الآية ٧٦ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٧٦ من سورة المائدة

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٧٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 53 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٦ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٦ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى منكرا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان ، ومبينا له أنها لا تستحق شيئا من الإلهية : ( قل ) أي : يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم : ( أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ) أي : لا يقدر على إيصال ضرر إليكم ، ولا إيجاد نفع ( والله هو السميع العليم ) أي : فلم عدلتم عن إفراد السميع لأقوال عباده ، العليم بكل شيء إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئا ، ولا يملك ضرا ولا نفعا لغيره ولا لنفسه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قال أبو جعفر: وهذا أيضًا احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على النصارى القائلين في المسيح ما وصف من قِيلهم فيه قبلُ.

يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء الكفرة من النصارى، الزاعمين أن المسيح ربهم، والقائلين إن الله ثالث ثلاثة= أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم، وهو الذي خلقكم ورزقكم، وهو يحييكم ويميتكم= شيئًا لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا؟

يخبرهم تعالى ذكره أن المسيح الذي زعم من زعم من النصارى أنه إله، والذي زعم من زعم منهم أنه لله ابنٌ، لا يملك لهم ضرًّا يدفعه عنهم إن أحلَّه الله بهم، ولا نفعًا يجلبه إليهم إن لم يقضه الله لهم.

يقول تعالى ذكره: فكيف يكون ربًّا وإلهًا من كانت هذه صفته؟

بل الربُّ المعبودُ: الذي بيده كل شيء، والقادر على كل شيء.

فإياه فاعبدوا وأخلصوا له العبادة، دون غيره من العجزة الذين لا ينفعونكم ولا يضرون.

* * * وأما قوله: " والله هو السميع العليم " فإنه يعني تعالى ذكره بذلك: " والله هو السميع "، لاستغفارهم لو استغفروه من قِيلهم ما أخبر عنهم أنهم يقولونه في المسيح، ولغير ذلك من منطقهم ومنطق خلقه=" العليم "، بتوبتهم لو تابوا منه، وبغير ذلك من أمورهم.

(25) * * * --------------- الهوامش: (25) انظر تفسير"سميع" و"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليمقوله تعالى : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا زيادة في البيان وإقامة حجة عليهم ; أي : أنتم مقرون أن عيسى كان جنينا في بطن أمه ، لا يملك لأحد ضرا ولا نفعا ، وإذ أقررتم أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر ، فكيف اتخذتموه إلها ؟

.

والله هو السميع العليم أي : لم يزل سميعا عليما يملك الضر والنفع ، ومن كانت هذه صفته فهو الإله على الحقيقة ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { قُلْ ْ} لهم أيها الرسول: { أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ْ} من المخلوقين الفقراء المحتاجين، { ما لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ْ} وتدعون من انفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع، { وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ْ} لجميع الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات.

{ الْعَلِيمُ ْ} بالظواهر والبواطن، والغيب والشهادة، والأمور الماضية والمستقبلة، فالكامل تعالى الذي هذه أوصافه هو الذي يستحق أن يفرد بجميع أنواع العبادة، ويخلص له الدين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً والله هو السميع العليم " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل أتعبدون من دون الله» أي غيره «ما لا يملك لكم ضرّا ولا نفعا والله هو السميع» لأقوالكم «العليم» بأحوالكم والاستفهام للإنكار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء الكفرة: كيف تشركون مع الله من لا يَقْدِرُ على ضَرِّكم، ولا على جَلْبِ نفع لكم؟

والله هو السميع لأقوال عباده، العليم بأحوالهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تابع - سبحانه - حديثه عن ضلال أهل الكتاب وجهالتهم فأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم على عنادهم وغفلتهم وأن يواصل دعوتهم إلى الدين الحق فقال - تعالى :( قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ .

.

.

)الاستفهام في قوله ( أَتَعْبُدُونَ ) لإِنكار واقعهم والتعجيب مما وقع منهم ، وتوبيخهم على جهلهم وغفلتهم .و ( ما ) في قوله ( مَا لاَ يَمْلِكُ ) يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي وأن تكون نكرة موصوفة .

والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب .وقوله ( يملك ) من الملك بمعنى حيازة الشيء والتمكن من التصرف فيه بدون عجز .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الضالين من النصارى وأشباههم في الكفر ولاشرك قل لهم : أتعبدون معبودات غير الله - تعالى - هذه المعبودات لا تملك أن تصيبكم بشيء من الضرر كالمرض والفقر ، ولا تملك أيضاً أن تنفعكم بشيء من النفع كبسط الرزق ودفع الضرر وغير ذلك مما أنتم في حاجة إليه .فالمراد بما لا يملك : كل ما عبد من دون الله من حجر أو وثن أو غيرهما فتكون " ما " للعموم وليست كناية عن عيسى وأمه فحسب .وقد سار على هذا المعنى ابن كثير فقال : يقول - تعالى - منكراً على من عبد غيره من الأصنام والأوثان والأنداد ، ومبينا له أنها لا تستحق شيئاً من الألوهية فقال - تعالى - ( قُلْ ) أي : يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم ( أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ) .ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله : ( مَا لاَ يَمْلِكُ ) عيسى - عليه السلام - أو هو وأمه لأن الكلام مع النصارى الذين قال بعضهم : إن الله هو المسيح ابن مريم .

وقال آخرون منهم : إن الله ثالث ثلاثة ، فتكون الآية دليلا آخر - بعد الأدلة السابقة - على فساد أقوال النصارى في عيسى وأمه مريم .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون - من دون الله - عيسى وأمه وهما لا يستطيعان أن يضراكم بشيء من الضرر في الأنفس والأموال ، ولا أن ينفعاكم بشيء من النفع كإيجاد الصحة والخصب والسعة ، لأن الضر والنفع من الله وحده وكل ما يستطيعه البشر من المضار أو المنافع هو بتمكين الله لهم وليس بقدرتهم الذاتية .وأوثرت " ما " على " من " لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية رأسا ، ببيان انتظامهما في مسلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء ألا ولا شك أن من صفات الرب أن يكون قادراً على كل شيء ، فقول النصارى بأن الله هو المسيح ابن مريم أو هو ثالث ثلاثة ، قال ظاهر البطلان واضح الفساد .وعلى كلا القوالين فالآية الكريمة تنفي أن يكون هناك إله سوى الله - تعالى - يستحق العبادة والخضوع ، لأنه - سبحانه - هو المالك لكل شيء ، والخالق لكل شيء( أَلاَ لَهُ الخلق والأمر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين ) وقدم - سبحانه - الضر على النفع فقال : ( مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ) لأن النفوس أشد تطلعا إلى دفعة من تطلعها إلى جلب الخير ، ولأنهم كانوا يبعدون غير الله - تعالى - وهمهم الأكبر أن هذا المعبود يستطيع أن يقربهم إلى الله زلفى ، وأن يمنع عنهم المصائب والأضرار .وقوله : ( والله هُوَ السميع العليم ) في محل نصب على الحال .

من فاعل ( أَتَعْبُدُونَ ) أي أتعبدون آلهة سوى الله لا تملك ضرركم أو نفعكم وتتركون عبادة الله والحال أن الله وحده هو السميع لكل ما تنطقون به ، العليم بجميع أحوالكم وأعمالكم ، وسيحاسبكم على ذلك وسيجازيكم على أقوالكم الباطلة وعقائدكم الزائفة ، بما تستحقون من عذاب أليم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وهذا دليل آخر على فساد قول النصارى، وهو يحتمل أنواعاً من الحجة: أن اليهود كانوا يعادونه ويقصدونه بالسوء، فما قدر على الاضرار بهم، وكان أنصاره وصحابته يحبونه فما قدر على إيصال نفع من منافع الدنيا إليهم، والعاجز عن الاضرار والنفع كيف يعقل أن يكون إلها.

الثاني: أن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه، ولما عطش وطلب الماء منهم صبوا الخل في منخريه، ومن كان في الضعف هكذا كيف يعقل أن يكون إلها.

الثالث: أن إله العالم يجب أن يكون غنياً عن كل ما سواه، ويكون كل ما سواه محتاجاً إليه، فلو كان عيسى كذلك لامتنع كونه مشغولاً بعبادة الله تعالى، لأن الإله لا يعبد شيئاً، إنما العبد هو الذي يبعد الإله، ولما عرف بالتواتر كونه كان مواظباً على الطاعات والعبادات علمنا أنه إنما كان يفعلها لكونه محتاجاً في تحصيل المنافع ودفع المضار إلى غيره، ومن كان كذلك كيف يقدر على إيصال المنافع إلى العباد ودفع المضار عنهم، وإذا كان كذلك كان عبداً كسائر العبيد، وهذا هو عين الدليل الذي حكاه الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام حيث قال لأبيه ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ والله هُوَ السميع العليم ﴾ والمراد منه التهديد يعني سميع بكفرهم عليم بضمائرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا لاَ يَمْلِكُ ﴾ هو عيسى، أي شيئاً لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به الله من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب، ولأنّ كل ما يستطيعه البشر من المضارّ والمنافع فبإقدار الله وتمكينه، فكأنه لا يملك منه شيئاً.

وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية، حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً.

وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء لا يخرج مقدور على قدرته ﴿ والله هُوَ السميع العليم ﴾ متعلق ب (أتعبدون)، أي أتشركون بالله ولا تخشونه، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون أو أتعبدون العاجز والله هو السميع العليم الذي يصح منه أن يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم، ولن يكون كذلك إلا وهو حي قادر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ يَعْنِي عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو وإنْ مَلَكَ ذَلِكَ بِتَمْلِيكِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إيّاهُ لا يَمْلِكُهُ مِن ذاتِهِ ولا يَمْلِكُ مِثْلَ ما يَضُرُّ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ البَلايا والمَصائِبِ، وما يَنْفَعُ بِهِ مِنَ الصِّحَّةِ والسِّعَةِ، وإنَّما قالَ ما نَظَرًا إلى ما هو عَلَيْهِ في ذاتِهِ تَوْطِئَةً لِنَفْيِ القُدْرَةِ عَنْهُ رَأْسًا، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن هَذا الجِنْسِ ومَن كانَ لَهُ حَقِيقَةٌ تَقْبَلُ المُجانَسَةَ والمُشارَكَةَ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، وإنَّما قَدَّمَ الضُّرَّ لِأنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أهَمُّ مِن تَحَرِّي النَّفْعِ.

﴿ واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ بِالأقْوالِ والعَقائِدُ فَيُجازِي عَلَيْها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعاً} هو عيسى عليه السلام أي شيئاً لا يستطيع أن يضركم

المائدة (٧٦ _ ٨٠)

بمثل ما يضركم به الله من البلاء والمصائب في الأنفس والأموال ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب لأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبتخليقه تعالى فكأنه لا يملك منه شيئاً وهذا دليل قاطع على أن أمره منافٍ للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته {والله هو السّميعُ العليمُ} متعلق بأتعبدون أي أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولونه ويعلم ما تعتقدونه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ أمْرٌ بِتَبْكِيتِهِمْ إثْرَ التَّعْجِيبِ مِن أحْوالِهِمْ، والمُرادُ بِـ( ما لا يَمْلِكُ ) عِيسى، أوْ هو وأُمُّهُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمَعْنى: أتَعْبُدُونَ شَيْئًا لا يَسْتَطِيعُ مِثْلَ ما يَسْتَطِيعُهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ البَلايا، والمَصائِبِ، والصِّحَّةِ، والسَّعَةِ، أوْ أتَعْبُدُونَ شَيْئًا لا اسْتِطاعَةَ لَهُ أصْلًا، فَإنَّ كَلَّ ما يَسْتَطِيعُهُ البَشَرُ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وإقْدارِهِ عَلَيْهِ لا بِالذّاتِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ( ما ) نَظَرا إلى ما عَلَيْهِ المُحَدَّثُ عَنْهُ في ذاتِهِ، وأوَّلِ أمْرِهِ وأطْوارِهِ؛ تَوْطِئَةً لِنَفْيِ القُدْرَةِ عَنْهُ رَأْسًا، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن هَذا الجِنْسِ، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مُشارِكَةٌ وجِنْسِيَّةٌ كَيْفَ يَكُونُ إلَهًا، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِـ( ما ) كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى كالأصْنامِ وغَيْرِها، فَغُلِّبَ ما لا يَعْقِلُ عَلى مَن يَعْقِلُ تَحْقِيرًا، وقِيلَ: أُرِيدَ بِها النَّوْعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ .

وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّرَقِّي مِن تَوْبِيخِ النَّصارى عَلى عِبادَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى تَوْبِيخِهِمْ عَلى عِبادَةِ الصَّلِيبِ، فَـ( ما ) عَلى بابِها، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وتَقْدِيمُ الضُّرِّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أهَمُّ مِن تَحَرِّي النَّفْعِ، ولِأنَّ أدْنى دَرَجاتِ التَّأْثِيرِ دَفْعُ الشَّرِّ، ثُمَّ جَلْبُ الخَيْرِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الغَيْرِ الصَّرِيحِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( أتَعْبُدُونَ ) مُقَرِّرٌ لِلتَّوْبِيخِ، مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ، والواوُ هو الواوُ، أيْ: ( أتَعْبُدُونَ ) غَيْرَ اللَّهِ تَعالى وتُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ولا تَخْشَوْنَهُ، والحالُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُخْتَصُّ بِالإحاطَةِ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ والمَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الزّائِغَةِ.

وقَدْ يُقالُ: المَعْنى: ( أتَعْبُدُونَ ) العاحِزَ ( واللَّهُ ) هو الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَسْمَعَ كُلَّ مَسْمُوعٍ، ويَعْلَمَ كُلَّ مَعْلُومٍ،، ولَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ إلّا وهو حَيٌّ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ الضَّرَرُ والنَّفْعُ والمُجازاةُ عَلى الأقْوالِ والعَقائِدِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

وفُرِّقَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بِأنَّ ( ما ) عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّحْقِيرِ، والوَصْفِيَّةُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى مَعْنى أنَّ العُدُولَ إلى المُبْهَمِ اسْتِحْقارٌ، إلّا أنَّ ( ما ) لِلْوَصْفِ والحالِ مُقَرِّرَةٌ لِذَلِكَ، وعَلى الأوَّلِ لِلتَّحْقِيرِ المُجَرَّدِ، والحالُ كَما عَلِمْتَ، فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ يعني: هو رسول كسائر الرسل، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وهو من جماعة الرسل، وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ شبه النبيين، وذلك حين صدقت جبريل حين قال لها: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ [مريم: 19] والصديق في اللغة هو المبالغ في التصديق.

وقال في آية أخرى: وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها [التحريم: 12] ثم قال: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ يعني: المسيح وأمه كانا يأكلان ويشربان.

ومن أكل وشرب، تكون حياته بالحيلة، والرب: لا يأكل ولا يشرب.

ويقال: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ كناية عن قضاء الحاجة.

لأن الذي يأكل الطعام.

فله قضاء الحاجة.

ومن كان هكذا لا يصلح أن يكون ربّاً.

ثم قال: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ يعني: العلامات في عيسى ومريم أنهما لو كانا إلهين ما أكلا الطعام، ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ يقول: من أين يكذبون بإنكارهم بأني واحد.

وقال القتبي: أَنَّى يُؤْفَكُونَ يعني: أنى يصرفون عن الحق ويعدلون عنه.

يقال: أفك الرجل عن كذا، إذا عدل عنه.

ثم أخبر الله تعالى عن جهلهم، وقلة عقلهم، فقال: قُلْ يا محمد، أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: عيسى، مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ يقول: ما لا يقدر لكم، ضَرًّا في الدنيا وَلا نَفْعاً في الآخرة: وتركتم عبادة الله، وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقولكم، الْعَلِيمُ بعقوبتكم.

وقوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ يقول: لا تجاوزوا الحد، والغلو: هو الإفراط والاعتداء.

ويقال: لا تتعمقوا.

ثم قال: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ وهم الرؤساء من أهل الكتاب، يعني: لا تتّبعوا شهواتهم، لأنهم آثروا الشهوات على البيان والبرهان، قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وهم رؤساء النصارى ضلوا عن الهدى، وَأَضَلُّوا كَثِيراً من الناس، وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ يعني: أخطئوا عن قصد الطريق.

وقال مقاتل: نزلت في برصيصا العابد، فجاءه الشيطان فقال له: قد فضلك الله على أهل زمانك لكي تحل لهم الحرام، وتحرم عليهم الحلال، وتسن لهم سنة، ففعل فاتبعه الناس بذلك، ثم ندم على فعله.

فعمد إلى سلسلة، فجعلها في ترقوته فعلق نفسه فجاءه ملك، فقال له: أنت تتوب فكيف لك من تابعك؟

فذلك قوله: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ، يحتملُ أن يكون من قول عيسى- عليه السلام- لبني إسرائيل، ويحتمل أنْ يكون إخباراً من اللَّه سبحانه لنبيِّه محمد- عليه السلام-.

وقوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ...

الآية: إخبارٌ مؤكِّد كالذي قبله، عن هذه الطائفة النَّاطقة بالتثليث، وهم فِرَقٌ، منهم النُّسْطُورِيَّة وغيرهم، ولا معنى لذكْر أقوالهم في كُتُب التَّفْسِير.

وقوله سبحانه: ثالِثُ ثَلاثَةٍ: لا يَجوزُ فيه إلاَّ الإضافةُ، وخفض «ثلاثة» لأن المعنى أحدُ ثلاثةٍ، فإنْ قلت: زَيْدٌ ثَالِثُ اثنين، أَوْ رَابِعُ ثَلاَثَةٍ، جاز لك أنْ تضيفَ كما تقدَّم، وجاز ألاَّ تضيفَ، وتَنْصِب «ثَلاَثة» على معنى: زَيْدٌ يربِّع ثلاثةً.

وقوله سبحانه: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ...

الآية: خَبَرٌ صادِعٌ بالحَقِّ، وهو سبحانه الخالِقُ المُبْدِعُ المتَّصِفُ بالصفات العُلاَ، سبحانه وتعالى عَمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيراً، ثم توعَّدهم، إنْ لم ينتهوا عما يقولُونَ، ثم رَفَق جلَّ وعلا بهم بتحضيضه إيَّاهم على التوبة، وطَلَبِ المَغْفرة، ثم وصَفَ نفسه سبحانه بالغُفْرَانِ والرَّحْمة استجلابا للتائِبِينَ وتَأْنيساً لهم ليكونوا على ثِقَةٍ من الانتفاعِ بتوبتهم.

قال ص: لَيَمَسَّنَّ: اللامُ فيه جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ قبل أداة الشرطِ.

انتهى.

وقوله تعالى: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ: بناءُ مبالغةٍ مِنَ الصِّدْقِ، ويحتملُ من التَّصْديق وبه سُمِّيَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ (رضي اللَّه عنه) وهذه الصفةُ لمريم تدفع قولَ مَنْ قال: إنها نَبِيَّةٌ.

وقوله سبحانه: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ: تنبيهٌ على نقص البشريَّة، وعلى حالٍ مِنَ الاحتياجِ إلى الغذاء تنتفي معها الألوهيّة، ويُؤْفَكُونَ: معناه: يصرفون ومنه قوله عز وجل: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات: ٩] ، والأرْضُ المأْفُوكَةُ الَّتِي صُرِفَتْ عن أن ينالها المَطَرُ، والمَطَرُ في الحقيقةِ هو المَصْرُوفُ، ولكنْ قيل: أرضٌ مأفوكة لما كانت مأفوكا عنها.

وقوله تعالى: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قُلْ لِنَصارى نَجْرانَ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، يَعْنِي: عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا في الدُّنْيا، ولا نَفْعًا في الآخِرَةِ.

واللَّهُ هو السَّمِيعُ لِقَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ، العَلِيمُ بِمَقالَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا واللهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عن سَواءِ السَبِيلِ ﴾ ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُوقِفَهم عَلى عِبادَتِهِمْ شَخْصًا مِنَ البَشَرِ؛ لا يَمْلِكُ أنْ يَضُرَّهُمْ؛ ولا أنْ يَنْفَعَهم.

و"مِن دُونِ"؛ و"دُونَ فُلانٍ"؛ وما جاءَ مِن هَذِهِ اللَفْظَةِ؛ فَإنَّما تُضافُ إلى مَن لَيْسَ في النازِلَةِ الَّتِي فِيها القَوْلُ؛ وتَفْسِيرُها بِـ "غَيْرُ" أمْرٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ.

والضَرُّ؛ بِفَتْحِ الضادِ؛ المَصْدَرُ؛ والضُرُّ؛ بِضَمِّها؛ الِاسْمُ؛ وهو عَدَمُ الخَيْرِ.

و"اَلسَّمِيعُ"؛ إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ أقْوالِهِمْ؛ و"اَلْعَلِيمُ"؛ بِنِيّاتِهِمْ؛ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هاتانِ الصِفَتانِ مُنَبِّهَتانِ عَلى قُصُورِ البَشَرِ؛ أيْ: "واللهُ تَعالى هو السَمِيعُ العَلِيمُ بِالإطْلاقِ؛ لا عِيسى؛ ولا غَيْرُهُ"؛ وهم مُقِرُّونَ أنَّ عِيسى قَدْ كانَ مُدَّةً لا يَسْمَعُ؛ ولا يَعْلَمُ؛ وقالَ نَحْوَهُ مَكِّيٌّ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا أنْ يَنْهاهم عَنِ الغُلُوِّ في دِينِهِمْ؛ والغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ؛ "غَلا السَهْمُ": إذا تَجاوَزَ الغَرَضَ المَقْصُودَ؛ واسْتَوْفى سَوْمَهُ مِنَ الِاطِّرادِ؛ وتِلْكَ المَسافَةُ هي غَلْوَتُهُ؛ وكَما كانَ قَوْلُهُ: "لا تَغْلُوا"؛ بِمَعْنى: "لا تَقُولُوا؛ ولا تَلْتَزِمُوا"؛ نُصِبَ "غَيْرَ"؛ ولَيْسَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "اِجْتَنِبُوا مِن دِينِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ الغُلُوَّ"؛ وإنَّما مَعْناهُ: "فِي دِينِكُمُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ دِينَكُمْ"؛ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فَهو مَطْلُوبٌ بِالدِينِ الحَقِّ؛ وحَرِيٌّ أنْ يَتَّبِعَهُ؛ ويَلْتَزِمَهُ؛ وهَذِهِ المُخاطَبَةُ هي لِلنَّصارى الَّذِينَ غَلَوْا في عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والقَوْمُ الَّذِينَ نُهِيَ النَصارى عَنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ: بَنُو إسْرائِيلَ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "لا تَتَّبِعُوا أنْتُمْ أهْواءَكُمْ؛ كَما اتَّبَعَ أُولَئِكَ أهْواءَهُمْ"؛ فالمَعْنى: "لا تَتَّبِعُوا طَرائِقَهُمْ"؛ والَّذِي دَعا إلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّ النَصارى في غُلُوِّهِمْ لَيْسُوا عَلى هَوى بَنِي إسْرائِيلَ؛ هم بِالضِدِّ في الأقْوالِ؛ وإنَّما اجْتَمَعُوا في اتِّباعِ نَوْعِ الهَوى؛ فالآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِمَن تَلُومُهُ عَلى عِوَجٍ: "هَذِهِ طَرِيقَةُ فُلانٍ"؛ تُمَثِّلُهُ بِآخَرَ قَدِ اعْوَجَّ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الِاعْوِجاجِ؛ وإنِ اخْتَلَفَتْ نَوازِلُهُ.

ووَصَفَ تَعالى اليَهُودَ بِأنَّهم ضَلُّوا قَدِيمًا؛ وأضَلُّوا كَثِيرًا مِن أتْباعِهِمْ؛ ثُمَّ أكَّدَ الأمْرَ بِتَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَضَلُّوا عن سَواءِ السَبِيلِ ﴾ ؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى: "يا أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَصارى؛ لا تَتَّبِعُوا أهْواءَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ الَّذِينَ ضَلُّوا مِن قَبْلُ - أيْ: ضَلَّ أسْلافُهُمْ؛ وهم قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ المُنافِقِينَ؛ وضَلُّوا عن سَواءِ السَبِيلِ الآنَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَدْ تَقَرَّرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ ما جَرى في مُدَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن كُفْرِ بَعْضِهِمْ؛ وعُتُوِّهِمْ؛ وكَذَلِكَ أمَرُهم مَعَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كانَ مُشاهَدًا في وقْتِ نُزُولِ القُرْآنِ؛ فَخَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ داوُدَ؛ وعِيسى - عَلَيْهِما السَلامُ - إعْلامًا بِأنَّهم لُعِنُوا في الكُتُبِ الأرْبَعَةِ؛ وأنَّهم قَدْ لُعِنُوا عَلى لِسانِ غَيْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: لُعِنُوا بِكُلِّ لِسانٍ؛ لُعِنُوا عَلى عَهْدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - في التَوْراةِ؛ وعَلى عَهْدِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَلامُ - في الزَبُورِ؛ وعَلى عَهْدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - في الإنْجِيلِ؛ وعَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في القُرْآنِ.

ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّهُ اقْتَرَنَ بِلَعْنَتِهِمْ عَلى لِسانِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أنْ مُسِخُوا خَنازِيرَ؛ وذَلِكَ أنَّ داوُدَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مَرَّ عَلى نَفَرٍ وهم في بَيْتٍ؛ فَقالَ: "مَن في البَيْتِ؟"؛ قالُوا: خَنازِيرُ؛ عَلى مَعْنى الِانْحِجابِ؛ قالَ: "اَللَّهُمَّ اجْعَلْهم خَنازِيرَ"؛ فَكانُوا خَنازِيرَ؛ ثُمَّ دَعا عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - عَلى مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ عَلى أنْ يَكُونُوا قِرَدَةً؛ فَكانُوا قِرَدَةً.

وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: بَلْ مُسِخُوا في زَمَنِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قِرَدَةً؛ وفي زَمَنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - خَنازِيرَ؛ وحَكى الزَجّاجُ نَحْوَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذِكْرُ المَسْخِ لَيْسَ مِمّا تُعْطِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ؛ وإنَّما تُعْطِي ألْفاظُ الآيَةِ أنَّهم لَعَنَهُمُ اللهُ تَعالى وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ؛ وأعْلَمَ بِذَلِكَ العِبادَ المُؤْمِنِينَ عَلى لِسانِ داوُدَ النَبِيَّ في زَمَنِهِ؛ وعَلى لِسانِ عِيسى في زَمَنِهِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لُعِنَ عَلى لِسانِ داوُدَ أصْحابُ السَبْتِ؛ وعَلى لِسانِ عِيسى الَّذِينَ كَفَرُوا بِالمائِدَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى لَعْنَتِهِمْ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا كان الكلام السابق جارياً على طريقة خطاب غير المعيّن كانت جملة ﴿ قل أتعبدون من دون الله ﴾ الخ مستأنفة، أمر الرّسول بأن يبلّغهم ما عنوا به.

والظاهر أنّ ﴿ أتعبدون ﴾ خطاب لجميع من يعبد شيئاً من دون الله من المشركين والنّصارى.

والاستفهام للتّوبيخ والتّغليط مجازاً.

ومعنى ﴿ من دون الله ﴾ غير الله.

فمِن للتّوكيد، و(دون) اسم للمغاير، فهو مرادف لسوى، أي أتعبدون معبوداً هو غير الله، أي أتشركون مع الله غيره في الإلهيّة.

وليس المعنى أتعبدون معبوداً وتتركون عبادة الله.

وانظر ما فسّرنا به عند قوله تعالى: ﴿ ولا تسبّوا الّذين يدعون من دون الله ﴾ في سورة الأنعام (108)، فالمخاطبون كلّهم كانوا يعبدون الله ويشركون معه غيره في العبادة حتّى الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم فهم ما عبدوا المسيح إلاّ لزعمهم أنّ الله حلّ فيه فقد عبدوا الله فيه، فشمل هذا الخطاب المشركين من العرب ونصارى العرب كلَّهم.

ولذلك جيء بما } الموصولة دون (مَن) لأنّ معظمَ ما عبد من دون الله أشياء لا تَعْقل، وقد غلب (ما) لما لا يعقل.

ولو أريد ب ﴿ ما لا يَملك ﴾ عيسى وأمّه كما في «الكشاف» وغيره وجعل الخطاب خاصّاً بالنّصارى كان التّعبير عنه ب ﴿ ما ﴾ صحيحاً لأنّها تستعمل استعمال (مَن)، وكثير في الكلام بحيث يكثر على التّأويل.

ولكن قد يكون التّعبير بمَن أظهر.

ومعنى ﴿ لا يملك ضَرّاً ﴾ لا يقدر عليه، وحقيقة معنى الملك التمكّن من التّصرف بدون معارض، ثم أطلق على استطاعة التّصرّف في الأشياء بدون عَجز، كما قال قَيس بن الخَطِيم: مَلَكْتُ بها كفّي فأنْهَرَ فتقَها *** يرى قائم من دونها مَا وراءهَا فإنّ كفّه مملوكة له لا محالة، ولكنّه أراد أنّه تمكّن من كفّه تمام التّمكن فدفع به الرّمح دفعة عظيمة لم تخنه فيها كفّه.

ومِن هذا الاستعمال نشأ إطلاق الملك بمعنى الاستطاعة القويّة الثّابتة على سبيل المجاز المرسل كما وقع في هذه الآية ونظائرها ﴿ ولا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً ﴾ [الفرقان: 3] ﴿ قل لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً ﴾ [يونس: 49] ﴿ إنّ الّذين تعبدون من دون الله لا يَمْلكون لكم رزقاً ﴾ [العنكبوت: 17].

فقد تعلّق فعل الملك فيها بمعان لا بأشياء وذوات، وذلك لا يكون إلاّ على جعل الملك بمعنى الاستطاعة القويّة ألا ترى إلى عطف نفي على نفي المِلك على وجه التّرقّي في قوله تعالى: ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يَملك رزقاً من السماوات والأرض شيئاً ولا يستطيعون ﴾ في سورة النّحل (73).

وقد تقدّم آنفاً استعمال آخر في قوله: ﴿ قل فمن يملك من الله شيئاً إن أرادَ أن يهلك المسيح ابن مريم ﴾ [المائدة: 17].

وقُدّم الضَرّ على النّفع لأنّ النّفوس أشدّ تطلّعاً إلى دفعه من تطلّعها إلى جلب النّفع، فكان أعظمَ ما يدفعهم إلى عبادة الأصنام أنّ يستدفعوا بها الأضرار بالنّصر على الأعداء وبتجنّبها إلحاق الإضرار بعابديها.

ووجه الاستدلال على أنّ معبوداتهم لا تملك ضرّاً ولا نفعاً، وقوع الأضرار بهم وتخلّف النّفع عنهم.

فجملة ﴿ والله هو السميع العليم ﴾ في موضع الحال، قُصر بواسطة تعريف الجزأين وضمير الفصل، سببُ النّجدة والإغاثة في حالي السؤال وظهورِ الحالةِ، على الله تعالى قصرَ ادّعاء بمعنى الكمال، أي ولا يسمع كلّ دعاء ويعلم كلّ احتياج إلاّ الله تعالى، أي لا عيسى ولا غيره ممّا عُبِد من دون الله.

فالواو في قوله ﴿ والله هو السّميع العليم ﴾ واو الحال.

وفي موقع هذه الجملة تحقيق لإبطال عبادتهم عيسى ومريم من ثلاثة طرق: طريققِ القصر وطريققِ ضمير الفصل وطريق جملة الحال باعتبار ما تفيده من مفهوم مخالفه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، تَمالَأ الفَرِيقانِ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ  .

﴿ وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ﴾ لَيْسَ هَذا عَلى العُمُومِ، وإنَّما هو خاصٌّ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَنى بِذَلِكَ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ لَمّا أسْلَمُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى كانُوا عَلى الحَقِّ مُتَمَسِّكِينَ بِشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ  آمَنُوا بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا ﴾ واحِدُ القِسِّيسِينَ قَسٌّ، مِن قَسَّ وهُمُ العُبّادُ.

وَواحِدُ الرُّهْبانِ راهِبٌ، وهُمُ الزُّهّادُ.

﴿ وَأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يَعْنِي عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ إذا لَزِمَ، ولِلْحُجَّةِ إذا قامَتْ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ  ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: يَعْنِي الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال: لما رفع الله عيسى ابن مريم اجتمع من علماء بني إسرائيل مائة رجل، فقال بعضهم: أنتم كثير نتخوف الفرقة، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير نتخوف الفرقة، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير فاخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير فاخرجوا عشرة حتى بقي عشرة، فقالوا: أنتم كثير حتى الآن فاخرجوا ستة وبقي أربعة، فقال بعضهم: ما تقولون في عيسى؟

فقال رجل منهم: أتعلمون أنه لا يعلم الغيب إلا الله؟

قالوا: لا.

فقال الرجل: هو الله كان في الأرض ما بدا له، ثم صعد إلى السماء حين بدا له.

وقال الآخر: قد عرفنا عيسى وعرفنا أمه هو ولده، وقال الآخر: لا أقول كما تقولون، قد كان عيسى يخبرنا أنه عبد الله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فنقول كما قال لنفسه، لقد خشيت أن تكونوا قلتم قولاً عظيماً.

قال: فخرجوا على الناس فقالوا لرجل منهم: ماذا قلت؟

قال: قلت هو الله كان في الأرض ما بدا له ثم صعد إلى السماء حين بدا له.

قال: فاتبعه عنق من الناس وهؤلاء النسطورية واليعقوبية، ثم خرج الرابع فقالوا له: ماذا قلت؟

قال: قلت هو عبد الله روحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فاتبعه عنق من الناس فقال محمد بن كعب، فكل قد ذكره الله في القرآن ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة...

﴾ الآية.

ثم قرأ ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ [ النساء: 156] ثم قرأ ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ﴾ [ المائدة: 65] إلى قوله: ﴿ منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ [ المائدة: 66] قال محمد بن كعب: فهؤلاء أمة مقتصدة، الذين قالوا: عيسى عبد الله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ قال: النصارى يقولون: ﴿ إن الله ثالث ثلاثة ﴾ وكذبوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: تفرق بنو إسرائيل ثلاث فرق في عيسى، فقالت فرقة!

هو الله.

وقالت فرقة: هو ابن الله.

وقالت فرقة: هو عبد الله وروحه، وهي المقتصدة، وهي مسلمة أهل الكتاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ قال: قالت النصارى: إن الله هو المسيح وأمه، فذلك قوله: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ [ المائدة: 116] .

قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن هلال الدمشقي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان الداراني: يا أحمد- والله- ما حرك ألسنتهم بقولهم ثالث ثلاثة إلا هو، ولو شاء الله لأخرس ألسنتهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴾ ، في هذه الآية إلزام النصارى على اتخاذ المسيح إلهًا عبادة ما لا ينفع ولا يضر، لأنه لا يملك ذلك إلا الله تعالى (١) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد سميع لكفركم، عليم بضميركم (٢) (١) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 315 - 316.

(٢) في "تفسير الوسيط" 2/ 214 دون نسبة لابن عباس، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 120.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ الآية: إقامة حجة على من عبد عيسى وأمه وهما لا يملكان ضراً ولا نفعاً ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ خطاب للنصارى، والغلوّ الإفراط وسبب ذلك كفر النصارى ﴿ وَلاَ تتبعوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ ﴾ قيل: هم أئمتهم في دين النصرانية كانوا على ضلال في عيسى، وأضلوا كثيراً من الناس، ثم ضلوا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم اليهود، والأول أرجح لوجهين: أحدهما أن الضلال وصف لازم للنصارى، ألا ترى قوله تعالى: ﴿ وَلاَ الضآلين ﴾ [الفاتحة: 7]، والآخر: أنه يبعد نهي النصارى عن اتباع اليهود، مع ما بينهم من الخلاف والشقاق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن لا تكون ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف غير سهل وحفص وأبي بكر وحماد.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ رسلاً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ لا لأن عامل ﴿ كلما ﴾ قوله ﴿ كذبوا ﴾ ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ كثير منهم ﴾ ط ﴿ بما يعملون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ من أنصار ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ واحد ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ويستغفرونه ﴾ ط والوصل أيضاً حسن بناء على أن الواو للحال أي هلا يستغفرونه وهو غفور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ الرسل ﴾ ط لأن الواو للاستنئاف لا للعطل ﴿ صدّيقة ﴾ ط لأن ما بعده لا يصلح للصفة لأن الضمير في ﴿ كانا ﴾ مثنى ﴿ الطعام ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ولا نفعاً ﴾ ط والوصل يحسن على أن الواو للحال أي يعبدون ما لا ينفع ولا يضر والحال أن الله يسمع دعاء المضطر ويعلم رجاء المعتر ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه ﴿ فعلوه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ أشركوا ﴾ ج لطول الكلام والفصل بين الوصفين المتضادين ﴿ نصارى ﴾ ط ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ من الحق ﴾ ج لاحتمال ما يتلوه الحال والاستئناف ﴿ الشاهدين ﴾ 5 ﴿ من الحق ﴾ لا لأن الواو بعده للحال.

﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه.

/التفسير: افتتح الله  السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وانجر الكلام إلى ما انجرّ والآن عاد إلى ما بدأ به والمقصود بيان عتوّ بني إسرائيل وشدة تمردهم أي أخذنا ميثاقهم بخلق الدلائل وخلق العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال ﴿ وأرسلنا إليهم رسلاً ﴾ لتعريف الشرائع والأحكام.

قال في الكشاف ﴿ كلما جاءهم رسول ﴾ الخ جملة شرطية وقعت صفة لـ ﴿ رسلاً ﴾ والراجع إلى الموصوف محذوف أي رسول منهم.

وأقول: الأصوب جعلها جملة مستأنفة جواباً لسائل يسأل كيف فعلوا برسلهم؟

ولهذا كان الوقف على ﴿ رسلاً ﴾ مطلقاً، أما جواب الشرط فاختار في الكشاف أنه محذوف لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن يقال: إن أكرمت أخي أخاك أكرمت فالتقدير: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه أو عادوه وقوله ﴿ فريقاً كذبوا ﴾ جواب قائل: كيف فعلوا؟

وأقول أما أن التركيب المذكور غير مستحسن فعين النزاع، وأما أن الرسول الواحد لا يكون فريقين فتغليط لأن قوله ﴿ كلما ﴾ يدل على كثرة مجيء الرسل فلهذا صح جعلهم فريقين ومعنى ﴿ بما لا تهوى أنفسهم ﴾ بما يضاد شهواتهم لرغبتهم عن التكاليف، وفائدة تقديم المفعول وإيراد ﴿ يقتلون ﴾ مضارعاً ذكرناها في سورة البقرة وزعم في التفسير الكبير أنه ذكر التكذيب بلفظ الماضي لأنه إشارة إلى معاملتهم مع موسى  في ألبتة وتمردهم عن قبول قوله وقد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل بلفظ المستقبل لأنه رمز إلى ما فعلوا بزكريا ويحيى وعيسى على زعمهم وإن ذلك الزمان قريب فكان كالحاضر.

﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ قال علماء الأدب: الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء كالعلم والتيقن فيقع بعده أن المشددة الدالة على ثبات الشيء أيضاً لتأكيد مقتضاه كقوله: ﴿ ويعلمون أن الله هو الحق المبين  ﴾ فإن خففت ودخلت على الفعل لم يجز إلا أن يكون مع فعله "قد" أو "سوف" أو "السين" أو حرف نفي ليكون كالعوض من إحدى النونين وقيل: من حذف ضمير الشأن مثل ﴿ علم أن سيكون  ﴾ وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار نحو "أطمع" و "أخاف" و "أرجو" فلا يجيء معه إلا الخفيفة الناصبة للفعل كقوله ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي  ﴾ وفعل يحتمل المعنيين فيجوز فيه كلا الوجهين كقوله ﴿ وحسبوا أن لا تكون ﴾ قرىء بالنصب على أن المصدرية، وكون الحسبان بمعنى الظن وبالرفع على أن المخففة أي أنه لا تكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن، ونزل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم، وما يشتمل عليه صلة "أن" و "أنّ" من المسند والمسند إليه سد مسد المفعولين و "كان" تامة.

والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنه لا تقع فتنة وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

وعذاب الدنيا أقسام منها: القحط/ ومنها الوباء ومنها القتل ومنها العداوة والبغضاء فيما بينهم ومنها الإدبار والنحوسة وكل ذلك قد وقع بهم وقد فسرت الفتنة بكل ذلك، وحسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين: الأول أنهم كانوا يعتقدون أن لا نسخ لشريعة موسى، وأن كل رسول جاء بعده يجب تكذيبه، والثاني أنهم اعتقدوا كونهم مخطئين في التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه وأن نبوّة إسلافهم تدفع العقاب عنهم.

ثم إن الآية تدل على أن عماهم عن الدين وصممهم عن الحق حصل مرتين، فقال بعض المفسرين: إنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ثم تاب الله على بعضهم حيث وفقهم للإيمان به ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ في زمان محمد  فأنكروا نبوّته إلا بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.

وقوله ﴿ كثير منهم ﴾ بدل عن الضمير كقولك: رأيت القوم أكثرهم، وقيل: إنه على لغة من يقول "أكلوني البراغيث" وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم، وقال بعضهم: ﴿ عموا وصموا ﴾ حين عبدوا العجل ثم تابوا منه فتاب الله عليهم ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ بالتعنت وهو طلب رؤية الله جهرة.

وقال القفال: إنه يجوز أن يكون إشارة إلى ما في سورة بني إسرائيل ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما  ﴾ ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة  ﴾ وقرئ ﴿ فعموا وصموا ﴾ بالضم أي رماهم الله وضربهم بالعمى والصمم كما يقال: ركبته إذا ضربته بالركبة.

ثم إنه  لما استقصى الكلام مع اليهود شرع في حكاية كلام النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم ﴿ قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ وهذا قول اليعقوبية القائلين إن مريم ولدت إلهاً، ولعل مرادهم أنه  حل في ذات عيسى أو اتحد به.

ثم حكى عن المسيح ما حكى ليكون حجة قاطعة على فساد ما اعقتدوا فيه وذلك أنه لم يفرق بين نفسه وبين غيره في المربوبية وفي ظهور دلائل الحدوث عليه، ثم أكد ذلك المعنى بقوله: ﴿ إنه من يشرك بالله ﴾ أي في العبادة أو في تجويز الحلول أو الاتحاد أو في إجراء وصفه في المخلوقين أو بالعكس ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ التي هي دار الموحدين أي منعه منها ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ من كلام الله  أو من حكاية قول عيسى  لهم وقد مر تفسيره في آخر سورة آل عمران, وفيه تقريع لهم لأنهم كانوا يعتقدون أن لهم أنصاراً كثيرة فيما يقولون ويعتقدون فنفى الله  أو عيسى ذلك وإن كانوا يريدون بذلك تعظيمه.

قال المفسرون ﴿ ثالث ثلاثة ﴾ معناه ثالث آلهة ثلاثة ليلزم الكفر وإلا فما من شيئين وإلا والله ثالثهما.

يحكى أن النصارى يقولون أب وابن وروح قدس والثلاثة إله واحد كما أن الشمس تتناول القرص والشعاع والحرارة.

وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، قالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء/ بالخمر، وزعموا أن الأب إله واحد، والابن إله واحد، والروح إله واحد، والكل إله واحد.

واعلم أن هذا معلوم البطلان بالبديهة لأن الثلاثة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة فلا جرم رد الله مقالتهم بقوله: ﴿ وما من إله إلا إله واحد ﴾ فزاد من الاستغراقية.

والمعنى ما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له ولا شريك.

ثم زجرهم بقوله ﴿ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا ﴾ قال الزجاج: يعني الذين أقاموا على هذا الدين لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية فـ "من" في قوله ﴿ منهم ﴾ للتبعيض، ويجوز أن تكون للبيان والمراد ليمسنهم، ولكن أقيم الظاهر مقام المضمر تكريراً للشهادة عليهم بالكفر ورمزاً إلى أنهم من الكفر بمكان حتى لو فسر الكفار المعذبون عنوا بذلك خاصة.

ومعنى ﴿ عذاب أليم ﴾ نوع شديد الألم من العذاب ﴿ أفلا يتوبون ﴾ قال الفراء: إنه أمر بلفظ الاستفهام وفيه تعجيب من إصرارهم على الكفر بعد الوعيد الشديد.

ثم احتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ ما المسيح ابن مريم إلا رسول ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن لأنه منعهم من الكفر أوّلاً، ثم حثهم على الإسلام ثانياً، ثم شرع في حل شبههم ثالثاً، ومن هنا قيل: إن المرتد يستتاب بلا مهل ومناظرة إن عنت له شبهة بل يسلم أوّلاً ثم تحل شبهته ثانياً، والمعنى ما هو إلا رسول من جنس الرسل الماضين لا يتخطى الرسالة إلى الإلهية كما لم يتخطوا، فإن خلق من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وإن أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى فقد جعل موسى العصا حية تسعى إلى غير ذلك من آيات ربه الكبرى ﴿ وأمه صديقة ﴾ كبعض النساء المؤمنات بالأنبياء الصادقات في أقوالهن وأفعالهن وأحوالهن قال  في وصفها: ﴿ وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين  ﴾ أي من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم المجتهدون في إقامة مراسم العبودية.

ففيه تكذيب للنصارى المفرطين فيها إذ جعلوها إلهاً، وفيه تكذيب لليهود المفرّطين في شأنها حيث نسبوها إلى الهنات، وإلى الكذب في أن عيسى خلق من غير أب.

وفيه أن من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن فكان مخلوقاً لا إلهاً.

ثم أكد حدوثهما وعجزهما بقوله ﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾ فإن المحتاج إلى الاغتذاء سيحتاج إلى ما يتبعه من الهضم والنفض، وكل هذه الافتقارات دليل ظاهر وبرهان باهر على حدوثهما وأفولهما في حيز الإمكان.

ثم عجب من غاية غوايتهم ﴿ انظر ﴾ يا محمد أو كل من له أهلية النظر ﴿ كيف نبين لهم الآيات ﴾ الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم.

والعامل في ﴿ كيف ﴾ قوله ﴿ نبين ﴾ ومفعول ﴿ انظر ﴾ مجموع الجملة بل مضمونها أي تبصر هذه الحالة وتفكر فيها ومثله ﴿ ثم انظر أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق.

أفكه بالفتح يأفكه/ بالكسر أفكاً بالفتح والسكون صرفه عن الشيء.

ومنه الإفك بالكسر للكذب لأنه مصروف عن الحق، وأرض مأفوكة صرف عنها المطر.

ومعنى "ثم" التراخي والبون بين العجبين أي بينا لهم الآيات بياناً عجيباً ولكن إعراضهم عنها أعجب، ثم الصارف عن تأمل الحق هو الله أو العبد فيه خلاف مشهور بين الأشاعرة والمعتزلة، وأنت قد عرفت التحقيق في ذلك مراراً.

ثم أقام حجة أخرى على فساد قول النصارى فقال ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك ﴾ أي شيئاً لا يستطيع أو الذي لا يقدر على مثل ما يضركم به الله من البليات والمصائب أو ينفعكم به من الصحة والخصب بواسطة أو بغير واسطة بل لم يملك شيئاً من ذلك لنفسه، فإن اليهود كانوا يقصدونه بالسوء ولم يقدر على دفعهم.

ومن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ولما عطش وطلب الماء صبوا الخل في منخريه وكان  مصروف الهمة إلى عبادة الله ولو كان إلهاً كان معبوداً فقط لا عابداً له ﴿ والله هو السميع العليم ﴾ يسمع أباطيلهم ويعلم ضمائرهم ليجازيهم عليه وفيه من الوعيد ما فيه.

ثم عاد إلى مخاطبة الفريقين فقال ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا ﴾ والغلو مجاوزة حد الاعتدال وأنه شامل لطرفي الإفراط والتفريط وإن كان قد يخص بطرف الإفراط ويجعل مقابلاً للتقصير.

ولعل المراد ههنا هو الأول فاليهود فرطوا فيه حيث نسبوه إلى الزنا والكذب، والنصارى أفرطوا فيه حيث ادعوا فيه الإلهية.

قال في الكشاف: قوله ﴿ غير الحق ﴾ صفة للمصدر أي غلوا غير الحق، ولزمه القول بأن الغلو في الدين غلو، إن حق وهو أن يبالغ في تقرير الحق وتوضيحه واستكشاف حقائقة، وباطل وهو أن يتبع الشبهات على حسب الشهوت، والثاني منهي عنه دون الأوّل، وأقول: لما كان الغلو مجاوزة الحد وكل شيء جاوز حدّه شابه ضدّه فكيف يتصوّر غلو حق ولّله در القائل: كلا طرفي قصد الأمور ذميم *** فالأصوب أن يقال: انتصب ﴿ غير الحق ﴾ على أنه صفة قائمة مقام المصدر أي لا تغلوا غلواً كقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين  ﴾ أي إفساداً وكقولهم: تعال جائياً وقم قائماً.

ولو سلم أن المصدر محذوف كان ﴿ غير الحق ﴾ صفة مؤكدة مثل ﴿ نفخة واحدة  ﴾ و "أمس الدابر" لا صفة مميزة فافهم ﴿ ولا تتبعوا أهواء قوم ﴾ هي المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة.

قال الشعبي: ما ذكر الله  لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه ﴿ ولا تتبع الهوى فيضلك  ﴾ ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ قال أبو عبيد: لم نجد للهوى موضعاً إلا في/الشر.

لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال إنما يقال يريد الخير ويحبه.

وقيل: سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار.

وقال رجل لابن عباس: الحمد لّله الذي جعل هواي على هواك.

فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة ﴿ قد ضلوا من قبل ﴾ يعني أئمتهم في النصرانية واليهودية قبل بعث النبي  ﴿ وأضلوا كثيراً ﴾ ممن شايعهم على التثليث أو التفريط في شأن مريم وابنها ﴿ وضلوا عن سواء السبيل ﴾ عند مبعث النبي  فكذبوه.

والغرض بيان استمرارهم على الضلال قديماً وحديثاً.

وقيل: الضلال الأوّل عن الدين، والضلال الثاني عن الجنة.

وقيل: الضلال الثاني اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق ﴿ لعنهم الله ﴾ في الزبور على لسان داود وفي الإنجيل على لسان عيسى، وفيه تعيير لهم حيث ادعوا أنهم أولاد الأنبياء وقد لعنوا على ألسنتهم، وقال كثير من المفسرين: إن أصحاب أيلة كما سيجيء في الأعراف لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة.

وإن أصحاب المائدة لما أكلوا منها ولم يؤمنوا قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي.

وعن الأصم أن داود وعيسى بشرا بمحمد  ولعنا من يكذبه، وذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم.

ثم فسّر المعصية والاعتداء بقوله ﴿ كانوا لا يتناهون ﴾ وللتناهي معنيان: أحدهما وعليه الجمهور أنه تفاعل من النهي أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً.

عن ابن مسعود أن النبي  قال: " "من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم" وذلك أن في التناهي المأمور به حسماً للفساد فكان الإخلال به معصية وظلماً.

والثاني أنه بمعنى الانتهاء أي لا يمتنعون ولا ينتهون.

والمراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه لأن النهي بعد الفعل لا يفيد، أو المراد لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته، أو لا ينتهون أو لا ينهون عن الإصرار على منكر فعلوه.

ثم عجب من سوء فعلهم مؤكداً بالقسم المقدر فقال ﴿ لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ ثم لما وصف أسلافهم بما وصف شرع في نعت الحاضرين بأن كثيراً منهم يتولون المشركين والمراد كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله  وقد مر في تفسير سورة النساء عند قوله ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً  ﴾ ﴿ لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم ﴾ من العمل لمعادهم.

ومحل ﴿ أن سخط ﴾ رفع على أنه مخصوص بالذم أي بئس الزاد إلى الآخرة سخط الله يعني موجب سخط الله وسببه، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدّعون واتخذوا المشركين أولياء لأن تحريم ذلك متأكد في شريعة موسى ﴿ ولكن كثيراً منهم فاسقون ﴾ في دينهم لأن مرادهم تحصيل الرياسة والجاه بأي طريق قدروا عليه لا تقرير دين موسى.

ويحتمل أن يراد ولو كان هؤلاء اليهود المنافقون مؤمنين بالله وبمحمد والقرآن إيماناً خالصاً ما اتخذوا المشركين أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون متمردون في كفرهم ونفاقهم فلهذا يتولون المشركين.

وقال القفال: ولو أن هؤلاء المشركين يؤمنون بالله وبمحمد  ما اتخذهم اليهود أولياء.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ...

﴾ \[الآية\]: يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ ﴾ : أي: كفروا بعيسى؛ لأن عيسى كذبهم في قولهم: "إنه ابن الله" بقوله: ﴿ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ...

﴾ الآية، وبقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [مريم: 30]، أخبر أنه عبد الله، ليس هو إلهاً ولا ابنه،  الله عن ذلك.

والثاني: كفروا بعلمهم؛ لأنهم علموا أنه ابن مريم، وسموه ابن مريم، ثم قالوا: هو الله أو ابن الله، فإن كان ابن مريم أَنَّى يكون له ألوهية؟!

فإذا كانت أمه لم تستحق الألوهية وهي أقدم منه، كيف يكون لمن بعدها؟!

ولكن لسفههم قالوا ذلك،  الله عن ذلك علواً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ ﴾ : إذا حرم عليه الجنة صار مأواه النار.

وقيل: سمي: مسيحاً؛ قال الحسن: سمي ذلك؛ لأنه ممسوح بالبركات، وسمي الدجال: مسيحاً؛ لأنه ممسوح باللعنة.

وقيل: المسيح بمعنى الماسح، وذلك جائز؛ الفعيل بمعنى الفاعل، وهو ما كان يمسح المريض والأكمة والأبرص فيبرأ، ويمسح الموتى فيحيون، ومثل ذلك؛ فسمي بذلك، والله أعلم.

والفعيل بمعنى المفعول جائز - أيضاً - يقال: جريح ومجروح، وقتيل ومقتول؛ هذا كله جائز في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ﴾ .

قوله  : ﴿ كَفَرَ ﴾ بعلمهم، علموا [بوحدانيته]، فكيف يكون ثالث ثلاثة وهو واحد؟!

فإذا قالوا: هو الله فلا يكون هناك ثان ولا ثالث، وذلك تناقض في العقل.

والثاني: أنهم لم يروا غير الله خلق السماوات والأرض، ولا رأوا أحداً خلقهم سوى الله، كيف سموا دونه إلهاً ولم يخلق ما ذكرنا؟!

إنما خلق ذلك الله الذي لا إله غيره، وذلك قوله: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ أي: يعلمون أنه لا إله إلا [الله] إله واحد، لكنهم يتعنتون ويكابرون في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ ﴾ : عما تقدم ذكره ﴿ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ﴾ : عن مقالتهم الشرك، فإن فعلوا فإن الله غفور رحيم؛ كقوله -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ﴾ .

في الآية دلالة المحاجة مع الفريقين؛ كأنهم كانوا فريقين: أحد الفريقين كانوا ينكرون أنه رسول، والفريق الآخر يدعون له الربوبية والألوهية، فقال: إنه ابن مريم، وابن مريم لا يحتمل أن يكون إلهاً.

والثاني: أخبر أنه رسول قد خلت من قبله الرسل، أي: قد خلت من قبل عيسى رسل مع آيات وبراهين لم يقل أحد من الأمم السالفة: إنهم كانوا آلهة، فكيف قلتم أنتم بأن عيسى إله، وإن كان معه آيات وبراهين لرسالته؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ .

قيل: مطهرة عن الأقذار كلها، صالحة.

وقيل: ﴿ صِدِّيقَةٌ ﴾ : تشبه النبيين، وذلك أن جبريل -  - لما أتاها وقال: ﴿ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً  ﴾ صدقته كتصديق الأنبياء والرسل الملائكة، وأما سائر الخلائق: إنما يصدقون الملائكة بإخبار الرسل إياهم، وهي إنما صدقت جبريل بإخباره أنه ملك، وأنه رسول؛ لذلك سميت صديقة، والله أعلم.

وقيل: كل مؤمن صديق، كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ...

﴾ \[الآية\] [الحديد: 19].

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ ﴾ : فيه الاحتجاج عليهم من وجهين: أحدهما: أن الجوع قد كان يغلبهما ويحوجهما إلى أن يدفعا ذلك عن أنفسهما، ومن غلبه الجوع وقهره كيف يصلح أن يكون ربّاً إلها؟!.

والثاني: أنهما إذا احتاجا إلى الطعام لا بد من أن يدفعهما ذلك إلى إزالة الأذى عن أنفسهما ودفعه، والقيام في أخبث الأماكن وأقبحها، فمن دفع إلى ذلك لا يكون إلها،  الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ﴾ : والآيات ما ذكر من وجوه المحاجة عليهم: أحدها: أنه ابن مريم، ومن كان ابن آخر لا يكون إلها.

والثاني: أنه رسول، وقد كان قبله رسل مع آيات وبراهين، لم يدع أحد لهم الألوهية والربوبية.

والثالث: أنه كان يأكل الطعام، ومن كان تحت غلبة آخر وقهره، لا يكون إلها.

والرابع: من أكل الطعام احتاج أن يدفع عن نفسه الأذى، ويقوم في أخبث مكان، ومن كان هذا أمره لم يكن ربّاً.

وليس في القرآن - والله أعلم - آية أكثر ولا أبين احتجاجاً على النصارى وأولئك، ولا أقطع لقولهم من هذه الآية؛ للمعاني التي وصفنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ : أي: من أين يكذبون.

قال أبو عبيد: ﴿ يُؤْفَكُونَ ﴾ : يصرفون، ويخادعون عن الحق، كل من صرفته عن شيء فقد أفكته.

ويقال: أفكت الأرض، إذا صرف عنها القطر.

وقوله: ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ  ﴾ .

قال ابن عباس -  - ﴿ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ  ﴾ قال: أضلهم، فإذا أضلهم، فقد صرفهم عن الهدى.

قال أبو عوسجة: الإفك عندي: الصرف عن الحق، وفي الأصل: الإفك: الكذب.

وقال القتبي: ﴿ يُؤْفَكُونَ ﴾ : يصرفون عن الحق ويعدلون.

وقيل: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يخدعون بالكذب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ﴾ إن خالفتموه ﴿ وَلاَ نَفْعاً ﴾ إن أطعتموه.

ويحتمل: قوله: ﴿ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ﴾ إن كان الله أراد بكم نفعاً، ولا نفعاً إن حل بكم الضر، أي: لا يملكون دفعه عنكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ﴾ : لنسبتكم عيسى إليه  ، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بعبادتكم غير الله.

ويحتمل: ﴿ ٱلسَّمِيعُ ﴾ المجيب لدعائكم، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بنياتكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

خاطب الله - عز وجل - بالنهي عن الغلو في الدين أهل الكتاب، لم يخاطب أهل الشرك بذلك فيما خاطب بقوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ  ﴾ ؛ وذلك أن أهل الكتاب ادعوا أنهم على دين الأنبياء والرسل [الذين] كانوا من قبل، فنهاهم الله - عز وجل - عن الغلو في الدين.

والغلو: هو المجاوزة عن الحد الذي حد، والإفراط فيه والتعمق؛ فكأنه - والله أعلم - قال: لا تجاوزوا في الدين الحد الذي حد فيه بنسبة الألوهية والربوبية إلى غير الله والعبادة له.

وأما أهل الشرك: فإنهم يعبدون ما يستحسنون، ويتركون ما يستقبحون، ليس لهم دين يدينون به.

وأما هؤلاء: فإنهم يَدَّعُون أنهم على دين الأنبياء والرسل؛ لذلك خرج الخطاب لهم بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ ﴾ : يعني: الرؤساء بذلك، والله أعلم.

[ ﴿ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً ﴾ : أي: أتباعهم.

﴿ وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ : أي: عن قصد طريق الهدى].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- مُحتجًّا عليهم في عبادتهم لغير الله: أتعبدون ما لا يجلب لكم نفعًا، ولا يدفع عنكم ضرًّا؟!

فهو عاجز، والله منزه عن العجز، والله هو وحده السميع لأقوالكم، فلا يفوته منها شيء، العليم بأفعالكم، فلا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيكم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.zmP7k"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله