المصدر أي لا تغلوا غلواً كقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي إفساداً وكقولهم: تعال جائياً وقم قائماً.
ولو سلم أن المصدر محذوف كان ﴿ غير الحق ﴾ صفة مؤكدة مثل ﴿ نفخة واحدة ﴾ و "أمس الدابر" لا صفة مميزة فافهم ﴿ ولا تتبعوا أهواء قوم ﴾ هي المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة.
قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه ﴿ ولا تتبع الهوى فيضلك ﴾ ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ قال أبو عبيد: لم نجد للهوى موضعاً إلا في/الشر.
لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال إنما يقال يريد الخير ويحبه.
وقيل: سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار.
وقال رجل لابن عباس: الحمد لّله الذي جعل هواي على هواك.
فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة ﴿ قد ضلوا من قبل ﴾ يعني أئمتهم في النصرانية واليهودية قبل بعث النبي ﴿ وأضلوا كثيراً ﴾ ممن شايعهم على التثليث أو التفريط في شأن مريم وابنها ﴿ وضلوا عن سواء السبيل ﴾ عند مبعث النبي فكذبوه.
والغرض بيان استمرارهم على الضلال قديماً وحديثاً.
وقيل: الضلال الأوّل عن الدين، والضلال الثاني عن الجنة.
وقيل: الضلال الثاني اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق ﴿ لعنهم الله ﴾ في الزبور على لسان داود وفي الإنجيل على لسان عيسى، وفيه تعيير لهم حيث ادعوا أنهم أولاد الأنبياء وقد لعنوا على ألسنتهم، وقال كثير من المفسرين: إن أصحاب أيلة كما سيجيء في الأعراف لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة.
وإن أصحاب المائدة لما أكلوا منها ولم يؤمنوا قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي.
وعن الأصم أن داود وعيسى بشرا بمحمد ولعنا من يكذبه، وذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم.
ثم فسّر المعصية والاعتداء بقوله ﴿ كانوا لا يتناهون ﴾ وللتناهي معنيان: أحدهما وعليه الجمهور أنه تفاعل من النهي أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً.
عن ابن مسعود أن النبي قال: " "من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم" وذلك أن في التناهي المأمور به حسماً للفساد فكان الإخلال به معصية وظلماً.
والثاني أنه بمعنى الانتهاء أي لا يمتنعون ولا ينتهون.
والمراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه لأن النهي بعد الفعل لا يفيد، أو المراد لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته، أو لا ينتهون أو لا ينهون عن الإصرار على منكر فعلوه.
ثم عجب من سوء فعلهم مؤكداً بالقسم المقدر فقال ﴿ لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ ثم لما وصف أسلافهم بما وصف شرع في نعت الحاضرين بأن كثيراً منهم يتولون المشركين والمراد كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله وقد مر في تفسير سورة النساء عند قوله ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ﴾ ﴿ لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم ﴾ من العمل لمعادهم.
ومحل ﴿ أن سخط ﴾ رفع على أنه مخصوص بالذم أي بئس الزاد إلى الآخرة سخط الله يعني موجب سخط الله وسببه، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدّعون واتخذوا المشركين أولياء لأن تحريم ذلك متأكد في شريعة موسى ﴿ ولكن كثيراً منهم فاسقون ﴾ في دينهم لأن مرادهم تحصيل الرياسة والجاه بأي طريق قدروا عليه لا تقرير دين موسى.
ويحتمل أن يراد ولو كان هؤلاء اليهود المنافقون مؤمنين بالله وبمحمد والقرآن إيماناً خالصاً ما اتخذوا المشركين أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون متمردون في كفرهم ونفاقهم فلهذا يتولون المشركين.
وقال القفال: ولو أن هؤلاء المشركين يؤمنون بالله وبمحمد ما اتخذهم اليهود أولياء.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ...
﴾ \[الآية\]: يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ ﴾ : أي: كفروا بعيسى؛ لأن عيسى كذبهم في قولهم: "إنه ابن الله" بقوله: ﴿ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ...
﴾ الآية، وبقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ ، وبقوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ...
﴾ الآية [مريم: 30]، أخبر أنه عبد الله، ليس هو إلهاً ولا ابنه، الله عن ذلك.
والثاني: كفروا بعلمهم؛ لأنهم علموا أنه ابن مريم، وسموه ابن مريم، ثم قالوا: هو الله أو ابن الله، فإن كان ابن مريم أَنَّى يكون له ألوهية؟!
فإذا كانت أمه لم تستحق الألوهية وهي أقدم منه، كيف يكون لمن بعدها؟!
ولكن لسفههم قالوا ذلك، الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ ﴾ : إذا حرم عليه الجنة صار مأواه النار.
وقيل: سمي: مسيحاً؛ قال الحسن: سمي ذلك؛ لأنه ممسوح بالبركات، وسمي الدجال: مسيحاً؛ لأنه ممسوح باللعنة.
وقيل: المسيح بمعنى الماسح، وذلك جائز؛ الفعيل بمعنى الفاعل، وهو ما كان يمسح المريض والأكمة والأبرص فيبرأ، ويمسح الموتى فيحيون، ومثل ذلك؛ فسمي بذلك، والله أعلم.
والفعيل بمعنى المفعول جائز - أيضاً - يقال: جريح ومجروح، وقتيل ومقتول؛ هذا كله جائز في اللغة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ﴾ .
قوله : ﴿ كَفَرَ ﴾ بعلمهم، علموا [بوحدانيته]، فكيف يكون ثالث ثلاثة وهو واحد؟!
فإذا قالوا: هو الله فلا يكون هناك ثان ولا ثالث، وذلك تناقض في العقل.
والثاني: أنهم لم يروا غير الله خلق السماوات والأرض، ولا رأوا أحداً خلقهم سوى الله، كيف سموا دونه إلهاً ولم يخلق ما ذكرنا؟!
إنما خلق ذلك الله الذي لا إله غيره، وذلك قوله: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ أي: يعلمون أنه لا إله إلا [الله] إله واحد، لكنهم يتعنتون ويكابرون في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ ﴾ : عما تقدم ذكره ﴿ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ﴾ : عن مقالتهم الشرك، فإن فعلوا فإن الله غفور رحيم؛ كقوله - -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ﴾ .
في الآية دلالة المحاجة مع الفريقين؛ كأنهم كانوا فريقين: أحد الفريقين كانوا ينكرون أنه رسول، والفريق الآخر يدعون له الربوبية والألوهية، فقال: إنه ابن مريم، وابن مريم لا يحتمل أن يكون إلهاً.
والثاني: أخبر أنه رسول قد خلت من قبله الرسل، أي: قد خلت من قبل عيسى رسل مع آيات وبراهين لم يقل أحد من الأمم السالفة: إنهم كانوا آلهة، فكيف قلتم أنتم بأن عيسى إله، وإن كان معه آيات وبراهين لرسالته؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ .
قيل: مطهرة عن الأقذار كلها، صالحة.
وقيل: ﴿ صِدِّيقَةٌ ﴾ : تشبه النبيين، وذلك أن جبريل - - لما أتاها وقال: ﴿ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً ﴾ صدقته كتصديق الأنبياء والرسل الملائكة، وأما سائر الخلائق: إنما يصدقون الملائكة بإخبار الرسل إياهم، وهي إنما صدقت جبريل بإخباره أنه ملك، وأنه رسول؛ لذلك سميت صديقة، والله أعلم.
وقيل: كل مؤمن صديق، كقوله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ...
﴾ \[الآية\] [الحديد: 19].
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ ﴾ : فيه الاحتجاج عليهم من وجهين: أحدهما: أن الجوع قد كان يغلبهما ويحوجهما إلى أن يدفعا ذلك عن أنفسهما، ومن غلبه الجوع وقهره كيف يصلح أن يكون ربّاً إلها؟!.
والثاني: أنهما إذا احتاجا إلى الطعام لا بد من أن يدفعهما ذلك إلى إزالة الأذى عن أنفسهما ودفعه، والقيام في أخبث الأماكن وأقبحها، فمن دفع إلى ذلك لا يكون إلها، الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ﴾ : والآيات ما ذكر من وجوه المحاجة عليهم: أحدها: أنه ابن مريم، ومن كان ابن آخر لا يكون إلها.
والثاني: أنه رسول، وقد كان قبله رسل مع آيات وبراهين، لم يدع أحد لهم الألوهية والربوبية.
والثالث: أنه كان يأكل الطعام، ومن كان تحت غلبة آخر وقهره، لا يكون إلها.
والرابع: من أكل الطعام احتاج أن يدفع عن نفسه الأذى، ويقوم في أخبث مكان، ومن كان هذا أمره لم يكن ربّاً.
وليس في القرآن - والله أعلم - آية أكثر ولا أبين احتجاجاً على النصارى وأولئك، ولا أقطع لقولهم من هذه الآية؛ للمعاني التي وصفنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ : أي: من أين يكذبون.
قال أبو عبيد: ﴿ يُؤْفَكُونَ ﴾ : يصرفون، ويخادعون عن الحق، كل من صرفته عن شيء فقد أفكته.
ويقال: أفكت الأرض، إذا صرف عنها القطر.
وقوله: ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾ .
قال ابن عباس - - ﴿ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ قال: أضلهم، فإذا أضلهم، فقد صرفهم عن الهدى.
قال أبو عوسجة: الإفك عندي: الصرف عن الحق، وفي الأصل: الإفك: الكذب.
وقال القتبي: ﴿ يُؤْفَكُونَ ﴾ : يصرفون عن الحق ويعدلون.
وقيل: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يخدعون بالكذب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ﴾ إن خالفتموه ﴿ وَلاَ نَفْعاً ﴾ إن أطعتموه.
ويحتمل: قوله: ﴿ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ﴾ إن كان الله أراد بكم نفعاً، ولا نفعاً إن حل بكم الضر، أي: لا يملكون دفعه عنكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ﴾ : لنسبتكم عيسى إليه ، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بعبادتكم غير الله.
ويحتمل: ﴿ ٱلسَّمِيعُ ﴾ المجيب لدعائكم، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بنياتكم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
خاطب الله - عز وجل - بالنهي عن الغلو في الدين أهل الكتاب، لم يخاطب أهل الشرك بذلك فيما خاطب بقوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ ؛ وذلك أن أهل الكتاب ادعوا أنهم على دين الأنبياء والرسل [الذين] كانوا من قبل، فنهاهم الله - عز وجل - عن الغلو في الدين.
والغلو: هو المجاوزة عن الحد الذي حد، والإفراط فيه والتعمق؛ فكأنه - والله أعلم - قال: لا تجاوزوا في الدين الحد الذي حد فيه بنسبة الألوهية والربوبية إلى غير الله والعبادة له.
وأما أهل الشرك: فإنهم يعبدون ما يستحسنون، ويتركون ما يستقبحون، ليس لهم دين يدينون به.
وأما هؤلاء: فإنهم يَدَّعُون أنهم على دين الأنبياء والرسل؛ لذلك خرج الخطاب لهم بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ ﴾ : يعني: الرؤساء بذلك، والله أعلم.
[ ﴿ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً ﴾ : أي: أتباعهم.
﴿ وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ : أي: عن قصد طريق الهدى].
<div class="verse-tafsir"
ليس المسيح عيسى بن مريم إلا رسولًا من بين الرسل، يجري عليه ما جرى عليهم من الموت، وأمه مريم -عليهما السلام- كثيرة الصدق والتصديق، وهما يأكلان الطعام لحاجتهما إليه، فكيف يكونان إلهين مع حاجتهما للطعام؟!
فانظر -أيها الرسول- نظر تأمل: كيف نوضح لهم الآيات الدالة على الوحدانية، وعلى بطلان ما هم عليه من المغالاة في نسبة الألوهية لغيره سبحانه، وهم مع ذلك يتنكرون لهذه الآيات، ثم انظر نظر تأمُّل: كيف يُصْرَفُونَ عن الحق صرفًا مع هذه الآيات الواضحة الدالة على وحدانية الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.R6LG0"