الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ٣ من سورة الحديد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 55 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣ من سورة الحديد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) وهذه الآية هي المشار إليها في حديث العرباض بن سارية : أنها أفضل من ألف آية .
وقال أبو داود : حدثنا عباس بن عبد العظيم ، حدثنا النضر بن محمد ، حدثنا عكرمة - يعني بن عمار - حدثنا أبو زميل قال : سألت ابن عباس فقلت : ما شيء أجده في صدري ؟
قال : ما هو ؟
قلت : والله لا أتكلم به ، قال : فقال لي أشيء من شك ؟
قال : - وضحك - قال : ما نجا من ذلك أحد قال : حتى أنزل الله ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك [ لقد جاءك الحق من ربك ] ) الآية [ يونس : 94 ] قال : وقال لي : إذا وجدت في نفسك شيئا فقل : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية وأقوالهم على نحو من بضعة عشر قولا .
وقال البخاري : قال يحيى : الظاهر على كل شيء علما والباطن على كل شيء علما قال شيخنا الحافظ المزي : يحيى هذا هو بن زياد الفراء ، له كتاب سماه : " معاني القرآن " .
وقد ورد في ذلك أحاديث ، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا ابن عياش ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو عند النوم : " اللهم رب السماوات السبع ، ورب العرش العظيم ، ربنا ورب كل شيء ، منزل التوراة ، والإنجيل والفرقان ، فالق الحب والنوى ، لا إله إلا أنت ، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته ، أنت الأول ليس قبلك شيء ، وأنت الآخر ليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر ليس فوقك شيء ، وأنت الباطن ليس دونك شيء .
اقض عنا الدين ، وأغننا من الفقر " ورواه مسلم في صحيحه : حدثني زهير بن حرب ، حدثنا جرير ، عن سهيل قال : كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام : أن يضطجع على شقه الأيمن ، ثم يقول : اللهم رب السماوات ، ورب الأرض ، ورب العرش العظيم ، ربنا ورب كل شيء ، فالق الحب والنوى ، ومنزل التوراة ، والإنجيل ، والفرقان ، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنا الدين ، وأغننا من الفقر .
وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أم المؤمنين نحو هذا ، فقال حدثنا عقبة ، حدثنا يونس ، حدثنا السري بن إسماعيل ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة ، فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى ، ثم همس - ما يدرى ما يقول - فإذا كان في آخر الليل رفع صوته فقال : " اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ، إله كل شيء ، ورب كل شيء ، ومنزل التوراة ، والإنجيل ، والفرقان ، فالق الحب والنوى ، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته ، اللهم أنت الأول الذي ليس قبلك شيء ، وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنا الدين ، وأغننا من الفقر " السري بن إسماعيل هذا ابن عم الشعبي ، وهو ضعيف جدا والله أعلم .
وقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية : حدثنا عبد بن حميد وغير واحد - المعنى واحد - قالوا : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن ، عن قتادة قال : حدث الحسن ، عن أبي هريرة قال : بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وأصحابه ، إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : " هل تدرون ما هذا ؟
" .
قالوا : الله ورسوله أعلم .
قال : " هذا العنان ، هذه روايا الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه " .
ثم قال : " هل تدرون ما فوقكم ؟
قالوا الله ورسوله أعلم ، قال : " فإنها الرقيع ، سقف محفوظ ، وموج مكفوف " .
ثم قال : " هل تدرون كم بينكم وبينها ؟
" قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " بينكم وبينها خمسمائة سنة " .
ثم قال : " هل تدرون ما فوق ذلك ؟
" قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " فإن فوق ذلك سماء بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة - حتى عد سبع سماوات - ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض " .
ثم قال : " هل تدرون ما فوق ذلك ؟
" قالوا : الله ورسوله أعلم .
قال : " فإن فوق ذلك العرش ، وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين " .
ثم قال : " هل تدرون ما الذي تحتكم ؟
" .
قالوا : الله ورسوله أعلم .
قال : " فإنها الأرض " .
ثم قال : " هل تدرون ما الذي تحت ذلك ؟
" .
قالوا : الله ورسوله أعلم .
قال : " فإن تحتها أرضا أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة - حتى عد سبع أرضين - بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة " .
ثم قال : " والذي نفس محمد بيده ، لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله " ، ثم قرأ : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) ثم قال الترمذي : هذا حديث غريب من هذا الوجه ، ويروى عن أيوب ، ويونس - يعني بن عبيد - وعلي بن زيد قالوا : لم يسمع الحسن من أبي هريرة .
وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا : إنما هبط على علم الله ، وقدرته ، وسلطانه ، وعلم الله ، وقدرته ، وسلطانه في كل مكان ، وهو على العرش ، كما وصف في كتابه .
انتهى كلامه وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن سريج ، عن الحكم بن عبد الملك ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره ، وعنده بعد ما بين الأرضين مسيرة سبعمائة عام ، وقال : " لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى السابعة لهبط على الله " ، ثم قرأ : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) ورواه بن أبي حاتم ، والبزار من حديث أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي هريرة .
.
.
فذكر الحديث ، ولم يذكر ابن أبي حاتم آخره وهو قوله : " لو دليتم بحبل " ، وإنما قال : " حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام " ، ثم تلا ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) وقال البزار : لم يروه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أبو هريرة .
ورواه ابن جرير ، عن بشر ، عن يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب ، فقال : " هل تدرون ما هذا ؟
" وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواء ، إلا أنه مرسل من هذا الوجه ، ولعل هذا هو المحفوظ ، والله أعلم .
وقد روي من حديث أبي ذر الغفاري ، رضي الله عنه وأرضاه ، رواه البزار في مسنده ، والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات ، ولكن في إسناده نظر ، وفي متنه غرابة ونكارة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
وقال ابن جرير عند قوله تعالى ( ومن الأرض مثلهن ) [ الطلاق " 12 " ] حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال : التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض ، فقال بعضهم لبعض : من أين جئت ؟
قال أحدهم : أرسلني ربي ، عز وجل ، من السماء السابعة ، وتركته ، ثم ، قال الآخر : أرسلني ربي ، عز وجل من الأرض السابعة ، وتركته ، ثم ، قال الآخر : أرسلني ربي من المشرق ، وتركته ، ثم قال الآخر : أرسلني ربي من المغرب ، وتركته ، ثم وهذا [ حديث ] غريب جدا ، وقد يكون الحديث الأول موقوفا على قتادة كما روي ها هنا من قوله ، والله أعلم .
يقول تعالى ذكره: ( هُوَ الأوَّلُ ) قبل كل شيء بغير حدّ، ( وَالآخِرُ ) يقول: والآخر بعد كل شيء بغير نهاية.
وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جلّ ثناؤه: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ .
وقوله: ( وَالظَّاهِرُ ) يقول: وهو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه.( وَالْبَاطِنُ ) يقول: وهو الباطن جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ .
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وقال به أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك، والخبر الذي روي فيه: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ )، ذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بينما هو جالس في أصحابه، إذ ثار عليهم سحاب، فقال: هَلْ تَدْرُونَ ما هَذَا؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّها الرَّقِيعَ (2) مَوْجُ مَكْفُوفٌ، وَسَقْفٌ مَحْفُوظٌ، قال: فَهَلَ تَدوْرُنَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَها؟
قالوا: الله ورسوله أعلم؟
قال: مَسيرةُ خَمْس مِئِةِ سَنَةٍ، قال: فَهَلْ تَدْرُوْنَ ما فَوْقَ ذلكَ؟
فقالوا مثل ذلك، قال: فَوْقَها سَماءٌ أخرْىَ، وَبَيْنَهُما مَسِيرةُ خَمْسِ مِئةِ سَنَةٍ، قال: هَلْ تَدْرُوْنَ ما فَوْقَ ذلك؟
فقالوا مثل قولهم الأوّل، قال: فإنَّ فَوْقَ ذلكَ العَرْشَ، وَبَيْنَهُ وَبَينَ السَّماءِ السَّابِعَةِ مثْلُ ما بَيَن السَّماءَيْن، قال: هَلْ تَدْرُوْنَ ما الَّتِي تَحْتَكُمْ؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّها الأرْضُ، قال: فَهَلْ تَدْرُون ما تَحْتَها؟
قالوا له مثل قولهم الأوّل، قال: فإنَّ تَحْتَها أرْضًا أخْرَى، وبَيْنهُما مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِِ سَنَةٍ، حتى عدّ سبع أرضين، بين كلّ أرضيْن مسيرة خمس مئة سنة، ثم قال: وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّد بيَدِهِ، لَوْ دُلِّيَ أحَدكُمْ بِحَبْل إلى الأرْضِ الأخْرى لَهَبَطَ على الله، ثُمَّ قرأ: ( هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) .
وقوله: ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) يقول تعالى ذكره: وهو بكلّ شيء ذو علم، لا يخفى عليه شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا في كتاب مبين.
------------------------ الهوامش: (2) فيه سقط كما لا يخفي وفي الدر وابن كثير: قال هذا العنان، هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه، ثم قال تدرون ما فوقكم؟
قالوا الله ورسوله أعلم، قال فإنها الرقيع.
إلخ
قوله تعالى : هو الأول والآخر والظاهر والباطن اختلف في معاني هذه الأسماء وقد بيناها في ( الكتاب الأسنى ) .
وقد شرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم شرحا يغني عن قول كل قائل ، فقال في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنا الدين ، وأغننا من الفقر عنى بالظاهر الغالب ، وبالباطن العالم ، والله أعلم .وهو بكل شيء عليم بما كان أو يكون فلا يخفى عليه شيء .
{ هُوَ الْأَوَّلُ } الذي ليس قبله شيء، { وَالْآخِرُ } الذي ليس بعده شيء { وَالظَّاهِرُ } الذي ليس فوقه شيء، { وَالْبَاطِنُ } الذي ليس دونه شيء.
{ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } قد أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والسرائر والخفايا، والأمور المتقدمة والمتأخرة.
( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) يعني هو " الأول " قبل كل شيء بلا ابتداء ، كان هو ولم يكن شيء موجودا و " الآخر " بعد فناء كل شيء ، بلا انتهاء تفنى الأشياء ويبقى هو ، و " الظاهر " الغالب العالي على كل شيء و " الباطن " العالم بكل شيء ، هذا معنى قول ابن عباس .
وقال يمان : " هو الأول " القديم و " الآخر " الرحيم و " الظاهر " الحليم و " الباطن " العليم .
وقال السدي : هو الأول ببره إذ عرفك توحيده ، والآخر بجوده إذ عرفك التوبة على ما جنيت ، والظاهر بتوفيقه إذ وفقك للسجود له والباطن بستره إذ عصيته فستر عليك .
وقال الجنيد : هو الأول بشرح القلوب ، والآخر بغفران الذنوب ، والظاهر بكشف الكروب ، والباطن بعلم الغيوب .
وسأل عمر - رضي الله تعالى عنه - كعبا عن هذه الآية فقال : معناها : إن علمه بالأول كعلمه بالآخر ، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن .
( وهو بكل شيء عليم ) أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغفار بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثني زهير بن حرب ، حدثنا جرير عن سهيل قال : كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول : " اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء ، فالق الحب والنوى ، منزل التوراة والإنجيل والقرآن ، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته ، أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين واغنني من الفقر " .
وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
«هو الأول» قبل كل شيء بلا بداية «والآخر» بعد كل شيء بلا نهاية «والظاهر» بالأدلة عليه «والباطن» عن إدراك الحواس «وهو بكل شيء عليم».
هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهو بكل شيء عليم.
ثم ذكر - سبحانه - صفات أخرى من صفاته الجليلة فقال : ( هُوَ الأول والآخر والظاهر والباطن وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) .أى : هو - سبحانه - الأول والسابق على جميع الموجودات ، إذ هو موجدها ومحدثها إبتداء .
فهو موجود قبل كل شىء وجودا لا حد ولا وقت لبدايته .( والآخر ) أى : الباقى بعد هلاك وفناء جميع الموجودات ، كما قال - تعالى - : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) وأوثر لفظ ( الآخر ) على لفظ الباقى ليتم الطباق بين الوصفين المتقابلين .وهو ( الظاهر ) أى : الظاهر وجوده عن طريق مخلوقاته التى أوجدها بقدرته إذ من المعروف عند كل عاقل أن كل مخلوق لا بد له من خالق ، وكل موجود لا بد له من موجد .فلفظ ( الظاهر ) مشتق من الظهور الذى هو ضد الخفاء ، والمراد به هنا ظهور الأدلة العقلية والنقلية على وجوده ووحدانيته وقدرته وعلمه .ويجوز أن يكون مشتقا من الظهور ، بمعنى الغلبة والعلو على الغير ، كما فى قوله - تعالى - : ( إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ .
.
) وعليه يكون المعنى : وهو الغالب العالى على كل شىء .وهو ( والباطن ) من البطون بمعنى الخفاء والاستتار ، أى : وهو - سبحانه - المحتجب يكنه ذاته عن أن تدركه الأبصار ، أو أن تحيط بحقيقة ذاته العقول ، كما قال - تعالى - ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير ) ويصح أن يكون ( الباطن ) بمعنى العالم بما بطن وخفى من الأمور يقال : فلان أبطن بهذا الأمر من غيره ، أى : أعلم بهذا الشىء من غيره .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) أى : وهو - سبحانه - عليم بكل ما فى هذا الكون ، لا تخفى عليه خافية من شئونه ، كما قال - تعالى - : ( إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء ) قال ابن كثير : وهذه الآية هى المشار إليها فى حديث عرباض بن معاوية أنها أفضل من ألف آية .وقد اختلفت عبارات المفسرين فى هذه الآية على نحو بضعة عشر قولا وقال البخارى : قال يحيى : الظاهر على كل شىء علما والباطن على كل شىء علما .وروى الإمام مسلم - فى صحيحه - ، والإمام أحمد - فى مسنده - عن أبى هريرة " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو عند النوم فيقول : " اللهم فاطر السموات ورب العرش العظيم ، ربنا ورب كل شىء ، منزل التوراة والإنجيل والقرآن ، فالق الحب والنوى ، لا إله إلا أنت ، أعوذ بك من شر كل شىء أنت آخذ بناصيته ، أنت الأول فليس قبلك شىء ، وأنت الآخر فليس بعدك شىء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شىء ، وأنت الباطن فليس دونك شىء .
اقض عنا لادين ، وأغننا من الفقر .
.
" " .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسير هذه الآية: إنه الأول ليس قبله شيء والآخر ليس بعده شيء وأعلم أن هذا المقام مقام مهيب غامض عميق والبحث فيه من وجوه: الأول: أن تقدم الشيء على الشيء يعقل على وجوه: أحدها: التقدم بالتأثير فإنا نعقل أن لحركة الأصبع تقدماً على حركة الخاتم، والمراد من هذا التقدم كون المتقدم مؤثراً في المتأخر.
وثانيها: التقدم بالحاجة لا بالتأثير، لأنا نعقل احتياج الاثنين إلى الواحد وإن كنا نعلم أن الواحد ليس علة للاثنين.
وثالثها: التقدم بالشرف كتقدم أبي بكر على عمر.
ورابعها: التقدم بالرتبة، وهو إما من مبدأ محسوس كتقدم الإمام على المأموم، أو من مبدأ معقول، وذلك كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، فإنه كلما كان النوع أشد تسفلاً كان أشد تأخراً، ولو قلبناه انقلب الأمر.
وخامسها: التقدم بالزمان، وهو أن الموجود في الزمان المتقدم، متقدم على الموجود في الزمان المتأخر، فهذا ما حصله أرباب العقول من أقسام القبلية والتقدم وعندي أن هاهنا قسماً سادساً، وهو مثل تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض، فإن ذلك التقدم ليس تقدماً بالزمان، وإلا وجب أن يكون الزمان محيطاً بزمان آخر، ثم الكلام في ذلك المحيط كالكلام في المحاط به، فيلزم أن يحيط بكل زمان زمان آخر لا نهاية بحيث تكون كلها حاضرة في هذا الآن، فلا يكون هذا الآن الحاضر واحداً، بل يكون كل حاضر في حاضر آخر لا إلى نهاية وذلك غير معقول، وأيضاً فلأن مجموع تلك الآنات الحاضرة متأخر عن مجموع الآنات الماضية، فلمجموع الأزمنة زمان آخر محيط بها لكن ذلك محال، لأنه لما كان زماناً كان داخلاً في مجموع الأزمنة، فإذاً ذلك لزمان داخل في ذلك المجموع وخارج عنه وهو محال، فظهر بهذا البرهان الظاهر أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ليس بالزمان، وظاهر أنه ليس بالعلة ولا بالحاجة، وإلا لوجدا معاً، كما أن العلة والعلول يوجدان معاً، والواحد والإثنين يوجدان معاً، وليس أيضاً بالشرف ولا بالمكان، فثبت أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض قسم سادس غير الأقسام الخمسة المذكورة، وإذا عرفت هذا فنقول: إن القرآن دل على أنه تعالى أول لكل ما عداه، والبرهان دل أيضاً على هذا المعنى، لأنا نقول: كل ما عدا الواجب ممكن، وكل ممكن محدث، فكل ما عدا الواجب فهو محدث، وذلك الواجب أول لكل ما عداه، إنما قلنا: أن ما عدا الواجب ممكن، لأنه لو وجد شيئآن واجبان لذاتهما لاشتركا في الواجب الذاتي، ولتباينا بالتعين وما به المشاركة غير ما به الممايزة، فيكون كل واحد منهما مركباً، ثم كل واحد من جزأيه إن كان واجباً فقد اشترك الجزآن في الوجوب وتباينا بالخصوصية، فيكون كل واحد من ذينك الجزأين أيضاً مركباً ولزم التسلسل، وإن لم يكونا واجبين أو لم يكن أحدهما واجباً، كان الكل المتقوم به أولى بأن لا يكون واجباً، فثبت أن كل ما عدا الواجب ممكن، وكل ممكن محدث، لأن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر، وذلك الافتقار إما حال الوجود أو حال العدم، فإذاً كان حال الوجود، فإما حال البقاء وهو محال لأنه يقتضي إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل وهو محال، فإن تلك الحاجة إما حال الحدوث أو حال العدم، وعلى التقديرين فيلزم أن يكون كل ممكن محدثاً، فثبت أن كل ما عدا ذلك الواجب فهو محدث محتاج إلى ذلك الواجب، فإذاً ذلك الواجب يكون قبل كل ما عداه، ثم طلب العقل كيفية تلك القبلية فقلنا: لا يجوز أن تكون تلك القبلية بالتأثير، لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً، والمع لا يكون قبل، ولا يجوز أن تكون لمجرد الحاجة لأن المحتاج والمحتاج إليه لا يمتنع أن يوجدا معاً، وقد بينا أن تلك المعية هاهنا ممتنعة، ولا يجوز أن تكون لمحض الشرف فإنه ليس المطلوب من هذه القبلية هاهنا مجرد أنه تعالى أشرف من الممكنات، وأما القبلية المكانية فباطلة، وبتقدير ثبوتها فتقدم المحدث على المحدث أمر زائد آخر وراء كون أحدهما فوق الآخر بالجهة، وأما التقدم الزماني فباطل، لأن الزمان أيضاً ممكن ومحدث، أما أولاً فلما بينا أن واجب الوجود لا يكون أكثر من واحد، وأما ثانياً فلأن أمارة الإمكان والحدوث فيه أظهر كما في غيره لأن جميع أجزائه متعاقبة، وكل ما وجد بعد العدم وعدم بعد الوجود فلا شك أنه ممكن المحدث، وإذا كان جميع أجزاء الزمان ممكناً ومحدثاً والكل متقوم بالأجزاء فالمفتقر إلى الممكن المحدث أولى بالإمكان والحدوث، فإذن الزمان بمجموعه وبأجزائه ممكن ومحدث، فتقدم موجده عليه لا يكون بالزمان، لأن المتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان، وإلا فيلزم في ذلك الزمان أن يكون داخلاً في مجموع الأزمنة لأنه زمان، وأن يكون خارجاً عنها لأنه ظرفها، والظرف مغاير للمظروف لا محال، لكن كون الشيء الواحد داخلاً في شيء وخارجاً عنه محال، وأما ثالثاً فلأن الزمان ماهيته تقتضي السيلان والتجدد، وذلك يقتضي المسبوقية بالغير والأزل ينافي المسبوقية بالغير، فالجمع بينهما محال، فثبت أن تقدم الصانع على كل ما عداه ليس بالزمان ألبتة، فإذن الذي عند العقل أنه متقدم على كل ما عداه، أنه ليس ذلك التقدم على أحد هذه الوجوه الخمسة، فبقي أنه نوع آخر من التقدم يغاير هذه الأقسام الخمسة، فأما كيفية ذلك التقدم فليس عند العقل منها خبر، لأن كل ما يخطر ببال العقل فإنه لابد وأن يقترن به حال من الزمان، وقد دل الدليل على أن كل ذلك محال، فإذن كونه تعالى أولاً معلوم على سبيل الإجمال، فأما على سبيل التفصيل والإحاطة بحقيقة تلك الأولية، فليس عند عقول الخلق منه أثر.
النوع الثاني: من هذا غوامض الموضع، وهو أن الأزل متقدم على اللا يزال، وليس الأزل شيئاً سوى الحق، فتقدم الأزل على اللا يزال، يستدعي الامتياز بين الأزل وبين اللا يزال، فهذا يقتضي أن يكون اللا يزال له مبدأ وطرف، حتى يحصل هذا الامتياز، لكن فرض هذا الطرف محال، لأن كل مبدأ فرضته، فإن اللايزال، كان حاصلاً قبله، لأن المبدأ الذي يفرض قبل ذلك الطرف المفروض بزيادة مائة سنة، يكون من جملة اللايزال، لا من جملة الأزل، فقد كان معنى اللايزال موجوداً قبل أن كان موجوداً وذلك محال.
النوع الثالث: من غوامض هذا الموضوع، أن امتياز الأزل عن اللا يزال، يستدعي انقضاء حقيقة الأزل، وانقضاء حقيقة الأزل محال، لأن مالا أول له يمتنع انقضاؤه، وإذا امتنع انقضاؤه امتنع أن يحصل عقيبه ماهية اللا يزال، فإذن يمتنع امتياز الأزل عن اللا يزال، وامتياز اللا يزال عن الأزال، وإذا امتنع حصول هذا الإمتياز امتنع حصول التقدم والتأخر، فهذه أبحاث غامضة في حقيقة التقدم والأولية والأزلية، وما هي إلا بسبب حيرة العقول البشرية في نور جلال ماهية الأزلية والأولية، فإن العقل إنما يعرف الشيء إذا أحاط به، وكل ما استحضره العقل، ووقف عليه فذاك يصير محاطاً به، والمحاط يكون متناهياً، والأزلية تكون خارجة عنه، فهو سبحانه ظاهر باطن في كونه أولاً، لأن العقول شاهدة بإسناد المحدثات إلى موجد متقدم عليها فكونه تعالى أولاً أظهر من كل ظاهر من هذه الجهة، ثم إذا أردت أن تعرف حقيقة تلك الأولية عجزت لأن كل ما أحاط به عقلك وعلمك فهو محدود عقلك ومحاط علمك فيكون متناهياً، فتكون الأولية خارجة عنا، فكونه تعالى أولاً إذا اعتبرته من هذه الجهة كان إبطن من كل باطن، فهذا هو البحث عن كونه تعالى أولاً.
أما البحث عن كونه آخراً، فمن الناس من قال: هذا محال، لأنه تعالى إنما يكون آخر الكل ما عداه، لو بقي هو مع عدم كل ما عداه لكن عدم ما عداه إنما يكون بعد وجوده، وتلك البعدية، زمانية، فإذن لا يمكن فرض عدم كل عداه إلا مع وجود الزمان الذي به تتحقق تلك البعدية، فإذن حال ما فرض عدم كل ما عداه، أن لا يعدم كل ما عداه، فهذا خلف، فإذن فرض بقائه مع عدم كل ما عداه محال، وهذه الشبهة مبنية أيضاً على أن التقدم والتأخر لا يتقرران إلا بالزمان، وقد دللنا على فساد هذه المقدمة فبطلت هذه الشبهة، وأما الذين سلموا إمكان عدم كل ما عداه مع بقائه، فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه تعالى آخراً للكل، وهذا مذهب جهم، فإنه زعم أنه سبحانه يوصل الثواب إلى أهل الثواب، ويوصل العقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها، والنار وأهلها، والعرش والكرسي والملك والفلك، ولا يبقى مع الله شيء أصلاً، فكما أنه كان موجوداً في الأزل ولا شيء يبقى موجوداً في اللا يزال أبد الآباد ولا شيء، واحتج عليه بوجوه أولها: قوله هو الآخر، يكون آخراً إلا عند فناء الكل.
وثانيها: أنه تعالى إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار، أو لا يكون عالماً بها، فإن كان عالماً بها كان عالماً بكميتها، وكل ماله عدد معين فهو متناه، فإذن حركات أهل الجنة متناهية، فإذن لابد وأن يحصل بعدها عدم أبدي غير منقض وإذا لم يكن عالماً بها كان جاهلاً بها والجهل على الله محال.
وثالثها: أن الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان، وكل ما كان كذلك فهو متناه والجواب: أن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه هو أن هذه الماهيات لو زالت إمكاناتها، لزم أن ينقلب الممكن لذاته ممتنعاً لذاته، ولو انقلبت قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير، لانقلبت الماهيات وذلك محال، فوجب أن يبقى هذا الإمكان أبداً، فإذن ثبت أنه يجب انتهاء هذه المحدثات إلى العدم الصرف، أما التمسك بالآية فسنذكر الجواب عنه بعد ذلك إن شاء الله تعالى وأما الشبهة الثانية: فجوابها أنه يعلم أنه ليس لها عدد معين، وهذا لا يكون جهلاً، إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه، أما إذا لم يكن له عدد معين وأنت تعلمه على الوجه فهذا لا يكون جهلاً بل علماً وأما الشبهة الثالثة: فجوابها أن الخارج منه إلى الوجود أبداً لا يكون متناهياً، ثم إن المتكلمين لما أثبتوا إمكان بقاء العالم أبداً عولوا في بقاء الجنة والنار أبداً، على إجماع المسلمين وظواهر الآيات، ولا يخفى تقريرها، وأما جمهور المسلمين الذين سلموا بقاء الجنة والنار أبداً، فقد اختلفوا في معنى كونه تعالى آخراً على وجوه: أحدها: أنه تعالى يفني جميع العالم والممكنات فيتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداً.
وثانيها: أن الموجود الذي يصح في العقل أن يكون آخراً لكل الأشياء ليس إلا هو، فلما كانت صحة آخرية كل الأشياء مختصة به سبحانه، لا جرم وصف بكونه آخراً.
وثالثها: أن الوجود منه تعالى يبتدئ، ولا يزال ينزل وينزل حتى ينتهي إلى الموجود الأخير، الذي كون هو مسبباً لكل ما عداه، ولا يكون سبباً لشيء آخر، فبهذا الاعتبار يكون الحق سبحانه أولاً، ثم إذا انتهى أخذ يترقى من هذا الموجود الأخير درجة فدرجة حتى ينتهي إلى آخر الترقي، فهناك وجود الحق سبحانه، فهو سبحانه أول في نزول الوجود منه إلى الممكنات، آخر عند الصعود من الممكنات إليه.
ورابعها: أنه يميت الخلق ويبقى بعدهم، فهو سبحانه آخر بهذا الاعتبار.
وخامسها: أنه أول في الوجود وآخر في الاستدلال، لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة الصانع، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد منها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة، أما كونه تعالى ظاهراً وباطناً، فاعلم أنه ظاهر بحسب الوجود، فإنك لا ترى شيئاً من الكائنات والممكنات إلا ويكون دليلاً على وجوده وثبوته وحقيقته وبراءته عن جهات التغير على ما قررناه، وأما كونه تعالى باطناً فمن وجوه: الأول: أن كمال كونه ظاهراً سبب لكونه باطناً، فإن هذه الشمس لو دامت على الفلك لما كنا نعرف أن هذا الضوء إنما حصل بسببها، بل ربما كنا نظن أن الأشياء مضيئة لذواتها إلا أنها لما كانت بحيث تغرب ثم ترى أنها متى غربت أبطلت الأنوار وزالت الأضواء عن هذا العالم، علمنا حينئذ أن هذه الأضواء من الشمس، فهاهنا لو أمكن انقطاع وجود الله عن هذه الممكنات لظهر حينئذ أن وجود هذه الممكنات من وجود الله تعالى، لكنه لما دام ذلك الجود ولم ينقطع صار دوامه وكماله سبباً لوقوع الشبهة، حتى إنه ربما يظن أن نور الوجود ليس منه بل وجود كل شيء له من ذاته، فظهر أن هذا الاستتار إنما وقع من كمال وجوده، ومن دوام جوده، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره، واحتجب عنها بكمال نوره.
الوجه الثاني: أن ماهيته غير معقولة للبشر ألبتة، ويدل عليه أن الإنسان لا يتصور ماهية الشيء إلا إذا أدركه من نفسه على سبيل الوجدان كالألم واللذة وغيرهما أو أدركه بحسه كالألوان والطعوم وسائر المحسوسات، فأما مالا يكون كذلك فيتعذر على الإنسان أن يتصور ماهيته ألبتة، وهويته المخصوصة جل جلاله ليست كذلك فلا تكون معقولة للبشر، ويدل عليه أيضاً أن المعلوم منه عند الخلق، إما الوجود وإما السلوب، وهو أنه ليس بجسم ولا جوهر، وإما الإضافة، وهو أنه الأمر الذي من شأنه كذا وكذا، والحقيقة المخصوصة مغايرة لهذه الأمور فهي غير معقولة ويدل عليه أن أظهر الأشياء منه عند العقل كونه خالقاً لهذه المخلوقات، ومتقدماً عليها، وقد عرفت حيرة العقل ودهشته في معرفة هذه الأولية، فقد ظهر بما قدمناه أنه سبحانه هو الأول وهو الآخر، وهو الظاهر وهو الباطن، وسمعت والدي رحمه الله يقول: إنه كان يروى أنه لما نزلت هذه الآية أقبل المشركون نحو البيت وسجدوا.
المسألة الثانية: احتج كثير من العلماء في إثبات أن الإله واحد بقوله: ﴿ هُوَ الأول ﴾ قالوا الأول هو الفرد السابق، ولهذا المعنى لو قال: أول مملوك اشتريته فهو حر، ثم اشترى عبدين لم يعتقا، لأن شرط كونه أولاً حصول الفردية، وهاهنا لم تحصل، فلو اشترى بعد ذلك عبداً واحداً لم يعتق، لأن شرط الأولية كونه سابقاً وهاهنا لم يحصل، فثبت أن الشرط في كونه أولاً أن يكون فرداً، فكانت الآية دالة على أن صانع العالم فرد.
المسألة الثالثة: أكثر المفسرين قالوا: إنه أول لأنه قبل كل شيء، وإنه آخر لأنه بعد كل شيء، وإنه ظاهر بحسب الدلائل، وإنه باطن عن الحواس محتجب عن الأبصار، وأن جماعة لما عجزوا عن جواب جهم قالوا: معنى هذه الألفاظ مثل قول القائل: فلان هو أول هذا الأمر وآخره وظاهره وباطنه، أي عليه يدور، وبه يتم.
واعلم أنه لما أمكن حمل الآية على الوجوه التي ذكرناها مع أنه يسقط بها استدلال جهم لم يكن بنا إلى حمل الآية على هذا المجاز حاجة، وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر هو الغالب العالي على كل شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحُواْ ظاهرين ﴾ أي غالبين عالين، من قولك: ظهرت على فلان أي علوته، ومنه قوله تعالى: ﴿ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ وهذا معنى ما روى في الحديث: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء».
وأما الباطن فقال الزجاج: إنه العالم بما بطن، كما يقول القائل: فلان يظن أمر فلان، أي يعلم أحواله الباطنة قال الليث: يقال: أنت أبطن بهذا الأمر من فلان، أي أخبر بباطنه، فمعنى كونه باطناً، كونه عالماً ببواطن الأمور، وهذا التفسير عندي فيه نظر، لأن قوله بعد ذلك: ﴿ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ يكون تكراراً.
أما على التفسير الأول فإنه يحسن موقعه لأنه يصير التقدير كأنه قيل: إن أحداً لا يحيط به ولا يصل إلى أسراره، وإنه لا يخفى عليه شيء من أحوال غيره ونظيره ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الحَدِيدِ مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ: مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ذُكِرَ هاهُنا وفي «الحَشْرِ» و «الصَّفِّ» بِلَفْظِ الماضِي، وفي «الجُمُعَةِ» و «التَّغابُنِ» بِلَفْظِ المُضارِعِ إشْعارًا بِأنَّ مِن شَأْنِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ أنْ يُسَبِّحَهُ في جَمِيعِ أوْقاتِهِ، لِأنَّهُ دَلالَةٌ جِبِلِّيَّةٌ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الحالاتِ، ومَجِيءُ المَصْدَرِ مُطْلَقًا في «بَنِي إسْرائِيلَ» أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُشْعِرُ بِإطْلاقِهِ عَلى اسْتِحْقاقِ التَّسْبِيحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ حالٍ، وإنَّما عُدِّيَ بِاللّامِ وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ مِثْلَ نَصَحْتُ لَهُ في نَصَحْتُهُ إشْعارًا بِأنَّ إيقاعَ الفِعْلِ لِأجْلِ اللَّهِ وخالِصًا لِوَجْهِهِ.
﴿ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ حالٌ يُشْعِرُ بِما هو المَبْدَأُ لِلتَّسْبِيحِ.
﴿ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَإنَّهُ المُوجِدُ لَهُما والمُتَصَرِّفُ فِيهِما.
﴿ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أوْ حالٌ مِنَ المَجْرُورِ في لَهُ ﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ وغَيْرِهِما.
﴿ قَدِيرٌ ﴾ تامُّ القُدْرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{هُوَ الأول} هو القديم الذي كان قبل كل شيء {والآخر} الذي يبقي
بعد هلاك كل شيء {والظاهر} بالأدلة الدالة عليه {والباطن} لكونه غير مدرك بالحواس وإن كان مرئياً والواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين فه مستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية وهو في جميعها ظاهر وباطن وقيل الظاهر العالي على كل شيء الغالب له من ظهر عليه إذا علاه وغلبه والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه {وَهُوَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}
﴿ هُوَ الأوَّلُ ﴾ السّابِقُ عَلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ فَهو سُبْحانَهُ مَوْجُودٌ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى الزَّمانُ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا المُوجِدُ والمُحْدِثُ لِلْمَوْجُوداتِ ﴿ والآخِرُ ﴾ الباقِي بَعْدَ فَنائِها حَقِيقَةً أوْ نَظَرًا إلى ذاتِها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُبْقِيها فَإنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ إذا قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ عِلَّتِها فَهي فانِيَةٌ.
ومِن هُنا قالَ ابْنُ سِينا: المُمْكِنُ في حَدِّ ذاتِهِ لَيْسَ وهو عَنْ عِلَّتِهِ أيْسَ فَلا يُنافِي هَذا كَوْنَ بَعْضِ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ لا تَفْنى كالجَنَّةِ والنّارِ ومَن فِيهِما كَما هو مُقَرَّرٌ مُبَيَّنٌ بِالآياتِ والأحادِيثِ لِأنَّ فَناءَها في حَدِّ ذاتِها أمْرٌ لا يَنْفَكُّ عَنْها، وقَدْ يُقالُ: فَناءُ كُلِّ مُمْكِنٍ بِالفِعْلِ لَيْسَ بِمُشاهَدٍ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ إنَّما هو إمْكانُهُ فالبُعْدِيَّةُ في مِثْلِهِ بِحَسَبِ التَّصَوُّرِ والتَّقْدِيرِ، وقِيلَ: هو الأوَّلُ الَّذِي تَبْتَدِئُ مِنهُ الأسْبابُ إذْ هو سُبْحانَهُ مُسَبِّبُها والآخِرُ الَّذِي تَنْتَهِي إلَيْهِ المُسَبَّباتُ فالأوَّلِيَّةُ ذاتِيَّةٌ والآخِرِيَّةُ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى المَرْجِعُ والمَصِيرُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ البَقاءِ الثّابِتِ بِالأدِلَّةِ، وقِيلَ: الأوَّلُ خارِجًا لِأنَّهُ تَعالى أوْجَدَ الأشْياءَ فَهو سُبْحانَهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْها في نَفْسِ الأمْرِ الخارِجِيِّ والآخِرُ ذِهْنًا وبِحَسَبِ التَّعَلُّقِ لِأنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالمَوْجُوداتِ الدّالَّةِ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ كَما قِيلَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى بَعْدَهُ، وقالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ: إنَّ الأوَّلَ يَكُونُ أوَّلًا بِالإضافَةِ إلى شَيْءٍ، والآخِرُ يَكُونُ آخِرًا بِالإضافَةِ إلى شَيْءٍ، وهُما مُتَناقِضانِ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الواحِدُ مِن وجْهٍ واحِدٍ بِالإضافَةِ إلَيْها أوَّلَ إذْ كُلُّها اسْتَفادَتِ الوُجُودَ مِنهُ سُبْحانَهُ وأمّا هو عَزَّ وجَلَّ فَمَوْجُودٌ بِذاتِهِ وما اسْتَفادَ الوُجُودَ مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ، ومَهْما نَظَرْتَ إلى تَرْتِيبِ السُّلُوكِ ولاحَظْتَ مَنازِلَ السّالِكِينَ فَهو تَعالى آخِرٌ إذْ هو آخِرُ ما تَرْتَقِي إلَيْهِ دَرَجاتُ العارِفِينَ وكُلُّ مَعْرِفَةٍ تَحْصُلُ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ تَعالى فَهي مُرَقّاةٌ إلى مَعْرِفَتِهِ جَلَّ وعَلا، والمَنزِلُ الأقْصى هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ فَهو سُبْحانَهُ بِالإضافَةِ إلى السُّلُوكِ آخِرٌ وبِالإضافَةِ إلى الوُجُودِ أوَّلُ فَمِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ المَبْدَأُ أوَّلًا وإلَيْهِ سُبْحانَهُ المَرْجِعُ والمَصِيرُ آخِرٌ انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى أوَّلًا وآخِرًا بِالنِّسْبَةِ إلى المَوْجُوداتِ أوْلى ولَعَلَّ ما ذَكَرَهُ أوْفَقُ بِمَشْرَبِ القَوْمِ.
( والظّاهِرُ ) أيْ بِوُجُودِهِ لِأنَّ كُلَّ المَوْجُوداتِ بِظُهُورِهِ تَعالى ظاهِرٌ ﴿ والباطِنُ ﴾ بِكُنْهِهِ سُبْحانَهُ فَلا تَحُومُ حَوْلَهُ العُقُولُ، وقالَ حُجَّةُ الإسْلامِ: هَذانِ الوَصْفانِ مِنَ المُضافاتِ فَلا يَكُونُ الشَّيْءُ ظاهِرًا لِشَيْءٍ وباطِنًا لَهُ مِن وجْهٍ واحِدٍ بَلْ يَكُونُ ظاهِرًا مِن وجْهٍ بِالإضافَةِ إلى إدْراكٍ وباطِنًا مِن وجْهٍ آخَرَ فَإنَّ الظُّهُورَ والبُطُونَ إنَّما يَكُونُ بِالإضافَةِ إلى الإدْراكاتِ واللَّهُ تَعالى باطِنٌ إنْ طُلِبَ مِن إدْراكِ الحَواسِّ وخِزانَةِ الخَيالِ ظاهِرٌ إنْ طُلِبَ مِن خِزانَةِ العَقْلِ بِالِاسْتِدْلالِ والرَّيْبِ مِن شِدَّةِ الظُّهُورِ وكُلُّ ما جاوَزَ الحَدَّ انْعَكَسَ إلى الضِّدِّ، وإلى تَفْسِيرِ الباطِنِ بِغَيْرِ المُدْرَكِ بِالحَواسِّ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ثُمَّ قالَ: إنَّ الواوَ الأُولى لِعَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ فَتُفِيدُ أنَّهُ تَعالى الجامِعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ والأخِيرَةُ أيْضًا كَذَلِكَ فَتُفِيدُ أنَّهُ تَعالى الجامِعُ بَيْنَ الظُّهُورِ والخَفاءِ، وأمّا الوُسْطى فَلِعَطْفِ المُرَكَّبِ عَلى المُرَكَّبِ فَتُفِيدُ أنَّهُ جَلَّ وعَلا الجامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ومَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ فَهو تَعالى المُسْتَمِرُّ الوُجُودُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ وهو تَعالى في جَمِيعِها ظاهِرٌ وباطِنٌ جامِعٌ لِلظُّهُورِ بِالأدِلَّةِ والخَفاءِ فَلا يُدْرَكُ بِالحَواسِّ، وفي هَذا حُجَّةٌ عَلى مَن جَوَّزَ إدْراكَهُ سُبْحانَهُ في الآخِرَةِ بِالحاسَّةِ أيْ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ما مِن وقْتٍ يَصِحُّ اتِّصافُهُ بِالأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ إلّا ويَصِحُّ اتِّصافُهُ بِالظّاهِرِيَّةِ والباطِنِيَّةِ مَعًا، فَإذا جَوَّزَ إدْراكَهُ سُبْحانَهُ بِالحاسَّةِ في الآخِرَةِ فَقَدْ نَفى كَوْنَهُ سُبْحانَهُ باطِنًا وهو خِلافُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ تَفْسِيرَ الباطِنِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُدْرَكٍ بِالحَواسِّ تَفْسِيرٌ بِحَسَبِ التَّشَهِّي فَإنَّ بُطُونَهُ تَعالى عَنْ إدْراكِ العُقُولِ كَبُطُونِهِ عَنْ إدْراكِ الحَواسِّ لِأنَّ حَقِيقَةَ الذّاتِ غَيْرُ مُدْرَكَةٍ لا عَقْلًا ولا حِسًّا بِاتِّفاقٍ بَيْنَ المُحَقِّقِينَ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، والزَّمَخْشَرِيُّ مِمَّنْ سَلَّمَ فَهو الظّاهِرُ بِوُجُودِهِ والباطِنُ بِكُنْهِهِ وهو سُبْحانَهُ الجامِعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ أزَلًا وأبَدًا، وهَذا لا يُنافِي الرُّؤْيَةَ لِأنَّها لا تُفِيدُ ذَلِكَ عِنْدَ مُثْبِتِها انْتَهى، وهو حَسَنٌ فَلا تَغْفُلْ.
وعَلَيْهِ فالتَّذْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّ بُطُونَهُ تَعالى عَنِ الأشْياءِ يَسْتَلْزِمُ بُطُونَها عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ كَما في الشّاهِدِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ الظّاهِرُ والباطِنُ بِمَعْنى العِلْمِ لِما ظَهَرَ وبَطَنَ وذَلِكَ أنَّ مَن كانَ ظاهِرًا احْتَجَبَ عَنْهُ الباطِنُ ومَن كانَ باطِنًا احْتَجَبَ عَنْهُ الظّاهِرُ فَإنْ أرَدْتَ أنْ تَصِفَهُ بِالعِلْمِ قُلْتَ هو ظاهِرٌ باطِنٌ مِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ أيْ لا شَرْقِيَّةً فَقَطْ ولا غَرْبِيَّةً فَقَطْ ولَكِنَّها شَرْقِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ، وفي التَّذْيِيلِ المَذْكُورِ حِينَئِذٍ خَفاءٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ مِن وجْهِ ما نُقِلَ أنَّ الظّاهِرَ بِمَعْنى العالِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ الغالِبِ لَهُ مِن قَوْلِهِ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ إذا عَلاهم وغَلَبَهم، والباطِنَ الَّذِي بَطَنَ كُلَّ شَيْءٍ أيْ عَلِمَ باطِنَهُ، وتُعُقِّبَ بِفَواتِ المُطابَقَةِ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ عَلَيْهِ وأنَّ بَطَنَهُ بِمَعْنى عَلِمَ باطِنَهُ غَيْرُ ثابِتٍ في اللُّغَةِ، لَكِنْ قِيلَ في الآثارِ: ما يَنْصُرُ تَفْسِيرَ الظّاهِرِ بِما فُسِّرَ.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««جاءَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْألُهُ خادِمًا فَقالَ لَها: قُولِي اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبَّ العَرْشِ الكَرِيمِ العَظِيمِ رَبَّنا ورَبَّ كُلِّ شَيْءٍ مُنَزِّلَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والفُرْقانِ فالِقَ الحَبِّ والنَّوى أعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ أنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنّا الدَّيْنَ وأغْنِنا مِنَ الفَقْرِ»» وقالَ الطَّيِّبِيُّ: المَعْنى بِالظّاهِرِ في التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ الغالِبُ الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ فَيَتَصَرَّفُ في المُكَوِّناتِ عَلى سَبِيلِ الغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ إذْ لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ يَمْنَعُهُ، وبِالباطِنِ مَن لا مَلْجَأ ولا مَنجى دُونَهُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ مُلْتَجِئٌ، وبُحِثَ فِيهِ بِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ في الظُّهُورِ أيْ أنْتَ أظْهَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ إذْ ظُهُورُ كُلِّ شَيْءٍ بِكَ وأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ في البُطُونِ شَيْءٌ أيْ أنْتَ أبْطَنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ إذْ كَلُّ شَيْءٍ يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ غَيْرُهُ وهو أنْتَ وأنْتَ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَكَ غَيْرُكَ، أوْ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ وأنْتَ لا يُمْكِنُ أصْلًا مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِكَ، وأيْضًا في دَلالَةِ الباطِنِ عَلى ما قالَ: خَفاءٌ جِدًّا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ ما عَدَلَ عَنْهُ أجِلَّةُ العُلَماءِ فَإنَّ الخَبَرَ صَحِيحٌ، وقَدْ جاءَ نَحْوُهُ مِن رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ ويَبْعُدُ عَدَمُ وُقُوفِ أُولَئِكَ الأجِلَّةِ عَلَيْهِ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَهُ مِن أسْمائِهِ تَعالى غَيْرَ ما في الآيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ««فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ»» لَيْسَ أقْرَبَ مِنكَ شَيْءٌ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: بَلَغَنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الأوَّلُ ﴾ إلَخْ هو الأوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ والآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ والظّاهِرُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ والباطِنُ أقْرَبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنَّما يَعْنِي القُرْبَ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وهو فَوْقَ عَرْشِهِ والَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي ما ذُكِرَ أوَّلًا، وعَنْ بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أهِلِ وحْدَةِ الوُجُودِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هُوَ الأوَّلُ ﴾ إلَخْ أنَّهُ لا مَوْجُودَ غَيْرُهُ تَعالى إذْ كَلُّ ما يُتَصَوَّرُ مَوْجُودًا فَهو إمّا أوَّلُ أوْ آخِرٌ هو سُبْحانَهُ لا غَيْرُهُ، وأيَّدُوهُ بِما في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّكم دُلِّيتُمْ بِحَبْلٍ إلى الأرْضِ السُّفْلى لَهَبَطَ عَلى اللَّهِ» قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ قَرَأ النَّبِيُّ ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ».
وحالُ القَوْلِ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ مَشْهُورٌ وأمّا الخَبَرُ فَمِنَ المُتَشابَهِ، وقَدْ قالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: فَسَّرَ أهْلُ العِلْمِ الحَدِيثَ فَقالُوا: أيْ لَهَبَطَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ذِكْرُ التَّذْيِيلِ وعَدَمُ اقْتِصارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما قَبْلَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ يَنْبَغِي لِمَن وجَدَ في نَفْسِهِ وسْوَسَةً فِيما يَتَعَلَّقُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَقْرَأها، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي زُمَيْلٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ لَهُ وقَدْ أعْلَمَهُ أنَّ عِنْدَهُ وسْوَسَةً في ذَلِكَ: «إذا وجَدْتَ في نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُلْ هو الأوَّلُ» الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا يَزالُ النّاسُ يَسْألُونَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى يَقُولُوا هَذا اللَّهُ كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَماذا كانَ قَبْلَ اللَّهِ فَإنْ قالُوا لَكم ذَلِكَ فَقالُوا هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»».
<div class="verse-tafsir"
وهي تسع وعشرون آية مكية قوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ يعني: صلّى الله ما في السموات من الملائكة وَالْأَرْضِ من المؤمنين، فسمى الصلاة تسبيحاً، لأنه يجري فيها التسبيح.
ويقال: سَبَّحَ لِلَّهِ، يعني: ذكر الله ما في السموات.
يعني: جميع ما في السموات من الشمس، والقمر والنجوم والأرض، يعني: جميع ما في الأرض من الإنس، والأشجار، والأنهار، والجبال، وغير ذلك.
ويقال: سَبَّحَ لِلَّهِ يعني: خضع لله جميع ما في السَّموات، والأرض، وقال بعضهم: التسبيح آثار صنعه، يعني: في كل شيء دليل لربوبيته، ووحدانيته.
ويقال: هو التسبيح بعينه.
يعني: يسبح جميع الأشياء كقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44] وقال الحسن البصري (لولا ما يخفى عليكم من تسبيح من معكم في البيوت ما تقادرتم) .
وروى سمرة بن جندب عن رسول الله أنه قال: «أفْضَلُ الكَلامِ أرْبَعَةٌ: سُبْحَانَ الله، وَالحَمْدُ لله، ولا إله إلا الله، وَالله أَكْبَرُ» وَلا يَضُرُّكَ بِأيِّهِنَّ بَدَأْتَ.
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني: العزيز بالنقمة لمن لا يوحّده، وَهُوَ الْعَزِيزُ في اللغة: الذي لا يعجزه عما أراد.
ويقال: الْعَزِيزُ الذي لا يوجد مثله الْحَكِيمُ في أمره، وقضائه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الاول والاخر والظاهر والباطن وَهُوَ بِكُلِّ شَئ عَلِيمٌ ﴾ .
استئناف في سياق تبْيين أن له ملك السماوات والأرض، بأن مُلكه دائم في عموم الأزمان وتصرف فيهما في كل الأحوال، إذ هو الأول الأزلي، وأنه مستمر من قبل وجود كل محدث ومن بعد فنائه إذ الله هو الباقي بعد فناء ما في السماوات والأرض، وذلك يظهر من دلالة الآثار على المؤثِر فإن دلائل تصرفه ظاهرة للمتبصر بالعقل وهو معنى ﴿ الظاهر ﴾ كما يأتي، وأن كيفيات تصرفاته محجوبة عن الحس وذلك معنى ﴿ الباطن ﴾ تعالى كما سيأتي.
فضمير ﴿ هو ﴾ ليس ضمير فصل ولكنه ضمير يعبر عن اسم الجلالة لاعتبارنا الجملة مستأنفة، ولو جعلته ضمير فصل لكانت أوصاف ﴿ الأول والأخر والظاهر والباطن ﴾ أخباراً عن ضمير ﴿ هو العزيز الحكيم ﴾ [الحديد: 1].
وقد اشتملت هذه الجملة على أربعة أَخبار هي صفات لله تعالى.
فأما وصف ﴿ الأول ﴾ فأصل معناه الذي حصُل قبل غيره في حالة تُبينُها إضافة هذا الوصف إلى ما يدل على الحالة من زمان أو مكان، فقد يقع مع وصف (أول) لفظُ يدل على الحالة التي كان فيها السبق، وقد يستدل على تلك الحالة من سياق الكلام، فوصف ﴿ الأول ﴾ لا يتبين معناه إلا بما يتصل به من الكلام ولا يتصور إلا بالنسبة إلى موصوف آخر هو متأخر عن الموصوف ب (أول) في حالة مَّا.
فقول امرئ القيس: ومُهلهل الشعراء ذَاك الأول *** يفيد أنه مهلهل سابق غيره من الشعراء في الشعر، وقوله تعالى: ﴿ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ﴾ [الأنعام: 14] أي أولهم في اتباع الإِسلام، وقوله: ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ [البقرة: 41]، أي أولهم كُفراً وقوله: ﴿ وقالت أولاهم لأخراهم ﴾ [الأعراف: 39]، أي أُولاهم في الدخول إلى النار.
وأشهر معاني الأوَّلية هو السبق في الوجود، أي في ضد العدم، ألا ترى أن جميع الأحوال التي يسبق صاحبُها غيره فيها هي وجودات من الكيفيات، فوصف الله بأنه ﴿ الأول ﴾ معناه: أنه السابق وُجوده على كل موجود وُجد أو سيوجد، دون تخصيص جنس ولا نوع ولا صنف، ولكنه وصف نسبي غير ذاتي.
ولهذا لم يذكر لهذا الوصف هنا متعلِّق بكسر اللام، ولا ما يدل على متعلِّق لأن المقصود أنه الأول بدون تقييد.
ويرادف هذا الوصفَ في اصطلاح المتكلمين صفةُ القدم.
واعلم أن هذا الوصف يستلزم صفة الغِنَى المطلق، وهي عدم الاحتياج إلى المخصِّص، أي مخصص يخصصه بالوجود بدلاً عن العدم، لأن الأول هنا معناه الموجود لِذاته دون سبق عدم، وعدم الاحتياج إلى محل يقوم به قيام العرض بالجوهر.
ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود لأنه لو كان غيرُ الله واجباً وجودُه لما كان الله موصوفاً بالأولية، فالموجودات غير الله ممكنة، والممكن لا يتصف بالأولية المطلقة، فلذلك تثبت له الوحدانية، ثم هذه الأولية في الوجود تقتضي أن تثبت لله جميع صفات الكمال اقتضاء عقلياً بطريق الالتزام البينّ بالمعنى الأعمّ وهو الذي يلزم من تصور ملزومه وتصوُّره الجزم بالملازمة بينهما.
وأما وصف ﴿ الآخر ﴾ فهو ضد الأول، فأصله: هو المسبوق بموصوف بصفة متحدث عنها في الكلام أو مشار إليها فيه بما يذكر من متعلق به، أو تمييزه، على نحو ما تقدم في قوله: ﴿ هو الأول ﴾ كقوله تعالى: ﴿ حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ﴾ [الأعراف: 38] أي أخراهم في الإدِّرَاك في النار، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " آخر أهل الجنة دخولاً الجنة...
" الخ، وقول الحريري في المقامة الثانية «وجلس في أُخريات الناس»، أي الجماعات الأخريات في الجلوس، وهو وصف نسبيّ.
ووصف الله تعالى بأنه ﴿ الآخر ﴾ بعد وصفه بأنه ﴿ الأول ﴾ مع كون الوصفين متضادّين يقتضي انفكاك جهتي الأولية والآخرية، فلما تقرر أن كونه الأول متعلق بوجود الموجودات اقتضى أن يكون وصفه ب ﴿ الآخر ﴾ متعلقاً بانتقاض ذلك الوجود، أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ نرث الأرض ومن عليها ﴾ [مريم: 40] وقوله: ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ [القصص: 88].
فتقدير المعنى: والآخِر في ذلك أي في استمرار الوجود الذي تقرر بوصفه بأنه الأول.
وليس في هذا إشعار بأنه زائل ينتابه العدم، إذ لا يشعر وصف الآخِر بالزوال لا مطابقة ولا التزاماً، وهذا هو صفة البقاء في اصطلاح المتكلمين.
فآل معنى ﴿ الآخر ﴾ إلى معنى «الباقي»، وإنما أوثر وصف ﴿ الآخر ﴾ بالذكر لأنه مقتضى البلاغة ليتم الطباق بين الوصفين المتضادين، وقد عُلم عند المتكلمين أن البقاء غير مختص بالله تعالى وأنه لا ينافي الحُدوث على خلاف في تعيين الحوادث الباقية، بخلاف وصف القدم فإنه مختص بالله تعالى ومتناففٍ مع الحدوث.
واعلم أن في قوله: ﴿ هو الأول والأخر ﴾ دلالة قصر من طريق تعريف جزأي الجملة.
فأما قصر الأولية على الله تعالى في صفة الوجود فظاهر، وأما قصر الآخرية عليه في ذلك وهو معنى البقاء، فإن أريد به البقاء في العالم الدنيوي عرض إشكال المتعارض بما ورد من بقاء الأرواح، وحديث " أن عَجْب الذَّنب لا يفنى وأن الإِنسان منه يعادُ ".
ورفع هذا الإشكال أن يجعل القصر ادعائياً لعدم الاعتداد ببقاء غيره تعالى لأنه بقاء غير واجب بل هو بجعل الله تعالى.
والجمع بين وصفي ﴿ الأول والأخر ﴾ فيه محسّن الطباق.
و ﴿ الظاهر ﴾ الأرجح أنه مشتق من الظُّهور الذي هو ضد الخفاء فيكون وصفه تعالى به مجازاً عقلياً، فإن إسناد الظهور في الحقيقة هو ظهور أدلة صفاته الذاتية لأهل النظر والاستدلال والتدبر في آيات العالم فيكون الوصف جامعاً لصفته النفسية، وهي الوجود، إذ أدلة وجوده بيّنة واضحة ولصفاته الأخرى مما دل عليها فعله من قدرة وعلم وحياة وإرادة، وصفات الأفعال من الخلق والرزق والإِحياء والإِماتة كما علمت في قوله: ﴿ هو الأول ﴾ عن النقص أو ما دل عليها تنزيهه عن النقص كصفة الوحدانية والقدم والبقاء والغنى المطلق ومخالفة الحوادث، وهذا المعنى هو الذي يناسبه المقابلة بالباطن.
ويجوز أن يكون مشتقاً من الظهور، أي الغلبة كالذي في قوله تعالى: ﴿ إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم ﴾ [الكهف: 20]، فمعنى وصفه تعالى ب ﴿ الظاهر ﴾ أنه الغالب.
وهذا لا يناسب مقابلته ب ﴿ الباطن ﴾ إلا على اعتبار محسِّن الإِيهام، وما وقع في حديث أبي هريرة في «صحيح مسلم» من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأنت الظاهر فليس فوقك شيء " فمعنى فاء التفريع فيه أن ظهوره تعالى سبب في انتفاء أن يكون شيء فوق الله في الظهور، أي في دلالة الأدلة على وجوده واتصافه بصفات الكمال، فدلالة الفاء تفريع لا تفسير.
و ﴿ الباطن ﴾ الخفي يقال: بطن، إذا خفي ومصدره بُطُون.
ومعنى وصفه تعالى بباطن وصف ذاته وكنهه لأنه محجوب عن إدراك الحواس الظاهرة قال تعالى: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ [الأنعام: 103].
والقصر في قوله: ﴿ والظاهر والباطن ﴾ قصر ادعائي لأن ظهور الله تعالى بالمعنيين ظهور لا يدانيه ظهور غيره، وبطونه تعالى لا يشبهه بطون الأشياء الخفية إذ لا مطمع لأحد في إدراك ذاته ولا في معرفة تفاصيل تصرفاته.
والجمع بين وصفه ب ﴿ الظاهر ﴾ بالمعنى الراجح و ﴿ الباطن ﴾ كالجمع بين وصفه ب ﴿ الأول والآخر ﴾ كما علمته آنفاً.
وفي الجمع بينهما محسن المطابقة.
وفائدة إجراء الوصفين المتضادين على اسم الله تعالى هنا التنبيه على عظم شأن الله تعالى ليتدبر العالمون في مواقعها.
واعلم أن الواوات الثلاثة الواقعة بين هذه الصفات الأربع متحدة المعنى تقتضي كل واحدة منها عطف صفة.
وقال الزمخشري: «الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوّلية والآخريَّة.
والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين» اه.
وهو تشبث لا داعي إليه ولا دليل عليه ولو أريد ذلك لقال: هو الأول الآخر، والظاهر الباطن، بحذف واوين.
والمعنى الذي حاوله الزمخشري: تقتضيه معاني هاته الصفات بدون اختلاف معاني الواوات.
﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَئ عَلِيم ﴾ .
عطف على جملة ﴿ هو الأول والآخر ﴾ الخ عطفت صفة علمه على صفة ذاته، وتقدم نظير هذه الجملة في أوائل سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الحَدِيدِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، قالَ الكَلْبِيُّ هي مَكِّيَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ في هَذا التَّسْبِيحِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أنَّ خَلْقَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ يُوجِبُ تَنْزِيهَهُ عَنِ الأمْثالِ والأشْباهِ.
الثّانِي: تَنْزِيهُ اللَّهِ قَوْلًا مِمّا أضافَ إلَيْهِ المُلْحِدُونَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الصَّلاةُ، سُمِّيَتْ تَسْبِيحًا لِما تَتَضَمَّنَهُ مِنَ التَّسْبِيحِ، قالَهُ سُفْيانُ، والضَّحّاكُ.
فَقَوْلُهُ ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ وما فِيهِنَّ مِن غَيْرِهِمْ وما في الأرْضِ يَعْنِي في الحَيَوانِ والجَمادِ، وقَدْ ذَكَرْنا في تَسْبِيحِ الجَمادِ وسُجُودِهِ ما أغْنى عَنِ الإعادَةِ.
﴿ وَهُوَ العَزِيزُ ﴾ في انْتِصارِهِ، ﴿ الحَكِيمُ ﴾ في تَدْبِيرِهِ.
﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ ﴾ يُرِيدُ بِالأوَّلِ أنَّهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ لِقِدَمِهِ، وبِالآخِرِ لِأنَّهُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ لِبَقائِهِ.
﴿ والظّاهِرُ والباطِنُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الظّاهِرُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِعُلُوِّهِ، والباطِنُ إحاطَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لِقُرْبِهِ، قالَهُ ابْنُ حَيّانَ.
الثّانِي: أنَّهُ القاهِرُ لِما ظَهَرَ وبَطَنَ كَما قالَ تَعالى ﴿ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ الثّالِثُ: العالِمُ بِما ظَهَرَ وما بَطَنَ.
﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ يَعْنِي بِالأوَّلِ والآخِرِ والظّاهِرِ والباطِنِ.
وَلِأصْحابِ الخَواطِرِ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الأوَّلُ في ابْتِدائِهِ بِالنِّعَمِ، والآخِرِ في خِتامِهِ بِالإحْسانِ، والظّاهِرِ في إظْهارِ حُجَجِهِ لِلْعُقُولِ، والباطِنِ في عِلْمِهِ بِبَواطِنِ الأُمُورِ.
الثّانِي: الأوَّلُ بِكَشْفِ أحْوالِ الآخِرَةِ حِينَ تَرْغَبُونَ فِيها، والآخِرُ بِكَشْفِ أحْوالِ الدُّنْيا حِينَ تَزْهَدُونَ فِيها، والظّاهِرُ عَلى قُلُوبِ أوْلِيائِهِ حِينَ يَعْرِفُونَهُ، والباطِنُ عَلى قُلُوبِ أعْدائِهِ حِينَ يُنْكِرُونَهُ.
الثّالِثُ: الأوَّلُ قَبْلَ كُلِّ مَعْلُومٍ، والآخِرُ بَعْدَ كُلِّ مَخْتُومٍ، والظّاهِرُ فَوْقَ كُلِّ مَرْسُومٍ، والباطِنُ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَكْتُومٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ﴾ قال جماعة المفسرين: هو الأول قبل كل شيء، كان هو ولا شيء موجود، فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، يفني الأشياء، ويبقى آخرًا كما كان أولاً، وهذا يروى مرفوعًا أنه "الأول وليس قبله شيء والآخر وليس بعده شيء" (١) قال الأزهري: ولا يجوز أن يعدو في تفسير الاسمين ما روي عن النبي - - (٢) قوله تعالى: ﴿ وَالظَّاهِرُ ﴾ أي الغالب العالي على كل شيء، ومثل قوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾ أي غالبين عالين، من قولك: ظهرت على فلان أي علوته.
ومنه قوله تعالى: ﴿ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ وهذا معنى ما روي في الحديث: "والظاهر فليس فوقك شيء" وهذا قول أكثر أهل العلم (٣) (٤) قوله تعالى: ﴿ وَالْبَاطِنُ ﴾ قال أبو إسحاق: الباطن العالم بما بطن، كما تقول: فلان يبطن أمر فلان، أي يعلم دِخْلَةَ أمره (٥) قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر من فلان، أي: أخبر بباطنه فالله تعالى العالم الباطن بكل شيء فلا أحد أعلم منه (٦) (١) الحديث أخرجه مسلم (2713) في الدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع وفيه "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء" الحديث.
والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه، وأحمد 2/ 381، 404.
(٢) لم أجد هذا اللفظ في "تهذيب اللغة" 13/ 474 (بطن) وإنما قال: ومن صفات الله عز وجل: "الظاهر والباطن" لا تأويلها ما روي عن النبي - - في تمجيد الرب ..
وذكر الحديث.
(٣) انظر: "مجموع الفتاوي" 5/ 244 - 245، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 132، قال ابن كثير: وقال البخاري: قال يحيى: ونقل كلام الفراء.
"ابن كثير" 4/ 302.
(٤) انظر: "الكشاف" 4/ 63، و"فتح القدير" 5/ 165، ثم قال: وقد فسر هذه الأشياء الأربعة رسول الله - - فيتعين المصير إلى ذلك.
(٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 122.
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (بطن).
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الأول والآخر ﴾ أي ليس لوجوده بداية ولا لبقائه نهاية ﴿ والظاهر والباطن ﴾ أي الظاهر للعقول بالأدلة، والبراهين الدالة على الباطن، الذي لا تدركه الأبصار، أو الباطن الذي لا تصل العقول إلى معرفة كنة ذاته، وقيل: الظاهر: العالي على كل شيء فهو من قولك: ظهرت على الشيء إذا علوت عليه، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه، والأول أظهر وأرجح.
ودخلت الواو بين هذه الصفات لتدل على أنه تعالى جامع لها، مع اختلاف معاينها، وفي ذلك مطابقة لفظية، وهي من أحسن أدوات البيان.
<div class="verse-tafsir"
هو الأول الذي لا شيء قبله، وهو الآخر الذي لا شيء بعده، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، وهو بكل شيء عليم، لا يفوته شيء.
من فوائد الآيات شدة سكرات الموت وعجز الإنسان عن دفعها.
الأصل أن البشر لا يرون الملائكة إلا إن أراد الله لحكمة.
أسماء الله (الأول، الآخر، الظاهر، الباطن) تقتضي تعظيم الله ومراقبته في الأعمال الظاهرة والباطنة.
<div class="verse-tafsir" id="91.yzmJE"