الآية ١٦٤ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٦٤ من سورة الأعراف

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌۭ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ١٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 120 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٤ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٤ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

خبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق : فرقة ارتكبت المحذور ، واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت ، كما تقدم بيانه في سورة البقرة .

وفرقة نهت عن ذلك ، [ وأنكرت ] واعتزلتهم .

وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ، ولكنها قالت للمنكرة : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) ؟

أي : لم تنهون هؤلاء ، وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله ؟

فلا فائدة في نهيكم إياهم .

قالت لهم المنكرة : ( معذرة إلى ربكم ) قرأ بعضهم بالرفع ، كأنه على تقديره : هذا معذرة وقرأ آخرون بالنصب ، أي : نفعل ذلك ( معذرة إلى ربكم ) أي : فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ولعلهم يتقون ) يقولون : ولعل بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ، ويرجعون إلى الله تائبين ، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) (1) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضًا، يا محمد= " إذ قالت أمة منهم ", جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه = (2) " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، في الدنيا بمعصيتهم إياه, وخلافهم أمره, واستحلالهم ما حرم عليهم= " أو معذبهم عذابًا شديدًا "، في الآخرة، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم: عظتنا إياهم معذرةٌ إلى ربكم، نؤدِّي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر= " ولعلهم يتقون "، يقول: ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه, فينيبوا إلى طاعته، ويتوبوا من معصيتهم إياه، وتعدِّيهم على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت، كما: - 15264- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة, عن ابن عباس: " قالوا معذرة إلى ربكم "، لسخطنا أعمالهم.

(3) * * * = " ولعلهم يتقون "، : أي ينـزعون عما هم عليه.

(4) * * * 15265- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " ولعلهم يتقون " قال: يتركون هذا العمل الذي هم عليه.

* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " قالوا معذرة " .

(5) فقرأ دلك عامة قرأة الحجاز والكوفة والبصرة: (مَعْذِرَةٌ) بالرفع، على ما وصفتُ من معناها.

* * * وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة: (مَعْذِرَةً) نصبًا, بمعنى: إعذارًا وعظناهم وفعلنا ذلك.

* * * واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت: " لم تعظون قوما الله مهلكهم "، هل كانت من الناجية, أم من الهالكة!

فقال بعضهم: كانت من الناجية, لأنها كانت هي الناهيةَ الفرقةَ الهالكةَ عن الاعتداء في السبت.

(6) * ذكر من قال ذلك: 15266- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، هي قرية على شاطئ البحر بين مكة والمدينة، يقال لها: " أيلة ", فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم, فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا في ساحل البحر.

فإذا مضى يوم السبت، لم يقدروا عليها.

فمكثوا بذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم, فنهتهم طائفة، وقالوا: تأخذونها، وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم !

فلم يزدادوا إلا غيًّا وعتوًّا, وجعلت طائفة أخرى تنهاهم.

فلما طال ذلك عليهم، قالت طائفة من النهاة: تعلَّموا أنّ هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب، (7) لم تعظون قومًا الله مهلكهم، وكانوا أشد غضَبًا لله من الطائفة الأخرى, فقالوا: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "، وكلّ قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله, نجت الطائفتان اللتان قالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، والذين قالوا: " معذرة إلى ربكم "، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان, فجعلهم قردة وخنازير.

15267- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي ، قال حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، إلى قوله: وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ، وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر، كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم.

يقول: إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرعًا= يعني: من كل مكان= ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، وأنهم قالوا: لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام!

فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم.

وقالت طائفة من المؤمنين: إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه, والله مخزيهم ومعذبهم عذابًا شديدًا.

قال المؤمنون بعضهم لبعض: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "، إن كان هلاك، فلعلنا ننجو، وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرًا.

وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يومًا يعبدونه ويتفرغون له فيه, وهو يوم الاثنين.

فتعدى الخبثاء من الاثنين إلى السبت, وقالوا: هو يوم السبت!

فنهاهم موسى, فاختلفوا فيه, فجعل عليهم السبت, ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه، وأنّ رجلا منهم ذهب ليحتطب, فأخذه موسى عليه السلام فسأله: هل أمرك بهذا أحد؟

فلم يجد أحدًا أمره, فرجمه أصحابه.

15268- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال بعض الذين نهوهم لبعض: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، يقول: لم تعظونهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟

فقال بعضهم: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ".

15269- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا معاذ بن هانئ قال، حدثنا حماد, عن داود, عن عكرمة, عن ابن عباس: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: " لم تعظون قوما الله مهلكهم " أم لا!

قال: فلم أزل به حتى عرَّفته أنهم قد نجوا, فكساني حلة.

(8) 15270- حدثني المثني قال، حدثنا حماد, عن داود, عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية, فذكر نحوه= إلا أنه قال في حديثه: فما زلت أبصِّره حتى عرَف أنهم قد نجوا.

15271- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال، حدثنا ابن جريج, عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره، وهو يبكي, فقلت: ما يبكيك، جعلني الله فداءك؟

قال: فقرأ: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، إلى قوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ قال ابن عباس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت، نخاف أن نكون مثلهم!

فقلت: أما تسمع الله يقول: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ ؟

فسُرِّي عنه، وكساني حُلّة .

(9) 15272- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني رجل, عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي, وإذا المصحف في حجره, فأعظمت أن أدنو, ثم لم أزل على ذلك حتى تقدَّمت فجلستُ, فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس، جعلني الله فداءك؟

فقال: هؤلاء الورقات!

قال: وإذا هو في " سورة الأعراف "، قال: تعرف أيلة!

قلت: نعم!

قال: فإنه كان حيّ من يهود، سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغُوصوا، بعد كدٍّ ومؤنة شديدة, كانت تأتيهم يوم السبت شرعًا بيضًا سمانًا كأنها الماخض, (10) تنبطحُ ظهورُها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم.

(11) فكانوا كذلك برهة من الدهر, ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت, فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام !

فقالت ذلك طائفة منهم, وقالت طائفة منهم: بل نُهيتم عن أكلها وأخذِها وصيدها في يوم السبت.

وكانوا كذلك، حتى جاءت الجمعة المقبلة, فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها, واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت, واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت.

وقال الأيمنون: ويلكم!

اللهَ، اللهَ، ننهاكم أن تتعرّضوا لعقوبة الله!

(12) وقال الأيسرون: " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "؟

قال الأيمنون: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "!

أي: ينتهون, فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا, وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم.

فمضوا على الخطيئة, فقال الأيمنون: قد فعلتم، يا أعداء الله!

والله لا نُبَايتكم الليلة في مدينتكم, (13) والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب !

(14) فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا, فلم يجابوا, فوضعوا سلّمًا، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال: أي عبادَ الله، قردةٌ والله تعاوَى لها أذناب!

قال: ففتحوا فدخلوا عليهم, فعرفت القردةُ أنسابها من الإنس, ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة, فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس فتشمّ ثيابه وتبكي, فتقولُ لهم: ألم ننهكم عن كذا؟

فتقول برأسها: نعم!

ثم قرأ ابن عباس: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ .

قال: فأرى اليهود الذين نَهَوْا قد نجوا, ولا أرى الآخرين ذُكروا, ونحن نرى أشياء ننكرها فلا نقول فيها!

قال قلت: إنَّ، جعلني الله فداك, (15) ألا ترى أنهم قد كَرِهوا ما هم عليه، وخالفوهم وقالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم "؟

قال: فأمرَ بي فكسيِت بُرْدَين غليظين.

15273- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة، وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، ذُكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان، حتى تتبطَّح على سواحلهم وأفنيتهم، (16) لما بلغها من أمر الله في الماء, فإذا كان في غير يوم السبت، بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم.

فأتاهم الشيطان فقال: إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت, فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد!

.....

(17) قوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "، صار القوم ثلاثة أصناف، (18) أما صنف فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبةً لله، وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة.

15274- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس في قول الله: حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، قال: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت, وكانت تأتيهم يوم السبت شُرّعًا, بلاء ابتلوا به, ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها, بلاء أيضًا، بما كانوا يفسقون.

فأخذوها يوم السبت استحلالا ومعصية, فقال الله لهم: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم, فقال بعضهم لبعض: " لم تعظون قومًا ".

15275- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم " حتى بلغ " ولعلهم يتقون "، لعلّهم يتركون ما هم عليه.

قال: كانوا قد بُلوا بكفّ الحيتان عنهم, وكانوا يسبتون في يوم السبت ولا يعملون فيه شيئًا, فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتانُ شُرّعًا, وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوتٌ واحد.

قال: وكانوا قومًا قد قَرِموا بحب الحيتان ولقوا منه بلاءً, (19) فأخذ رجل منهم حوتًا فربط في ذنبه خيطًا, ثم ربطه إلى خَشَفَةٍ، (20) ثم تركه في الماء, حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد، اجتره بالخيط ثم شواه.

فوجد جارٌ له ريح حوت, فقال: يا فلان، إني أجد في بيتك ريح نًونٍ!

(21) فقال: لا!

قال: فتطلع في تنُّوره فإذا هو فيه، فأخبره حينئذ الخبرَ, فقال: إني أرى الله سيعذِّبك.

قال: فلما لم يره عجَّل عذابًا, فلما أتى السبت الآخر أخذ اثنين فربَطَهما, ثم اطلع جارٌ له عليه، فلما رآه لم يعجِّل عذابًا، جعلوا يصيدونه, (22) فاطلع أهل القرية عليهم, فنهاهم الذين ينهون عن المنكر, فكانوا فرقتين: فرقة تنهاهم وتكفّ, وفرقة تنهاهم ولا تكف.

فقال الذين نهوا وكفوا، للذين ينهون ولا يكفون: " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "؟

فقال الآخرون: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ".

فقال الله: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ .

إلى قوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ قَالَ اللَّهُ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ .

وقال لهم أهل تلك القرية: عملتم بعمل سَوْء, من كان يريد يعتزل ويتطهَّر فليعتزل هؤلاء !

قال: فاعتزل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم, وضربوا بينهم سورًا, فجعلوا في ذلك السور أبوابًا يخرج بعضُهم إلى بعض.

قال: فلما كان الليل طرقهم الله بعذابٍ, (23) فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدًا, فدخلوا عليهم فإذا هم قردة, الرجل وأزواجه وأولاده، فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه فيقولون: يا فلان، ألم نحذرك سطوات الله؟

ألم نحذرك نقمات الله؟

ونحذرك ونحذرك؟

قال: فليس إلا بكاء!

(24) قال: وإنما عذب الله الذين ظلموا، الذين أقاموا على ذلك.

قال: وأما الذين نَهَوْا، فكلهم قد نهى, ولكن بعضهم أفضل من بعض.

فقرأ: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ .

15276- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن داود, عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، قال: لا أدري أنجا القوم أو هلكوا؟

فما زلت أبصِّره حتى عرف أنهم نجوا, وكساني حُلَّة.

15277- حدثني يونس قال، أخبرني أشهب بن عبد العزيز, عن مالك قال: زعم ابن رُومان أن قوله: تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ، قال: كانت تأتيهم يوم السبت, فإذا كان المساء ذهبتْ، فلا يرى منها شيء إلى السبت.

فاتخذ لذلك رجل منهم خيطًا ووتدًا, فربط حوتًا منها في الماء يوم السبت, حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه, فوجد الناس ريحه, فأتوه فسألوه عن ذلك, فجحدهم, فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جلد حوتٍ وجدناه!

فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك= ولا أدري لعله قال: ربط حوتين= فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه, فوجدوا ريحه, فجاءوا فسألوه, فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع!

فقالوا له: وما صنعت؟

فأخبرهم, ففعلوا مثل ما فعل, حتى كثر ذلك.

وكانت لهم مدينة لها رَبض, (25) فغلَّقوها, فأصابهم من المسْخ ما أصابهم.

فغدا إليهم جيرانهم ممن كان يكون حولهم, يطلبون منهم ما يطلب الناس, فوجدوا المدينة مغلقة عليهم, فنادوا فلم يجيبوهم, فتسوَّروا عليهم, فإذا هم قردة, فجعل القرد يدنو يتمسَّح بمن كان يعرف قبل ذلك، ويدنو منه ويتمسَّح به.

* * * وقال آخرون: بل الفرقة التي قالت: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، كانت من الفرقة الهالكة.

* ذكر من قال ذلك: 15278- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن محمد بن إسحاق, عن داود بن حصين, عن عكرمة, عن ابن عباس: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إلى قوله: شُرَّعًا ، قال: قال ابن عباس: ابتدعوا السبت فابتلُوا فيه, فحرِّمت عليهم فيه الحيتان, فكانوا إذا كان يوم السبت شَرَعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر.

فإذا انقضى السبتُ، ذهبتْ فلم تُرَ حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرَّعًا.

فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك, ثم إنّ رجلا منهم أخذ حوتًا فخزمه بأنفه, (26) ثم ضرب له وَتِدًا في الساحل، وربطه وتركه في الماء.

فلما كان الغد، أخذه فشواه فأكله.

ففعل ذلك وهم ينظرُون ولا ينكرون, ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نَهوه, حتى ظهر ذلك في الأسواق وفُعِل علانيةً.

قال: فقالت طائفة للذين يَنهون: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم "، في سخطنا أعمالهم، وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ، إلى قوله: قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، قال ابن عباس: كانوا أثلاثًا: ثلث نَهوا, وثلث قالوا: " لم تعظون قوما الله مهلكهم "، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا, وهلك سائرهم.

فأصبح الذين نهوا عن السوء ذات يوم في مجالسهم يتفقَّدون الناس لا يرونهم, فَعَلوْا على دورهم, (27) فجعلوا يقولون: إنّ للناس لشأنًا, فانظروا ما شأنهم !

فاطلعوا في دورهم, فإذا القوم قد مسخوا في ديارهم قردة, يعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد, ويعرفون المرأة بعينها وإنها لقردة، قال الله: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة: 66].

15279- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن عكرمة, عن ابن عباس: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ الآية، قال ابن عباس: نجا الناهون, وهلك الفاعلون, ولا أدري ما صنع بالساكتين!

15280- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, عن ابن عباس: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، قال: هم ثلاث فرق: الفرقة التي وَعَظت, والموعوظة التي وُعِظت, والله أعلم ما فعلت الفرقة الثالثة, وهم الذين قالوا: " لم تعظون قوما الله مهلكهم ".

=وقال الكلبي: هما فرقتان: الفرقة التي وَعَظت, والتي قالت: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم " قال: هي الموعوظة.

15281- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: لأن أكون علمتُ من هؤلاء الذين قالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، أحبُّ إليّ مما عُدِل به!

15282- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عطاء قال، قال ابن عباس: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، قال: أسمع، الله يقول: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ، فليت شعري ما فُعِل بهؤلاء الذين قالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "؟

15283- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن ماهان الحنفي أبي صالح في قوله: تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ، قال: كانوا في المدينة التي على ساحل البحر, وكانت الأيام ستةً, الأحد إلى الجمعة.

فوضعت اليهود يوم السبْت, وسبّتوه على أنفسهم, فسبَّته الله عليهم, ولم يكن السبت قبل ذلك, فوكّده الله عليهم, وابتلاهم فيه بالحيتَانِ, فجعلت تشرع يوم السبت, فيتقون أن يصيبُوا منها, حتى قال رجل منهم: والله ما السَّبت بيوم وَكّده الله علينا, ونحن وكّدناه على أنفسنا, فلو تناولت من هذا السمك !

فتناول حوتًا من الحيتان, فسمع بذلك جارُه, فخاف العقوبة، فهرب من منـزله.

فلما مكث ما شاء الله ولم تصبه عقوبة، تناول غيرُه أيضًا في يوم السبت.

فلما لم تصبهم العقوبة، كثر مَنْ تناول في يوم السبت, واتخذوا يوم السبت، وليلةَ السبت عيدًا يشربون فيه الخمورَ، ويلعبون فيه بالمعازف.

فقال لهم خيارهم وصلحاؤهم: ويحكم, انتهوا عما تفعلون, إن الله مهلككم أو معذِّبكم عذابًا شديدًا، أفلا تعقلون؟

ولا تعدوا في السبت!

فأبوا, فقال خِيارهم: نضرب بيننا وبينهم حائطًا.

ففعلوا، وكان إذا كان ليلة السبت تأذَّوا بما يسمعون من أصواتهم وأصوات المعازف، حتى إذا كانت الليلة التي مُسِخوا فيها, سكنت أصواتهم أوّل الليل, فقال خيارهم: ما شأن قومكم قد سكنت أصواتهم الليلة؟

فقال بعضهم: لعل الخمر غلبَتهم فناموا!

فلما أصبحوا، لم يسمعوا لهم حسًّا، فقال بعضهم لبعض: ما لنا لا نسمع من قومكم حسًّا؟

فقالوا لرجل: اصعد الحائط وانظر ما شأنهم.

فصعد الحائط، فرآهم يموجُ بعضهم في بعض, قد مُسخوا قردةً, فقال لقومه: تعالوا فانظروا إلى قومكم ما لَقُوا!

فصعدوا, فجعلوا ينظرون إلى الرجل فيتوسَّمُون فيه, فيقولون: أي فلان، أنت فلان؟

فيومئ بيده إلى صدره أن نعم، (28) بما كسبت يداي.

(29) 15284- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية, عن أيوب قال، تلا الحسن ذات يوم: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ، فقال: حوتٌ حرمه الله عليهم في يوم، (30) وأحله لهم فيما سوى ذلك, فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم كأنه المخاض، (31) لا يمتنع من أحد.

وقلَّما رأيت أحدًا يكثر الاهتمامَ بالذنب إلا واقعه، (32) فجعلوا يَهتمُّون ويمْسِكون، حتى أخذوه, فأكلوا أوْخَم أكلة أكلها قوم قطُّ, (33) أبقاه خزيًا في الدنيا، وأشدُّه عقوبة في الآخرة!

(34) وايم الله، [ما حوتُ أخذه قوم فأكلوه، أعظم عند الله من قتل رجل مؤمن] !

(35) وللمؤمن أعظم حرمة عند الله من حوت, ولكن الله جعل موعدَ قومٍ الساعة وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ، [سورة القمر: 46].

15285- حدثني يونس قال، أخبرنا سفيان, عن أبي موسى, عن الحسن قال: جاءتهم الحيتان تشرع في حياضهم كأنها المخاض, (36) فأكلوا والله أوخم أكلة أكلها قوم قط, (37) أسوأه عقوبة في الدنيا، وأشدُّه عذابًا في الآخرة!

وقال الحسن: وقتل المؤمن والله أعظم من أكل الحيتان!

15286- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عطاء قال: كنت جالسًا في المسجد، فإذا شيخ قد جاء وجلس الناسُ إليه, فقالوا: هذا من أصحاب عبد الله بن مسعود!

قال: قال ابن مسعود: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ الآية، قال: لما حرم عليهم السبت، كانت الحيتان تأتي يوم السبت, وتأمن فتجيء، (38) فلا يستطيعون أن يمسوها.

وكان إذا ذهب السبت ذهبت, فكانوا يتصيّدون كما يتصيد الناس.

فلما أرادوا أن يعدوا في السبت, اصطادوا, فنهاهم قوم من صالحيهم, فأبوا, وكَثَرَهم الفجَّار, (39) فأراد الفجار قتالهم, فكان فيهم من لا يشتهون قتاله, أبو أحدهم وأخوه أو قريبه.

فلما نهوهم وأبوا، قال الصالحون: إذًا نُتَّهم!

وإنا نجعل بيننا وبينهم حائطًا!

(40) ففعلوا, فلما فقدوا أصواتهم قالوا: لو نظرتم إلى إخوانكم ما فعلوا !

فنظروا، فإذا هم قد مُسخوا قردةً, يعرفون الكبير بكبره، والصغير بصغره, فجعلوا يبكون إليهم.

وكان هذا بعد موسى صلى الله عليه وسلم.

-------------------- الهوامش : (1) (2) ضبطت الآية (( معذرة )) بالنصب على قراءتنا في مصحفنا ، وتفسير أبي جعفر واختياره في القراءة ، رفع (( معذرة )) ، فتنبه إليه .

(2) (3) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف ص 176 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(3) الأثر: 15264 مضى مطولا برقم: 1139 (2: 170) .

(4) (2) انظر تفسير (( اتقى ) فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .

(5) (3) انظر ذكر هذه الآية وإعرابها فيما سلف 2 : 107 ، 108 .

(6) (1) في المطبوعة والمخطوطة : (( لأنها كانت من الناهية )) ، ولا معنى لقوله : (( من )) ، هنا ، والصواب ما أثبت .

(7) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( تعلمون ) ، والصواب ما أثبت : (( تعلموا )) فعل أمر ، بتشديد اللام ، بمعنى : اعلموا .

(8) الأثر : 15269 - (( معاذ بن هانئ القيسى )) ، ثقة ، روى عن همام بن يحيى ، ومحمد بن مسلم الطائفي ، وحماد بن سلمة ، وغيرهم 0 0مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/367 ، وابن أبي حاتم 4/1/250 .

(9) (1 ) الأثر: 15271 - مضى صدر هذا الخبر ، وجزء آخر منه فيما سلف برقم : 15254 .

(10) (2) (( الماخض )) ، التي قد دنا ولادها من الشاء وغيرها .

وفي حديث الزكاة : (( فاعمد إلى شاة قد امتلأت مخاضاً ، وشحماً )) ، أي نتاجاً ، يعنى بذلك سمنها وبضاضتها .

(11) (3) في المطبوعة وابن كثير 3 : 577 : (( تنتطح )) ولامعنى لها هنا ، وفي المخطوطة (( تلتطح )) ، كانها من قولهم (( لطح الرجل به الأرض )) ، و (( لطحه بالأرض )) ، إاذا ضربه بالأرض .

وقاس منه (( التطح )) أي تتقلب ضاربة بظهورها وبطونها الأرض .

وصوابها ما أثبت (( تنبطح )) أو ((تتبطح )) ( بتشديد الطاء ) ، أي تتمرغ في البطحاء .

وانظر ما سيأتي في ص : 190 ، تعليق : 02 وقد حذف هذه الكلمة السيوطي في روايته للخبر في الدر المنثور 3 : 137 ، كعادته إذا أشكل عليه الكلام .

(12) (1) هذه الجملة : (( وقال الأيمنون ....)) ساقطة من المخطوطة ، ثابتة في المطبوعة .

وفي المطبوعة : (( الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله )) ، ولا أدرى من أين جاء بها .

وأثبت نص ابن كثير في تفسيره 3 : 557 ، وفي الدر المنثور 3 : 137 : (( ويلكم ، لا تتعرضوا لعقوبة الله )) .

(13) (2) في المطبوعة : (( والله لا نبايتنكم )) وفي ابن كثير : 3: 577 : (( لنأتينكم )) ، وفي الدر المنثور 3 : 137 : (( لنسبايتنكم )) ، ومثله في المخطوطة ، وأرجح أن الصواب ما أثبت ، يعنون أنهم لن يبيتوا معهم في مدينتهم .

فهذا ظاهر السياق .

(14) (3) في المخطوطة والمطبوعة ، والدر المنثور : (( ما أراكم )) ، والصواب من ابن كثير .

(15) (1) في المطبوعة ، والدر المنثور : (( أي جعلني الله فداك )) ، ولا معنى لها ، وحذفها ابن كثير في روايته الخبر .

وأثبت ما في المخطوطة ، وقوله : (( إن )) ( مكسورة الألف مشددة النون ) بمعنى : نعم ، يعنى : إنه قد كان ، وإنهم قد نجوا .

قال أبو عبيد في مثله : (( وهذا اختصار من كلام العرب ، يكتفي منه بالضمير ، لأنه قد علم معناه )) .

وقد قال مسعود بن عبد الله الأسدي : قَالُوا :غَـــدَرْتَ!

فَقُلْــتُ: إنّ!

وَرُبّمَــا نَـالَ العُـلَى وشَـفَى الغَلِيـلَ الغـادِرُ (16) في المطبوعة : (( تنتطح )) ، وهي في المخطوطة واضحة كما أثبتها ، وانظر التعليق السالف ص : 188 ، رقم : 3 .

(17) وضعت هذه النقط ، لدلالة على خرم في الخبر لاشك فيه ، فإنه غير متصل .

ولكن كهذا هو في المخطوطة .

وفي المخطوطة لم يسق الآية هكذا بل كتب : ( قوله : (( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً )) ، فقرأ حتى بلغ (( ولعلهم يتقون )) ) ، فكان هذا دليلاً أيضاً على الخرم الذي وقع في نسخة التفسير .

ولكن انظر بعض هذا الخبر بهذا الإسناد فيما سلف : 1140.

(18) في المطبوعة : (( فصار )) ، وأثبت ما في المخطوطة بغير فاء ، لأنى لا أعلم ما قبله من السقط الذي حدث ، ما هو .

(19) (( قرم إلى اللحم )) ( بكسر الراء ) ((قرماً)) بفتحتين: اشتدت شهوته إليه.

وقوله : (( لقوامنه )) ، الضمير في ((منة))عائد إلى مصدر ((قرموا)) ، أي: القرم.

(20) (2) في المطبوعة : (( خسفة )) ، ولا معنى لها ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب ما أثبت .

و (( الخشفة )) بالخاء المعجمة و (( الحشفة )) بالحاء المهلة ( وبفتح الخاء والشين ) : هي حجارة تنبت في الأرض نباتاً ، أو صخرة رخوة في سهل من الأرض .

(21) (3) (( النون )) : الحوت والسمك .

(22) (4) قوله : (( جعلوا يصيدونه )) ، فخالف السياق المفرد السابق ، فأخشى أن يكون سقط من الكلام ما معناه أن بعض جيرانه اتبعوه وفشا فيهم ، فجعلوا يصيدونه ...

(23) (1) في المطبوعة : (( بعذابه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(24) (2) في المخطوطة : (( فليس إلا تكاكا )) ، ولا أدرى ما وجهها ، وقد سلف في الخبر رقم 15272 ، في آخره : (( فتشم ثيابه فتبكي)) ، فتركت ما في المطبوعة على حاله ، حتى يتبين لما في المخطوطة وجه مرضى من الصواب .

(25) (1) (( الربض )) ( بفتحتين ) : هو الفضاء حول المدينة .

(26) (1) في المطبوعة : (( فخرم أنفه )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهذا صواب قراءته ونقطه .

(( خزم الدابة )) ثقب في أنفها ثقباً ، وجعل فيه خزامة من شعر أو غيره ، و(( الخزامة )) ( بكسر الخاء ) الحلقة المعقودة .

(27) (2) في المطبوعة : (( فعلقوا عليهم دورهم )) ، أراد أن يجتهد فأخطأ أشنع الخطأ ، والصواب البين ما في المخطوطة ، كما أثبته .

(28) (1) في المخطوطة والمطبوعة : (( أي نعم )) ، والصواب الجيد ما أثبت .

(29) (2) الأثر : 15283 - ( ما هان أبو صالح الحنفي )) ، قال البخاري (( ما هان ، أبو سالم الحنفي ، ...وقال بعضهم : ما هان ، أبو صالح ، ولا يصح )) وقد مضى ذلك برقم 3226 ، 13291 ، وهو مترجم في التهذيب و الكبير 4 / 2 / 67 ، ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 434 .

(30) (3) في المطبوعة : (( كان حوتاً حرمه الله )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(31) (4) في المخطوطة : (( كأنه المحاصر )) غير منقوطة ، وكأن ما في المطبوعة هو الصواب ، وقد سلف في ص : 188 ، وتعليق : 2 ، : (( كانت تأتيهم ...

بيضاً سماناً كأنها بالمخاض )) ، وفسرته هناك بأنه أراد بالمخاض ، الشاة أو الناقة التي دنا ولادها ، وأنه عنى بذلك سمنها وترارتها .

و(( الماخض )) : الإبل الحوامل ، يريد التي امتلأت حملا وسمناً .

(32) (1) (( الاهتمام )) ، يريد : الهم به ، لا من (( الاهتمام )) بمعنى الاغتمام والحزن .

وهو صريح القياس : (( اهتم بالأمر )) ، بمعنى (( هم به )) ، ولم تذكرها معاجم اللغة .

(33) (2) استعمال (( قط )) مع غير النفي ، أعنى في المثبت ، مما أنكروه ، وقد جاء في الكلام كثيراً ، ونبه إليه ابن مالك في مشكلات الجامع الصحيح : 193 ، قال : (( وفي قوله : ونحن أكثر ما كنا قط ، استعمال قط غير مسبوقة بنفي ، وهو مما خفي على كثير من النحويين .

لأن المعهود استعمالها لاستغراق الزمان الماضي بعد نفي ، نحو : ما فعلت ذلك قط وقد جاءت في هذا الحديث دون نفي .

وله نظائر )) .

وانظر الخبر الآتي رقم 15285 .

(34) (3) قوله : (( أبقاه خزياً )) ، أعاد الضمير مع (( أفعل )) التفضيل بالإفراد والتذكير ، وهي عائدة إلى (( أكلة )) ، وهي مؤنثة ، وذلك صريح العربية ، وقد مضت الإشارة إلى ذلك فيما سلف 5 : 488 ، تعليق : 1 : 5 : 557 ، تعليق 1 / 6 : 395 ، 396 ، تعليق : 2 / 7 : 87 ، تعليق : 4 والأثر رقم : 14813 .

وكان في المطبوعة : (( أثقله خزياً )) ، والصواب من الدر المنثور 3 : 138 ، وفي المخطوطة : (( أبقى خزياً في الدنيا ، وأشد عقوبة في الآخرة )) .

(35) (4) هذه الجملة التي بين القوسين في المطبوعة ، ولم ترد في المخطوطة ، ولا في الدر المنثور 3 : 138 ، ونصها في المخطوطة : (( وايم الله ، للمؤمن أعظم حرمة )) ، فلا أدرى ، أهي زيادة من ناسخ لنسخة أخرى ، أم سقطت من ناسخ نسختنا .

(36) (5) في المخطوطة : (( كأنها المحاصر )) ، كما سلف في الخبر السالف ، انظر ص 196 ، تعليق : 4 (37) (6) انظر التعليق السالف رقم : 3 .

(38) (1) في المطبوعة : (( وتجئ )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(39) (2) (( كثرهم الفجار )) ، أي : غلبوهم بكثرتهم .

(40) (3) في المخطوطة : (( أدانهم ، و أنا نجعل بيننا وبينكم حائطاً )) ، هكذا ، فرأيت قراءتها كما أثبتها .

أما في المطبوعة ، فقد غير الجملة وغير ضمائرها فكتب : (( إذًا نباينهم ، وأنا نجعل بيننا وبينهم حائطاً )) .

وقوله (( إذا نتهم )) ، يعنى : إذا نتهم بما فعلتم من العدوان في السبت ، ويأخذنا الله بالعقاب ، ونحن براء مما فعلتم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ويكون المعنى في قوله تعالى وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا أي قال الفاعلون للواعظين حين وعظوهم : إذا علمتم أن الله مهلكنا فلم تعظوننا ؟

فمسخهم الله قردة .قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون أي قال الواعظون : موعظتنا إياكم معذرة إلى ربكم ; أي إنما يجب علينا أن نعظكم لعلكم تتقون .

أسند هذا القول الطبري عن ابن الكلبي .

وقال جمهور المفسرين : إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق ، وهو الظاهر من الضمائر في الآية .

فرقة عصت وصادت ، وكانوا نحوا من سبعين ألفا .

وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص ، وأن هذه الطائفة قالت للناهية : لم تعظون قوما - تريد العاصية - الله مهلكهم أو معذبهم على غلبة الظن ، وما عهد من فعل الله تعالى حينئذ بالأمم العاصية .

فقالت الناهية : موعظتنا معذرة إلى الله لعلهم يتقون .

ولو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية : ولعلكم تتقون ، بالكاف .

ثم اختلف بعد هذا ; فقالت فرقة : إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبة على ترك النهي ; قاله ابن عباس .

وقال أيضا : ما أدري ما فعل بهم ; وهو الظاهر من الآية .

وقال عكرمة : قلت لابن عباس لما قال ما أدري ما فعل بهم : ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا : لم تعظون قوما الله مهلكهم ؟

فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا ; فكساني حلة .

وهذا مذهب الحسن .

ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غير قوله : وأخذنا الذين ظلموا .

وقوله : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت الآية .

وقرأ عيسى وطلحة معذرة بالنصب .

ونصبه عند الكسائي من وجهين : أحدهما على المصدر .

والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة .

وهي قراءة حفص عن عاصم .

والباقون بالرفع : وهو الاختيار ; لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليموا عليه ، ولكنهم قيل لهم : لم تعظون ؟

فقالوا : موعظتنا معذرة .

ولو قال رجل لرجل : معذرة إلى الله وإليك من كذا ، يريد اعتذارا ; لنصب .

هذا قول سيبويه .

ودلت الآية على القول بسد الذرائع .

وقد مضى في " البقرة " ومضى فيها الكلام في [ ص: 276 ] الممسوخ هل ينسل أم لا ، مبينا .

والحمد لله .

ومضى في " آل عمران " و " المائدة " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ومضى في " النساء " اعتزال أهل الفساد ومجانبتهم ، وأن من جالسهم كان مثلهم ، فلا معنى للإعادة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

معظمهم اعتدوا وتجرؤوا، وأعلنوا بذلك.

وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم.

وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا كأنهم يقولون: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه، إما بهلاك أو عذاب شديد.

فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي: لنعذر فيهم.

وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجع فيهم الوعظ، وأثر فيهم اللوم.

وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل اللّه أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر، والنهي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم ) اختلفوا في الذين قالوا هذا ، قيل : كانوا من الفرقة الهالكة ، وذلك أنهم لما قيل لهم انتهوا عن هذا العمل السيئ ، قبل أن ينزل بكم العذاب وإنا نعلم أن الله منزل بكم بأسه إن لم تنتهوا أجابوا وقالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) ، ( أو ) علمتم أنه ( معذبهم عذابا شديدا قالوا ) أي : قال الناهون ( معذرة ) أي : موعظتنا معذرة ( إلى ربكم ) قرأ حفص : " معذرة " بالنصب أي نفعل ذلك معذرة إلى ربكم .

والأصح أنها من قول الفرقة الساكتة ، قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم ، قالوا معذرة إلى ربكم ، ومعناه أن الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله ، ( ولعلهم يتقون ) أي : يتقون الله ويتركوا المعصية ، ولو كان الخطاب مع المعتدين لكان يقول ولعلكم تتقون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذ» عطف على إذ قبله «قالت أمَّة منهم» لم تصد ولم تنهَ لمن نهى «لم تعظون قوما الله مُهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا» موعظتنا «معذرة» نعتذر بها «إلى ربِّكم» لئلا ننسب إلى تقصير في ترك النهي «ولعلَّهم يتقون» الصيد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- إذ قالت جماعة منهم لجماعة أخرى كانت تعظ المعتدين في يوم السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه: لِمَ تعظون قومًا الله مهلكهم في الدنيا بمعصيتهم إياه أو معذبهم عذابا شديدًا في الآخرة؟

قال الذين كانوا ينهَوْنهم عن معصية الله: نَعِظهم وننهاهم لِنُعْذَر فيهم، ونؤدي فرض الله علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورجاء أن يتقوا الله، فيخافوه، ويتوبوا من معصيتهم ربهم وتعذِّيهم على ما حرَّم عليهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهذه الفرقة الثالثة هى التى عبر القرآن الكريم عنها بقوله : ( وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ) أى : قالت فرقة من أهل القرية ، لإخوانهم الذين لم يألوا جهدا فى نصيحة العادين فى السبت ، لم تعظون قوما لا فائدة من وعظهم ولا جدوى من تحذيرهم ، لأن الله تعالى قد قضى باستئصالهم وتطهير الأرض منهم ، أو بتعذيبهم عذاباً شديداً ، جزاء تماديهم فى الشر ، وصممهم عن سماع الموعظة فكان رد الناصحين عليهم ( مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) .فهم قد عللوا نصيحتهم للعادين بعلتين :الأولى : الاعتذار إلى الله - تعالى - من مغبة التقصير فى واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .والثانية : الأمل فى صلاحهم وانتفاعهم بالموعظة حتى ينجو من العقوبة ، ويسيروا فى طريق المهتدين .وقيل : إن أهل القرية كانوا فرقتين ، فرقة أقدمت على الذنب فاعتدت فى السبت ، وفرقة أحجمت عن الاقدام ، ونصحت المعتدين بعدم التجاوز لحدود الله - تعالى - فلما داومت الفرقة الواعظة على نصيحتها للفرقة العادية ، قالت لها الفرقة العادية على سبيل التهكم والاستهزاء : لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديدا فى زعمكم؟

فأجابتهم الناصحة بقولها .معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون .والذى نرجحه أن أهل القرية كانوا ثلاث فرق كما قال جمهور المفسرين - لأن هذا هو الظاهر من الضمائر فى الآية الكريمة ، إذ لو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية ( ولعلكم تتقون ) بكاف الخطاب ، بدل قولهم ( ولعلهم يتقون ) الذى يدل على أن المحاورة قد دارت بين الفرقة اللائمة ، والفرقة الناصحة .قال الإمام القرطبى عند تفسيره الاية الكريمة : إن بنى إسرائيل افترقت ثلاث فرق " فرقة عصت وصدت ، وكانوا ، نحوا من سبعين ألفاً ، فرقة نهت واعتزلت ، وكانوا نحوا من اثنى عشر ألفاً ، وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص ، وأن هذه الطائفة هى التى قالت للناهية ، لم تعظون قوما - عصاة - الله مهلكهم ، أو معذبهم على غلبة الظن .

وما عهد حينئذ من فعل الله تعالى بالأمم العاصية؟

) .وقوله ( مَعْذِرَةً ) بالنصب على أنها مفعول لأجله أى : وعظناهم لأجل المعذرة ، أو منصوبة على أنها مصدر لفعل مقدر من لفظها أى : نعتذر معذرة وقرئت " معذرة " بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أى : موعظتنا معذرة وقد اختار سيبويه هذا الوجه وقال فى تعليله : لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذاراً مستأنفاً ولكنهم قيل لهم لم تعظون؟

فقالوا موعظتنا معذرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب وقوله: ﴿ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ ﴾ أي جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظة أولئك الصيادين حتى أيسوا من قبولهم لأقوام آخرين ما كانوا يقلعون عن وعظهم.

وقوله: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ ﴾ أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم ﴿ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا ﴾ لتماديهم في الشر، وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفعهم وقوله: ﴿ قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: قرأ حفص عن عاصم ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ بالنصب والباقون بالرفع، أما من نصب ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ فقال الزجاج معناه: نعتذر معذرة، وأما من رفع فالتقدير: هذه معذرة أو قولنا معذرة وهي خبر لهذا المحذوف.

البحث الثاني: المعذرة مصدر كالعذر، وقال أبو زيد: عذرته أعذره عذراً ومعذرة، ومعنى عذره في اللغة أي قام بعذره، وقيل: عذره، يقال: من يعذرني أي يقوم بعذري، وعذرت فلاناً فيما صنع أي قمت بعذره، فعلى هذا معنى قوله: ﴿ مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ ﴾ أي قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله تعالى، فإنا إذا طولنا بإقامة النهي عن المنكر.

قلنا: قد فعلنا فنكون بذلك معذورين، وقال الأزهري: المعذرة اسم على مفعلة من عذر يعذر وأقيم مقام الاعتذار.

كأنهم قالوا: موعظتنا اعتذار إلى ربنا.

فأقيم الاسم مقام الاعتذار، ويقال: اعتذر فلان اعتذاراً وعذراً ومعذرة من ذنبه فعذرته، وقوله: ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ أي وجائز عندنا أن ينتفعوا بهذا الوعظ فيتقوا الله ويتركوا هذا الذنب.

إذا عرفت هذا فنقول: في هذه الآية قولان: القول الأول: أن أهل القرية منهم من صاد السمك وأقدم على ذلك الذنب ومنهم من لم يفعل ذلك، وهذا القسم الثاني صاروا قسمين: منهم من وعظ الفرقة المذنبة، وزجرهم عن ذلك الفعل، ومنهم من سكت عن ذلك الوعظ، وأنكروا على الواعظين وقالوا لهم: لم تعظوهم، مع العلم بأن الله مهلكهم أو معذبهم؟

يعني: أنهم قد بلغوا في الإصرار على هذا الذنب إلى حد لا يكادون يمنعون عنه، فصار هذا الوعظ عديم الفائدة عديم الأثر، فوجب تركه.

والقول الثاني: أن أهل القرية كانوا فرقتين: فرقة أقدمت على الذنب، وفرقة أحجموا عنه ووعظوا الأولين، فلما اشتغلت هذه الفرقة بوعظ الفرقة المذنبة المتعدية المقدمة على القبيح، فعند ذلك قالت الفرقة المذنبة للفرقة الواعظة ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ ﴾ بزعمكم؟

قال الواحدي: والقول الأول أصح، لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله: ﴿ مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ ﴾ خطاباً من الفرقة الناهية للفرقة المعتدية لقالوا: وَلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

أما قوله: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ يعني: أنهم لما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه، أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الظالمين المقدمين على فعل المعصية.

واعلم أن لفظ الآية يدل على أن الفرقة المتعدية هلكت، والفرقة الناهية عن المنكر نجت.

أما الذين قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ ﴾ فقد اختلف المفسرون في أنهم من أي الفريقين كانوا؟

فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه توقف فيه.

ونقل عنه أيضاً: هلكت الفرقتان ونجت الناهية، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا، ونحن نرى أشياء ننكرها، ثم نسكت ولا نقول شيئاً.

قال الحسن: الفرقة الساكتة ناجية، فعلى هذا نجت فرقتان وهلكت الثالثة.

واحتجوا عليه بأنهم لما قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ ﴾ دل ذلك على أنهم كانوا منكرين عليهم أشد الإنكار، وأنهم إنما تركوا وعظهم لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوعظ ولا ينتفعون به.

فإن قيل: إن ترك الوعظ معصية، والنهي عنه أيضاً معصية، فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله: ﴿ وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ ﴾ .

قلنا: هذا غير لازم، لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية.

فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ثم ذكر أنه تعالى أخذهم بعذاب بئيس، والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر ذكره.

وقوله: ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ أي شديد وفي هذه اللفظة قراآت: أحدها: ﴿ بَئِيسٍ ﴾ بوزن فعيل.

قال أبو علي: وفيه وجهان: الأول: أن يكون فعيلاً من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.

والآخر: ما قاله أبو زيد، وهو أنه من البؤس وهو الفقر يقال بئس الرجل يبأس بؤساً وبأساً وبئيساً إذا افتقر فهو بائس، أي فقير.

فقوله: ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ أي ذي بؤس.

والقراءة الثانية (بِئْسَ) بوزن حذر.

والثالثة: (بيس) على قلب الهمزة ياء، كالذيب في ذئب، والرابعة: (بيئس) على فيعل.

والخامسة: (بيس) كوزن ريس على قلب همزة بئيس ياء وإدغام الياء فيها.

والسادسة: (بيس) على تخفيف بيس كهين في هين، وهذه القراآت نقلها صاحب الكشاف.

ثم بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب بهم تمردوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وسلهم ﴾ وسل اليهود.

وقرئ: ﴿ واسألهم ﴾ .

وهذا السؤال معناه التقرير والتقريع بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله والإعلام بأنّ هذا من علومهم التي لا تعلم إلاّ بكتاب أو وحي، فإذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابهم، علم أنه من جهة الوحي.

ونظيره همزة الاستفهام التي يراد بها التقرير في قولك: أعدوتم في السبت؟

والقرية أيلة.

وقيل: مدين.

وقيل: طبرية.

والعرب تسمي المدينة قرية.

وعن أبي عمرو بن العلاء.

ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، يعني رجلين من أهل المدن ﴿ كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر ﴾ قريبة منه راكبة لشاطئه ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت ﴾ إذ يتجاوزون حدّ الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه.

وقرئ: ﴿ يعدّون ﴾ بمعنى يعتدون، أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين، ويُعدّون من الإعداد، وكانوا يعدّون آلات الصيد يوم السبت، وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة.

والسبت: مصدر سبتت اليهود، إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد، فمعناه: يعدّون في تعظيم هذا اليوم، كذلك قوله: ﴿ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ﴾ معناه يوم تعظيمهم أمر السبت.

ويدل عليه قوله: ﴿ وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ و قراءة عمر بن عبد العزيز: ﴿ يوم إسباتهم ﴾ ، وقرئ: ﴿ لا يسبتون ﴾ ، بضم الباء.

وقرأ علي: ﴿ لا يسبتون ﴾ بضم الياء، من أسبتوا.

وعن الحسن: ﴿ لا يسبتون ﴾ على البناء للمفعول، أي لا يدار عليهم السبت، ولا يؤمرون بأن يسبتوا، فإن قلت: إذ يعدون، وإذ تأتيهم، ما محلهما من الإعراب؟

قلت: أمّا الأوّل فمجرور بدل من القرية، والمراد بالقرية أهلها، كأنه قيل: واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت، وهو من بدل الاشتمال.

ويجوز أن يكون منصوباً بكانت، أو بحاضرة.

وأمّا الثاني فمنصوب بيعدون.

ويجوز أن يكون بدلاً بعد بدل.

والحيتان السمك، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة ﴿ شُرَّعًا ﴾ ظاهرة على وجه الماء.

وعن الحسن: تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض.

يقال شرع علينا فلان إذا دنا منا وأشرف علينا.

وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا ﴿ كذلك نَبْلُوهُم ﴾ أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم ﴿ وَإِذْ قَالَتِ ﴾ معطوف على إذ يعدون، وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أُمَّةٌ مّنْهُمْ ﴾ جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم، حتى أيسوا من قبولهم، لآخرين كانوا لا يقلعون عن وعظهم ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ ﴾ أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم ﴿ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا ﴾ لتماديهم في الشرّ.

وإنما قالوا ذلك، لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم ﴿ قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ ﴾ أي: موعظتنا إبلاء عذر إلى الله، ولئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى بعض التفريط ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ ولطمعنا في أن يتقوا بعض الاتقاء.

وقرئ: ﴿ معذرة ﴾ بالنصب، أي وعظناهم معذرة إلى ربكم، أو اعتذرنا معذرة ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ ﴾ يعني أهل القرية، فلما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه ﴿ أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا ﴾ الظالمين الراكبين للمنكر.

فإن قلت: الأمة الذين قالوا ﴿ لِمَ تَعِظُونَ ﴾ من أي الفريقين هم أمن فريق الناجين أم المعذبين قلت من فريق الناجين، لأنهم من فريق الناهين.

وما قالوا ما قالوا إلا سائلين عن علة الوعظ والغرض فيه، حيث لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال القوم.

وإذا علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه، سقط عنه النهي، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث.

ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب لتعظهم وتكفهم عما هم فيه، كان ذلك عبثاً منك، ولم يكن إلاّ سبباً للتلهي بك.

وأما الآخرون فإنما لم يعرضوا عنهم إمّا لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين، ولم يخبروهم كما خبروهم، أو لفرط حرصهم وجدّهم في أمرهم كما وصف الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ ﴾ [الكهف: 6] وقيل: الأمة هم الموعوظون، لما وعظوا قالوا للواعظين: لم تعظون منا قوما تزعمون أنّ الله مهلكهم أو معذبهم؟

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: يا ليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا: لم تعظون قوماً؟

قال عكرمة: فقلت: جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: لم تعظون قوماً الله مهلكهم، فلم أزل به حتى عَرَّفْته أنهم قد نجوا.

وعن الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان.

وروي: أنّ اليهود أُمروا باليوم الذي أُمرنا به وهو يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت، فابتلوا به وحرّم عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً كأنها المخاض، لا يرى الماء من كثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم جاءهم إبليس فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضاً تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، فلا تقدر على الخروج منها.

وتأخذونها يوم الأحد، وأخذ رجل منهم حوتاً وربط في ذنبه خيطاً إلى خشبة في الساحل، ثم شواه يوم الأحد، فوجد جاره ريح السمك فتطلع في تنوره فقال له: إني أرى الله سيعذبك، فلما لم يره عذب أخذ في السبت القابل حوتين، فلما رأوا أنّ العذاب لا يعاجلهم، صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا، وكانوا نحواً من سبعين ألفاً، فصار أهل القرية أثلاثاً، ثلث نهوا وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً، وثلث قالوا: لم تعظون قوماً؟

وثلث هم أصحاب الخطيئة.

فلما لم ينتهوا قال المسلمون: إنا لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار: للمسلمين باب، وللمعتدين باب.

ولعنهم داود عليه السلام، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إنّ للناس شأناً، فعلوا الجدار فنطروا فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القرود أنسباءها من الأنس، والأنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود، فجعل القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي، فيقول: ألم ننهك فيقول برأسه: بلى، وقيل: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير.

وعن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها، أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة، هاه وايم الله، ما حوتٌ أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم.

ولكن الله جعل موعداً، والساعة أدهى وأمرّ ﴿ بَئِيسٍ ﴾ شديد.

يقال: بؤس يبؤس بأساً، إذا اشتدّ، فهو بئيس.

وقرئ: ﴿ بئس ﴾ ، بوزن حَذِر.

وبئس على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء.

كما يقال: كبد في كبد.

وبيس على قلب الهمزة ياء، كذيب في ذئب، وبيئس على فيعل، بكسر الهمزة وفتحها، وبيس بوزن ريس، على قلب همزة بيئس ياء وإدغام الياء فيها، وبيس على تخفيف بيس، كهين في هين.

وبائس على فاعل ﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه، كقوله: ﴿ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ ﴾ [الأعراف: 77] ، ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ عبارة عن مسخهم قردة، كقوله: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82] والمعنى: أنّ الله تعالى عذبهم أوّلاً بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك فمسخهم.

وقيل: فلما عتوا، تكرير لقوله: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ ﴾ والعذاب البئيس: هو المسخ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قالَتْ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ إذْ يَعْدُونَ ﴾ .

﴿ أُمَّةٌ مِنهُمْ ﴾ جَماعَةٌ مِن أهْلِ القَرْيَةِ يَعْنِي صُلَحاءَهُمُ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا في مَوْعِظَتِهِمْ حَتّى أيِسُوا مِنَ اتِّعاظِهِمْ.

﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ﴾ مُخْتَرِمُهم.

﴿ أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا ﴾ في الآخِرَةِ لِتَمادِيهِمْ في العِصْيانِ، قالُوهُ مُبالَغَةً في أنَّ الوَعْظَ لا يَنْفَعُ فِيهِمْ، أوْ سُؤالًا عَنْ عِلَّةِ الوَعْظِ ونَفْعِهِ وكَأنَّهُ تُقاوُلٌ بَيْنَهم أوْ قَوْلُ مَنِ ارْعَوى عَنِ الوَعْظِ لِمَن لَمْ يَرْعَوِ مِنهم، وقِيلَ المُرادُ طائِفَةٌ مِنَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ أجابُوا بِهِ وُعّاظَهم رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَهَكُّمًا بِهِمْ.

﴿ قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ ﴾ جَوابٌ لِلسُّؤالِ أيْ مَوْعِظَتُنا إنْهاءُ عُذْرٍ إلى اللَّهِ حَتّى لا نُنْسَبَ إلى تَفْرِيطٍ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

وقَرَأ حَفْصٌ ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ أوِ العِلَّةِ أيِ اعْتَذَرْنا بِهِ مَعْذِرَةً ووَعَظْناهم مَعْذِرَةً.

﴿ وَلَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ إذِ اليَأْسُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالهَلاكِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذ قالت} معطوف على إذ يعدون وحمه كحمه فى الإعراب {أمة منهم} تجماعة من صلحاء القرية الذين أيسوا من وعظهم بد ما ركبوا الصعب والذلولو في موعظتهم لآخرين لا يقلعون عن وعظهم {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عذابا شديدا} وإنما قاوال ذلك لعلهم أن الوعظ لا ينفع فيهم {قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى ربكم} أي موعظتنا إبلاء عذر إلى الله لئلا ننسب في

النهي عن المنكر إلى التفريط مَعْذِرَةً حفص على أنه مفعول له أي وعظناهم للمعذرة {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ولطمعنا في أن يتقوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قالَتْ ﴾ عُطِفَ عَلى إذْ يَعْدُونَ مَسُوقٌ لِبَيانِ تَمادِيهِمْ في العُدْوانِ وعَدَمِ انْزِجارِهِمْ عَنْهُ بَعْدَ العِظاتِ والإنْذاراتِ.

قالَ العَلّامَتانِ الطِّيبِيُّ والتَّفْتازانِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: إذْ تَأْتِيهِمْ وإنْ كانَ أقْرَبَ لَفْظًا لِأنَّهُ إمّا بَدَلٌ أوْ ظَرْفٌ فَيَلْزَمُ أنْ يَدْخُلَ هَؤُلاءِ القائِلُونَ في حُكْمِ أهْلِ العُدْوانِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وهَذا عَلى ما قِيلَ عَلى تَقْدِيرِ الظَّرْفِيَّةِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ الإبْدالِ فَلِأنَّ البَدَلَ أقْرَبُ إلى الِاسْتِقْلالِ، واسْتُظْهِرَ في بَيانِ وجْهِ ذَلِكَ أنَّ زَمانَ القَوْلِ بَعْدَ زَمانِ العُدْوانِ ومُغايِرٌ لَهُ، واعْتِبارُ كَوْنِهِ مُمْتَدًّا كَسَنَةٍ مَثَلًا يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ كُلُّهُ تَكَلُّفٌ مِن غَيْرِ مُقْتَضٍ، والقَوْلُ بِأنَّ العَطْفَ عَلى ذاكَ يُشْعِرُ أوْ يُوهِمُ أنَّ القائِلِينَ مِنَ العادِينَ في السَّبْتِ لا مِن مُطْلَقِ أهْلِ القَرْيَةِ فِيهِ ما فِيهِ.

﴿ أُمَّةٌ مِنهُمْ ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِن صُلَحائِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يَأْلُوا جُهْدًا في عِظَتِهِمْ حِينَ يَئِسُوا مِنَ احْتِمالِ القَبُولِ لِآخَرِينَ لَمْ يُقْلِعُوا عَنِ التَّذْكِيرِ رَجاءَ النَّفْعِ والتَّأْثِيرِ.

﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ﴾ أيْ: مُسْتَأْصِلُهم بِالكُلِّيَّةِ ومُطَهِّرٌ وجْهَ الأرْضِ مِنهم.

﴿ أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا ﴾ دُونَ الِاسْتِئْصالِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: مُهْلِكُهم في الدُّنْيا أوْ مُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ لِعَدَمِ إقْلاعِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الفِسْقِ والتَّرْدِيدِ لِمَنعِ الخُلُوِّ عَلى هَذا، وإيثارُ صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ في الشِّقَّيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ كُلٍّ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ وتَقَرُّرِهِما البَتَّةَ كَأنَّهُما واقِعانِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ مُبالَغَةً في أنَّ الوَعْظَ لا يُنْجِعُ فِيهِمْ؛ إذِ المَقْصُودُ: لا تَعِظُوا، أوْ: أتَعِظُونَ؛ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ لِاسْتِغْرابِهِ لِأنَّ الأمْرَ العَجِيبَ لا يُدْرى سَبَبُهُ، أوْ سُؤالًا عَنْ حِكْمَةِ الوَعْظِ ونَفْعِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا تَقاوُلٌ وقَعَ بَيْنَ الصُّلَحاءِ الواعِظِينَ كَأنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لِمَ نَشْتَغِلُ بِما لا يُفِيدُ، ويُحْتَمَلُ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ أنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنَ القائِلِ بِمَحْضَرٍ مِنَ القَوْمِ فَيَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِحَثِّهِمْ عَلى الِاتِّعاظِ، فَإنَّ بَتَّ القَوْلِ بِهَلاكِهِمْ أوْ عَذابِهِمْ مِمّا يُلْقِي في قُلُوبِهِمُ الخَوْفَ والخَشْيَةَ، وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ قالُوا تَهَكُّمًا بِالنّاصِحِينَ المُخَوِّفِينَ لَهم بِالهَلاكِ والعَذابِ، وفِيهِ بُعْدٌ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿ قالُوا ﴾ أيِ: المَقُولُ لَهم ذَلِكَ: ﴿ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ ﴾ أيْ: نَعِظُهم مَعْذِرَةً إلَيْهِ تَعالى عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ، وهو الأنْسَبُ بِظاهِرِ قَوْلِهِمْ: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ ﴾ أوْ نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ لِلْقَوْلِ، وهو إنْ كانَ مُفْرَدًا في مَعْنى الجُمْلَةِ لِأنَّهُ الكَلامُ الَّذِي يُعْتَذَرُ بِهِ.

والمَعْذِرَةُ في الأصْلِ بِمَعْنى العُذْرِ وهو التَّنَصُّلُ مِنَ الذَّنْبِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّهُ بِمَعْنى الِاعْتِذارِ، وعَدّاهُ بِ إلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإنْهاءِ والإبْلاغِ، وفي إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ نَوْعُ تَعْرِيضٍ بِالسّائِلِينَ، وهَذا الجَوابُ عَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ ظاهِرٌ، وعَلى الأخِيرِ قِيلَ: إنَّهُ مِن تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ فَهو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وقَرَأ مَن عَدا حَفْصٍ والمُفَضَّلِ: (مَعْذِرَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ إلَيْهِ تَعالى حَتّى لا نُنْسَبَ إلى نَوْعِ تَفْرِيطٍ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

﴿ ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ عُطِفَ عَلى (مَعْذِرَةً) أيْ: ورَجاءَ أنْ يَتَّقُوا بَعْضَ التُّقاةِ؛ فَإنَّ اليَأْسَ المُحَقَّقَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالهَلاكِ، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ القائِلِينَ: لِمَ تَعِظُونَ ...

إلَخْ.

لَيْسُوا مِنَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ وإلّا لَوَجَبَ الخِطابُ.

اهـ.

وقَدْ يُوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ بِأنَّهُ التِفاتٌ أوْ مُشاكَلَةٌ لِتَعْبِيرِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ في السُّؤالِ بِقَوْمٍ، وإمّا لِجَعْلِهِ بِاعْتِبارِ غَيْرِ الطّائِفَةِ القائِلِينَ إلّا أنَّ كُلَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ واسمها أيلة وذلك أن اليهود قالوا: نحن من أبناء إبراهيم  فلا يعذبنا الله تعالى إلا مقدار عبادة العجل فقال الله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ يعني: أهل القرية التى كانت حاضرة البحر كيف عذبهم الله تعالى بذنوبهم.

ثم أخبر عن ذنوبهم فقال تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يعني: أنهم استحلوا الصيد في يوم السبت.

وقال: يعتدون في يوم السبت.

وأصل الاعتداء هو الظلم.

يقال: عدوت على فلان إذا ظلمته واعتديت عليه.

ثم قال: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً يعني: يوم استراحتهم شوارع في الماء وهو جمع الشارع وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ يعني: إذا لم يكن يوم السبت ويوم الراحة لا تأتيهم.

وإنما تم الكلام عند قوله: تَأْتِيهِمْ ثم ابتدأ فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ يعني: هكذا نختبرهم.

وقال بعضهم: إنما يتم الكلام عند قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك يعني: لا تأتيهم كما تأتيهم يوم السبت لأن في يوم السبت تأتيهم الحيتان شارعات من أسفل الماء إلى أعلاه وفي سائر الأيام يأتيهم القليل، ولا يأتيهم كما يأتيهم في يوم السبت.

ثم ابتداء الكلام فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: نختبرهم بما كانوا يعصون الله تعالى.

ثم قال عز وجل: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ أي عصبة وجماعة منهم وهي الظلمة للأمة الواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ لأن الواعظة نهوهم عن أخذ الحيتان، وخوفوهم، فرد عليهم الظلمة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ قرأ عاصم في إحدى الروايتين مَعْذِرَةً بالنصب يعني: نعتذر إلى ربكم.

وقرأ الباقون مَعْذِرَةً بالضم يعني: هي معذرة يعني: لا ندع الأمر بالمعروف حتى نكون معذورين عند الله تعالى وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لعلهم ينتهون فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: تركوا ما وعظوا به أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: عذبنا الذين تركوا أمر الله بِعَذابٍ بَئِيسٍ يعني: شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: يعصون ويتركون أمر الله تعالى.

وقال ابن عباس-  ما-: كان القوم ثلاثة فرق.

فرقة كانوا يصطادون.

وفرقة كانوا ينهون.

وفرقة لم ينهوا ولم يستحلوا وقالوا للواعظة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ.

وروى أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: أتيت ابن عباس وهو يقرأ في المصحف ويبكي فدنوت منه حتى أخذت بلوحي المصحف وقلت: ما يبكيك قال: تبكيني هذه السورة وهو يقرأ سورة الأعراف.

وقال: هل تعرف أيلة؟

قلت: نعم.

قال: إن الله تعالى أسكنها حياً من اليهود، وابتلاهم بحيتان حرمها عليهم يوم السبت وأحلها لهم في سائر الأيام.

فإذا كان يوم السبت خرجت إليهم الحيتان.

فإذا ذهب السبت غابت في البحر حتى يغوص لها الطالبون، وإن القوم اجتمعوا واختلفوا فيها.

فقال فريق منهم: إنما حرمت عليكم يوم السبت أن تأكلوها فصيدوها يوم السبت، وكلوها في سائر الأيام.

وقال الآخرون: بل حرم عليكم أن تصيدوها أو تنفروها أو تؤذوها.

وكانوا ثلاث فرق: فرقة على أَيمانهم، وفرقة على شمائلهم، وفرقة على وسطهم فقالت الفرقة اليمنى فجعلت تنهاهم في يوم السبت، وجعلت تقول: الله يحذركم بأس الله.

وأما الفرقة اليسرى فأمسكت أيديها، وكفت ألسنتها.

وأما الوسطى فوثبت على السمك تأخذه.

وجعلت الفرقة الأخرى التي كفت أيديها، وألسنتها، ولم تتكلم.

تقول: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فقال: الَّذِينَ يَنْهَوْنَ مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فدخل الذين أصابوا السمك إلى المدينة، وأبى الآخرون أن يدخلوا معهم فغدا هؤلاء الذين أبوا أن يدخلوا المدينة.

فجعلوا ينادون من فيها فلم يجبهم أحد.

فقالوا: لعل الله خسف بهم، أو رموا من السماء بحجارة، فارفعوا رجلاً ينظر، فجعلوا رجلاً على سلم فأشرف عليهم، فإذا هم قردة تتعادى ولها أذناب قد غيّر الله تعالى صورهم بصنيعهم.

فصاح إلى القوم فإذا هم قد صاروا قردة، فكسروا الباب، ودخلوا منازلهم، فجعلوا لا يعرفون أنسابهم، ويقولون لهم: ألم ننهكم عن معصية الله تعالى ونوصيكم؟

فيشيرون برءوسهم بلى ودموعهم تسيل على خدودهم.

فأخبر الله تعالى أنه أنجى الذين ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا.

قوله: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ.

ولا يدرى ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يأخذوا.

وقال عكرمة: بل أهلكهم الله لأنه أنجى الذين ينهون عن السوء.

وأهلك الفريقين الآخرين.

فوهب له ابن عباس بردة بهذا الكلام.

وروي في رواية أُخرى أنهم كانوا يأخذون الحظائر والحياض بجنب البحر، ويسيلون الماء فيها يوم السبت من البحر حتى يدخل فيها السمك، ويأخذونه في يوم الأحد فقالوا: إنا نأخذه في يوم الأحد.

فلما لم يعذبوا استحلوا الأخذ في يوم السبت من البحر وقالوا: إنما حرم الله على أبنائنا ولم يحرم علينا فنهاهم الصلحاء فلم يمتنعوا، فضربوا حائطاً بينهم، وصارت الواعظة في ناحية، والذين استحلوا في ناحية والحائط بين الفريقين.

فأصبحوا في يوم من الأيام ولم يفتح الباب الذي بينهما، فارتقى واحد منهم الحائط، فإذا القوم قد مسخوا إلى قردة.

وقال بعضهم: كان القوم أربعة أصناف صنف يأخذون، وصنف يرضون، وصنف ينهون، وصنف يسكتون، فنجا صنفان، وهلك صنفان.

قال بعضهم: كانوا صنفين صنف يأخذون، وصنف ينهون.

وروى قتادة عن ابن عباس-  - أنه قال: كانوا ثلاث فرق فهلك الثاني، ونجا الثالث، والله أعلم ما فعل بالفرقة الثالثة.

قرأ نافع بعذاب بِيْس بكسر الباء وسكون الياء بلا همز.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بعذاب بَيْأَس بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة.

وقرأ الباقون: بِعَذابٍ بَئِيسٍ بنصب الباء وكسر الياء والهمزة وسكون الياء وهي اللغة المعروفة، والأولى لغة لبعض العرب.

ثم قال: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ يعني: تركوا ما وعظوا به قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يعني: صاغرين مبعدين عن رحمة الله.

قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ يعني: أعلم ربك ويقال: قال ربكم وكل شيء في القرآن تأذن فهو إعلام.

ومعناه قال: لَيَبْعَثَنَّ أي ليسلطن عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي على بني إسرائيل، والذين لا يؤمنون بمحمد  مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يعذبهم بالجزية والقتل إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ إذا عاقب من أصرّ على كفره وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ لمن تاب من الشرك رَحِيمٌ بعد ذلك.

ثم قال: وَقَطَّعْناهُمْ أي فرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً أي فرقاً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ أي المؤمنون وهم مؤمنوا أهل الكتاب.

ويقال: هم الذين وراء رمل عالج وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وهم الكفار منهم وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ يعني: اختبرناهم بالخصب والجدوبة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ من الكفر إلى الإيمان.

ثم قال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ يعني: بعد بني إسرائيل خلف السوء وَرِثُوا الْكِتابَ يعني: التوراة يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى يقول: يستحلون أخذ الحرام من هذه الدنيا وهو الرشوة في الحكم وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا قال مجاهد: يعني: يأخذون ما يجدون حلالاً أو حراماً ويتمنَّون المغفرة وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي وإن يجدوا مثله من العرض يأخذوه.

ويقال: معناه أنهم يصرون على الذنوب وأكل الحرام، فإذا أخذوا أول النهار يعودون إليه في آخر النهار ولا يتوبون عنه.

ويقال: يطلبون بعلمها الدنيا.

ويقال: يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا هذه المرة.

وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ويقولون مثل ذلك: أي سيغفر لنا لأنا لا نشرك بالله شيئاً.

وقال سعيد بن جبير: يأخذون عرض هذا الأدنى.

يقول: يعملون بالذنوب.

ويقولون: سيغفر لنا ما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار.

وما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل.

وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ يعني: الذنوب.

قال الله تعالى: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعني: ألم يؤخذ عليهم ميثاقهم في التوراة أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي: إلا الصدق وَدَرَسُوا مَا فِيهِ أي قرءوا ما فيه وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي: يتقون الشرك، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الآخرة خير من الدنيا.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ ما يدرسون من الكتاب.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ أن الإصرار على الذنوب ليس من علامة المغفورين، قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص أَفَلاَ تَعْقِلُونَ بالتاء على وجه المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ يعني: يعملون بالتوراة ولا يغيرونها عن مواضعها وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلاة المفروضة إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ يعني: عمل الموحدين وهم الذين يمسكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر يُمَسِّكُونَ بالتخفيف.

وقرأ الباقون يُمَسِّكُونَ بالتشديد على معنى المبالغة.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومعنى قوله كَذلِكَ الإشارةُ إلى أمر الحُوت، وفِتنَتِهِمْ به، هذا على من وَقَفَ على تَأْتِيهِمْ، ومن وقف على كَذلِكَ، فالإشارة إِلى كثرة الحيتانِ شُرَّعاً، أي: فما أتى منها يوم لا يسبتون، فهو قليل، ونَبْلُوهُمْ، أي: نمتحنهم بِفِسْقهم وعِصْيانهم، وقد تقدَّم في «البقرة» قصصهم.

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً.

قال جمهور المفسِّرين: إن بني إِسرائيل افترقت ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ عصَتْ، وفرقةٌ نهَتْ، وجاهَرَتْ وتكلَّمَت واعتزلت، وفرقةٌ اعتزلت، ولم تَعْصِ ولم تَنْهِ، وأن هذه الفرقة لما رأتْ مجاهرة الناهية، وطُغيانَ العاصيةِ وعَتُوَّهَا، قالَتْ للناهية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً، يريدونّ: العاصيةَ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إِلى اللَّه، أي: إِقامة عُذْر، ومعنى مُهْلِكُهُمْ، أيُّ: في الدنيا، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، [أي] : في الآخرةِ، والضمير في قوله: نَسُوا للمَنْهِيين، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسياناً مبالغةً، و «ما» في قوله: مَا ذُكِّرُوا بِهِ بمعنى الَّذي، والسُّوءِ: لفظ عامٌّ في جميع المعاصي إِلاَّ أنَّ الذي يختصُّ هنا بحَسَب قصص الآيةِ هو صيد الحوت، والَّذِينَ ظَلَمُوا: هم العاصُونَ، وقوله: بِعَذابٍ بَئِيسٍ معناه: مؤلمٌ موجِعٌ شديدٌ، واختلف في الفرقة التي لم تعص ولم تنه، فقيل: نجت مع الناجين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين.

وقوله: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، أي: لأجل ذلك، وعقوبةً عليه، والعُتُوُّ الاستعصاء وقلَّة الطواعية.

وقوله سبحانه: قُلْنا لَهُمْ كُونُوا، يحتمل أن يكون قولاً بلفظ مِنْ مَلَك أسْمَعَهم فكَانَ أذْهَبَ في الإِعراب والهَوْلِ والإِصغارِ، ويحتمل أن يكون عبَارةً عن القدرة المكوّنة لهم قردة، وخاسِئِينَ: معناه مبعَدِين ف «خاسئين» خبر بعد خبرٍ، فهذا اختيار أبي الفَتْح، وضعَّف الصفَة، فرُوِيَ أنَّ الشباب منهم مُسِخُوا قردةً، والرجالَ الكبارَ مسخوا خنازير.

وقوله سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ معنى هذه الآية: وإِذْ علم اللَّه لَيَبْعَثَنَّ، وتقتضي قوَّة الكلام أنَّ ذلك العلْمَ منه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: افْتَرَقَ أهْلُ القَرْيَةِ ثَلاثَ فِرَقٍ؛ فِرْقَةً صادَتْ وأكَلَتْ، وفِرْقَةً نَهَتْ وزَجَرَتْ، وفِرْقَةً أمْسَكَتْ عَنَ الصَّيْدِ، وقالَتْ لَلْفِرْقَةِ النّاهِيَةِ: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ﴾ لامُوهم عَلى مَوْعِظَةِ قَوْمٍ يَعْلَمُونَ أنَّهم غَيْرُ مُقْلِعِينَ، فَقالَتِ الفِرْقَةُ النّاهِيَةُ: ﴿ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَعْذِرَة رَفْعًا، أيْ: مَوْعِظَتُنا إيّاهم مَعْذِرَةٌ، والمَعْنى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ واجِبٌ عَلَيْنا، فَعَلَيْنا مَوْعِظَةُ هَؤُلاءِ عُذْرًا إلى اللَّهِ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مَعْذِرَة نَصْبًا، وذَلِكَ عَلى مَعْنى نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً.

﴿ وَلَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ أيْ: وجائِزٌ أنْ يَنْتَفِعُوا بِالمَوْعِظَةِ فَيَتْرُكُوا المَعْصِيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا عَتَوْا عن ما نُهُوا عنهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٍ عَصَتْ وصادَتْ، وفِرْقَةٍ نَهَتْ وجاهَرَتْ وتَكَلَّمَتْ واعْتَزَلَتْ، وفِرْقَةٍ اعْتَزَلَتْ ولَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، وإنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ لِما رَأتْ مُجاهَرَةَ الناهِيَةِ وطُغْيانَ العاصِيَةِ وعُتُوَّها قالَتْ لِلنّاهِيَةِ "لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا" يُرِيدُونَ العاصِيَةَ "اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ" عَلى غَلَبَةِ الظَنِّ وما عُهِدَ مِن فِعْلِ اللهِ حِينَئِذٍ بِالأُمَمِ العاصِيَةِ، فَقالَتِ الناهِيَةُ" مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللهِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ بَعْدَ هَذا فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِيَةِ عُقُوبَةً عَلى تَرْكِ النَهْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا: ما أدْرِي ما فُعِلَ بِهِمْ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ بَلْ نَجَتْ مَعَ الناهِيَةِ لِأنَّها لَمْ تَعْصِ ولا رَضِيَتْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ فِيما أسْنَدَ عنهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ تَفْتَرِقْ إلّا فِرْقَتَيْنِ، فَرِقَّةً عَصَتْ وجاهَرَتْ، وفِرْقَةً نَهَتْ وغَيَّرَتْ واعْتَزَلَتْ، وقالَتْ لِلْعاصِيَةِ: إنَّ اللهَ يُهْلِكُهم ويُعَذِّبُهُمْ، فَقالَتْ أُمَّةٌ مِنَ العاصِينَ لِلنّاهِينَ -عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ-: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ اللهَ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، وتُؤَيِّدُهُ الضَمائِرُ في قَوْلِهِ: "إلى رَبِّكم ولَعَلَّهُمْ" فَهَذِهِ المُخاطَبَةُ تَقْتَضِي مُخاطِبًا ومُخاطَبًا ومَكْنِيًّا عنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَعْذِرَةٌ" بِالرَفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ أيْ إقامَةُ عُذْرٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مَعْذِرَةً" بِالنَصْبِ، أيْ: وعَظْنا مَعْذِرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّتُها أنْ سِيبَوَيْهِ قالَ: لَوْ قالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مَعْذِرَةً إلى اللهِ وإلَيْكَ مِن كَذا لَنَصَبَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الرَجُلُ القائِلُ في هَذا المِثالِ مُعْتَذِرٌ عن نَفْسِهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الناهُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَتَأمَّلْ.

ومَعْنى "مُهْلِكُهُمْ" في الدُنْيا أو "مُعَذِّبُهُمْ" في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَعَلَّهم يَتَّقُونَ" يَقْتَضِي التَرَجِّيَ المَحْضَ لِأنَّهُ مِن قَوْلِ آدَمِيِّينَ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "نَسُوا" لِلْمَنهِيِّينَ، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسْيانًا إذْ أقْوى مَنازِلِ التَرْكِ أنْ يَنْسى المَتْرُوكُ.

و"ما" في قَوْلِهِ: "ما ذُكِّرُوا بِهِ" مَعْنى الَّذِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِكْرُ نَفْسُهُ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ ما كانَ فِيهِ الذِكْرُ، والسُوءُ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي إلّا أنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ هُنا بِحَسِبِ قَصَصِ الآيَةِ صَيْدُ الحُوتِ.

و"الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُمُ العاصُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِعَذابٍ بَئِيسٍ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٍ مُوجِعٍ شَدِيدٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ - أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وغَيْرُهُما- "بِيسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ وتَنْوِينِها، وهَذا عَلى أنَّهُ فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، كَقَوْلِهِ  « "أنْهاكم عن قِيلٍ وقالَ"».

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِئْسَ" كَما تَقُولُ: بِئْسَ الرَجُلُ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو: ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ "بِئْسَ" بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الباءِ والسِينِ.

وقَرَأ نافِعٌ -فِيما يَرْوِي عنهُ خارِجَةُ -: "بَيْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ مُنَوَّنَةً.

ورَوى مالِكُ بْنُ دِينارٍ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ "بَيْسٍ" عَلى مُثُلِ جَمَلٍ وجَبَلٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ المُقْرِي: "بَئِسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وسِينٍ مُنَوَّنَةٍ عَلى وزْنِ فَعِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ الرُقَيّاتِ: لَيْتَنِي ألْقى رُقَيَّةَ في ∗∗∗ خَلْوَةٍ مِن غَيْرِ ما بَئِسْ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وطَلْحَةِ بْنِ مُصَرِّفٍ.

ورُوِيَ عن نَصْرٍ "بَيِسْ" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ "بَئِّسٍ" الباءُ مَفْتُوحَةٌ والهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ والسِينُ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَئِّسَ" الَّتِي قَبْلُ إلّا فَتْحَ السِينِ، ذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِي عَمّا حَكى يَعْقُوبُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ أبِي قُرَّةَ عنهُ- وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ- "بَئِيسٍ" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ والسِينِ المُنَوَّنَةِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ.

وهَذا وصْفٌ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: "عَذِيرَ الحَيِّ" والنَذِيرَ والنَكِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، ومُجاهِدٍ، وأهْلِ الحِجازِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، والأعْمَشِ، وهي الَّتِي رَجَّحَ أبُو حاتِمٍ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الإصْبَعِ العُدْوانِيِّ: حَنِقًا عَلَيَّ ولا أرى ∗∗∗ ∗∗∗ لِي مِنهُما شَرًّا بَئِيسا وَقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ "بِئِيسٍ" كالأوَّلِ إلّا كَسْرَ الباءِ، عَلى وزْنِ فِعِيلٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "بَيْئَسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى وزْنِ فَيْعْلٍ، ومَعْناهُ: شَدِيدٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ: كِلاهُما كانَ رَئِيسًا بَيْئَسا ∗∗∗ ∗∗∗ يَضْرِبُ في يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا فَهِيَ صِفَةٌ كَضَيْغَمٍ وحَيْدَرٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ عنهُ-: "بَيْئِسٍ" كالَّتِي قَبْلُ إلّا كَسْرَ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ، وهَذا شاذٌّ لِأنَّهُ لا يُوجَدُ فَيْعِلٌ في الصَحِيحِ، وإنَّما يُوجَدُ في المُعْتَلِّ مِثْلُ سَيِّدٍ ومَيِّتٍ.

وقالَ الزَهْراوِيُّ: رَوى نَصْرٌ عن عاصِمٍ: "بَيِّسٍ" عَلى مِثالِ "مَيِّتٍ"، وهَذا عَلى أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ، ولا أصْلَ لَهُ في الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمَ عاصِمٌ أنَّ الحَسَنَ والأعْمَشَ قَرَأا: "بِئْيَسٍ" الباءُ مَكْسُورَةٌ والهَمْزَةُ ساكِنَةٌ والياءُ مَفْتُوحَةٌ عَلى مِثالِ خِدْيَمٍ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَبْعَةِ: "بِئْسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ وتَنْوِينِ السِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الألِفِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بائِسٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيَسَ" بِفَتْحِ الباءِ والياءِ والسِينِ عَلى وزْنِ فَعَلَ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "بَأْسَ" بِفَتْحِ الباءِ والسِينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَعْلَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" مَصْرُوفًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ "بَيَسٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ "بِئْسَ" ويُهْمَزُ هَمْزًا خَفِيفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ أو ساكِنَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "بِما كانُوا يَفْسُقُونَ" أيْ لِأجْلِ ذَلِكَ وعُقُوبَةً عَلَيْهِ.

والعُتُوُّ: الِاسْتِعْصاءُ وقِلَّةُ الطَواعِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْنا لَهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا بِلَفْظٍ مِن مَلَكٍ أسْمَعَهم ذَلِكَ، فَكانَ أذْهَبَ في الإغْرابِ والهَوانِ والإصْغارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ المَقْدِرَةِ المُكَوِّنَةِ لَهم قِرَدَةً، و"خاسِئِينَ" مُبْعَدِينَ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ  لِابْنِ صَيّادٍ: "اخْسَأْ"»، وكَما يُقالُ لِلْكَلْبِ: اخْسَأْ، فَـ "خاسِئِينَ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، هَذا اخْتِيارُ أبِي الفَتْحِ، وضَعَّفَ الصِفَةَ، وكَذَلِكَ هُوَ، لِأنَّ القَصْدَ لَيْسَ التَشْبِيهَ بِقِرْدَةٍ مُبْعَداتٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خاسِئِينَ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "كُونُوا"، والصِفَةُ أيْضًا مُتَوَجِّهَةٌ مَعَ ضَعْفِها، ورُوِيَ أنَّ الشَبابَ مِنهم مُسِخُوا قِرَدَةً والرِجالَ الكِبارَ مُسِخُوا خَنازِيرَ، ورُوِيَ أنَّ مَسْخَهم كانَ بَعْدَ المَعْصِيَةِ في صَيْدِ الحُوتِ بِعامَيْنِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: إنَّ إهْلاكَهم كانَ في زَمَنِ داوُدَ، ورُوِيَ أنَّ الناهِينَ قَسَمُوا المَدِينَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ بِجِدارٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا لَيْلَةَ أُهْلِكَ العاصُونَ، لَمْ يُفْتَحْ بابُ مَدِينَةِ العاصِينَ حَتّى ارْتَفَعَ النَهارُ، فاسْتَرابَ الناهُونَ لِذَلِكَ، فَطَلَعَ أحَدُ الناسِ عَلى السُورِ فَرَآهم مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً تَتَواثَبُ، فَصاحَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ يَعْرِفُ الرَجُلُ قَرابَتَهُ ويَعْرِفُ القِرْدُ أيْضًا كَذَلِكَ قَرابَتَهُ، ويَنْضَمُّونَ إلى قَرابَتِهِمْ فَيَتَحَسَّرُونَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِرَدَةُ مِن نَسْلِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعَلَّقَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ النَبِيِّ  : « "إنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ، وما أراها إلّا الفَأْرَةَ إذا قُرِّبَ لَها لَبَنٌ لَمْ تَشْرَبْ"،» وبَقَوْلِهِ  في الضَبِّ.

وَقَصَصُ هَذا الأمْرِ أكْثَرُ مِن هَذا لَكِنِ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ عَلى عُيُونِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة: ﴿ وإذ قالت أمة منهم ﴾ عطف على قوله: ﴿ إذ يعدون ﴾ [الأعراف: 163] والتقدير: واسألَ بني إسرائيل إذ قالت أمة منهم، فإذْ فيه اسم زمان للماضي وليست ظرفاً، ولها حكم ﴿ إذْ ﴾ [الأعراف: 163] أختها، المعطوفة هي عليها، فالتقدير: واسألهم عن وقت قالت أمة، أي عن زمنَ قول أمة منهم، والضمير المجرور بمن عائِد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ أسألهم ﴾ [الأعراف: 163] وليس عائداً إلى القرية، لأن المقصود توبيخ بني إسرائيل كلهم، فإن كان هذا القول حصل في تلك القرية كما ذكره المفسرون كان غير منظور إلى حصوله في تلك القرية، بل منظوراً إليه بأنه مظهر آخر من مظاهر عصيانهم وعتوهم وقلة جدوى الموعظة فيهم، وأن ذلك شأن معلوم منهم عند علمائهم وصلحائهم، ولذلك لما عطفت هذه القصة أعيد معها لفظ اسم الزمان فقيل: ﴿ وإذْ قالت أمة ﴾ ولم يقل: وقالت أمة.

والأمة الجماعة من الناس المشتركة في هذا القول، قال المفسرون: إن أمة من بني إسرائيل كانت دائبة على القيام بالموعظة والنهى عن المنكر، وأمة كانت قامت بذلك ثم أيست من إتعاظ الموعوظين وأيقنت أن قد حقت على الموعوظين المصمين آذانهم كلمة العذاب، وأمة كانت سادرة في غلوائها، لا ترعوي عن ضلالتها، ولا ترقب الله في أعمالها.

وقد أجملت الآية ما كان من الأمة القائلة إيجازاً في الكلام، اعتماداً على القرينة لأن قولهم: ﴿ الله مهلكهم ﴾ يدل على أنهم كانوا منكرين على الموعوظين، وإنهم ما علموا أن الله مهلكهم إلاّ بعدَ أن مارسوا أمرهم، وسبروا غورهم، ورأوا أنهم لا تغني معهم العظات، ولا يكون ذلك إلاّ بعد التقدم لهم بالموعظة، وبقرينة قوله بعد ذلك ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ إذ جعل الناس فريقين، فعلمنا أن القائلين من الفريق الناجي، لأنهم ليسوا بظالمين، وعلمنا أنهم ينهون عن السوء.

وقد تقدم ذكر الوعظ عند قوله تعالى: ﴿ فأعرض عنهم وعظْهم ﴾ في سورة النساء (63) وعند قوله آنفاً ﴿ موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴾ في هذه السورة (145).

واللام في ﴿ لمَ تعظون ﴾ للتعليم، فالمستفهم عنه من نوع العلل، والاستفهام إنكاري في معنى النفي، فيدل على انتفاء جميع العلل التي من شأنها أن يوعظَ لتحصيلها، وذلك يفضي إلى اليأس من حصول إتعاظهم، والمخاطب ب ﴿ تعظون ﴾ أمة أخرى.

ووصف القوم بأن الله مهلكهم: مبني على أنهم تحققتْ فيهم الحال التي أخبر الله بأنه يهلك أو يعذب من تحققتْ فيه، وقد أيقن القائلون بأنها قد تحققت فيهم، وأيقن المقول لهم بذلك حتى جاز أن يصفهم القائلون للمخاطبين بهذا الوصف الكاشف لهم بأنهم موصوفون بالمصير إلى أحد الوعيدين.

واسما الفاعل في قوله: ﴿ مهلكهم أو معذبهم ﴾ مستعملان في معنى الاستقبال بقرينة المقام، وبقرينة التردد بين الإهلاك والعذاب، فإنها تؤذن بأن أحد الأمرين غير معين الحصول، لأنه مستقبل ولكن لا يخلو حالهم عن أحدهما.

وفصلت جملة ﴿ قالوا ﴾ لوقوعها في سياق المحاورة، كما تقدم غير مرة أي قال المخاطبون بِ ﴿ لمَ تعظون قوماً ﴾ الخ.

والمعذرة بفتح الميم وكسر الذال مصدر ميمي لفعل (اعتذر) على غير قياس، ومعنى اعتذر أظهر العذر بضم العين وسكون الذال والعذر السبب الذي تبطل به المؤاخذة بذنب أو تقصير، فهو بمنزلة الحجة التي يبديها المؤاخَذ بذنب؛ ليظهر أنه بريء مما نسب إليه، أو متأول فيه، ويقال: عذَره إذا قبل عذره وتحقق براءته، ويعدّى فعل الاعتذار بإلى لما فيه من معنى الإنهاء والإبلاغ.

وارتفع ﴿ معذرة ﴾ على أنه خبر لمبتدإ محذوف دل عليه قول السائلين ﴿ لم تعظون ﴾ والتقديرُ موعظتنا معذرة منا إلى الله.

وبالرفع قرأه الجمهور، وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على المفعول لأجله أي وعظناهم لأجل المعذرة.

وقوله: ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ علة ثانية للاستمرار على الموعظة أي رجاء لتأثير الموعظة فيهم بتكرارها.

فالمعنى: أن صلحاء القوم كانوا فريقين.

فريق منهم أيِس من نجاح الموعظة وتحقق حلول الوعيد بالقوم، لتوغلهم في المعاصي، وفريق لم ينقطع رجاؤُهم من حصول أثر الموعظة بزيادة التكرار، فأنكر الفريقُ الأول على الفريق الثاني استمرارهم على كلفة الموعظة.

واعتذر الفريق الثاني بقولهم: ﴿ معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ﴾ فالفريق الأول أخذوا بالطرف الراجح الموجب للظن.

والفريق الثاني أخذوا بالطرف المرجوح جمعاً بينه وبين الراجح لقصد الاحتياط، ليكون لهم عذراً عند الله إن سألهم لماذا أقلعتم عن الموعظة ولما عسى أن يحصل من تقوى الموعوظين بزيادة الموعظة، فاستعمال حرف الرجاء في موقعه، لأن الرجاء يقال على جنسه بالتشكيك فمنه قوي ومنه ضعيف.

وضمير ﴿ نسوا ﴾ عائد إلى ﴿ قوماً ﴾ والنسيان مستعمل في الإعراض المفضي إلى النسيان كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فلما نسوا ما ذُكروا به ﴾ في سورة الأنعام (44).

والذين ينهون عن السوء } هم الفريقان المذكوران في قوله آنفاً ﴿ وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً ﴾ إلى قوله ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ، و ﴿ الذين ظلموا ﴾ هم القوم المذكورون في قوله: ﴿ قوماً الله مُهلكهم ﴾ إلخ.

والظلم هنا بمعنى العصيان، وهو ظلم النفس، حق الله تعالى في عدم الامتثال لأمره.

و ﴿ بِيسٍ ﴾ قرأه نافع وأبو جعفر بكسر الباء الموحدة مشبعة بياء تحتية ساكنة وبتنوين السين على أن أصله بئْس بسكون الهمزة فخففت الهمزة ياء مثل قولهم: ذِيب في ذِئْب.

وقرأه ابن عامر ﴿ بئْس ﴾ بالهمزة الساكنة وإبقاء التنوين على أن أصله بَئيس.

وقرأه الجمهور ﴿ بَئيس ﴾ بفتح الموحدة وهمزة مكسورة بعدها تحتية ساكنة وتنوين السين على أنه مثالُ مبالغة من فعل بَؤُس بفتح الموحدة وضم الهمزة إذا أصابه البؤس، وهو الشدة من الضر.

أو على أنه مصدر مثل عَذير ونَكير.

وقرأه أبو بكر عن عاصم ﴿ بَيْئسَ ﴾ بوزنَ صَيْقل، على أنه اسم للموصوف بفعل البؤس مبالغة، والمعنى، على جميع القراءات: أنه عذاب شديد الضر.

وقوله: ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ تقدم القول في نظيره قريباً.

وقد أجمل هذا العذاب هنا، فقيل هو عذاب غير المسخ المذكور بعده، وهو عذاب أصيب به الذين نَسوا ما ذُكروا به، فيكون المسخ عذاباً ثانياً أصيب به فريق شاهدوا العذاب الذي حل بإخوانهم، وهو عذاب أشد، وقع بعد العذاب البيس، أي أن الله أعذر إليهم فابتدأهم بعذاب الشدة، فلما لم ينتهوا وعتوا، سلّط عليهم عذاب المسخ.

وقيل: العذاب البِئس هو المسخ، فيكون قوله: ﴿ فلما عتوا عما نهوا عنه ﴾ بياناً»جمال العذاب البئس، ويكون قوله: ﴿ فلما عتوا ﴾ بمنزلة التأكيد لقوله: ﴿ فلما نسوا ﴾ صيغ بهذا الأسلوب لتهويل النسيان والعتو، ويكون المعنى: أن النسيان، وهو الإعراض، وقع مقارناً للعتو.

و ﴿ ما ذكّروا به ﴾ و ﴿ ما نُهوا عنه ﴾ ما صْدَقُهما شيء واحد، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: فلما نسوا وَعتوا عما نهوا عنه وذُكروا به قلنا لهم الخ، فعدل عن مقتضى الظاهر إلى هذا الأسلوب من الإطناب لتهويل أمر العذاب، وتكثير أشكاله، ومقام التهويل من مقتضيات الأطناب، وهذا كإعادة التشبيه في قول لبيد: فتنازعا سبطاً يطير ظلاله *** كدخان مُشعَلة يشبّ ضرامها مشمولةٍ غُلِثت بنابت عَرفج *** كدُخان نار ساطع أسنامها ولكن أسلوب الآية أبلغ وأوفر فائدة، وأبعد عن التكرير اللفظي، فما في بيت لبيد كلامٌ بليغ، وما في الآية كلام معجز.

و (العتو) تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فعقروا الناقة وعَتوا عن أمر ربهم ﴾ في هذه السورة (77).

وقوله: ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ تقدم القول في نظيره عند قوله تعالى: ﴿ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين ﴾ في سورة البقرة (65)، ولأجل التشابه بين الآيتين، وذكر العدْوِ في السبت فيهما، وذكرِه هنا في الإخبار عن القرية، جزم المفسرون بأن الذين نسوا مَا ذكروا به وعتوا عما نهوا عنه هم أهل هذه القرية، وبأن الأمة القائلة ﴿ لم تعظون قوماً ﴾ هي أمة من هذه القرية فجزموا بأن القصة واحدة، وهذا وإن كان لا ينبو عنه المقام، كما أنه لا يمنعُ تشابه فريقين في العذاب، فقد بينتُ أن ذلك لا ينافي جعل القصة في معنى قصتين من جهة الاعتبار.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ نَسُوا يَعْنِي تَرَكُوا، واَلَّذِي ذُكِّرُوا بِهِ أنْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.

﴿ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ.

﴿ وَأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ وهُمُ الَّذِينَ تَرَكُوا المَعْرُوفَ وفَعَلُوا المُنْكَرَ.

﴿ بِعَذابٍ بَئِيسٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: شَدِيدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: رَدِيءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ العَذابُ المُقْتَرَنُ بِالفَقْرِ وهو البُؤْسُ.

وَأمّا الفِرْقَةُ الثّالِثَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَفْعَلْ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نُجِّيَتْ مَعَ الَّذِينَ نَهَوْا.

والثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: لا أدْرِي ما فُعِلَ بِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس وهو يقرأ هذه الآية ﴿ واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ قال: يا عكرمة، هل تدري أي قرية هذه؟

قلت: لا.

قال: هي أيلة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب ﴿ واسألهم عن القرية ﴾ قال: هي طبرية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد واسألهم عن القرية قال: هي قرية يقال لها مقنا بين مدين وعينونا.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ واسألهم عن القرية ﴾ قال: هي مدين.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ قال: يظلمون.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ شرعاً ﴾ يقول: من كل مكان.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ شرعاً ﴾ قال: ظاهرة على الماء.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ شرعاً ﴾ قال: واردة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ قال: هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها أيلة، فحرَّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت تأتيهم يوم سبتهم شرعاً في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا كذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة فلم يزدادوا إلا غيّاً.

فقالت طائفة من النهاة: تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ وكانوا أشد عضباً من الطائفة الأخرى، وكل قد كانوا ينهون، فما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالتا: لم تعظون؟

والذين ﴿ قالوا: معذرة إلى ربكم ﴾ وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ واسألهم عن القرية...

﴾ الآية.

قال: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت فعظَّموه وتركوا ما أمروا به، فلما ابتدعوا السبت ابتلوا فيه، فحرمت عليهم الحيتان، وهي قرية يقال لها مدين بين أيلة والطور، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر حتى مثله من السبت المقبل، فإذا جاء السبت عادت شرعاً، ثم إن رجلاً منهم أخذ حوتاً فحزمه بخيط ثم ضرب له وتداً في الساحل وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد جاء فأخذه فأكله سراً، ففعلوا ذلك وهم ينظرون لا يتناهون إلا بقية منهم، فنهوهم حتى إذا ظهر ذلك في الأسواق علانية قالت طائفة للذين ينهونهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ قالوا ﴿ معذرة إلى ربكم ﴾ في سخطنا أعمالهم ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ فكانوا أثلاثاً.

ثلثاً نهى، وثلثاً قالوا ﴿ لم تعظون ﴾ وثلثاً أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم، فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم، وقد باتوا من ليلتهم وغلقوا عليهم دورهم، فجعلوا يقولون: إن للناس شأناً فانظروا ما شأنهم، فاطلعوا في دورهم فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه وأنه لقرد، والمرأة بعينها وانها لقردة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يوماً وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس؟

فقال: هؤلاء الورقات.

وإذا في سورة الأعراف قال: تعرف أيلة؟

قلت: نعم.

قال: فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا عليها بعد كد ومؤنة شديدة، وكانت تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سمانا كأنها الماخض، فكانوا كذلك برهة من الدهر ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام.

فقالت: ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت واعتزلت طائفة ذات اليسار، وسكتت وقال الأيمنون: ويلكم...؟

لا تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ قال الأيمنون: ﴿ معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ﴾ ان ينتهوا فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وأن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم.

فمضوا على الخطيئة وقال الأيمنون: قد فعلتم يا أعداء الله، والله لنبايننَّكم الليلة في مدينتكم.

والله ما أراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا فلم يجابوا، فوضعوا سلما وعلوا سور المدينة رجلاً، فالتفت إليهم فقال: أي عباد الله قردة والله تعاوى لها أذناب...

!

ففتحوا فدخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها من الانس ولا تعرف الانس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول ألم ننهكم فتقول برأسها: أي نعم.

ثم قرأ ابن عباس ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ قال: أليم وجيع.

قال: فارى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها.

قلت: أي جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم، وقالوا ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ قال: فأمر بي فكسيت ثوبين غليظين.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كانت قرية على ساحل البحر يقال لها ايلة، وكان على ساحل البحر صنمان من حجارة مستقبلان الماء، يقال لأحدهما لقيم والآخر لقمانة، فأوحى الله إلى السمك، أن حج يوم السبت إلى الصنمين، وأوحى إلى أهل القرية: أني قد أمرت السمك أن يحجوا إلى الصنمين يوم السبت فلا تعرضوا للسمك يوم لا يمتنع منكم، فإذا ذهب السبت فشأنكم به فصيدوه، فكان إذا طلع الفجر يوم السبت أقبل السمك شرعاً إلى الصنمين لا يمتنع من آخذ يأخذه، فظهر يوم السبت شيء من السمك في القرية فقالوا: نأخذه يوم السبت فنأكله يوم الأحد، فلما كان يوم السبت الآخر ظهر أكثر من ذلك، فلما كان السبت الآخر ظهر السمك في القرية، فقام إليهم قوم منهم فوعظوهم فقالوا: اتقوا الله.

فقام آخرون فقالوا ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ﴾ فلما كان سبت من تلك الأسبات فشى السمك في القرية، فقال الذين نهوا عن السوء فقالوا: لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية.

فقيل لهم: لو أصبحتم فانقلبتم بذراريكم ونسائكم.

قالوا: لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية، فإن أصبحنا غدونا فاخرجنا ذرارينا وأمتعتنا من بين ظهرانيكم وكان القوم شاتين، فلما أمسوا أغلقوا أبوابهم فلما أصبحوا لم يسمع القوم لهم صوتاً ولم يروا سرجاً خرج من القرية...

!

قالوا: قد أصاب أهل القرية شر...

!

فبعثوا رجلاً منهم ينظر إليهم، فلما أتى القرية إذا الأبواب مغلقة عليهم، فاطلع في دار فإذا هم قرود كلهم، المرأة أنثى والرجل ذكر، ثم اطلع في دار أخرى فإذا هم كذلك الصغير صغير والكبير كبير، ورجع إلى القوم فقال: يا قوم نزل بأهل القرية ما كنتم تحذرون، أصبحوا قردة كلهم لا يستطيعون أن يفتحوا الأبواب، فدخلوا عليه فإذا هم قردة كلهم، فجعل الرجل يومئ إلى القرد منهم أنت فلان، فيومئ برأسه: نعم.

وهم يبكون فقالوا: أبعدكم الله قد حذرناكم هذا، ففتحوا لهم الأبواب فخرجوا فلحقوا بالبرية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: نجا الناهون وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: والله لئن أكون علمت أن القوم الذين قالوا ﴿ لم تعظون قوماً ﴾ نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحب إلى ما عدل به.

وفي لفظ: من حمر النعم.

ولكني أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: قال ابن عباس: ما أدري انجا الذين قالوا لم تعظون قوماً أم لا؟

قال: فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة.

وأخرج عبد بن حميد عن ليث بن أبي سليم قال: مسخوا حجارة الذين قالوا ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ واسألهم عن القرية...

﴾ الآية.

قال: كان حوتاً حرمه الله عليهم في يوم وأحله لهم فيما سوى ذلك، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم كأنه المخاض ما يمتنع من أحد، فجعلوا يهمون ويمسكون وقلما رأيت أحداً أكثر الأهتمام بالذنب إلا واقعه، فجعلوا يهمون ويمسكون حتى أخذوه فأكلوا بها والله أوخم أكلة أكلها قوم قط أبقاه خزياً في الدنيا وأشده عقوبة في الآخرة، وأيم الله للمؤمن من أعظم حرمة عند الله من حوت، ولكن الله عز وجل جعل موعد قوم الساعة والساعة أدهى وأمر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أخذ موسى عليه السلام رجلاً يحمل حطباً يوم السبت، وكان موسى يسبت فصلبه.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: احتطب رجل في السبت، وكان داود عليه السلام يسبت فصلبه.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش قال: كان حفظي عن عاصم ﴿ بعذاب بئيس ﴾ على معنى فعيل، ثم دخلني منها شك فتركت روايتها عن عاصم وأخذتها عن الأعمش ﴿ بعذاب بئيس ﴾ على معنى فعيل.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ بعذاب بئيس ﴾ قال: لا رحمة فيه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ بعذاب بئيس ﴾ قال: وجيع.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ بعذاب بئيس ﴾ قال: أليم بشدة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: نودي الذي اعتدوا في السبت ثلاثة أصوات، نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة أكثر من الأولى، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقال الله لهم ﴿ كونوا قردة خاسئين ﴾ [ البقرة: 65] فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان ألم ننهكم؟

فيقولون برؤوسهم: أي بلى.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وماهان الحنفي قال: لما مسخوا جعل الرجل يشبه الرجل وهو قرد، فيقال: أنت فلان...؟!

فيومئ إلى يديه بما كسبت يداي.

وأخرج ابن بطة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» .

وأخرج أبو الشيخ عن سفيان قال: قالوا لعبد الله بن عبد العزيز العمري في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تأمر من لا يقبل منك؟

قال: يكون معذرة، وقرأ ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ ﴾ الآية.

قال أهل التفسير (١) ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ﴾ ).

قال الزجاج: (لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير مقلعين، فقالت الفرقة الناهية للذين لاموهم: ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ﴾ ، أي: موعظتنا إياهم ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ﴾ والمعنى: أن الأمر بالمعروف واجب علينا، فعلينا موعظة هؤلاء عذرًا إلى الله تعالى) (٢) و (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ﴾ أي: قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله، فإنا إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر، قلنا: قد فعلنا، فنكون بذلك معذورين.

وقال الأزهري: (المعذرة اسم على مفعلة من عذر يعذر، وأقيم مقام الاعتذار، كأنهم قالوا: موعظتنا اعتذار إلى ربنا، فأقيم الاسم مقام الاعتذار، يقال: اعتذر فلان اعتذارًا وعذرة (٧) (٨) وذكرنا معنى الاعتذار وأصله (٩) (١٠) ﴿ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ ﴾ الآية [التوبة: 66].

وقال ابن الأعرابي: (يقال: لي في هذا الأمر عُذر وعذرى ومعذرة، أي: خروج من الذنب) (١١) قال أبو علي: (لم يريدوا أن يعتذروا عذرًا مستأنفًا من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل لهم ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ﴾ ؟

فقالوا: ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ أي: موعظتنا معذرة (١٢) ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) قال الزجاج (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ .

أي: جائز عندنا أن ينتفعوا بالمعذرة فيتقوا الله ويتركوا العَدْو (١٨) وقال بعضهم (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ لِمَ تَعِظُونَ ﴾ الفرقة المعتدية.

قال الكلبي: (المعتدية نحو من سبعين ألفًا أتاهم طوائف نحو من اثني عشر ألفًا، وهم الذين كرهوا الصيد في السبت، وقالوا: انتهوا قبل أن ينزل بكم العذاب، فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم بأسًا عاجلًا إن لم تنتهوا، فقالوا لهم: فلم تعظوننا إذًا إن كنتم قد علمتم أن الله منزل بنا عذابه) (٢٢) والقول الأول (٢٣) ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ﴾ خطابًا من الناهية المعتدية لقالوا: ولعلكم (٢٤) (١) أخرجه الطبري 9/ 93 - 98 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 239، وابن أبي حاتم 5/ 1600، والحاكم وصححه 2/ 322، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 577، والثعلبي 6/ 14 أ، والماوردي 2/ 272 - 273.

(٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 385، و"تفسير الطبري" 9/ 92، و"معاني النحاس" 3/ 94، و"تهذيب اللغة" 3/ 2365 (عذر).

(٣) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(٤) "الحجة" لأبي علي 4/ 97، و"تفسير الرازي" 15/ 38.

(٥) انظر: "العين" 2/ 93، و"الجمهرة" 2/ 692، و"الصحاح" 2/ 737، و"المجمل" 3/ 654، و"مقاييس اللغة" 4/ 253، و"المفردات" ص 555، و"اللسان" 5/ 2854 (عذر).

(٦) في (ب): (وقيل).

(٧) لفظ: (وعذرة) ساقط من (ب).

(٨) "تهذيب اللغة" 3/ 2365 (عذر).

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) في النسخ عند قوله: "قل ﴿ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ ﴾ "، وهو تحريف وفي سورة التوبة قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ  ﴾ .

(١١) "تهذيب اللغة" 3/ 2365 (عذر).

(١٢) هذا قول سيبويه في "الكتاب" 1/ 320، وحكاه الفارسي في "الحجة" عنه أيضًا 4/ 98، وهذا التوجيه على قراءة الرفع عندهما.

(١٣) قرأ حفص عن عاصم: ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ بالنصب وقرأ الباقون بالرفع، انظر: "السبعة" ص 296، و"المبسوط" ص 186، و"التذكرة" 2/ 427، و"التيسير" ص 114، و"النشر" 2/ 272.

(١٤) "الكتاب" 1/ 320، وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 668.

(١٥) في (ب): (وكذا النصب)، وهو تحريف.

(١٦) "الحجة" لأبي علي 4/ 98، وعليه قراءة الرفع خبر لمبتدأ مضمر أي: موعظتنا معذرة، وعلى قراءة النصب مفعول لأجله، أي: وعظناهم لأجل المعذرة، أو على المصدر أي: نعتذر معذرة، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 427، و"إعراب القراءات" 1/ 410، و"الحجة" لابن خالويه ص 166، و"الحجة" لابن زنجلة ص 300، و"الكشف" 1/ 481، و"الدر المصون" 5/ 495.

(١٧) "معاني الزجاج" 2/ 386، وفيه قال: (ويجوز النصب على معنى يعتذرون معذرة) وانظر: "معاني الفراء" 1/ 398، و"تفسير الطبري" 9/ 93، و"إعراب النحاس" 1/ 645، و"تفسير المشكل" 1/ 304 ، و"البيان" 1/ 376، و"التبيان" 1/ 394، و"الفريد" 2/ 376.

(١٨) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 385.

(١٩) أخرجه الطبري 9/ 92 بسند جيد عن ابن زيد، وانظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 578.

(٢٠) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 239، وحكاه الطبري في "تفسيره" 9/ 92، وهود الهواري 2/ 53 - 54 عن الكلبي.

(٢١) "معاني الزجاج" 2/ 386.

(٢٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 13 - 14، والبغوي 3/ 293، والقرطبي 7/ 307.

(٢٣) هذا قول الثعلبي 6/ 14 أ، ونقله الرازي في "تفسيره" 15/ 39، عن الواحدي، واختاره ابن عطية 6/ 117، والخازن 2/ 303، وقال القرطبي 7/ 307: "القول الأول قول جمهور المفسرين وهو الظاهر من الضمائر في الآية) اهـ.

(٢٤) في (ب): (ولعلهم).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ﴾ للآية: افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عصت يوم السبت بالصيد، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت القوم، وفرقة سكتت واعتزلت، فلم تنه ولم تعص، وأن هذه الفرقة لما رأت مهاجرة الناهية وطغيانَ العاصية قالوا للفرقة الناهية: لم تعظون قوماً يريد الله أن يهلكهم أو يعذبهم، فقالت الناهية: نَنهاهم معذرة إلى الله ولعلهم يتقون، فهلكت الفرقة العاصية، ونجت الناهية، واختلف في الثالثة هل هلكت لسكوتها أو نجت لاعتزالها وتركها العصيان ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ أي شديد وقرئ بالهمز وتركه، وقرئ على وزن فعيل وعلى وزن فيعل وكلها من معنى البؤس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تغفر ﴾ بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: بالنون وكسر الفاء ﴿ خطاياكم ﴾ مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو ﴿ خطيئتكم ﴾ بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر ﴿ خطيئاتكم ﴾ بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث.

﴿ يسبتون ﴾ من الإسبات.

زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل.

الباقون: بالرفع ﴿ يئس ﴾ مثل رئم: أبو جعفر ونافع ﴿ بيِّس ﴾ على فعيل كسيد: ابن عامر ﴿ بيئس ﴾ على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي.

الباقون ﴿ بئيس ﴾ على فعيل.

﴿ تأذن ﴾ بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يمسكون ﴾ من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ أمماً ﴾ ط وإن اتفقت الجملتان لأن ﴿ أوحينا ﴾ عامل ﴿ إذا استسقاه ﴾ دون ﴿ قطعنا ﴾ فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء ﴿ الحجر ﴾ ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست ﴿ عيناً ﴾ ط ﴿ مشربهم ﴾ ط ﴿ والسلوى ﴾ ط ﴿ ما رزقناكم ﴾ ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم ﴿ وما ظلمونا ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ خطيئاتكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله ﴿ وأسألهم ﴾ فإنه محال ﴿ لا تأتيهم ﴾ ج لاحتمال تعلق ﴿ كذلك ﴾ به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت.

والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على ﴿ كذلك ﴾ جائز أيضاً ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وأمماً ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً ﴿ دون ذلك ﴾ ز للعطف على ﴿ قطعنا ﴾ فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ سيغفر لنا ﴾ ج ﴿ يأخذوه ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ﴿ ولا نضيع أجر المصلحين ﴾ ، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين ﴿ واقع بهم ﴾ ط الحق المحذوف ﴿ تتقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم.

ومعنى ﴿ قطعناهم ﴾ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج.

الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟

وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله: بين رماحي مالك ونهشل *** ولهذا أنث اثنتي عشرة وقال الزجاج: المميز محذوف و ﴿ أسباطاً ﴾ نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً.

وقال الفارسي والجوهري: ﴿ أسباطاً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ والمميز كما قال الزجاج.

وقوله ﴿ أمماً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى.

وباقي الآية إلى قوله ﴿ بما كانوا يظلمون ﴾ قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم.

قوله تعالى ﴿ واسئلهم عن القرية ﴾ أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول  من قبل الله  ، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد  أول مناكيرهم.

وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟

وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً.

والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية.

ومعنى ﴿ حاضرة البحر ﴾ قريبة من البحر وعلى شاطئه ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت.

ومحل ﴿ إذ يعدون ﴾ مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله ﴿ إذ تأتيهم ﴾ منصوب بـ ﴿ يعدون ﴾ أو مجرور بدلاً بعد بدل.

والحيتان جمع الحوت وهو السمكة ﴿ شرعاً ﴾ ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض.

وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله  به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن.

قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله  لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور.

والنوع الثالث قوله ﴿ وإذ قالت ﴾ وهو معطوف على ﴿ إذ يعدون ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أمة منهم ﴾ جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ مدمرهم ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح ﴿ قالوا معذرة ﴾ من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله.

والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت ﴿ فلما نسوا ﴾ يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.

والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله ﴿ فلما عتوا ﴾ تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً.

وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله ﴿ فلما نسوا ﴾ والعذاب البئيس هو المسخ.

عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة.

هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر.

وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟

فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ﴾ بزعمكم.

والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية.

والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين ﴿ لم تعظون ﴾ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا.

بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء.

وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى.

وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولانقول شيئاً.

وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي.

ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين.

ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله  أعلم بالسرائر.

النوع الرابع: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله".

فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه ﴿ ليبعثن ﴾ ومعناه التسليط كقوله ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد  ﴾ واختلف في العائد في ﴿ عليهم ﴾ فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً.

وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية.

وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله  ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية.

أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً  فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة.

وقيل: الاستخفاف والإهانة.

وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره.

وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير.

وإذ قد أخبر الله  بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز.

قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين.

النوع الخامس: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة ﴿ منهم الصالحون ﴾ الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين.

وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به.

﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد.

ومحل ﴿ دون ذلك ﴾ رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا ﴿ وبلوناهم ﴾ عاملناهم معاملة المبتلى المختبر ﴿ بالحسنات ﴾ الخصب والعافية ﴿ والسيئات ﴾ بالجدب والشدائد ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم.

فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء.

قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم.

قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها.

يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر.

وفي الإشارة بقوله ﴿ هذا الأدنى ﴾ تحقير وتخسيس.

وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل.

أو دنو الحال وسقوطها وقلتها.

والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ يؤاخذنا الله بما أخذنا.

وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه ﴿ يأخذون ﴾ ، ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.

وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.

ثم بين نكث عهدهم فقال ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ أي التوراة.

ومحل ﴿ ألا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران.

فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق.

ويجوز أن يكون ﴿ ألا يقولوا ﴾ مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة ﴿ ولا يقولوا ﴾ نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟

﴿ ودرسوا ﴾ عطف على ﴿ ألم يؤخذ ﴾ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه.

﴿ والدار الآخرة خير ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ للذين يتقون ﴾ الرشا والمحرمات.

ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراةأتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال ﴿ والذين يمسكون ﴾ الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين.

النوع السادس: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً.

والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه ﴿ فوقهم كأنه ظله ﴾ وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾ علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم.

وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا.

روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ.

وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم.

فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.

ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه.

﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوة ﴾ بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله ﴿ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا  ﴾ واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ما أنتم عليه من الإباء.

التأويل: ﴿ القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ﴾ لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء ﴿ وإذ قالت أمة منها ﴾ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها ﴿ يتقون ﴾ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك ﴿ بعذاب بئيس ﴾ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي ﴿ ليبعثن عليهم ﴾ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ﴿ من يسومهم ﴾ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة ﴿ سوء العذاب ﴾ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان ﴿ وقطعناهم ﴾ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد ﴿ منهم الصالحون ﴾ قابلون لفيض نور الله ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ في القبول ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ وهي الطاعات ﴿ والسيئات ﴾ وهي المعاصي ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ إلى الحق.

وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت.

أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم ﴿ فخلف ﴾ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ وهو ما ألهم الله  الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن.

وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله  بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ ﴾ قال بعض أهل التأويل: القرية التي كانت حاضرة البحر هي أيلة.

وقال آخرون: أريحا.

ولسنا ندري ما تلك القرية، وليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة؛ إذ لا منفعة لنا في معرفتها، ولو كانت لنا حاجة إليها لبين لنا عز وجل.

وقوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ...

﴾ .

أمره بالسؤال عنها، ثم كان هو المبين لهم بقوله: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ ، والسؤال هو الاستخبار، والإخبار أبداً إنما يلزم المسئول دون المستخبر، لكن الاستخبار يكون من وجهين: أحدهما: ابتداء إخبار.

والثاني: طلب التصديق، فهاهنا لم يحتمل ابتداء الخبر، وهو على طلب التصديق؛ كأنه قال: ألم يكن كذا؛ فيقولون: نعم؛ يصدقونه بما يقول لهم.

وقال قائلون: لم يأمره بالسؤال حقيقة، ولكنه على التمثيل؛ كأنه قال: لو سألتهم يقولون لك كذا؛ كقوله: ﴿ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ  ﴾ ليس على الأمر أن اسألهم، ولكن لو سألتهم كان كذا، وأجابوك بكذا، فعلى ذلك هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ ﴾ .

عن ابن عباس -  ما - [قال]: ابتدعوا السبت فعظموه، فابتلوا فيه، فحرمت عليهم فيه الحيتان.

وقال مجاهد: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، فكانت تأتيهم يوم السبت شرعاً بلا مؤنة [ولا] تكلف، ابتلوا به، ولا تأتيهم في غير مثله.

وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ شُرَّعاً ﴾ \[هي\] التي قد دنت من الشط، والواحد: شارع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ .

اي: لا يدخلون في السبت؛ كما يقال: لا يربعون ولا يخمسون، أي: لا يدخلون فيه، [ويسبتون أي يدخلون فيه] وكذلك يربعون ويخمسون.

وقال القتبي: ﴿ شُرَّعاً ﴾ أي: شوارع، ﴿ إِذْ يَعْدُونَ ﴾ أي: يتعدون الحق، ويقال: عدوت على فلان: إذا ظلمته.

وقال الكيساني: يقرأ: ﴿ يَسْبِتُونَ ﴾ بالرفع، ويقرأ بالفتح؛ فيمن قرأها [يسبتون بالفتح أراد سبتوا أي عظموا يقال: سبت يسبت سبتاً وسبوتاً إذا عظم، ومن قرأها برفع الياء أراد أنهم] دخلوا في السبت.

وقال قائلون: قوله: ﴿ شُرَّعاً ﴾ أي: كثيرة، أي: تكثر لهم الحيتان يوم السبت، وهو اليوم الذي حرم عليهم الحيتان، وتقل في غير ذلك.

وقال بعضهم: ابتلاهم الله بتحريم السمك في السبت؛ ليرى الخلق المطيع منهم من العاصي.

وقال قائلون: ابتلاهم بذلك لما كانوا يفسقون في السر؛ ليكون فسقهم وتعديهم ظاهراً عند الخلق كما كان عند الله؛ لئلا يقولوا عند التعذيب إنهم عذبوا بلا ظلم ولا تعد - والله أعلم -.

وذلك قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ .

وقال قائلون في قوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ ﴾ : إنما أمره أن يسألهم أما عذبهم الله بذنوبهم؟

ثم أخبر عن ذنوبهم فقال: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ أي: يعتدون في السبت.

وقوله: ﴿ شُرَّعاً ﴾ أي: شارعات من غمرة الماء، أي: خارجات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ذكر في الأول أنهم كانوا ثلاث فرق: فريق عدوا، وتركوا أمر الله، وارتكبوا ما نهوا عنه.

وفريق نهوا أولئك الذين اعتدوا وانتهكوا حرم الله.

وفريق، قيل: لم يعتدوا، ولم يرتكبوا نهيه، ولا نهوا أولئك الذين اعتدوا، وهم الذين قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً...

﴾ الآية، وكذلك روي عن ابن عباس -  - قال: هم كانوا ثلاث فرق: فرقة وعظت، وفرقة موعوظة، وفرقة ثالثة، وهم الذين قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ﴾ .

وهو ما ذكرنا أنه ذكرهم في الابتداء ثلاث فرق، وذكر في آخر الحال فرقتين: فرقة هي التي هلكت بالاعتداء، وفرقة هي التي نهت ونجت.

ثم اختلف أهل التأويل في الفرقة الثالثة: قال بعضهم: كانوا في الفرقة التي هلكت؛ لوجهين: أحدهما: لما لم ينهوا أولئك الذين اعتدوا، وكان فرض عليهم النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، فإذا لم ينهوا أولئك هلكوا وشركوا في العذاب؛ كقوله: ﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ...

﴾ الآية [المائدة: 63].

والثاني: كانوا معهم لما نهوا الناهين بقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ ﴾ .

وقال قائلون: كانوا في الناجين.

قال الحسن: لأنهم كانوا نهوا أولئك عن الاعتداء والظلم الذي كان منهم، وكان قولهم: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ﴾ بعد ما نهوهم [و] وعظوهم فلم يتعظوا، فإنما قالوا لأولئك: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ﴾ بعد ما نهوا [و] وعظوا، فقالوا: كيف تعظون قوماً لا يتعظون ولا ينتهون، فإنما قالوا ذلك بعد ما نهوا.

وقال قائلون: هذا القول منهم نهي؛ لأنهم أتوا بوعيد شديد بقولهم: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ، فنفس هذا القول منهم نهي وزجر عما ارتكبوا؛ حيث أتوا بالنهاية من الوعيد، وهو الهلاك والعذاب الشديد.

ولكنا لسنا نعلم أنهم كانوا في الهلكى أو في الناجين، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولو كان لنا حاجة إلى ذلك لبينه لنا - عز وجل - ولم يترك ذلك لآرائنا، سوى أنه بين من نجا منهم بالنهي عن الظلم والعدوان، وبين من أهلك وعذب بالظلم والعدوان بقوله: ﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ ﴾ .

قرئ بالرفع والنصب أيضاً ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ فمن قرأ بالرفع أضمر فيه هذه؛ كأنهم قالوا: هذه معذرة إلى ربكم؛ كقوله: ﴿ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا  ﴾ قيل: هذه سورة أنزلناها.

ومن قرأ بالنصب قال: ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ أي: اعتذاراً منهم إلى ربهم ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ عما نهوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ أي: تركوا وأعرضوا عما ذكروا به.

﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ .

قال القتبي: شديد؛ وكذلك قال أبو عوسجة.

وقال غيره: أي: موجع، وهو واحد.

وقال الحسن: ﴿ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ ﴾ على الوقف، ثم قال: ﴿ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ عَتَوْاْ ﴾ أي: استكبروا؛ يقال: عتا يعتوا عتوّاً، وكأن العتو هو النهاية في البأس، فكذلك قيل في قوله: ﴿ عَتَوْاْ ﴾ بائساً، لكن سمي مرة: قساوة، ومرة: استكباراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ .

قال بعضهم: حولت صورتهم وجسدهم صورة القردة، وكانت عقولهم على حالها عقول البشر لم تحول؛ ليعلموا تعذيب الله إياهم وما أصابهم بهتكهم حرم الله.

وقال قائلون: حول طباعهم طباع القردة، وأما الصورة والجسد على حاله.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله: ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ قال بعضهم: هو من خسأ الكلب: صار قاصياً مبعداً، يقال: خسأته.

وقال أبو عوسجة: ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ : مبعدين؛ وكذلك قال في قوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا ﴾ \[المؤمنون: 108\] أي: ابعدوا فيها وارجعوا فيها؛ يقال: خسأت فلاناً وأخسأته، أي: باعدته، فخسأ، أي: تباعد.

وقيل: الخاسئ: الذليل.

وفي قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من القصة وجهان: أحدهما: دليل إثبات الرسالة والنبوة له؛ حيث أخبر عما كان من غير نظر له في كتبهم، ولا اختلاف إلى أحد ممن له علم في ذلك؛ دل أنه إنما عرف [ذلك] بالله  .

والثاني: إنباء عن عواقب الظلمة والفسقة، وما حل بهم بظلمهم وانتهاكهم حرم الله؛ ليكون ذلك زجراً لنا عن ارتكاب مثله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- حين كانت جماعة منهم تنهاهم عن هذا المنكر، وتحذرهم منه، فقالت لها جماعة أخرى: لِمَ تنصحون جماعةً اللهُ مُهْلِكها في الدنيا بما ارتكبته من المعاصي، أو معذبها يوم القيامة عذابًا شديدًا؟

قال الناصحون: نصيحتنا لهم معذرة إلى الله بفعل ما أمرنا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لا يؤاخذنا بترك ذلك، ولعلهم ينتفعون بالموعظة، فيُقْلِعون عما هم فيه من المعصية.

<div class="verse-tafsir" id="91.eWVR2"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله