الآية ٣ من سورة القمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٣ من سورة القمر

وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍۢ مُّسْتَقِرٌّۭ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة القمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة القمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) أي : كذبوا بالحق إذ جاءهم ، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم .

وقوله : ( وكل أمر مستقر ) قال قتادة : معناه : أن الخير واقع بأهل الخير ، والشر واقع بأهل الشر .

وقال ابن جريج : مستقر بأهله .

وقال مجاهد : ( وكل أمر مستقر ) أي : يوم القيامة .

وقال السدي : ( مستقر ) أي : واقع .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) يقول تعالى ذكره: وكذّب هؤلاء المشركون من قريش بآيات الله بعد ما أتتهم حقيقتها, وعاينوا الدلالة على صحتها برؤيتهم القمر منفلقا فلقتين ( وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) يقول: وآثروا اتباع ما دعتهم إليه أهواء أنفسهم من تكذيب ذلك على التصديق بما قد أيقنوا صحته من نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم , وحقيقة ما جاءهم به من ربهم.

وقوله ( وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ) يقول تعالى ذكره: وكلّ أمر من خير أو شرّ مستقر قراره, ومتناه نهايته, فالخير مستقرّ بأهله في الجنة, والشرّ مستقرّ بأهله في النار.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ) : أي بأهل الخير الخير, وبأهل الشرّ الشرّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وكذبوا نبينا واتبعوا أهواءهم أي ضلالاتهم واختياراتهم .وكل أمر مستقر أي يستقر بكل عامل عمله ، فالخير مستقر بأهله في الجنة ، والشر مستقر بأهله في النار .

وقرأ شيبة " مستقر " بفتح القاف ; أي لكل شيء وقت يقع فيه من غير تقدم وتأخر .

وقد روي عن أبي جعفر بن القعقاع " وكل أمر مستقر " بكسر القاف والراء جعله نعتا لأمر و " كل " على هذا يجوز أن يرتفع بالابتداء والخبر محذوف ، كأنه قال : وكل أمر مستقر في أم الكتاب كائن .

ويجوز أن يرتفع بالعطف على الساعة ; المعنى : اقتربت الساعة وكل أمر مستقر ; أي : اقترب استقرار الأمور يوم القيامة .

ومن رفعه جعله خبرا عن ( كل ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } كقوله تعالى: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } فإنه لو كان قصدهم اتباع الهدى، لآمنوا قطعا، واتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه أراهم الله على يديه من البينات والبراهين والحجج القواطع، ما دل على جميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، { وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ } أي: إلى الآن، لم يبلغ الأمر غايته ومنتهاه، وسيصير الأمر إلى آخره، فالمصدق يتقلب في جنات النعيم، ومغفرة الله ورضوانه، والمكذب يتقلب في سخط الله وعذابه، خالدا مخلدا أبدا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) أي : كذبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وما عاينوا من قدرة الله - عز وجل - واتبعوا ما زين لهم الشيطان من الباطل .

( وكل أمر مستقر ) قال الكلبي : لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر ، وما كان منه في الآخرة فسيعرف .

وقال قتادة : كل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير ، [ والشر مستقر بأهل الشر ] .

وقيل : كل أمر من خير أو شر مستقر قراره ، فالخير مستقر بأهله في الجنة ، والشر مستقر بأهله في النار .

وقيل : يستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب .

وقال مقاتل : لكل حديث منتهى .

وقيل : كل ما قدر كائن واقع لا محالة .

وقرأ أبو جعفر " مستقر " بكسر الراء ، ولا وجه له .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكذبوا» النبي صلى الله عليه وسلم «واتبعوا أهواءهم» في الباطل «وكل أمر» من الخير والشر «مستقر» بأهله في الجنة أو النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكذَّبوا النبي صلى الله عليه وسلم، واتبعوا ضلالتهم وما دعتهم إليه أهواؤهم من التكذيب، وكلُّ أمر من خير أو شر واقع بأهله يوم القيامة عند ظهور الثواب والعقاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أخبر - سبحانه - عن حالهم فى الماضى ، بعد بيان حالهم فى المستقبل ، فقال - تعالى - : ( وَكَذَّبُواْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ) .أى : أن هؤلاء الجاحدين جمعوا كل الرذائل ، فهم إن يروا معجزة تشهد لك بالصدق - أيها الرسول الكريم - يعرضوا عنها ، ويصفوها بأنها سحر ، وهم فى ماضيهم كذبوا دعوتك ، واتبعوا أهواءهم الفاسدة ، ونفوسهم الأمارة بالسوء .وجملة : ( وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ) معترضة ، وهى جارية مجرى المثل ، أى : وكل أمر لا بد وأن يستقر إلى غاية ، وينتهى إلى نهاية ، وكذلك أمر هؤلاء الظالمين ، سينتهى إلى الخسران ، وأمر المؤمنين سينتهى إلى الفلاح .وفى هذا الاعتراض تسلية وتبشير للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه بحسن العاقبة ، وتيئيس وإقناط لأولئك المشركين من زوال أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - كما كانوا يتمنون ويتوهمون .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَذَّبُواْ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ وهو يحتمل أمرين أحدهما: وكذبوا محمداً المخبر عن اقتراب الساعة وثانيهما: كذبوا بالآية وهي انشقاق القمر، فإن قلنا: كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقوله: ﴿ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ أي تركوا الحجة وأولوا الآيات وقالوا: هو مجنون تعينه الجن وكاهن يقول: عن النجوم ويختار الأوقات للأفعال وساحر، فهذه أهواءهم، وإن قلنا: كذبوا بانشقاق القمر، فقوله: ﴿ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ في أنه سحر القمر، وأنه خسوف والقمر لم يصبه شيء فهذه أهواءهم، وكذلك قولهم في كل آية.

وقوله تعالى: ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ فيه وجوه: أحدها: كل أمر مستقر على سنن الحق يثبت والباطل يزهق، وحينئذ يكون تهديداً لهم، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُم  ﴾ أي بأنها حق ثانيها: وكل أمر مستقر في علم الله تعالى: لا يخفى عليه شيء فهم كذبوا واتبعوا أهواءهم، والأنبياء صدقوا وبلغوا ما جاءهم، كقوله تعالى: ﴿ لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيء  ﴾ ، وكما قال تعالى في هذه السورة: ﴿ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ  وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ  ﴾ ، ثالثها: هو جواب قولهم: ﴿ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ أي ليس أمره بذاهب بل كل أمر من أموره مستقر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

انشقاق القمر من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته النيرة.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر مرتين.

وكذا عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، قال ابن عباس: انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.

وعن بعض الناس: أن معناه ينشق يوم القيامة.

وقوله: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ يردّه، وكفى به رادّاً، وفي قراءة حذيفة ﴿ وقد انشق القمر ﴾ أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه.

وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم.

مستمر: دائم مطرد، وكل شيء قد انقادت طريقته ودامت حاله، قيل فيه: قد استمرّ.

لما رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات: قالوا: هذا سحر مستمرّ.

وقيل: مستمرّ قوي محكم، من قولهم: استمر مريره.

وقيل: هو من استمر الشيء إذا اشتدت مرارته، أي: مستبشع عندنا، مرّ على لهواتنا، لا نقدر أن نسيغه كما لا يساغ المر الممقر.

وقيل: مستمر مارّ، ذاهب يزول ولا يبقى، تمنية لأنفسهم وتعليلاً.

وقرئ: ﴿ وإن يروا ﴾ ﴿ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ أي كل أمر لابد أن يصير إلى غاية يستقرّ عليها، وإن أمر محمد سيصير إلى غاية يتبين عندها أنه حق، أو باطل وسيظهر لهم عاقبته.

أو وكل أمر من أمرهم وأمره مستقر، أي: سيثبت ويستقر على حالة خذلان أو نصرة في الدنيا، وشقاوة أو سعادة في الآخرة.

وقرئ: بفتح القاف، يعني ﴿ كل أمر ذو مستقرّ ﴾ أي: ذو استقرار.

أو ذو موضع استقرار أو زمان استقرار.

وعن أبي جعفر؛ ﴿ مستقر ﴾ ، بكسر القاف والجرّ عطفاً على الساعة، أي: اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر يستقر ويتبين حاله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ القَمَرِ مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ رُوِيَ أنَّ الكُفّارَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  آيَةً فانْشَقَّ القَمَرُ.

وَقِيلَ: مَعْناهُ سَيَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّهُ قُرِئَ «وَقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ» أيِ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وقَدْ حَصَلَ مِن آياتِ اقْتِرابِها انْشِقاقُ القَمَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ عَنْ تَأمُّلِها والإيمانِ بِها.

﴿ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ مُطَّرِدٌ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهم رَأوْا قَبْلَهُ آياتٍ أُخَرَ مُتَرادِفَةً ومُعْجِزاتٍ مُتَتابِعَةً حَتّى قالُوا ذَلِكَ، أوْ مُحْكَمٌ مِنَ المَرَّةِ يُقالُ: أمْرَرْتُهُ فاسْتَمَرَّ إذا أحْكَمْتَهُ فاسْتَحْكَمَ، أوْ مُسْتَبْشَعٌ مِنِ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا اشْتَدَّتْ مَرارَتُهُ أوْ مارٌّ ذاهِبٌ لا يَبْقى.

﴿ وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِن رَدِّ الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وذِكْرُهُما بِلَفْظِ الماضِي لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما مَن عادَتِهِمُ القَدِيمَةِ.

وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ مِن خِذْلانٍ أوْ نَصْرٍ في الدُّنْيا وشَقاوَةٍ، أوْ سَعادَةٍ في الآخِرَةِ فَإنَّ الشَّيْءَ إذا انْتَهى إلى غايَتِهِ ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيْ ذُو مُسْتَقَرٍّ بِمَعْنى اسْتِقْرارٍ وبِالكَسْرِ والجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ أمْرٍ، وكُلُّ مَعْطُوفٌ عَلى السّاعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكذبوا} النبى صلى الله عليه وسلم {واتبعوا أهواءهم} ومازين لهم لاشيطان من دفع الحق بعد ظهوره {وَكُلُّ أَمْرٍ} وعدهم الله {مُّسْتَقِرٌّ} كائن في وقته وقيل كل ما قدر واقع وقيل كل أمر من أمرهم واقع مستقر

أي سيثبت ويستقر عند هرو العقاب والثواب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَذَّبُوا ﴾ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ مِنَ الآياتِ ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم، وقِيلَ: ( كَذَّبُوا ) الآيَةَ الَّتِي هي انْشِقاقُ القَمَرِ ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ وقالُوا سَحَرَ القَمَرَ أوْ سُحِرَتْ أعْيُنُنا والقَمَرُ بِحالِهِ، والعَطْفُ عَلى الجَزاءِ السّابِقِ وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى ﴿ اقْتَرَبَتِ ﴾ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ اعْتِراضٌ لِبَيانِ عادَتِهِمْ إذا شاهَدُوا الآياتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلرَّدِّ عَلى الكُفّارِ في تَكْذِيبِهِمْ بِبَيانِ أنَّهُ لا فائِدَةَ لَهم فِيهِ ولا يَمْنَعُ عُلُوُّ شَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِإقْناطِهِمْ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أمانِيَهُمُ الفارِغَةَ مِن عَدَمِ اسْتِقْرارِ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَسْبَما قالُوا: ﴿ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ بِبَيانِ ثُبُوتِهِ ورُسُوخِهِ أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها لا مَحالَةَ ومِن جُمْلَتِها أمْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَيَصِيرُ إلى غايَةٍ يَتَبَيَّنُ عِنْدَها حَقِّيَّتُهُ وعُلُوُّ شَأْنِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى ظُهُورِ هَذِهِ الغايَةِ لِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالمُسْتَقَرِّ عَلَيْهِ، وفي الكَشّافِ أيْ كُلُّ أمْرٍ لا بُدَّ أنْ يَصِيرَ إلى غايَةٍ يُسْتَقَرُّ عَلَيْها وأنَّ أمْرَهُ  سَيَصِيرُ إلى غايَةٍ يَتَبَيَّنُ عِنْدَها أنَّهُ حَقٌّ أوْ باطِلٌ وسَيَظْهَرُ لَهُ عاقِبَتُهم أوْ وكُلُّ أمْرٍ مِن أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمْرِهِمْ مُسْتَقِرٌّ أيْ سَيَثْبُتُ ويَسْتَقِرُّ عَلى حالَةِ نُصْرَةٍ أوْ خِذْلانٍ في الدُّنْيا أوْ سَعادَةٍ وشَقاوَةٍ في الآخِرَةِ، قالَ في الكَشْفِ: والكَلامُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ وعَلى الثّانِي تَذْيِيلٌ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ، وقَرَأ شَيْبَةُ «مُسْتَقَرٌّ» بِفَتْحِ القافِ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ أنَّها لا وجْهَ لَها وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ مُسْتَقِرًّا مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْتِقْرارٍ، وحَمْلُهُ عَلى كُلِّ أمْرٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذُو مُسْتَقَرٍّ ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ وقُصِدَ المُبالَغَةُ صَحَّ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْمَ زَمانٍ أوْ مَكانٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا أيْ ذُو زَمانِ اسْتِقْرارٍ، أوْ ذُو مَوْضِعِ اسْتِقْرارٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ كُلِّ أمْرٍ لا بُدَّ لَهُ مِن زَمانٍ أوْ مَكانٍ أمْرٌ مَعْلُومٌ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ فِيهِ إثْباتَ الِاسْتِقْرارِ لَهُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وهي أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «مُسْتَقِرٍّ» بِكَسْرِ القافِ والجَرِّ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ أمْرٍ وأنَّ كُلَّ مَعْطُوفٍ عَلى السّاعَةِ أيِ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ واقْتَرَبَ كُلُّ أمْرٍ يَسْتَقِرُّ ويَتَبَيَّنُ حالُهُ أيْ بِقُرْبِها، قالَ في الكَشْفِ: وفِيهِ شَمَّةٌ مِنَ التَّجْرِيدِ وتَهْوِيلٌ عَظِيمٌ حَيْثُ جَعَلَ في اقْتِرابِها اقْتِرابَ كُلِّ أمْرٍ يَكُونُ لَهُ قَرارٌ وتَبَيُّنُ حالٍ مِمّا لَهُ وقْعٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ عَلى هَذا إمّا عَلى تَقْدِيرِ قَدْ ويَنْصُرُهُ القِراءَةُ بِها، وإمّا مُنَزَّلٌ مُنْزِلَةَ الإعْراضِ لِكَوْنِهِ مُؤَكِّدًا لِقُرْبِ السّاعَةِ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ يَرَوْا آيَةً ﴾ إلَخْ مُسْتَطْرَدٌ عِنْدَ ذِكْرِ انْشِقاقِ القَمَرِ.

واعْتَرَضَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَعْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ نَظِيرُ - أكَلْتُ خُبْزًا، وضَرَبْتُ خالِدًا، وإنْ يَجِئْ زَيْدٌ أُكْرِمْهُ، ورَحَلَ إلى بَنِي فُلانٍ، ولَحْمًا بِعَطْفِ - لَحْمًا عَلى خُبْزًا - ثُمَّ قالَ بَلْ لا يُوجَدُ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ إذا دَلَّ عَلى العَطْفِ الدَّلِيلُ لا يُعَدُّ ذَلِكَ مانِعًا مِنهُ عَلى أنَّ بَيْنَ الآيَةِ والمِثالِ فَرْقًا لا يَخْفى، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ إنَّ ( مُسْتَقِرٌّ ) خَبَرُ كَلٍّ، والجَرُّ لِلْجِوارِ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ أيْضًا بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ الجَرَّ عَلى الجِوارِ في غايَةِ الشُّذُوذِ في مِثْلِهِ إذْ لَمْ يُعْهَدْ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وإنَّما عُهِدَ في الصِّفَةِ عَلى اخْتِلافِ النُّحاةِ في وُجُودِهِ، واسْتَظْهَرَ كَوْنُ كُلٍّ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مُقَدَّرٌ كَآتٍ، أوْ مَعْمُولٌ بِهِ ونَحْوَهُ مِمّا يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ أوْ مَذْكُورٌ بَعْدُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ﴾ وقَدِ اعْتُرِضَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي خمسون وخمس آيات مكية قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ يعني: دنا قيام الساعة، لأن خروج النبيّ  كان من علامات الساعة وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله  علامة لنبوته، فانشق القمر نصفين.

وروي عن عبد الله بن مسعود-  - أنه قال: كنا مع رسول الله  : فانشق القمر نصفين، فرأيت حراء بين فلقتي القمر، أي: شقتي القمر.

وعن جبير بن مطعم قال: انشق القمر ونحن مع رسول الله  بمكة.

وروى قتادة، عن أنس قال: سأل أهل مكة رسول الله  آية فانشق القمر بمكة.

وقال بعضهم: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ يعني: تقوم الساعة، وينشق القمر يوم القيامة.

وأكثر المفسرين قالوا: إن هذا قد مضى.

وقال عبد الله بن مسعود: ما وعد الله ورسوله من أشراط الساعة كلها قد مضى، إلا أربعة طلوع الشمس من مغربها، ودابة الأرض، وخروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج.

ثم قال: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا يعني: إذا رأوا آية من آيات الله مثل انشقاق القمر، يعرضوا عنها، ولا يتفكروا فيها.

وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يعني: مصنوعاً.

سيذهب.

ويقال: معناه ذاهباً يذهب، ثم التئام القمر.

ويقال القتبي: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يعني: شديد القوى، وهو من المرة، وهو القتل.

وقال الزجاج: في مستمر قولان: قول ذاهب، وقول دائم.

وقال الضحاك: لما رأى أهل مكة انشقاق القمر.

وقال أبو جهل: هذا سحر مستمر فابعثوا إلى أهل الآفاق، حتى ينظروا إذا رأوا القمر منشقاً أم لا.

فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقاً، قالوا: هذا سحر مستمر يعني: استمر سحره في الآفاق.

قوله عز وجل: وَكَذَّبُوا يعني: كذبوا بالآية، وبقيام الساعة.

وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ في عبادة الأصنام وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ يعني: كل قول من الله له حقيقة منه في الدنيا سيظهر، وما كان منه في الآخرة سيعرف.

يعني: ما وعد لهم من العقوبة.

ويقال: معناه مستقر لأهل النار عملهم، ولأهل الجنة عملهم.

يعني: يعطي لكل فريق جزاء أعمالهم.

ثم قال: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ يعني: جَاء لأهل مكة من الأخبار عن الأمم الخالية مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ يعني: ما فيه موعظة لهم، وزجر عن الشرك، والمعاصي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «القمر»

وهي مكّيّة بإجماع إلّا آية واحدة، قوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ...

الآية.

ففيها خلاف، والجمهور أنّها أيضا مكية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله سبحانه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ معناه: قربت الساعة، وهي القيامة، وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يُرْوَى في عمر الدنيا من التحديد فضعيف.

وقوله: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إخبار عمَّا وقع وذلك أَنَّ قريشاً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم/ آيةً فَأَرَاهُمُ اللَّهُ انشقاق الْقَمَرِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالكُفَّارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: اشهدوا «١» .

وقوله: وَإِنْ يَرَوْا: جاء اللفظ مستقبلاً، لينتظمَ ما مضى وما يأتي، فهو إخبار بأنَّ حالهم هكذا.

وقوله: مُسْتَمِرٌّ: قال الزَّجَّاجُ: قيل معناه: دائم متمادٍ، وقال قتادة وغيره «١» :

معناه: مارٌّ ذاهب عن قريب يزول، ثم قال سبحانه على جهة جزم الخبر: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ كأَنَّه يقول: وكل شيء إِلى غاية عنده سبحانه، ومُزْدَجَرٌ معناه: موضع زجر.

وقوله: فَما تُغْنِ النُّذُرُ: يحتمل أنْ تكون «ما» نافية، ويحتمل أنْ تكون استفهاميَّة.

ثم سَلَّى سبحانه نِبِيَّه ع بقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: لا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ، وتَمَّ القولُ في قوله: عَنْهُمْ ثم ابتدأ وعيدَهم بقوله: يَوْمَ والعامل في [يَوْمَ] قوله يَخْرُجُونَ وقال الرُّمَّانِيُّ: المعنى: فتولّ عنهم، واذكر يوم «٢» ، وقال الحسن: المعنى: فتَولَّ عنهم إلى يوم «٣» .

وقرأ الجمهور «٤» : «نُكُرِ» - بضم الكاف- قال الخليل: النُكُر: نعت للأمر الشديد والرجل الداهية، وخَصَّ الأبصارَ بالخشوع، لأَنَّهُ فيها أظهرُ منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء أَو صلف أو خوف ونحوه إنّما يظهر في الأبصار، والْأَجْداثِ: جمع جَدَثٍ وهو القبر، وشَبَّهَهُمْ سبحانه بالجراد المنتشر، وقد شبههم سبحانه في آية أخرى بالفراش المبثوث، وفيهم من كل هذا شَبَهٌ، وذهب بعض المفسرين إلى أَنَّهم أَوَّلاً كالفراش حين يَمُوجُ بعضُهم في بعض ثم في رتبة أُخرى كالجراد إذا توجَّهُوا نحو المَحْشَرِ والداعي، والمُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مشيه نحو الشيء مع هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نحو المَقْصِدِ، إِمَّا لخوف، / أو طمع ونحوه قال أبو حيان «٥» : مُهْطِعِينَ أي:

مسرعين، وقيل: فاتحين آذانهم للصوت، انتهى.

ويَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ لما يرون من مخايل هوله وعلامات مشقته.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ القَمَرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَةٍ ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ  ﴾ ، وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ، أوَّلُها: ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأمَرُّ 艹 ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ  : "إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ؟" قالُوا: نَعَمْ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ  رَبَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ ما قالُوا، فانْشَقَّ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، ورَسُولُ اللَّهِ  يُنادِي: "يا فُلانُ يا فُلانُ اشْهَدُوا"، وذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.» وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  شَقَّتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "اشْهَدُوا" .» وقَدْ رَوى حَدِيثَ الِانْشِقاقِ جَماعَةٌ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وحُذَيْفَةُ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلى هَذا جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ قَوْمًا شَذُّوا فَقالُوا: سَيَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَدْ رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ الشّاذُّ لا يُقاوِمُ الإجْماعَ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وانْشَقَّ ﴾ لَفْظٌ ماضٍ، وحَمْلُ لَفْظِ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ يَفْتَقِرُ إلى قَرِينَةٍ تَنْقُلُهُ ودَلِيلٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ.

ومَعْنى ﴿ اقْتَرَبَتِ ﴾ : دَنَتْ؛ ﴿ والسّاعَةُ ﴾ القِيامَةُ.

وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: انْشَقَّ القَمَرُ فَصارَ فِرْقَتَيْنِ، فَثَبَتَتْ فِرْقَةٌ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ الجَبَلِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ كانَ يُرى نِصْفُهُ عَلى قُعَيْقِعانَ، والنِّصْفُ الآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ- قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ، فاسْألُوا السُّفّارَ، فَسَألُوهُمْ، فَقالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأيْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ "اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ" .

﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً ﴾ أيْ: آيَةً تَدُلُّهم عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، والمُرادُ بِها ها هُنا: انْشِقاقُ القَمَرِ ﴿ يُعْرِضُوا ﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ ﴿ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ: مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: هَذا سِحْرٌ، والسِّحْرُ يَذْهَبُ ولا يَثْبُتُ.

والثّانِي: شَدِيدٌ قَوِيٌّ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المِرَّةِ، والمِرَّةُ: الفَتْلُ.

والثّالِثُ: دائِمٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَّبُوا ﴾ يَعْنِي كَذَّبُوا النَّبِيَّ  وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ﴿ وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ بِأهْلِهِ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: لِكُلِّ حَدِيثٍ مُنْتَهًى وحَقِيقَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ قَرارَ تَكْذِيبِهِمْ مُسْتَقِرٌّ، وقَرارُ تَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ مُسْتَقِرٌّ حَتّى يَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ مِنَ الأنْباءِ ﴾ أيْ: مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ في القُرْآنِ ﴿ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُتَّعَظٌ ومُنْتَهًى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَرْفُوعَةٌ لِأنَّها بَدَلٌ مِن "ما" فالمَعْنى: ولَقَدْ جاءَهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [وَإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها بِإضْمارِ هو حِكْمَةٌ بالِغَةٌ] .

و"ما" في قَوْلِهِ ﴿ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ جائِزٌ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَّوْبِيخِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ؟!

وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَفْيًا، عَلى مَعْنى، فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: جاءَهُمُ القُرْآنُ وهو حِكْمَةٌ تامَّةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ، فَما تُغْنِي النُّذُرُ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا؟!

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ إلّا آيَةٌ واحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيها، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ قَوْمٌ: هي مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ  ﴾ ، وسَيَأْتِي القَوْلُ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ ﴿ وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ ﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُذُرُ ﴾ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ﴾ ﴿ خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ ﴿ مُهْطِعِينَ إلى الداعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ "اقْتَرَبَتِ"مَعْناهُ: قَرُبَتْ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ، كَما أنَّ اقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ، و"الساعَةُ" القِيامَةُ، وأمْرُها مَجْهُولُ التَحْدِيدِ، لَمْ يُعْلَمْ إلّا أنَّها قَرُبَتْ دُونَ تَحْدِيدٍ، وقالَ النَبِيُّ  : « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِالسَبّابَةِ والوُسْطى،» وقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ  وقَدْ كادَتِ الشَمْسُ تَغِيبُ، فَقالَ: "ما بَقِيَ مِنَ الدُنْيا فِيما مَضى إلّا كَمَثَلِ ما بَقِيَ مِن هَذا اليَوْمِ فِيما مَضى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنِّي لَأرْجُو اللهَ أنْ يُؤَخِّرَ أُمَّتِي نِصْفَ يَوْمٍ"» وهَذا مِنهُ  عَلى جِهَةِ الرَجاءِ والظَنِّ، لَمْ يَجْزِمْ بِهِ خَبَرًا، فَأنابَ اللهُ تَعالى عَلى أمَلِهِ وأخَّرَ أُمَّتَهُ أكْثَرَ مِن رَجائِهِ، وكُلُّ ما يُرْوى في عُمْرِ الدُنْيا مِنَ التَحْدِيدِ فَضَعِيفٌ واهِنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: انْشَقَّ القَمَرُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَنْشَقُّ القَمَرُ يَوْمَئِذٍ، وهَذا ضَعِيفٌ والأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ  آيَةً، فَقِيلَ: مُجْمَلَةٌ، -وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ- وقِيلَ: بَلْ عَيَّنُوا شَقَّ القَمَرِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «فَأراهُمُ اللهُ تَعالى انْشِقاقَ القَمَرِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "اشْهَدُوا"،» ومِمَّنْ قالَ مِنَ الصَحابَةِ رَأيْتُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، وَأخْبَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأنَسَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وقالَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سَحَرَ القَمَرَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَخْبِرُوا المُسافِرِينَ القادِمِينَ عَلَيْكُمْ، فَما ورَدَ أحَدٌ إلّا أخْبَرَ بِانْشِقاقِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُهُ انْشَقَّ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ جَبَلِ حِراءٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَرى نِصْفَهُ عَلى قُعَيْقِعانِ والآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ"، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّ قِراءَتَهُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ" دُونَ واوٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ جاءَ اللَفْظُ مُسْتَقَبَلًا لِيَنْتَظِمَ ما مَضى وما يَأْتِي، فَهو إخْبارٌ بِأنَّ حالَهم هَكَذا، واخْتَلَفَتِ الناسُ في مَعْنى "مُسْتَمِرٍّ" فَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: مَعْناهُ دائِمٌ مُتَمادٍ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: ذاهِبٌ مارٌّ عن قَرِيبٍ يَزُولُ، وقالَ الضَحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ: مَشْدُودٌ مِن مَرايِرِ الحَبْلِ، كَأنَّهُ سِحْرٌ قَدِ اسْتَمَرَّ، أيْ: أُحْكِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى اسْتَمَرَّتْ عَلى شَذَرٍ مَرِيرَتُهُ صَدْقَ العَزِيمَةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعًا ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وما يَهْوُونَ مِنَ الأُمُورِ، لا بِدَلِيلٍ ولا بِتَثَبُّتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ الجَزْمِ-: ﴿ وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وكُلُّ شَيْءٍ إلى غايَةٍ، فالحَقُّ يَسْتَقِرُّ ثابِتًا ظاهِرًا، والباطِلُ يَسْتَقِرُّ زاهِقًا ذاهِبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ" بِالجَرِّ في "مُسْتَقِرٍّ"، يَعْنِي بِذَلِكَ أشْراطُها، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ القافِ مِن "مُسْتَقِرٍّ" وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ- وابْنُ نِصاحٍ بِفَتْحِها، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِفَتْحِها.

و"الأنْباءِ" جَمْعُ نَبَأٍ، ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ ومُثُلاتِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، "و مُزْدَجَرٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ زَجْرٍ وانْتِهاءٍ، وأصْلُهُ: "مُزْتَجَرٌ" قُلِبَتِ التاءُ دالًا لِيُناسِبَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ الزايِ، وكَذَلِكَ تُبْدَلُ تاءُ "افْتَعَلَ" مِن كُلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ زايٌ كازْدَلَفَ وازْدادَ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "حِكْمَةٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِن "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فِيهِ"، وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حِكْمَةٌ، و"بالِغَةٌ" مَعْناهُ: يَبْلُغُ المَقْصِدَ بِها مِن وعْظِ النُفُوسِ والبَيانِ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما تُغْنِ النُذُرُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَيْسَ تُغْنِي مَعَ عُتُوِّ هَذِهِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: فَما غَناءُ النُذُرِ مَعَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟

ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَوَلَّ عنهُمْ"، أيْ: لا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وتَمَّ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، ثُمَّ ابْتَدَأ وعِيدُهُمْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "يَخْرُجُونَ"، و"خُشَّعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، وتُصَرُّفُ الفِعْلِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الحالِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "عنهُمْ"، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهم واذْكُرْ يَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهُمُ اليَوْمَ وانْحَذَفَتِ الواوُ مِن "يَدْعُ" لِأنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ اتَّبَعُوا اللَفْظَ لا ما يَقْتَضِيهِ الهِجاءُ، وأمّا حَذْفُ الياءِ مِن "الداعِ" ونَحْوِهِ فَقالَ سِيبَوَيْهِ: حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ، حُذِفَتْ مَعَ الألِفِ واللامِ؛ إذْ هي تُحْذَفُ مَعَ مُعاقِبِهِما وهو التَنْوِينُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ " بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وشِبْلُ، والحَسَنُ: "نُكْرٍ" بِسُكُونِ الكافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو قُلابَةَ: "نُكِرَ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَنكُورٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ولا يُرى مِثْلُهُ، قالَ الخَلِيلُ: النُكْرُ نَعْتٌ لِلْأمْرِ الشَدِيدِ والرَجُلِ الداهِيَةِ، وقالَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَضْرِيِّ: أقْدِمْ مُحاجُ إنَّهُ يَوْمُ نُكُرٍ ∗∗∗ مِثْلِي عَلى مِثْلِكَ يَحْمِي ويَكُرُّ و"نُكُرٍ" فُعُلٍ، وهو صِفَةٌ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في الصِفاتِ، ومِنهُ "مِشْيَةُ سُجُحٌ" قالَ الشاعِرُ: دَعُوا التَخاجُؤَ وامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ∗∗∗ إنَّ الرِجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ ومِثْلُهُ "رَجُلٌ شَلُلُ" و"ناقَةٌ أُجُدُ".

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "خُشَّعًا"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وهى إفْرادٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وشَبابٌ حَسَنٌ أوجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وَرَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَطَوِّعَةِ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدَ: رَأيْتُ النَبِيَّ  في النَوْمِ فَسَألْتُهُ عن "خُشَّعًا" و"خاشِعًا"، فَقالَ: "خاشِعًا"، بِالألِفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُما "خاشِعًا، وخَصَّ تَعالى الأبْصارَ بِالخُشُوعِ لِأنَّهُ فِيها أظْهَرُ مِنهُ في سائِرِ الجَوارِحِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن حَياءٍ أو صَلَفٍ أو خَوْفٍ ونَحْوِهِ إنَّما يَظْهَرُ في البَصَرِ.

و"الأجْداثِ" جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وشَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وقَدْ شَبَّهَهم في أُخْرى بِ الفَراشِ المَبْثُوثِ، وفِيهِمْ مِن كُلِّ هَذا شَبَهٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ بَعْضٌ في بَعْضٍ، ثُمَّ في رُتْبَةٍ أُخْرى كالجَرادِ إذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ المَحْشَرِ والداعِي، وفي الحَدِيثِ «أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عُمْرانَ عَلَيْها السَلامُ دَعَتْ لِلْجَرادِ فَقالَتْ: "اللهُمَّ أعْشِها بِغَيْرِ رَضاعٍ، وتابَعَ بَنِيها بِغَيْرِ شِياعِ".» و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ نَحْوَ الشَيْءِ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نَحْوَ المَقْصِدِ إمّا لِخَوْفٍ أو طَمَعٍ أو نَحْوِهِ، ويَقُولُ الكافِرُونَ: ﴿ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وعَلاماتِ مَشَقَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَكَذَّبُواْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ .

هذا إخبار عن حالهم فيما مضى بعد أن أخبر عن حالهم في المستقبل بالشرط الذي في قوله: ﴿ وإن يروا آية يعرضوا ﴾ [القمر: 2].

ومقابلة ذلك بهذا فيه شبه احتباك كأنه قيل: وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا: سحر، وقد رأوا الآيات وأعرضوا وقالوا: سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهوائهم وسيكذبون ويتبعون أهواءهم.

وعَطْف ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ عطفُ العلة على المعلول لأن تكذيبهم لا دافع لهم إليه إلا اتباعُ ما تهواه أنفسهم من بقاء حالهم على ما ألفوه وعهدوه واشتهر دوامه.

وجمع الأهواء دون أن يقول واتبعوا الهوى كما قال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ [الأنعام: 116]، حيث إن الهوى اسم جنس يصدق بالواحد والمتعدد، فعدل عن الإِفراد إلى الجمع لمزاوجة ضمير الجمع المضاف إليه، وللإِشارة إلى أن لهم أصنافاً متعددة من الأهواء: من حب الرئاسة، ومن حسد المؤمنين على ما آتاهم الله، ومن حب اتباع ملة آبائهم، ومن محبة أصنامهم، وإلففٍ لعوائدهم، وحفاظ على أنفتهم.

﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرّ ﴾ .

هذا تذييل للكلام السابق من قوله: ﴿ وإن يروا آية يعرضوا ﴾ إلى قوله: ﴿ أهواءهم ﴾ [القمر: 2، 3]، فهو اعتراض بين جملة ﴿ وكذبوا ﴾ وجملة ﴿ ولقد جاءهم من الأنباء ﴾ [القمر: 4]، والواو اعتراضية وهو جار مجرى المثل.

و ﴿ كل ﴾ من أسماء العموم.

وأمر: اسم يدل على جنس عاللٍ ومثله شيء، وموجود، وكائن، ويتخصص بالوصف كقوله تعالى: ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ [النساء: 83] وقد يتخصص بالعقل أو العادة كما تخصّص شيء في قوله تعالى عن ريح عَاد ﴿ تدمّر كل شيء ﴾ [الأحقاف: 25] أي من الأشياء القابلة للتدمير.

وهو هنا يعم الأمور ذوات التأثير، أي تتحقق آثار مواهِيها وتظهر خصائصها ولو اعترضتها عوارض تعطل حصول آثارها حيناً كعوارضَ مانعة من ظهور خصائصها، أو مدافعات يراد منها إزالة نتائجها فإن المؤثرات لا تلبث أن تتغلب على تلك الموانع والمدافعات في فُرصصِ تَمكنها من ظهور الآثار والخصائص.

والكلام تمثيل شبهت حالة تردد آثار الماهية بين ظهور وخفاء إلى إبان التمكن من ظهور آثارها بحالة سير السائر إلى المكان المطلوب في مختِلف الطرق بين بُعد وقرب إلى أن يستقر في المكان المطلوب.

وهي تمثيلية مكنية لأن التركيب الذي يدل على الحالة المشبه بها حُذِف ورمز إليه بذكر شيء من روادف معناه وهو وصف مستقر.

ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ﴾ [الأنعام: 67] وقد أخذه الكميّت بن زيد في قوله: فالآن صِرت إلى أمي ةَ والأمورُ إلى مصائر فالمراد بالاستقرار الذي في قوله: ﴿ مستقر ﴾ الاستقرار في الدنيا.

وفي هذا تعريض بالإِيماء إيماء إلى أن أمر دعوة محمد صلى الله عليه وسلم سيرسخ ويستقر بعد تقلقله.

ومستقِر: بكسر القاف اسم فاعل من استقر، أي قَرّ، والسين والتاء للمبالغة مثل السين والتاء في استجاب.

وقرأ الجمهور برفع الراء من ﴿ مستقر ﴾ .

وقرأه أبو جعفر بخفض الراء على جعل ﴿ كل أمر ﴾ عطفاً على ﴿ الساعة ﴾ [القمر: 1].

والتقدير: واقترب كل أمر.

وجَعل ﴿ مستقر ﴾ صِفة ﴿ أمر ﴾ .

والمعنى: أن إعراضهم عن الآيات وافتراءهم عليها بأنها سحر ونحوه وتكذيبهم الصادق وتمالؤهم على ذلك لا يوهن وقعها في النفوس ولا يعوق إنتاجها.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم صائر إلى مصير أمثاله الحق من الانتصار والتمام واقتناع الناس به وتزايد أتباعه، وأن اتباعهم أهواءهم واختلاق معاذيرهم صائر إلى مصير أمثاله الباطلة من الانخذال والافتضاح وانتقاص الأَتباع.

وقد تضمن هذا التذييل بإجماله تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وتهديداً للمشركين واستدعاء لنظر المترددين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ القَمَرِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ مُقاتِلٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ﴾ أيْ دَنَتْ وقَرُبَتْ، قالَ الشّاعِرُ قَدِ اقْتَرَبَتْ لَوْ كانَ في قُرْبِ دارِها جِداءُ ولَكِنْ قَدْ تَضُرُّ وتَنْفَعُ والمُرادُ بِالسّاعَةِ القِيامَةُ، وفي تَسْمِيَتِها بِالسّاعَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِسُرْعَةِ الأمْرِ فِيها.

الثّانِي: لِمَجِيئِها في ساعَةٍ مِن يَوْمِها.

وَرَوى طارِقُ بْنُ شِهابٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ولا يَزْدادُ النّاسُ عَلى الدُّنْيا إلّا حِرْصًا ولا تَزْدادُ مِنهم إلّا بُعْدًا» .

﴿ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ والعَرَبُ تَضْرِبُ مَثَلًا فِيما وضَحَ أمْرُهُ، قالَ الشّاعِرُ أقِيمُوا بَنِي أُمِّي صُدُورَ مَطِيِّكم ∗∗∗ فَإنِّي إلى قَوْمٍ سِواكم لَأمْيَلُ ∗∗∗ فَقَدْ حَمَّتِ الحاجاتُ واللَّيْلُ مُقْمِرُ ∗∗∗ وشُدِّتْ لِطَيّاتٍ مَطايا وأرْحَلُ والثّانِي: أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ بِطُلُوعِهِ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ انْفِلاقِهِ بِانْشِقاقِهِ، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ فَلَمّا أدْبَرُوا ولَهم دَوِيٌّ ∗∗∗ دَعانا عِنْدَ شَقِّ الصُّبْحِ داعِي الثّالِثُ: أنَّهُ انْشِقاقُ القَمَرِ عَلى حَقِيقَةِ انْشِقاقِهِ.

وَفِيهِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَنْشَقُّ بَعْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ وهي النَّفْخَةُ الثّانِيةُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ ما بَقِيَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّها آيَةٌ والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ.

الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ وظاهِرُ التَّنْزِيلِ أنَّ القَمَرَ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  بَعْدَ أنْ سَألَهُ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ حِينَ أسْلَمَ غَضَبًا لِسَبِّ أبِي جَهْلٍ لِرَسُولِ اللَّهِ، أنْ يُرِيَهُ آيَةً يَزْدادُ بِها يَقِينًا في إيمانِهِ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ قالَ: «رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًّا شِقَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ  إلى المَدِينَةِ، شِقَّةٌ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْدا فَقالُوا: سَحَرَ القَمَرَ، فَنَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ » ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أيَّ آَيَةٍ رَوَأْها أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَعْتَبِرُوا بِها، وكَذَلِكَ ذَكَرَها بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ دُونَ التَّعْرِيفِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ انْشِقاقَ القَمَرِ حِينَ رَأوْهُ.

﴿ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ ذاهِبٌ، قالَهُ أنَسٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: شَدِيدٌ، مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، قالَهُ الأخْفَشُ والفَرّاءُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

الرّابِعُ: أنَّ المُسْتَمِرَّ الدّائِمَ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرَ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَوِيمٍ بِمُسْتَمِرٍّ أيْ بِدائِمٍ.

الخامِسُ: أيْ قَدِ اسْتَمَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَوْمَ القِيامَةِ.

الثّانِي: كُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ في أنَّ الخَيْرَ لِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرِّ لِأهْلِ الشَّرًّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ حَقُّهُ مِن باطِلِهِ.

الرّابِعُ: أنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ غايَةً ونِهايَةً في وُقُوعِهِ وحُلُولِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا، أنْ يُرِيدَ بِهِ دَوامَ ثَوابِ المُؤْمِنِ وعِقابِ الكافِرِ.

﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أحادِيثُ الأُمَمِ الخالِيَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: القُرْآنُ.

﴿ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ أيْ مانِعٌ مِنَ المَعاصِي.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّهْيُ.

الثّانِي: أنَّهُ الوَعِيدُ.

﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ﴾ قالَهُ السُّدِّيُّ: هي الرِّسالَةُ والكِتاِبُ.

وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ والوَعِيدُ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿ بالِغَةٌ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بالِغَةٌ في زَجْرِكم.

الثّانِي: بالِغَةٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْكم، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المُبالَغَةِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ الإبْلاغِ.

﴿ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ أيْ فَما يَمْنَعُهُمُ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّكْذِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة القمر بمكة.

وأخرج ابن الضريس وابن مردوية والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت بمكة سورة ﴿ اقتربت الساعة ﴾ .

وأخرج ابن مردوية عن ابن الزبير مثله.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قارئ اقتربت تدعى في التوراة المبيضة تبيض وجه صاحبها يوم تبيضّ الوجوه قال البيهقي: منكر.

وأخرج الديلمي عن عائشة مرفوعاً من قرأ ب ﴿ الم تنزيل ﴾ و ﴿ يس ﴾ و ﴿ اقتربت الساعة ﴾ و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ كن له نوراً وحرزاً من الشيطان والشرك، ورفع له في الدرجات يوم القيامة.

وأخرج ابن الضريس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة رفعه من قرأ ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ في كل ليلتين بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر.

وأخرج ابن الضريس عن ليث عن معن عن شيخ من همدان رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ اقتربت الساعة ﴾ غبا ليلة وليلة حتى يموت لقي الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر» .

وأخرج أحمد عن بريدة أن معاذاً بن جبل صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ فيها ﴿ اقتربت الساعة ﴾ فقام رجل من قبل أن يفرغ فصلى وذهب، فقال له معاذ قولاً شديداً فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه فقال: إني كنت أعمل في نخل وخفت على الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلي بالشمس وضحاها ونحوها من السور» .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير وابن المنذر والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة فرقتين فنزلت ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ إلى قوله: ﴿ سحر مستمر ﴾ أي ذاهب.

وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما.

وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: رأيت القمر منشقّاً شقتين بمكة قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء، فقالوا: سحر القمر، فنزلت ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال مجاهد: يقول كما رأيتم القمر منشقاً فإن الذي أخبركم عن ﴿ اقتربت الساعة ﴾ حق.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طريق أبي معمر «عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اشهدوا» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق الأسود عن عبد الله قال: رأيت القمر على الجبل وقد انشق فأبصرت الجبل من بين فرجتي القمر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طريق مسروق عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، فقالوا: انتظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء السفار فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه فأنزل الله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ .

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق علقمة عن ابن مسعود قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فانشق القمر حتى صار فرقتين، فتوارت فرقة خلف الجبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم:اشهدوا» .

وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد «عن ابن عمر في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فرقتين فرقة من دون الجبل وفرقة خلفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:اللهم اشهد» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن جبير بن مطعم في قوله: ﴿ وانشق القمر ﴾ قال: انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقال الناس: سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: قد مضى ذلك قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه.

وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سحر القمر، فنزلت ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ إلى قوله: ﴿ مستمر ﴾ .

وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: «اجتمع المشركون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاصي بن وائل والعاصي بن هشام والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والنضر بن الحرث، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إن فعلت تؤمنوا؟

قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما سألوا فأمسى القمر قد مثل نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي يا أبا سلمة، بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم اشهدوا» .

وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء عن ابن عباس قال: انتهى أهل مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟

فهبط جبريل، فقال: يا محمد قل: يا أهل مكة إن تختلفوا هذه الليلة فسترون آية فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالة جبريل، فخرجوا ليلة أربع عشرة، فانشق القمر نصفين نصفاً على الصفا ونصفاً على المروة، فنظروا ثم مالوا بأبصارهم فمسحوها ثم أعادوا النظر فنظروا، ثم مسحوا أعينهم، ثم نظروا، فقالوا: يا محمد ما هذا إلا سحر ذاهب، فأنزل الله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ .

وأخرج أبو نعيم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: جاءت أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا آية حتى نؤمن فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يريه آية فأراهم القمر قد انشق فصار قمرين أحدهما على الصفا والآخر على المروة قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه، ثم غاب القمر، فقالوا: هذا ﴿ سحر مستمر ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم الضمار وغداً السباق.

وأخرج ابن المنذر عن حذيفة أنه قرأ ﴿ اقتربت الساعة وقد انشق القمر ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: كان انشقاق القمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر، فقالوا: هذا سحر أسحر السحرة فاقلعوا كما فعل المشركون إذا كسف القمر ضربوا بطساسهم وعما اصفر أحبارهم، وقالوا: هذا فعل السحر وذلك قوله: ﴿ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ثلاث ذكرهن الله في القرآن قد مضين ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قد انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى رآه الناس ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ [ القمر: 45] وقد ﴿ فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد ﴾ [ المؤمنون: 77] .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: رأوه منشقاً فقالوا: هذا سحر ذاهب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ قال: يوم القيامة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ قال: بأهله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن قتادة ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ قال: مستقر بأهل الخير الخير وبأهل الشر الشر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ذكر تكذيبهم فقال ﴿ وَكَذَّبُوا ﴾ قال ابن عباس: كذبوا النبي -  - وما عاينوا من عظمة الله وقدرته.

﴿ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾ قال: ما زين لهم الشيطان من الباطل الذي هم عليه (١) (٢) ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ قال الكلبي: لكل أمر حقيقة، ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف (٣) (٤) ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ فالخير (٥) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 258.

(٢) لم أجده.

(٣) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 258، و"فتح القدير" 5/ 121.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.

(٥) كذا في (ك) وفيه سقط، وصوابه: أي بأهل الخير الخير وبأهل الشر الشر.

وقال الفراء: يقول فالخير.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 14، جامع البيان 27/ 52، و"الوسيط" 4/ 27.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اقتربت الساعة ﴾ أي قربت القيامة، ومعنى قربها أنها بقي لها من الزمان شيء قليل بالنسبة إلى ما مضى، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى» ﴿ وانشق القمر ﴾ هذا إخبار بما جرى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك «أن قريشاً سألته آية فأراهم انشاق القمر.

فقال صلى الله عليه وسلم: اشهدوا» ، وقال ابن مسعود: انشق القمر فرأيته فرقتين فرقة وراء الجبل وأخرى دونه، وقيل: معنى انشق المقر أنه ينشق يوم القيامة، وهذا قول باطل تردّه الأحاديث الصحيحة الواردة بانشقاق القمر، وقد اتفقت الأمة على وقوع ذلك على تفسير الآية بذلك إلا من لا يعتبر قوله: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ هذه الضمائر لقريش والآية المشار إليها انشقاق القمر وعند ذلك قالت قريش: سحر محمد القمر ومعنى مستمر: دائم وقيل: معناه ذاهب يزول عن قريب وقيل: شديد وهو على هذا المعنى من المرة وهي القوة: ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ أي كل شيء لابد له من غاية، فالحق يحق والباطل يبطل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مستقر ﴾ بالجر: يزيد ﴿ الداعي ﴾ ﴿ إلى الداعي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل فيهما بالياء ﴿ يدع الداع ﴾ بغير ياء في الحالين ﴿ إلى الداع ﴾ في الوصل: قالون.

الباقون: بغير ياء في الحالين ﴿ شيء نكر ﴾ بسكون الكاف: ابن كثير ﴿ خاشعاً ﴾ بالألف: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خشعاً ﴾ كركع.

﴿ ففتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل و ﴿ ونذري ﴾ وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ أو لقي ﴾ مثل أو "نبئكم" ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة ﴿ سنهزم ﴾ بالنون الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب.

الوقوف ﴿ القمر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ﴿ مزدجر ﴾ ه لا بناء على أن قوله ﴿ حكمه ﴾ بدل من "ما" أو من ﴿ مزدجر ﴾ ﴿ النذر ﴾ ه لا للعطف مع اتصاله المعنى ﴿ عنهم ﴾ م لأنه لو وصل لأوهم أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف ﴿ يخرجون ﴾ ﴿ نكر ﴾ ه لا لاتصال الحال بالظرف من قبل اتحاد عاملها ﴿ منتشر ﴾ ه لا لأن ﴿ مهطعين ﴾ حال بعد حال ﴿ الداع ﴾ ط ﴿ عسر ﴾ ه ﴿ وازدجر ﴾ ه ﴿ فانتصر ﴾ ه ﴿ منهمر ﴾ ه ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ قدر ﴾ ه ج للعارض من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه ﴿ ودسر ﴾ ه لا لأن ﴿ تجري ﴾ صفة لها ﴿ بأعيننا ﴾ ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف ﴿ كفر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن ﴿ كأنهم ﴾ حال ﴿ منقعر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ نتبعه ﴾ لا لتعلق "إذا" بها ﴿ وسعر ﴾ ه ﴿ أشر ﴾ ه ﴿ الأشر ﴾ ه ﴿ واصطبر ﴾ ه لا للعطف ﴿ بينهم ﴾ ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما تقدم ﴿ محتضر ﴾ ه ﴿ فعقر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ المحتظر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة ﴿ بسحر ﴾ ه لا ﴿ عندنا ﴾ ط ﴿ شكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ النذر ﴾ ه ج لاتصال المعنى بلا عطف ﴿ مقتدر ﴾ ه ﴿ في الزبر ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح بدلاً عن "أم" قبلة ﴿ منتصر ﴾ ه ﴿ الدبر ﴾ ه ﴿ وأمر ﴾ ه ﴿ وسعر ﴾ ط بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ليس ظرفاً لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا ﴿ وجوهم ﴾ ط ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ه ﴿ بالبصر ﴾ ج ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ الزبر ﴾ ه ﴿ مستطر ﴾ ه ﴿ ونهر ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ مقتدر ﴾ ه.

التفسير: أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ﴿ أزفت الآزفة  ﴾ إلا أنه ذكر ههنا دليلاً على الاقتراب وهو قوله ﴿ وانشق القمر ﴾ في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله  آية فانشق القمر مرتين.

وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت.

وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.

وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم  هذا قول أكثر الفسرين.

وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك.

وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر.

وأيضاً إنه  جعل انشاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب.

وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي.

هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة.

وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم.

ومن ههنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما المراد قربها في العقول في الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمكر مجال.

واستعمال لفظ الاقتراب ههنا مع أنه مقطوع به كاستعمال "لعل" في قوله ﴿ لعل الساعة تكون قريباً  ﴾ والأمر عند الله معلوم.

قال: وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا الزمان.

والجواب أن كل ما هو آتٍ قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة على الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في "افتعل" مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب دنا دنواً قريباً، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر.

ثم بين أن ظهور آيات الله لا يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحراً مستمراً أي دائماً مطرداً كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله  يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية.

وقيل: هو من قولهم "حبل مرير الفتل" من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم.

وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في مذاقنا.

وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب.

عللوا أنفسهم بالأماني الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم.

والظاهر أن قوله ﴿ وأن يروا ﴾ إلى آخر الآية.

جملة معترضة بياناً لما اعتادوه عند رؤية الآيات.

وقوله ﴿ وكذبوا ﴾ عطف على قوله ﴿ اقترب ﴾ كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق بالتكذيب واتباع الأهواء.

والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في أن محمد  ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ صائر إلى غاية وأن أمر محمد  سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان.

ومن قرأ بالجر فلعطف ﴿ كل ﴾ على الساعة أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله.

ثم أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.

وفي كل ذلك ﴿ مزدجر ﴾ لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال من الزجر قلبت التاء دالاً.

وقوله ﴿ حكمة ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان ﴿ فما تغنى ﴾ نفي أو استفهام إنكار معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا ﴿ فتول عنهم ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعص والنشور.

والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة.

وتخصيص المدعوين بالكافرين من حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله ﴿ خاشعاً ﴾ حال من الخارجين والفعل للأبصار.

وليس قراءة من قرأ ﴿ خشعاً ﴾ على الجمع من باب " أكلوني البراغيث" كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم مشابهة الفعل صورة.

تقول في السعة "قام رجل قعود غلمانه" وضعف "قاعدون" وضعف منه "يقعدون" لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم.

وجوز أن يكون في ﴿ خشعاً ﴾ ضميرهم ويقع أبصارهم بدلاً عنه.

وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة ويسرة كقوله ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم  ﴾ والأجداث القبور شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان.

وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض وبدب فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم.

ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في إبراهيم  .

ثم إنه  أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ بعد قوله ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحاً.

ويجوز أن يكون المراد التكرير أي تكذيباً عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب.

وقوله ﴿ عبدنا ﴾ تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه ﴿ وقالوا ﴾ هو ﴿ مجنون ﴾ وازدجروه أي استقبلوه بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ام أمر به.

وجوز أن يكون من جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه ﴿ فدعى ربه أني مغلوب ﴾ غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب.

وقيل: غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ منهم فانتقم منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من يجوز لها أبواباً وفيها مياهاً.

وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل "جرت ميازيب السماء وفتحت أفواه القرب" والباء للآية نحو: فتحت الباب بالمفتاح.

ونظيره قول القائل "يفتح الله لك بخير".

وفيه لطيفة هي جعل المقصود مقدماً في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيراً يأتي ويفتح لك الباب.

ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة ﴿ بماء منهمر ﴾ منصب في كثرة وتتابع أربعين يوماً.

قال علماء البيان: قوله ﴿ فجرنا الأرض عيوناً ﴾ أبلغ من أن لو قال "وفجرنا عيون الأرض" أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة نظيره ﴿ واشتعل الرأس شيباً  ﴾ وقد مر ﴿ فالتقى الماء ﴾ أي جنسه يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ ﴿ فالتقى الماآن ﴾ ﴿ على أمر قد قدر ﴾ أي على حال قدرها الله عز وجل كيف شاء، أو على حال جاءت مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء.

ويحتمل أن يقال: اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح ﴿ وذات ألواح ودسر ﴾ هي السفينة وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه.

وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.

والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه.

فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره ﴿ جزاء ﴾ أو جزيناهم جزاء ﴿ لمن كان كفر ﴾ وهو نوح  لأن وجود النبي  نعمة من الله وتكذيبه كفرانها.

يحكى أن رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك.

فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عيلها.

والضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة أو للفعلة كما مر في "العنكبوت" ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين  ﴾ والمدكر المعتبر وأصله "مذتكر" افتعال من الذكر والاستفهام فيه وفي قوله ﴿ كيف كان عذابي ونذر ﴾ أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف ﴿ ولقد يسرنا القرآن ﴾ سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية.

وقيل: للحفظ والأول أنسب بالمقام.

وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظاً على ظهر القلب سوى القرآن.

سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟

والجواب أن فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان.

ونفس هذه القصص كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر قوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسؤول سائلاً فيقول: كيف هي؟

فيقول المعلم: إنها كذا وكذا.

والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف.

فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح اقتصر على الثاني لذلك.

ولعله ذكر الاستفهامين معاً في قصة عاد لفرط عتوهم وقولهم ﴿ من أشد منا قوة  ﴾ وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر والأيام النحسات.

وإنما وحد ههنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.

قيل: استمر عليهم جميعاً على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة.

وقيل: المستمر الشديد المرارة.

﴿ تنزع الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ منقلع عن مغارسه.

وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤس كأعجاز النخل أصولاً بلا فروع.

قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله ﴿ أعجاز نخل خاوية  ﴾ هذا مع أن كلاً من السورتين وردت على مقتضى الفواصل.

قوله ﴿ أبشراً ﴾ من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشراً وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون بشراً.

الثاني كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار أن يكون الواحد منهم مختصاً بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله.

الثالثة كونه واحداً، أي كيف تتبع الأمة رجلاً أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف.

والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: إن اتبعانك كنا إذاً كما تقول.

وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ومنه "ناقة مسعورة" وفي قوله ﴿ أءلقي الذكر عليه من بيننا ﴾ تصريح بما ذكرنا من أن واحداً منهم كيف اختص بالنبوة.

وفي الإلقاء أيضاً تعجب آخر منهم وذلك أن الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في لحظة واحدة؟

أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم.

والأشر البطر المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له.

ثم قال  تهديداً لهم ولأمثالهم ﴿ سيعلمون غداً ﴾ أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو يوم القيامة ﴿ من الكذاب الأشر ﴾ بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة.

وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر.

وذلك أصل مرفوض.

ومن قرأ ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات.

ثم إنه  خاطب صالحاً بقوله ﴿ إنا مرسلو الناقة ﴾ أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة وامتحاناً لهم.

﴿ فارتقبهم ﴾ وتبصر ما هم فاعلون بها ﴿ واصطبر ﴾ على إيذائهم ﴿ ونبئهم أن الماء قسمة ﴾ أي مقسوم ﴿ بينهم ﴾ خص العقلاء بالذكر تغليباً ﴿ كل شرب محتضر ﴾ فيه يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم  ﴾ وقد مر في "الشعراء" وقال في الكشاف: محضور لهم وللناقة وفيه إبهام.

وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في شربها ﴿ فنادوا صاحبهم ﴾ وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو كان رئيسهم.

﴿ فتعاطى ﴾ فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة أو السيف او الأجر.

والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.

ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقوداً للجحيم كقوله ﴿ فكانوا لجهنم حطباً ﴾ والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مرّ في "العنكبوت".

ولعل التذكير بتأويل العذاب.

والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في "هود" و "والحجر".

وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه.

والظاهر أن الاستثناء من الضمير في ﴿ عليهم ﴾ لأنه أقرب ولأنه المقصود.

وجوز أن يكون استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد ﴿ نعمة ﴾ مفعول له أي إنعاماً.

وقوله ﴿ كذلك نجزي من شكر ﴾ أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه  يصون من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان.

وقيل: إنه وعد بثواب الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب.

وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلاً ﴿ ولقد أنذرهم ﴾ أي لوط ﴿ بطشتنا ﴾ شدة أخذنا بالعذاب ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ فتشاكوا بالإنذارات ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه ﴾ معناها قريب من المطالبة كما مر في "يوسف".

والضمير للقوم باعتبار البعض لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعاً على مذهب واحد.

﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق.

وإنما قال في "يس" ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم  ﴾ بزيادة حرف الجر لأنه أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة إلى قدرة الله  واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع كيلا يكون للمنكر مجال كثير.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيئاً غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً.

ولعل في هذا النقل خللاً لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.

ثم حكى العذاب الذي عم الكل بقوله ﴿ ولقد صبحهم ﴾ ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله ﴿ بكرة ﴾ مع قوله ﴿ صبحهم ﴾ والجواب أن ﴿ صبحهم ﴾ يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار وأنه  وعدهم أول الصبح كما قال ﴿ إن موعدهم الصبح  ﴾ فأراد بقوله ﴿ بكرة ﴾ تحقيق ذلك الوعد.

ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع المسافة.

فإنه ربما يقول السامع متى خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات.

فإذا قال من أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته وبمثله أجيب عن قوله { ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿ صبحهم ﴾ معناه قال لهم بكرة عموا صباحاً وهو بطريق التهكم كقوله ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم "يا صباحاه" والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها.

قوله ﴿ ولقد جاء آل فرعون النذر ﴾ يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو بمعنى الإنذارات ﴿ بآياتنا كلها ﴾ هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا يعجزه شيء.

ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ المكذبين وهو استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عدداً وقوة وبطشاً ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمناً من سخط الله فأمنتم بتلك البراة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ﴿ أم يقولون نحن جميع ﴾ جمع مجتمع أمرنا ﴿ منتصر ﴾ منتقم عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من محمد  وأصحابه فنزلت ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ أي الأدبار.

عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟

فلما رأى رسول الله  يثبت في الدرع ويقول ﴿ سيهزم الجمع ﴾ عرف تأويلها ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ﴾ من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي.

والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة والنازلة.

﴿ وأمر ﴾ من المرارة.

وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مروراً.

وقيل: من المرة الشدة.

قوله ﴿ إن المجرمين ﴾ الآية.

روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله  في القدر فأنزل الله  هذه الآية إلى قوله ﴿ خلقناه بقدر ﴾ وعن عائشة أن النبي صلى الله عيله وسلم قال "مجوس هذه الأمة القدرية" وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله ﴿ إن المجرمين في ضلال ﴾ عن الحق في الدنيا ﴿ وسعر ﴾ وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا يعقلون.

أو في ضلال وسعر في الآخرة، لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة سبيلاً.

والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار وصقرته إذا لوحته،والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله ﴿ إنا كل شيء ﴾ متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.

قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا يلتبس المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل معنيين: أحدهما كل شيء فإنه مخلوق بقدر هو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئاً من الأشياء غير مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتباً على وفق الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح ثابتاً في سابق العلم الأزلي.

واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي  هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير الله.

والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من القبائح كلها بتقدير الله  .

وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد كسباً إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء: إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافياً لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يلجىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكراً للتكليف وهم أهل الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف.

ولعل وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد  كالمجوس يام بين الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من أهل النار، وأيضاً لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إليهن اثنين أو نوراً وظلمة.

وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك.

قوله ﴿ وما أمرنا إلا واحدة ﴾ أي إلا كلمة واحدة وهي "كن" تأكيد إثبات القدرة له وقد مر مثله في "النحل".

وقوله ﴿ كلمح بالبصر ﴾ تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين مشيئته وأرادته.

ومعنى الخلق والأمر أيضاً تقدم مشتبعاً في "الأعراف" ثم هددهم مرة أخرى بقوله ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ أي أشباهكم في الكفر من الأمم.

ثم ذكر نوعاً آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ أي في صحف الحفظة.

قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن النصب يكون نصاً في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون ﴿ كل شيء ﴾ مفعولاً ﴿ في الزبر ﴾ وهذا معنى غير مستقيم كما ترى.

وأما الرفع فيحتمل معنيين.

أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله ﴿ فعلوهن ﴾ صفة لـ ﴿ شيء ﴾ والظرف خبر أي كل شيء مفعول للناس فإنه في الزبر.

والآخر أن تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغواً فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون نصاً في المعنى الفاسد.

ثم أكدالمعنى المذكور بقوله ﴿ وكل صغير وكبير ﴾ من الأعمال بل مما وجد ويوجد ﴿ مستطر ﴾ أي مسطور في اللوح.

ثم ختم السورة بوعد المتقين.

والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة.

ولما سلف مثله مراراً كقوله ﴿ إن المتقين في جنات وعيون  ﴾ وقيل: معناه السعة والضياء من النهار ﴿ في مقعد صدق ﴾ وفي مكان مرضيّ من الجنة مقربين ﴿ عند مليك مقتدر ﴾ لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل "فلان في بلدة كذا في دار كذا مقرب عند الملك".

ويحتمل أن يكون الظرف صفة ﴿ مقعد صدق ﴾ كما يقال "قليل عند أمين خير من كثير عند خائن".

قال أهل اللغة: القعود يدل على المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن "مقعد دون مجلس" ومنه قواعد البيت، وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد.

والإضافة في ﴿ مقعد صدق ﴾ كهي في قولك "رجل صدق" أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها.

ويجوز أن يكون سبب الإضافة أن الصادق قد أخبرعنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فه وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب فإن من وصل إلى الله استحال عليه إلا الصدق وهو تبارك وتعالى أعلم وأجل وأكرم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ﴾ قال بعضهم: أي: اقتربت الساعة، واقتر انشقاق القمر.

وقيل: على التقديم والتأخير، اقترتب الساعة، وإن يروا آية يعرضوا وإن كان انشقاق القمر.

فعلى هذين التأويلين، لم يكن انشقاق القمر بعد، ولكن يكون في المستقبل، وعند قيام الساعة؛ وهو قول أبي بكر الأصم، ويقول: معنى قوله: ﴿ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ﴾ أي: سينشق القمر عند الساعة؛ إذ لو كان قد انشق في زمن النبي  ، لَمَا خفي على أهل الآفاق، ولو كان ظاهرا عندهم، لتواتر النقل به؛ إذ هو أمر عجيب، والطباع جبلت على نشر العجائب.

وعامة أهل التأويل على أن القمر قد انشق؛ لكان [من] معجزاته  .

وروي عن ابن مسعود -  - أنه قال: "كنا مع النبي  بمعنى، فانشق القمر، فذهبت فرقة منه وراء الجبل، فقال -  -: اشهدوا، اشهدوا" ، وروي عن غيره أيضاً: عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس -  م - وأنس بن مالك، وحذيفة، وجبر بن مطعم، في جماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -: أنهم رأوا انشقاق القمر.

وقول أبي بكر: لو كان، لم يخُفَ وظهر؛ فيقال له: قد ظهر؛ فإنه روي عن غير واحد من الصحابة -  م - وتواتر الحديث عن الخاص العام، وفشا الأمر بينهم، حتى قل من يخفى عليه سماع هذا الحديث.

على أنه قد يطلق ظاهر الكتاب، وإنما يكلف حفظ ما لم ينطق به الكتاب، والعمل بحقيقة اللفظ واجب.

وقال بعضهم: يجوز أن يستره الله -  - من الآفاق بغيم، أو يشغلهم عن رؤيته ببعض الأمور؛ لضرب تدبير ولطف منه؛ لئلا يدعيه بعض الملتبسين في الآفاق لنفسه، وادعى الرسالة كاذبا؛ بناء على دعواه: أنه فعل ذلك؛ فيحتمل أنه أخفى عن أهل الآفاق إلا في حق من تظهر المعجزة عليه من الحاضرين، والكفرة يكتمونه، والصحابة الذين رأوا قد نقلوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ كأنه يقول: اقتربت الساعة التي تجزون، أو الساعة التي تنشرون فيها، أو الساعة التي تحاسبون فيها.

فإن قيل: أليس روي عن النبي  أنه قال: "[بعثت] أنا والساعة كهاتين" ، وأشار إلى السبابة والوسطى، وقد قبض رسول الله  ولم تقم الساعة بعد.

قيل: يحتمل أن مراده - عليه الصلاة والسلام - أنه ختم النبوة والرسالة، وتبقى أحكامه وشريعته إلى وقت قيام الساعة، وبقاء شريعته كبقائه، فصار كأنه قال: شريعتي والساعة كهاتين.

ويحتمل أنه لما كان به ختم النبوة والشريعة، صار بعثه ومجيئه -  - علامة للساعة وآية لها، وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا  ﴾ على تأويل من جعل بعث الرسول -  - علَما وآية للساعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ ﴾ ذكر نعتهم وعنادهم: أنهم وإن يروا آية سألوها، يعرضوا؛ فلم يُرِهمْ تلك.

أو من سنته: أن كل آية جاءت على أثر السؤال، فلم يقبلوها أهلكوا، فإذا كان من سننه هذا، وقد وعد تأخير عذاب هذه الأمة إلى الساعة، وعفا عنهم التعجيل - لم يرهم تلك الآيات المقترحة، والله أعلم.

ويحتمل: وإن يروا آية حسية يعرضوا؛ لأن آيات رسول الله  عامتها وأكثرها كانت عقلية وسمعية، فيخير عن سفههم وتعنتهم أنهم وإن يروا آية حسية يعرضوا عنها، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ...

﴾ الآية [الحجر: 14-15].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ ، اختلف فيه: منهم من قال: ﴿ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ أي: ماض، لم يزل الرسل - عليهم السلام - كانوا يأتون بمثله من السحر.

ومنهم من قال: ﴿ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ أي: قوي؛ مأخوذ من المِرَّة، وهي القوة، وأصل المرة: الفتل.

ومنهم من قال: ﴿ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ أي: ذاهب؛ ويتلاشى ولا يبقى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ يحتمل كذبوا الرسول  وما أتى به من الآية على الرسالة.

ويحتمل: وكذبوا بالتوحيد ﴿ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ يخبر أنهم إنما كذبوا ما ذكر باتباع أهوائهم، لا بحجة وبرهان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ وجاءتهم - أيضاً - حكمة بالغة، وهي القرآن.

ويحتمل أن يكون معناه: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ وفي تلك الأنباء حكمة بالغة.

ثم الأنباء التي فيها مزدجر حكمة بالغة، وهي ما ذكر في هذه السورة من أنباء عاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم نوح، وموسى، فقد جاءهم أنباء هؤلاء، وعرفوا ما نزل بهم من العذاب والإهلاك، وبأي شيء نزل بهم، وهو تكذيب الرسل - عليهم السلام - ليتردعوا عن مثل صنيعهم، فلا يلحقهم مثل ما يلحق أولئك، وفي ذلك حكمة بالغة، والبالغة هي النهاية في الأمر؛ يقال: فلان بالغ في العلم: إذ انتهى في ذلك نهايته.

وقال القتبي: مزدجر: أمر متعظ.

وقال أبو عوسجة: مزدجر: أي: زاجر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: قد جاءهم ما ذكر من الأنباء التي فيها مزدجر وإنذار، فلم يزجرهم ذلك، ولم ينفعهم، فأنَّى تغني النذر لهم؟

ومن أين تنفعهم النذر؟

أي: لا تغنيهم.

ثم النذر تحتمل وجهين: أحدهما: النذر: [الرسل] - عليهم السلام - جمع: نذير.

والثاني: ما تقع به النذارة، وهو الأنباء التي أنذر الرسل بها، وحذروا بذلك؛ يقول: فما يغنيهم قول الرسول، ولا خوف ما بلغهعم من القصص التي فيها تعذيب للكفرة بتكذيب الرسل - عليهم السلام - وترك اتباعهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: قوله: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: أعرض عنهم، ولا تكافئهم بإساءتهم.

والثاني: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: لا تقاتلهم، ولا تجاهدهم؛ فإن كن التأويل هذا، فهو يحتمل النسخ على ما قاله أهل التأويل، وإن كان الأول فهو لا يحتمل النسخ.

والثالث: يحتمل: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يؤمنون، وذلك في قوم علم الله -  - أنهم لا يؤمنون، يؤيس رسول الله  عن الطمع في إيمانهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ ﴾ أي: إلى شيء منكر، فظيع، هائل.

ويحتمل: إلى شيء أنكروه في الدنيا - وهو الساعة - فيقرون في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خُشَّعاً أَبْصَٰرُهُمْ ﴾ ، وقرئ: (خاشعاً)، بالألف، روي عن ابن عباس، وتصديقها في قراءة عبد الله بن مسعود -  - (خاشعة أبصارهم)، وصفهم بالخضوع في الآخرة مكان استكبارهم في الدنيا، وبالإقرار والتصديق بالساعة مكان إنكارهم في الدنيا، وبالإجابة للداعي مكان ردهم له في الدنيا حيث قال: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: تشبيههم بالجراد لحيرتهم، لا يدرون من أين يأتون؟

وإلى أين يصيرون؟

كالجراد الذي لا يُدْرَى من أين؟

وإلى أين؟

وهو كقوله -  -: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ  ﴾ .

والثاني: تشبيههم بالجراد؛ لكثرتهم، وازدحامهم؛ لما يحشر الكل بدعفة واحدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ﴿ مُّهْطِعِينَ ﴾ ، أي: مسرعين.

وقال قتادة: أي: عامدين.

وقال مجاهد: الإهطاع: السيلان، وهو بالفارسية: يويه رقيق.

وقال بعضهم: مهطعين: ناظرين، رافعي رءوسهم؛ وهو قول الكلبي.

وقال أبو عوسجة: أي: مسرعين، مادين أعناقهم.

وقيل: الإهطاع: إدامة النظر إلى الداعي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ ، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكذبوا بما جاءهم من الحق، واتبعوا أهواءهم في التكذيب، وكل أمر -خيرًا كان أو شرًّا- واقع بمستحقه يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.GpkgY"

مزيد من التفاسير لسورة القمر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله