الآية ١٠١ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٠١ من سورة الأعراف

تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٠١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠١ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما قص تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر قوم نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب [ عليهم الصلاة والسلام ] وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين ، وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل ، صلوات الله عليهم أجمعين ، قال تعالى : ( تلك القرى نقص عليك ) أي : يا محمد ( من أنبائها ) أي : من أخبارها ، ( ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ) أي : بالحجج على صدقهم فيما أخبروهم به ، كما قال تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [ الإسراء : 15 ] وقال تعالى : ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ) [ هود : 101 ، 102 ] وقوله تعالى : ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ) الباء سببية ، أي : فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم .

حكاه ابن عطية ، رحمه الله ، وهو متجه حسن ، كقوله : ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) [ الأنعام : 110 ، 111 ] ; ولهذا قال هنا : ( كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هذه القرى التي ذكرت لك، يا محمد، أمَرها وأمر أهلها= يعني: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب= " نقص عليك من أنبائها " فنخبرك عنها وعن أخبار أهلها, وما كان من أمرهم وأمر رُسل الله التي أرسلت إليهم, (6) لتعلم أنا ننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا على أعدائنا وأهل الكفر بنا، ويعلم مكذبوك من قومك ما عاقبة أمر من كذَّب رسل الله, فيرتدعوا عن تكذيبك, وينيبوا إلى توحيد الله وطاعته= " ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات "، يقول: ولقد جاءت أهل القرى التي قصصت عليك نبأها،= " رسلهم بالبينات "، يعني بالحجج: البينات (7) = " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ".

* * * [ثم] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

(8) .

فقال بعضهم: معناه: فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكناهم من أهل القرى ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم بما كذبوا من قبل ذلك, (9) وذلك يوم أخذِ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام.

* ذكر من قال ذلك.

14901 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل " قال : ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهًا.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل، بما سبق في علم الله أنهم يكذبون به يوم أخرجهم من صُلب آدم عليه السلام .

* ذكر من قال ذلك: 14902 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن أبي جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية, عن أبي بن كعب: " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل: قال: كان في علمه يوم أقرُّوا له بالميثاق " .

14903 - حدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس قال، يحق على العباد أن يأخذوا من العلم ما أبدى لهم ربهم والأنبياء، ويدعوا علمَ ما أخفى الله عليهم, (10) فإن علمه نافذٌ فيما كان وفيما يكون، وفي ذلك قال: " ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين "، قال: نفذ علمه فيهم، أيُّهم المطيع من العاصي حيث خلقهم في زمان آدم.

وتصديق ذلك حيث قال لنوح: اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ، [هود: 48]، وقال في ذلك: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ، [الأنعام: 28]، وفي ذلك قال: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا [الإسراء: 15]، وفي ذلك قال: لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165]، ولا حجة لأحد على الله.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: " فما كانوا " لو أحييناهم بعد هلاكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب الله، " ليؤمنوا بما كذبوا من قبل " هلاكهم, كما قال جل ثناؤه: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ .

* ذكر من قال ذلك: 14904 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: " بما كذبوا من قبل "، قال: كقوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ .

قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بتأويل الآية وأولاها بالصواب, القولُ الذي ذكرناه عن أبيّ بن كعب والربيع.

وذلك أن من سبق في علم الله تبارك وتعالى أنه لا يؤمن به, فلن يؤمن أبدًا, وقد كان سبق في علم الله تبارك وتعالى لمن هلك من الأمم التي قص نبأهم في هذه السورة، أنه لا يؤمن أبدًا, فأخبر جل ثناؤه عنهم, أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذبون في سابق علمه، قبل مجيء الرسل وعند مجيئهم إليهم.

ولو قيل: تأويله: فما كان هؤلاء الذين وَرِثوا الأرض، يا محمد، من مشركي قومك من بعد أهلها، الذين كانوا بها من عاد وثمود, ليؤمنوا بما كذب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده= كان وجهًا ومذهبًا, غير أني لا أعلم قائلا قاله ممن يعتمد على علمه بتأويل القرآن.

* * * وأما الذي قاله مجاهد من أن معناه: لو ردّوا ما كانوا ليؤمنوا= فتأويلٌ لا دلالة عليه من ظاهر التنـزيل, ولا من خبر عن الرسول صحيح.

وإذا كان ذلك كذلك, فأولى منه بالصواب ما كان عليه من ظاهر التنـزيل دليل.

* * * وأما قوله: " كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين " ، فإنه يقول تعالى ذكره: كما طبع الله على قلوب هؤلاء الذين كفروا بربهم وعصوا رسله من هذه الأمم التي قصصنا عليك نبأهم، يا محمد، في هذه السورة، حتى جاءهم بأسُ الله فهلكوا به= " كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين " ، الذين كتب عليهم أنهم لا يؤمنون أبدًا من قومك.

(11) .

---------------- الهوامش : (6) انظر تفسير (( القصص )) فيما سلف 12 : 406 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

= وتفسير(( النبأ )) فيما سلف 12 : 287 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(7) انظر تفسير (( البينات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .

(8) الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق .

(9) في المطبوعة : (( بما كذبوا قبل ذلك )) ، وفي المخطوطة : (( بما يحدثوا قبل ذلك )) ، واستظهرت أن يكون الصواب ما أثبت ، لقوله في الأثر الذي استدل به (( فآمنوا كرها )) .

(10) في المخطوطة : (( ولوا علم ما أخفي الله عليهم )) ، وكأن الصواب ما في المطبوعة.

(11) انظر تفسير الطبع فيما سلف 12 : 579 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرينقوله تعالى تلك القرى أي هذه القرى التي أهلكناها ; وهي قرى نوح وعاد ولوط وهود وشعيب المتقدمة الذكر .نقص أي نتلو عليك من أنبائها أي من أخبارها .

وهي تسلية للنبي عليه السلام والمسلمين .فما كانوا ليؤمنوا أي فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لو أحييناهم ; قاله مجاهد .

نظيره ولو ردوا لعادوا .

وقال ابن عباس والربيع : كان في علم الله تعالى يوم أخذ عليهم الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل .بما كذبوا من قبل يريد يوم الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرها لا طوعا .

قال السدي : آمنوا يوم أخذ عليهم الميثاق كرها فلم يكونوا ليؤمنوا الآن حقيقة .

وقيل : سألوا المعجزات ، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤية المعجزة .

نظيره كما لم يؤمنوا به أول مرة .كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين أي مثل طبعه على قلوب هؤلاء المذكورين كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ تِلْكَ الْقُرَى ْ} الذين تقدم ذكرهم { نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ْ} ما يحصل به عبرة للمعتبرين، وازدجار للظالمين، وموعظة للمتقين.

{ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ْ} أي: ولقد جاءت هؤلاء المكذبين رسلهم تدعوهم إلى ما فيه سعادتهم، وأيدهم اللّه بالمعجزات الظاهرة، والبينات المبينات للحق بيانا كاملا، ولكنهم لم يفدهم هذا، ولا أغنى عنهم شيئا، { فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ْ} أي: بسبب تكذيبهم وردهم الحق أول مرة، ما كان ليهديهم للإيمان، جزاء لهم على ردهم الحق، كما قال تعالى: { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ْ} { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ْ} عقوبة منه.

وما ظلمهم اللّه ولكنهم ظلموا أنفسهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( تلك القرى ) أي : هذه القرى التي ذكرت لك أمرها وأمر أهلها ، يعني : قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب ، ( نقص عليك من أنبائها ) أخبارها لما فيها من الاعتبار ، ( ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ) بالآيات والمعجزات والعجائب ، ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ) أي : فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات والعجائب بما كذبوا من قبل رؤيتهم تلك العجائب ، نظيره قوله - عز وجل - : ( قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) ( المائدة - 102 ) .

قال ابن عباس والسدي : يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم ، فأقروا باللسان وأضمروا التكذيب .

وقال مجاهد : معناه فما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم ، لقوله - عز وجل - : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) ( الأنعام - 28 ) .

قال يمان بن رباب : هذا على معنى أن كل نبي أنذر قومه بالعذاب فكذبوه ، يقول : ما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الخالية ، بل كذبوا بما كذب أوائلهم ، نظيره قوله - عز وجل - : ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ) ( الذاريات - 52 ) .

( كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ) أي : كما طبع الله على قلوب الأمم الخالية التي أهلكها ، كذلك يطبع الله على قلوب الكفار الذين كتب عليهم أن لا يؤمنوا من قومك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«تلك القرى» التي مرَّ ذكرها «نقصُّ عليك» يا محمد «من أنبائها» أخبار أهلها «ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات» المعجزات الظاهرات «فما كانوا ليؤمنوا» عند مجيئهم «بما كذبوا» كفروا به «من قبل» قبل مجيئهم بل استمروا على الكفر «كذلك» الطبع «يطبع الله على قلوب الكافرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

تلك القرى التي تَقَدَّم ذِكْرُها، وهي قرى قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، نقصُّ عليك -أيها الرسول- من أخبارها، وما كان من أَمْر رسل الله التي أرسلت إليهم، ما يحصل به عبرة للمعتبرين وازدجار للظالمين.

ولقد جاءت أهلَ القرى رسلنا بالحجج البينات على صدقهم، فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل؛ بسبب طغيانهم وتكذيبهم بالحق، ومثل خَتْمِ الله على قلوب هؤلاء الكافرين المذكورين يختم الله على قلوب الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الزمخشرى : قوله - تعالى - : ( تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا ) كقوله : ( وهذا بَعْلِي شَيْخاً ) فى أنه مبتدأ وخبر وحال .

ويجوز أن يكون القرى صفة لتلك ونقص خبراً ، وأن يكون ( القرى نَقُصُّ ) خبراً بعد خبر .

فإن قلت : ما معنى ( تِلْكَ القرى ) ؟

حتى يكون كلاما مفيداً .

قلت : هو مفيد ولكن بشرط التقييد بالحال كما يفيد بشرط التقييد بالصفة فى قولك : هو الرجل الكريم .

فإن قلت : ما معنى الإخبار عن القرى بنقص عليك من أنبائها؟

قلت : معناه أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أخبارها ولها أنباء أخرى لم نقصها عليك " .وإنما قص الله - تعالى - على رسوله صلى الله عليه وسلم أنباء أهل هذه القرى ، لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم ، فتوهموا أنهم على الحق ، فذكرها الله لمن أرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليحترسوا عن مثل تلك الأعمال ، وليعتبروا بما أصاب الغافلين الطاغين من قبلهم .ثم بين - سبحانه - أنه قد أعذر إليهم بأن وضح لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل فقال : ( وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ ) أى : ولقد جاء إلى أهل تلك القرى رسلهم بالدلائل الدالة على صدقهم ، فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات من رسلهم بما كانوا قد كذبوا به قبل رؤيتها منهم ، لأنهم لجحودهم وعنادهم تحجرت قلوبهم ، واستوت عندهم الحالتان : حالة مجىء الرسل بالمعجزات وحالة عدم مجيئتهم بها .وقيل إن المعنى : ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلالكهم ورددناهم إلى دار التكليف ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل إهلاكهم ، ونظيره قوله - تعالى - ( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ) .وقوله : ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين ) أى : " مثل ذلك الطبع الشديد المحكم الذى طبع الله به على قلوب أهل تلك القرى المهلكة ، يطبع الله على قلوب أولئك الكافرين الذين جاءوا من بعدهم بسبب إيثارهم الضلالة على الهداية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم من الآيات حال الكفار الذين أهلكهم الله بالاستئصال مجملاً ومفصلاً أتبعه ببيان أن الغرض من ذكر هذه القصص حصول العبرة لجميع المكلفين في مصالح أديانهم وطاعاتهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف القراء فقرأ بعضهم ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ ﴾ بالياء المعجمة من تحتها، وبعضهم بالنون، قال الزجاج: إذا قرئ بالياء المعجمة من تحت كان قوله: ﴿ أَن لَّوْ نَشَاءُ ﴾ مرفوعاً بأنه فاعله بمعنى أو لم يهد للذين يخلفون أولئك المتقدمين ويرثون أرضهم وديارهم، وهذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين، إذا قرئ بالنون فهو منصوب، كأنه قيل أولم نهد للوارثين هذا الشأن بمعنى أو لم نبين لهم أن قريشاً أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم؟

المسألة الثانية: المعنى أو لم نبين للذين نبعثهم في الأرض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها فنهلكهم بعدهم؟

وهو معنى لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، أي عقاب ذنوبهم، وقوله: ﴿ وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ ﴾ أي إن لم نهلكهم بالعقاب نطبع على قلوبهم ﴿ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ أي لا يقبلون، ولا يتعظون، ولا ينزجرون وإنما قلنا: إن المراد إما الإهلاك وإما الطبع على القلب، لأن الإهلاك لا يجتمع مع الطبع على القلب، فإنه إذا أهلكه يستحيل أن يطبع على قلبه.

المسألة الثالثة: استدل أصحابنا على أنه تعالى قد يمنع العبد عن الإيمان بقوله: ﴿ وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد على ما قررناه في آيات كثيرة.

قال الجبائي: المراد من هذا الطبع أنه تعالى يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن أصحابها لا يؤمنون، وتلك العلامة غير مانعة من الإيمان.

وقال الكعبي: إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله تعالى: ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً  ﴾ .

واعلم أن البحث عن حقيقة الطبع والختم قد مر مراراً كثيرة فلا فائدة في الإعادة.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَنَطْبَعُ ﴾ هل هو منقطع عما قبله أو معطوف على ما قبله.

فيه قولان: القول الأول: أنه منقطع عن الذي قبله، لأن قوله: ﴿ أصبنا ﴾ ماض وقوله: ﴿ وَنَطْبَعُ ﴾ مستقبل وهذا العطف ليس بمستحسن، بل هو منقطع عما قبله، والتقدير: ونحن نطبع على قلوبهم.

والقول الثاني: أنه معطوف على ما قبله قال صاحب الكشاف: هو معطوف على ما دل عليه معنى ﴿ أَوَ لَمْ يَهْدِ ﴾ كأنه قيل يغفلون عن الهداية، ونطبع على قلوبهم أو معطوف على قوله: ﴿ يَرِثُونَ الأرض ﴾ ثم قال: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ أصبناهم ﴾ لأنهم كانوا كفاراً وكل كافر فهو مطبوع على قلبه، فقوله بعد ذلك: ﴿ وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ ﴾ يجري مجرى تحصيل الحاصل وهو محال، هذا تقرير قول صاحب الكشاف على أقوى الوجوه وهو ضعيف، لأن كونه مطبوعاً عليه إنما يحصل حال استمراره وثباته عليه، فهو يكفر أولاً، ثم يصير مطبوعاً عليه في الكفر، فلم يكن هذا منافياً لصحة العطف.

ثم قال تعالى: ﴿ تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ﴾ قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ مبتدأ ﴿ والقرى ﴾ صفة و ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ خبر، والمراد بتلك القرى قرى الأقوام الخمسة الذين وصفهم فيما سبق، وهم: قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، نقص عليك من أخبارها كيف أهلكت.

وأما أخبار غير هؤلاء الأقوام، فلم نقصها عليك، وإنما خص الله أنباء هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم فتوهموا أنهم على الحق، فذكرها الله تعالى تنبيهاً لقوم محمد عليه الصلاة والسلام عن الاحتراز من مثل تلك الأعمال.

ثم عزاه الله تعالى بقوله: ﴿ وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات ﴾ يريد الأنبياء الذين أرسلوا إليهم وقوله: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ ﴾ فيه قولان: الأول: قال ابن عباس والسدي: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا به يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم، فآمنوا كرهاً، وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب.

الثاني: قال الزجاج: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به قبل رؤية تلك المعجزات.

الثالث: ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم إلى دار التكليف ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل إهلاكهم، ونظيره قوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ الرابع: قبل مجيء الرسول كانوا مصرين على الكفر، فهؤلاء ما كانوا ليؤمنوا بعد مجيء الرسل أيضاً.

الخامس: ليؤمنوا في الزمان المستقبل.

ثم إنه تعالى بين السبب في عدم هذا القبول فقال: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين ﴾ قال الزجاج: والكاف في ﴿ كذلك ﴾ نصب، والمعنى: مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية، يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم أن لا يؤمنوا أبداً والله أعلم بحقائق الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ﴾ كقوله: ﴿ هذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ [هود: 72] في أنه مبتدأ وخبر وحال ويجوز أن يكون ﴿ القرى ﴾ صفة لتلك و ﴿ نَقُصُّ ﴾ خبراً، وأن يكون ﴿ القرى نَقُصُّ ﴾ خبر بعد خبر.

فإن قلت: ما معنى: ﴿ تِلْكَ القرى ﴾ حتى يكون كلاماً مفيداً؟

قلت: هو مفيد، ولكن بشرط التقييد بالحال كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك: هو الرجل الكريم.

فإن قلت: ما معنى الإخبار عن القرى بنقص عليك من أنبائها؟

قلت: معناه: أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ عند مجيء الرسل بالبينات بما كذبوه من آيات الله من قبل مجيء الرسل أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أوّلاً حين جاءتهم الرسل، أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين، لا يرعوون ولا تلين شكيمتهم في كفرهم وعنادهم مع تكرار المواعظ عليهم وتتابع الآيات.

ومعنى اللام تأكيد النفي وأنّ الإيمان كان منافياً لحالهم في التصميم على الكفر.

وعن مجاهد: هو كقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ [الأنعام: 28] .

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مثل ذلك الطبع الشديد نطبع على قلوب الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ تِلْكَ القُرى ﴾ يَعْنِي قُرى الأُمَمِ المارِّ ذِكْرُهم.

﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ﴾ حالٌ إنْ جَعَلَ القُرى خَبَرًا وتَكُونُ إفادَتُهُ بِالتَّقْيِيدِ بِها، وخَبَرٌ إنْ جُعِلَتْ صِفَةً ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ نَقُصُّ بَعْضَ أنْبائِها، ولَها أنْباءٌ غَيْرُها لا نَقُصُّها.

﴿ وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ بِالمُعْجِزاتِ.

﴿ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ بِها.

﴿ بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ﴾ بِما كَذَّبُوهُ مِن قَبْلِ الرُّسُلِ بَلْ كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى التَّكْذِيبِ، أوْ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا مُدَّةَ عُمُرِهِمْ بِما كَذَّبُوا بِهِ أوَّلًا حِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ، ولَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ قَطُّ دَعْوَتُهُمُ المُتَطاوِلَةُ والآياتُ المُتَتابِعَةُ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ما صَلَحُوا لِلْإيمانِ لِمُنافاتِهِ لِحالِهِمْ في التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ والطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ.

﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ ﴾ فَلا تَلِينُ شَكِيمَتُهم بِالآياتِ والنُّذُرِ.

﴿ وَما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ ﴾ لِأكْثَرِ النّاسِ، والآيَةُ اعْتِراضٌ أوْ لِأكْثَرِ الأُمَمِ المَذْكُورِينَ.

﴿ مِن عَهْدٍ ﴾ مِن وفاءِ عَهْدٍ، فَإنَّ أكْثَرَهم نَقَضُوا ما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِمْ في الإيمانِ والتَّقْوى بِإنْزالِ الآياتِ ونَصْبِ الحُجَجِ، أوْ ما عَهِدُوا إلَيْهِ حِينَ كانُوا في ضُرٍّ ومَخافَةٍ مِثْلَ ﴿ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ .

﴿ وَإنْ وجَدْنا أكْثَرَهُمْ ﴾ أيْ عَلِمْناهم.

﴿ لَفاسِقِينَ ﴾ مِن وجَدْتُ زَيْدًا ذا الحِفاظِ لِدُخُولِ أنِ المُخَفَّفَةِ واللّامِ الفارِقَةِ، وذَلِكَ لا يُسَوَّغُ إلّا في المُبْتَدَإ والخَبَرِ والأفْعالِ الدّاخِلَةِ عَلَيْهِما، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ إنْ لِلنَّفْيِ واللّامُ بِمَعْنى إلّا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا} كقوله هذا بعلى شيخا في أنه مبتدأ وخبر وحال أو تكون القراى صفة تكل ونقص خبر أو المعنى تلك الفقرات المذكور من قوم نوح إلى قوم شعيب نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليمك {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات} بالمعجزات {فَمَا كَانُواْ ليؤمنوا} عند مجئ الرسل بالبينات ما كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ بما كذبوا من آيات الله من قبل مجئ الرسل أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر اعمارهم بما كذبوا به أو لا حين جاءتهم الرسل أي استمروا على التكذيب من قبل التكذي من لدن مجئ الرسل اليهم إلى أن مابوا مصرين مع تتابع الآيات واللام لتاكيد النى ف {كذلك} مثل ذلى الطبع الشديد {يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين} لما علم منهم أنهم يختارون الثبات على الكفر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى الفَذْلَكَةِ مِمّا قَبْلَها مُنْبِئَةٌ عَنْ غايَةِ غِوايَةِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، وتِلْكَ إشارَةٌ إلى قُرى الأُمَمِ المَحْكِيَّةِ مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، والقُرى صِفَتُهُ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ مُبْتَدَأً، والقُرى خَبَرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى رَأْيِ مَن يَرى جَوازَ كَوْنِ الخَبَرِ الثّانِي جُمْلَةً، وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا، وإفادَةُ الكَلامِ بِالتَّقْيِيدِ بِها، واعْتَرَضَهُ في التَّقْرِيبِ بِأنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الإفادَةِ التَّقْيِيدَ بِالحالِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ذَلِكَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ يَنْتَفِي الشَّرْطُ إلّا أنْ يُرِيدَ تِلْكَ القُرى المَعْلُومَةَ حالُها أوْ صِفَتُها عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ لَكِنَّهُ يُوجِبُ الِاسْتِغْناءَ عَنِ اشْتِراطِ إفادَتِهِ بِالحالِ.

انْتَهى، وفِيهِ أنَّ حَدِيثَ الِاسْتِغْناءِ مَمْنُوعٌ؛ فَإنَّ المَعْنى كَما في الكَشْفِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّهُ إذا جُعِلَ حالًا يَكُونُ المَقْصُودُ تَقْيِيدَهُ بِالحالِ، كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ في نَحْوِ: هَذا زِيدٌ قائِمًا.

إذا جُعِلَ قَيْدًا لِلْخَبَرِ، إنَّ الكَلامَ إنَّما يَكُونُ مَعَ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ زَيْدٌ، وإلّا جاءَ الإحالَةُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ زَيْدٌ قائِمًا كانَ أوْ لا، وإذا جُعِلَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ (فَتِلْكَ القُرى) عَلى أُسْلُوبِ ذَلِكَ الكِتابِ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ، (ونَقُصُّ) خَبَرٌ ثانٍ تَفْخِيمًا عَلى تَفْخِيمٍ، حَيْثُ نَبَّهَ عَلى أنَّ لَها قِصَصًا وأحْوالًا أُخْرى مَطْوِيَّةً.

وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ الحالَ لَمّا كانَتْ فَضْلَةً كانَ الإشْكالُ قائِمًا في عَدَمِ إفادَةِ الخَبَرِ، فَأُجِيبَ بِأنَّها لَيْسَتْ فَضْلَةً مِن كُلِّ وجْهٍ، وأمّا الخَبَرُ فَلا عَجَبَ مِن كَوْنِهِ كالجُزْءِ مِنَ الأوَّلِ كَما في قَوْلِكَ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وهو بِمَنزِلَتِهِ، وفِيهِ أنَّ عَدَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ حامِضٌ ومُسْتَغْنًى عَنْهُ بِالحُلْوِ، ومِثْلُهُ، بَلْ أدْهى وأمَرُّ.

الجَوابُ بِأنَّهُ لَمّا اشْتَرَكَ الحُلْوانِ في ذاتِ المُبْتَدَأِ كَفى إفادَةُ أحَدِهِما وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ انْقِضاءِ القِصَّةِ بَعْدُ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ أيْ: بَعْضَ أخْبارِها الَّتِي فِيها عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِذِكْرِ القُرى وإضافَةُ الأنْباءِ أيِ الأخْبارِ العَظِيمَةِ الشَّأْنِ إلَيْها مَعَ أنَّ المَقْصُودَ أنْباءُ أهْلِها وبَيانُ أحْوالِهِمْ حَسْبَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ لِما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ مِن أنَّ حِكايَةَ هَلاكِهِمْ بِالمَرَّةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ أماكِنَهم أيْضًا بِالخَسْفِ والرَّجْفَةِ وبَقائِها خاوِيَةً مُعَطَّلَةً أهْوَلُ وأفْظَعُ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( بِالبَيِّناتِ ) مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِالفِعْلِ المَذْكُورِ عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ، أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالبَيِّناتِ عَلى مَعْنى أنَّ رَسُولَ كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ الخاصَّ بِهِمْ جاءَهم بِالمُعْجِزاتِ البَيِّنَةِ الجَمَّةِ، لا أنَّ كَلَّ رَسُولٍ جاءَ بِبَيِّنَةٍ واحِدَةً، وما ذَكَرُوهُ مِن أنَّ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ لا يَقْتَضِي كَما قالَ المَوْلى المُدَقِّقُ أبُو القاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ في تَعْلِيقاتِهِ عَلى المُطَوَّلِ أنْ يَلْزَمَ في كُلِّ مُقابَلَةٍ مُقارَنَةُ الواحِدِ لِلْواحِدِ؛ لِأنَّ انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ كَما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى السَّواءِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى التَّفاوُتِ، مَثَلًا إذا قِيلَ: باعَ القَوْمُ دَوابَّهُمْ، يُفْهَمُ أنَّ كُلًّا مِنهم باعَ ما لَهُ مِن دابَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَدَّدَ دابَّةُ البَعْضِ، ولِهَذا قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ ﴾ إنَّ غَسْلَ يَدَيْ كُلِّ شَخْصٍ ثابِتٌ بِالكِتابِ، والمَقامُ هُنا يَقْتَضِي ما ذَكَرْناهُ؛ إنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ عُتُوِّهم وعِنادِهِمْ.

وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ في الزَّمانِ الماضِي لا لِعَدَمِ اسْتِمْرارِ إيمانِهِمْ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: ( ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ) وتَرْتِيبُ حالِهِمْ هَذِهِ عَلى مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ بِالفاءِ لِما أنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلى فِعْلٍ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ يُعَدُّ بِحَسْبِ العُنْوانِ فِعْلًا جَدِيدًا وصُنْعًا حادِثًا كَما فِي: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، ودَعْوَتُهُ فَلَمْ يُجِبْ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ: فَما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِقَوْمٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لِيُؤْمِنُوا، بَلْ كانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا مِنهم إلى أنْ لَقُوا ما لَقُوا لِغايَةِ عُتُوِّهم وشَدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ، ثُمَّ إنْ كانَ المَحْكِيُّ آخِرَ حالِ كُلِّ قَوْمٍ مِنهم فالمُرادُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ هو إصْرارُهم عَلى ذَلِكَ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، وبِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ﴾ تَكْذِيبِهِمْ مِن لَدُنْ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى وقْتِ الإصْرارِ والعِنادِ، وهَذا مَعْنى كَلامِ الزَّجّاجِ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ رُؤْيَةِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ بِما كَذَّبُوا قَبْلَ رُؤْيَتِها، يَعْنِي أوَّلَ ما جاءُوهم فَجاءُوهم بِالتَّكْذِيبِ فَأتَوْا بِالمُعْجِزاتِ فَأصَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ أيْضًا، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ كالأوَّلِ بَلْ جُعِلَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ المَحْذُوفِ عائِدُهُ أيِ الَّذِي كَذَّبُوهُ إيذانًا بِأنَّهُ بَيِّنٌ في نَفْسِهِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ عَدَمُ إيمانِهِمْ بَعْدَ تَواتُرِ البَيِّناتِ الباهِرَةِ وتَظاهُرِ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الَّتِي كانَتْ تَضْطَرُّهم إلى القَبُولِ لَوْ كانُوا مِن ذَوِي العُقُولِ، والمَوْصُولُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الإيمانُ والتَّكْذِيبُ إيجابًا وسَلْبًا عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ الشَّرائِعِ الَّتِي جاءَ بِها كُلُّ رَسُولٍ أُصُولِها وفُرُوعِها وإنْ كانَ المَحْكِيُّ أحْوالَ كُلِّ قَوْمٍ مِنهم فالمُرادُ عَلى ما قِيلَ بِما ذُكِرَ أوَّلًا كُفْرُهُمُ المُسْتَمِرُّ مِن حِينِ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى آخِرِ أمْرِهِمْ، وبِما أُشِيرَ إلَيْهِ آخِرًا تَكْذِيبُهم قَبْلَ مَجِيئِهِمْ فَلا بُدَّ مِن جَعْلِ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَقْبَلُ التَّبَدُّلَ والتَّغَيُّرَ، واجْتَمَعَتِ الرُّسُلُ قاطِبَةً عَلَيْها ودَعَوُا الأُمَمَ إلَيْها، كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ ولَوازِمُها ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِها قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَها مِن بَقايا مَن قَبْلَهم فَيُكَذِّبُونَها لا أنَّ العَقْلَ يُرْشِدُ إلَيْها ويَحْكُمُ بِها ويُخالِفُونَهُ ثُمَّ كانَتْ حالُهم بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ كَحالِهِمْ قَبْلُ كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ أحَدٌ، وتَخْصِيصُ التَّكْذِيبِ وعَدَمِ الإيمانِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأُصُولِ لِظُهُورِ حالِ الباقِي بِدَلالَةِ النَّصِّ؛ فَإنَّهم حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ كافَّةُ الرُّسُلِ فَلِأنْ لا يُؤْمِنُوا بِما تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُهم أوْلى، وعَدَمُ جَعْلِ هَذا التَّكْذِيبِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ لِما أنَّهُ لَيْسَ مَدارَ العَذابِ بَلْ مَدارُهُ التَّكْذِيبُ بَعْدَ البَعْثَةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ وإنَّما ذُكِرَ ما وقَعَ قَبْلَها بَيانًا لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ آخِرًا تَكْذِيبُهُمُ الَّذِي أسَرُّوهُ يَوْمَ المِيثاقِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والرَّبِيعِ والسُّدِّيَّ ومُقاتِلٍ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّ الآيَةَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ فالمَعْنى ما كانُوا لَوْ أهْلَكْناهم ثُمَّ أحْيَيْناهم لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا قَبْلَ إهْلاكِهِمْ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ جَمِيعُ الشَّرائِعِ أُصُولِها وفُرُوعِها وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في إصْرارِهِمْ وعُتُوِّهِمْ ما لا يَخْفى إلّا أنَّهُ في غايَةِ الخَفاءِ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ مُتَوافِقَةٌ في المَرْجِعِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( كَذَّبُوا ) راجِعٌ إلى أسْلافِهِمْ، والمَعْنى: فَما كانَ الأبْناءُ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ الآباءُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ الياءَ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى عَلَيْهِ كَما قِيلَ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا الآنَ أيْ: عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ لِما سَبَقَ مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ، الَّذِي ألِفُوهُ وتَمَرَّنُوا عَلَيْهِ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ أوْ لَمْ يُؤْمِنُوا قَطُّ واسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِما حَصَلَ مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ حِينَ مَجِيءِ الرُّسُلِ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ الشَّدِيدِ المُحْكَمِ ﴿ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ ﴾ أيْ: قُلُوبِهِمْ، فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الطَّبْعَ بِسَبَبِ الكُفْرِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّجّاجِ وصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، ويَجُوزُ -ولَعَلَّهُ الأوْلى- أنْ يُرادَ بِالكافِرِينَ ما يَشْمَلُ المَذْكُورِينَ وغَيْرَهُمْ، وفي ذَلِكَ مِن تَحْذِيرِ السّامِعِينَ ما لا يَخْفى، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ يعني: أو لم يبين.

قال القتبي: أصل الهدى الإرشاد كقوله: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي يعني: يرشدني.

ثم يصير الإرشاد لمعان منها إرشاد بيان مثل قوله أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يعني: أو لم يبيِّن لهم.

ومنها إرشادٌ بمعنى بالدعاء كقوله: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7] يعني: نبياً يدعوهم وقوله: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: 73] أي يدعون الخلق.

وقرأ بعضهم أو لم نهد بالنون يعني: أو لم نبين لهم الطريق.

ومن قرأ بالياء معناه: أو لم يبين الله للذين يرثون الأرض من بعد أهلها يعني: ينزلون الأرض مِنْ بَعْدِ هلاك أَهْلِها.

ويقول أو نبيّن لأهل مكة هلاك الأمم الخالية كيف أهلكناهم ولم يقدر معبودهم على نصرتهم.

أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يعني: أهلكناهم بذنوبهم كما أهلكنا من كان قبلهم عند التكذيب.

ثم قال: وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني: نختم على قلوبهم بأعمالهم الخبيثة عقوبة لهم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ الحق ولا يقبلون المواعظ.

ثم قال عز وجل: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها أي تلك القرى التي أهلكنا أهلها، نخبرك في القرآن من حديثها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالعلامات الواضحة، والبراهين القاطعة، التي لو اعتبروا بها لاهتدوا.

فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ يعني: إن أهل مكة لم يصدقوا بما كذب به الأمم الخالية.

وقال مجاهد: فما كانوا ليؤمنوا بعد العذاب بما كذبوا من قبل وهذا مثل قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28] وقال السدي: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي يوم الميثاق فما كانوا ليؤمنوا في دار الدنيا بما كذبوا من قبل يوم الميثاق وأقروا به.

وهو قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: 172] ثم في الدنيا ما وجدناهم على ذلك الإقرار.

ويقال: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيء الرسل بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ مجيء الرسل معناه أن مجيء الرسل لم ينفعهم.

كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يعني: هكذا يختم الله تعالى عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ مجازاة لكفرهم.

قوله تعالى: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ مِنْ زيادة للصلة يعني: ما وجدنا لأكثرهم وفاءً فيما أمروا به يعني: الذين كذبوا من الأمم الخالية.

ويقال: مَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ لأنهم أقروا يوم الميثاق، ثم نقضوا العهد حيث كفروا.

ويقال: مَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ أي قبول العهد الذي عاهدوا على لسان الرسل.

ثم قال: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ يعني: وقد وجدنا أكثرهم لناقضين العهد، تاركين لما أمروا به.

قوله تعالى ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى يعني: أرسلنا من بعد الرسل الذين ذكرهم في هذه السورة.

ويقال: ثم بعثنا من بعد هلاكهم موسى وهو موسى بن عمران بِآياتِنا يعني: اليد البيضاء والعصا إِلى فِرْعَوْنَ وهو ملك مصر واسمه الوليد بن مصعب.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: كان فرعون في وقت يوسف فعاش إلى وقت موسى عليهما السلام.

فبعث الله تعالى إليه موسى ليأخذ عليه الحجة.

وأنكر عليه ذلك عامة المفسرين.

وقالوا هو كان غيره، وكان جباراً، ظهر بمصر واستولى عليها، وأرسل الله تعالى إليه موسى فذلك قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعني: جنوده وأتباعه فَظَلَمُوا بِها يعني: فجحدوا بالآيات فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ يعني: كيف صار آخر أمر المشركين.

وقال ابن عباس-  ما-: أول الآيات العصا فضرب بها موسى باب فرعون، ففزع منها فرعون، فشاب رأسه، فاستحيا فخضب بالسواد، فأول من خضب بالسواد فرعون.

قال ابن عباس: كان طول العصا عشرة أذرع على طول موسى، وكانت من آس الجنة يضرب بها الأرض فتخرج النبات، فلما دخل عليه مع هارون وَقالَ له مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليك قال له فرعون: كذبت.

قال موسى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قرأ نافع حقيق علي بالتشديد.

وقرأ الباقون بتخفيف على.

فمن قرأ بالتخفيف فمعناه واجب علي أن لا أقول، أي: واجب أن أترك القول على الله إلا الحق.

ومن قرأ بالتشديد معناه: واجب علي ترك القول على الله إلا الحق.

أي لا أقول على الله إلا الحق فلما كذبوه قال: إني لا أقول بغير حجة وبرهان قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: قد جئتكم بعلامة لنبوتي فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ولا تستعبدهم، لأن فرعون كان قد استعبد بني إسرائيل واتخذهم في الأعمال سخرة ف قالَ له فرعون: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ أي بعلامة لنبوتك فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأنك رسول الله فَأَلْقى موسى عَصاهُ يعني: ألقى موسى عَصَاهُ من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وهي أعظم الحيات، ويقال الثعبان الحية الذكر الصفراء الشقراء ويقال صارت حية من أعظم الحيات رأسها مع شرف قصر فرعون، ففتحت فاها نحو فرعون، وكان فرعون على سريره فوثب فرعون عن سريره، وهرب منها، وهرب الناس، وصاحوا إلى موسى، ونادى فرعون يا موسى خذها عني فأخذها، فإذا هي عصا بيضاء بيده كما كانت، وجعل الناس يضحكون مما يصنع موسى.

ومعنى قوله: ثُعْبانٌ مُبِينٌ يعني: أنها حية تسعى لا لبس فيها.

فقال له فرعون: هل معك غير هذا؟

فقال: نعم وَنَزَعَ يَدَهُ يعني: أخرج يده أخرجها من جيبه كما قال في آية أخرى وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل: 12] يعني: من غير برص فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ يعني: لها شعاع غلب على نور الشمس.

ومعنى قوله: لِلنَّاظِرِينَ يعني: يتعجب ويتحير منها الناظرون.

ويقال: إن البياض من غير برص.

لأن الناس يكرهون النظر إلى الأبرص، فأخبر أن ذلك بياض ينظرون إليه من غير سوء.

ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها فصارت كما كانت.

قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يعني: الأشراف والرؤساء.

قال مقاتل: إن فرعون قال بهذه المقالة فصدقه قومه كما قال في سورة الشعراء: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء: 34] يعني: حاذق بالسحر.

ثم قال لقومه: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ تصديقاً لقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ يعني: من أرض مصر.

فقال لهم فرعون: فَماذا تَأْمُرُونَ يعني: أي فماذا تشيرون في أمره؟

ويقال: إن بعضهم قال لبعض فماذا تأمرون؟

أي ماذا ترون في أمره قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يعني: احبسهما ولا تقتلهما.

وأصله في اللغة التأخير أي أخر أمرهما حتى تجتمع السحرة فيغلبوهما.

فإنك إن قتلتهما قبل أن يظهر حالهما يظن الناس أنهما صادقان.

فإذا تبين كذبهما عند الناس فاقتلهما حينئذٍ.

فذلك قوله: أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ أي: ابعث فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يعني: الشرط يحشرون الناس إليكم أي: يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أي: حاذق بالسحر قرأ ابن كثير أرجئهوا بالهمزة والواو بعد الهاء.

وقرأ الكسائي أرجهي إلا أنه بكسر الهاء ولا يتبع الياء.

وقرأ أبو عمر وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر في إحدى الروايتين أرجئه بالهمز بغير مد والضمة.

وهذه اللغات كلها مروية عن العرب.

وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي بكل سَحَّار عليم على وجه المبالغة في السحر.

وقرأ الباقون بكل ساحر وهكذا في يونس واتفقوا في الشعراء.

قوله تعالى: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً يعني: قالوا لفرعون أتعطينا جعلاً ومالاً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ لموسى قالَ لهم فرعون نَعَمْ لكم الجعل وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ يعني: لكم المنزلة به سوى العطية يعني: إنكم تكونون أول من يدخل علي بالسلام قرأ أبو عمرو آينَّ لنا لأجْراً بمد الألف.

وقرأ عاصم في رواية حفص إن بهمزة واحدة بغير ياء وقرأ الباقون بهمزتين وقرأ ابن كثير ونافع إنَّ لَنَا بهمزة واحدة بغير ياء.

وقرأ عاصم وحمزة والكسائي أإن لنا بهمزتين فلما اجتمع السحرة وغدوا للخروج يوماً وأعلن الناس بخروجهم ليجتمعوا عند سحرهم كما قال في آية أخرى: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ [طه: 59] أي: يوم عيد كان لهم ويقال: يوم النيروز.

فلما اجتمعت السحرة قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ يعني: إما أن تطرح عصاك على الأرض وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نحن الملقين قبلك.

قالَ لهم موسى أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا يعني: السحرة ألقوا الحبال والعصي سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي أخذوا أعينهم بالسحر وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعني: طلبوا رهبتهم حتى رهبهم الناس.

قال الكلبي: كانت السحرة سبعين فألقوا سبعين عصا وسبعين حبلاً.

وقال بعضهم: كانوا اثنين وسبعين حبلاً.

وروى أسباط عن السدي قال: قال ابن عباس كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً.

وقال محمد بن إسحاق: كانوا ألف رجل وخمسمائة رجل ومع كل واحد منهم عصا: وقد كانوا خاطوا الحبال وجعلوها مموهة بالرصاص وحشوها بالزئبق حتى إذا ألقوها تحركت كأنها حيات، لأن الزئبق لا يستقر في مكان واحد، فلما طلعت عليه الشمس صارت شبيهاً بالحيات فنظر موسى فإذا الوادي قد امتلأ بالحيات، فدخل فيه الخوف، ونظر الناس إلى ذلك فخافوا من كثرة الحيات.

فذلك قوله: وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعني: أفزعوهم وأخافوهم وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ يعني: بسحر تام.

ويقال: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ يعني: بقول عظِيمٌ حيث قالوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ [الشعراء: 44] ويقال: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ حيث قالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون.

قال الله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، روي أن موسى قَلِقَ به، وبمجاورته فرعون، فقال لأعوانِهِ: خذوه، فألقى موسَى العصا، فصارَتْ ثعباناً، وهمَّت بفرعون، فَهَرَبَ منْها.

وقَالَ السّديُّ: إِنه أَحَدَث، وقال: يا موسى كُفَّهُ عني «١» ، فَكفَّه، وقال نحوه سعيدُ بنُ «٢» جبير، ويقال: إن الثعبان وضع أسفل لَحْيَيْهِ في الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر.

والثعبان: الحَيَّة الذَّكَر/ وهو أهولُ وأجَرأُ قاله الضحاك «٣» ، وقال قتادة:

صارَتْ حَيَّةً أشْعَرَ ذَكَراً «٤» ، وقال ابن عباس: غرزَتْ ذَنَبها في الأرض، ورفَعَتْ صدْرَها إِلى فرعون، وقوله: مُبِينٌ معناه: لا تَخْييلَ فيه، بل هو بَيِّن إنه ثعبانٌ حقيقة، وَنَزَعَ يَدَهُ: معناه: مِنْ جيبه، أو من كُمِّه حسب الخلافِ في ذلك.

وقوله: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قال مجاهد: كاللبن أَو أَشَدَّ بياضاً «٥» ، وروي أنها كانت تظهر منيرةً شفَّافةً كالشَّمْس تأْتَلِقُ، وكان موسى عليه السلام آدَمَ أَحْمَرَ إِلى السوادِ، ثم كان يَرُدُّ يده، فترجع إِلى لون بَدَنِهِ.

قال ع «٦» : فهاتان الآيتان عرضهما عليه السلام للمعارَضَة، ودعا إلى اللَّه بهما، وخَرَق العادة بهما.

ت: وظاهر الآية كما قال، وليس في الآية ما يَدُلُّ على أنه أراد بإلقاء العصا الانتصار والتخويفَ كما يعطيه ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصص.

قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)

وقوله عز وجل: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ لا محالةَ أنهم خافوا أمْرَ موسى، وجالَتْ ظنونهم كُلَّ مجالٍ، وقوله: فَماذا تَأْمُرُونَ الظاهرُ أنه من كلام المَلإ بعضِهِمْ لبعض، وقيل: إنه من كلام فرعونَ لهم، وَرَوى كَرْدم عَنْ نافعٍ: تَأْمُرُونَ «١» بكسر النون وكذلك في «الشعراء» [الشعراء: ٣٥] .

و «ما» : استفهامُ، و «ذَا» : بمعنى الَّذي، فهما ابتداءٌ وخبرٌ، وفي «تأمرون» : ضميرٌ عائدٌ على الذي، تقديرُهُ: تَأْمُرونَ به، ويجوز أنْ تجعل «مَاذَا» بمنزلةِ اسم واحدٍ في موضع نصب ب «تأمرون» ولا يضمر فيه على هذا، وقوله: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أشار المَلأُ على فرعونَ بأن يؤخِّر موسى وهارون، وَيَدَعَ النظر في أمرهما، وَيَجْمَعَ السحرةَ، وحكَى النَّقَّاش أنه لم يكن يجالسُ فرعونَ وَلَدُ غِيَّةٍ، وإنما كانوا أشرافاً ولذلك أشاروا بالإِرجاء، ولم يشيروا بالقَتْل، وقالوا: إنْ قتلته، دخلَتْ على الناسِ شُبْهَةٌ، ولكنِ اغلبه بالحجة «٢» .

وقوله سبحانه: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: «الأَجر» هنا: الأجْرَةُ.

واختلف الناسُ في عدد السَّحَرة على أقوالٍ كثيرةٍ ليس لها سَنَدٌ يوقَفُ عنده «٣» ، والحاصلُ من ذلك أنهم جَمْعٌ عظيم، وقوله تعالى: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، وخيَّر السحرةُ موسى في أن يتقدَّم في الإِلقاء أو يتأخَّر، وهذا فعْلُ المُدِلِّ الواثقِ بِنَفْسِهِ، والظاهرُ أنَّ التقدُّم في التخْييلاتِ وَالمَخَارِيقِ أنْجَحُ لأنَّ بديهتها تمضِي بالنفُوس، فليظهر اللَّه أمر نبوَّة موسَى، قوى نفسه ويقينه، وِوَثقَ بالحَقِّ، فأعطاهم التقدُّم، فَنَشَطُوا وَسُرُّوا حتَّى أظهر الله الحق،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ: " نَهْدِ " بِالنُّونِ، وكَذَلِكَ في [طه:١٢٨] و[السَّجْدَةِ:٢٦] قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالياءِ فالمَعْنى: أوْ لَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ لَهم.

ومَن قَرَأ بِالنُّونِ، فالمَعْنى: أوْ لَمْ نُبَيِّنْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَطْبَعُ ﴾ لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلى "أصَبْناهُمْ" لِأنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلى "أصَبْناهُمْ" لَكانَ: ولَطَبَعْنا.

وإنَّما المَعْنى: ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الماضِي، ولَفْظُهُ لَفْظُ المُسْتَقْبَلِ، كَما قالَ: ﴿ أنْ لَوْ نَشاءُ ﴾ والمَعْنى: لَوْ شِئْنا.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: أصَبْنا، إذْ كانَ بِمَعْنى نَصِيبٍ؛ فَوَضَعَ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ عِنْدَ وُضُوحِ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، كَما قالَ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا ﴾ مِن ذَلِكَ [الفَرْقانِ:١٠] أيْ: إنْ يَشَأْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ قالَ الشّاعِرُ: إنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا مِنِّي وما سَمِعُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا أيْ: يُدْفَنُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴾ أيْ: لا يَقْبَلُونَ، ومِنهُ:" سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ" قالَ الشّاعِرُ: دَعَوْتُ اللَّهَ حَتّى خِفْتُ أنْ لا ∗∗∗ يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ ما أقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَما كانُوا لَيُؤْمِنُوا عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِهِ يَوْمَ أقَرُّوا بِهِ بِالمِيثاقِ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آَدَمَ، هَذا قَوْلُ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ.

والثّانِي: فَما كانُوا لَيُؤْمِنُوا عِنْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ بِما كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ أخَذَ مِيثاقَهم حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آَدَمَ، فَآَمَنُوا كُرْهًا حَيْثُ أقَرُّوا بِالألْسُنِ، وأضْمَرُوا التَّكْذِيبَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: فَما كانُوا لَوْ رَدَدْناهم إلى الدُّنْيا بَعْدَ مَوْتِهِمْ لَيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلِ هَلاكِهِمْ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: فَما كانُوا لَيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ أوائِلُهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، بَلْ شارَكُوهم في التَّكْذِيبِ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رَبابٍ.

والخامِسُ: فَما كانُوا لَيُؤْمِنُوا بَعْدَ رُؤْيَةِ المُعْجِزاتِ والعَجائِبِ بِما كَذَّبُوا قَبْلَ رُؤْيَتِها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ ﴾ "تِلْكَ" ابْتِداءٌ، و"القُرى" قالَ قَوْمٌ: هو نَعْتٌ والخَبَرُ "نَقُصُّ" ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ القَصْدَ إنَّما الإخْبارُ بِالقَصَصِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ "القُرى" هي خَبَرُ الِابْتِداءِ، وفي ذَلِكَ مَعْنى التَعْظِيمِ لَها ولِمَهْلِكِها، وهَذا كَما قِيلَ في ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ  ﴾ : أنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وكَما قالَ  : « "أُولَئِكَ المَلَأُ"»، وكَقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنَ أبِي الصَلْتِ: تِلْكَ المَكارِمُ............

∗∗∗.......................

وهَذا كَثِيرٌ، وكَأنَّ في اللَفْظِ مَعْنى التَحَسُّرِ عَلى القُرى المَذْكُورَةِ، والمَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الماضِينَ لِتَتَبَيَّنَ العِبَرَ وتَعْلَمَ المَثُلاتِ الَّتِي أوقَعَها اللهُ بِالماضِينَ.

ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ عن جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ وُجُوهٍ مِنَ التَأْوِيلِ؛ أحَدُها: أنْ يُرِيدَ أنَّ الرَسُولَ جاءَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهم فَكَذَّبُوهُ لِأوَّلِ أمْرِهِ، ثُمَّ اسْتَبانَتْ حُجَّتُهُ وظَهَرَتِ الآياتُ الدالَّةُ عَلى صِدْقِهِ مَعَ اسْتِمْرارِ دَعَوْتِهِ، فَلَجُّوا هم في كُفْرِهِمْ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما تَبَيَّنَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلُ.

وكَأنَّهُ وصَفَهم -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِاللَجاجِ في الكُفْرِ والصَرامَةِ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ ﴾ ويَحْتَمِلُ -فِي هَذا الوَجْهِ- أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: ما كانُوا لِيُوَفِّقَهُمُ اللهُ إلى الإيمانِ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا قَبْلُ فَكانَ تَكْذِيبُهم سَبَبًا لِأنْ يُمْنَعُوا الإيمانَ بَعْدُ.

والثانِي مِنَ الوُجُوهِ؛ أنْ يُرِيدَ: فَما كانَ آخِرُهم في الزَمَنِ والعَصْرِ لِيَهْتَدِيَ ويُؤْمِنَ بِما كَذَّبَ بِهِ أوَّلُهم في الزَمَنِ والعَصْرِ، بَلْ كَفَرَ كُلُّهُمْ، ومَشى بَعْضُهم عن سُنَنِ بَعْضٍ في الكُفْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أشارَ إلى هَذا القَوْلِ النَقّاشُ، فَكَأنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "كانُوا" يَخْتَصُّ بِالآخَرِينَ، والضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "كَذَّبُوا" يَخْتَصُّ بِالقُدَماءِ مِنهُمْ، والثالِثُ مِنَ الوُجُوهِ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَما كانَ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِأجْمَعِهِمْ -لَوْ رُدُّوا إلى الدُنْيا ومُكِّنُوا مِنَ العَوْدَةِ- لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا في حالِ حَياتِهِمْ ودُعاءِ الرَسُولِ لَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَرَنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ  ﴾ ،وَهَذِهِ أيْضًا صِفَةٌ بَلِيغَةٌ في اللَجاجِ والثُبُوتِ عَلى الكُفْرِ، بَلْ هي غايَةٌ في ذَلِكَ.

والرابِعُ مِنَ الوُجُوهِ؛ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَهم بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم مُكَذِّبُونَ بِهِ، فَجَعَلَ سابِقَ القَدَرِ عَلَيْهِمْ بِمَثابَةِ تَكْذِيبِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لا سِيَّما وقَدْ خَرَجَ تَكْذِيبُهم إلى الوُجُودِ في وقْتِ مَجِيءِ الرُسُلِ، وذَكَرَ هَذا التَأْوِيلَ المُفَسِّرُونَ وقَرَنُوهُ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حَتَمَ عَلَيْهِمُ التَكْذِيبَ وقْتَ أخْذِ المِيثاقَ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رِضى اللهِ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ ﴾ الآيَةُ.

أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِأكْثَرِهِمْ ثُبُوتًا عَلى العَهْدِ الَّذِي أخَذَهُ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ وقْتَ اسْتِخْراجِهِمْ مِن ظَهْرِهِ.

قالَهُ أبُو العالِيَةِ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عِبارَةً عن أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوا عُقُولَهم في الآياتِ المَنصُوبَةِ، ولا شَكَرُوا نِعَمَ اللهِ، ولا قادَتْهم مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ، لِأنَّ هَذِهِ الأُمُورَ عَهْدٌ في رِقابِ العُقَلاءِ كالعُهُودِ يَنْبَغِي أنْ يُوَفّى بِها، وأيْضًا فَمِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ تَقَرَّرَ العَهْدُ الَّذِي هو بِمَعْنى الوَصِيَّةِ، وبِهِ فَسَّرَ الحَسَنُ هَذِهِ الآيَةَ، فَيَجِيءُ المَعْنى: وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمُ التِزامَ عَهْدٍ وقَبُولَ وصاةٍ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.

و"مِن" في هَذِهِ الآيَةِ زائِدَةٌ، إلّا أنَّها تُعْطِي اسْتِغْراقَ جِنْسِ العَهْدِ، ولا تَجِيءُ هَذِهِ إلّا بَعْدَ النَفْيِ، و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ مِن عِنْدِ سِيبَوَيْهِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَفاسِقِينَ" لِلْفَرْقِ بَيْنَ "إنْ" المُخَفَّفَةِ وغَيْرِها، و"إنْ" عِنْدَ الفَرّاءِ هي بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، والتَقْدِيرُ عِنْدَهُ: وما وجَدْنا أكْثَرَهم إلّا فاسِقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما تكرر ذكر القرى التي كذب أهلها رسل الله بالتعيين وبالتعميم، صارت للسامعين كالحاضرة المشاهدة الصالحة لأن يشار إليها، فجاء اسم الإشارة لزيادة إحضارها في أذهان السامعين من قوم محمد صلى الله عليه وسلم ليعتبروا حالهم بحال أهل القرى، فيروا أنهم سواء فيفيئوا إلى الحق.

وجملة: ﴿ تلك القرى ﴾ مستأنفة استئناف الفذلكة لما قبلها من القصص من قوله: ﴿ لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ [الأعراف: 59] ثم قوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبيء ﴾ [الأعراف: 94] الآية.

و ﴿ القرى ﴾ يجوز أن يكون خبراً عن اسم الإشارة لأن استحضار القرى في الذهن بحيث صارت كالمشاهد للسامع، فكانت الإشارة إليها إشارة عبرة بحالها، وذلك مفيد للمقصود من الإخبار عنها باسمها لمن لا يجهل الخبر كقوله تعالى: ﴿ هذا ما كنزتم لأنفسكم ﴾ [التوبة: 35] أي هذا الذي تشاهدونه تُكْوَون به هو كنزكم، وهم قد علموا أنه كنزهم، وإنما أريد من الإخبار بأنه كنزهم إظهارُ خطإ فعلهم، ويجوز أن يكون القرى بياناً لاسم الإشارة.

وجملة: ﴿ نقص عليك من أنبائها ﴾ إما حال من ﴿ القرى ﴾ على الوجه الأول.

وفائدة هذه الحال الامتنان بذكر قَصصها، والاستدلال على نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم إذ علمه الله من علم الأولين ما لم يسبق له علمه، والوعدُ بالزيادة من ذلك، لما دل عليه قوله: ﴿ نقص ﴾ من التجدد والاستمرار، والتعريضُ بالمعرضين عن الإتعاظ بأخبارها.

وإمّا خبر عن اسم الإشارة على الوجه الثاني في محمل قوله: ﴿ القرى ﴾ .

و (منْ) تبعيضية لأن لها أنباء غير ما ذكر هنا مما ذكر بعضه في آيات أخرى وطوى ذكر بعضه لعدم الحاجة إليه في التبليغ.

والأنباء: الأخبار، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولقد جاءك من نبإ المرسلين ﴾ في سورة الأنعام (34).

والمراد بالقرى وضمير أنبائها: أهلها، كما دل عليه الضمير في قوله: رسلهم.

وجملة: ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } عطف على جملة: ﴿ تلك القرى ﴾ لمناسبة ما في كلتا الجملتين من قصد التنظير بحال المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم وجمع «البينات» يشير إلى تكرر البينات مع كل رسول، والبينات: الدلائل الدالة على الصدق وقد تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ قد جاءتكم بينة من ربكم ﴾ في قصة ثمود في هذه السورة (73).

(والفاء) في قوله: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا ﴾ لترتيب الإخبار بانتفاء إيمانهم عن الإخبار بمجيء الرسل إليهم بما من شأنه أن يحملهم على الإيمان.

وصيغة ﴿ ما كانوا ليؤمنوا ﴾ تفيد مبالغة النفي بلام الجحود الدالة على أن حصول الإيمان كان منافياً لحالهم من التصلب في الكفر.

وقد تقدم وجه دلالة لام الجحود على مبالغة النفي عند قوله تعالى: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ﴾ الآية في سورة آل عمران (79).

والمعنى: فاستمر عدم إيمانهم وتمكّن منهم الكفر في حين كان الشأن أن يقلعوا عنه.

وما كذبوا} موصول وصلته وحُذف العائد المجرور على طريقة حذف أمثاله إذا جر الموصول بمثل الحرف المحذوف، ولا يشترط اتحاد متعلقي الحرفين على ما ذهب إليه المحققون منهم الرضي كما في هذه الآية.

وما صْدَقُ (ما) الموصولة: ما يدل عليه ﴿ كذبوا ﴾ ، أي: فما كانوا ليؤمنوا بشيء كذبوا به من قبل مما دُعوا إلى الإيمان به من التوحيد والبعث.

وشأن (ما) الموصولة أن يراد بها غير العاقل، فلا يكون ما صْدقُ (ما) هنا الرسل، بل ما جاءت به الرسل، فلذلك كان فعل ﴿ كذبوا ﴾ هنا مقدراً متعلّقهُ لفظُ (به) كما هو الفرق بين كذّبه وكذّب به، قال تعالى: ﴿ فكذّبوه فأنجيناه ﴾ [الأعراف: 64] وقال: ﴿ وكذّب به قومُك وهو الحق ﴾ [الأنعام: 66] وحُذف المتعلق هنا إيجازاً، لأنه قد سبق ذكر تكذيب أهل القرى، ابتداء من قوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا في قرية من بنيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ﴾ [الأعراف: 94] وقد سبق في ذلك قوله: ﴿ ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ﴾ [الأعراف: 96] ولهذا لم يحذف متعلق فعل ﴿ كذبوا ﴾ في نظير هذه الآية من سورة يونس.

والمعنى: ما أفادتهم البينات أن يؤمنوا بشيء كان بَدَرَ منهم التكذيب به في ابتداء الدعوة، فالمضاف المحذوف الذي دل عليه بناء ﴿ قبلُ ﴾ على الضم تقديره: من قبللِ مجيء البينات.

وأسند نفي الإيمان إلى ضمير جميع أهل القرى باعتبار الغالب، وهو استعمال كثير، وسيُخرج المؤمنون منهم بقوله: ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ﴾ .

ومعنى قولهن: ﴿ كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ مثلَ ذلك الطبع العجيب المستفاد من حكاية استمرارهم على الكفر، والمؤذن به فعل ﴿ يطبع ﴾ ، وقد تقدم نظائره غير مرة، منها عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ في سورة البقرة (143).

وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى: ﴿ بل طبع الله عليها بكفرهم ﴾ في سورة النساء (155).

وإظهار المسند إليه في جملة يطبع الله } دون الإضمار: لما في إسناد الطبع إلى الاسم العلم من صراحة التنبيه على أنه طبع رهيب لا يغادر للهدى منفذاً إلى قلوبهم كقوله تعالى: ﴿ هذا خلق الله ﴾ [لقمان: 11] دون أن يقول: هذا خلقي، ولهذا اختير له الفعل المضارع الدال على استمرار الختم وتجدده.

والقلوب: العقول، والقلب، في لسان العرب: من أسماء العقل، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ في سورة البقرة (7).

والتعريف في الكافرين} تعريف الجنس، مفيد للاستغراق، أي: جميع الكافرين ممن ذكر وغيرهم.

وفي قوله: ﴿ ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ إلى آخر الآية، تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن ما لقيه من قومه هو سنّة الرسل السابقين، وأن ذلك ليس لتقصير منه، ولا لضعف آياته، ولكنه للختم على قلوب كثير من قومه.

وعطفت جملة: ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد ﴾ على جملة: ﴿ ولقد جاءتهم رسلهم ﴾ وما رتب عليها من قوله: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ﴾ تنبيهاً على رسوخ الكفر من نفوسهم بحيث لم يقلعه منهم لا ما شاهدوه من البينات، ولا ما وضعه الله في فطرة الإنسان من اعتقاد وجود إله واحد وتصديق الرسل الداعين إليه، ولا الوفاءُ بما عاهدوا عليه الرسل عند الدعوة: إنهم إن أتوهم بالبينات يؤمنون بها.

والوجدان في الموضعين مجاز في العلم، فصار من أفعال القلوب، ونفيه في الأول كناية عن انتفاء العهد بالمعنى المقصود، أي: وفائه، لأنه لو كان موجوداً لعَلمه مَنْ شأنه أن يعلمَه ويبحث عنه عند طلب الوفاء به، لا سيما والمتكلم هو الذي لا تخفى عليه خافية كقوله: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ﴾ [الأنعام: 145] الآية، أي لا محرم إلاّ ما ذكر، فمعنى ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد ﴾ ما لأكثرهم عهد.

والعهدُ: الالتزامُ والوعدُ المؤكّدُ وقوعُه، والمُوَثّقُ بما يمنع من إخلافه: من يمين، أو ضمان، أو خشية مسبة، وهو مشتق من عَهِد الشيء بمعنى عَرفه، لأن الوعد المؤكد يعرفه ملتزمه ويحرص أن لا ينساه.

ويسمى إيقاع ما التزمه الملتزم من عهده الوفاءَ بالعهد، فالعهد هنا يجوز أن يراد به الوعد الذي حققَه الأممُ لرسلهم مثل قولهم: فأننا بآية إن كنت من الصادقين، فإن معنى ذلك: إن أتيتنا بآية صدقناك.

ويجوز أن يراد به وعد وثقه أسلاف الأمم من عهد آدم أن لا يعبدوا إلاّ الله وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿ ألَمْ أعْهَدْ إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ﴾ [يس: 60] الآية، فكان لازماً لأعقابهم.

ويجوز أن يراد به ما وعَدت به أرواح البشر خالقها في الأزل المحكيُ في قوله تعالى: ﴿ وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريّاتهم وأشهدهم على أنفسهم ألسّتُ بربّكم قالوا بلى شهدنا ﴾ [الأعراف: 172] الآية.

وهو عبارة عن خلق الله فطرة البشرية معتقدة وجود خالقها ووحدانيتَه، ثم حرفتها النزعات الوثنية والضلالات الشيطانية.

ووقوع اسم هذا الجنس في سياق النفي يقتضي انتفاءه بجميع المعاني الصادق هو عليها.

ومعنى انتفاء وجدانه.

هو انتفاء الوفاء به، لأن أصل الوعد ثابت موجود، ولكنه لما كان تحققه لا يظهر إلاّ في المستقبل، وهو الوفاء، جعل انتفاء الوفاء بمنزلة انتفاء الوقوع، والمعنى على تقدير مضاف، أي: ما وجدنا لأكثرهم من وفاء عهد.

وإنما عدّي عدم وجدان الوفاء بالعهد في ﴿ أكثرهم ﴾ للإشارة إلى إخراج مؤمني كل أمة من هذا الذم، والمراد بأكثرهم، أكثر كل أمة منهم، لا أمة واحدة قليلة من بين جميع الأمم.

وقوله: ﴿ وإنْ وجدْنا أكثرهم لفَاسقين ﴾ إخبار بأن عدم الوفاء بالعهد من أكثرهم كان منهم عن عمد ونكث، ولكون ذلك معنى زائداً على ما في الجملة التي قبلها عطفت ولم تجعل تأكيداً للتي قبلها أو بياناً، لأن الفسق هو عصيان الأمر، وذلك أنهم كذبوا فيما وعدوا عن قصد للكفر.

و (إنْ) مخففة من الثقيلة، وبعدها مبتدأ محذوف هو ضمير الشأن، والجملة خبر عنه تنويهاً بشأن هذا الخبر ليعلمه السامعون.

واللام الداخلة في خبر ﴿ وجدنا ﴾ لام ابتداء، باعتبار كون ذلك الخبر خبراً من جملة هي خبر عن الاسم الواقع بعد (إنْ)، وجلبت اللام للتفرقة بين المخففة والنافية.

وقد تقدم نظير هذا عند قوله تعالى: ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ [آل عمران: 164].

وأسند حكم النكث إلى أكثر أهل القرى، تبيناً لكون ضمير ﴿ فما كانوا ليؤمنوا ﴾ جرى على التغليب، ولعل نكتة هذا التصريح في خصوص هذا الحكم أنه حكم مذمة ومسبة، فناسبت محاشاة من لم تلتصق به تلك المسبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن عَهْدٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ العَهْدَ الطّاعَةُ، يُرِيدُ: ما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن طاعَةٍ لِأنْبِيائِهِمْ، لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ وَإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ ﴾ وتَكُونُ ﴿ مِن ﴾ في هَذا المَوْضِعِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ زائِدَةً.

والثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِ العَهْدِ أيْ مِن وفاءٍ بِعَهْدِهِ.

وَفي المُرادِ بِالعَهْدِ هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ.

أحَدُها: المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في ظَهْرِ آدَمَ قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

والثّانِي: ما جَعَلَهُ اللَّهُ في عُقُولِهِمْ مِن وُجُوبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ، وأنَّ اللَّهَ هو المُنْعِمُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما عَهِدَ إلَيْهِمْ مَعَ الأنْبِياءِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، قالَهُ الحَسَنُ ﴿ وَإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ لَفاسِقِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: خارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ.

والثّانِي: خائِنِينَ في عَهْدِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُصاةَ أكْثَرُ مِنَ المُطِيعِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابي أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ﴾ قال: كان في علم الله يوم أقروا له بالميثاق من يكذب به ومن يصدق.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ﴾ قال: مثل قوله: ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ [ الأنعام: 28] .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ﴾ قال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهاً.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع في قوله: ﴿ ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ قال: لقد علمه فيهم أيهم المطيع من العاصي حيث خلقهم في زمان آدم.

قال: وتصديق ذلك حين قال لنوح ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ﴾ [ هود: 48] ففي ذلك قال: ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ﴾ [ الأنعام: 28] وفي ذلك ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ [ الإِسراء: 15] .

وأخرج الشيخ عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ [ الأعراف: 172] قال: أخرجهم مثل الذر فركب فيهم العقول، ثم استنطقهم فقال لهم ﴿ ألست بربكم ﴾ [ الأعراف: 172] قالوا جميعاً: بلى فأقروا بألسنتهم وأسر بعضهم الكفر في قلوبهم يوم الميثاق، فهو قوله: ﴿ ولقد جاءتهم رسلهم ﴾ بعد البلاغ ﴿ بالبينات فما كانوا ليؤمنوا ﴾ بعد البلوغ ﴿ بما كذبوا ﴾ يعني يوم الميثاق ﴿ كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ﴾ ، قال ابن عباس: ( ﴿ تِلْكَ الْقُرَى ﴾ التي أهلكتْ أهلها، يعني: قرى قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وشعيب، ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ نتلو عليك من أخبارها كيف أهلكت.

قال: يعزي نبيه بما صنعوا بأنبيائهم، وما صنع الله بهم) (١) وقال أهل المعاني: (إنما قصّ الله أنباء القرى لما في ذلك من الاعتبار بما كانوا عليه من الاغترار بطول الإمهال مع اتساع النِعَم حتى توهموا أنهم على صواب) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: الأنبياء الذين أُرسلوا إليهم) (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ﴾ .

قال ابن عباس (٤) (٥) وقال مجاهد: (فما كانوا -لو أحييناهم بعد هلاكهم- ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم) (٦) وقال آخرون: ( ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ بالمعجزات والآيات التي سألوها، فما كانوا ليؤمنوا -بعد ما رأوا العجائب- بما كذبوا من قبل رؤيتهم تلك العجائب) (٧) ﴿ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ  ﴾ ، واحتج على هذا بقوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴾ ، قال: وهذا يدل على أنه قد طبع على قلوبهم، قال: والكاف في ﴿ كَذَلِكَ ﴾ نصب؛ المعنى: مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب عليهم أن لا يؤمنوا أبداً) (٨) (١) في "تنوير المقباس" 2/ 115 نحوه، وذكره الثعلبي 6/ 3/ أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 214، والبغوي 3/ 261، والقرطبي 7/ 255، و"الخازن" 2/ 266 بلا نسبة، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 352: (الخطاب للرسول  والقرى هي بلاد قوم نوح وهود وصالح وشعيب بلا خلاف بين المفسرين) اهـ.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 10، والرازي 14/ 188.

(٣) لم أقف عليه.

(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 3، والبغوي 3/ 261، وابن الجوزي 3/ 236، والرازي 14/ 188، والقرطبي 7/ 255، و"الخازن" 2/ 267، عن ابن عباس والسدي.

(٥) أخرجه الطبري 9/ 11، وابن أبي حاتم 5/ 1530 بسند جيد.

(٦) "تفسير مجاهد" 1/ 241، وأخرجه الطبري 9/ 11، وابن أبي حاتم 5/ 1530، 170 أبسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 194، ورد هذا القول الطبري في "تفسيره" 9/ 12، وقال: (وهو تأويل لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل ولا من خبر عن الرسول صحيح) اهـ.

وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 2/ 329: (هو قول بعيد من ظاهر الآية) اهـ.

(٧) ذكر هذا القول الثعلبي في "تفسيره" 6/ 3 ب، وابن الجوزي 3/ 236، وهو اختيار الواحدي في "الوسيط" 1/ 213، والبغوي 3/ 261، واختار الطبري 9/ 11، أن المعنى: فما كانوا ليؤمنوا بما سبقَ في علم الله يوم أخذ الميثاق أنهم يكذبون به ولم يؤمنوا به؛ لاستحالة التغيير فيما سبق به العلم الأزلي، وأخرجه بسند جيد عن أبي بن كعب والربيع بن أنس، وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 2/ 329: (ومعنى الآية: فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم وهذا القول حكاه ابن عطية واستحسنه ابن كثير وهو من أقرب الأقوال لظاهر الآية ووجهه ظاهر لأن شؤم المبادرة إلى تكذيب الرسل سبب للطبع على القلوب والإبعاد عن الهدى والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة) اهـ.

وانظر: == "تفسير ابن عطية" 6/ 21، و"بدائع التفسير" 2/ 262، وابن كثير 2/ 262.

(٨) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 361 - 362، والأخفش 2/ 317، والنحاس 3/ 59، و"إعراب النحاس" 1/ 627.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بركات مِّنَ السمآء والأرض ﴾ أي بالمطر والزرع ﴿ أَوَ أَمِنَ ﴾ من قرأ بإسكان الواو فهي أو العاطفة، ومن قرأ بفتحها فهي واو العطف دخلت عليها همزة التوبيخ كما دخلت على الفاء في قوله أفأمنوا مكر الله: أي استدراجه وأخذه للعبد من حيث لا يشعر ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ ﴾ أي أو لم يتبين ﴿ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض ﴾ أي يسكنونها ﴿ أَن لَّوْ نَشَآءُ ﴾ هو فاعل أو لم يهد، ومقصود الآية الوعيد ﴿ وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ ﴾ عطف على أصبناهم لأنه في معنى المستقبل، أو منقطع على معنى الوعيد وأجاز الزمخشري أن يكون عطفاً على يرثون الأرض أو على ما دل عليه معنى أو لم يهد كأنه قال يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لفتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد ﴿ أو أمن ﴾ بسكون الواو: أو جعفر ونافع غير ورش، وابن عامر وابن كثير غير ابن فليح، وقرأ ورش بنقل حركتها إلى الساكن قبلها ﴿ أولم نهد ﴾ النون حيث كان: زيد عن يعقوب.

الباقون: بالياء التحتانية ﴿ رسلهم ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.

الوقوف: ﴿ يضرعون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ نائمون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ أو أمن ﴾ بفتح الواو على أن الهمز للاستفهام، ومن سكن الواو فلا وقف لأن "أو" للعطف ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مكر الله ﴾ ج للفصل بين الإخبار والاستخبار مع أن الفاء للتعقيب.

﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بذنوبهم ﴾ ج للفصل بين الماضي والمستقبل والتقدير: نحن نطبع مع اتحاد القصة.

﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ من أنبائها ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بالبينات ﴾ ط لأن ضمير ﴿ فما كانوا ليؤمنوا ﴾ لأهل مكة وضمير.

﴿ جاءهم ﴾ للأمم الماضية مع أن الفاء توجب الاتصال ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من عهد ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ لفاسقين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما عرّفنا أحوال هؤلاء الأنبياء وما جرى على أممهم ذكر ما يدل على أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم وليس مقصوراً عليهم، وبيّن العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعل.

والقرية مجتمع القوم فتشمل المدينة أيضاً وتقدير الكلام: وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء.

قال الزجاج: البأساء الشدة في الأموال والضراء الأمراض في الأبدان.

وقيل بالعكس ﴿ لعلهم يضرعون ﴾ أي يتضرعون فأدغم التاء في الضاد والمعنى: ليحطوا أردية التعزز والاستكبار ويتبعوا نبيهم.

ثم بيّن أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد فقال ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة ﴾ وهي كل ما يسوء صاحبه ﴿ الحسنة ﴾ وهي ما يستحسنه الطبع والعقل أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من الفقر والضر السعة والصحة ﴿ حتى عفوا ﴾ كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم عفا النبات والشحم والوبر ومنه قوله  : "وأعفوا اللحى" ﴿ وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ﴾ كما هو دأب الأشرين يقولون هذه عادة الدهر في أهله يوم محنة ويوم منحة.

والمراد أنهم لم ينتفعوا بتدبير الله  فيهم من رجاء بعد شدّة وأمن بعد خوف وراحة بعد عناء ﴿ فأخذناهم بغتة ﴾ آمن ما كانوا عليه ليكون ذلك أعظم من الحسرة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بنزول العذاب.

والحكمة في جميع هذه الحكايات اعتبار من سمعها ووعاها وتعريف أن العصيان سبب الحرمان عن الخيرات وسد لجميع أبواب السعادات ولهذا قال ﴿ ولو أن أهل القرى ﴾ أي جنسها أو القرى المذكورة في قوله وما أرسلنا في قرية ﴿ آمنوا ﴾ بما يجب به الإيمان في باب المبدأ والمعاد ﴿ واتقوا ﴾ كل ما نهى الله عنه ﴿ لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ﴾ أي لأتيناهم بالخير من كل وجه أو أراد القطر والنبات.

والمراد بفتح البركات عليهم تيسير أسباب النجاح كقولهم: فتحت على القارىء إذا يسرت القراءة عليه بالتلقين ﴿ ولكن كذبوا الرسل فأخذناهم ﴾ بالجذب والمحل وهو ضد البركة والخير ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي بشؤم كسبهم وهو الكفر والمعاصي.

ثم خوف المكلفين نزول العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل وحال الضحى بالنهار، لأنه الوقت الذي يغلب على المرء في التشاغل باللذات والمهمات فقال ﴿ أفأمن ﴾ قال في الكشاف: الهمزة للإنكار والفاء للعطف على قوله ﴿ فأخذناهم بغتة ﴾ والآية بينهما اعتراض والتقدير: أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً، وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى؟

فلهذا عطف الثانية بالواو.

وأما قوله ﴿ أفأمنوا مكر الله ﴾ فتكرير لقوله ﴿ أفأمن أهل القرى ﴾ فلهذا رجع فعطف بالفاء.

قلت: يجوز أن يقدّر المعطوف عليه بعد الهمزة والمعنى: أفعلوا ما فعلوا فأمن وأما من قرأ "أو" ساكنة فمعناه إما أحد الشيئين ويرجع المعنى إلى قولنا فأمنوا إحدى هذه العقوبات، وإما للإضراب كما تقول: أنا أخرج ثم تقول أو أقيم.

على أن المراد هو الإضراب عن الخروج وإثبات للإقامة أي لا بل أقيم.

ومعنى ﴿ بياتاً ﴾ قد تقدم في أوّل السورة.

و ﴿ ضحى ﴾ نصب على الظرف قال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى وهو حين تشرق الشمس مقصورة، وتذكر على أنه مفرد كصرد وتؤنث على أنها جمع ضحوة.

ثم بعده الضحاء ممدوداً مذكراً وهو عند ارتفاع النهار الأعلى.

في قوله ﴿ وهم يلعبون ﴾ يحتمل التشاغل بما لا يجدي عليهم من أمور الدنيا فهي لهو ولعب، ويحتمل خوضهم في كفرهم لأن ذلك كاللعب في أنه يضر ولا ينفع.

ومكر الله كما تقدم في آل عمران عذاب بعد الاستدراج أو سمي جزاء المكر مكراً.

وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت له: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟

قال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات يعني المذكور في الآية.

اللهم اجعلنا من الخائفين العاقلين لا من الآمنين الغافلين.

ثم لما بيّن حال المهلكين مفصلاً ومحلاً ذكر أن الغرض من القصص حصول العبرة للباقين فقال ﴿ أولم يهد ﴾ من قرأ بالياء ففاعله ﴿ أن لو نشاء ﴾ والمعنى: أو لم يهد الذين يخلفون أولئك المتقدمين فيرثون أرضهم وديارهم هذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أي بعقابها كما أصبنا من قبلهم.

ومن قرأ بالنون فقوله ﴿ أن لو نشاء ﴾ منصوب والهداية بمعنى التبيين على القراءتين ولهذا عُدّي فعلها باللام، والمفعول على القراءة الأولى محذوف والتقدير: أولم يكشف لهم الحال والشأن المذكور.

وأما قوله ﴿ ونطبع على قلوبهم ﴾ فإما أن يكون منقطعاً عما قبله بمعنى ونحن نطبع كما مر في الوقوف، وإما أن يكون متصلاً بما قبله.

قال الكشاف: وذلك هو يرثون أو ما دلّ عليه معنى ﴿ أولم يهد ﴾ كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع.

ثم قال: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ أصبناهم ﴾ و ﴿ طبعنا ﴾ لأن القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم فيجري مجرى تحصيل الحاصل ولقائل أن يقول: لا يلزم من المذكور وهو كونهم مذنبين أن يكونوا مطبوعين، فاقتراف الذنوب غير الطبع لأن يذنب أوّلاً أو يكفر ثم يستمر على ذلك فيصير مطبوعاً على قلبه.

وأيضاً جاز أن يراد لو شئنا لزدنا في طبعهم أو لأدمناه والله  أعلم بمراده.

ثم أخبر عن الأقوام المذكورين تسلية لرسوله  فقال ﴿ تلك القرى ﴾ وهي مبتدأ وخبر.

وقوله ﴿ يقص ﴾ حال والعامل معنى اسم الإشارة، أو خبر بعد خبر، أو ﴿ القرى ﴾ صفة لـ ﴿ تلك ﴾ و ﴿ نقص ﴾ خبر.

وفائدة الإخبار على هذا التقدير ظاهرة.

وأما على الأوّلين فترجع الفائدة إلى الحال أو الخبر الثاني كما ترجع إلى الصفة في قولك: هو الرجل الكريم.

الحاصل أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك، وأيضاً خصصنا تلك القرى بقصص بعض أنبائها لأنهم اغتروا بطول الأمهال مع كثرة النعم وكانوا أقرب الأمم إلى العرب فذكرنا أحوالهم تنبيهاً على الاحتراز عن مثل أعمالهم.

ثم عزى رسوله بقوله ﴿ ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا ﴾ من قبل اللام لتأكيد النفي وأن الإيمان كان منافياً لحالهم.

قال ابن عباس والسدي: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بسبب تكذيبهم يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم أقروا باللسان كرهاً وأضمروا التكذيب.

وقال الزجاج: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به من قبل رؤية تلك المعجزات.

وعن مجاهد: فما كانوا ليؤمنوا لو أحييناهم بعد الإهلاك ورددناهم إلى دار التكليف بما كذبوا من قبل كقوله ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه  ﴾ وقيل: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما كذبوا من قبل مجيئهم.

وقيل: ما كانوا ليؤمنوا في الزمان المستقبل بما كذبوا به في الزمان الماضي أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إلى أن ماتوا مصرين لم ينجع فيهم تكرير المواعظ وتتابع الآيات ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الطبع الشديد ﴿ يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ الذي كتب أن لا يؤمنوا أبداً.

والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد كما سلف.

وقال الجبائي: هو أن يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن صاحبها لا يؤمن.

وقال الكعبي: إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله  ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً  ﴾ ثم شرح حال المكلفين فقال ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد ﴾ والضمير للناس على الإطلاق.

قال ابن عباس: يعني بالعهد قوله للذر ﴿ ألست بربكم  ﴾ أقروا به ثم خالفوا.

عن ابن مسعود هو الإيمان كقوله ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا  ﴾ يعني من قال لا إله إلا الله.

وقيل: العهد عبارة عن الأدلة على التوحيد والنبوّة والمراد الوفاء بالعهد ﴿ وإن وجدنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة في قوله ﴿ لفاسقين ﴾ وقد عملت في ضمير شأن مقدر والتقدير: وإن الشأن والحديث علمنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والآية اعتراض.

ويحتمل أن يعود الضمير على الأمم المذكورين كانوا إذا عاهدوا الله في ضرر ومخافة لئن أنجيتنا لنؤمنن نكثوه بعد كشف الضر.

التأويل: ﴿ إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ﴾ الوفي يتضرع إليه عند البلاء ويتوكل عليه والعدوّ يذهل عن الحق ولا يرجع إليه ﴿ ولو أن أهل القرى ﴾ يعني صفات النفس ﴿ آمنوا ﴾ بما يرد إلى صفات القلب والروح من ألطاف الحق ﴿ واتقوا ﴾ مشتبهات النفس ﴿ لفتحنا عليهم ﴾ أسباب العواطف من سماء الروح وأرض القلب ﴿ فأخذناهم ﴾ عاقبناهم بعذاب البعد ﴿ بما كسبوا ﴾ من مخالفات الحق وموافقات الطبع ﴿ بياتاً ﴾ في صور القهر ﴿ ضحى ﴾ في صورة اللطف بسطوات الجذبات ﴿ وهم يلعبون ﴾ يشتغلون بالدنيا.

﴿ إلا القوم الخاسرون ﴾ من أهل القهر هم الذين خسروا سعادة الدارين من أهل اللطف هم الذين خسروا الدنيا والعقبى وربحوا المولى ﴿ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ ﴾ .

على تأويل من يجعل الآية في الأمم السالفة، يقول: أو لم يوفقوا ولم يهدوا للصواب بهلاك أمة بعد أمة، وقوم بعد قوم، وعلى تأويل من يقول بأن الآية في هذه الأمة، يقول: ألم يبن لهؤلاء الذين ورثوا الأرض من بعد هلاك أهلها أن لو نشاء أصبناهم [بعذاب] بذنوبهم، كما أصاب أولئك العذاب بذنوبهم.

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ ﴾ ، أي: من بعد هلاك أهلها.

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ ﴾ على إسقاط الواو والألف، أي: لم يهد للذين يرثون الأرض.

ثم يحتمل قوله: لم يهد لهم أولم يتفكروا بما أهلك الأولين وما حل بهم بتكذيبهم الرسل أنهم كانوا إذا تركوا التفكر والنظر فيهم وما نزل بهم لم يهد لهم.

والثاني: قد هداهم لكن نفى ذلك عنهم لما لم ينتفعوا به، وهو ما نفي عنهم من السمع والبصر والعقل لما لم ينتفعوا به.

ويحتمل على غير إسقاط [أو] كأنه قال: أو لم يهد للذين يرثون الأرض، أو لم يهدهم الرسول قدرة الله في إهلاك الأمم الخالية، فعلى ذلك هو قادر على إهلاك الذين يرثون الأرض من بعد أهلها يحتمل هذه الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.

أو يقول: أو لم يهد لهم وراثة الأرض من بعد هلاك أهلها أنهم بما أهلكوا حتى يرتدعوا ويمتنعوا عن مثله.

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: قد هداهم وبين لهم أن من تقدمهم، إنما هلكوا بما أصابوا من ذنوبهم من التكذيب والعناد، لكن لم يهتدوا لعنادهم.

والثاني: لم يهدهم لما لم يتفكروا فيها، ولم ينظروا، على التلاوة قرئت بإسقاط [الواو].

وقوله: ﴿ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ .

فإن كانت في الأمم السالفة، فقوله: أن لو نشاء أصبنا قوماً بعد قوم بذنوبهم.

وإن كانت في المتأخرين فيكون قوله: أن لو نشاء أصبنا هؤلاء بذنوبهم على ما أصاب أولئك بذنوبهم، ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون، والطبع يحتمل الختم، أي ونختم على قلوبهم، ويحتمل الطبع ظلمة الكفر، أي: ستر قلوبهم بظلمة الكفر؛ كقولهم: وكل شيء ستر شيئاً وتغشاه فهو طبع.

﴿ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل لا يسمعون لما لا ينتفعون به.

ويحتمل: لا يسمعون، أي: لا يجيبون؛ كقوله: سمع الله لمن حمده، قيل: أجاب الله لمن حمده، أي: دعاءه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا ﴾ .

قوله: ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ أي: قصصنا عليك: بما قص عليه من الأنبياء، يخبر رسوله أن القرى التي كانت من قبل قد سألوا رسلهم الآيات، فجاءوا بها، ولم يصدقوها، فعلى ذلك هؤلاء، إنك لو أتيت ما سألوك من الآيات لم يؤمنوا بها، ولم يصدقوها، يخبره عن تعنتهم ومكابرتهم وعنادهم.

والثاني: يذكر أن الآيات ليس يجب أن يأتوا بها من الجهة التي يريدون، إنما يجب أن يأتوا بما هو حجّة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ ﴾ \[يحتمل وجوهاً\]: يحتمل الأنباء التي أنبأت الرسل أقوامهم من نزول العذاب بهم بالتكذيب والكفر بها.

ويحتمل البينات التي تدل على صدق الرسل بما يقولون ويخبرون بعد ما سألوهم الآيات، لكن ردوها ردّ عناد ومكابرة بعدما عرفوا أنها حق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ ﴾ .

أي: ما كانوا ليؤمنوا لما رأوا بأسنا بما كذبوا من قبل، أي: لا ينفعهم إيمانهم عند رؤيتهم بأس الله؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  ﴾ .

ويحتمل: ما كانوا ليؤمنوا بسؤالهم الآيات إذا أتاهم الآيات بما كذبوا من قبل؛ لأن تركهم الإيمان وتكذيبهم الرسل ليس لما لم يكن لهم الآيات، ولكن للتعنت، فأخبر أنهم وإن سألوا الآيات فإنهم لا يؤمنون.

والثالث: ما كانوا ليؤمنوا بما يخبرهم الرسول من إتيان العذاب بهم بما كذبوا من قبل من الأنباء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ﴾ .

يحتمل العهد المذكور وجوهاً ثلاثة: أحدها: عهد الخلقة؛ لما في خلقة كل أحد من الشهادة بالوحدانية له والألوهيّة، فلم يوفوا بتلك العهود بل نقضوها.

والثاني: العهد الذي أخذ الله عليهم على ألسن الرسل؛ كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...

 ﴾ الآية، فلم يوفوا بذلك.

والثالث: ما أعطوا هم من أنفسهم من العهد؛ كقول فرعون لموسى: ﴿ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ  ﴾ ، فلم يوفوا بما أعطوا هم من العهود.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾ .

[أي] وقد وجدنا أكثرهم فاسقين بنقض العهد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

تلك القرى السابقة -وهي قرى أقوام نوح وهود وصالح ولوط وشعيب- نتلو عليك ونخبرك -أيها الرسول- من أخبارها وما كانت عليه من تكذيب وعناد وما حل بها من هلاك؛ ليكون ذلك عبرة لمن يعتبر، وموعظة لمن يتعظ، ولقد جاءت أهل هذه القرى رسلهم بالبراهين الواضحة على صدقهم، فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنهم يكذبون به.

ومثل ختم الله على قلوب أهل هذه القرى المكذبين برسلهم يختم الله على قلوب الكافرين بمحمد  ، فلا يهتدون للإيمان.

<div class="verse-tafsir" id="91.nmb2K"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر