الآية ٨٢ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٨٢ من سورة المائدة

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٨٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 130 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٢ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٢ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه ، الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم .

وهذا القول فيه نظر ; لأن هذه الآية مدنية ، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة .

وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما : نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه ، ويروا صفاته ، فلما قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا ، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه .

قال السدي : فهاجر النجاشي فمات في الطريق .

وهذا من إفراد السدي فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات ، وأخبر به أصحابه ، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة .

ثم اختلف في عدة هذا الوفد ، فقيل : اثنا عشر ، سبعة قساوسة وخمسة رهابين .

وقيل بالعكس .

وقيل : خمسون .

وقيل : بضع وستون .

وقيل : سبعون رجلا .

فالله أعلم .

وقال عطاء بن أبي رباح : هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين ، وقال قتادة : هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم فلما رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا .

واختار ابن جرير أن هذه [ الآية ] نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة ، سواء أكانوا من الحبشة أو غيرها .

فقوله [ تعالى ] ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) ما ذاك إلا لأن كفر اليهود عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس وتنقص بحملة العلم .

ولهذا قتلوا كثيرا من الأنبياء حتى هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة وسحروه ، وألبوا عليه أشباههم من المشركين - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة .

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية : حدثنا أحمد بن محمد بن السري : حدثنا محمد بن علي بن حبيب الرقي ، حدثنا سعيد العلاف بن العلاف ، حدثنا أبو النضر ، عن الأشجعي ، عن سفيان ، عن يحيى بن عبد الله عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما خلا يهودي قط بمسلم إلا هم بقتله " .

ثم رواه عن محمد بن أحمد بن إسحاق اليشكري ، حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي ، حدثنا فرج بن عبيد ، حدثنا عباد بن العوام ، عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما خلا يهودي بمسلم إلا حدثت نفسه بقتله " .

وهذا حديث غريب جدا .

وقوله : ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) أي : الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله ، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة ، وما ذاك إلا لما في قلوبهم ، إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة ، كما قال تعالى : ( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ) [ الحديد : 27 ] وفي كتابهم : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر .

وليس القتال مشروعا في ملتهم ; ولهذا قال تعالى : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) أي : يوجد فيهم القسيسون - وهم خطباؤهم وعلماؤهم ، واحدهم : قسيس وقس أيضا ، وقد يجمع على قسوس - والرهبان : جمع راهب ، وهو : العابد .

مشتق من الرهبة ، وهي الخوف ؛ كراكب وركبان ، وفارس وفرسان .

وقال ابن جرير : وقد يكون الرهبان واحدا وجمعه رهابين ، مثل قربان وقرابين ، وجردان وجرادين وقد يجمع على رهابنة .

ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحدا قول الشاعر : لو عاينت رهبان دير في القلل لانحدر الرهبان يمشي ونزل وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا بشر بن آدم ، حدثنا نصير بن أبي الأشعث حدثني الصلت الدهان عن حامية بن رئاب قال : سألت سلمان عن قول الله [ عز وجل ] : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ) فقال : دع " القسيسين " في البيع والخرب ، أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا " .

وكذا رواه ابن مردويه من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني ، عن نصير بن زياد الطائي ، عن صلت الدهان ، عن حامية بن رئاب ، عن سلمان به .

وقال ابن أبي حاتم : ذكره أبي ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، حدثنا نصير بن زياد الطائي ، حدثنا صلت الدهان عن حامية بن رئاب قال : سمعت سلمان وسئل عن قوله : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ) قال : هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب ، فدعوهم فيها ، قال سلمان : وقرأت على النبي صلى الله عليه وسلم ( ذلك بأن منهم قسيسين [ ورهبانا ] ) فأقرأني : " ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا " .

فقوله : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمدّ صلى الله عليه وسلم: لتجدن، يا محمد، أشدَّ الناس عداوةً للذين صدَّقوك واتبعوك وصدّقوا بما جئتهم به من أهل الإسلام=" اليهودَ والذين أشركوا "، يعني: عبدة الأوثان الذين اتخذوا الأوثان آلهة يعبدونها من دون الله=" ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا "، يقول: ولتجدن أقربَ الناس مودةًّ ومحبة.

* * * و " المودة "" المفعلة "، من قول الرجل: " ودِدْت كذا أودُّه وُدًّا، ووِدًّا، ووَدًّا ومودة "، إذا أحببته.

(28) * * * =" للذين آمنوا "، يقول: للذين صدّقوا الله ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم =" الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون "، عن قبول الحق واتباعه والإذعان به.

* * * وقيل: إن هذه الآية والتي بعدها نـزلت في نفرٍ قدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآن أسلموا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * * وقيل: إنها نـزلت في النجاشيّ ملك الحبشة وأصحابٍ له أسلموا معه.

ذكر من قال ذلك: 12315 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا خصيف، عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشيّ وفدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا.

قال: فأنـزل الله تعالى فيهم: " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا "، إلى آخر الآية.

قال: فرجعوا إلى النجاشيّ فأخبروه، فأسلم النجاشي، فلم يزل مسلمًا حتى مات.

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ أخاكم النجاشيَّ قد مات، فصلُّوا عليه!

فصلَّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، والنجاشي ثَمَّ.

12316 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ولتجدن أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى "، قال: هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة.

12317 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ولتجدن أقربهم مودَّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى "، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفرَ بن أبي طالب، وابن مسعود وعثمان بن مظعون، في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة.

فلما بلغ ذلك المشركين، بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، ذُكر أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشيّ، فقالوا، إنه خرج فينا رجل سفَّه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبيُّ!

وإنه بعث إليك رهطًا ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم.

قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون!

فقدم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمُّوا بابَ النجاشي، (29) فقالوا: استأذن لأولياء الله!

(30) فقال، ائذن لهم، فمرحبًا بأولياء الله!

فلما دخلوا عليه سلَّموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ترى أيها الملك أنا صدقناك؟

لم يحيوك بتحيَّتك التي تحيَّا بها!

فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟

فقالوا: إنا حيَّيناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة!

قال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟

قال يقول: " هو عبد الله، وكلمةٌ من الله ألقاها إلى مريم، وروح منه "، ويقول في مريم: " إنها العذراء البتول ".

قال: فأخذ عودًا من الأرض فقال: ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم قدر هذا العود!

فكره المشركون قوله، وتغيَّرت وجوههم.

قال لهم: هل تعرفون شيئًا مما أنـزل عليكم؟

قالوا: نعم!

قال: اقرءوا!

فقرءوا، وهنالك منهم قسيسون ورهبانٌ وسائرُ النصارى، فعرفت كلَّ ما قرأوا وانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق.

قال الله تعالى ذكره: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنـزل إلى الرسول " الآية.

12318 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى "، الآية.

قال: بعث النجاشيّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنى عشر رجلا من الحبشة، سبعة قسيسين وخمسة رهبانًا، ينظرون إليه ويسألونه.

فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنـزل الله بَكَوْا وآمنوا، فأنـزل الله عليه فيهم: " وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْـزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، فآمنوا ثم رجعوا إلى النجاشيّ، فهاجر النجاشي معهم فمات في الطريق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون واستغفروا له.

12319 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء في قوله: " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى " الآية، هم ناس من الحبشة آمنوا، إذ جاءتهم مهاجِرَةُ المؤمنين.

* * * وقال آخرون: بل هذه صفة قوم كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان، فلما بعث الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم آمنوا به.

ذكر من قال ذلك: 12320 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا "، فقرأ حتى بلغ: فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعةٍ من الحق مما جاء به عيسى، يؤمنون به وينتهون إليه.

فلما بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، صدَّقوا به وآمنوا به، وعرفوا الذي جاء به أنه الحق، فأثنى عليهم ما تسمعون.

* * * قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول عندي: أنّ الله تعالى وصف صفة قوم قالوا: " إنا نصارى "، أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقربَ الناس وِدادًا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسمِّ لنا أسماءهم.

وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحابُ النجاشي= ويجوز أن يكون أريد به قومٌ كانوا على شريعة &; 10-502 &; عيسى، فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه.

* * * وأما قوله تعالى: " ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهبانًا "، فإنه يقول: قَرُبت مودَّة هؤلاء الذين وصف الله صفتهم للمؤمنين، من أجل أنّ منهم قسيسين ورهبانًا.

* * * و " القسيسون " جمع " قسيس ".

وقد يجمع " القسيس "،" قسوسًا "، (31) لأن " القَسّ" و " القسيس "، بمعنى واحد.

* * * وكان ابن زيد يقول في" القسيس " بما:- 12321 - حدثنا يونس قال، حدثنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " القسيس "، عبَّادُهم.

(32) * * * وأما الرهبان، فإنه يكون واحدًا وجمعًا.

فأما إذا كان جمعًا، فإن واحدهم يكون " راهبًا "، ويكون " الراهب "، حينئذ " فاعلا " من قول القائل: " رَهب الله فلان "، بمعنى خافه،" يرهبه رَهَبًا ورَهْبَا "، ثم يجمع " الراهب "،" رهبان " مثل " راكب " و " ركبان "، و " فارس " و " فرسان ".

ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب جمعًا قول الشاعر: (33) رُهْبَــانُ مَــدْيَنَ لَـوْ رَأَوْكِ تَـنزلُوا والْعُصْـمُ مِـنْ شَـعَفِ الْعَقُـولِ الفَادِرِ (34) وقد يكون " الرهبان " واحدًا.

وإذا كان واحدًا كان جمعه " رهابين " مثل " قربان " و " قرابين "، و " جُرْدان ".

و " جرادين ".

(35) ويجوز جمعه أيضًا " رهابنة " إذا كان كذلك.

ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحدا قول الشاعر: (36) لَـوْ عَـايَنَتْ رُهْبَـانَ دَيْـرٍ فـي الْقُلَلْ لانْحَــدَرَ الرُّهْبَــانُ يَمْشِـي وَنـزل (37) * * * واختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا ".

فقال بعضهم: عُني بذلك قوم كانوا استجابوا لعيسى ابن مريم حين دعاهم، واتَّبعوه على شريعته.

ذكر من قال ذلك: 12321م - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن حصين، عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا "، قال: كانوا نَوَاتِيَّ في البحر= يعني: ملاحين (38) = قال: فمر بهم عيسى ابن مريم، فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه: قال: فذلك قوله: " قسيسين ورهبانًا ".

* * * وقال آخرون: بل عني بذلك، القوم الذين كان النجاشي بعثهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك: 12322 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم قال، حدثنا عنبسة، عمن حدثه، عن أبي صالح في قوله: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا "، قال: ستة وستون، أو سبعة وستون، أو ثمان وستون، (39) من الحبشة، كلهم صاحب صَوْمعة، عليهم ثيابُ الصوف.

12323 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا "، قال: بعث النجاشيّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم خمسين أو سبعين من خيارهم، فجعلوا يبكون، فقال: هم هؤلاء!

12324 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا "، قال: هم رُسُل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلا اختارهم الخيِّرَ فالخيِّرَ، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم: يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [سورة يس: 1، 2]، فبكوا وعرفوا الحق، فأنـزل الله فيهم: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون "، وأنـزل فيهم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ إلى قوله: يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا [سورة القصص: 54].

* * * قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ عن النفر الذين أثنى عليهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيمان بالله ورسوله، أن ذلك إنما كان منهم لأن منهم أهلَ اجتهاد في العبادة، وترهُّب في الديارات والصوامع، (40) وأن منهم علماء بكتبهم وأهل تلاوة لها، فهم لا يبعدون من المؤمنين لتواضعهم للحق إذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبيّنوه، لأنهم أهل دين واجتهاد فيه، ونصيحة لأنفسهم في ذات الله، وليسوا كاليهود الذين قد دَرِبُوا بقتل الأنبياء والرسل، ومعاندة الله في أمره ونهيه، وتحريفِ تنـزيله الذي أنـزله في كتبه.

(41) * * * --------------- (28) انظر تفسير"ود" فيما سلف 2: 470/5: 542/6: 500/8: 371/9: 17 (29) في المطبوعة: "فأقاموا بباب النجاشي" ، والصواب المحض من المخطوطة.

(30) في المطبوعة: "فقالوا: أتأذن" ، والصواب من المخطوطة.

يعني : قالوا لحاجب باب النجاشي ، ولذلك جاء الجواب: "فقال: ائذن لهم".

(31) في المطبوعة: "قسوس" ، والصواب من المخطوطة.

(32) في المطبوعة: "القسيسين" ، بالجمع ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب ، ولا بأس هنا بشرح المفرد بالجمع.

(33) هو جرير ، ونسبه ياقوت في معجم البلدان لكثير عزة ، وأدخله في شعره جامع ديوانه ص: 240 ، والصواب أنه لجرير.

(34) ديوانه: 305 ، وسيأتي في التفسير 20: 34 (بولاق) وديوان كثير 1: 240 ، واللسان (رهب) ومعجم البلدان (مدين) ، من قصيدة هجا فيها الأخطل والفرزدق ، يقول قبله: يَــا أُمَّ طَلْحَــةَ، مَـا لَقِينَـا مِثْلكُـمْ فِــي الْمُنْجِـدِينَ ولا بغَـوْرِ الغَـائِرِ و"مدين" مدينه شعيب عليه السلام ، على بحر القلزم ، تجاه تبوك ، بين المدينة والشام ، ذكرها كثير أيضًا في شعره فقال: اللــهُ يَعْلَــمُ لَــوْ أَرَدْتُ زِيَــادَةً فـي حُـبِّ عَـزَّةَ مـا وجـدْتُ مَزِيدَا رُهْبَــانُ مَــدْيَنَ وَالَّـذِينَ عَهِـدْتُهُمْ يَبْكُـونَ مِـنْ حَـذَر العَـذَابِ قُعُـودَا لَـوْ يَسْـمَعُونَ كَمَـا سَـمِعْتُ كَلامَهـا خَــرُّوا لِعَــزَّةَ رُكَّعًــا وَسُـجُودَا و"العقول" عندي بفتح العين ، من قولهم: "عقل الوعل يعقل عقولا" ، امتنع برأس الجبل ، فهو"عاقل" وبذلك سمي ، والقياس يقبل أيضًا"فهو عقول" (بفتح العين).

وفي الديوان ، ضبط بالقلم"العقول" (بضم العين) ، جمع"عقل" (بفتح فسكون): وهو المعقل والحصن.

ولست أرضى ذلك هنا ، وروى صاحب المعجم"والعصم في شعف الجبال" ، وهي موافقة في المعنى لمن ضبط"العقول" بضم العين ، وأرجح أن صواب إنشاده في المعجم"من شعف الجبال".

و"الشعف" جمع"شعفة" (بفتحتين): وهي رأس الجبل.

و"الفادر": الوعل العاقل الممتنع في رأس الجبل ، وهو حينئذ مسن معتقل في رأس جبله.

و"العصم" جمع"أعصم": وهو الوعل.

سمى بالصفة الغالبة ، لأن في إحدى يديه بياضًا.

وذلك أن"العصم" و"العصمة": البياض في الذراعين أو إحداهما.

ولما كان"العصم" جمعًا ، أنفت أن أجعل"الفادر" من صفته ، لو قرئ"العقول" (بضم العين) بمعنى: الحصون والملاجئ ، بل جعلتها بفتح العين ، بمعنى أن العصم غير المسنة تنزلت أيضا من المعقل الذي يعقل إليه مسن الوعول امتناعًا من الصيد ، لقلة احتفاله بمفارقة معقله ، كاحتفال شواب الوعول.

(35) "الجردان": ما يستحى من ذكره من الإنسان وغيره.

(36) لم أعرف هذا الراجز.

(37) تفسير القرطبي 6: 258 ، مع اختلاف شديد في الرواية."عاين الشيء معاينة وعيانًا": نظر إليه بعينيه مواجهة.

ومنه قيل: "رأيت فلانًا عيانًا" أي: مواجهة.

وحق شرح هذا اللفظ هنا أن يقال: لو رمتهم بعينيها مواجهة.

و"القلل": جمع"قلة": وهي رأس الجبل ، وإنما عنى بذلك صوامع الرهبان في الجبال.

(38) في ابن الأثير ثم في لسان العرب"كانوا نَوَّاتِين ، أي ملاحين- تفسيره في الحديث" وكذلك نقله عنهما صاحب تاج العروس.

وأنا أخشى أن يكون خطأ من النساخ ، وأن صوابه"كانوا نواتى ، أي ملاحين" ، كما جاء هنا وفي المخطوطة أيضا.

ولم أجد أحدًا ذكره كذلك: "نواتا" (بفتح النون وتشديد الواو) ، ولو كان كذلك لتعرض له أصحاب اللغة ، ولكنهم لم يذكروه إلا فيما نقلوه عن ابن الأثير ، وواحد"النواتى" (بفتح النون والواو المفتوحة غير المشددة)"نوتى" (بضم النون ، آخره ياء مشددة).

والذي في مخطوطة الطبري يرجح أن الذي كتبه ابن الأثير ، خطأ ، أو سهو في قراءة الحرف.

وابن الأثير وحده ، لا يحتج برواية كتابه غير مقيدة مضبوطة بإسنادها ومصدرها.

ثم وجدته بعد أن كتبت هذا ، في مجمع الزوائد 7: 17 ، كما جاء في ابن الأثير واللسان: "نواتين ، يعني ملاحين".

وذكر هناك الخبر بطوله ، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير ، وفيه العباس بن الفضل الأنصاري ، وهو ضعيف".

وهو إسناد غير إسناد أبي جعفر بلا شك ، وانظر ابن كثير 3: 212 ، 213.

(39) هكذا في المطبوعة: "أو اثنان وستون" ، وفي المخطوطة: "اثنان وستون" بغير "أو" ، وغير منقوطة ، فأرجح أن صواب قراءتها: "أو ثمان وستون"...

وهو الذي يدل عليه السياق ، ولذلك أثبتها كذلك.

(40) في المطبوعة: "وترهيب" ، وفي المخطوطة: "وترهب" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت ، فإنه لا يقال: "رهب ترهيبًا" ، وإنما يقال: "ترهب ترهبًا" ، إذا صار راهبًا يخشى الله ، ويتعبد في صومعته.

(41) قال الجصاص في أحكام القرآن 2: 451: "ومن الجهال من يظن أن في هذه الآية مدحًا للنصارى ، وإخبارًا بأنهم خير من اليهود.

وليس ذلك كذلك ، لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول.

يدل عليه ما ذكر في نسق التلاوة ، من إخبارهم عن أنفسهم بالإيمان بالله والرسول.

ومعلوم عند كل ذي فطنة صحيحة أمعن النظر في مقالتي هاتين الطائفتين ، أن مقالة النصارى أقبح وأشد استحالة ، وأظهر فسادًا من مقالة اليهود.

لأن اليهود تقر بالتوحيد في الجملة ، وإن كان فيها مشبهة تنقض ما اعتقدته في الجملة من التوحيد بالتشبيه".

ونقل هذا: أبو حيان في تفسيره (4: 4 ، 5) ، ثم قال: "والظاهر ما قاله المفسرون وغيرهم من أن النصارى على الجملة أصلح حالا من اليهود.

وقد ذكر المفسرون فيما تقدم ، ما فضل به النصارى على اليهود من كرم الأخلاق ، والدخول في الإسلام سريعًا.

وليس الكلام واردا بسبب العقائد ، وإنما ورد بسبب الانفعال للمسلمين.

وأما قوله: "لأن ما في الآية من ذلك ، إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول" ، ليس كما ذكر ، بل صدر الآية يقتضي العموم ، لأنه قال: "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى" ، ثم أخبر أن من هذه الطائفة علماء وزهادًا متواضعين ، وسريعي استجابة للإسلام ، وكثيري بكاء عند سماع القرآن.

واليهود بخلاف ذلك.

والوجود يصدق قرب النصارى من المسلمين ، وبعد اليهود".

وهذا كلام فيه نظر يطول ، ليس هذا موضع تفصيله ، وإنما نقلته لك لتتأمله وتتدبره.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرونقوله تعالى : لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود اللام لام القسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه فرقا بين الحال والمستقبل .

عداوة نصب على البيان وكذا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى - حسب ما هو مشهور في سيرة ابن إسحاق وغيره - خوفا من المشركين وفتنتهم ; وكانوا ذوي عدد .

ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه ، حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب .

فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار ، قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة ، فاهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر ، فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري ، وكتب معه إلى النجاشي ، فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين ، [ ص: 190 ] وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم .

ثم أمر جعفرا أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة ( مريم ) فقاموا تفيض أعينهم من الدمع ، فهم الذين أنزل الله فيهم ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى وقرأ إلى الشاهدين رواه أبو داود .

قال : حدثنا محمد بن سلمة المرادي قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير ، أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة ، وساق الحديث بطوله ، وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة أو قريب من ذلك ، من النصارى حين ظهر خبره من الحبشة ، فوجدوه في المسجد فكلموه وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا ، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل ، وتلا عليهم القرآن ، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره ، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا : خيبكم الله من ركب !

بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل ، فلم تظهر مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم ، ما نعلم ركبا أحمق منكم - أو كما قال لهم - فقالوا : سلام عليكم لا نجاهلكم ، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، لا نألوا أنفسنا خيرا .

فيقال : إن النفرالنصارى من أهل نجران ، ويقال : إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون إلى قوله : لا نبتغي الجاهلين وقيل : إن جعفرا وأصحابه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف ، فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيرى الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن ، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة " يس " إلى آخرها ، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا ، وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى يعني وفد النجاشي وكانوا أصحاب الصوامع ، وقال سعيد بن جبير : وأنزل الله فيهم أيضا الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون إلى قوله : أولئك يؤتون أجرهم مرتين إلى آخر الآية ، وقال مقاتل والكلبي : كانوا أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحارث بن كعب ، واثنان وثلاثون من الحبشة ، وثمانية وستون من [ ص: 191 ] أهل الشام .

وقال قتادة : نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم .قوله تعالى : ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا واحد القسيسين قس وقسيس ; قاله قطرب .

والقسيس العالم ; وأصله من قس إذا تتبع الشيء فطلبه ; قال الراجز :يصبحن عن قس الأذى غوافلا وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها، والقس النميمة ، والقس أيضا رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم ، وجمعه قسوس ، وكذلك القسيس مثل الشر والشرير فالقسيسون هم الذين يتبعون العلماء والعباد ، ويقال في جمع قسيس مكسرا : قساوسة أبدل من إحدى السينين واوا وقساوسة أيضا ك مهالبة ، والأصل قساسسة فأبدلوا إحدى السينات واوا لكثرتها .

ولفظ القسيس إما أن يكون عربيا ، وإما أن يكون بلغة الروم ولكن خلطته العرب بكلامهم فصار من لغتهم إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب كما تقدم .

وقال أبو بكر الأنباري : حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد ، قال : حدثت عن معاوية بن هشام عن نصير الطائي عن الصلت عن حامية بن رباب قال : قلت لسلمان بأن منهم قسيسين ورهبانا فقال : دع القسيسين في الصوامع والمحراب أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم " بأن منهم صديقين ورهبانا " ، وقال عروة بن الزبير : ضيعت النصارى الإنجيل ، وأدخلوا فيه ما ليس منه ; وكانوا أربعة نفر الذين غيروه ; لوقاس ومرقوس ويحنس ومقبوس وبقي قسيس على الحق وعلى الاستقامة ، فمن كان على دينه وهديه فهو قسيس .قوله تعالى : ورهبانا الرهبان جمع راهب كركبان وراكب .

قال النابغة :لو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متعبدلرنا لرؤيتها وحسن حديثها ولخاله رشدا وإن لم يرشدوالفعل منه رهب الله يرهبه أي : خافه رهبا ورهبا ورهبة ، والرهبانية والترهب التعبد في صومعة .

قال أبو عبيد : وقد يكون ( رهبان ) للواحد والجمع ; قال الفراء : ويجمع ( رهبان ) إذا كان للمفرد رهابنة ورهابين كقربان وقرابين ; قال جرير في الجمع :رهبان مدين لو رأوك تنزلوا والعصم من شعف العقول الفادر[ ص: 192 ] الفادر المسن من الوعول ، ويقال : العظيم ، وكذلك الفدور والجمع فدر وفدور وموضعها المفدرة ; قاله الجوهري ، وقال آخر في التوحيد :لو أبصرت رهبان دير في الجبل لانحدر الرهبان يسعى ويصلمن الصلاة .

والرهابة على وزن السحابة عظم في الصدر مشرف على البطن مثل اللسان ، وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم دون من أصر على كفره ولهذا قال : وأنهم لا يستكبرون يستكبرون أي : عن الانقياد إلى الحق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين، وإلى ولايتهم ومحبتهم، وأبعدهم من ذلك: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين، وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم، وذلك لشدة بغضهم لهم، بغيا وحسدا وعنادا وكفرا.

{ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } وذكر تعالى لذلك عدة أسباب: منها: أن { مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } أي: علماء متزهدين، وعُبَّادًا في الصوامع متعبدين.

والعلم مع الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب ويرققه، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود، وشدة المشركين.

ومنها: { أنهم لَا يَسْتَكْبِرُونَ } أي: ليس فيهم تكبر ولا عتو عن الانقياد للحق، وذلك موجب لقربهم من المسلمين ومن محبتهم، فإن المتواضع أقرب إلى الخير من المستكبر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) يعني : مشركي العرب ، ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) لم يرد به جميع النصارى لأنهم في عداوتهم المسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم ، لا ولاء ، ولا كرامة لهم ، بل الآية فيمن أسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه ، [ وقيل : نزلت في جميع اليهود وجميع النصارى ، لأن اليهود أقسى قلبا والنصارى ألين قلبا منهم ، وكانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود ] .

قال أهل التفسير : ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم ، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم ، فافتتن من افتتن ، وعصم الله منهم من شاء ، ومنع الله تعالى رسوله بعمه أبي طالب ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد ، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة ، وقال : " إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد ، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا " وأراد به النجاشي ، واسمه أصحمة وهو بالحبشة عطية ، وإنما النجاشي اسم الملك ، كقولهم قيصر وكسرى ، فخرج إليهم سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة ، وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود ، [ وعبد الرحمن بن عوف ] وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو ، ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية ، وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي [ حثمة ] وحاطب بن عمرو و [ سهل ] بن بيضاء رضي الله عنهم ، فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الهجرة الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب ، وتتابع المسلمون إليها وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان .

فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردوهم إليهم ، فعصمه الله ، وذكرت القصة في سورة آل عمران .

فلما انصرفا خائبين ، أقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا أمره ، وذلك في سنة ستة من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان - وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها فمات زوجها ، - ويبعث إليه من عنده من المسلمين فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية يقال لها أبرهة تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها ، فأعطتها أوضاحا لها سرورا بذلك ، فأذنت لخالد بن سعيد بن العاص حتى أنكحها على صداق أربعمائة دينار ، وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي رحمه الله فأنفذ إليها النجاشي أربعمائة دينار على يد أبرهة ، فلما جاءتها بها أعطتها خمسين دينارا فردته وقالت : أمرني الملك أن لا آخذ منك شيئا ، وقالت : أنا صاحبة دهن الملك وثيابه ، وقد صدقت محمدا صلى الله عليه وسلم وآمنت به ، وحاجتي منك أن تقرئيه مني السلام ، قالت نعم : وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عليها وعندها فلا ينكر .

قالت أم حبيبة : فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فدخلت عليه وكان يسألني عن النجاشي فقرأت عليه من أبرهة السلام فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما السلام ، وأنزل الله عز وجل : " عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة " يعني : أبا سفيان مودة ، يعني : بتزويج أم حبيبة ، ولما جاء أبا سفيان تزويج أم حبيبة ، قال : ذلك الفحل لا يقرع أنفه .

وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ابنه أزهى بن أصحمة بن أبجر في ستين رجلا من الحبشة ، وكتب إليه : يا رسول الله أشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله رب العالمين ، وقد بعثت إليك ابني أزهى ، وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله ، فركبوا سفينة في أثر جعفر وأصحابه حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا ، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف ، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من [ أهل ] الشام ، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة " يس " إلى آخرها ، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا ، وقال : آمنوا ، وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام ، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) يعني : وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون ، وكانوا أصحاب الصوامع .

وقال مقاتل والكلبي كانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون من الحبشة ، وثمانية روميين من أهل الشام .

[ وقال عطاء : كانوا ثمانين رجلا ، أربعون من أهل نجران من بني الحرث بن كعب ، واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية روميين من أهل الشام ] .

وقال قتادة : نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى عليه السلام ، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم صدقوه وآمنوا به فأثنى الله عز وجل بذلك عليهم .

( ذلك بأن منهم قسيسين ) أي علماء ، قال قطرب : القس والقسيس العالم بلغة الروم ، ) ( ورهبانا ) الرهبان العباد أصحاب الصوامع ، واحدهم راهب ، مثل فارس وفرسان ، وراكب وركبان ، وقد يكون واحدا وجمعه رهابين ، مثل قربان وقرابين ( وأنهم لا يستكبرون ) لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لتجدنَّ» يا محمد «أشدَّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا» من أهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتباع الهوى «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنَّا نصارى ذلك» أي قرب مودتهم للمؤمنين «بأن» بسبب أن «منهم قسيسين» علماء «ورهبانا» عبادا «وأنهم لا يستكبرون» عن اتباع الحق كما يستكبر اليهود وأهل مكة نزلت في وفد النجاشي القادمين عليه من الحبشة قرأ سورة يس فبكوا وأسلموا وقالوا ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لتجدنَّ -أيها الرسول- أشدَّ الناس عداوة للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، اليهودَ؛ لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق، والذين أشركوا مع الله غيره، كعبدة الأوثان وغيرهم، ولتجدنَّ أقربهم مودة للمسلمين الذين قالوا: إنا نصارى، ذلك بأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبَّادًا في الصوامع متنسكين، وأنهم متواضعون لا يستكبرون عن قَبول الحق، وهؤلاء هم الذين قبلوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا بها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : بعث النجاشي وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا ، قال : فأنزل الله فيهم : ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ اليهود ) إلى آخر الآية .

قال : فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم النجاشي فلم يزل مسلما حتى مات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة والنجاشي بالحبشه .ثم قال ابن جرير بعد أن ساق روايات أخرى في سبب نزول هذه الآيات : والصواب في ذلك من القول عندي ، أن الله - تعالى - وصف صفة قوم قالوا : إنا نصارى ، وأن نبي الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس مودة لأهل الإِيمان بالله ورسوله ، ولم يسم لنا أسماءهم وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشي ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإِسلام فأسلموا ، لما سمعوا القرآن ، وعرفوا أنه الحق ، ولم يستكبروا عنه .فقوله - تعالى - ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ ) جملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من آيات سجلت على اليهود كثيراً من الصفات القبيحة والمسالك الخبيثة .وقد أكد - سبحانه - هذه الجملة بلا القسم اعتناء ببيان تحقق مضمونها ، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم ويصح أن يكون لكل من يصلح للخطاب للإِيذان بأن حالهم لا تخفى على أحد من الناس .والمعنى : أقسم لك يا محمد بأنك عند مخالطتك للناس ودعوتهم إلى الدين الحق ، ستجد أشدهم عداوة لك ولأتباعك فريقين منهم : وهما اليهود والذين أشركوا ، لأن عداوتهم منشؤها الحقد والحسد والعناد والغرور .

وهذه الرذائل متى تمكنت في النفس حالت بينها وبين الهداية والإِيمان بالحق .وقوله ( أَشَدَّ الناس ) مفعول أول لقوله ( لتجدن ) ومفعول الثاني ( اليهود ) وقوله ( عداوة ) تمييز .قال الآلوسي : والظاهر أن المراد من اليهود العموم ، أي من كان منهم بحضرة الرسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود المدنية وغيرهم ويؤيده ما أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله " وقيل المراد بهم يهود المدينة وفيه بعد ، وكما اختلف في عموم اليهود اختلف في عموم الذين أشركوا .

والمراد من ( الناس ) كما قال أبو حيان - الكفار : أي لتجدن أشد الكفار عداوة هؤلاء .ووصفهم - سبحانه - بذلك لشدة كفرهم ، وانهماكهم في اتباع الهوى ، وقربهم إلى التقليد ، وبعدهم عن التحقيق ، وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء ، وقد قيل : إن من مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان وفي تقديم اليهود على المشركين إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة .وقوله : ( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الذين قالوا إِنَّا نصارى ) معطوف على ما قبله لزيادة التوضيح والبيان .أي : لتجدن يا محمد أشد الناس عداوة لك ولأتباعك - اليهود - والذين أشركوا .

ولتجدن أقربهم مودة ومحبة لك ولأتباعك الذين قالوا إنا نصارى .قال ابن كثير : أي الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإِسلام وأهله في الجملة : وما ذاك إلا لما في قلوبهم - من لين عريكة - إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة ، كما قال - تعالى - ( وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ) وفي كتابهم : " من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر " وليس القتال مشروعا في ملتهم .وقال الجمل : فإن قلت : كفر النصارى أشد من كفر اليهود لأن النصارى ينازعون في الألوهية فيدعون أن لله ولدا ، واليهود ينازعون في النبوة فينكرون نبوة بعض الأنبياء فلم ذم اليهود ومدح النصارى؟قلت : هذا مدح في مقابلة ذم وليس مدحاً على إطلاقه ، وإيضاً الكلام في عداوة المسلمين وقرب مودتهم لا في شدة الكفر وضعفه .وقوله : ( ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ) تعليل لقرب مودة النصارى للمؤمنين .والقسيسين : جمع قسيس .

وأصله من قس إذا تتبع الشيء فطلبه ، وهم علماء النصارى والمرشدون لهم .والرهبان : جمع رابه كركبان جمع راكب وتطلق كلمة رهبان على المفرد كما تطلق على الجمع ، والراهب هو الرجل العابد الزاهد المنصرف عن الدنيا ، مأخوذ من الرهبة بمعنى الخوف .

يقال : رهب فلان ربه يرهبه ، أي : خافه .والمعنى : ولتجدن يا محمد أقرب الناس مودة لك ولأتباعك الذين قالوا إنا نصارى ، وذلك لأن من القسيسين الذين يرغبون في طلب العلم ويرشدون غيرهم إليه ، ومنهم الرهبان الذين تفرغوا لعبادة الله وانصرفوا عن ملاذ الدنيا وشهواتهم وأيضاً فلأن هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى من صفاتهم أنهم لا يستكبرون عن اتباع الحق والانقياد له إذا فهموه أو أنهم متواضعون وليسوا مغرورين أو متكبررين .وفي ذلك تعريض باليهود والمشركين لأن غرورهم واتسكبارهم جعلهم ينصرفون عن الحق فاليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار ، وأن النبوة يجب أن تكون فيهم والمشركون يرون أن النبوة يجب أن تكون في أغنيائهم وزعمائهم ، وقد حملهم هذا الغرور على الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنهم وجدوا أكثر أتباعه من الفقراء .قال الآلوسي : وفي الآية دليل على أن صفات التواضع والإِقبال على العلم والعمل والإِعراض عن الشهوات محمودة أينما كانت .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى ﴾ .

أعلم أنه تعالى لما ذكر من أحوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى ما ذكره ذكر في هذه الآية أن اليهود في غاية العدواة مع المسلمين، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة، بل نبه على أنهم أشد في العداوة من المشركين من جهة أنه قدم ذكرهم على ذكر المشركين.

ولعمري أنهم كذلك.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله».

وذكر الله تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم.

وهاهنا مسألتان: الأولى: قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، ولم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين.

وقال آخرون: مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، فإن قدروا على القتل فذاك، وإلا فبغصب المال أو بالسرقة أو بنوع من المكر والكيد والحيلة، وأما النصارى فليس مذهبهم ذاك بل الإيذاء في دينهم حرام، فهذا هو وجه التفاوت: المسألة الثانية: المقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف أمر اليهود على الرسول صلى الله عليه وسلم، واللام في قوله لام القسم، والتقدير: قسما إنك تجد اليهود والمشركين أشد الناس عدواة مع المؤمنين، وقد شرحت لك أن هذا التمرد والمعصية عادة قديمة لهم، ففرغ خاطرك عنهم ولا تبال بمكرهم وكيدهم.

ثم ذكر تعالى سبب هذا التفاوت فقال: ﴿ ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ وفي الآية مسألتان: الأولى: علة هذا التفاوت أن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ  ﴾ فقرنهم في الحرص بالمشركين المنكرين للمعاد، والحرص معدن الأخلاق الذميمة لأن من كان حريصاً على الدنيا طرح دينه في طلب الدنيا وأقدم على كل محظور ومنكر بطلب الدنيا، فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال مالاً أو جاهاً، وأما النصارى فإنهم في أكثر الأمر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة وترك طلب الرياسة والتكبر والترفع، وكل من كان كذلك فإنه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم ولا يخاصمهم بل يكون لين العريكة في طلب الحق سهل الانقياد له، فهذا هو الفرق بين هذين الفريقين في هذا الباب، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ .

وههنا دقيقة نافعة في طلب الدين وهو أن كفر النصارى أغلظ من كفر اليهود لأن النصارى ينازعون في الإلهيات وفي النبوّات، واليهود لا ينازعون إلا في النبوات، ولا شك في أن الأول أغلظ، ثم إن النصارى مع غلظ كفرهم لما لم يشتد حرصهم على طلب الدنيا بل كان في قلبهم شيء من الميل إلى الآخرة شرّفهم الله بقوله: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى ﴾ وأما اليهود مع أن كفرهم أخف في جنب كفر النصارى طردهم وخصهم الله بمزيد اللعن وما ذاك إلا بسبب حرصهم على الدنيا، وذلك ينبهك على صحة قوله صلى الله عليه وسلم: حب الدنيا رأس كل خطيئة.

المسألة الثانية: القس والقسيس اسم لرئيس النصارى، والجمع القسيسون.

وقال عروة بن الزبير: صنعت النصارى الإنجيل وأدخلت فيه ما ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين، وكان سمه قسيساً، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس.

قال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم، وهذا مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين، وأما الرهبان فهو جمع راهب كركبان وراكب، وفرسان وفارس، وقال بعضهم: الرهبان واحد، وجمعه رهابين كقربان وقرابين، وأصله من الرهبة بمعنى المخافة.

فإن قيل: كيف مدحهم الله تعالى بذلك مع قوله: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها  ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا رهبانية في الإسلام».

قلنا: إن ذلك صار ممدوحاً في مقابلة طريقة اليهود في القساوة والغلظة، ولا يلزم من هذا القدر كونه ممدوحاً على الإطلاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وصف الله شدّة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ﴾ [البقرة: 96] ولعمري إنهم لكذلك وأشدّ.

وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله» وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين ﴿ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً ﴾ أي علماء وعباداً ﴿ وَإِنَّهُمْ ﴾ قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك.

وفيه دليل بين على أنّ التعلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، وكذلك غم الآخرة والتحدّث بالعاقبة وإن كان في راهب، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني.

ووصفهم الله برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن، وذلك نحو ما يحكى عن النجاشيّ رضي الله عنه أنه قال لجعفر بن أبي طالب- حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون لعنوا وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده-: هل في كتابكم ذكر مريم؟

قال جعفر: فيه سورة تنسب إليها، فقرأها إلى قوله: ﴿ ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ [مريم: 34] وقرأ سورة طه إلى قوله: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى ﴾ [طه: 9] فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم سبعون رجلاً حين قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس.

فبكوا.

فإن قلت: بم تعلقت اللام في قوله: ﴿ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ ؟

قلت: بعداوة ومودّة، على أنّ عداوة اليهود التي اختصت المؤمنين أشدّ العداوات وأظهرها، وأن مودّة النصارى التي اختصت المؤمنين أقرب المودّات، وأدناها وجوداً، وأسهلها حصولاً.

ووصف اليهود بالعداوة والنصارى بالمودّة مما يؤذن بالتفاوت، ثم وصف العداوة والمودّة بالأشدّ والأقرب.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ تَفِيضُ مِنَ الدمع ﴾ قلت: معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الإمتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أي تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعاً فإن قلت: أي فرق بين من ومن في قوله: ﴿ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق ﴾ ؟

قلت الأولى لابتداء الغاية، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه.

والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا.

وتحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ منهم، فكيف إذا عرفوه كله وقرؤا القرآن وأحاطوا بالسنة؟

وقرئ ﴿ ترى أعينهم ﴾ على البناء للمفعول ﴿ رَبَّنَا ءامَنَّا ﴾ المراد به إنشاء الإيمان، والدخول فيه ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ مع أمّة محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة.

﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ [البقرة: 143] وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك ﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله ﴾ إنكار استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين، وقيل: لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك.

أو أرادوا: وما لنا لا نؤمن بالله وحده لأنهم كانوا مثلثين، وذلك ليس بإيمان بالله: ومحل (لا نؤمن) النصب على الحال، بمعنى: غير مؤمنين، كقولك مالك قائماً.

والواو في ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ واو الحال.

فإن قلت: ما العامل في الحال الأولى والثانية؟

قلت: العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل، كأنه قيل: أي شيء حصل لنا غير مؤمنين، وفي الثانية معنى هذا الفعل، ولكن مقيداً بالحال الأولى؛ لأنك لو أزلتها وقلت: وما لنا ونطمع، لم يكن كلاماً.

ويجوز أن يكون (ونطمع) حالاً من لا نؤمن، على أنهم أنكروا على نفوسهم أنهم لا يوحدون الله، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، وأن يكون معطوفاً على لا نؤمن على معنى: وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصاحين، أو على معنى: وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام، لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين.

قرأ الحسن: ﴿ فآتاهم ﴾ ﴿ بِمَا قَالُواْ ﴾ بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص، من قولك: هذا قول فلان، أي اعتقاده وما يذهب إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في اتِّباعِ الهَوى، ورُكُونِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ وبُعْدِهِمْ عَنِ التَّحْقِيقِ، وتَمَرُّنِهِمْ عَلى تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ ومُعاداتِهِمْ.

﴿ وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ﴾ لِلِينِ جانِبِهِمْ ورِقَّةِ قُلُوبِهِمْ وقِلَّةِ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا وكَثْرَةِ اهْتِمامِهِمْ بِالعِلْمِ والعَمَلِ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ إذا فَهِمُوهُ، أوْ يَتَواضَعُونَ ولا يَتَكَبَّرُونَ كاليَهُودِ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّواضُعَ والإقْبالَ عَلى العِلْمِ والعَمَلِ والإعْراضَ عَنِ الشَّهَواتِ مَحْمُودٌ وإنْ كانَتْ مِن كافِرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَتَجِدَنَّ أشدّ النّاس عداوة لّلّذين آمنوا اليهودَ} هو مفعول ثان لتجدن وعداوة تمييز {والّذين أشركوا} عطف عليهم {ولتجدنّ أقربهم مّودّةً لّلّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى} اللام تتعلق بعداوة ومودة وصف اليهود بشدة الشكيمة والنصارى بلين العريكة وجل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين ونبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على المشركين {ذلك بأنّ منهم قِسّيسينَ ورهباناً} أي علماء وعباداً {وأنّهم لا يستكبرونَ} علل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهباناً وأن فيهم تواضعاً واستكانة واليهود على خلاف ذلك وفيه دليل على أن العلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وإن كان علم القسيسين وكذا علم الارخرة وإن كان في راهب والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المائِدَةِ ﴿ لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن قَبائِحِ اليَهُودِ وأُكِّدَتْ بِالقَسَمِ اعْتِناءً بِبَيانِ تَحَقُّقِ مَضْمُونِها، والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ  وإمّا لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لَهُ إيذانًا بِأنَّ حالَهم مِمّا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ النّاسِ، والوِجْدانُ مُتَعَدٍّ لِاثْنَيْنِ أوَّلُهُما أشَدُّ وثانِيهُما اليَهُودُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، واخْتارَ السَّمِينُ العَكْسَ لِأنَّهُما في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ومَحَطُّ الفائِدَةِ هو الخَبَرُ ولا ضَيْرَ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ إذا دَلَّ عَلى التَّرْتِيبِ دَلِيلٌ وهو هُنا واضِحٌ إذِ المَقْصُودُ بَيانُ كَوْنِ الطّائِفَتَيْنِ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لا كَوْنِ أشَدِّهِمْ عَداوَةً لَهُمُ الطّائِفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ فَلْيُفْهَمْ، و (عَداوَةً) تَمْيِيزٌ واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى المَوْصُولَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِها مُقَوِّيَةٌ لِعَمَلِها، ولا يَضُرُّ كَوْنُها مَؤَنَّثَةً بِالتّاءِ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ كَرَهْبَةِ عِقابِكَ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ والسَّمِينُ تَعَلُّقَها بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها أيْ عَداوَةٍ كائِنَةٍ لِلَّذَيْنِ آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ اليَهُودِ العُمُومُ لِمَن كانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ  مِن يَهُودِ المَدِينَةِ وغَيْرِهِمْ ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ ”وفي لَفْظٍ“ إلّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقَتْلِهِ» وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ يَهُودُ المَدِينَةِ وفِيهِ بُعْدٌ، وكَما اخْتُلِفَ في عُمُومِ اليَهُودِ اخْتُلِفَ في عُمُومِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، والمُرادُ مِنَ النّاسِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ: الكُفّارُ، أيْ: لَتَجِدَّنَ أشَدَّ الكُفّارِ عَداوَةً هَؤُلاءِ، ووَصَفَهم سُبْحانَهُ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في اتِّباعِ الهَوى وقُرْبِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ وبُعْدِهِمْ عَنِ التَّحْقِيقِ وتَمَرُّنِهِمْ عَلى التَّمَرُّدِ والِاسْتِعْصاءِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والِاجْتِراءِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ ومُناصَبَتِهِمْ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مِن مَذْهَبِ اليَهُودِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إيصالُ الشَّرِّ إلى مَن يُخالِفُهم في الدِّينِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، وفي تَقْدِيمِ اليَهُودِ عَلى المُشْرِكِينَ إشْعارٌ بِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في العَداوَةِ كَما أنَّ في تَقْدِيمِهِمْ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ إيذانًا بِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في الحِرْصِ وقِيلَ: التَّقْدِيمُ لِكَوْنِ الكَلامِ في تَعْدِيدِ قَبائِحِهِمْ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ ”بِالَّذِينِ أشْرَكُوا“ دُونَ المُشْرِكِينَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ لِلْمُبالَغَةِ بِالذَّمِّ، وقِيلَ: لِيَكُونَ عَلى نَمَطِ (الَّذِينَ آمنوا) والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ أظْهَرُ في عِلْيَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وأُعِيدَ المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، وما لِزِيادَةِ التَّوْضِيحِ والبَيانِ والتَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ﴾ دُونَ النَّصارى إشْعارًا بِقُرْبِ مَوَدَّتِهِمْ حَيْثُ يَدَّعُونَ أنَّهم أنْصارُ اللَّهِ تَعالى وأوِدّاءُ أهْلِ الحَقِّ وإنْ لَمْ يُظْهِرُوا اعْتِقادَ حَقِّيَّةِ الإسْلامِ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ ”النَّصارى“ كَما قالَ جَلَّ شَأْنُهُ ”اليَهُودَ“ تَعْرِيضًا بِصَلابَةِ الأوَّلِينَ في الكُفْرِ والِامْتِناعِ عَنِ الِانْقِيادِ لِأنَّ اليَهُودَ لَمّا قِيلَ لَهُمُ: ﴿ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ قالُوا: (اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا) والنَّصارى لَمّا قِيلَ لَهم مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالُوا: ﴿ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ﴾ وكَذَلِكَ أيْضًا ورَدَ في أوَّلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ لَكِنْ ذُكِرَ هَهُنا تَنْبِيهًا عَلى انْقِيادِهِمْ وأنَّهم لَمْ يُكافِحُوا الأمْرَ بِالرَّدِّ مُكافَحَةَ اليَهُودِ، وذُكِرَ هُناكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمْ يَثْبُتُوا عَلى المِيثاقِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ، والعُدُولُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ عَنْ جَعْلِ ما فِيهِ التَّفاوُتُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ شَيْئًا واحِدًا قَدْ تَفاوَتا فِيهِ بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ أوْ بِالقُرْبِ والبُعْدِ بِأنْ يُقالَ آخِرًا: ولَتَجِدَنَّ أضْعَفَهم مَوَدَّةً إلَخْ أوْ بِأنْ يُقالَ أوَّلًا: لَتَجِدَنَّ أبْعَدَ النّاسِ مَوَدَّةً، لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَبايُنِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ بِبَيانِ أنَّ أحَدَهُما في أقْصى مَراتِبِ النَّقِيضَيْنِ والآخَرَ في أقْرَبِ مَراتِبِ النَّقِيضِ الآخَرِ، والكَلامُ في مَفْعُولَيْ ﴿ لَتَجِدَنَّ ﴾ وتَعَلُّقِ اللّامِ كالَّذِي سَبَقَ، والمُرادُ مِنَ النَّصارى عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ والسُّدِّيِّ النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُمُ الَّذِينَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُسْلِمِينَ وهم سَبْعُونَ رَجُلًا اثْنانِ وسِتُّونَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٌ مِن أهْلِ الشّامِ وهم بُحَيْرى الرّاهِبُ وأبْرَهَةُ وإدْرِيسُ وأشْرَفُ وتَمّامٌ وقَثْمٌ ودُرَيْدٌ وأيْمَنُ والظّاهِرُ العُمُومُ عَلى طِرازِ ما تَقَدَّمَ ذَلِكَ أيْ كَوْنِهِمْ أقْرَبَ مَوَدَّةً لِلَّذِينِ آمَنُوا بِأنَّ مِنهم أيْ بِسَبَبِ أنَّ مِنهم ﴿ قِسِّيسِينَ ﴾ وهم عُلَماءُ النَّصارى وعُبّادُهم ورُؤَساؤُهم والقِسِّيسُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِن تَقَسَّسَ الشَّيْءَ إذا تَتَبَّعَهُ بِاللَّيْلِ سُمُّوا بِهِ لِمُبالَغَتِهِمْ في تَتَبُّعِ العِلْمِ قالَهُ الرّاغِبُ، وقِيلَ: القَسُّ مُثَلَّثُ الفاءِ تَتَبَّعَ الشَّيْءَ وطَلَبَهُ ومِنهُ سُمِّيَ عالِمُ النَّصارى قَسًّا بِالفَتْحِ وقِسِّيسًا لِتَتَبُّعِهِ العِلْمَ وقِيلَ: قَصُّ الأثَرِ وقَسُّهُ بِمَعْنًى، وقالَ قُطْرُبُ: القَسُّ والقِسِّيسُ العالِمُ بِلُغَةِ الرُّومِ وقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ وأجْرَوْهُ مَجْرى سائِرِ كَلِماتِهِمْ، وقالُوا في المَصْدَرِ قُسُوسَةٌ وقِسِّيسِيَّةٌ وفي الجَمْعِ قُسُوسٌ وقِسِّيسُونَ وقَساوِسَةٌ كَمَهالِبَةٍ وكانَ الأصْلُ قَسّاسَّةٌ إلّا أنَّهُ كَثُرَتِ السِّيناتُ فَأبْدَلُوا إحْداهُنَّ واوًا وفي مَجْمَعِ البَيانِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ النَّصارى ضَيَّعَتِ الإنْجِيلَ وأدْخَلُوا فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ وبَقِيَ مِن عُلَمائِهِمْ واحِدٌ عَلى الحَقِّ والِاسْتِقامَةِ يُقالُ لَهُ قِسِّيسًا فَما كانَ عَلى هَدْيِهِ ودِينِهِ فَهو قِسِّيسٌ، ورُهْبانًا جَمْعُ راهِبٍ كَراكِبٍ ورُكْبانٍ وفارِسٍ وفُرْسانٍ ومَصْدَرُهُ الرَّهْبَنَةُ والرَّهْبانِيَّةُ، وقِيلَ: إنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ وأُنْشِدَ فِيهِ قَوْلُ مَن قالَ: لَوْ عايَنْتَ رُهْبانَ دَيْرٍ في قُلَلٍ لَأقْبَلَ الرُّهْبانُ يَعْدُو ونَزَلَ وجَمْعُ الرُّهْبانِ واحِدًا كَما في القامُوسِ رَهابِينٌ ورَهابِنَةٌ ورَهْبانُونَ والتَّرَهُّبُ التَّعَبُّدُ في صَوْمَعَةٍ وأصْلُهُ مِنَ الرَّهْبَةِ المَخافَةُ وأطْلَقَ الفَيْرُوزابادِيُّ والجَوْهَرِيُّ: التَّعَبُّدُ ولَمْ يُقَيِّداهُ بِالصَّوْمَعَةِ وفي الحَدِيثِ «لا رَهْبانِيَّةَ في الإسْلامِ» والمُرادُ بِها كَما قالَ الرّاغِبُ: الغُلُوُّ في تَحَمُّلِ التَّعَبُّدِ في فَرْطِ الخَوْفِ، وفي النِّهايَةِ هي مِن رَهْبَنَةِ النَّصارى، وأصْلُها مِنَ الرَّهْبَةِ الخَوْفُ كانُوا يَتَرَهَّبُونَ بِالتَّخَلِّي مِن أشْغالِ الدُّنْيا وتَرْكِ مَلاذِّها والزُّهْدِ فِيها والعُزْلَةِ عَنْ أهْلِها وتَعَمُّدِ مَشاقِّها حَتّى أنَّ مِنهم مَن كانَ يُخْصِي نَفْسَهُ ويَضَعُ السِّلْسِلَةَ في عُنُقِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَّعْذِيبِ فَنَفاها النَّبِيُّ  عَنِ الإسْلامِ ونَهى المُسْلِمِينَ عَنْها، وهي مَنسُوبَةٌ إلى الرَّهْبَنَةِ بِزِيادَةِ الألْفِ والرَّهْبَنَةُ فَعْلَنَةٌ أوْ فَعْلَلَةٌ عَلى تَقْدِيرِ أصالَةِ النُّونِ وزِيادَتِها، والتَّنْكِيرُ في رُهْبانًا لِإفادَةِ الكَثْرَةِ ولا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِها فِي القِسِّيسِينَ أيْضًا إذْ هي الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَوَدَّةِ جِنْسِ النَّصارى لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ اتِّصافَ أفْرادٍ كَثِيرَةٍ لِجِنْسٍ بِخَصْلَةٍ مَظِنَّةٌ لِاتِّصافِ الجِنْسِ بِها وإلّا فَمِنَ اليَهُودِ أيْضًا قَوْمٌ مُهْتَدُونَ لَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَكُونُوا في الكَثْرَةِ كالَّذِينِ مِنَ النَّصارى لَمْ يَتَعَدَّ حُكْمُهم إلى جِنْسِ اليَهُودِ وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ 28 عَطْفٌ عَلى (أنَّ مِنهُمْ) أيْ وبِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لَهُ إذا فَهِمُوهُ أوْ أنَّهم يَتَواضَعُونَ، ولا يَتَكَبَّرُونَ كاليَهُودِ، وهَذِهِ الخَصْلَةُ عَلى ما قِيلَ شامِلَةٌ لِجَمِيعِ أفْرادِ الجِنْسِ، فَسَبَبِيَّتُها لأقْرَبِيَّتِهِمْ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ واضِحَةٌ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّواضُعَ والإقْبالَ عَلى العِلْمِ والعَمَلِ والإعْراضَ عَنِ الشَّهَواتِ مَحْمُودَةٌ أيْنَما كانَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وهم يهود بني قريظة، وبني النضير، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني: مشركي أهل مكة، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى قال بعضهم: إنما أراد الذين هم النصارى في ذلك الوقت، لأنهم كانوا أقل مظاهرة على المؤمنين، وأسرع إجابة للإسلام.

وقال أكثر المفسرين: إن المراد به النصارى الذين أسلموا، وفي سياق الآية دليل عليه، وهو قوله: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا [المائدة: 85] وروى أسباط عن السدي، قال: بعث النجاشي إلى رسول الله  اثني عشر رجلاً من الحبشة، وسبعة قسيسين، وخمسة رهبان ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه، وقرأ عليهم ما أنزل الله عليه بكوا وآمنوا به ورجعوا إلى النجاشي.

فهاجر النجاشي معهم.

فمات في الطريق.

فصلى عليه رسول الله  والمسلمون واستغفروا له.

وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه سئل عن هذه الآية فقال: هم الوفد الذين قدموا مع جعفر الطيار من أرض الحبشة.

وعن الزهري، أنه سئل عن هذه الآية فقال: ما زلنا نسمع أنها نزلت في النجاشي وأصحابه.

ثم قال: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً يعني: المتعبدين، وأصحاب الصوامع، ويقال: قِسِّيسِينَ علماؤهم، وَرُهْباناً يعني: خائفين من الله تعالى، وقال بعض أهل اللغة: القس والقسيس: رؤساء النصارى، والقس بفتح القاف النميمة.

ثم قال: وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يعني: لا يتعظمون على الإيمان بمحمد  والقرآن.

وَإِذا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ يعني: تسيل من الدمع، مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يقول: مما عرفوا محمداً  نعته وصفته، يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا بالقرآن بأنه من الله، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ يعني: المهاجرين والأنصار.

وروى عكرمة عن ابن عباس قال: مَعَ الشَّاهِدِينَ هم أمة محمد  ، يشهدون له بالبلاغ ويشهدون للرسل أنهم قد بلغوا الرسالة.

ثم قال: وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وذلك أنهم لما رجعوا إلى قومهم، قال لهم كفار قومهم: تركتم ملة عيسى ويقال: إن كفار مكة عاتبوهم على إيمانهم.

وقالوا: لم تركتم دينكم القديم، وأخذتم الدين الحديث؟.

فقالوا: وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ ومعناه: وما لنا لا نصدق بالله أن محمداً رسوله، والقرآن من عنده، وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ يعني: وبما جاءنا من الحق، وَنَطْمَعُ يقول: نرجو، أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ يعني: مع المؤمنين الموحدين في الجنة فمدحهم الله تعالى، وحكى عن مقالتهم، وأخبر عن ثوابهم في الآخرة.

فقال: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا من التوحيد، جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ يعني: ثواب الموحدين المطيعين.

وقد احتج بعض الناس بهذه الآية، أن الإيمان هو مجرد القول، لأنه قال: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا ولكن لا حجة لهم فيها، لأن قولهم كان مع التصديق، والقول بغير التصديق، لا يكون إيماناً.

ثم بيّن عقوبة من ثبت على كفره، ولم يؤمن، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: مات على ذلك، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ والجحيم هو النار الشديدة الوقود.

يقال: جحم فلان النار، إذا شدد وقودها.

ويقال: لعيْن الأسد جحمة لشدة توقدها.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ...

الآية: اللامُ في قوله: لَتَجِدَنَّ: لام ابتداءٍ، وقال الزَّجَّاج «١» : هي لامُ قَسَمٍ، وهذا خبر مُطْلَقٌ منسحبٌ على الزمان كلِّه، وهكذا هو الأمر حتَّى الآن، وذلك أن اليهودَ مَرَنُوا على تكذيبِ الأنبياء وقَتْلِهِمْ، ومَرَدُوا على استشعار اللعْنَةِ، وضَرْبِ الذِّلَّة والمَسْكنة، فهم قد لَجَّتْ عداوتهم، وكَثُر حَسَدهم، فهم أشدُّ الناسِ عداوةً للمؤمنين وكذلك المشركون عبدةُ الأوثانِ والنِّيران، وأما النصارى، فإنهم يعظمون من أهْلِ الإسلام مَنِ استشعروا مِنه صِحَّة دِينٍ، ويستهينُونَ مَنْ فهموا منه الفِسْقَ، فهم إنْ حاربوا، فإنما حَرْبهم أَنَفَةٌ، لا أنَّ شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا، فَسِلْمُهم صافٍ، واليهودُ (لعنهم اللَّه) ليسوا على شيء من هذه الخِلالِ، بل شأنهم الخُبْث، واللَّيُّ بالألسنة، والمَكْر، والغَدْر، ولم يصفِ اللَّه تعالَى النصارى بأنهم أهْلُ وُدٍّ، وإنما وصفهم بأنهم أقرَبُ من اليهود والمشركين، وفي قوله سبحانه: الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى: إشارةٌ إلى معاصري نبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم/ من النصارى بأنهم ليسوا على حقيقيَّة النصرانيَّة، وإنما هو قولٌ منهم، وزَعْم.

وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً ...

الآية: معناه: ذلك بأن منهم أهْلَ خشْيَةٍ وانقطاع إلى اللَّه تعالى، وعبادةٍ، وإنْ لم يكونوا على هُدًى، فهم يَميلُونَ إلى أهل العبادةِ والخَشْيَةِ، وليس عند اليهود ولا كان قَطُّ- أهْلُ دياراتٍ وصوامِعَ وانقطاعٍ عن الدنيا، بل هم معظِّمون لها، متطاولُون في البنيان، وأمورِ الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة فلذلك لا يرى فيهم زاهد، قال الفَخْر «٢» : القُسُّ والْقِسِّيسُ: اسمُ رئيس النصارى، والجمْعُ: قِسِّيسُونَ، وقال قُطْرُب: القُسُّ والقِسِّيس: العَالِمُ بلغة الرُّوم، وهذا مما وقع الوِفَاقُ فيه بَيْن اللغتَيْنِ.

انتهى.

ووصف اللَّه سبحانه النصارى، بأنهم لا يستكبرون، وهذا موجودٌ فيهم حتى الآن، واليهوديُّ متى وجد عِزًّا، طغى وتكبَّر، ثم مدحهم سبحانه، فقال: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ

إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ...

الآية: قال النوويُّ: ينبغي للقارىء أن يكون شأنُهُ الخشوعَ والتدبُّر والخضوعَ فهذا هو المقصود المطلوبُ، وبه تنشرح الصدورُ، وتستنيرُ القُلُوب، ودلائلُه أكْثَرُ من أنْ تُحْصَر، وأشهرُ من أنْ تُذْكَر، وقد بات جماعةٌ من السَّلَف يتلو الواحدُ منهم آيةً واحدةً، ليلةً كاملةً، أو معظمَ ليلةٍ يتدَبَّرها، وصُعِقَ جماعاتٌ منهم عند سماع القرآن، وقراءتِهِ، وماتَ جماعاتٌ منهم، ويستحب البكاءُ والتباكِي لِمَنْ لا يقدر على البكاء فإن البكاء عند القراءة صفةُ العارفين، وشعارُ عُبَّادِ اللَّه الصَّالحين، قال اللَّه عزَّ وجلَّ: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء: ١٠٩] وقد وردَتْ آثار كثيرة في ذلك.

انتهى من «الحلية» للنوويِّ.

وذكر ابن عباس وابن جُبَيْر ومجاهد أنَّ هذه الآية نزلَتْ بسبب وَفْدٍ بعثهم النجاشيّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليروه ويعرفوا حاله، فقرأ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليهم القُرآن، فَبَكَوْا وآمَنُوا، ورَجعُوا إلى النجاشيِّ، فآمن، ولم يَزَلْ مؤمناً حتى ماتَ، فصلى عليه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «١» ، وروي أنَّ نَعْشَ النجاشيِّ كُشِفَ للنبيِّ- عليه السلام- فكان يراه مِنْ موضعه بالمدينةِ وجاء الخَبَرُ بعد مدة أنَّ النجاشيَّ دُفِنَ في اليوم الذي صلّى فيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليه، قال أبو صالح: كانوا سبعةً وستين رجلاً «٢» ، وقال ابن جُبَيْرٍ: كانوا سبعين، عليهم ثيابُ الصُّوف، وكُلُّهم صاحبُ صَوْمَعَة اختارهم النجاشيُّ «٣» .

وصَدْرُ الآية في قُرْب المودَّة عامٌّ فيهم، ولا يتوجَّه أنْ يكون صَدْر الآية خاصًّا فيمن آمن، وإنما وقع التخصيص مِنْ قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا، وجاء الضمير عامّا إذا قد تُحْمَدُ الجماعةُ بفعْلِ واحدٍ منهم، وفي هذا استدعاء للنصارى، ولُطْفٌ من اللَّه بهم ليؤمنوا.

قال ص: مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ: «مِن» الأولى لابتداءِ الغاية.

قال أبو البقاء: ومعناها: مِنْ أجْل الذي عَرَفُوا، و «من» الثانية لبيان «ما» الموصولة.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِها في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَعَثَ النَّجاشِيُّ قَوْمًا إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأسْلَمُوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها، وسَنَذْكُرُ قِصَّتَهم فِيما بَعْدُ.

قالَ الزَّجّاجُ: واللّامُ في "لَتَجِدَنَّ" لامُ القَسَمِ، والنُّونُ دَخَلَتْ تَفْصِلُ بَيْنَ الحالِ والِاسْتِقْبالِ، و "عَداوَةً" مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، واليَهُودُ ظاهَرُوا المُشْرِكِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَسَدًا لِلنَّبِيِّ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ يَعْنِي: عَبَدَةَ الأوْثانِ.

فَأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنّا نَصارى، فَهَلْ هَذا عامٌّ في كُلِّ النَّصارى، أمْ خاصٌّ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ النَّجّاشِيَّ وأصْحابَهُ لَمّا أسْلَمُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَرِيعَةِ عِيسى، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أسْلَمُوا، قالَهُ قَتادَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّصارى، لِأنَّهم كانُوا أقَلَّ مُظاهَرَةً لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ اليَهُودِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "القِسُّ" و "القِسِّيسُ": مِن رُؤَساءِ النَّصارى.

وقالَ قُطْرُبٌ: القِسِّيسُ: العالِمُ بِلُغَةِ الرُّومِ، فَأمّا "الرُّهْبانُ": فَهُمُ العُبّادُ أرْبابُ الصَّوامِعِ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: التَّرَهُّبُ: التَّعَبُّدُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَدَحَهم بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أمْرِ شَرِيعَتِنا؟

فالجَوابُ: أنَّهُ مَدَحَهم بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ عِيسى حِينَ اسْتَعْمَلُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ، وَقَدْ كانَتِ الرَّهْبانِيَّةُ مُسْتَحْسَنَةً في دِينِهِمْ.

والمَعْنى: بِأنَّ فِيهِمْ عُلَماءَ بِما أوْصى بِهِ عِيسى مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ  .

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ورُبَّما ظَنَّ جاهِلٌ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَدْحَ النَّصارى، ولَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ إنَّما مَدَحَ مَن آمَنَ مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَ ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّ مَقالَةَ النَّصارى أقْبَحُ مِن مَقالَةِ اليَهُودِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: لا يَتَكَبَّرُونَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا حَضَرَ أصْحابُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ يَدَيِ النَّجاشِيِّ، وقَرَؤُوا القُرْآنَ، سَمِعَ ذَلِكَ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ، فانْحَدَرَتْ دُمُوعُهم مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ مِعَ الشّاهِدِينَ ﴾ .

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «بَعَثَ النَّجاشِيُّ مِن خِيارِ أصْحابِهِ ثَلاثِينَ رَجُلًا إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَبَكَوْا ورَقُّوا، وقالُوا: نَعْرِفُ واللَّهِ، وأسْلَمُوا، وذَهَبُوا إلى النَّجاشِيِّ فَأخْبَرُوهُ فَأسْلَمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ ﴾ الآيَةُ.» وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ سَبْعَةٌ مِنَ القِسِّيسِينَ، وخَمْسَةٌ مِنَ الرُّهْبانِ، فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  القُرْآنَ، بَكَوْا وآمَنُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ أيْ: مَعَ مَن يَشْهَدُ بِالحَقِّ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالشّاهِدِينَ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، وعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أصْحابُ مُحَمَّدٍ  ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لَتَجِدَنَّ أشَدَّ الناسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ ﴾ اَللّامُ في قَوْلِهِ: "لَتَجِدَنَّ"؛ لامُ الِابْتِداءِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: هي لامُ قَسَمٍ؛ ودَخَلَتْ هَذِهِ النُونُ الثَقِيلَةُ لِتَفْصِلَ بَيْنَ الحالِ والِاسْتِقْبالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا خَبَرٌ مُطْلَقٌ مُنْسَحِبٌ عَلى الزَمَنِ كُلِّهِ؛ وهَكَذا هو الأمْرُ حَتّى الآنَ؛ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ مَرَنُوا عَلى تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ؛ وقَتْلِهِمْ؛ ودَرِبُوا العُتُوَّ والمَعاصِي؛ ومَرَدُوا عَلى اسْتِشْعارِ اللَعْنَةِ؛ وضَرْبِ الذِلَّةِ والمَسْكَنَةِ؛ فَهم قَدْ لَحَجَتْ عَداوَتُهُمْ؛ وكَثُرَ حَسَدُهُمْ؛ فَهم أشَدُّ الناسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وكَذَلِكَ المُشْرِكُونَ عَبَدَةُ الأوثانِ مِنَ العَرَبِ؛ والنِيرانِ مِنَ المَجُوسِ؛ لِأنَّ الإيمانَ إيّاهم كَفَّرَ؛ وعُرُوشَهم ثَلَّ؛ وبَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ؛ فَلَمْ يُبْقِ لَهم بَقِيَّةً؛ فَعَداوَتُهم شَدِيدَةٌ.

والنَصارى أهْلُ الكِتابِ يَقْضِي لَهم شَرْعُنا بِأنَّ أوَّلَ أمْرِهِمْ صَحِيحٌ؛ لَوْلا أنَّهم ضَلُّوا؛ فَهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَضِلُّوا؛ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْسَخْ شَرْعَهُمْ؛ ويُعَظِّمُونَ مِن أهْلِ الإسْلامِ مَنِ اسْتَشْعَرُوا مِنهُ صِحَّةَ دِينٍ؛ ويَسْتَهِينُونَ مَن فَهِمُوا مِنهُ الفِسْقَ؛ فَهم إذا حارَبُوا فَإنَّما حَرْبُهم أنَفَةٌ وكَسْبٌ؛ لا أنَّ شَرْعَهم يَأْخُذُهم بِذَلِكَ؛ وإذا سالَمُوا فَسِلْمُهم صافٍ؛ ويُعِينُ عَلى هَذا أنَّهم أُمَّةٌ شَرِيفَةُ الخُلُقِ؛ لَهُمُ الوَفاءُ والخِلالُ الأرْبَعُ الَّتِي ذَكَرَ عَمْرُو بْنُ العاصِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ ؛ وتَأمَّلْ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سُرَّ حِينَ غَلَبَتِ الرُومُ فارِسَ؛ وَذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ؛ ولَمْ يُرِدْ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ يَسْتَمِرَّ ظُهُورُ الرُومِ؛ وإنَّما سُرَّ بِغَلَبَةِ أهْلِ كِتابٍ لِأهْلِ عِبادَةِ النارِ؛ وانْضافَ إلى ذَلِكَ أنْ غَلَبَ العَدُوُّ الأصْغَرُ وانْكَسَرَتْ شَوْكَةُ العَدُوِّ الأكْبَرِ المَخُوفِ عَلى الإسْلامِ.

واليَهُودُ - لَعَنَهُمُ اللهُ - لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن هَذا الخُلُقِ؛ بَلْ شَأْنُهُمُ الخُبْثُ؛ واللَيُّ بِالألْسِنَةِ؛ وفي خِلالِ إحْسانِكَ إلى اليَهُودِيِّ يَبْغِيكَ هو الغَوائِلَ إلّا الشاذَّ القَلِيلَ مِنهُمْ؛ مِمَّنْ عَسى أنْ تَخَصَّصَ بِأدَبٍ وأُمُورٍ غَيْرِ ما عُلِّمَ أوَّلًا.

ولَمْ يَصِفِ اللهُ تَعالى النَصارى بِأنَّهم أهْلُ وُدٍّ؛ وإنَّما وصَفَهم بِأنَّهم أقْرَبُ مِنَ اليَهُودِ؛ والمُشْرِكِينَ؛ فَهو قُرْبُ مَوَدَّةٍ بِالنِسْبَةِ إلى مُتَباعِدِينَ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى أنَّ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ النَصارى لَيْسُوا عَلى حَقِيقَةِ النَصْرانِيَّةِ؛ بَلْ كَوْنُهم نَصارى قَوْلٌ مِنهُمْ؛ وزَعْمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا ﴾ ؛ مَعْناهُ: ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم أهْلَ خَشْيَةٍ؛ وانْقِطاعٍ إلى اللهِ ؛ وعِبادَةٍ ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى هُدًى؛ فَهم يَمِيلُونَ إلى أهْلِ العِبادَةِ والخَشْيَةِ؛ ولَيْسَ عِنْدَ اليَهُودِ؛ ولا كانَ قَطُّ؛ أهْلُ دِياراتٍ؛ وصَوامِعَ؛ وانْقِطاعٍ عَنِ الدُنْيا؛ بَلْ هم مُعَظِّمُونَ لَها؛ مُتَطاوِلُونَ في البُنْيانِ؛ وأُمُورِ الدُنْيا؛ حَتّى كَأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ؛ فَلِذَلِكَ لا يُرى فِيهِمْ زاهِدٌ.

ويُقالُ: "قَسٌّ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وبِكَسْرِها؛ و"قِسِّيسٌ"؛ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عُرِّبَ؛ و"اَلْقَسُّ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلنَّمِيمَةُ؛ ولَيْسَ مِن هَذا.

وَأمّا الرُهْبانُ فَجَمْعُ "راهِبٌ"؛ وهَذِهِ تَسْمِيَةٌ عَرَبِيَّةٌ؛ والرَهَبُ: اَلْخَوْفُ؛ ومِنَ الشَواهِدِ عَلى أنَّ الرُهْبانَ جَمْعٌ قَوْلُ الشاعِرِ: رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأوكِ تَنَزَّلُوا ∗∗∗ والعُصْمُ مِن شَغَفِ العُقُولِ الفادِرُ وقَدْ قِيلَ: اَلرُّهْبانُ اسْمٌ مُفْرَدٌ؛ والدَلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الشاعِرِ: لَوْ عايَنَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ ∗∗∗ ∗∗∗ تَحَدَّرَ الرُهْبانُ يَمْشِي ونَزَلْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُرْوى: "وَيَزِلْ"؛ بِالياءِ؛ مِن "اَلزَّلَلُ"؛ وهَذِهِ الرِوايَةُ أبْلَغُ في مَعْنى غَلَبَةِ هَذِهِ المَرْأةِ عَلى ذِهْنِ هَذا الراهِبِ.

ووَصَفَ اللهُ تَعالى النَصارى بِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ؛ وهَذا بَيِّنٌ مَوْجُودٌ فِيهِمْ حَتّى الآنَ؛ واليَهُودِيُّ مَتى وجَدَ غُرُورًا طَغى وتَكَبَّرَ؛ وإنَّما أذَلَّهُمُ اللهُ وأضْرَعَتْهُمُ الحُمّى؛ وداسَهم كَلْكَلُ الشَرِيعَةِ؛ ودِينُ الإسْلامِ أعْلاهُ اللهُ.

وذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ وفْدٍ بَعَثَهُمُ النَجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَرَوْهُ ويَعْرِفُوا حالَهُ؛ فَقَرَأ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِمُ القُرْآنَ فَبَكَوْا؛ وآمَنُوا؛ ورَجَعُوا إلى النَجاشِيِّ ؛ فَآمَنَ؛ ولَمْ يَزَلْ مُؤْمِنًا حَتّى ماتَ؛ فَصَلّى عَلَيْهِ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورُوِيَ أنَّ نَعْشَ النَجاشِيِّ كُشِفَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَكانَ يَراهُ مِن مَوْضِعِهِ بِالمَدِينَةِ؛ وجاءَ الخَبَرُ بَعْدَ مُدَّةٍ أنَّ النَجاشِيَّ دُفِنَ في اليَوْمِ الَّذِي صَلّى فِيهِ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِ؛ وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ؛ سَبْعَةَ قِسِّيسِينَ؛ وخَمْسَةَ رُهْبانٍ؛ وقالَ أبُو صالِحٍ: كانُوا سَبْعَةً وسِتِّينَ رَجُلًا؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا سَبْعِينَ؛ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الصُوفِ؛ وكُلُّهم صاحِبُ صَوْمَعَةٍ؛ اخْتارَهُمُ النَجاشِيِّ الخَيِّرَ فالخَيِّرَ؛ وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّ النَجاشِيَّ خَرَجَ مُهاجِرًا؛ فَماتَ في الطَرِيقِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ لَمْ يَذْكُرْهُ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ بِالسِيرَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في قَوْمٍ كانُوا مُؤْمِنِينَ؛ ثُمَّ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفَرَّقَ الطَبَرِيُّ بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ وهُما واحِدٌ.

ورَوى سَلْمانُ الفارِسِيُّ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم صِدِّيقِينَ ورُهْبانًا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَسُولِ تَرى أعْيُنَهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اَلضَّمِيرُ في "سَمِعُوا"؛ ظاهِرُهُ العُمُومُ؛ ومَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن آمَنُ مِن هَؤُلاءِ القادِمِينَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ؛ إذْ هم عَرَفُوا الحَقَّ؛ وقالُوا: "آمَنّا"؛ ولَيْسَ كُلُّ النَصارى يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ وصَدْرُ الآيَةِ في قُرْبِ المَوَدَّةِ عامٌّ فِيهِمْ؛ ولا يُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ صَدْرُ الآيَةِ خاصًّا فِيمَن آمَنُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ فَهو مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ ولَيْسَ يُقالُ فِيهِ: "قالُوا: إنّا نَصارى"؛ ولا يُقالُ في مُؤْمِنِينَ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ﴾ ؛ ولا يُقالُ: "إنَّهم أقْرَبُ مَوَدَّةً"؛ بَلْ مَن آمَنَ فَهو أهْلُ مَوَدَّةٍ مَحْضَةٍ؛ فَإنَّما وقَعَ التَخْصِيصُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا سَمِعُوا ﴾ ؛ وجاءَ الضَمِيرُ عامًّا؛ إذْ قَدْ تُحْمَدُ الجَماعَةُ بِفِعْلِ واحِدٍ مِنها؛ وفي هَذا اسْتِدْعاءٌ لِلنَّصارى؛ ولُطْفٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِهِمْ؛ ولَقَدْ يُوجَدُ فَيْضُ الدُمُوعِ غالِبًا فِيهِمْ؛ وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.

ورُوِيَ أنَّ وفْدًا مِن نَجْرانَ قَدِمَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ؛ فَأمَرَ مَن يَقْرَأُ القُرْآنَ بِحَضْرَتِهِمْ؛ فَبَكَوْا بُكاءً شَدِيدًا؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هَكَذا كُنّا؛ ولَكِنْ قَسَتِ القُلُوبُ.

ورُوِيَ أنَّ راهِبًا مِن رُهْبانِ دِياراتِ الشامِ نَظَرَ إلى أصْحابِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ورَأى عِبادَتَهُمْ؛ وجَدَّهم في قِتالِ عَدُوِّهِمْ؛ فَعَجِبَ مِن حالِهِمْ؛ وبَكى؛ وقالَ: "ما كانَ الَّذِينَ نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ عَلى دِينِ عِيسى بِأصْبَرَ مِن هَؤُلاءِ؛ ولا أجَدَّ في دِينِهِمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالقَوْمُ الَّذِينَ وُصِفُوا بِأنَّهم عَرَفُوا الحَقَّ هُمُ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ النَجاشِيُّ لِيَرَوُا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ويَسْمَعُوا ما عِنْدَهُ؛ فَلَمّا رَأوهُ قَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ؛ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما أُنْزِلَ إلى الرَسُولِ ﴾ ؛ فاضَتْ أعْيُنُهم بِالدَمْعِ؛ مِن خَشْيَةِ القُلُوبِ.

والرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ العَيْنِ؛ و"تَفِيضُ"؛ حالٌ مِنَ الأعْيُنِ؛ و"يَقُولُونَ"؛ حالٌ أيْضًا؛ و"آمَنّا"؛ مَعْناهُ: "صَدَّقْنا أنَّ هَذا رَسُولُكَ؛ والمَسْمُوعَ كِتابُكَ"؛ والشاهِدُونَ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُما.

وَقالَ الطَبَرِيُّ: لَوْ قالَ قائِلٌ: مَعْنى ذَلِكَ: "مَعَ الشاهِدِينَ بِتَوْحِيدِكَ مِن جَمِيعِ العالَمِ؛ مَن تَقَدَّمَ؛ ومَن تَأخَّرَ"؛ لَكانَ ذَلِكَ صَوابًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَذا مَعْنى قَوْلِ الطَبَرِيِّ ؛ وهو كَلامٌ صَحِيحٌ؛ وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - خَصَّصَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فذلكة لما تقدّم من ذكر ما لاقى به اليهود والنصارى دعوة الإسلام من الإعراض على تفاوت فيه بين الطائفتين؛ فإنّ الله شنّع من أحوال اليهود ما يعرف منه عداوتهم للإسلام إذ قال: ﴿ وليزيدَنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً ﴾ [المائدة: 64]، فكرّرها مرّتين وقال: ﴿ ترى كثيراً منهم يتولّون الذين كفروا ﴾ [المائدة: 80] وقال: ﴿ وإذا جاؤوكم قالوا آمنّا وقد دخلوا بالكفر ﴾ [المائدة: 61] فعلم تلوّنهم في مضارّة المسلمين وأذاهُم.

وذَكر من أحوال النصارى ما شنّع به عقيدتهم ولكنّه لم يحك عنهم ما فيه عداوتهم المسلمين وقد نهى المسلمين عن اتّخاذ الفريقين أولياء في قوله: ﴿ يأيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ [المائدة: 51] الآية.

فجاء قوله: ﴿ لتجدنّ أشدّ الناس عداوة ﴾ الآية فذلكة لحاصل ما تكنّه ضمائر الفريقين نحو المسلمين، ولذلك فُصلت ولم تعطف.

واللام في ﴿ لتَجدنّ ﴾ لام القسم يقصد منها التأكيد، وزادته نون التوكيد تأكيداً.

والوجدان هنا وِجدانٌ قلبي، وهو من أفعال العِلم، ولذلك يُعدّى إلى مفعولين، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولتجدنّهم أحرصَ الناس على حياة ﴾ في سورة البقرة (96).

وانتصب عداوة } على تمييز نسبة ﴿ أشدّ ﴾ إلى النّاس، ومثله انتصاب ﴿ مودّة ﴾ .

وذكر المشركين مع اليهود لمناسبة اجتماع الفريقين على عداوة المسلمين، فقد ألّف بين اليهود والمشركين بُغض الإسلام؛ فاليهود للحسد على مجيء النبوءة من غيرهم، والمشركون للحسد على أن سبقهم المسلمون بالاهتداء إلى الدين الحقّ ونبذ الباطل.

وقوله: ﴿ ولتجدنّ أقربهم مودّة ﴾ أي أقرب النّاس مودّة للذين آمنوا، أي أقرب الناس من أهل الملل المخالفة للإسلام.

وهذان طرفان في معاملة المسلمين.

وبين الطرفين فِرق متفاوتة في بغض المسلمين، مثل المجوس والصابئة وعبدة الأوثان والمعطّلة.

والمراد بالنصارى هنا الباقون على دين النصرانية لا محالة، لقوله: ﴿ أقربهم مودّة للذين آمنوا ﴾ .

فأمّا من آمن من النصارى فقد صار من المسلمين.

وقد تقدّم الكلام على نظير قوله: ﴿ الذين قالوا إنّا نصارى ﴾ في قوله تعالى: ﴿ ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم ﴾ [المائدة: 14]، المقصودِ منه إقامة الحجّة عليهم بأنّهم التزموا أن يكونوا أنصاراً لله ﴿ قالوا الحواريّون نحن أنصار اللّهِ ﴾ [الصف: 14]، كما تقدّم في تفسير نظيره.

فالمقصود هنا تذكيرهم بمضمون هذا اللقب ليزدادوا من مودّة المسلمين فيتّبعوا دين الإسلام.

وقوله: ﴿ ذلك ﴾ الإشارة إلى الكلام المتقدّم، وهو أنّهم أقرب مودة للذين آمنوا.

والباء في قوله: ﴿ بأنّ منهم قسّيسين ﴾ باء السببية، وهي تفيد معنى لام التعليل.

والضمير في قوله ﴿ منهم ﴾ راجع إلى النصارى.

والقِسّيسون جمع سلامة لقِسّيس بوزن سِجّين.

ويقال قَسّ بفتح القاف وتشديد السين وهو عالم دين النصرانية.

وقال قطرب: هي بلغة الروم.

وهذا ممّا وقع فيه الوفاق بين اللغتين.

والرهبان هنا جمع راهب، مثل رُكْبان جمع راكب، وفُرسان جمع فارس، وهو غير مقيس في وصففٍ على فاعل.

والراهب من النصارى المنقطع في دير أو صومعة للعبادة.

وقال الراغب: الرهبان يكون واحداً وجمعاً، فمَن جعله واحداً جمعَه على رهابين ورَهابنة.

وهذا مروي عن الفرّاء.

ولم يحك الزمخشري في الأساس أنّ رهبان يكون مفرداً.

وإطلاقه على الواحد في بيت أنشده ابن الأعرابي: لو أبصَرَتْ رهبانَ دَير بالجَبل *** لانحدر الرّهْبان يَسْعى ويزِل وإنّما كان وجود القسّيسين والرهبان بينهم سبباً في اقتراب مودّتهم من المؤمنين لما هو معروف بين العرب من حُسن أخلاق القسّيسين والرهبان وتواضعهم وتسامحهم.

وكانوا منتشرين في جهات كثيرة من بلاد العرب يعمّرون الأديرة والصَوامع والبِيع، وأكثرهم من عرب الشام الذين بلغَتْهم دعوة النصرانية على طريق الروم، فقد عرفهم العرب بالزهد ومسالمة الناس وكثر ذلك في كلام شعرائهم.

قال النابغة: لو أنَّها برزت لأشمَط راهِب *** عبدَ الإله صَرورة مُتَعَبِّد لرَنَا لطلعتها وحسن حديثها *** ولخَالَه رَشداً وإن لَم يَرْشَد فوجود هؤلاء فيهم وكونهم رؤساء دينهم ممّا يكون سبباً في صلاح أخلاق أهل ملّتهم.

والاستكبار: السين والتاء فيه للمبالغة.

وهو يطلق على التكبّر والتعاظم، ويطلق على المكابرة وكراهية الحقّ، وهما متلازمان.

فالمراد من قوله: ﴿ لا يستكبرون ﴾ أنَّهم متواضعون منصفون.

وضمير ﴿ وأنّهم لا يستكبرون ﴾ يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ بأنّ منهم ﴾ ، أي وأنّ الذين قالوا إنّا نصارى لا يستكبرون، فيكون قد أثبت التواضع لجميع أهل ملّة النصرانية في ذلك العصر.

وقد كان نصارى العرب متحلِّينَ بمكارم من الأخلاق.

قال النابغة يمدح آل النعمان الغساني وكانوا متنصّرين: مَجَلَّتُهم ذاتُ الإلهِ ودينُهم *** قويم فما يرجُون غيرَ العواقب ولا يحسبون الخيرَ لا شرّ بعده *** ولا يحسبون الشرّ ضربة لاَزب وظاهر قوله ﴿ الّذين قالوا إنّا نصارى ﴾ أنّ هذا الخُلُق وصف للنصارى كلّهم من حيث إنّهم نصارى فيتعيّن أن يحمل الموصول على العموم العُرفي، وهم نصارى العرب، فإنّ اتّباعهم النصرانية على ضعفهم فيها ضَمّ إلى مكارم أخلاقهم العربية مكارمَ أخلاق دينية، كما كان عليه زهير ولبيد ووَرقة بنُ نوفل وأضرابهم.

وضمير ﴿ وأنّهم لا يستكبرون ﴾ عائد إلى ﴿ قسّيسين ورهباناً ﴾ لأنّه أقرب في الذكر، وهذا تشعر به إعادة قوله ﴿ وأنّهم ﴾ ، ليكون إيماء إلى تغيير الأسلوب في معاد الضمير، وتَكون ضمائر الجمع من قوله ﴿ وإذا سَمعوا إلى قوله فأثابهم الله ﴾ [المائدة: 83 85] تابعة لضمير ﴿ وأنّهم لا يستكبرون ﴾ .

وقرينة صرف الضمائر المتشابهة إلى مَعَادَين هي سياق الكلام.

ومثله وارد في الضمائر كقوله تعالى: ﴿ وعَمَرُوها أكْثَرَ ممَّا عَمَرُوها ﴾ [الروم: 9].

فضمير الرفع في عُدْنَا ولولاَ نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم *** بالمسلمين وأحرزُوا مَا جَمَّعوا يريد بضمير (أحرزوا) جماعة المشركين، وبضمير (جمَّعوا) جماعة المسلمين.

ويعضّد هذا ما ذكره الطبري والواحدي وكثير من المفسّرين عن ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما: أنّ المعنيّ في هذه الآية ثمانية من نصارى الشام كانوا في بلاد الحبشة وأتوا المدينة مع اثنين وستّين راهِباً من الحبشة مصاحبين للمسلمين الذين رجعوا من هجرتهم بالحبشة وسمعوا القرآن وأسلموا.

وهم: بَحِيرا الراهب، وإدريس، وأشرف، وأبرهة، وثمامة، وقثم، ودريد، وأيمن، أي مِمَّن يحسنون العربية ليتمكّنوا من فهم القرآن عند سماعه.

وهذا الوفد ورد إلى المدينة مع الذين عادوا من مهاجرة الحبشة، سنة سبع فكانت الإشارة إليهم في هذه الآية تذكيراً بفضلهم.

وهي من آخر ما نزل ولم يعرف قوم معيّنون من النصارى أسلموا في زمن الرسول.

ولَعلّ اللّهَ أعلَم رسوله بفريق من النصارى آمنوا بمحمد في قلوبهم ولم يتمكّنوا من لقائه ولا من إظهار إيمانهم ولم يبلغهم من الشريعة إلاّ شيء قليل تمسّكوا به ولم يعلموا اشتراط إظهار الإيمان المسمّى بالإسلام، وهؤلاء يشبه حالهم حالَ من لم تبلغه الدعوة، لأنّ بلوغ الدعوة متفاوت المراتب.

ولعلّ هؤلاء كان منهم من هو بأرض الحبشة أو باليمن.

ولا شكّ أنّ النجاشي (أصْحَمة) منهم.

وقد كان بهذه الحالة أخبر عنه بذلك النّبيء.

والمقصود أنّ الأمّة التي فيها أمثال هؤلاء تكون قريبة من مودّة المسلمين.

والرسول هو محمّد كما هو غالب عليه في إطلاقه في القرآن.

وما أنزل إليه هو القرآن.

والخطاب في قوله تَرى أعينهم} للنبيء صلى الله عليه وسلم إن كان قد رأى منهم مَن هذه صفته، أو هو خطاب لكلّ من يصحّ أن يَرى.

فهو خطاب لغير معيّن ليعمّ كلّ من يخاطب.

وقوله: ﴿ تفيض من الدمع ﴾ معناه يفيضُ منها الدمع لأنّ حقيقة الفيض أن يسند إلى المائع المتجاوز حَاوِيه فيسيل خارجاً عنه.

يقال: فاض الماء، إذا تجاوز ظرفه.

وفاض الدمع إذا تجاوز ما يغرورق بالعين.

وقد يسند الفَيْض إلى الظرف على طريقة المجاز العقلي، فيقال: فاض الوادي، أي فاض ماؤُه، كما يقال: جَرَى الوادي، أي جرى ماؤه.

وفي الحديث: «ورَجُل ذكر الله خَالياً فَفَاضَتْ عيناه» وقد يقرنون هذا الإسناد بتمييز يكون قرينة للإسنادِ المجازي فيقولون: فاضت عينه دمعاً، بتحويل الإسناد المسمّى تمييزَ النسبة، أي قرينة النسبة المجازية.

فأمّا ما في هذه الآية فإجراؤه على قول نحاة البصرة يمنع أن يكون (مِنْ) الداخلة على الدمع هي البَيانية التي يجرّ بها اسم التمييز، لأنّ ذلك عندهم ممتنع في تمييز النسبة، فتكون الآية منسوجة على منوال القلب للمبالغة، قُلِب قولُ الناس المتعارف: فاضَ الدمع من عيننِ فلان، فقيل: ﴿ أعينَهم تفيض من الدمع ﴾ ، فحرف (مِن) حرف ابتداء.

وإذا أجري على قول نحاة الكوفة كانت (مِن) بيانية جارّة لاسم التمييز.

وتعريف الدمع تعريف الجنس، مثل: طبتَ النَّفْسَ.

و (مِنْ) في قوله ﴿ مِمَّا عرفوا ﴾ تعليلية، أي سببُ فيضها ما عرفوا عند سماع القرآن من أنّه الحقّ الموعود به.

ف ﴿ مِن ﴾ قائمة مقام المفعول لأجله كما في قوله: ﴿ تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَنا ﴾ [التوبة: 92]، أي ففاضت أعينهم من انفعال البهجة بأن حضروا مشهد تصديق عيسى فيما بَشّر به، وأن حضروا الرسول الموعود به ففازوا بالفضيلتين.

و(مِن) في قوله ﴿ من الحقّ ﴾ بيانية.

أي ممّا عرفوا، وهو الحقّ الخاصّ.

أو تبعيضية، أي ممّا عرفوه وهو النبي الموعود به الذي خبره من جملة الحقّ الذي جاء به عيسى والنبيئون من قبله.

وجملة ﴿ يقولون ﴾ حال، أي تفيض أعينهم في حال قولهم هذا.

وهذا القول يجوز أن يكون علناً، ويجوز أن يكون في خويّصتهم.

والمراد بالشاهدين الذين شهدوا بعثة الرسل وصدّقوهم.

وهذه فضيلة عظيمة لم تحصُل إلاّ في أزمان ابتداء دعوة الرسل ولا تحصل بعد هذه المرّة.

وتلك الفضيلة أنّها المبادرة بتصديق الرسُل عند بعثتهم حين يكذبِهم الناس بادئ الأمر.

كما قال ورقة: يا ليتني أكون جَذعاً إذْ يُخرجك قومك.

أي تكذيباً منهم.

أو أرادوا فاكتبنا مع الشاهدين الذين أنبأهم عيسى عليه السلام ببعثة الرسول الذي يجيء بعده، فيكونوا شهادة على مجيئه وشهادة بصدق عيسى.

ففي إنجيل متّى عدد24 من قول عيسى «ويقومُ أنبياء كذَبَة كثيرون ويُضِلّون كثيرين ولكن الذي يصبِر إلى المنتهى فهذا يخلص ويفوز ببشارة الملكوت هذه شهادةً لجميع الأمم».

وفي إنجيل يُوحَنَّا عدد15 من قول عيسى «ومتى جاء المُعَزّى روحُ الحقّ الذي من عند الأببِ ينبثقُ فهو يشهدُ لي وتشهدون أنتم أيضاً لأنّكم معي من الابتداء».

وإنّ لِكلمة ﴿ الحقّ ﴾ وكلمة ﴿ الشاهِدين ﴾ في هذه الآية موقعاً لا تغني فيه غيرهما لأنّهما تشيران إلى ما في بشارة عيسى عليه السلام.

وقوله: ﴿ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحقّ ﴾ ، هو من قولهم، فيحتمل أنّهم يقولونه في أنفسهم عندما يخامرهم التردّد في أمر النزوع عن دينهم القديم إلى الدخول في الإسلام.

وذلك التردّد يعرض للمعتقد عند الهمّ بالرجوع في اعتقاده وهو المسمّى بالنظر؛ ويحتمل أنّهم يقولونه لمن يعارضهم من أهل ملّتهم أو من إخوانهم ويشكّكهم فيما عزموا عليه، ويحتمل أنّهم يقولونه لمن يعيّرهم من اليهود أو غيرهم بأنّهم لم يتصلّبوا في دينهم.

فقد قيل: إنّ اليهود عَيّروا النفر الذين أسلموا، إذا صحّ خبر إسلامهم.

وتقدّم القول في تركيب «ما لنا لا نفعل» عند قوله تعالى: ﴿ ومالكم لا تُقاتلون في سبيل الله ﴾ في سورة النساء (75).

وجملة ونطمَع } يجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ ما لنا لا نؤمن ﴾ .

ويحتمل أن تكون الواو للحال، أي كيف نترك الإيمان بالحقّ وقد كنّا من قبل طامعين أن يجعلنا ربّنا مع القوم الصالحين مثل الحواريّين، فكيف نُفلت ما عَنّ لنا من وسائل الحصول على هذه المنقبة الجليلة.

ولا يصحّ جعلها معطوفة على جملة ﴿ نؤمن ﴾ لئلا تكون معمولة للنفي، إذ ليس المعنى على ما لنا لا نطمع، لأنّ الطمع في الخير لا يتردّد فيه ولا يلام عليه حتّى يَحتاج صاحبه إلى الاحتجاج لنفسه بِ (ما لنا لا نفعل).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، تَمالَأ الفَرِيقانِ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ  .

﴿ وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ﴾ لَيْسَ هَذا عَلى العُمُومِ، وإنَّما هو خاصٌّ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَنى بِذَلِكَ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ لَمّا أسْلَمُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى كانُوا عَلى الحَقِّ مُتَمَسِّكِينَ بِشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ  آمَنُوا بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا ﴾ واحِدُ القِسِّيسِينَ قَسٌّ، مِن قَسَّ وهُمُ العُبّادُ.

وَواحِدُ الرُّهْبانِ راهِبٌ، وهُمُ الزُّهّادُ.

﴿ وَأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يَعْنِي عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ إذا لَزِمَ، ولِلْحُجَّةِ إذا قامَتْ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ  ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: يَعْنِي الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله،» وفي لفظ: «إلا حدَّث نفسه بقتله» .

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ﴾ قال: هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: ما ذكر الله به النصارى قال: هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين، فذلك لهم.

وأخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه ﴿ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم ﴿ ولتجدن أقربهم مودة ﴾ إلى قوله: ﴿ مع الشاهدين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً ﴾ قال: هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلاً اختارهم من قومه الخيِّر الخيِّر، فالخير في الفقه والسن، وفي لفظ: بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلاً، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه، فقرأ عليهم سورة يس، فبكوا حين سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، فأنزل الله فيهم ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً..

﴾ الآية.

ونزلت هذه الآية فيهم أيضاً ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ [ القصص: 52] إلى قوله: ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ [ القصص: 54] .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عروة قال: كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في النجاشي ﴿ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ﴾ قال: إنهم كانوا برايين يعني ملاحين، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رجعتم إلى أرضكم انقلبتم عن دينكم، فقالوا لن ننقلب عن ديننا، فأنزل الله ذلك من قولهم ﴿ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة، وكان جعفر لحق بالحبشة هو وأربعون معه من قريش، وخمسون من الأشعريين، منهم أربعة من عك، أكبرهم أبو عامر الأشعري وأصغرهم عامر، فذكر لنا أن قريشاً بعثوا في طلبهم عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، فأتوا النجاشي فقالوا: إن هؤلاء قد أفسدوا دين قومهم، فأرسل اليهم فجاؤوا فسألهم، فقالوا: بعث الله فينا نبياً كما بعث في الأمم قبلنا يدعوننا إلى الله وحده، ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر، ويأمرنا بالصلة، وينهانا عن القطيعة، ويأمرنا بالوفاء، وينهانا عن النكث، وإن قومنا بغوا علينا، وأخرجونا حين صدقناه وآمنا به، فلم نجد أحد نلجأ اليه غيرك فقال: معروفاً.

فقال عمرو وصاحبه: إنهم يقولون في عيسى غير الذي تقول.

قال: وما تقولون في عيسى؟

قالوا: نشهد أنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه، ولدته عذراء بتول.

قال: ما أخطأتم، ثم قال لعمرو وصاحبه: لولا أنكما أقبلتما في جواري لفعلت بكما، وذكر لنا أن جعفر وأصحابه إذ أقبلوا جاء أولئك معهم فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

قال قائل: لو قد رجعوا إلى أرضهم لحقوا بدينهم، فحدثنا أنه قدم مع جعفر سبعون منهم، فلما قرأ عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، فاضت أعينهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: «بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إثنا عشر رجلاً، سبعة قسيسين وخمسة رهباناً، ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه قرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا، وأنزل الله فيهم ﴿ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، وذكروا أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، فقالوا: إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم.

قال: إن جاؤوني نظرت فيما يقولون، فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا إلى باب النجاشي فقالوا: استأذن لأولياء الله؟

فقال: ائذن لهم فمرحباً بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا فقال الرهط من المشركين: ألم تر أيها الملك انا صدقناك وانهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيى بها؟.

..

فقال لهم: ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي؟

قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة.

فقال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟

قالوا: يقول عبدالله ورسوله، وكلمة من الله، وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم: إنها العذراء الطيبة البتول.

قال: فأخذ عوداً من الأرض فقال: ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود، فكره المشركون قوله وتغير لون وجوههم، فقال: هل تقرأون شيئاً مما أنزل عليكم؟

قالوا: نعم.

قال: فاقرأوا وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى، فجعلت طائفة من القسيسسن والرهبان كلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق.

قال الله: ﴿ ذلك بأن منهم قسيسيين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ﴾ .

وأخرج الطبراني عن سلمان في إسلامه قال «لما قدم النبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة صنعت طعاماً، فجئت به فقال: ما هذا؟

قلت: صدقة.

فقال لأصحابه: كلوا ولم يأكل، ثم إني رجعت حتى جمعت طعاماً فأتيته به فقال: ما هذا؟

قلت: هدية.

فأكل وقال لأصحابه: كلوا.

قلت يا رسول الله، أخبرني عن النصارى؟

قال: لا خير فيهم ولا فيمن أحبهم، فقمت وأنا مثقل، فأنزل الله: ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ﴾ حتى بلغ ﴿ تفيض من الدمع ﴾ فأرسل إلىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا سلمان، إن أصحابك هؤلاء الذين ذكر الله» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ولتجدن أقربهم مودة...

﴾ الآية.

قال: أناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله محمداً صدقوه وآمنوا به وعرفوا ما جاء به من الحق أنه من الله، فأثنى عليهم بما تسمعون.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والحارث بن أسامة في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن الأنباري في المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان أنه سئل عن قوله: ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً ﴾ قال: الرهبان الذين في الصوامع، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً ﴾ ولفظ البزار دع القسيسين؛ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك بأن منهم صديقين ﴾ ولفظ الحكيم الترمذي: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ﴾ فأقرأني ﴿ ذلك بأن منهم صديقين ﴾ .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن سلمان قال: كنت يتيماً من رامهرمز، وكان ابن دهقان رامهرمز يختلف إلى معلم يعلمه، فلزمته لأكون في كنفه وكان لي أخ أكبر مني، وكان مستغنياً في نفسه، وكنت غلاماً فقيراً، فكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظه، فإذا تفرقوا خرج، فتقنع بثوبه ثم صعد الجبل، فكان يفعل ذلك غير مرة متنكراً قال: فقلت أما أنك تفعل كذا وكذا، فلم لا تذهب بي معك؟

قال: أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء.

قال: قلت لا تخف.

قال: فإن في هذا الجبل قوماً في برطيل لهم عبادة وصلاح، يذكرون الله عز وجل ويذكرون الآخرة، يزعمون أنا عبدة النيران وعبدة الأوثان، وأنا على غير دين.

قلت: فاذهب بي معك إليهم.

قال: لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم، وأنا أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم أبي فيقتل القوم فيجري هلاكهم على يدي.

قال: قلت لن يظهر مني ذلك، فاستأمرهم فقال: غلام عندي يتيم فأحب أن يأتيكم ويسمع كلامكم، قالوا: إن كنت تثق به.

قال: أرجو أن لا يجيء منه إلا ما أحب.

قالوا: فجيء به.

فقال لي: قد استأذنت القوم أن تجيء معي، فإذا كانت الساعة التي رأيتني أخرج فيها فأتني ولا يعلم بك أحد، فإن أبي إن علم قتلهم.

قال: فلما كانت الساعة التي يخرج تبعته، فصعد الجبل فانتهينا إليهم فإذا هم في برطيلهم.

قال: علي.

وأراه قال: هم ستة أو سبعة.

قال: وكانت الروح قد خرجت منهم من العبادة، يصومون النهار ويقومون الليل، يأكلون الشجر وما وجدوا، فقعدنا إليهم فأثنى ابن الدهقان عليَّ خيراً، فتكلموا فحمدوا الله وأثنوا عليه، وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم، قالوا: بعثه الله وولده بغير ذكر، بعثه الله رسوله، وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى، وخلق الطير، وابراء الأعمى والأبرص، فكفر به قوم وتبعه قوم.

وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه.

قال: وقالوا قبل ذلك: يا غلام، إن لك رباً، وإن لك معاداً، وإن بين يديك جنة وناراً إليها تصير، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دين، فلما حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف وانصرفت معه، ثم غدونا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن، فلزمتهم فقالوا: يا غلام، إنك غلام، وإنك لا تستطيع أن تصنع كما نصنع، فكل واشرب وصل ونم.

قال: فاطلع الملك على صنيع ابنه، فركب الخيل حتى أتاهم في برطيلهم، فقال: ياهؤلاء، قد جاورتموني فأحسنت جواركم ولم تروا مني سوءاً، فعمدتم إلى ابني فافسدتموه عليَّ، قد أجلتكم ثلاثاً، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا فالحقوا ببلادكم، فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء.

قالوا: نعم، ما تعمدنا اساءتك، ولا أردنا إلا الخير، فكفَّ ابنه عن إتيانهم فقلت له: اتق الله، فإنك تعرف أن هذا الدين دين الله، وإن أباك ونحن على غير دين، إنما هم عبدة النيران لا يعرفون الله، فلا تبع آخرتك بدنيا غيرك.

قال: يا سلمان، هو كما تقول، وإنما أتخلف عن القوم بقيا عليهم ان اتبعت القوم يطلبني أبي في الخيل، وقد جزع من إتياني إياهم حتى طردهم، وقد أعرف أن الحق في أيديهم.

قلت: أنت أعلم، ثم لقيت أخي فعرضت عليه فقال: أنا مشتغل بنفسي وطلب المعيشة، فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه فقالوا: يا سلمان، قد كنا نحذر، فكان ما رأيت، اتق الله واعلم أن الدين ما أوصيناك به، وإن هؤلاء عبدة النيران لا يعرفون الله ولا يذكرونه، فلا يخدعنَّك أحد عن ذلك.

قلت: ما أنا بمفارقكم.

قالوا: إنك لا تقدر على أن تكون معنا، نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل الشجر وما أصبنا، وأنت لا تستطيع ذلك.

قال: قلت: لا أفارقكم.

قالوا: أنت أعلم قد أعلمناك حالنا فإذا أبيت فاطلب أحداً يكون معك، واحمل معك شيئاً تأكله لا تستطيع ما نستطيع نحن.

قال: ففعلت، فلقيت أخي فعرضت عليه فأبى، فأتيتهم فتحمَّلوا فكانوا يمشون وأمشي معهم، فرزقنا الله السلامة حتى أتينا الموصل، فأتينا بيعه بالموصل، فلما دخلوا حفوا بهم وقالوا: أين كنتم؟

قالوا: كنا في بلاد لا يذكرون الله، بها عبّاد نيران فطردونا فقدمنا عليكم، فلما كان بعد قالوا: يا سلمان، إن هاهنا قوماً في هذه الجبال هم أهل دين وإنا نريد لقاءهم، فكن أنت هاهنا مع هؤلاء فإنهم أهل دين، وسترى منهم ما تحب، قلت: ما أنا بمفارقكم.

قال: وأوصوا بي أهل البيعة فقال أهل دين البيعة: أقم معنا فإنه لا يعجزك شيء يسعنا.

قلت: ما أنا بمفارقكم.

فخرجوا وأنا معهم، فأصبحنا بين جبال، فإذا صخرة وماء كثير في جرار وخبز كثير، فقعدنا عند الصخرة، فلما طلعت الشمس خرجوا من بين تلك الجبال، يخرج رجل رجل من مكانه كأن الأرواح انتزعت منهم حتى كثروا، فرحبوا بهم وحفوا وقالوا: أين كنتم لم نركم؟

قالوا: كنا في بلاد لا يذكرون اسم الله فيها عبدة النيران، وكنا نعبد الله فيها فطردونا، فقالوا: ما هذا الغلام؟

قال: فطفقوا يثنون عليَّ، وقالوا: صحبنا من تلك البلاد فلم نرَ منه إلا خيراً.

قال: فوالله إنهم لكذا إذ طلع عليهم رجل من كهف رجل طويل، فجاء حتى سلم وجلس، فحف به أصحابي الذين كنت معهم وعظموه، وأحدقوا به فقال لهم: أين كنتم؟

فأخبروه فقال: وما هذا الغلام معكم؟

فأثنوا عليَّ خيراً، وأخبروه باتباعي إياهم، ولم أرَ مثل إعظامهم إياه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر من أرسل من رسله وأنبيائه، وما لقوا وما صنع بهم حتى ذكر مولد عيسى بن مريم، وأنه ولد بغير ذكر، فبعثه الله رسولاً، وأجرى على يديه إحياء الموتى وإبراء الأعمى والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وأنزل عليه الإنجيل وعلمه التوراة، وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، فكفر به قوم وآمن به قوم، وذكر بعض ما لقي عيسى ابن مريم، وأنه كان عبداً أنعم الله عليه، فشكر ذلك له ورضي عنه حتى قبضه الله، وهو يعظمهم ويقول: اتقوا الله والزموا ما جاء عيسى به، ولا تخالفوا فيخالف بكم، ثم قال: من أراد أن يأخذ من هذا شيئاً فليأخذ.

فجعل الرجل يقوم فيأخذ الجرة من الماء والطعام والشيء، وقام إليه أصحابي الذين جئت معهم فسلموا عليه وعظموه، فقال لهم: الزموا هذا الدين وإياكم أن تفرقوا واستوصوا بهذا الغلام خيراً، وقال لي: يا غلام، هذا دين الله الذي ليس له دين فوقه وما سواه هو الكفر.

قال: قلت: ما أفارقك.

قال: إنك لن تستطيع أن تكون معي، إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد، لا تقدر على الكينونة معي.

قال: وأقبل على أصحابه فقالوا: يا غلام، إنك لا تستطيع أن تكون معه.

قلت: ما أنا بمفارقك.

قال: يا غلام، فإني أعلمك الآن، إني أدخل هذا الكهف ولا أخرج منه إلى الأحد الآخر، وأنت أعلم.

قلت: ما أنا بمفارقك.

قال له أصحابه: يا فلان، هذا غلام ونخاف عليه.

قال: قال لي: أنت أعلم.

قلت: إني لا أفارقك.

فبكى أصحابي الأوّلون الذين كنت معهم عند فراقهم إياي.

فقال: خذ من هذا الطعام ما ترى أنه يكفيك إلى الأحد الآخر، وخذ من هذا الماء ما تكتفي به ففعلت، وتفرقوا وذهب كل إنسان إلى مكانه الذي يكون فيه، وتبعته حتى دخل الكهف في الجبل فقال: ضع ما معك وكل واشرب، وقام يصلي، فقمت معه أصلي قال: وانفتل إلي فقال: إنك لا تستطيع هذا، ولكن صل ونم، وكل واشرب، ففعلت فما رأيته لا نائماً ولا طاعماً إلا راكعاً وساجداً إلى الأحد الآخر.

فلما أصبحنا قال: خذ جرتك هذه وانطلق، فخرجت معه أتبعه حتى انتهينا إلى الصخرة، وإذا هم قد خرجوا من تلك الجبال، واجتمعوا إلى الصخرة ينتظرون خروجه، فقعدوا وجاد في حديثه نحو المرة الأولى.

فقال: الزموا هذا الدين ولا تفرقوا، واتقوا الله واعلموا أن عيسى ابن مريم كان عبد الله أنعم الله عليه، ثم ذكروني فقالوا: يا فلان، كيف وجدت هذا الغلام؟

فأثنى علي وقال: خيراً.

فحمدوا الله، فإذا خبز كثير وماء، فأخذوا وجعل الرجل يأخذ بقدر ما يكتفي به ففعلت، وتفرقوا في تلك الجبال ورجع إلى كهفه ورجعت معه.

فلبث ما شاء الله، يخرج في كل يوم أحد ويخرجون معه، ويوصيهم بما كان يوصيهم به، فخرج في أحد، فلما اجتمعوا حمد الله ووعظهم وقال مثل ما كان يقول لهم، ثم قال لهم آخر ذلك: يا هؤلاء، إني قد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وأنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا، ولا بد لي من إتيانه، فاستوصوا بهذا الغلام خيراً، وإني رأيته لا بأس به، قال: فجزع القوم فما رأيت مثل جزعهم، وقالوا: يا أبا فلان، أنت كبير وأنت وحدك، ولا نأمن أن يصيبك الشيء ولسنا أحوج ما كنا إليك.

قال: لا تراجعوني لا بد لي من إتيانه ولكن استوصوا بهذا الغلام خيراً وافعلوا وافعلوا.

قال: قلت: ما أنا بمفارقك.

قال: يا سلمان، قد رأيت حالي وما كنت عليه وليس هذا لك، إنما أمشي أصوم النهار وأقوم الليل، ولا أستطيع أن أحمل معي زاداً ولا غيره ولا تقدر على هذا.

قال: قلت: ما أنا بمفارقك.

قال: أنت أعلم قالوا: يا أبا فلان، إنا نخاف عليك وعلى هذا الغلام.

قال: هو أعلم قد أعلمته الحالة، وقد رأى ما كان قبل هذا.

قلت: لا أفارقك.

فبكوا وودعوه وقال لهم: اتقوا الله وكونوا على ما أوصيتكم به، فإن أعش فلعلي أرجع إليكم، وإن أمت فإن الله حي لا يموت، فسلم عليهم وخرج وخرجت معه، وقال لي: احمل معك من هذا الخبز شيئاً تأكله.

فخرج وخرجت معه يمشي واتبعه، يذكر الله، ولا يلتفت ولا يقف على شيء حتى إذ أمسى قال: يا سلمان صل أنت ونم، وكل واشرب، ثم قام هو يصلي إلى أن انتهى إلى بيت المقدس، وكان لا يرفع طرفه إلى السماء حتى انتهينا إلى بيت المقدس، وإذا على الباب مقعد قال: يا عبد الله، قد ترى حالي فتصدق عليَّ بشيء، فلم يلتفت إليه ودخل المسجد ودخلت معه، فجعل يتتبع أمكنة من المسجد يصلي فيها، ثم قال: يا سلمان، إني لم أنم منذ كذا وكذا ولم أجد طعم نوم، فإن أنت جعلت لي أن توقظني إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا نمت، فاني أحب أن أنام في هذا المسجد وإلا لم أنم.

قال: قلت: فإني أفعل.

قال: فانظر إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني إذا غلبتني عيني، فنام فقلت في نفسي: هذا لم ينم منذ كذا وكذا وقد رأيت بعض ذلك، لأدعنه ينام حتى يشتفي من النوم.

وكان فيما يمشي وأنا معه يقبل عليَّ فيعظني، ويخبرني أن لي رباً وأن بين يديه جنة وناراً وحساباً، ويعلمني بذلك ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الأحد حتى قال فيما يقول لي: يا سلمان، الله تعالى سوف يبعث رسولاً اسمه أحمد يخرج بتهامة- وكان رجلاً أعجمياً لا يحسن أن يقول تهامة ولا محمد- علامته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم، وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني أدركه، فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه.

قلت: وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه؟

قال: وإن أمرك فإن الحق فيما يجيء به، ورضا الرحمن فيما قال.

فلم يمض إلا يسير حتى استيقظ فزعاً يذكر الله تعالى فقال: يا سلمان، مضى الفيء من هذا المكان ولم أذكر الله، أين ما جعلت لي على نفسك؟

قال: قلت: أخبرتني أنك لم تنم منذ كذا وكذا، وقد رأيت بعض ذلك فأحببت أن تشتفي من النوم فحمد الله، فقام وخرج فتبعته فقال المقعد: يا عبد الله، دخلت فسألتك فلم تعطني، وخرجت فسألتك فلم تعطني، فقام ينظر هل يرى أحداً فلم يره، فدنا منه فقال: ناولني يدك، فناوله فقال: قم بسم الله، فقام كأنه نشط من عقال صحيحاً لا عيب فيه، فخلى عن يده، فانطلق ذاهباً فكان لا يلوي على أحد ولا يقوم عليه، فقال لي المقعد: يا غلام، أحمل على ثيابي حتى أنطلق وأبشر أهلي، فحملت عليه ثيابه وانطلق لا يلوي عليَّ.

فخرجت في أثره أطلبه، وكلما سألت عنه قالوا: أمامك.

حتى لقيني الركب من كلب فسألتهم، فلما سمعوا لغتي أناخ رجل منهم بعيره فحملني، فجعلني خلفه حتى بلغوا بي بلادهم قال: فباعوني فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُخبرت به، فأخذت شيئاً من تمر حائطي فجعلته على شيء، ثم أتيته فوجدت عنده أناساً، وإذا أبو بكر أقرب القوم منه، فوضعته بين يديه فقال: ما هذا؟

قلت صدقة.

فقال للقوم: كلوا ولم يأكل هو، ثم لبثت ما شاء الله، ثم أخذت مثل ذلك فجعلته على شيء، ثم أتيته به فوجدت عنده أناساً، وإذا أبو بكر أقرب القوم منه، فوضعته بين يديه فقال: ما هذا؟

قلت: هدية.

قال: بسم الله، فأكل وأكل القوم، قال: قلت: في نفسي هذه من آياته، كان صاحبي رجلاً أعجمياً لم يحسن أن يقول تهامة قال تهمة، وقال أحمد فدرت خلفه ففطن بي فأرخى ثوبه فإذا الخاتم في ناحية كتفه الايسر، فتبينته ثم درت حتى جلست بين يديه فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

قال: من أنت؟

قلت: مملوك، فحدثته بحديثي وحديث الرجل الذي كنت معه وما أمرني به، قال: لمن أنت؟

قلت: لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها.

قال: يا أبا بكر، قال: لبيك...

قال: اشتره.

قال: فاشتراني أبو بكر فاعتقني، فلبثت ما شاء الله أن ألبث، ثم أتيته فسلمت عليه وقعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في دين النصارى؟

قال: لا خير فيهم ولا في دينهم، فدخلني أمر عظيم فقلت في نفسي: هذا الذي كنت معه ورأيت منه ما رأيت، أخذ بيد المقعد فأقامه الله على يديه، لا خير في هؤلاء ولا في دينهم، فانصرفت وفي نفسي ما شاء الله، فأنزل الله بعد على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ﴾ إلى آخر الآية.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بسلمان، فأتاني الرسول فدعاني وأنا خائف، فجئت حتى قعدت بين يديه، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ﴾ إلى آخر الآية.

فقال: يا سلمان، أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى إنما كانوا مسلمين، فقلت: يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لقد أمرني باتباعك.

فقلت له: وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه، فأتركه؟

قال: نعم، فاتركه فإن الحق وما يحب الله فيما يأمرك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ قسيسين ﴾ قال: علماؤهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: القسيسون.

عبادهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: سألت الزهري عن هذه الآية ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ﴾ وقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ [ الفرقان: 63] قال: ما زلت أسمع علماءنا يقولون: نزلت في النجاشي وأصحابه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي لفظ: قال: يعنون بالشاهدين محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته، أنهم قد شهدوا له أنه قد بلِّغ، وشهدوا للمرسلين أنهم قد بلغوا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ﴾ قال: القوم الصالحون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً ﴾ الآية، اللام في (لتجدن) لام القسم، والنون دخلت تفصل بين الحال والاستقبال، عند الخليل وسيبويه (١)  ، وكان ينبغي أن يكونوا أقرب إلى المؤمنين، لأنهم يؤمنون بموسى والتوراة، والكفار كانوا يكذبون بهما، لكنهم حسدوا المؤمنين ومحمدًا  (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ﴾ ، قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: يعني: النجاشي ووفده الذين قدموا من الحبشة على رسول الله  فآمنوا به، ولم يُرِد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للدين والمسلمين، وهذا قول مجاهد والكلبي ومقاتل (٣)  ، فلما جاء محمد  آمنوا به (٤) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ﴾ ، قال الزجاج: القس والقسيس رؤساء النصارى (٥) وقال الفراء في كتاب "الجمع": يجمع القسيس قسيسين كما قال الله، ولو جمع قسوسًا كان صوابًا؛ لأنهما في معنى واحد، يعني القس والقسيس، قال: ويجمع القسيس قساوسة، جمع على مثال مَهَالبَة، وكان قساسية، فكثرت السينات فأبدلوا إحداهن واوًا (٦) لو عَرضتْ لأِيبُليٍّ قَسِّ ...

أشعثَ في هيكلِه مُنْدسَّ حَنَّ إليها كحنينِ الطَّسِّ (٧) وقال أمية: لو كان مُنفَلتٌ كانت قساوسةٌ ...

يُحييهم اللهُ في أيديهم الزُّبُرُ (٨) وقساوسة جمع قسيس، على ما ذكرنا، هذا كلام أهل اللغة في القسيس، وقال ابن زيد: "القسيسين: العُبَّاد" (٩) وقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل، وأدخلوا فيه ما ليس منه، وبقي واحد من علمائهم على الحق والاستقامة وهو قسّيسا، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس" (١٠) وقال قطرب: القس والقسيس: العالم بلغة الروم (١١) وقال ورقة (١٢) بما خبَّرتنا مِن قولِ قَسٍّ ...

من الرهبانِ أكرهُ أنْ يعوجا وعلى هذا فالقس والقسيس مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين، وأما الرهبان فهو جمع راهب، مثل راكب وركبان، وفارس وفرسان، قال الليث: الرهبانية مصدر الراهب، والترهيب التعبد في صومعة (١٣) (١٤) لو عاينت رُهبان ديْرٍ في القُلَلْ ...

لأقبلَ الرُّهبانُ يعْدُو ونَزَلْ (١٥) قال: ووجه الكلام: أن يكون جمعًا بالنون، قال: وإن جمع الرهبان الواحد رهابين ورهابنة جاز، وإن قلت: رهبانيون، كان صوابًا، ينسبه إلى الرهبانية (١٦) (١٧) وقال جرير: رهبانُ مديَن لو رأوك تنزَّلوا ...

والعُصمُ من شَعَفِ العَقُول الفادِرِ (١٨)  عنهما فقال: "إني لا آمركم أن تكونوا قسيسين ولا رهبانًا" (١٩) (٢٠)  ما أخذ عليهم في التوراة والإنجيل، وكانت الرهبانية مستحسنة في دينهم، ولذلك كانوا يسمون الرئيس في دينهم قسًا وقسيسًا، فذكر الله تبارك وتعالى أسماءهم وألقابهم على سبيل ما يُعرف لهم، ومدح منهم تصديق النبي  (٢١) ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ﴾ ، ذلك بأن منهم عليما أوصاه عيسى  ، الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ فلما دخلوا في الإِسلام [...] (٢٢)  ورفض ما كانوا يستعلمونه في شريعتهم.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي عن اتباع الحق والإذعان به كما يستكبر اليهود وعبدة الأوثان) (٢٣) (٢٤) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 199، "زاد المسير" 2/ 408.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 199، "الوسيط" 2/ 216.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 497، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 318، والطبري 7/ 2، و"بحر العلوم" 1/ 453، و"النكت والعيون" 2/ 58، والبغوي 3/ 85، و"زاد المسير" 2/ 408.

(٤) أخرجه الطبري 7/ 3، "النكت والعيون" 2/ 58، "زاد المسير" 2/ 408.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 200، و"بحر العلوم" 1/ 454، و"الصحاح" 3/ 963 (قس).

(٦) كلام الفراء من "تهذيب اللغة" 3/ 2959 (قس)، و"تفسير الطبري" 7/ 3.

(٧) الرجز منسوب للعجاج، وقد سبق ذكره عند تفسير المؤلف للآية الأول من سورة النساء.

(٨) البيت في "تهذيب اللغة" 3/ 2959 (قس).

(٩) أخرجه الطبري 7/ 3.

(١٠) لم أقف عليه.

(١١) انظر: "الوسيط" 2/ 217، والبغوي 3/ 87، و"زاد المسير" 2/ 408.

(١٢) الظاهر أنه ورقة بن نوفل المشهور، من أهل الكتاب.

وتقدمت ترجمته.

(١٣) "تهذيب اللغة" 2/ 148 (رهب)، "اللسان" 3/ 1749 (رهب).

(١٤) "تهذيب اللغة" 2/ 1483 (رهب)، "اللسان" 3/ 1748 (رهب).

(١٥) البيت دون نسبة في: "تهذيب اللغة" 2/ 1483 (رهب)، "اللسان" 3/ 1748 (رهب).

(١٦) "تهذيب اللغة" 2/ 1483 (رهب)، "اللسان" 3/ 1748 (رهب).

(١٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1483 (رهب)، "تفسير الطبري" 7/ 3.

(١٨) البيت في الطبري 7/ 3، و"اللسان" 3/ 1748 (رهب)، وقال موضحًا البيت: "وعِلٌ عاقل: صعد الجبل، والفادر: المسن من الوعول.

(١٩) أخرجه الطبري 7/ 9 بسنده عن أبي عبد الرحمن (وقد يكون ابن مسعود).

وقد أخرج الإِمام أحمد في مسنده 6/ 226 من حديث عائشة في قصة عثمان بن مظعون قوله  : "يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا"، والدارمي في كتاب النكاح/ باب 3 النهي عن التبتل 3/ 1386 - 1387 برقم (2215) من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: (يا عثمان إني لم أومر بالرهبانية).

(٢٠) ابن الأنباري.

(٢١) انظر: "الوسيط" 2/ 217، "زاد المسير" 2/ 408، 409.

(٢٢) بياض في (ش) بمقدار كلمة.

(٢٣) "تفسير الطبري" 7/ 4، و"زاد المسير" 2/ 409.

(٢٤) إلى هنا نهاية السقط الذي سبقت الإشارة إلى بدايته من نسخة (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً ﴾ الآية: إخبار عن شدة عداوة اليهود وعبدة الأوثان للمسلمين ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً ﴾ الآية: إخبار أن النصارى أقرب إلى مودة المسلمين، وهذا الأمر باق إلى آخر الدهر فكل يهودي شديد العداوة للإسلام والكيد لأهله ﴿ ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً ﴾ تعليل لقرب مودتهم، والقسيس العالم والراهب العابد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

ثم وصف شدة شكيمة اليهود ولين عريكة النصارى فقال ﴿ لتجدن ﴾ يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ أشد الناس عداوة ﴾ وقد تعلقت بها اللام في قوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ كما تعلقت بالمودة فيما بعد.

وظاهر الآية يدل على أن اليهود في غاية العداوة للمسلمين وكيف لا وقد نبه على تقدم قدمهم في العداوة بتقديمهم على الذين أشركوا وعن النبي  "ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله" لكنه روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي أن المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على رسول لله  وآمنوا به ولم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين.

وقال آخرون: مذهب اليهود أنه يجب عليهم ايصال الشر الى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، بالقتل أو بغصب الماء أو بوجوه المكايد والحيل، وليس النصارى مذهبهم ذلك بل الايذاء في دينهم حرام وهذا هو وجه التفاوت بالعداوة والمودة، وقد أكد ذلك بوصف العداوة والمودّة بالأشد والأقرب.

وفي الآية من الفائدة أن التمرد والمعصية عادة لهم ففرغ قلبك يا محمد ولا تبال بمكرهم ولا تحزن على كيدهم.

ثم ذكر سبب ذالك التفاوت فقال ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً ﴾ القس والقسيس اسم لرئيس النصارى في العلم والدين وكأنه من القس وهو تتبع الشيء وطلبه.

قال قطرب: هو العالم بلغة الروم وهذا مما وقع فيه الوفاق بين اللغتين.

وقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل وأدخلت فيه ما ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين يسمى قسيساً، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس.

والرهبان جمع راهب كركبان وفرسان في راكب وفارس.

وقيل: إنه واحد وجمعه رهابين كقربان وقرابين ولكن النظام يأباه.

وأصله من الرهبة بمعنى الخوف من الله  ، وإنما صارت الرهبانية ممدوحة في مقابلة قساوة اليهود وغلظتهم وإلا فهي مذمومة في نفسها لقوله  ﴿ ورهبانية ابتدعوها  ﴾ ولقوله  "لا رهبانية في الإسلام" وههنا نكتة هي أن كفر النصارى حيث إنهم ينازعون في الإلهيات والنبوات جميعاً أغلظ في الحقيقة من كفر اليهود لأنهم لا ينازعون إلا في النبوات إلا بعضهم القائلين بأن عزيراً ابن الله.

ثم إن النصارى لما يشتد حرصهم على طلب الدنيا وعلى الحياة وأقبلوا على العلم والبراءة من الكبر خصهم الله  بالمدح وذم اليهود حيث قال ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة  ﴾ ﴿ غلت أيديهم  ﴾ فتبين صحة قوله  "حب الدنيا رأس كل خطيئة" قال ابن عباس: كان رسول الله  خاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود في رهط من أصحابه الى النجاشي وقال: أنه ملك صالح لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا اليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً.

فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم: هل تعرفون شيئاً مما أنزل عليكم؟

قالوا: نعم.

فقرؤا وحوله القسيسون والرهبان فكلما قرؤا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق.

وقال آخرون: قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه ومعهم سبعون رجلاً بعثهم النجاشي وفداً الى الرسول  عليهم ثياب الصوف؛ اثنان وستون من الحبشة وثمانية من من أهل الشأم وهم بحيرا الراهب وأبرهة وغيرهما، فقرأ عليهم رسول الله  سورة يس إلى آخرها فبكوا وآمنوا فنزلت والخطاب في ﴿ ترى ﴾ لكل راء.

وقد وضع الفيض الذي هو مسبب الامتلاء موضع الامتلاء وأصله تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض بعد الامتلاء، ويحتمل أن يكون الدمع مصدر دمعت عينه وقصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء كأنّ الأعين تفيض بأنفسها.

ومعنى ﴿ مما عرفوا من الحق ﴾ أي مما نزل على محمد  وهو الحق فـ"من" الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع نشأ من معرفة الحق، والثانية للبيان ويحتمل التبعيض يعني أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف لو عرفوا كله وأحاطوا بالسنة؟

﴿ ربنا آمنا ﴾ المراد إنشاء الايمان لا الإخبار عنه ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ مع أمة محمد  وقد مر مثله في آل عمران.

﴿ وما لنا ﴾ إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع حصول موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بإدخالهم دار ثوابه مع الصالحين.

قالوا ذلك في أنفسهم أو فيما بينهم أو في جواب قومهم حين رجعوا إليهم ولاموهم.

ومحل ﴿ لا نؤمن ﴾ نصب على الحال نحو: مالك قائماً.

والعامل فيه معنى الفعل أي ما نصنع غير المؤمنين.

وهو العامل أيضاً في ﴿ ونطمع ﴾ لكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو حذفتها وقلت: وما لنا ونطمع لا حلت، ويحتمل أن يكون ﴿ ونطمع ﴾ حالاً من ﴿ لا نؤمن ﴾ كأنهم أنكروا أن لا يوحدوا الله وهم يطمعون في الثواب وأن يكون عطفاً على ﴿ لا نؤمن ﴾ أي ما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع، أو ما لنا لا نجمع بين الإيمان وبين الطمع ﴿ فأثابهم الله بما قالوا ﴾ ظاهره يدل على إنهم إنما استحقوا الثواب بمجرد القول، ولكن فيما سبق من وصفهم بمعرفة الحق ما يدل على خلوص عقيدتهم فلا جرم لما انضاف إليه القول كل الإيمان.

ويحتمل أن يكون مأخوذاً من قولك: هذا قول فلان أي اعتقاده ومذهبه.

وروى عطاء عن ابن عباس أن المراد بما سألوا من قولهم فاكتبنا مع الشاهدين.

قال أهل السنة: فيه دليل على أن المعرفة مع الإقرار توجب حصول الثواب، وصاحب الكبيرة له المعرفة والإقرار فلا بد أن يؤل حاله إلى هذا الثواب.

والمعتزلة سلموا أن الإقرار مع المعرفة يوجب الثواب ولكن بشرط عدم الإحباط.

التأويل: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل مع ذرات ذرّيات آدم  ﴿ وأرسلنا إليهم رسلاً ﴾ بالأجساد في عالم الشهادة، ومن الواردات الروحانية في عالم الغيب ﴿ فريقاً كذبوا ﴾ يعني الإلهامات والواردات ﴿ وفريقاً ﴾ يقتلون في عالم الحس ﴿ لقد كفر الذين قالوا ﴾ النصارى أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بقدم العقل فتاهوا في أودية الشبهات، وأمة محمد  سلكوا الطريق بأقدام جذبات الأولوهية على وفق المتابعة الجبيبية فأسقط عنهم براهين الوصال كلفة الاستدلال، ولهذا كان الشبلي يغسل كتبه بالماء ويقول: نعم الدليل أنت.

ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول الى المدلول محال فتحقق لهم أن عيسى بعد التزكية والتحلية صار قابلاً للفيض الإلهي فكان يخلق ما يخلق ويفعل ما يفعل بإذن الله، كما أن المرايا المحرقة تحرق بما قبلت من فيض الشمس ﴿ إنه من يشرك بالله ﴾ ظاهراً ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ ومن يشرك به باطناً حرم عليه القربة على لسان داود وعيسى ابن مريم.

هذا سر الخلافة فإن الأنسان الكامل المستحق للخلافة قبوله قبول الحق ورده رد الحق ﴿ لا يتناهون عن منكر ﴾ سمى العصيان منكراً لأنه يوجب النكرة كما سمى الطاعة معروفاً لأنها توجب المعرفة ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً ﴾ .

يعني أن تعارف الأرواح يُوجب ائتلاف الأشباح، فالنصارى ببركة علمائهم وعبادهم وصفاء قلوبهم وخضوعهم ثبت لهم القرابة والمودة من أهل الإيمان وعرفوا الحق الذي سمعوه في الازل يوم الميثاق، فآمنوا وذلك جزاء المحسنين الذين يعبدون الله ويشاهدونه بلوائح المعرفة وطوالع المحبة فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ﴾ .

قال بعضهم: لعنوا بكل لسان؛ لعنوا على عهد موسى -  - في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلى عهد [رسولنا] محمد  في القرآن؛ وهو قول ابن عباس،  .

وقيل: مسخوا بدعائهم بما اعتدوا، فصاروا قردة وخنازير.

قال ابن عباس -  -: "القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا".

وقال الحسن: "انقطع ذلك النسل".

وأصل اللعن: هو الطرد؛ كأنهم طردوا عن رحمة الله.

ويحتمل تخصيص اللعن على لسان داود؛ لأن داود -  - كان به غلظة وخشونة، وهو الذي كان اتخذ الأسلحة وآلات الحرب، وعيسى كان به لين ورفق؛ ليعلم أن اللعن الذي كان منهما كان لتعديهم الحدود - حدود الله - وعصيانهم ربهم، وكانوا مستوجبين لذلك محقين؛ ولذلك استجيب دعاؤهم عليهم باللعن [أعني: دعاء الرسل، عليهم السلام].

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ .

ذكر في بعض القصة عن عبد الله بن مسعود -  - قال: قال رسول الله  : "لمَّا وَقَعَتْ بَنُوا إِسْرَائِيلَ في المَعَاصِي نَهَاهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ في مَجَالِسِهِمْ وَآكَلُوهُم وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ" قال: فجلس رسول الله  وكان متكئاً فقال: "لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ [عَلَى الحقِّ] أطْراً" قال أبو عبيد: يعني تعطفوهم عطفا، وقال غيره: حتى تكسروهم كسرا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ يعني: المنافقين، ﴿ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ يعني: اليهود يتولون الذين كفروا ويعاندون رسول الله وأصحابه.

وقيل: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ : يعني: من اليهود: ﴿ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ من مشركي العرب وغيرهم، كانوا يظاهرون على رسول الله  والمؤمنين، ويعاونون عليهم، وقد كان من الفريقين جميعاً ذلك.

ويحتمل وجهاً آخر: قوله: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ من هؤلاء الذين شهد لهم رسول الله  يتولون الذين كفروا، يعني: أسلافهم ورؤساءهم؛ كقوله: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً...

﴾ الآية [المائدة: 77]، تولى هؤلاء أولئك واتبعوا أهواءهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: ما قدمت أنفسهم سخط الله عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ ﴾ .

يعني: المنافقين، في أحد التأويلين.

وفي تأويل آخر: اليهود، أي: لو صدق هؤلاء رسول الله  وآمنوا به وصدقوا ما أنزل إليه من القرآن - ما اتخذوا أولئك أولياء.

ثم يحتمل قوله -  -: ﴿ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ في الدين أو في النصر والمعونة والنصرة، ﴿ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ تحتمل الآية وجوهاً: تحتمل: أن يكون ما ذكر من شدة عداوة اليهود للذين آمنوا قوماً مخصوصين منهم., وتحتمل: اليهود الذين كانوا بقرب رسول الله  وأصحابه هم أشد عداوة لهم.

وتحتمل: اليهود جملة، فهو - والله أعلم - على ما كان منهم من قتل الأنبياء وتكذيبهم إياهم، ونصب القتال والحرب مع رسول الله  والمؤمنين، وما كان منهم من قول الوخش في الله -  - ما لم يسبقهم أحد بمثل ذلك ما وصفوا الله - عز وجل - بالبخل والفقر، وهو قوله -  -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ  ﴾ وقالوا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ  ﴾ ، وغير ذلك من القول؛ وذلك لشدة بغضهم وعداوتهم وقساوة قلوبهم؛ فعلى ذلك كل من دعاهم إلى دين الله  ، فهم له أشد عداوة، وأقسى قلباً.

وأمَّا النصارى: فلم يكن منهم واحد مما كان من اليهود: من قتل الأنبياء، ونصب الحروب والقتال معهم، ولم يروا في مذهبهم القتال ولا الحرب، ولا كان منهم من القول الوخش ما كان من اليهود، بل كان فيهم اللين والرفق؛ حتى حملهم ذلك على القول في عيسى ما قالوا، وذلك منهم له تعظيم فوق القدر الذي جعل الله له، حتى رفعوه من قدر العبودية إلى قدر الربوبية؛ لذلك كفروا، وإلا كانوا يؤمنون بالكتب والأنبياء - عليهم السلام - من قبل؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً ﴾ أخبر - عز وجل - أن منهم قسيسين ورهباناً، والرهبان: هم العباد.

وقيل: القسيسون: [هم] الصديقون، ولم يكن من اليهود رهبان ولا قسيسين؛ لذلك كان النصارى أقرب مودة وألين قلباً من اليهود، والله أعلم.

فإن كان ذلك في قوم مخصوصين مشار إليهم، وهو ما ذكر في القصة أن بني قريظة وبني النضير كانوا يعاونون ويظاهرون مشركي العرب على قتال رسول الله  ويأمرونهم بذلك، ظاهروا وأعانوا لمن لم يؤمن بنبي ولا كتاب قط على من قد آمن بالأنبياء والكتب جميعاً؛ وذلك لسفههم وشدة تعنتهم؛ حتى قاتلهم رسول الله  وأجلاهم من بلادهم إلى أرض الشام.

وإن كان ذلك عن قوم بقرب رسول الله  والمؤمنين، وهو ما كان من يهود المدينة؛ حيث بايعوا أهل مكة على قتال رسول الله  وكانوا عيوناً لهم عليهم وطلائع، ولم يذكر في قصة من القصص أنه كان من النصارى شيء من ذلك، كان أقرب مودة للمؤمنين، والله أعلم.

وما قال بعضه أهل التأويل بأن من أسلم منهم كان أقرب مودة للمؤمنين من اليهود فحاصل هذا الكلام أن المؤمن أقرب مودة للمؤمنين من الكافر، وذلك كلام لا يفيد معنى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ ﴾ .

سرورا على أنفسهم مما ظفروا مما كانوا يسمعون من نعته  وصفته ويطمعون خروجه، وقد يعمل السرور هذا العمل إذا اشتد به وفرح القلب فاضت عيناه سروراً.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ ﴾ ؛ حزناً على قومهم؛ حيث لم يؤمنوا بعد أن بلغهم ما بلغ هؤلاء من أعلام النبوة وآثار الرسالة؛ إشفاقاً عليهم أن كيف لم يؤمنوا؛ كقوله -  -: ﴿ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ  ﴾ : قد فاضت أعينهم حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا ﴾ بما أنزلت واتبعنا الرسول ﴿ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ \[الآية\]: قيل: مع الأنبياء والرسل.

وقيل: مع أصحاب محمد  ، وهو واحد.

ثم ذكر في القصة: أنها نزلت في النجاشي وأصحابه.

وقيل: نزلت في أربعين رجلا من مسلمي أهل الإنجيل: بعضهم قدموا من أرض الحبشة، وبعضهم قدموا من أرض الشام، فسمعوا القرآن من النبي  فقالوا: ما أشبه هذا [بالذي] نُحَدَّثُ من حديث عيسى!!

فبكوا وصدقوا؛ فنزلت الآية فيهم، فلا ندري كيف كانت القصة؟

وفيمن نزلت؟

إذ ليس في الآية بيانه، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من شدة رغبتهم في القرآن، وسرورهم على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

[الحق] يحتمل: الرسول  ، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: كليهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

قال الحسن: قوله -  -: ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ : أي: نعلم أن يدخلنا ربنا الجنة إذا آمنا بالله وما جاءنا من الحق.

قيل: نطمع: هو الطمع والرجاء، أي: نطمع ونرجو أن يدخلنا ربنا في دين قوم صالحين.

و ﴿ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : يحتمل: ما ذكرنا من الأنبياء والرسل.

ويحتمل: أصحاب محمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ ﴾ : الثناء الحسن في الدنيا؛ حيث ذكرهم في القرآن؛ فيذكرون إلى يوم القيامة، ويثني عليهم، وفي الآخرة: الجنة ونعيمها.

﴿ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

المحسن: كأنه هو الذي يتقي المعاصي، ويأتي بالخيرات والحسنات جميعاً، يعمل عملين جميعاً.

والتقي: هو الذي يتقي المعاصي والمكاره خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ : قال بعضهم: "الجحيم": هو اسم معظم النار.

وقال غيرهم: هو اسم درك من دركات النار؛ وكذلك "السعير".

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لتجِدنَّ -أيها الرسول- أعظم الناس عداوة للمؤمنين بك، وبما جئت به اليهودَ؛ لِمَا هم عليه من الحقد والحسد والكبر، وعبدةَ الأصنام، وغيرهم من المشركين بالله، ولتجِدنَّ أقربهم محبة للمؤمنين بك، وبما جئت به الذين يقولون عن أنفسهم: إنهم نصارى، وقرب مودة هؤلاء للمؤمنين لأن منهم علماء وعنادًا، وأنهم متواضعون، غير متكبرين؛ لأن المتكبر لا يصل الخير إلى قلبه.

<div class="verse-tafsir" id="91.jwEjP"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل