الآية ١٦٣ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٦٣ من سورة الأعراف

وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ١٦٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٣ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا السياق هو بسط لقوله تعالى : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) [ البقرة : 65 ] يقول [ الله ] تعالى ، لنبيه صلوات الله وسلامه عليه : ( واسألهم ) أي : واسأل هؤلاء اليهود الذين بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله ، ففاجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة ، وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التي يجدونها في كتبهم ; لئلا يحل بهم ما حل بإخوانهم وسلفهم .

وهذه القرية هي " أيلة " وهي على شاطئ بحر القلزم .

قال محمد بن إسحاق : عن داود بن الحصين ، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله : ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) قال : هي قرية يقال لها " أيلة " بين مدين والطور .

وكذا قال عكرمة ، ومجاهد ، وقتادة ، والسدي .

وقال عبد الله بن كثير القارئ ، سمعنا أنها أيلة .

وقيل : هي مدين ، وهو رواية عن ابن عباس وقال ابن زيد : هي قرية يقال لها .

" مقنا " بين مدين وعيدوني .

وقوله : ( إذ يعدون في السبت ) أي : يعتدون فيه ويخالفون أمر الله فيه لهم بالوصاة به إذ ذاك .

( إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ) قال الضحاك ، عن ابن عباس : أي ظاهرة على الماء .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( شرعا ) من كل مكان .

قال ابن جرير : وقوله : ( ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم ) أي : نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده ، وإخفائه عنهم في اليوم المحلل لهم صيده ( كذلك نبلوهم ) نختبرهم ( بما كانوا يفسقون ) يقول : بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها .

وهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله ، بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام .

وقد قال الفقيه الإمام أبو عبد الله بن بطة ، رحمه الله : حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم ، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود ، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل " وهذا إسناد جيد ، فإن أحمد بن محمد بن مسلم هذا ذكره الخطيب في تاريخه ووثقه ، وباقي رجاله مشهورون ثقات ، ويصحح الترمذي بمثل هذا الإسناد كثيرا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود، وهم مجاوروك, عن أمر " القرية التي كانت حاضرة البحر ", يقول: كانت بحضرة البحر، أي بقرب البحر وعلى شاطئه.

* * * واختلف أهل التأويل فيها.

فقال بعضهم: هي " أيلة ".

* ذكر من قال ذلك: 15252- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن محمد بن إسحاق, عن داود بن حصين, عن عكرمة, عن ابن عباس: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر "، قال: هي قرية يقال لها " أيلة ", بين مَدْين والطور.

15253- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثير في قوله: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر " قال: سمعنا أنها أيلة.

15254- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال، حدثنا ابن جريج, عن عكرمة قال: دخلتُ على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي, فقلت: ما يبكيك، جعلني الله فداك؟

فقال: ويلك, وتعرِف القرية التي كانت حاضرة البحر؟

فقلت: تلك أيلة!

(20) 15255- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن عكرمة, عن ابن عباس: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر "، قال: هي أيلة.

15256- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: هي قرية على شاطئ البحر، بين مصر والمدينة، يقال لها: " أيلة ".

15257- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: هم أهل أيلة, القرية التي كانت حاضرة البحر.

15258- حدثني الحارث قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد في قوله: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر "، قال: أيلة.

* * * وقال آخرون: معناه: ساحلُ مدين.

15259- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر " الآية, ذكر لنا أنها كانت قرية على ساحل البحر، يقال لها أيلة.

* * * وقال آخرون: هي مَقْنا.

* ذكر من قال ذلك: 15260- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر "، قال: هي قرية يقال لها " مقنا "، بين مدين وعَيْنُوني.

(21) * * * وقال آخرون: هي مدين.

* ذكر من قال ذلك: 15261- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: هي قرية بين أيلة والطور، يقال لها " مَدْين ".

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: هي قرية حاضرة البحر= وجائز أن تكون أيلة= وجائز أن تكون مدين= وجائز أن تكون مقنا= لأن كل ذلك حاضرة البحر، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع العذر بأيِّ ذلك من أيٍّ, (22) والاختلاف فيه على ما وصفت.

ولا يوصل إلى علم ما قد كان فمضى مما لم نعاينه, إلا بخبر يوجب العلم.

ولا خبر كذلك في ذلك.

* * * وقوله: " إذ يعدون في السبت "، يعني به أهله، إذ يعتدون في السبت أمرَ الله, ويتجاوزونه إلى ما حرمه الله عليهم.

* * * يقال منه: " عدا فلان أمري" و " اعتدى "، إذا تجاوزه.

(23) * * * وكان اعتداؤهم في السبت: أن الله كان حرَّم عليهم السبت, فكانوا يصطادون فيه السمك.

(24) * * * = " إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا "، يقول: إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهوا فيه العمل= " شرَّعًا ", يقول: شارعة ظاهرةً على الماء من كل طريق وناحية، كشوارع الطرق، كالذي: - 15262- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك، عن ابن عباس: " إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا "، يقول: ظاهرة على الماء.

(25) 15263- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " شرعًا "، يقول: من كلّ مكان.

* * * وقوله: " ويوم لا يسبتون "، يقول: ويوم لا يعظمونه تعظيمهم السَّبت, وذلك سائر الأيام غير يوم السبت= " لا تأتيهم "، الحيتان= " كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون "، يقول: كما وصفنا لكم من الاختبار والابتلاء الذي ذكرنا، بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده, وإخفائه عنهم في اليوم المحلل صيده (26) = " كذلك نبلوهم "، ونختبرهم (27) = " بما كانوا يفسقون "، يقول: بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها.

(28) * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " ويوم لا يسبتون ".

فقرئ بفتح " الياء " من (يَسْبِتُونَ) =من قول القائل: " سبت فلان يسبت سَبْتًا وسُبُوتًا "، إذا عظَّم " السبت ".

* * * وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (وَيَوْمَ لا يُسْبَتُونَ) بضم الياء.

=من " أسبت القوم يسبتون "، إذا دخلوا في " السبت ", كما يقال: " أجمعنا "، مرّت بنا جمعة, و " أشهرنا " مرّ بنا شهر, و " أسبتنا "، مرّ بنا سبت.

* * * ونصب " يوم " من قوله: " ويوم لا يسبتون "، بقوله: " لا تأتيهم "، لأن معنى الكلام: لا تأتيهم يوم لا يسبتون.

* * * --------------------- الهوامش : (20) (1) الأثر : 15254 - (( سلام بن سالم الخزاعى )) ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 252 ، 6529 .

و (( يحيى بن سليم الطائفي )) ، مضى برقم : 4894 ، 7831 .

وانظر هذا الخبر وتمامه فيما سيأتي رقم 15271 .

(21) (1) (( عينونى )) ، وتكتب أيضاً ( عينونا )) ، و (( عينون )) ، ذكرها ياقوت في معجمه في الباب ، وذكرها البكرى في معجم ما استعجم في (( حبرى )) ، ولم يفرد لها باباً .

قال ياقوت : (( من قرى باب المقدس .

وقيل : قرية من وراء البثنية من دون القلزم ، في طرف الشام ، ذكرها كثير : إِذْ هُـنَّ فِـي غَلَـسِ الظَّـلامِ قـوارِبٌ أَعْــدَادَ عَيْــنٍ مـن عُيُـونِ أُثَـالِ يَجْــتَزْنَ أَوْدِيَـةَ البُضَيْـعِ جَوَازِعًـا أجْــوَازَ عَيْنُونَــا، فَنَعْــفَ قِبَـالِ وقال يعقوب : سمعت من يقول : عين أنا ...

وقال البكرى : هي قرية يطؤها طريق المصريين إذا حجوا .

وأنا ، واد )) .

وفي الخبر ( ابن سعد 1/2/21 ، 22 ) : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كتب لنعيم ابن أوس ، أخي تميم الدارى ، أن له (( حيرى )) ، و (( عينون )) بالشام ، قريتها كلها ، سهلها وجبلها وماءها وأنباطها وبقرها ، ولعقبة من بعده ، لا يحاقه فيها أحد ، ولا يلجه عليهم بظلم ، ومن ظلمهم وأخذ منهم شيئاً فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وكتب على )) .

قال البكرى في معجم ما استعجم (420 ) : (( وكان سليمان بن عبد الملك إذا مر بها لم يعرج ويقول : أخاف أن تمسنى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم )) .

(22) (1) في المطبوعة : (( بأن ذلك من أي )) ، ظن أنه يصحح ما في المخطوطة ، فخلط خلطاً لا مخرج منه .

وهذا تعبير مضى مرارًا ، وأشرت إليه 1 : 520 س : 16 / 2 : 517 س : 15 / 3 : 64 س : 7 / 6 : 291 س : 6 / 8 : 85 ، 86 تعليق : 1 ، فراجعه هناك ٍ ، فقد غيره الناشر في كل هذه المواضع .

(23) (2) انظر تفسير : (( عدا )) و (( اعتدى )) فيما سلف 12 : 36 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(24) (1) انظر معنى (( السبت )) واعتداؤهم فيه فيما سلف 2 : 166 - 182 / 9 : 361 ، 362 .

(25) (2) الأثر : 15262 - (( عثمان بن سعيد الزيات الأحول )) ، لا بأس به ، مضى برقم : 137 .

وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( عثمان بن سعد )) ، وهو خطأ محض .

و (( بشر بن عمارة الخثعمي )) ، ضعيف ، مضى أيضاً برقم : 137 .

وهذا الخبر جزء من خبر طويل مضى قديماً برقم : 1138 ( 2 : 168 ) .

(26) (3) في المطبوعة والمخطوطة : (( وإخفائها )) ، والسياق يقتضى ما أثبت .

(27) (4) انظر تفسير (( الابتلاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بلا ) .

(28) (1) انظر تفسير ((الفسق ) فيما سلف من فهارس اللغة ( فسق ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون قوله تعالى واسألهم عن القرية أي عن أهل القرية ; فعبر عنهم بها لما كانت مستقرا لهم أو سبب اجتماعهم .

نظيره واسأل القرية التي كنا فيها وقوله عليه السلام : اهتز العرش لموت سعد بن معاذ يعني أهل العرش من الملائكة ، فرحا واستبشارا بقدومه ، رضي الله عنه .

أي واسأل اليهود الذين هم جيرانك عن أخبار أسلافهم وما مسخ الله منهم قردة وخنازير .

وهذا سؤال تقرير وتوبيخ .

وكان ذلك علامة لصدق النبي صلى الله عليه وسلم ; إذ أطلعه الله على تلك الأمور من غير تعلم .

وكانوا يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه ، لأنا من سبط خليله إبراهيم ، ومن سبط إسرائيل وهم بكر الله ، ومن سبط موسى كليم الله ; ومن سبط ولده عزير ، فنحن من أولادهم .

فقال الله عز وجل لنبيه : سلهم يا محمد عن القرية ، أما عذبتهم بذنوبهم ; وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة .

واختلف في تعيين هذه القرية ; فقال ابن عباس وعكرمة والسدي : هي أيلة .

وعن ابن عباس أيضا أنها مدين بين أيلة والطور .

الزهري : طبرية .

قتادة وزيد بن أسلم : هي ساحل من سواحل الشأم ، بين مدين وعينون ، يقال لها : مقناة .

وكان اليهود يكتمون هذه القصة لما فيها من السبة عليهم .التي كانت حاضرة البحر أي كانت بقرب البحر ; تقول : كنت بحضرة الدار أي بقربها .إذ يعدون في السبت أي يصيدون الحيتان ، وقد نهوا عنه ; يقال : سبت اليهود ; تركوا العمل في سبتهم .

وسبت الرجل للمفعول سباتا أخذه ذلك ، مثل الخرس .

وأسبت سكن فلم يتحرك .

والقوم صاروا في السبت .

واليهود دخلوا في السبت ، وهو اليوم المعروف .

وهو من الراحة والقطع .

ويجمع أسبت وسبوت وأسبات .

وفي الخبر عن [ ص: 274 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم من احتجم يوم السبت فأصابه برص فلا يلومن إلا نفسه .

قال علماؤنا : وذلك لأن الدم يجمد يوم السبت ، فإذا مددته لتستخرجه لم يجر وعاد برصا .

وقراءة الجماعة يعدون وقرأ أبو نهيك ( يعدون ) بضم الياء وكسر العين وشد الدال .

الأولى من الاعتداء والثانية من الإعداد ; أي يهيئون الآلة لأخذها .

وقرأ ابن السميقع ( في الأسبات ) على جمع السبت .إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم وقرئ ( أسباتهم ) .شرعا أي شوارع ظاهرة على الماء كثيرة .

وقال الليث : حيتان شرع رافعة رءوسها .

وقيل : معناه أن حيتان البحر كانت ترد يوم السبت عنقا من البحر فتزاحم أيلة .

ألهمها الله تعالى أنها لا تصاد يوم السبت ; لنهيه تعالى اليهود عن صيدها .

وقيل : إنها كانت تشرع على أبوابهم ; كالكباش البيض رافعة رءوسها .

حكاه بعض المتأخرين ; فتعدو فأخذوها في السبت ; قاله الحسن .

وقيل : يوم الأحد ، وهو الأصح على ما يأتي بيانه .ويوم لا يسبتون أي لا يفعلون السبت ; يقال : سبت يسبت إذا عظم السبت .

وقرأ الحسن ( يسبتون ) بضم الياء ، أي يدخلون في السبت ; كما يقال : أجمعنا وأظهرنا وأشهرنا ، أي دخلنا في الجمعة والظهر والشهر .لا تأتيهم أي حيتانهم .كذلك نبلوهم أي نشدد عليهم في العبادة ونختبرهم .

والكاف في موضع نصب .بما كانوا يفسقون أي بفسقهم .

وسئل الحسين بن الفضل : هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتا ، والحرام يأتيك جزفا جزفا ؟

قال : نعم ، في قصة داود وأيلة إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم .

وروي في قصص هذه الآية أنها كانت في زمن داود عليه السلام ، وأن إبليس أوحى إليهم فقال : إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت ، فاتخذوا الحياض ; فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها ، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء ، فيأخذونها يوم الأحد .

وروى أشهب عن مالك قال : زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل خيطا ويضع فيه وهقة ، وألقاها في ذنب الحوت ، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد وتركه كذلك إلى الأحد ، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع هذا لا يبتلى حتى كثر صيد الحوت ، ومشي به في الأسواق ، وأعلن الفسقة بصيده ; فقامت فرقة من بني إسرائيل ونهت ، وجاهرت بالنهي واعتزلت .

وقيل : إن الناهين قالوا : لا نساكنكم ; فقسموا القرية بجدار .

فأصبح [ ص: 275 ] الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد ، فقالوا : إن للناس لشأنا ; فعلوا على الجدار فنظروا فإذا هم قردة ; ففتحوا الباب ودخلوا عليهم ، فعرفت القردة أنسابها من الإنس ، ولم تعرف الإنس أنسابهم من القردة ; فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ; فيقول : ألم ننهكم !

فتقول برأسها نعم .

قال قتادة : صار الشبان قردة والشيوخ خنازير ، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم .

فعلى هذا القول إن بني إسرائيل لم تفترق إلا فرقتين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وَاسْأَلْهُمْ أي: اسأل بني إسرائيل عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ أي: على ساحله في حال تعديهم وعقاب اللّه إياهم.

إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ وكان اللّه تعالى قد أمرهم أن يعظموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيدا، فابتلاهم اللّه وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا أي: كثيرة طافية على وجه البحر.

وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ أي: إذا ذهب يوم السبت لا تَأْتِيهِمْ أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئا كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ففسقهم هو الذي أوجب أن يبتليهم اللّه، وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلا فلو لم يفسقوا، لعافاهم اللّه، ولما عرضهم للبلاء والشر، فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفرا، وينصبون لها الشباك، فإذا جاء يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشباك، لم يأخذوها في ذلك اليوم، فإذا جاء يوم الأحد أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) قيل : هي " مدين " ، أي : سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال توبيخ وتقريع عن القرية التي كانت حاضرة البحر أي : بقربه .

قال ابن عباس : هي قرية يقال لها " إيلة " بين " مدين " و " الطور " على شاطئ البحر .

وقال الزهري : هي " طبرية الشام " .

( إذ يعدون في السبت ) أي : يظلمون فيه ويجاوزون أمر الله تعالى بصيد السمك ، إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا أي : ظاهرة على الماء كثيرة ، جمع شارع .

وقال الضحاك : متتابعة .

وفي القصة : أنها كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش السمان البيض .

( ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ) كإتيانهم يوم السبت ، قرأ الحسن : " لا يسبتون " بضم الياء أي : لا يدخلون في السبت ، والقراءة المعروفة بنصب الياء ، ومعناه : لا يعظمون السبت ، ( كذلك نبلوهم ) نختبرهم ، ( بما كانوا يفسقون ) فوسوس إليهم الشيطان وقال : إن الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل ، فاصطادوا .

أو قيل : وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ ، فاتخذوا حيضا على شاطئ البحر ، تسوقون الحيتان إليها يوم السبت ، ثم تأخذونها يوم الأحد .

ففعلوا ذلك زمانا ثم تجرأوا على السبت ، وقالوا : ما نرى السبت إلا قد أحل لنا ، فأخذوا وأكلوا وباعوا ، فصار أهل القرية أثلاثا ، وكانوا نحوا من سبعين ألفا ، ثلث نهوا ، وثلث لم ينهوا وسكتوا وقالوا : لم تعظون قوما الله مهلكهم؟

وثلث هم أصحاب الخطيئة ، فلما لم ينتهوا قال الناهون : لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار ، للمسلمين باب وللمعتدين باب ، ولعنهم داود عليه السلام ، فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد ، فقالوا : إن لهم شأنا لعل الخمر غلبتهم فعلوا على الجدار ، فإذا هم قردة ، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولم تعرف الإنس أنسابها من القرود ، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ، فيقول : ألم ننهكم فتقول برأسها : نعم ، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واسألهم» يا محمد توبيخا «عن القرية التي كانت حاضرة البحر» مجاورة بحر القلزم وهي أيلة ما وقع بأهلها «إذ يعدون» يعتدون «في السبت» بصيد السمك المأمورين بتركه فيه «إذ» ظرف ليعدون «تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شُرَّعا» ظاهرة على الماء «ويوم لا يسبتون» لا يعظمون السبت أي سائر الأيام «لا تأتيهم» ابتلاء من الله «كذلك نبلوهم» بما كانوا يفسقون» ولما صادوا السمك افترقت القرية أثلاثا، ثلث صادوا معهم وثلث نهوهم، وثلث أمسكوا عن الصيد والنهي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واسأل -أيها الرسول- هؤلاء اليهود عن خبر أهل القرية التي كانت بقرب البحر، إذ يعتدي أهلها في يوم السبت على حرمات الله، حيث أمرهم أن يعظموا يوم السبت ولا يصيدوا فيه سمكًا، فابتلاهم الله وامتحنهم؛ فكانت حيتانهم تأتيهم يوم السبت كثيرة طافية على وجه البحر، وإذا ذهب يوم السبت تذهب الحيتان في البحر، ولا يرون منها شيئًا، فكانوا يحتالون على حبسها في يوم السبت في حفائر، ويصطادونها بعده.

وكما وصفنا لكم من الاختبار والابتلاء، لإظهار السمك على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده فيه، وإخفائه عليهم في اليوم المحلل لهم فيه صيده، كذلك نختبرهم بسبب فسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

واستمع إلى سورة الأعراف وهى تحكى لنا هذه القصة بأسلوبها البليغ فتقول : ( وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية .

.

.

.

) .قوله - تعالى - ( وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية ) .

.

.

الخ .

معطوف على اذكر المقدر فى قوله - تعالى - : ( وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا ) والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وضمير الغيبة للمعاصرين له من اليهود .أى : سل يا محمد هؤلاء اليهود المعاصرين لك كيف كان حال أسلافهم الذين تحايلوا على استحلال محارم الله فإنهم يجدون أخبارهم فى كتبهم ولا يستطيعون كتمانها .والمقصود من سؤالهم تقريعهم على عصيانهم ، لعلهم أن يتوبوا ويرجعوا إلى الحق ، ولا يعرضوا أنفسهم لعقوبات كالتى نزلت بسابقيهم ، وتعريفهم بأن هذه القصة من علومهم المعروفة لهم والتى لا يستطيعون إنكارها ، والتى لا تعلم إلا بكتاب أو وحى ، فإذا أخبرهم بها النبى الأمى الذى لم يقرأ كتابهم كان ذلك معجزة له .

ودليلا على أنه نبى صادق موحى إليه بها .قال الإمام ابن كثير عند تفسيره للآية الكريمة : ( أى واسأل - يا محمد - هؤلاء اليهود الذين بحضرتكم عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله ففاجأتهم نقمته على اعتدائهم واحتيالهم فى المخالفة ، وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التى يجدونها فى كتبهم " لئلا يحل بهم ما حل بإخوانهم وسلفهم وهذه القرية هى " أيلة " وهى على شاطىء بحر القلزم ، أى - البحر الأحمر- ) .وقال الإمام القرطبى : وهذا سؤال تقرير وتوبيخ ، وكان ذلك علامة لصدق النبى صلى الله عليه وسلم إذ أطلعه الله على تلك الأمور من غير تعلم وكانوا يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه ، لأنا من سبط إسرائيل .

ومن سبط موسى كليم الله ، ومن سبط ولده عزير فنحن أولادهم ، فقال الله - عزل وجل - لنبيه سلهم - يا محمد - عن القرية .

أما عذبتهم بذنوبهم ، وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة .وجمهور المفسرين على أن المراد بهذه القرية .

قرية ( أيلة ) التى تقع بين مدين والطور ، وقيل هى قرية طبرية ، وقيل هى مدين .ومعنى كونها ( حَاضِرَةَ البحر ) : قريبة منه ، مشرفة على شاطئه ، تقول كنت بحضرة الدار أى قريبا منها .وقوله ( إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت ) أى يظلمون ويتجاوزون حدود الله - تعالى - بالصيد فى يوم السبت ويعدون بمعنى يعتدون ، يقال : عدا فلان الأمر واعتدى إذا تجاوز حده .وقوله تعالى ( إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ ) بيان لموضع الاختبار والامتحان .و ( إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ ) ظرف ليعدون .

وحيتان جمع حوت وهو السمك الكبير .

وشرعا : أى : شارعة ظاهرة على وجه الماء .

جمع شارع ، من شرع عليه إذا دنا وأشرف وكل شىء دنا من شىء فهو شارع ، وقوله : شرعا حال من الحيتان .والمعنى : إذ تأتيهم حيتانهم فى وقت تعظيمهم ليوم السبت ظاهرة على وجه الماء دانية من القرية بحيث يمكنهم صيدها بسهولة ، فإذا مرت يوم السبت وانتهى لا تأتيهم كما كانت تأتيهم فيه ، ابتلاء من الله - تعالى - لهم .قال ابن عباس : ( اليهود أمروا باليوم الذى أمرتم به ، وهو يوم الجمعة ، فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله - تعالى - به ، وحرم عليهم الصيد فيه ، وأمرهم بتعظيمه ، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها فى البحر ، فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا فى السبت المقبل ، وذلك بلاء ابتلاهم الله به ، فذلك معنى قوله تعالى ( وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ ) .وقال الإمام القرطبى : ( وروى فى قصص هذه الآية أنها كانت فى زمن داود - عليه السلام - وأن إبليس أوحى إليهم فقال إنما نهيتهم عن أخذها يوم السبت ، فاتخذوا الحياض ، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم السبت فتبقى فيها ، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء .

فيأخذونها يوم الأحد ) .وقوله تعالى ( كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) معناه : بمثل هذا الابتلاء ، وهو ظهور السمك لهم فى يوم السبت ، واختفائه فى غيره نبتليهم ونعاملهم معاملة من يختبرهم ، لينالوا ما يستحقونه من عقوبة بسبب فسقهم وتعديهم حدود ربهم ، وتحايلهم القبيح على شريعتهم ، فقد جرت سنة الله بأن من أطاعة سهل له أمور دنياه ، وأجل له ثواب أخراه ، ومن عصاه أخذه أخذ عزيز مقتدر .ثم بين - سبحانه - طوائف هذه القرية وحال كل طائفة فقال تعالى ( وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) .والذى يفهم من هذه الآية الكريمة ، - وعليه جمهور المفسرين - أن أهل القرية كانوا ثلاث فرق :1- فرقة المعتدين فى السبت ، المتجاوزين حدود الله عن تعمد وإصرار .2 - فرقة الناصحين لهم بالانتهاء عن تعديهم وفسوقهم .3 - فرقة اللائمين للناصحين ليأسهم من صلاح العادين فى السبت .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه القصة أيضاً مذكورة في سورة البقرة.

وفيها مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ واسألهم ﴾ المقصود تعرف هذه القصة من قبلهم، لأن هذه القصة قد صارت معلومة للرسول من قبل الله تعالى، وإنما المقصود من ذكر هذا السؤال أحد أشياء: الأول: أن المقصود من ذكر هذا السؤال تقرير أنهم كانوا قد أقدموا على هذا الذنب القبيح والمعصية الفاحشة تنبيهاً لهم على أن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبمعجزاته ليس شيئاً حدث في هذا الزمان، بل هذا الكفر والإصرار كان حاصلاً في أسلافهم من الزمان القديم.

والفائدة الثانية: أن الإنسان قد يقول لغيره هل هذا الأمر كذا وكذا؟

ليعرف بذلك أنه محيط بتلك الواقعة، وغير ذاهل عن دقائقها، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أمياً لم يتعلم علماً، ولم يطالع كتاباً، ثم أنه يذكر هذه القصص على وجهها من غير تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، كان ذلك جارياً مجرى المعجز.

المسألة الثانية: الأكثرون على أن تلك القرية أيلة.

وقيل: مدين.

وقيل طبرية، والعرب تسمى المدينة قرية، وعن أبي عمرو بن العلاء ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج يعني رجلين من أهل المدن، وقوله: ﴿ كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر ﴾ يعني قريبة من البحر وبقربه وعلى شاطئه والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى: ﴿ ذلك لِمَنْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام  ﴾ وقوله: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت ﴾ يعني يجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم يوم السبت وقد نهوا عنه، وقرئ ﴿ يَعْدُونَ ﴾ بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين و ﴿ يَعْدُونَ ﴾ من الأعداد وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة و ﴿ السبت ﴾ مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها فقوله: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت ﴾ معناه يعدون في تعظيم هذا اليوم، وكذلك قوله: ﴿ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ﴾ معناه: يوم تعظيمهم أمر السبت، ويدل عليه قوله: ﴿ وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ ويؤكده أيضاً قراءة عمر بن عبد العزيز (يوم أسباتهم) وقرئ ﴿ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ بضم الباء، وقرأ على رضى الله عنه ﴿ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ بضم الياء من أسبتوا، وعن الحسن ﴿ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ على البناء للمفعول، وقوله: ﴿ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ ﴾ نصب بقوله: ﴿ يَعْدُونَ ﴾ والمعنى: سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان، وقوله: ﴿ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ﴾ أي ظاهرة على الماء وشرع جمع شارع وشارعة وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة أي دنت من الطريق، ونجوم شارعة أي دنت من المغيب.

وعلى هذا فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، قال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به، يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد فيه وأمروا بتعظيمه، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر.

فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل.

وذلك بلاء ابتلاهم الله به، فذلك معنى قوله: ﴿ وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ كذلك نَبْلُوهُم ﴾ أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم، وذلك يدل على أن من أطاع الله تعالى خفف الله عنه أحوال الدنيا والآخرة ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلاء والمحن، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجب عليه رعاية الصلاح والأصلح لا في الدين ولا في الدنيا وذلك لأنه تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السبت ربما يحملهم على المعصية والكفر، فلو وجب عليه رعاية الصلاح والأصلح، لوجب أن لا يكثر هذه الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن ذل الكفر والمعصية.

فلما فعل ذلك ولم يبال بكفرهم ومعصيتهم علمنا أن رعاية الصلاح والأصلح غير واجبة على الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وسلهم ﴾ وسل اليهود.

وقرئ: ﴿ واسألهم ﴾ .

وهذا السؤال معناه التقرير والتقريع بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله والإعلام بأنّ هذا من علومهم التي لا تعلم إلاّ بكتاب أو وحي، فإذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابهم، علم أنه من جهة الوحي.

ونظيره همزة الاستفهام التي يراد بها التقرير في قولك: أعدوتم في السبت؟

والقرية أيلة.

وقيل: مدين.

وقيل: طبرية.

والعرب تسمي المدينة قرية.

وعن أبي عمرو بن العلاء.

ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، يعني رجلين من أهل المدن ﴿ كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر ﴾ قريبة منه راكبة لشاطئه ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت ﴾ إذ يتجاوزون حدّ الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه.

وقرئ: ﴿ يعدّون ﴾ بمعنى يعتدون، أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين، ويُعدّون من الإعداد، وكانوا يعدّون آلات الصيد يوم السبت، وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة.

والسبت: مصدر سبتت اليهود، إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد، فمعناه: يعدّون في تعظيم هذا اليوم، كذلك قوله: ﴿ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ﴾ معناه يوم تعظيمهم أمر السبت.

ويدل عليه قوله: ﴿ وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ و قراءة عمر بن عبد العزيز: ﴿ يوم إسباتهم ﴾ ، وقرئ: ﴿ لا يسبتون ﴾ ، بضم الباء.

وقرأ علي: ﴿ لا يسبتون ﴾ بضم الياء، من أسبتوا.

وعن الحسن: ﴿ لا يسبتون ﴾ على البناء للمفعول، أي لا يدار عليهم السبت، ولا يؤمرون بأن يسبتوا، فإن قلت: إذ يعدون، وإذ تأتيهم، ما محلهما من الإعراب؟

قلت: أمّا الأوّل فمجرور بدل من القرية، والمراد بالقرية أهلها، كأنه قيل: واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت، وهو من بدل الاشتمال.

ويجوز أن يكون منصوباً بكانت، أو بحاضرة.

وأمّا الثاني فمنصوب بيعدون.

ويجوز أن يكون بدلاً بعد بدل.

والحيتان السمك، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة ﴿ شُرَّعًا ﴾ ظاهرة على وجه الماء.

وعن الحسن: تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض.

يقال شرع علينا فلان إذا دنا منا وأشرف علينا.

وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا ﴿ كذلك نَبْلُوهُم ﴾ أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم ﴿ وَإِذْ قَالَتِ ﴾ معطوف على إذ يعدون، وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أُمَّةٌ مّنْهُمْ ﴾ جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم، حتى أيسوا من قبولهم، لآخرين كانوا لا يقلعون عن وعظهم ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ ﴾ أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم ﴿ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا ﴾ لتماديهم في الشرّ.

وإنما قالوا ذلك، لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم ﴿ قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ ﴾ أي: موعظتنا إبلاء عذر إلى الله، ولئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى بعض التفريط ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ ولطمعنا في أن يتقوا بعض الاتقاء.

وقرئ: ﴿ معذرة ﴾ بالنصب، أي وعظناهم معذرة إلى ربكم، أو اعتذرنا معذرة ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ ﴾ يعني أهل القرية، فلما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه ﴿ أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا ﴾ الظالمين الراكبين للمنكر.

فإن قلت: الأمة الذين قالوا ﴿ لِمَ تَعِظُونَ ﴾ من أي الفريقين هم أمن فريق الناجين أم المعذبين قلت من فريق الناجين، لأنهم من فريق الناهين.

وما قالوا ما قالوا إلا سائلين عن علة الوعظ والغرض فيه، حيث لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال القوم.

وإذا علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه، سقط عنه النهي، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث.

ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب لتعظهم وتكفهم عما هم فيه، كان ذلك عبثاً منك، ولم يكن إلاّ سبباً للتلهي بك.

وأما الآخرون فإنما لم يعرضوا عنهم إمّا لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين، ولم يخبروهم كما خبروهم، أو لفرط حرصهم وجدّهم في أمرهم كما وصف الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ ﴾ [الكهف: 6] وقيل: الأمة هم الموعوظون، لما وعظوا قالوا للواعظين: لم تعظون منا قوما تزعمون أنّ الله مهلكهم أو معذبهم؟

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: يا ليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا: لم تعظون قوماً؟

قال عكرمة: فقلت: جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: لم تعظون قوماً الله مهلكهم، فلم أزل به حتى عَرَّفْته أنهم قد نجوا.

وعن الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان.

وروي: أنّ اليهود أُمروا باليوم الذي أُمرنا به وهو يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت، فابتلوا به وحرّم عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً كأنها المخاض، لا يرى الماء من كثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم جاءهم إبليس فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضاً تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، فلا تقدر على الخروج منها.

وتأخذونها يوم الأحد، وأخذ رجل منهم حوتاً وربط في ذنبه خيطاً إلى خشبة في الساحل، ثم شواه يوم الأحد، فوجد جاره ريح السمك فتطلع في تنوره فقال له: إني أرى الله سيعذبك، فلما لم يره عذب أخذ في السبت القابل حوتين، فلما رأوا أنّ العذاب لا يعاجلهم، صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا، وكانوا نحواً من سبعين ألفاً، فصار أهل القرية أثلاثاً، ثلث نهوا وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً، وثلث قالوا: لم تعظون قوماً؟

وثلث هم أصحاب الخطيئة.

فلما لم ينتهوا قال المسلمون: إنا لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار: للمسلمين باب، وللمعتدين باب.

ولعنهم داود عليه السلام، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إنّ للناس شأناً، فعلوا الجدار فنطروا فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القرود أنسباءها من الأنس، والأنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود، فجعل القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي، فيقول: ألم ننهك فيقول برأسه: بلى، وقيل: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير.

وعن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها، أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة، هاه وايم الله، ما حوتٌ أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم.

ولكن الله جعل موعداً، والساعة أدهى وأمرّ ﴿ بَئِيسٍ ﴾ شديد.

يقال: بؤس يبؤس بأساً، إذا اشتدّ، فهو بئيس.

وقرئ: ﴿ بئس ﴾ ، بوزن حَذِر.

وبئس على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء.

كما يقال: كبد في كبد.

وبيس على قلب الهمزة ياء، كذيب في ذئب، وبيئس على فيعل، بكسر الهمزة وفتحها، وبيس بوزن ريس، على قلب همزة بيئس ياء وإدغام الياء فيها، وبيس على تخفيف بيس، كهين في هين.

وبائس على فاعل ﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه، كقوله: ﴿ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ ﴾ [الأعراف: 77] ، ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ عبارة عن مسخهم قردة، كقوله: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82] والمعنى: أنّ الله تعالى عذبهم أوّلاً بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك فمسخهم.

وقيل: فلما عتوا، تكرير لقوله: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ ﴾ والعذاب البئيس: هو المسخ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واسْألْهُمْ ﴾ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ بِقَدِيمِ كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ، والإعْلامِ بِما هو مِن عُلُومِهِمُ الَّتِي لا تُعْلَمُ إلّا بِتَعْلِيمٍ أوْ وحْيٍ لِيَكُونَ لَكَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً عَلَيْهِمْ.

﴿ عَنِ القَرْيَةِ ﴾ عَنْ خَبَرِها وما وقَعَ بِأهْلِها.

﴿ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ قَرِيبَةً مِنهُ وهي أيَلَةُ قَرْيَةٌ بَيْنَ مَدْيَنَ والطَّوْرِ عَلى شاطِئِ البَحْرِ، وقِيلَ مَدِينُ، وقِيلَ طَبَرِيَّةُ.

﴿ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ ﴾ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، و ﴿ إذْ ﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿ كانَتْ ﴾ أوْ ﴿ حاضِرَةَ ﴾ أوْ لِلْمُضافِ المَحْذُوفِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ.

﴿ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ ﴾ ظَرْفٌ لِـ « يَعْدُونَ» أوْ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ.

وقُرِئَ « ﴿ يَعْدُونَ ﴾ » وأصْلُهُ يَعْتَدُونَ ويُعِدُّونَ مِنَ الإعْدادِ أيْ يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، وقَدْ نُهُوا أنْ يَشْتَغِلُوا فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ.

﴿ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ﴾ يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ أمْرَ السَّبْتِ مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها بِالتَّجَرُّدِ لِلْعِبادَةِ.

وقِيلَ اسْمٌ لِلْيَوْمِ والإضافَةُ لِاخْتِصاصِهِمْ بِأحْكامٍ فِيهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ إنْ قُرِئَ يَوْمَ إسْباتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ﴾ وقُرِئَ « لا يَسْبِتُونَ» مِن أسَبْتَ و « لا يُسْبِتُونَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى لا يَدْخُلُونَ في السَّبْتِ، و ﴿ شُرَّعًا ﴾ حالٌ مِنَ الحِيتانِ ومَعْناهُ ظاهِرَةٌ عَلى وجْهِ الماءِ مِن شَرَعَ عَلَيْنا إذا دَنا وأشْرَفَ.

﴿ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ الشَّدِيدِ نَبْلُوهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ.

وقِيلَ كَذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ أيْ لا تَأْتِيهِمْ مِثْلَ إتْيانِهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ، والباءُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ يَعْدُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واسألهم} واسأل اليهود {عَنِ القرية} أيلة أو مدين وهذا السؤال للتقريع بقدينم كفرهم {التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر} قريبة منه {إذ يعدون في السبت} إذ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه إذ يعهدون في محل الجر بدل من القرية والمراد بالقرية اهلها لكانه قيل واسألهم من أهل القرية وقت عدوانهم في السبت وهو من بدل الاشتمال {إذ تأتيهم} منصوب بيغدون أو يدل بعد بدل {حيتانهم} جمع حوت أتدلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها {يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا} ظاهرة على وجه الماء جمع شارع حال من الحيتان والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد والمعنى إذ يعدون فى تعظيم هذا اليوم وكذا قوله يَوْمَ سَبْتِهِمْ معناه يوم تعظيمهم أمر السبت ويدل عليه {وَيَوْمَ لاَ يسبتون لا تأتيهم} ويم ظرف لاَ تَأْتِيهِمْ {كذلك نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بفسقهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واسْألْهُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى (اذْكُرْ) المُشارِ إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ آنِفًا، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِمَن بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن نَسْلِ اليَهُودِ، أيْ: واسْألِ اليَهُودَ المُعاصِرِينَ لَكَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَقْرِيرٍ بِتَقَدُّمِ تَجاوُزِهِمْ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ إعْلامُهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُخْفُونَهُ، وفي الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ مِمَّنْ مارَسَ كُتُبَهم أوْ تَعَلَّمَهُ مِن عُلَمائِهِمْ ما يَقْضِي بِأنَّ ذَلِكَ عَنْ وحْيٍ فَيَكُونُ مُعْجِزَةً شاهِدَةً عَلَيْهِمْ؛ ﴿ عَنِ القَرْيَةِ ﴾ أيْ: عَنْ خَبَرِها وحالِها وما وقَعَ بِأهْلِها مِن ثالِثَةِ الأثافِيِّ، والمُرادُ بِالسُّؤالِ عَنْ ذَلِكَ ما يَعُمُّ السُّؤالَ عَنِ النَّفْسِ وعَنِ الأهْلِ أوِ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، والمُرادُ عَنْ حالِ أهْلِ القَرْيَةِ، وجُوِّزَ التَّجَوُّزُ فِيها، وهي عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ - أيْلَةُ - قَرْيَةٌ بَيْنَ مَدْيَنَ والطُّورِ.

وعَنِ ابْنِ شِهابٍ هي طَبَرِيَّةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ وهي رِوايَةٌ عَنِ الحَبْرِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها مَقْتا بَيْنَ مَدْيَنَ وعَيْنُونا.

﴿ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ أيْ: قَرِيبَةً مِنهُ مُشْرِفَةً عَلى شاطِئِهِ.

﴿ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ ﴾ أيْ: يَظْلِمُونَ ويَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ أوْ بِتَعْظِيمِهِ، وإذْ بَدَلٌ مِنَ المَسْؤُولِ عَنْهُ، بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المَصْدَرِ، قِيلَ: واحْتِمالُ كَوْنِهِ ظَرْفًا لِكانَتْ أوْ حاضِرَةً لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لا فائِدَةَ بِتَقْيِيدِ الرُّكُونِ أوِ الحُضُورِ بِوَقْتِ العُدْوانِ، وضَمِيرُ يَعْدُونَ لِلْأهْلِ المُقَدَّرِ أوِ المَعْلُومِ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ: إلى القَرْيَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ، وقُرِئَ: (يَعَدُّونَ) بِمَعْنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّاءِ، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ، ويُعِدُّونَ مِنَ الإعْدادِ حَيْثُ كانُوا يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ وهم مَنهِيُّونَ عَنِ الِاشْتِغالِ فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ.

﴿ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ ﴾ ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ أوْ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُعْرِبِينَ، وهو الأوْلى؛ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْ عُدْوانِهِمْ أبْلَغُ في التَّقْرِيعِ، وحِيَتانٌ جَمْعُ حُوتٍ أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها كَنُونٍ ونِيناتٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وإضافَتُها إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ الحِيتانُ الكائِنَةُ في تِلْكَ النّاحِيَةِ الَّتِي هم فِيها، وقِيلَ: لِلْإشْعارِ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ لِاسْتِقْلالِها بِما لا يَكادُ يُوجَدُ في سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ مِنَ الخَواصِّ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ﴿ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ﴾ ظَرْفٌ لِ تَأْتِيهِمْ.

أيْ: تَأْتِيهِمْ يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ لِأمْرِ السَّبْتِ، وهو مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَّبْتِ بِتَرْكِ العَمَلِ والتَّفَرُّغِ لِلْعِبادَةِ فِيهِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْيَوْمِ، والإضافَةُ لِاخْتِصاصِهِمْ بِأحْكامٍ فِيهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (يَوْمَ إسْباتِهِمْ)، وكَذا النَّفْيُ الآتِي ﴿ شُرَّعًا ﴾ أيْ: ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قَرِيبَةً مِنَ السّاحِلِ، وهو جَمْعُ شارِعٍ مِن شَرَعَ عَلَيْهِ إذا دَنا وأشْرَفَ، وفي الشَّرْعِ مَعْنى الإظْهارِ والتَّبْيِينِ، وقِيلَ: حِيتانٌ شُرَّعٌ رافِعَةٌ رُؤُوسَها كَأنَّهُ جُعِلَ ذَلِكَ إظْهارًا وتَبْيِينًا، وقِيلَ: المَعْنى مُتَتابِعَةً، ونُسِبَ إلى الضَّحّاكِ، والظّاهِرُ أنَّها ظاهِرَةٌ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الحِيتانِ.

﴿ ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ ﴾ أيْ: لا يُراعُونَ أمْرَ السَّبْتِ وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: (عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ) إذِ المَقْصُودُ انْتِفاءُ السَّبْتِ والمُراعاةُ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: (لا يُسْبِتُونَ) بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أسْبَتَ إذا دَخَلَ في السَّبْتِ؛ كَأصْبَحَ إذا دَخَلَ في الصَّباحِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: (لا يُسْبَتُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى: لا يَدْخُلُونَ في السَّبْتِ ولا يُؤْمَرُونَ فِيهِ بِما أُمِرُوا بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ، وقُرِئَ: (لا يُسْبِتُونَ) بِضَمِّ الباءِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَأْتِيهِمْ ﴾ أيْ: لا تَأْتِيهِمْ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ حَذَرًا مِن صَيْدِهِمْ لِاعْتِيادِها أحْوالَهُمْ، وأنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ تَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ، وتَغْيِيرُ السَّبْكِ حَيْثُ قَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى الفِعْلِ ولَمْ يَعْكِسْ لِما أنَّ الإتْيانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ مَظِنَّةٌ كَما قِيلَ لِأنْ يُقالَ: فَماذا حالُها يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ؟

فَقِيلَ: يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ.

﴿ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ ﴾ أيْ: نُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِينَ لَهم لِيَظْهَرَ مِنهم ما يَظْهَرُ فَنُؤاخِذُهم بِهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها والتَّعْجِيبِ مِنها، والإشارَةُ إمّا إلى الِابْتِلاءِ السّابِقِ أوْ إلى الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ بَعْدُ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ وهي مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلُ، أيْ: لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ عِنْدَ الطَّبَرْسِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ: إتْيانًا كائِنًا كَذَلِكَ، وجُمْلَةُ نَبْلُوهُمُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ عَنْ حِكْمَةِ اخْتِلافِ حالِ الحِيتانِ بِالإتْيانِ تارَةً وعَدَمِهِ أُخْرى.

﴿ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وتَعَلُّقُ إذْ يَعْدُونَ بِ نَبْلُوهم وبِما يَبْعُدُونَ عَلى مَعْنى نَبْلُوهم وقْتَ العُدْوانِ بِالفِسْقِ مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ واسمها أيلة وذلك أن اليهود قالوا: نحن من أبناء إبراهيم  فلا يعذبنا الله تعالى إلا مقدار عبادة العجل فقال الله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ يعني: أهل القرية التى كانت حاضرة البحر كيف عذبهم الله تعالى بذنوبهم.

ثم أخبر عن ذنوبهم فقال تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يعني: أنهم استحلوا الصيد في يوم السبت.

وقال: يعتدون في يوم السبت.

وأصل الاعتداء هو الظلم.

يقال: عدوت على فلان إذا ظلمته واعتديت عليه.

ثم قال: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً يعني: يوم استراحتهم شوارع في الماء وهو جمع الشارع وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ يعني: إذا لم يكن يوم السبت ويوم الراحة لا تأتيهم.

وإنما تم الكلام عند قوله: تَأْتِيهِمْ ثم ابتدأ فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ يعني: هكذا نختبرهم.

وقال بعضهم: إنما يتم الكلام عند قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك يعني: لا تأتيهم كما تأتيهم يوم السبت لأن في يوم السبت تأتيهم الحيتان شارعات من أسفل الماء إلى أعلاه وفي سائر الأيام يأتيهم القليل، ولا يأتيهم كما يأتيهم في يوم السبت.

ثم ابتداء الكلام فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: نختبرهم بما كانوا يعصون الله تعالى.

ثم قال عز وجل: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ أي عصبة وجماعة منهم وهي الظلمة للأمة الواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ لأن الواعظة نهوهم عن أخذ الحيتان، وخوفوهم، فرد عليهم الظلمة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ قرأ عاصم في إحدى الروايتين مَعْذِرَةً بالنصب يعني: نعتذر إلى ربكم.

وقرأ الباقون مَعْذِرَةً بالضم يعني: هي معذرة يعني: لا ندع الأمر بالمعروف حتى نكون معذورين عند الله تعالى وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لعلهم ينتهون فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: تركوا ما وعظوا به أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: عذبنا الذين تركوا أمر الله بِعَذابٍ بَئِيسٍ يعني: شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: يعصون ويتركون أمر الله تعالى.

وقال ابن عباس-  ما-: كان القوم ثلاثة فرق.

فرقة كانوا يصطادون.

وفرقة كانوا ينهون.

وفرقة لم ينهوا ولم يستحلوا وقالوا للواعظة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ.

وروى أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: أتيت ابن عباس وهو يقرأ في المصحف ويبكي فدنوت منه حتى أخذت بلوحي المصحف وقلت: ما يبكيك قال: تبكيني هذه السورة وهو يقرأ سورة الأعراف.

وقال: هل تعرف أيلة؟

قلت: نعم.

قال: إن الله تعالى أسكنها حياً من اليهود، وابتلاهم بحيتان حرمها عليهم يوم السبت وأحلها لهم في سائر الأيام.

فإذا كان يوم السبت خرجت إليهم الحيتان.

فإذا ذهب السبت غابت في البحر حتى يغوص لها الطالبون، وإن القوم اجتمعوا واختلفوا فيها.

فقال فريق منهم: إنما حرمت عليكم يوم السبت أن تأكلوها فصيدوها يوم السبت، وكلوها في سائر الأيام.

وقال الآخرون: بل حرم عليكم أن تصيدوها أو تنفروها أو تؤذوها.

وكانوا ثلاث فرق: فرقة على أَيمانهم، وفرقة على شمائلهم، وفرقة على وسطهم فقالت الفرقة اليمنى فجعلت تنهاهم في يوم السبت، وجعلت تقول: الله يحذركم بأس الله.

وأما الفرقة اليسرى فأمسكت أيديها، وكفت ألسنتها.

وأما الوسطى فوثبت على السمك تأخذه.

وجعلت الفرقة الأخرى التي كفت أيديها، وألسنتها، ولم تتكلم.

تقول: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فقال: الَّذِينَ يَنْهَوْنَ مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فدخل الذين أصابوا السمك إلى المدينة، وأبى الآخرون أن يدخلوا معهم فغدا هؤلاء الذين أبوا أن يدخلوا المدينة.

فجعلوا ينادون من فيها فلم يجبهم أحد.

فقالوا: لعل الله خسف بهم، أو رموا من السماء بحجارة، فارفعوا رجلاً ينظر، فجعلوا رجلاً على سلم فأشرف عليهم، فإذا هم قردة تتعادى ولها أذناب قد غيّر الله تعالى صورهم بصنيعهم.

فصاح إلى القوم فإذا هم قد صاروا قردة، فكسروا الباب، ودخلوا منازلهم، فجعلوا لا يعرفون أنسابهم، ويقولون لهم: ألم ننهكم عن معصية الله تعالى ونوصيكم؟

فيشيرون برءوسهم بلى ودموعهم تسيل على خدودهم.

فأخبر الله تعالى أنه أنجى الذين ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا.

قوله: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ.

ولا يدرى ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يأخذوا.

وقال عكرمة: بل أهلكهم الله لأنه أنجى الذين ينهون عن السوء.

وأهلك الفريقين الآخرين.

فوهب له ابن عباس بردة بهذا الكلام.

وروي في رواية أُخرى أنهم كانوا يأخذون الحظائر والحياض بجنب البحر، ويسيلون الماء فيها يوم السبت من البحر حتى يدخل فيها السمك، ويأخذونه في يوم الأحد فقالوا: إنا نأخذه في يوم الأحد.

فلما لم يعذبوا استحلوا الأخذ في يوم السبت من البحر وقالوا: إنما حرم الله على أبنائنا ولم يحرم علينا فنهاهم الصلحاء فلم يمتنعوا، فضربوا حائطاً بينهم، وصارت الواعظة في ناحية، والذين استحلوا في ناحية والحائط بين الفريقين.

فأصبحوا في يوم من الأيام ولم يفتح الباب الذي بينهما، فارتقى واحد منهم الحائط، فإذا القوم قد مسخوا إلى قردة.

وقال بعضهم: كان القوم أربعة أصناف صنف يأخذون، وصنف يرضون، وصنف ينهون، وصنف يسكتون، فنجا صنفان، وهلك صنفان.

قال بعضهم: كانوا صنفين صنف يأخذون، وصنف ينهون.

وروى قتادة عن ابن عباس-  - أنه قال: كانوا ثلاث فرق فهلك الثاني، ونجا الثالث، والله أعلم ما فعل بالفرقة الثالثة.

قرأ نافع بعذاب بِيْس بكسر الباء وسكون الياء بلا همز.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بعذاب بَيْأَس بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة.

وقرأ الباقون: بِعَذابٍ بَئِيسٍ بنصب الباء وكسر الياء والهمزة وسكون الياء وهي اللغة المعروفة، والأولى لغة لبعض العرب.

ثم قال: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ يعني: تركوا ما وعظوا به قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يعني: صاغرين مبعدين عن رحمة الله.

قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ يعني: أعلم ربك ويقال: قال ربكم وكل شيء في القرآن تأذن فهو إعلام.

ومعناه قال: لَيَبْعَثَنَّ أي ليسلطن عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي على بني إسرائيل، والذين لا يؤمنون بمحمد  مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يعذبهم بالجزية والقتل إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ إذا عاقب من أصرّ على كفره وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ لمن تاب من الشرك رَحِيمٌ بعد ذلك.

ثم قال: وَقَطَّعْناهُمْ أي فرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً أي فرقاً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ أي المؤمنون وهم مؤمنوا أهل الكتاب.

ويقال: هم الذين وراء رمل عالج وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وهم الكفار منهم وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ يعني: اختبرناهم بالخصب والجدوبة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ من الكفر إلى الإيمان.

ثم قال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ يعني: بعد بني إسرائيل خلف السوء وَرِثُوا الْكِتابَ يعني: التوراة يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى يقول: يستحلون أخذ الحرام من هذه الدنيا وهو الرشوة في الحكم وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا قال مجاهد: يعني: يأخذون ما يجدون حلالاً أو حراماً ويتمنَّون المغفرة وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي وإن يجدوا مثله من العرض يأخذوه.

ويقال: معناه أنهم يصرون على الذنوب وأكل الحرام، فإذا أخذوا أول النهار يعودون إليه في آخر النهار ولا يتوبون عنه.

ويقال: يطلبون بعلمها الدنيا.

ويقال: يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا هذه المرة.

وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ويقولون مثل ذلك: أي سيغفر لنا لأنا لا نشرك بالله شيئاً.

وقال سعيد بن جبير: يأخذون عرض هذا الأدنى.

يقول: يعملون بالذنوب.

ويقولون: سيغفر لنا ما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار.

وما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل.

وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ يعني: الذنوب.

قال الله تعالى: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعني: ألم يؤخذ عليهم ميثاقهم في التوراة أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي: إلا الصدق وَدَرَسُوا مَا فِيهِ أي قرءوا ما فيه وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي: يتقون الشرك، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الآخرة خير من الدنيا.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ ما يدرسون من الكتاب.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ أن الإصرار على الذنوب ليس من علامة المغفورين، قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص أَفَلاَ تَعْقِلُونَ بالتاء على وجه المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ يعني: يعملون بالتوراة ولا يغيرونها عن مواضعها وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلاة المفروضة إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ يعني: عمل الموحدين وهم الذين يمسكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر يُمَسِّكُونَ بالتخفيف.

وقرأ الباقون يُمَسِّكُونَ بالتشديد على معنى المبالغة.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومعنى قوله كَذلِكَ الإشارةُ إلى أمر الحُوت، وفِتنَتِهِمْ به، هذا على من وَقَفَ على تَأْتِيهِمْ، ومن وقف على كَذلِكَ، فالإشارة إِلى كثرة الحيتانِ شُرَّعاً، أي: فما أتى منها يوم لا يسبتون، فهو قليل، ونَبْلُوهُمْ، أي: نمتحنهم بِفِسْقهم وعِصْيانهم، وقد تقدَّم في «البقرة» قصصهم.

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً.

قال جمهور المفسِّرين: إن بني إِسرائيل افترقت ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ عصَتْ، وفرقةٌ نهَتْ، وجاهَرَتْ وتكلَّمَت واعتزلت، وفرقةٌ اعتزلت، ولم تَعْصِ ولم تَنْهِ، وأن هذه الفرقة لما رأتْ مجاهرة الناهية، وطُغيانَ العاصيةِ وعَتُوَّهَا، قالَتْ للناهية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً، يريدونّ: العاصيةَ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إِلى اللَّه، أي: إِقامة عُذْر، ومعنى مُهْلِكُهُمْ، أيُّ: في الدنيا، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، [أي] : في الآخرةِ، والضمير في قوله: نَسُوا للمَنْهِيين، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسياناً مبالغةً، و «ما» في قوله: مَا ذُكِّرُوا بِهِ بمعنى الَّذي، والسُّوءِ: لفظ عامٌّ في جميع المعاصي إِلاَّ أنَّ الذي يختصُّ هنا بحَسَب قصص الآيةِ هو صيد الحوت، والَّذِينَ ظَلَمُوا: هم العاصُونَ، وقوله: بِعَذابٍ بَئِيسٍ معناه: مؤلمٌ موجِعٌ شديدٌ، واختلف في الفرقة التي لم تعص ولم تنه، فقيل: نجت مع الناجين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين.

وقوله: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، أي: لأجل ذلك، وعقوبةً عليه، والعُتُوُّ الاستعصاء وقلَّة الطواعية.

وقوله سبحانه: قُلْنا لَهُمْ كُونُوا، يحتمل أن يكون قولاً بلفظ مِنْ مَلَك أسْمَعَهم فكَانَ أذْهَبَ في الإِعراب والهَوْلِ والإِصغارِ، ويحتمل أن يكون عبَارةً عن القدرة المكوّنة لهم قردة، وخاسِئِينَ: معناه مبعَدِين ف «خاسئين» خبر بعد خبرٍ، فهذا اختيار أبي الفَتْح، وضعَّف الصفَة، فرُوِيَ أنَّ الشباب منهم مُسِخُوا قردةً، والرجالَ الكبارَ مسخوا خنازير.

وقوله سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ معنى هذه الآية: وإِذْ علم اللَّه لَيَبْعَثَنَّ، وتقتضي قوَّة الكلام أنَّ ذلك العلْمَ منه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألْهُمْ ﴾ يَعْنِي أسْباطَ اليَهُودِ، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ يُقَرِّرُهم عَلى قَدِيمِ كُفْرِهِمْ، ومُخالَفَةِ أسْلافِهِمُ الأنْبِياءِ، ويُخْبِرُهم بِما لا يَعْلَمُ إلّا بِوَحْيٍ وفي القَرْيَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها أيْلَةُ، رَواهُ مُرَّةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها مَدِينُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها ساحِلُ مَدْيَنَ، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والخامِسُ: أنَّها قَرْيَةٌ يُقالُ لَها: مُقْنا، بَيْنَ مَدْيَنَ وعَيْنُونا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

ومَعْنى ﴿ حاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ مُجاوِرَةَ البَحْرِ وبِقُرْبِهِ وعَلى شاطِئِهِ.

﴿ إذْ يَعْدُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: يَظْلِمُونَ، يُقالُ: عَدا فُلانٌ يَعْدُو عُدْوانًا وعَدّاءً وعَدْوًا وعُدُوًّا إذا ظَلَمَ، ومَوْضِعُ "إذْ" نَصْبٌ؛ والمَعْنى: سَلْهم عَنْ وقْتِ عَدْوِهِمْ في السَّبْتِ.

﴿ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْضًا بِـ "يَعْدُونَ" والمَعْنى: سَلْهم إذْ عَدَوْا فِي وقْتِ الإتْيانِ.

شَرْعًا أيْ: شُرَّعًا: ظاهِرَةً.

﴿ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا الِاخْتِبارِ الشَّدِيدِ نَخْتَبِرُهم بِفِسْقِهِمْ.

ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿ وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ﴾ كَذَلِكَ، أيْ: لا تَأْتِيهِمْ شُرَّعًا؛ ويَكُونُ نَبْلُوهم مُسْتَأْنَفًا.

وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبانُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: يسبتون بِضَمِّ الياءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ والمَعْنى: واذْكُرْ إذْ قِيلَ لَهُمْ، والمُرادُ مَن سَلَفَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا مِنَ التِيهِ قِيلَ لَهُمُ:اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ، والقَرْيَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَدِينَةُ مُجْتَمَعُ المَنازِلِ، والإشارَةُ هُنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.

قالَهُ الطَبَرِيُّ.

وقِيلَ: إلى أرِيحا، و ﴿ حَيْثُ شِئْتُمْ ﴾ أيْ: هي ونِعَمُها لَكم مُباحَةٌ.

وقَرَأ السَبْعَةُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "حِطَّةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "حِطَّةً" بِالنَصْبِ، الرَفْعُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: طَلَبُنا حِطَّةٌ، والنَصْبُ عَلى المَصْدَرِ، أيْ حُطَّ ذُنُوبَنا حِطَّةً، وهَذا عَلى أنْ يُكَلِّفُوا قَوْلَ لَفْظَةٍ مَعْناها: حِطَّةٌ.

وقَدْ قالَ قَوْمٌ: كُلِّفُوا قَوْلًا حَسَنًا مُضَمَّنُهُ الإيمانُ وشُكْرُ اللهِ لِيَكُونَ حِطَّةً لِذُنُوبِهِمْ، فالكَلامُ -عَلى هَذا- كَقَوْلِكَ: قُلْ خَيْرًا.

وتَوْفِيَةُ هَذا مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطِيئاتِكُمْ" بِالتاءِ مَهْمُوزًا عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطاياكُمْ" نَحْوُ "قَضاياكُمْ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ والأعْمَشُ، وقَرَأ نافِعٌ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئاتُكُمْ" بِالهَمْزِ وضَمِّ التاءِ عَلى الجَمْعِ، ورَواها مَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئَتُكُمْ" واحِدَةً مَهْمُوزَةً مَرْفُوعَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأها الأعْرَجُ وفِرْقَةٌ "تَغْفِرْ" بِالتاءِ وفَتَحَها عَلى مَعْنى أنَّ الحِطَّةَ تَغْفِرُ إذْ هي سَبَبُ الغُفْرانِ.

و"بَدَّلَ" مَعْناهُ: غَيَّرَ اللَفْظَ دُونَ أنْ يَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ، وأبْدَلَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وجاءَ بِلَفْظٍ آخَرَ، والإشارَةُ بِالقَوْلِ إلى قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ أو حِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"، والرِجْزِ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ: طاعُونٌ، يُقالُ: ماتَ مِنهُ في يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وتَقَدَّمَ أيْضًا اسْتِيعابُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ الآيَةُ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ اليَهُودَ المُعارِضِينَ لِمُحَمَّدٍ  قالُوا: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عِصْيانٌ ولا مُعانَدَةٌ لِما أمَرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُوَبِّخَةً لَهم ومُقَرِّرَةً ما كانَ مِن فِعْلِ أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ، فَسُؤالُهم إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، والقَرْيَةُ هُنا: مَدْيَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: أيْلَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والثَوْرِيُّ.

وقالَ قَتادَةُ هي "مُقْنا" بِالقافِ ساكِنَةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ هي مَقْناةُ ساحِلُ مَدْيَنَ، ويُقالُ فِيها مَغْنى بِالغَيْنِ مَفْتُوحَةً ونُونٍ مُشَدَّدَةً، وقِيلَ: هي طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُهْرِيُّ، و"حاضِرَةَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحُضُورِ" أيِ:البَحْرُ فِيها حاضِرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحَضارَةِ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لَها، أيْ هي الحاضِرَةُ في مُدُنِ البَحْرِ.

و"إذْ يَعْدُونَ" مَعْناهُ: يُخالِفُونَ الشَرْعَ، مِن عَدا يَعْدُو.

وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وأبُو نُهَيْكٍ: "يَعَدُّونَ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: أرادَ "يَعْتَدُونَ" فَأسْكَنِ التاءَ لِيُدْغِمَها في الدالِ، ونَقَلَ فَتْحَها إلى العَيْنِ فَصارَ "يَعَدُّونَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ، والِاعْتِداءُ مِنهم في السَبْتِ هو نَفْسُ العَمَلِ والِاشْتِغالِ كانَ صَيْدًا أو غَيْرَهُ، إلّا أنَّهُ كانَ في هَذِهِ النازِلَةِ بِالصَيْدِ، وكانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ابْتَلاهم في أمْرِ الحُوتِ بِأنْ يَغِيبَ عنهم سائِرَ الجُمْعَةِ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ جاءَهم في الماءِ شارِعًا، أيْ مُقْبِلًا إلَيْهِمْ مُصْطَفًّا، كَما تَقُولُ: أُشْرِعَتِ الرِماحُ إذا مُدَّتْ مُصْطَفَّةً، وهَذا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنَ الحُوتِ بِإرْسالٍ مِنَ اللهِ كَإرْسالِ السَحابِ، أو بِوَحْيٍ وإلْهامٍ كالوَحْيِ إلى النَحْلِ، أو بِإشْعارٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ ما يُشْعِرُ اللهُ الدَوابَّ يَوْمَ الجُمْعَةِ بِأمْرِ الساعَةِ حَسَبَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "ما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَمْسُ فَرَقًا مِنَ الساعَةِ"»، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحُوتِ شُعُورًا بِالسَلامَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ شُعُورِ حَمامِ الحَرَمِ بِالسَلامَةِ.

قالَ رُواةُ هَذا القَصَصِ: فَيَقْرُبُ الحُوتُ ويَكْثُرُ حَتّى يُمْكِنَ أخْذُهُ بِاليَدِ، فَإذا كانَ لَيْلَةَ الأحَدِ غابَ بِجُمْلَتِهِ، وقِيلَ: غابَتْ كَثْرَتُهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلِيلُ الَّذِي يُتْعِبُ صَيْدُهُ، قالَ قَتادَةُ: فَفَتَنَهم ذَلِكَ وأضَرَّ بِهِمْ فَتَطَرَّقُوا إلى المَعْصِيَةِ بِأنْ حَفَرُوا حُفَرًا يَخْرُجُ إلَيْها ماءُ البَحْرِ عَلى أُخْدُودٍ، فَإذا جاءَ الحُوتُ يَوْمَ السَبْتِ وحَصَلَ في الحُفْرَةِ ألْقَوْا في الأُخْدُودِ حَجَرًا فَمَنَعُوهُ الخُرُوجَ إلى البَحْرِ فَإذا كانَ الأحَدُ أخَذُوهُ، فَكانَ هَذا أوَّلَ التَطَرُّقِ.

ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ قالَ: زَعَمَ ابْنُ رُومانَ أنَّهم كانُوا يَأْخُذُ الرَجُلُ خَيْطًا ويَصْنَعُ فِيهِ وهْقَةً وألْقاها في ذَنَبِ الحُوتِ، وفي الطَرَفِ الآخَرِ مِنَ الخَيْطِ وتَدٌ مَضْرُوبٌ، وتَرَكَهُ كَذَلِكَ إلى الأحَدِ، ثُمَّ تَطَرَّقَ الناسُ حِينَ رَأوا مَن صَنَعَ هَذا لا يُبْتَلى حَتّى كَثُرَ صَيْدُ الحُوتِ ومُشِيَ بِهِ في الأسْواقِ، وأعْلَنَ الفَسَقَةُ بِصَيْدِهِ وقالُوا: ذَهَبَتْ حُرْمَةُ السَبْتِ، فَنَهَضَتْ فِرْقَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ونَهَتْ وجاهَرَتْ بِالنَهْيِ واعْتَزَلَتْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ: "وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ" قَوْلُهُ: "لا تَأْتِيهِمْ" وهو ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "حِيتانُهم يَوْمَ إسْباتِهِمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والناسُ: "يَسْبِتُونَ" بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ: "يَسْبُتُونَ" بِضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ "يُسْبِتُونَ" مِن أسَبَتَ إذا دَخَلَ في السَبْتِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" الإشارَةُ إلى أمْرِ الحُوتِ وفِتْنَتِهِمْ بِهِ، هَذا عَلى مَن وقَفَ عَلى "تَأْتِيهِمْ"، ومَن وقَفَ عَلى "كَذَلِكَ" فالإشارَةُ إلى كَثْرَةِ الحِيتانِ شُرَّعًا، أيْ: فَما أتى مِنها فَهو قَلِيلٌ، و"نَبْلُوهُمْ" أيْ نَمْتَحِنُهم لِفِسْقِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ رِوايَةٌ وتَطْوِيلٌ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ مِنهُ عَلى ما لا تُفْهَمُ ألْفاظُ الآيَةِ إلّا بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

غُيّر أسلوب الخبر عن بني إسرائيل هُنا: فابتدئ ذِكرُ هذه القصة بطلب أن يسأل سائل بني إسرائيل الحاضرين عنها، فنعلم من ذلك أن لهذه القصص الآتية شأناً غير شأن القصص الماضية، ولا أحسب ذلك إلاّ من أجل أن هذه القصة ليست مما كُتب في توراة اليهود ولا في كتب أنبيائهم، ولكنها مما كان مروياً عن أحبارهم، ولذلك افتتحت بالأمر بسؤالهم عنها، لإشعار يهود العصر النبوي بأن الله أْطلع نبيّه عليه الصلاة والسلام عليها، وهم كانوا يكتمونها، وذلك أن الحوادث التي تكون مواعظ للأمة فيما اجترحته من المخالفات والمعاصي تبقي لها عَقب الموعظة أثراً قد تعيّر الأمة به، ولكن ذلك التعيير لا يؤبه به في جانب ما يحصل من النفع لها بالموعطة، فالأمة في خُوَيْصّتها لا يهتم قادتها ونصحاؤها إلاّ بإصلاح الحال، وإن كان في ذكر بعض تلك الأحوال غضاضة عندها وامتعاض، فإذا جاء حكم التاريخ العام بين الأمم تناولتْ الأمم أحوال تلك الأمة بالحكم لها وعليها، فبقيت حوادث فلتاتها مغمزاً عليها ومعرّة تُعير بها، وكذلك كان شَأن اليهود لما أضاعوا مُلكهم ووطنهم وجاوروا أمماً أخرى فأصبحوا يكتمون عن أولئك الجيرة مَسَاوي تاريخهم، حتى أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم فعلّمه من أحوالهم ما فيه معجزة لأسلافهم، وما بقي معرّة لأخلافهم، وذلك تَحدّ لهم، ووخز على سوء تلقيهم الدعوة المحمدية بالمكر والحسد.

فالسؤال هنا في معنى التقرير لتقريع بني إسرائيل وتوبيخهم وَعد سوابق عصيانهم أي ليس عصيانهم إياك ببدع، فإن ذلك شنشنة قديمة فيهم، وليس سؤالَ الاستفادة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلم بذلك من جانب ربه تعالى، وهو نظير همزة الاستفهام التقريري فوزان ﴿ وأسألهم عن القرية ﴾ وزان: أعدَوْتُم في السَبْت، فإن السؤال في كلام العرب على نوعين أشهرهما أن يسأل السائِل عما لا يعلمه ليعلمه، والآخران يسأل على وجه التقرير حين يكون السائِل يعلم حصول المسؤول عنه، ويعلم المسؤول أن السائل عالم وأنه إنما سأله ليقرره.

وجملة: ﴿ واسألهم ﴾ عطف على جملة: ﴿ وإذْ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ﴾ [الأعراف: 161] واقعة معترضة بين قصص الامتنان وقصص الانتقام الآتية في قوله: ﴿ وقَطّعنْاهم ﴾ [الأعراف: 168]، ومناسبة الانتقال إلى هذه القصة إن في كلتا القصتين حديثا يتعلق بأهل قرية من قرى بني إسرائيل.

وتقدم ذكر القرية عند قوله تعالى: ﴿ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ﴾ الآية من سورة البقرة (65).

وهذه القرية قيل: (أْيلة) وهي المسماة اليوم (العقبة) وهي مدينة على ساحل البحر الأحمر قرب شبه جزيرة طور سينا، وهي مبدأ أرض الشام من جهة مصر، وكانت من مملكة إسرائيل في زمان داود عليه السلام، ووصفت بأنها حاضرة البحر بمعنى الاتصال بالبحر والقرببِ منه، لأن الحضور يستلزم القرب، وكانت (أيلة) متصلة بخليج من البحر الأحمر وهو القلزم.

وقيل هي (طبرية) وكانت طبرية تدعى بحيرة طبرية، وقد قال المفسرون: إن هذه القصة التي أشير إليها في هذه الآية كانت في مدة داود.

وأطلقت القرية على أهلها بقرينة قوله: إذ يعْدُون} أي أهلها.

والمراد السؤال عن اعتدائهم في السبت بقرينة قوله: ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ الخ فقوله: ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ بدل اشتمال من القرية وهو المقصود بالحكم.

فتقدير الكلام: وأسألهم إذ يعدُو أهل القرية في السبت و ﴿ إذْ ﴾ فيه اسم زمان للماضي، وليست ظرفاً.

والعدوان الظلم ومخالفة الحق، وهو مشتق من العدوْ وبسكون الدال وهو التجاوز.

والسبت علم لليوم الواقع بعد يوم الجمعة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وقُلنا لهم لا تَعدُوا في السبت ﴾ في سورة النساء (154).

واختيار صيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم.

وتعدية فعل يعدون } إلى ﴿ في السبت ﴾ مؤذن بأن العدوان لأجل يوم السبت، نظراً إلى ما دلت عليه صيغة المضارع من التكرير المقتضي أن عدوانهم يتكرر في كل سبت، ونظراً إلى أن ذكر وقت العدوان لا يتعلق به غرض البليغ ما لم يكن لذلك الوقت مزيد اختصاص بالفعل فيعلم أن الاعتداء كان مَنوطاً بحق خاص بيوم السبت، وذلك هو حق عدم العمل فيه، إذ ليس ليوم السبت حق في شريعة موسى سوى أنه يحرم العمل فيه، وهذا العمل هو الصيد كما تدل عليه بقية القصة.

وهدف ﴿ في ﴾ للظرفية، لأن العدوان وقع في شأن نقص حرمة السبت.

وقوله: ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم ﴾ ظرف ل ﴿ يعْدُون ﴾ أي يَعْدون حين تأتيهم حيتانهم.

والحيتان جمع حوت، وهو السمكة، ويطلق الحوت على الجمع فهو مما استوى فيه المفرد والجمع مثل فُلْك، وأكثر ما يطلق الحوت على الواحد، والجمعُ حيتان.

وقوله: ﴿ شُرّعاً ﴾ هو جمع شارع، صفة للحوت الذي هو المفرد، قال ابن عباس: أي ظاهرة على الماء، يعني أنها قريبة من سطح البحر آمنة من أن تصاد، أي أن الله ألهمها ذلك لتكون آية لبني إسرائيل على أن احترام السبت من العمل فيه هو من أمر الله، وقال الضحاك: ﴿ شُرَعاً ﴾ متتابعة مصطفة، أي فهو كناية عن كثرة ما يَرد منها يومَ السبت.

وأحسب أن ذلك وصف من شَرَعَتْ الإبل نحو الماء أي دخلتْ لتشرب، وهي إذا رعها الرعاة تسابقت إلى الماء فاكتظت وتراكمت وربما دخلت فيه، فمثلت هيئة الحيتان، في كثرتها في الماء بالنعم الشارعة إلى الماء وحسّن ذلك وجود الماء في الحالتين، وهذا أحسن تفسيراً.

والمعنى: أنهم يَعْدون في السبت ولم يمتثلوا أمر الله بترك العمل فيه، ولا اتعظوا بآية إلهام الحوت أن يكون آمناً فيه.

وقوله: ﴿ يوم سبتهم ﴾ يجوز أن يكون لفظ سبت مصدَر سبتَ إذا قطع العمل بقرينة ظاهر قوله: ﴿ ويوم لا يسبتون ﴾ فإنه مضارع سَبت، فيتطابق المثبت والمنفي فيكون المعنى: إنهم إذا حفظوا حرمة السبت، فأمسكوا عن الصيد في يوم السبت، جاءت الحيتان يومئذٍ شُرعاً آمنة، وإذا بعثهم الطمع في ورفة الصيد فأعدُّوا له آلاته، وعزموا على الصيد لم تأتهم.

ويجوز أن يكون لفظ ﴿ سبتهم ﴾ بمعنى الاسم العلم لليوم المعروف بهذا الاسم من أيام الأسبوع، وإضافته إلى ضميرهم اختصاصه بهم بما أنهم يهود، تعريضاً بهم لاستحلالهم حرمة السبت فإن الاسم العلم قد يضاف بهذا القصد، كقول أحد الطائينَ: عَلاَ زيدْنا يوم النّقا رأسَ زيدِكم *** بأبيض ماضي الشفرتين يَمانِ وقول ربيعة بن ثابت الأسدي: لشتان ما بين اليزيدين في النّدى *** يَزيدِ سُليْم والأغَرّ ابننِ حاتم وعلى الوجهين يجوز في قوله: ﴿ ويوم لا يسبتون ﴾ أن يكون المعنى والأيامَ التي لا يحرم العمل فيها، أي أيام الأسبوع، لا تأتي فيها الحيتان، وأن يكون المعنى وأيامَ السبوت التي استحلوها فلم يكفوا عن الصيد فيها يَنقطع فيها إتيان الحيتان، ولا يخفى أن لا يثار هذا الأسلوب في التعبير عن السبت خصوصية بلاغية، ترمي إلى إرادة كلا المعنيين.

فالمقصود من الآية الموعظة والعبرة وليست منة عليهم، وقرينته قوله تعالى: ﴿ كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ﴾ أي نمتحن طاعتهم بتعريضهم لداعي العصيان وهو وجود المشتهى الممنوع.

وجملة ﴿ كذلك نبلوهم ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لجواب سؤال من يقول: ما فائدة هذه الآية مع علم الله بأنهم لا يَرعوون عن انتهاك حرمة السبت.

والإشارة إلى البلوى الدال عليها ﴿ نبلوهم ﴾ أي مثل هذا الابتلاء العظيم نبلوهم، وقد تقدم القول في نظيره من قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ في سورة البقرة (143).

وأصل البلوى الاختبار، والبلوى إذا أسندت إلى الله تعالى كانت مجازاً عقلياً أي ليبلَو الناس تمسكهم بشرائِع دينهم.

والباء للسببية و(ما) مصدرية، أي بفسقهم، أي توغلهم في العصيان أضراهم على الزيادة منه، فإذا عرض لهم داعِيهِ خفُّوا إليه ولم يرقبوا أمر الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها أيْلَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها بِساحِلِ مَدْيَنَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها مَدْيَنُ قَرْيَةٌ بَيْنَ أيْلَةَ والطُّورِ، حَكاهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّها قَرْيَةٌ يُقالُ لَها مَقْتا بَيْنَ مَدْيَنَ وعَيْنُونا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: ما قالَهُ ابْنُ شِهابٍ أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ طَبَرِيَّةُ، والقَرْيَةُ الَّتِي قالَ فِيها ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ  ﴾ .

أنْطاكِيَّةُ.

وَسُؤالُهم عَنْ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّما هو سُؤالُ تَوْبِيخٍ عَلى ما كانَ مِنهم فِيها مِن سالِفِ الخَطِيئَةِ وقَبِيحِ المَعْصِيَةِ.

﴿ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ ﴾ هو تَعَدِّيهِمْ فِيهِ بِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ.

﴿ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى ﴿ شُرَّعًا ﴾ أيْ طافِيَةً عَلى الماءِ ظاهِرَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ شَوارِعُ البَلَدِ لِظُهُورِها.

والثّانِي: أنَّها تَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ مَكانٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها شُرَّعٌ عَلى أبْوابِهِمْ كَأنَّها الكِباشُ البِيضُ رافِعَةً رُؤُوسَها حَكاهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ فَتَعَدَّوْا فَأخَذُوها في السَّبْتِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس وهو يقرأ هذه الآية ﴿ واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ قال: يا عكرمة، هل تدري أي قرية هذه؟

قلت: لا.

قال: هي أيلة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب ﴿ واسألهم عن القرية ﴾ قال: هي طبرية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد واسألهم عن القرية قال: هي قرية يقال لها مقنا بين مدين وعينونا.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ واسألهم عن القرية ﴾ قال: هي مدين.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ قال: يظلمون.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ شرعاً ﴾ يقول: من كل مكان.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ شرعاً ﴾ قال: ظاهرة على الماء.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ شرعاً ﴾ قال: واردة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ قال: هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها أيلة، فحرَّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت تأتيهم يوم سبتهم شرعاً في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا كذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة فلم يزدادوا إلا غيّاً.

فقالت طائفة من النهاة: تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ وكانوا أشد عضباً من الطائفة الأخرى، وكل قد كانوا ينهون، فما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالتا: لم تعظون؟

والذين ﴿ قالوا: معذرة إلى ربكم ﴾ وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ واسألهم عن القرية...

﴾ الآية.

قال: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت فعظَّموه وتركوا ما أمروا به، فلما ابتدعوا السبت ابتلوا فيه، فحرمت عليهم الحيتان، وهي قرية يقال لها مدين بين أيلة والطور، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر حتى مثله من السبت المقبل، فإذا جاء السبت عادت شرعاً، ثم إن رجلاً منهم أخذ حوتاً فحزمه بخيط ثم ضرب له وتداً في الساحل وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد جاء فأخذه فأكله سراً، ففعلوا ذلك وهم ينظرون لا يتناهون إلا بقية منهم، فنهوهم حتى إذا ظهر ذلك في الأسواق علانية قالت طائفة للذين ينهونهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ قالوا ﴿ معذرة إلى ربكم ﴾ في سخطنا أعمالهم ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ فكانوا أثلاثاً.

ثلثاً نهى، وثلثاً قالوا ﴿ لم تعظون ﴾ وثلثاً أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم، فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم، وقد باتوا من ليلتهم وغلقوا عليهم دورهم، فجعلوا يقولون: إن للناس شأناً فانظروا ما شأنهم، فاطلعوا في دورهم فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه وأنه لقرد، والمرأة بعينها وانها لقردة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يوماً وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس؟

فقال: هؤلاء الورقات.

وإذا في سورة الأعراف قال: تعرف أيلة؟

قلت: نعم.

قال: فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا عليها بعد كد ومؤنة شديدة، وكانت تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سمانا كأنها الماخض، فكانوا كذلك برهة من الدهر ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام.

فقالت: ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت واعتزلت طائفة ذات اليسار، وسكتت وقال الأيمنون: ويلكم...؟

لا تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ قال الأيمنون: ﴿ معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ﴾ ان ينتهوا فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وأن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم.

فمضوا على الخطيئة وقال الأيمنون: قد فعلتم يا أعداء الله، والله لنبايننَّكم الليلة في مدينتكم.

والله ما أراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا فلم يجابوا، فوضعوا سلما وعلوا سور المدينة رجلاً، فالتفت إليهم فقال: أي عباد الله قردة والله تعاوى لها أذناب...

!

ففتحوا فدخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها من الانس ولا تعرف الانس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول ألم ننهكم فتقول برأسها: أي نعم.

ثم قرأ ابن عباس ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ قال: أليم وجيع.

قال: فارى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها.

قلت: أي جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم، وقالوا ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ قال: فأمر بي فكسيت ثوبين غليظين.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كانت قرية على ساحل البحر يقال لها ايلة، وكان على ساحل البحر صنمان من حجارة مستقبلان الماء، يقال لأحدهما لقيم والآخر لقمانة، فأوحى الله إلى السمك، أن حج يوم السبت إلى الصنمين، وأوحى إلى أهل القرية: أني قد أمرت السمك أن يحجوا إلى الصنمين يوم السبت فلا تعرضوا للسمك يوم لا يمتنع منكم، فإذا ذهب السبت فشأنكم به فصيدوه، فكان إذا طلع الفجر يوم السبت أقبل السمك شرعاً إلى الصنمين لا يمتنع من آخذ يأخذه، فظهر يوم السبت شيء من السمك في القرية فقالوا: نأخذه يوم السبت فنأكله يوم الأحد، فلما كان يوم السبت الآخر ظهر أكثر من ذلك، فلما كان السبت الآخر ظهر السمك في القرية، فقام إليهم قوم منهم فوعظوهم فقالوا: اتقوا الله.

فقام آخرون فقالوا ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ﴾ فلما كان سبت من تلك الأسبات فشى السمك في القرية، فقال الذين نهوا عن السوء فقالوا: لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية.

فقيل لهم: لو أصبحتم فانقلبتم بذراريكم ونسائكم.

قالوا: لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية، فإن أصبحنا غدونا فاخرجنا ذرارينا وأمتعتنا من بين ظهرانيكم وكان القوم شاتين، فلما أمسوا أغلقوا أبوابهم فلما أصبحوا لم يسمع القوم لهم صوتاً ولم يروا سرجاً خرج من القرية...

!

قالوا: قد أصاب أهل القرية شر...

!

فبعثوا رجلاً منهم ينظر إليهم، فلما أتى القرية إذا الأبواب مغلقة عليهم، فاطلع في دار فإذا هم قرود كلهم، المرأة أنثى والرجل ذكر، ثم اطلع في دار أخرى فإذا هم كذلك الصغير صغير والكبير كبير، ورجع إلى القوم فقال: يا قوم نزل بأهل القرية ما كنتم تحذرون، أصبحوا قردة كلهم لا يستطيعون أن يفتحوا الأبواب، فدخلوا عليه فإذا هم قردة كلهم، فجعل الرجل يومئ إلى القرد منهم أنت فلان، فيومئ برأسه: نعم.

وهم يبكون فقالوا: أبعدكم الله قد حذرناكم هذا، ففتحوا لهم الأبواب فخرجوا فلحقوا بالبرية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: نجا الناهون وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: والله لئن أكون علمت أن القوم الذين قالوا ﴿ لم تعظون قوماً ﴾ نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحب إلى ما عدل به.

وفي لفظ: من حمر النعم.

ولكني أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: قال ابن عباس: ما أدري انجا الذين قالوا لم تعظون قوماً أم لا؟

قال: فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة.

وأخرج عبد بن حميد عن ليث بن أبي سليم قال: مسخوا حجارة الذين قالوا ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ واسألهم عن القرية...

﴾ الآية.

قال: كان حوتاً حرمه الله عليهم في يوم وأحله لهم فيما سوى ذلك، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم كأنه المخاض ما يمتنع من أحد، فجعلوا يهمون ويمسكون وقلما رأيت أحداً أكثر الأهتمام بالذنب إلا واقعه، فجعلوا يهمون ويمسكون حتى أخذوه فأكلوا بها والله أوخم أكلة أكلها قوم قط أبقاه خزياً في الدنيا وأشده عقوبة في الآخرة، وأيم الله للمؤمن من أعظم حرمة عند الله من حوت، ولكن الله عز وجل جعل موعد قوم الساعة والساعة أدهى وأمر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أخذ موسى عليه السلام رجلاً يحمل حطباً يوم السبت، وكان موسى يسبت فصلبه.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: احتطب رجل في السبت، وكان داود عليه السلام يسبت فصلبه.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش قال: كان حفظي عن عاصم ﴿ بعذاب بئيس ﴾ على معنى فعيل، ثم دخلني منها شك فتركت روايتها عن عاصم وأخذتها عن الأعمش ﴿ بعذاب بئيس ﴾ على معنى فعيل.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ بعذاب بئيس ﴾ قال: لا رحمة فيه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ بعذاب بئيس ﴾ قال: وجيع.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ بعذاب بئيس ﴾ قال: أليم بشدة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: نودي الذي اعتدوا في السبت ثلاثة أصوات، نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة أكثر من الأولى، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقال الله لهم ﴿ كونوا قردة خاسئين ﴾ [ البقرة: 65] فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان ألم ننهكم؟

فيقولون برؤوسهم: أي بلى.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وماهان الحنفي قال: لما مسخوا جعل الرجل يشبه الرجل وهو قرد، فيقال: أنت فلان...؟!

فيومئ إلى يديه بما كسبت يداي.

وأخرج ابن بطة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» .

وأخرج أبو الشيخ عن سفيان قال: قالوا لعبد الله بن عبد العزيز العمري في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تأمر من لا يقبل منك؟

قال: يكون معذرة، وقرأ ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ ﴾ ، قال أهل المعاني: (سلهم سؤال توبيخ على ما كان منهم في أمر القرية من فاحش الخطيئة (١) ومعنى سؤال النبي  أهل الكتاب عن هذه القرية، وقد أخبره الله بقصتها، تقريرهم بقديم كفرهم، وسلوكهم مسلك أسلافهم في المخالفة وارتكاب المعصية وأن يعلمهم ما لا يعلم إلا بكتاب أو وحي)، وهذا معنى قول المبرد (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ﴾ .

الحضور نقيض الغيبة، أي: التي هي مجاورة البحر، وبقربه وعلى شاطئه (١٠) ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ .

والحضرة (١١) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: يصيدون الحيتان ويفعلون ما نهوا عنه) (١٢) ﴿ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ﴾ (١٣) ﴿ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ﴾ (١٤) ﴿ إِذْ ﴾ نَصْب؛ لأن المعنى: سلهم إذ عدوا (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ ﴾ .

موضع ﴿ إِذْ ﴾ نصب أيضاً بـ"يعدون"، المعنى: سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان (١٧) وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ﴾ .

أي: ظاهرة على الماء، قاله الزجاج (١٨) قال شمر: (وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة دنت من الطريق، ونجوم شوارع دنت من المغيب) (١٩) قال ابن عباس (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ﴾ ).

يقال: سبتت اليهود، أي: قامت بأمر سبتها.

قال الفراء: (ومعنى ﴿ يَسْبِتُونَ ﴾ يفعلون سبتهم، ﴿ وَيَوْمَ ﴾ منصوب بقوله: ﴿ لَا تَأْتِيهِمْ ﴾ ) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ ﴾ ، في قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ وجهان ذكرهما الزجاج وابن الأنباري، أحدهما: قال الزجاج: (أي: مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم، وموضع (٢٥) (٢٦) وقال أبو بكر: (ذلك) إشارة إلى ما بعده يراد به: ﴿ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ ، كذلك البلاء الذي وقع بهم في أمر الحيتان وينقطع الكلام عند قوله: ﴿ لَا تَأْتِيهِمْ ﴾ (٢٧) الوجه الثاني: قال الزجاج: (ويحتمل على بُعدٍ أن يكون ﴿ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ ﴾ .

أي: لا تأتيهم شرعًا، ويكون ﴿ نَبْلُوهُمْ ﴾ مستأنفًا) (٢٨) وقال أبو بكر: (وعلى هذا الوجه ﴿ كَذَلِكَ ﴾ راجعة على الشروع في قوله: ﴿ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ﴾ .

والتقدير: ﴿ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ ﴾ (٢٩) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: بعصيانهم رب العالمين خُذلوا) (٣١) وقال الزجاج: (أي: شددت عليهم المحنة بفسقهم) (٣٢) (١) في (ب): (الخطايا).

(٢) انظر: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" للمبرد ص 42.

(٣) "معاني الزجاج" 2/ 384.

(٤) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 183 - 184، و"تأويل مشكل القرآن" ص 179، و"معاني النحاس" 3/ 92.

(٥) أيلة، بالفتح: مدينة على ساحل بحر القلزم -البحر الأحمر- مما يلي الشام، وقيل: هي مدينة عامرة في بلاد الشام بين الفسطاط ومكة على شاطئ بحر القلزم، انظر: "معجم البلدان" 1/ 292.

(٦) أخرجه الطبري 9/ 90 - 91 من عدة طرق جيدة عن عكرمة وعلي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1597، والحاكم في "المستدرك" 2/ 322، عن عكرمة عن ابن عباس، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) اهـ.

ووافقه الذهبي في "التلخيص".

(٧) لم أقف عليه عن ابن عباس.

(٨) طبرية: مدينة في الأم من أعمال الأردن مطلة على بحيرة طبرية المشهورة، انظر: "معجم البلدان" 4/ 17.

(٩) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1597، والنحاس في "معانيه" 3/ 93، بسند جيد، وذكره الثعلبي 6/ 12/ ب، والماوردي 2/ 271، والمشهور أنها أيلة وهو قول الأكثر، فقد أخرجه الطبري 9/ 90 - 91، من طرق عن ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير والسدي وقتادة، وقال ابن أبي حاتم 5/ 1597: (وروى عن سعيد بن جبير والضحاك) اهـ، وزاد والماوردي 2/ 271 نسبته إلى عكرمة، وزاد ابن الجوزي 3/ 276 نسبته إلى ابن مسعود والحسن، وحكاه الأزهري في "تهذيبه" 1/ 233، عن الليث، وحكاه هود الهواري 2/ 53 عن الكلبي، وقال الرازي 15/ 36: (الأكثرون على أن تلك القرية أيلة) اهـ، وهو اختيار ابن كثير 2/ 286، ورجح الطبري 9/ 91: أنها مدينة حاضرة البحر دون تحديد، لعدم الدليل القاطع، وهذا هو الظاهر لوجود الخلاف في تحديدها ، ولأنه لا يترتب على تحديدها كبير فائدة.

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 91.

(١١) هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 1/ 847، وانظر: "العين" 3/ 101، و"الجمهرة" 1/ 515، و"الصحاح" 2/ 632، و"مقاييس اللغة" 2/ 75، == و"المجمل" 1240، و"المفردات" ص 241، و"اللسان" 2/ 906 (حضر).

(١٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 257، وأخرج الطبري 9/ 92، ابن أبي حاتم 5/ 1598 والحاكم في "المستدرك" وصححه 2/ 322 - 323 من عدة طرق جيدة نحوه.

وهو قول أهل اللغة والتفسير، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 230، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 151، و"تفسير غريب القرآن" ص 182، و"تفسير الطبري" 9/ 92، و"معاني الزجاج" 2/ 184، النحاس 3/ 93، و"تفسير السمرقندي" 1/ 577، و"تفسير المشكل" ص 87 (١٣) لفظ: (منكم) ساقط من (أ).

(١٤) انظر: "البسيط" نسخة جستربتي 2/ 33 ب.

(١٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 384، و"إعراب النحاس" 1/ 645، و"المشكل" 1/ 304.

(١٦) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 645 (١٧) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 384، وانظر: "البيان" 1/ 376، و"التبيان" 1/ 393، و"الفريد" 2/ 375، و"الدر المصون" 5/ 492.

(١٨) "معاني الزجاج" 2/ 384، وهو قول أهل اللغة والتفسير.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 230، و"تفسير غريب القرآن" ص 182، و"تفسير الطبري" 9/ 92، و"نزهة القلوب" ص 290، و"معاني النحاس" 3/ 93، و"تفسير السمرقندي" 1/ 577، و"تفسير المشكل" ص 87.

(١٩) "تهذيب اللغة" 2/ 1859، وانظر: "العين" 1/ 252، و"الجمهرة" 2/ 727، و"الصحاح" 3/ 1236، و"المجمل" 2/ 526، و"مقاييس اللغة" 3/ 262، و"المفردات" ص 450، و"اللسان" 4/ 2239 (شرع).

(٢٠) أخرجه الطبري 9/ 91، وابن أبي حاتم 5/ 1598، والحاكم في "المستدرك" 2/ 322 - 323، وصححه من عدة طرق جيدة عن ابن عباس نحوه.

(٢١) "تفسير مجاهد" 1/ 248، وذكره الرازي 15/ 37، عن ابن عباس ومجاهد.

(٢٢) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 91، وأخرجه 13/ 190 - 198، من طرق عن عبد الله بن مسعود والحسن وقتادة، وابن زيد، وأبي صالح ماهان الحنفي، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 384، النحاس 3/ 93، و"تفسير السمرقندي" 1/ 577، والثعلبي 6/ 13 أ، والماوردي 2/ 272، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 257، و"الخازن" 2/ 302، عن المفسرين.

(٢٣) كذا في النسخ: (لم يؤجروا) وكذلك عند الثعلبي 6/ 13/ أ، والأقرب أنه: (إن أطاعوا أجروا).

(٢٤) "معاني الفراء" 1/ 398، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 92، و"إعراب النحاس" 1/ 645، و"المشكل" 1/ 304، و"التبيان" 1/ 394، و"الفريد" 2/ 375، و"الدر المصون" 5/ 493.

(٢٥) في (أ): (فموضع).

(٢٦) "معاني الزجاج" 2/ 385، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 645.

(٢٧) انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 667، و"القطع" للنحاس 1/ 264، و"المكتفى" للداني ص 277.

(٢٨) في (ي): (وهم لا يسبتون)، وهو تحريف.

(٢٩) "معاني الزجاج" 2/ 385، وزاد: (وذلك القول الأول قول الناس وهو الجيد) اهـ.

(٣٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 257، والسمين في "الدر" 5/ 493 - 494، وقال الهمداني في "الفريد" 2/ 375: (الكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وفيه تقديران: أحدهما: نبلوهم بلاءً مثل ذلك البلاء الشديد ويوقف على ﴿ تَأْتِيهِمْ ﴾ ، وهو الوجه وعليه الجمهور، والثاني: لا تأتيهم إتيانًا مثل ذلك الإتيان الذي يأتي يوم السبت ويوقف على ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ) اهـ.

(٣١) "تنوير المقباس" 2/ 136.

(٣٢) "معاني الزجاج" 2/ 385.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَسْئَلْهُمْ ﴾ أي اسأل اليهود على جهة التقرير والتوبيخ ﴿ عَنِ القرية ﴾ قيل: هي إيلياء، وقيل: هي طبرية، وقيل: مدين ﴿ حَاضِرَةَ البحر ﴾ قريبة منه أو على شاطئه ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت ﴾ أي يتجاوزون حدَّ الله فيه، وهو اصطيادهم يوم السبت وقد نهوا عنه وموضع إذ بدل من القرية والمراد أهلها، وهو بدل اشتمال أو منصوب بكانت أو بحاضرة ﴿ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ﴾ كانت الحيتان تخرج من البحر يوم السبت حتى تصل إلى بيوتهم ابتلاء لهم؛ إذ كان صيدها عليهم حراماً في يوم السبت، وتغيب عنهم في سائر الأيام، وسبتهم مصدر من قولك: سبت اليهودي يسبت إذا عظم يوم السبت، ومعنى شُرَّعاً: ظاهرة قريبة منهم يقال: شرع منا فلان إذ دنا وإذ في قوله إذ تأتيهم منصوب بيعدون، أو بدل من إذ يعدون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تغفر ﴾ بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: بالنون وكسر الفاء ﴿ خطاياكم ﴾ مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو ﴿ خطيئتكم ﴾ بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر ﴿ خطيئاتكم ﴾ بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث.

﴿ يسبتون ﴾ من الإسبات.

زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل.

الباقون: بالرفع ﴿ يئس ﴾ مثل رئم: أبو جعفر ونافع ﴿ بيِّس ﴾ على فعيل كسيد: ابن عامر ﴿ بيئس ﴾ على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي.

الباقون ﴿ بئيس ﴾ على فعيل.

﴿ تأذن ﴾ بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يمسكون ﴾ من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ أمماً ﴾ ط وإن اتفقت الجملتان لأن ﴿ أوحينا ﴾ عامل ﴿ إذا استسقاه ﴾ دون ﴿ قطعنا ﴾ فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء ﴿ الحجر ﴾ ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست ﴿ عيناً ﴾ ط ﴿ مشربهم ﴾ ط ﴿ والسلوى ﴾ ط ﴿ ما رزقناكم ﴾ ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم ﴿ وما ظلمونا ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ خطيئاتكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله ﴿ وأسألهم ﴾ فإنه محال ﴿ لا تأتيهم ﴾ ج لاحتمال تعلق ﴿ كذلك ﴾ به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت.

والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على ﴿ كذلك ﴾ جائز أيضاً ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وأمماً ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً ﴿ دون ذلك ﴾ ز للعطف على ﴿ قطعنا ﴾ فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ سيغفر لنا ﴾ ج ﴿ يأخذوه ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ﴿ ولا نضيع أجر المصلحين ﴾ ، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين ﴿ واقع بهم ﴾ ط الحق المحذوف ﴿ تتقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم.

ومعنى ﴿ قطعناهم ﴾ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج.

الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟

وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله: بين رماحي مالك ونهشل *** ولهذا أنث اثنتي عشرة وقال الزجاج: المميز محذوف و ﴿ أسباطاً ﴾ نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً.

وقال الفارسي والجوهري: ﴿ أسباطاً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ والمميز كما قال الزجاج.

وقوله ﴿ أمماً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى.

وباقي الآية إلى قوله ﴿ بما كانوا يظلمون ﴾ قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم.

قوله تعالى ﴿ واسئلهم عن القرية ﴾ أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول  من قبل الله  ، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد  أول مناكيرهم.

وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟

وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً.

والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية.

ومعنى ﴿ حاضرة البحر ﴾ قريبة من البحر وعلى شاطئه ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت.

ومحل ﴿ إذ يعدون ﴾ مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله ﴿ إذ تأتيهم ﴾ منصوب بـ ﴿ يعدون ﴾ أو مجرور بدلاً بعد بدل.

والحيتان جمع الحوت وهو السمكة ﴿ شرعاً ﴾ ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض.

وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله  به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن.

قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله  لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور.

والنوع الثالث قوله ﴿ وإذ قالت ﴾ وهو معطوف على ﴿ إذ يعدون ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أمة منهم ﴾ جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ مدمرهم ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح ﴿ قالوا معذرة ﴾ من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله.

والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت ﴿ فلما نسوا ﴾ يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.

والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله ﴿ فلما عتوا ﴾ تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً.

وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله ﴿ فلما نسوا ﴾ والعذاب البئيس هو المسخ.

عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة.

هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر.

وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟

فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ﴾ بزعمكم.

والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية.

والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين ﴿ لم تعظون ﴾ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا.

بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء.

وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى.

وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولانقول شيئاً.

وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي.

ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين.

ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله  أعلم بالسرائر.

النوع الرابع: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله".

فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه ﴿ ليبعثن ﴾ ومعناه التسليط كقوله ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد  ﴾ واختلف في العائد في ﴿ عليهم ﴾ فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً.

وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية.

وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله  ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية.

أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً  فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة.

وقيل: الاستخفاف والإهانة.

وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره.

وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير.

وإذ قد أخبر الله  بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز.

قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين.

النوع الخامس: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة ﴿ منهم الصالحون ﴾ الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين.

وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به.

﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد.

ومحل ﴿ دون ذلك ﴾ رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا ﴿ وبلوناهم ﴾ عاملناهم معاملة المبتلى المختبر ﴿ بالحسنات ﴾ الخصب والعافية ﴿ والسيئات ﴾ بالجدب والشدائد ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم.

فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء.

قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم.

قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها.

يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر.

وفي الإشارة بقوله ﴿ هذا الأدنى ﴾ تحقير وتخسيس.

وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل.

أو دنو الحال وسقوطها وقلتها.

والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ يؤاخذنا الله بما أخذنا.

وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه ﴿ يأخذون ﴾ ، ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.

وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.

ثم بين نكث عهدهم فقال ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ أي التوراة.

ومحل ﴿ ألا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران.

فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق.

ويجوز أن يكون ﴿ ألا يقولوا ﴾ مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة ﴿ ولا يقولوا ﴾ نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟

﴿ ودرسوا ﴾ عطف على ﴿ ألم يؤخذ ﴾ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه.

﴿ والدار الآخرة خير ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ للذين يتقون ﴾ الرشا والمحرمات.

ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراةأتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال ﴿ والذين يمسكون ﴾ الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين.

النوع السادس: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً.

والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه ﴿ فوقهم كأنه ظله ﴾ وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾ علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم.

وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا.

روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ.

وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم.

فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.

ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه.

﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوة ﴾ بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله ﴿ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا  ﴾ واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ما أنتم عليه من الإباء.

التأويل: ﴿ القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ﴾ لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء ﴿ وإذ قالت أمة منها ﴾ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها ﴿ يتقون ﴾ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك ﴿ بعذاب بئيس ﴾ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي ﴿ ليبعثن عليهم ﴾ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ﴿ من يسومهم ﴾ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة ﴿ سوء العذاب ﴾ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان ﴿ وقطعناهم ﴾ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد ﴿ منهم الصالحون ﴾ قابلون لفيض نور الله ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ في القبول ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ وهي الطاعات ﴿ والسيئات ﴾ وهي المعاصي ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ إلى الحق.

وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت.

أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم ﴿ فخلف ﴾ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ وهو ما ألهم الله  الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن.

وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله  بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ ﴾ قال بعض أهل التأويل: القرية التي كانت حاضرة البحر هي أيلة.

وقال آخرون: أريحا.

ولسنا ندري ما تلك القرية، وليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة؛ إذ لا منفعة لنا في معرفتها، ولو كانت لنا حاجة إليها لبين لنا عز وجل.

وقوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ...

﴾ .

أمره بالسؤال عنها، ثم كان هو المبين لهم بقوله: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ ، والسؤال هو الاستخبار، والإخبار أبداً إنما يلزم المسئول دون المستخبر، لكن الاستخبار يكون من وجهين: أحدهما: ابتداء إخبار.

والثاني: طلب التصديق، فهاهنا لم يحتمل ابتداء الخبر، وهو على طلب التصديق؛ كأنه قال: ألم يكن كذا؛ فيقولون: نعم؛ يصدقونه بما يقول لهم.

وقال قائلون: لم يأمره بالسؤال حقيقة، ولكنه على التمثيل؛ كأنه قال: لو سألتهم يقولون لك كذا؛ كقوله: ﴿ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ  ﴾ ليس على الأمر أن اسألهم، ولكن لو سألتهم كان كذا، وأجابوك بكذا، فعلى ذلك هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ ﴾ .

عن ابن عباس -  ما - [قال]: ابتدعوا السبت فعظموه، فابتلوا فيه، فحرمت عليهم فيه الحيتان.

وقال مجاهد: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، فكانت تأتيهم يوم السبت شرعاً بلا مؤنة [ولا] تكلف، ابتلوا به، ولا تأتيهم في غير مثله.

وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ شُرَّعاً ﴾ \[هي\] التي قد دنت من الشط، والواحد: شارع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ .

اي: لا يدخلون في السبت؛ كما يقال: لا يربعون ولا يخمسون، أي: لا يدخلون فيه، [ويسبتون أي يدخلون فيه] وكذلك يربعون ويخمسون.

وقال القتبي: ﴿ شُرَّعاً ﴾ أي: شوارع، ﴿ إِذْ يَعْدُونَ ﴾ أي: يتعدون الحق، ويقال: عدوت على فلان: إذا ظلمته.

وقال الكيساني: يقرأ: ﴿ يَسْبِتُونَ ﴾ بالرفع، ويقرأ بالفتح؛ فيمن قرأها [يسبتون بالفتح أراد سبتوا أي عظموا يقال: سبت يسبت سبتاً وسبوتاً إذا عظم، ومن قرأها برفع الياء أراد أنهم] دخلوا في السبت.

وقال قائلون: قوله: ﴿ شُرَّعاً ﴾ أي: كثيرة، أي: تكثر لهم الحيتان يوم السبت، وهو اليوم الذي حرم عليهم الحيتان، وتقل في غير ذلك.

وقال بعضهم: ابتلاهم الله بتحريم السمك في السبت؛ ليرى الخلق المطيع منهم من العاصي.

وقال قائلون: ابتلاهم بذلك لما كانوا يفسقون في السر؛ ليكون فسقهم وتعديهم ظاهراً عند الخلق كما كان عند الله؛ لئلا يقولوا عند التعذيب إنهم عذبوا بلا ظلم ولا تعد - والله أعلم -.

وذلك قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ .

وقال قائلون في قوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ ﴾ : إنما أمره أن يسألهم أما عذبهم الله بذنوبهم؟

ثم أخبر عن ذنوبهم فقال: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ أي: يعتدون في السبت.

وقوله: ﴿ شُرَّعاً ﴾ أي: شارعات من غمرة الماء، أي: خارجات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ذكر في الأول أنهم كانوا ثلاث فرق: فريق عدوا، وتركوا أمر الله، وارتكبوا ما نهوا عنه.

وفريق نهوا أولئك الذين اعتدوا وانتهكوا حرم الله.

وفريق، قيل: لم يعتدوا، ولم يرتكبوا نهيه، ولا نهوا أولئك الذين اعتدوا، وهم الذين قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً...

﴾ الآية، وكذلك روي عن ابن عباس -  - قال: هم كانوا ثلاث فرق: فرقة وعظت، وفرقة موعوظة، وفرقة ثالثة، وهم الذين قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ﴾ .

وهو ما ذكرنا أنه ذكرهم في الابتداء ثلاث فرق، وذكر في آخر الحال فرقتين: فرقة هي التي هلكت بالاعتداء، وفرقة هي التي نهت ونجت.

ثم اختلف أهل التأويل في الفرقة الثالثة: قال بعضهم: كانوا في الفرقة التي هلكت؛ لوجهين: أحدهما: لما لم ينهوا أولئك الذين اعتدوا، وكان فرض عليهم النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، فإذا لم ينهوا أولئك هلكوا وشركوا في العذاب؛ كقوله: ﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ...

﴾ الآية [المائدة: 63].

والثاني: كانوا معهم لما نهوا الناهين بقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ ﴾ .

وقال قائلون: كانوا في الناجين.

قال الحسن: لأنهم كانوا نهوا أولئك عن الاعتداء والظلم الذي كان منهم، وكان قولهم: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ﴾ بعد ما نهوهم [و] وعظوهم فلم يتعظوا، فإنما قالوا لأولئك: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ﴾ بعد ما نهوا [و] وعظوا، فقالوا: كيف تعظون قوماً لا يتعظون ولا ينتهون، فإنما قالوا ذلك بعد ما نهوا.

وقال قائلون: هذا القول منهم نهي؛ لأنهم أتوا بوعيد شديد بقولهم: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ، فنفس هذا القول منهم نهي وزجر عما ارتكبوا؛ حيث أتوا بالنهاية من الوعيد، وهو الهلاك والعذاب الشديد.

ولكنا لسنا نعلم أنهم كانوا في الهلكى أو في الناجين، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولو كان لنا حاجة إلى ذلك لبينه لنا - عز وجل - ولم يترك ذلك لآرائنا، سوى أنه بين من نجا منهم بالنهي عن الظلم والعدوان، وبين من أهلك وعذب بالظلم والعدوان بقوله: ﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ ﴾ .

قرئ بالرفع والنصب أيضاً ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ فمن قرأ بالرفع أضمر فيه هذه؛ كأنهم قالوا: هذه معذرة إلى ربكم؛ كقوله: ﴿ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا  ﴾ قيل: هذه سورة أنزلناها.

ومن قرأ بالنصب قال: ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ أي: اعتذاراً منهم إلى ربهم ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ عما نهوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ أي: تركوا وأعرضوا عما ذكروا به.

﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ .

قال القتبي: شديد؛ وكذلك قال أبو عوسجة.

وقال غيره: أي: موجع، وهو واحد.

وقال الحسن: ﴿ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ ﴾ على الوقف، ثم قال: ﴿ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ عَتَوْاْ ﴾ أي: استكبروا؛ يقال: عتا يعتوا عتوّاً، وكأن العتو هو النهاية في البأس، فكذلك قيل في قوله: ﴿ عَتَوْاْ ﴾ بائساً، لكن سمي مرة: قساوة، ومرة: استكباراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ .

قال بعضهم: حولت صورتهم وجسدهم صورة القردة، وكانت عقولهم على حالها عقول البشر لم تحول؛ ليعلموا تعذيب الله إياهم وما أصابهم بهتكهم حرم الله.

وقال قائلون: حول طباعهم طباع القردة، وأما الصورة والجسد على حاله.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله: ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ قال بعضهم: هو من خسأ الكلب: صار قاصياً مبعداً، يقال: خسأته.

وقال أبو عوسجة: ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ : مبعدين؛ وكذلك قال في قوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا ﴾ \[المؤمنون: 108\] أي: ابعدوا فيها وارجعوا فيها؛ يقال: خسأت فلاناً وأخسأته، أي: باعدته، فخسأ، أي: تباعد.

وقيل: الخاسئ: الذليل.

وفي قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من القصة وجهان: أحدهما: دليل إثبات الرسالة والنبوة له؛ حيث أخبر عما كان من غير نظر له في كتبهم، ولا اختلاف إلى أحد ممن له علم في ذلك؛ دل أنه إنما عرف [ذلك] بالله  .

والثاني: إنباء عن عواقب الظلمة والفسقة، وما حل بهم بظلمهم وانتهاكهم حرم الله؛ ليكون ذلك زجراً لنا عن ارتكاب مثله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واسأل -أيها الرسول- اليهود تذكيرًا لهم بما عاقب الله به أسلافهم عن قصة القرية التي كانت بقرب البحر حين كانوا يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت بعد نهيهم عنه حين ابتلاهم الله بأن صارت الأسماك تأتيهم ظاهرة على وجه البحر يوم السبت، وفي سائر الأيام لا تأتيهم، ابتلاهم الله بذلك بسبب خروجهم عن الطاعة وارتكابهم المعاصي، فاحتالوا لصيده بأن نصبوا شباكهم، وحفروا حفرهم، فكانت الحيتان تقع فيها يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد أخذوها وأكلوها.

من فوائد الآيات الجحود والكفران سبب في الحرمان من النعم.

من أسباب حلول العقاب ونزول العذاب التحايل على الشرع؛ لأنه ظلم وتجاوز لحدود الله.

كتب الله على بني إسرائيل الذلة والمسكنة، وتأذَّن بأن يبعث عليهم كل مدة من يذيقهم العذاب بسبب ظلمهم وانحرافهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.njgXl"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده