تفسير الآية ٢ من سورة القمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٢ من سورة القمر

وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةًۭ يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌۭ مُّسْتَمِرٌّۭ ٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 20 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢ من سورة القمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة القمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإن يروا آية ) أي : دليلا وحجة وبرهانا ) يعرضوا ) أي : لا ينقادون له ، بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم ، ( ويقولوا سحر مستمر ) أي : ويقولون : هذا الذي شاهدناه من الحجج سحر سحرنا به .

ومعنى ) مستمر ) أي : ذاهب .

قاله مجاهد ، وقتادة ، وغيرهما ، أي : باطل مضمحل ، لا دوام له .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ) يقول تعالى ذكره.

وإن ير المشركون علامة تدلهم على حقيقة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم , ودلالة تدلهم على صدقة فيما جاءهم به عن ربهم, يعرضوا عنها, فيولوا مكذّبين بها مُنكرين أن يكون حقا يقينا, ويقولوا تكذيبا منهم بها, وإنكارا لها أن تكون حقا: هذا سحر سَحَرَنا به محمد حين خَيَّلَ إلينا أنا نرى القمر منفلقا باثنين بسحره, وهو سحر مستمرّ, يعني يقول: سحر مستمرّ ذاهب, من قولهم: قد مرّ هذا السحر إذا ذهب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) قال: ذاهب.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) قال: إذا رأى أهل الضلالة آية من آيات الله قالوا: إنما هذا عمل السحر, يوشك هذا أن يستمرّ ويذهب.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) يقول: ذاهب.

حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) كما يقول أهل الشرك إذا كُسف القمر يقولون: هذا عمل السحرة.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, قوله ( سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) قال: حين انشق القمر بفلقتين: فلقة من وراء الجبل, وذهبت فلقة أخرى, فقال المشركون حين رأوا ذلك: سحر مستمرّ.

وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يوجه قوله ( مُسْتَمِرٌّ ) إلى أنه مستفعل من الإمرار من قولهم: قد مرّ الجبل: إذا صلب وقوي واشتدّ وأمررته أنا: إذا فتلته فتلا شديدا, ويقول: معنى قوله ( وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) : سحر شديد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن يروا آية يعرضوا هذا يدل على أنهم رأوا انشقاق القمر .

قال ابن عباس : اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين ، نصف على أبي قبيس ونصف على قعيقعان ; فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فعلت تؤمنون قالوا : نعم ؟

وكانت ليلة بدر ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما قالوا ; فانشق القمر فرقتين ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي المشركين : يا فلان يا فلان اشهدوا .

وفي حديث ابن مسعود : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت قريش : هذا من سحر ابن أبي كبشة ; سحركم فاسألوا السفار ; فسألوهم فقالوا : قد رأينا القمر انشق فنزلت : اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا أي إن يروا آية تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعرضوا عن [ ص: 118 ] الإيمان ويقولوا سحر مستمر أي ذاهب ; من قولهم : مر الشيء واستمر إذا ذهب ; قاله أنس وقتادة ومجاهد والفراء والكسائي وأبو عبيدة ، واختاره النحاس .

وقال أبو العالية والضحاك : محكم قوي شديد ، وهو من المرة وهي القوة ; كما قال لقيط :حتى استمرت على شزر مريرته مر العزيمة لا قحما ولا ضرعاوقال الأخفش : هو مأخوذ من إمرار الحبل وهو شدة فتله .

وقيل : معناه مر من المرارة .

يقال : أمر الشيء صار مرا ، وكذلك مر الشيء يمر بالفتح مرارة فهو مر ، وأمره غيره ومره .

وقال الربيع : مستمر نافذ .

يمان : ماض .

أبو عبيدة : باطل .

وقيل : دائم .

قال امرؤ القيس :وليس على شيء قويم بمستمرأي بدائم .

وقيل : يشبه بعضه بعضا ; أي قد استمرت أفعال محمد على هذا الوجه فلا يأتي بشيء له حقيقة بل الجميع تخييلات .

وقيل : معناه قد مر من الأرض إلى السماء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فشاهدوا أمرا ما رأوا مثله، بل ولم يسمعوا أنه جرى لأحد من المرسلين قبله نظيره، فانبهروا لذلك، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولم يرد الله بهم خيرا، ففزعوا إلى بهتهم وطغيانهم، وقالوا: سحرنا محمد، ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من قدم إليكم من السفر، فإنه وإن قدر على سحركم، لا يقدر أن يسحر من ليس مشاهدا مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبرهم بوقوع ذلك، فقالوا: { سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } سحرنا محمد وسحر غيرنا، وهذا من البهت، الذي لا يروج إلا على أسفه الخلق وأضلهم عن الهدى والعقل، وهذا ليس إنكارا منهم لهذه الآية وحدها، بل كل آية تأتيهم، فإنهم مستعدون لمقابلتها بالباطل والرد لها، ولهذا قال: { وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا } ولم يعد الضمير على انشقاق القمر فلم يقل: وإن يروها بل قال: { وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا } وليس قصدهم اتباع الحق والهدى، وإنما قصدهم اتباع الهوى،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) أي : ذاهب وسوف يذهب ويبطل من قولهم : مر الشيء واستمر إذا ذهب ، مثل قولهم : قر واستقر ، قال هذا قول مجاهد وقتادة .

وقال أبو العالية [ والضحاك ] : " مستمر " أي : قوي شديد يعلو كل سحر ، من قولهم : مر الحبل إذا صلب واشتد وأمررته إذا أحكمت فتله واستمر الشيء إذا قوي واستحكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن يروْا» أي كفار قريش «آية» معجزة له صلى الله عليه وسلم «يعرضوا ويقولوا» هذا «سحر مستمر» قوي من المرة: القوة أو دائم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن ير المشركون دليلا وبرهانًا على صدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، يُعرضوا عن الإيمان به وتصديقه مكذبين منكرين، ويقولوا بعد ظهور الدليل: هذا سحر باطل ذاهب مضمحل لا دوام له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - موقف هؤلاء المشركين من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ) .أى : وإن يرى هؤلاء المشركون آية ومعجزة تدل على صدقك - أيها الرسول الكريم - يعرضوا عنها جحودا وعنادا .

ويقولوا - على سبيل التكذيب لك - ما هذا الذى أتيتنا به يا محمد إلا سحر مستمر ، أى : سحر دائم نعرفه عنك ، وليس جديدا علينا منك .قال صاحب الكشاف : ( مُّسْتَمِرٌّ ) أى دائم مطرد ، وكل شىء قد انقادت طريقته ، ودامت حاله ، قيل فيه قد استمر ، لأنهم لما رأوا تتابع المعجزات ، وترادف الآيات .

قالوا : " هذا سحر مستمر " .وقيل : مستمر ، أى : قوى محكم - من المرَّة بمعنى القوة - ، وقيلك هو من استمر الشىء إذا اشتدت مرارته ، أى : مستبشع عندنا مُرٌّ على لَهوَاتِنا ، لا نقدر أن نسيغه كما لا يساغ الشىء المر .

وقيل : مستمر ، أى : مار ذاهب زائل عما قريب - من قولهم : مَرَّ الشىء واستمر إذا ذهب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

تقديره: وبعد هذا إن يروا آية يقولوا سحر، فإنهم رأوا آيات أرضية، وآيات سماوية، ولم يؤمنوا، ولم يتركوا عنادهم، فإن يروا ما يرون بعد هذا لا يؤمنون، وفيه وجه آخر وهو أن يقال: المعنى أن عادتهم أنهم إن يروا آية يعرضوا، فلما رأوا انشقاق القمر أعرضوا لتلك العادة، وفيه مسائل: الأولى: قوله: ﴿ ءايَةً ﴾ ماذا؟

نقول آية اقتراب الساعة، فإن انشقاق القمر من آياته، وقد ردوا وكذبوا، فإن يروا غيرها أيضاً يعرضوا، أو آية الانشقاق فإنها معجزة، أما كونها معجزة ففي غاية الظهور، وأما كونها آية الساعة، فلأن منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء وانفطارها وكذلك قوله: في كل جسم سماوي من الكواكب، فإذا انشق بعضها ثبت خلاف ما يقول به، وبان جواز خراب العالم، وقال أكثر المفسرين: معناه أن من علامات قيام الساعة انشقاق القمر عن قريب، وهذا ضعيف حملهم على هذا القول ضيق المكان، وخفاء الأمر على الأذهان، وبيان ضعفه هو أن الله تعالى لو أخبر في كتابه أن القمر ينشق، وهو علامة قيام الساعة، لكان ذلك أمراً لابد من وقوعه مثل خروج دابة الأرض، وطلوع الشمس من المغرب، فلا يكون معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن هذه الأشياء عجائب، وليست بمعجزة للنبي، لا يقال: الإخبار عنها قبل وقوعها معجزة، لأنا نقول: فحينئذ يكون هذا من قبيل الإخبار عن الغيوب، فلا يكون هو معجزة برأسه وذلك فاسد، ولا يقال: بأن ذلك كان معجزة وعلامة، فأخبر الله في الصحف والكتب السالفة أن ذلك يكون معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وتكون الساعة قريبة حينئذ، وذلك لأن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم علامة كائنة حيث قال: بعثت أنا والساعة كهاتين ولهذا يحكى عن سطيح أنه لما أخبر بوجود النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أمور تكون، فكان وجوده دليل أمور، وأيضاً القمر لما انشق كان انشقاقه عند استدلال النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين، وهم كانوا غافلين عما في الكتب، وأما أصحاب الكتب فلم يفتقروا إلى بيان علامة الساعة، لأنهم كانوا يقولون بها وبقربها، فهي إذن آية دالة على جواز تخريب السموات وهو العمدة الكبرى، لأن السموات إذا طويت وجوز ذلك، فالأرض ومن عليها لا يستبعد فناؤهما، إذا ثبت هذا فنقول: معنى ﴿ اقتربت الساعة ﴾ يحتمل أن يكون في العقول والأذهان، يقول: من يسمع أمراً لا يقع هذا بعيد مستبعد، وهذا وجه حسن، وإن كان بعض ضعفاء الأذهان ينكره، وذلك لأن حمله على قرب الوقوع زماناً لا إمكاناً يمكن الكافر من مجادلة فاسدة، فيقول: قال الله تعالى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ اقتربت ﴾ ويقولون بأن من قبل أيضاً في الكتب (السابقة) كان يقول: (اقترب الوعد) ثم مضى مائة سنة ولم يقع، ولا يبعد أن يمضي ألف آخر ولا يقع، ولو صح إطلاق لفظ القرب زماناً على مثل هذا لا يبقى وثوق بالإخبارات، وأيضاً قوله: ﴿ اقتربت ﴾ لانتهاز الفرصة، والإيمان قبل أن لا يصح الإيمان، فللكافر أن يقول، إذا كان القرب بهذا المعنى فلا خوف منها، لأنها لا تدركني، ولا تدرك أولادي، ولا أولاد أولادي، وإذا كان إمكانها قريباً في العقول يكون ذلك رداً بالغاً على المشركين والفلاسفة، والله سبحانه وتعالى أول ما كلف الاعتراف بالوحدانية واليوم الآخر، وقال: اعلموا أن الحشر كائن فخالف المشرك والفلسفي، ولم يقنع بمجرد إنكار ما ورد الشرع ببيانه، ولم يقل لا يقع أو ليس بكائن، بل قال ذلك بعيد، ولم يقنع بهذا أيضاً، بل قال ذلك غير ممكن، ولم يقنع به أيضاً، بل قال فإن امتناعه ضروري، فإن مذهبهم أن إعادة المعدوم وإحياء الموتى محال بالضرورة، ولهذا قالوا: ﴿ أَءذَا مِتْنَا  ﴾ ﴿ أَءذَا كُنَّا عظاما  ﴾ ﴿ أَءذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض  ﴾ بلفظ الاستفهام بمعنى الإنكار مع ظهور الأمر، فلما استبعدوا لم يكتف الله ورسوله ببيان وقوعه، بل قال: ﴿ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا  ﴾ ولم يقتصر عليه بل قال: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً  ﴾ ولم يتركها حتى قال (اقتربت الساعة واقترب الوعد الحق اقترب للناس حسابهم) اقتراباً عقلياً لا يجوز أن ينكر ما يقع في زمان طرفة عين، لأنه على الله يسير، كما أن تقليب الحدقة علينا يسير، بل هو أقرب منه بكثير، والذي يقويه قول العامة: إن زمان وجود العالم زمان مديد، والباقي بالنسبة إلى الماضي شيء يسير، فلهذا قال: ﴿ اقتربت الساعة ﴾ .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين» فمعناه لا نبي بعدي فإن زماني يمتد إلى قيام الساعة، فزماني والساعة متلاصقان كهاتين، ولا شك أن الزمان زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وما دامت أوامره نافذة فالزمان زمانه وإن كان ليس هو فيه، كما أن المكان الذي تنفذ فيه أوامر الملك مكان الملك يقال له بلاد فلان، فإن قيل: كيف يصح حمله على القرب بالمعقول مع أنه مقطوع به؟

قلت: كما صح قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً  ﴾ فإن لعل للترجي والأمر عند الله معلوم، وفائدته أن قيام الساعة ممكن لا إمكاناً بعيداً عن العادات كحمل الآدمي في زماننا حملاً في غاية الثقل أو قطعة مسافة بعيدة في زمان يسير، فإن ذلك ممكن إمكاناً بعيداً، وأما تقليب الحدقة فممكن إمكاناً في غاية القرب.

المسألة الثانية: الجمع الذين تكون الواو ضميرهم في قوله: ﴿ يَرَوْاْ ﴾ و ﴿ يُعْرِضُواْ ﴾ غير مذكور فمن هم؟

نقول: هم معلومون وهم الكفار تقديره: وهؤلاء الكفار إن يروا آية يعرضوا.

المسألة الثالثة: التنكير في الآية للتعظيم أي إن يروا آية قوية أو عظيمة يعرضوا.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ ما الفائدة فيه؟

نقول: فائدته بيان كون الآية خالية عن شوائب الشبه، وأن الاعتراف لزمهم لأنهم لم يقدروا أن يقولوا: نحن نأتي بمثلها وبيان كونهم معرضين لا إعراض معذور، فإن من يعرض إعراض مشغول بأمر مهم فلم ينظر في الآية لا يستقبح منه الإعراض مثل ما يستقبح لمن ينظر فيها إلى آخرها ويعجز عن نسبتها إلى أحد ودعوى الإتيان بمثلها، ثم يقول: هذا ليس بشيء هذا سحر لأن ما من آية إلا ويمكن المعاند أن يقول فيها هذا القول.

المسألة الخامسة: ما المستمر؟

نقول: فيه وجوه: أحدها: دائم فإن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يأتي كل زمان بمعجزة قولية أو فعلية أرضية أو سماوية، فقالوا: هذا سحر مستمر دائم لا يختلف بالنسبة إلى النبي عليه السلام بخلاف سحر السحرة، فإن بعضهم يقدر على أمر وأمرين وثلاثة ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكل.

وثانيها: مستمر أي قوى من حبل مرير الفتل من المرة وهي الشدة.

وثالثها: من المرارة أي سحر مر مستبشع.

ورابعها: مستمر أي مار ذاهب، فإن السحر لا بقاء له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإن يروا} يعنى اهل مكة {آية} تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم {يُعْرِضُواْ} عن الإيمان به {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} محكم قوي من المرة القوة أو دائم مطرد أو مار ذاهب يزول ولا يبقى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الِانْشِقاقَ آيَةٌ رَأوْها وأعْرَضُوا عَنْها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ عِبارَةٌ عَنِ انْشِقاقِ الظُّلْمَةِ عِنْدَ طُلُوعِهِ وهَذا كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا عِنْدَ انْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الِانْفِلاقِ بِالِانْشِقاقِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: فَلَمّا أدْبَرُوا ولَهم دَوِيٌّ دَعانا عِنْدَ شَقِّ الصُّبْحِ داعِي وزَعَمَ آخَرُ أنَّ مَعْنى انْشَقَّ القَمَرُ وضُحَ الأمْرُ وظَهَرَ وكِلا الزَّعْمَيْنِ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لا أظُنُّ الدّاعِيَ إلَيْهِما عِنْدَ مَن يُقِرُّ بِالسّاعَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ مِنَ الِانْشِقاقِ ويَعْتَرِفُ بِالعَقائِدِ الإسْلامِيَّةِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها الِاتِّفاقُ سِوى عَدَمِ ثُبُوتِ الأخْبارِ في وُقُوعِ ذَلِكَ عَلى عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَهُ، ومَنشَأُ ذَلِكَ القُصُورِ التّامِّ والتَمَسُّكِ بِشُبَهٍ هي عَلى طَرَفٍ الثُّمامِ، ومَعَ هَذا لا يُكَفَّرُ المُنْكِرُ بِناءً عَلى عَدَمِ الِاتِّفاقِ عَلى تَواتُرِ ذَلِكَ وعَدَمِ كَوْنِ الآيَةِ نَصًّا فِيهِ، والإخْراجُ مِنَ الدِّينِ أمْرٌ عَظِيمٌ فَيُحْتاطُ فِيهِ ما لا يُحْتاطُ في غَيْرِهِ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِاقْتِرابِ السّاعَةِ القُرْبُ الشَّدِيدُ الزَّمانِيُّ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، وزَمانُ العالَمِ مَدِيدٌ، والباقِي بِالنِّسْبَةِ إلى الماضِي شَيْءٌ يَسِيرٌ، ومالَ الإمامُ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ قُرْبُها في العُقُولِ والأذْهانِ، وحاصِلُهُ أنَّها مُمْكِنَةٌ إمْكانًا قَرِيبًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ إنْكارُها، واسْتِعْمالُ الِاقْتِرابِ مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ كاسْتِعْمالِ لَعَلَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا  ﴾ مَعَ أنَّ الأمْرَ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وانْشِقاقُ القَمَرِ آيَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا القُرْبِ، وعَلى الأوَّلِ قِيلَ: هو آيَةٌ لِأصِلِ الإمْكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قُرْبُ الوُقُوعِ، وقِيلَ: هو آيَةٌ لِقُرْبِ الوُقُوعِ ومُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيِّ  بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُخْبِرٌ في كُتُبِهِ السّالِفَةِ بِأنَّهُ إذا قَرُبَتِ السّاعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ مُعْجِزَةً وكِلاهُما كَما تَرى، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ آيَةٌ لِصِدْقِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمِيعِ ما يَقُولُ ويُبَلِّغُ عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ لَهُ  ومِنهُ دَعْوى الرِّسالَةِ والإخْبارُ بِاقْتِرابِ السّاعَةِ وغَيْرُ ذَلِكَ، و ﴿ آيَةً ﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ، فالمَعْنى «وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ يُعْرِضُوا» عَنِ التَّأمُّلِ فِيها لِيَقِفُوا عَلى وجْهِ دَلالَتِها وعُلُوِّ طَبَقَتِها ﴿ ويَقُولُوا سِحْرٌ ﴾ أيْ هَذا أوْ هو أيْ ما نَراهُ سِحْرٌ ﴿ مُسْتَمِرٌّ ﴾ أيْ مُطَّرِدٌ دائِمٌ يَأْتِي بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَرِّ الزَّمانِ وهو ظاهِرٌ في تَرادُفِ الآياتِ وتَتابُعِ المُعْجِزاتِ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ: ( مُسْتَمِرٌّ ) مُحْكَمٌ مُوَثَّقٌ مِنَ المَرَّةِ بِالفَتْحِ أوِ الكَسْرِ بِمَعْنى القُوَّةِ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ مَرَرْتُ الحَبْلَ مَرَّةً إذا فَتَلْتَهُ فَتْلًا مُحْكَمًا فَأُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ المُحْكَمِ مَجازًا مُرْسَلًا، وقالَ أنَسٌ ويَمانٌ ومُجاهِدٌ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ - واخْتارَهُ النَّحّاسُ - مُسْتَمِرٌّ أيْ مارٌّ ذاهِبٌ زائِلٌ عَنْ قَرِيبٍ عَلَّلُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم ومَنَّوْها بِالأمانِي الفارِغَةِ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ حالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما ظَهَرَ مِن مُعْجِزاتِهِ سُبْحانَهُ سَحابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَرِيبٍ تَقْشَعُ ( ﴿ ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ ) [التَّوْبَةَ: 32] وقِيلَ: ( مُسْتَمِرٌّ ) مُشْتَدُّ المَرارَةِ أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَنا مَنفُورٌ عَنْهُ لِشِدَّةِ مَرارَتِهِ يُقالُ: مَرَّ الشَّيْءُ وأمَرَّ إذا صارَ مُرًّا وأمَرَّ غَيْرَهُ ومَرَّهُ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وقِيلَ: ( مُسْتَمِرٌّ ) يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا أيِ اسْتَمَرَّتْ أفْعالُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّخْيِيلاتِ، وقِيلَ: ( مُسْتَمِرٌّ ) مارٌّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ أيْ بَلَغَ مِن سِحْرِهِ أنَّهُ سَحَرَ القَمَرَ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَعَلَّ الأنْسَبَ بِغُلُوِّهِمْ في العِنادِ والمُكابَرَةِ ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ ومَن مَعَهُ، وقُرِئَ - وإنْ يُرَوْا - بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإراءَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون تذييلاً للإِخبار بانشقاق القمر فيكون المراد ب ﴿ آية ﴾ في قوله: ﴿ وإن يروا آية ﴾ القمرَ.

فقد جاء في بعض الآثار: أن المشركين لما رأوا انشقاق القمر قالوا: «هذا سحر محمد بن أبي كبشة» وفي رواية قالوا: «قد سَحَر محمد القمر»، ويجوز أن يكون كلاماً مستأنفاً من ذكر أحوال تكذيبهم ومكابرتهم وعلى كلا الوجهين فإن وقوع ﴿ آية ﴾ ، وهو نكرة في سياق الشرط يفيد العموم.

وجيء بهذا الخبر في صورة الشرط للدلالة على أن هذا ديدنهم ودأبهم.

وضمير ﴿ يروا ﴾ عائد إلى غير مذكور في الكلام دال عليه المقام وهم المشركون، كما جاء في مواضع كثيرة من القرآن، مع أن قصة انشقاق القمر وطعنهم فيها مشهور يومئذٍ معروفة أصحابه، فهم مستمرون عليه كلما رأوا آية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ووصف ﴿ مستمر ﴾ يجوز أن يكون مشتقاً من فعل مَرّ الذي هو مجاز في الزوال والسين والتاء للتقوية في الفعل، أي لا يبقى القمر منشقاً.

ويجوز أن يكون مشتقاً من المِرة بكسر الميم، أي القوة، والسين والتاء للطلب، أي طلب لفعله مِرّة، أي قوة، أي تمكناً.

والمعنى: هذا سحر معروف متكرر، أي معهود منه مثله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ فكيف يكون هذا في القيامة (١) ﴿ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً ﴾ (٢) ﴿ يُعْرِضُواْ ﴾ ، أي: عن التصديق والإيمان بها.

﴿ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ فيه قولان: أحدهما: ذاهب، وهو قول أنس، ومجاهد، ومقاتل، والكلبي، وقتادة، واختيار الفراء والزجاج (٣) القول الثاني: أن معنى المستمر: القوي الشديد، وهو معنى قول ابن عباس: يريد يعلو كل سحر، وهو قول أبي العالية، والضحاك، ورواية شيبان، عن قتادة، قالوا: محكم شديد غالمب قوي (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 81 (٢) انظر: "الوسيط" 4/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 258، و"فتح القدير" 5/ 12.

(٣) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 635، و"تفسير مقاتل" 132 ب، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 257، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 14، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 82.

(٤) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 22 ب، 23 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 258، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 127.

(٥) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 24.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 195، و"اللسان" 3/ 466 (مرر) ولم أجده منسوبًا للمبرد.

(٧) انظر: "تفسير غريب القرآن" 431.

(٨) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 196، ولم ينسبه لقائل، و"الجامع لآحكام القرآن" 17/ 127.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن يَرَ المشركون دليلًا وبرهانًا على صدقه  يُعرضوا عن قَبوله، ويقولوا: ما شاهدناه من الحجج والبراهين سحر باطل.

<div class="verse-tafsir" id="91.QgRaN"

مزيد من التفاسير لسورة القمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله