الآية ١٨ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٨ من سورة الأعراف

قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أكد تعالى ، عليه اللعنة والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى بقوله : ( اخرج منها مذءوما مدحورا ) .

قال ابن جرير : أما " المذءوم " فهو المعيب ، والذأم غير مشدد : العيب .

يقال : " ذأمه يذأمه ذأما فهو مذءوم " ويتركون الهمز فيقولون : " ذمته أذيمه ذيما وذاما ، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم " قال : " والمدحور " : المقصى .

وهو المبعد المطرود .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ما نعرف المذءوم " و " المذموم " إلا واحدا .

وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس : ( اخرج منها مذءوما مدحورا ) قال : مقيتا .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : صغيرا مقيتا .

وقال السدي : مقيتا مطرودا .

وقال قتادة : لعينا مقيتا .

وقال مجاهد : منفيا مطرودا .

وقال الربيع بن أنس : مذءوما : منفيا ، والمدحور : المصغر .

وقوله تعالى : ( لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ) كقوله ( قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ) [ الإسراء : 63 - 65 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن إحلاله بالخبيث عدوِّ الله ما أحلّ به من نقمته ولعنته, وطرده إياه عن جنته, إذ عصاه وخالف أمره, وراجعه من الجواب بما لم يكن له مراجعته به .

يقول: قال الله له عند ذلك: (اخرج منها)، أي من الجنة =(مذؤُومًا مدحورًا)، يقول: مَعِيبًا.

* * * و " الذأم "، العيب.

يقال منه: " ذأمَه يذأمه ذأمًا فهو مذؤوم ", ويتركون الهمز فيقولون: " ذِمْته أذيمه ذيمًا وذامًا ", و " الذأم " و " الذيم "، أبلغ في العيب من " الذمّ"، وقد أنشد بعضهم هذا البيت: (41) صَحِـبْتُكَ إذْ عَيْنِـي عَلَيْهَـا غِشَـاوَةٌ فَلَمَّـا انْجَـلَتْ قَطَّعْـتُ نَفْسِـي أَذِيمُهَا (42) وأكثر الرواة على إنشاده " ألومها ".

* * * وأما المدحور: فهو المُقْصَى, يقال: " دحره يدحَرُه دَحْرًا ودُحُورًا "، إذا أقصاه وأخرجه، ومنه قولهم: " ادحَرْ عنكَ الشيطان ".

(43) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14384- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (اخرج منها مذؤومًا مدحورًا)، يقول: اخرج منها لعينًا منفيًّا.

14385- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " مذؤومًا " ممقوتًا.

14386- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبى قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (قال اخرج منها مذؤومًا)، يقول: صغيرًا منفيًّا.

14387- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (اخرج منها مذؤومًا مدحورًا)، أما " مذؤومًا "، فمنفيًّا, وأما " مدحورا "، فمطرودًا.

14388- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (مذؤومًا)، قال: منفيًّا =(مدحورًا)، قال: مطرودًا.

14389- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: (اخرج منها مذؤومًا)، قال: منفيًّا.

= و " المدحور ", قال: المصغَّر.

14390- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال:، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن يونس وإسرائيل, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس: (اخرج منها مذؤومًا)، قال: منفيًّا.

14391- حدثني أبو عمرو القرقساني عثمان بن يحيى قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن التميمي, سأل ابن عباس: ما(اخرج منها مذؤومًا مدحورًا)، قال: مقيتًا.

(44) 14392- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (اخرج منها مذؤومًا مدحورًا)، فقال: ما نعرف " المذؤوم " و " المذموم " إلا واحدًا, ولكن تكون حروف منتقصة, وقد قال الشاعر لعامر: يا " عام ", ولحارث: " يا حار ", (45) وإنما أنـزل القرآن على كلام العرب.

* * * القول في تأويل قوله : لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) قال أبو جعفر: وهذا قسم من الله جل ثناؤه.

أقسم أن مَنْ اتبع من بني آدم عدوَّ الله إبليس وأطاعه وصَدَّق ظنه عليه، أن يملأ من جميعهم = يعني: من كفرة بني آدم تُبّاع إبليس، ومن إبليس وذريته = جهنم.

فرحم الله امرأً كذّب ظن عدوِّ الله في نفسه, وخيَّب فيها أمله وأمنيته, ولم يمكّن من طمعَ طمعٍ فيها عدوَّه, (46) واستغشَّه ولم يستنصحه، فإن الله تعالى ذكره إنما نبّه بهذه الآيات عباده على قِدَم عداوة عدوِّه وعدوهم إبليس لهم, وسالف ما سلف من حسده لأبيهم, وبغيه عليه وعليهم, وعرّفهم مواقع نعمه عليهم قديمًا في أنفسهم ووالدهم ليدّبروا آياته, وليتذكر أولو الألباب, فينـزجروا عن طاعة عدوه وعدوهم إلى طاعته ويُنيبوا إليها.

--------------------- الهوامش : (41) هو الحارث بن خالد المخزومي .

(42) مضى البيت وشرحه وتخريجه ، وبغير هذه الرواية فيما سلف 1 : 265 .

(43) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 212 .

(44) الأثر : 14391 - (( أبو عمرو القرقساني )) ، (( عثمان بن يحيى )) ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب .

ويزيد الأمر إشكالا أني وجدت أبا جعفر في تاريخه يذكر إسنادًا عن شيخ يقال له (( عثمان بن يحيى )) ، فيه نصه : (( حدثني عثمان بن يحيى ، عن عثمان القرقساني ، قال حدثنا سفيان بن عيينة )) ، فجعل بين (( عثمان بن يحيى )) و (( سفيان بن عيينة )) رجلا يقال له (( عثمان القرقساني )) !

والذي في التفسير يدل على أن الراوي عن سفيان بن عيينة هو (( عثمان بن يحيى )) نفسه .

فظني أن في إسناد التاريخ خطأ ، ولعل صوابه : (( حدثني عثمان بن يحيى بن عثمان القرقساني ، قال حدثنا سفيان بن عيينة )) .

هذا ما وجدت ، فعسى أن يجتمع عندي ما أتبين به صواب ذلك أو خطأه .

(45) في المطبوعة : (( ولكن يكون منتقصة ، وقال العرب لعامر ...)) ، وبين الكلام بياض .

وفي المخطوطة : (( ولكن تكون ف منتقصة .

وقد قال الشاعر ...

)) بياض بين الكلام ، فغير ناشر المطبوعة ما في المخطوطة بلا أمانة .

وفي المخطوطة فوق البياض (( كذا )) وفي الهامش حرف ( ط ) للدلالة على الخطأ .

ودلتني لافاء بعد البياض أن صواب هذا الذي بيض له ناسخ المخطوطة هو (( حروف )) ، فاستقام الكلام .

ومثال الترخيم في (( عامر )) قول الحطيئة لعامر بن الطفيل : يَـا عَـامِ ، قـد كُـنْتَ ذَا بَاعٍ وَمَكْرُمَةٍ لَــوْ أَنَّ مَسْـعَاةَ مَـنْ جَارَيْتَـهُ أَمَـمُ ومثال الترخيم في (( الحارث )) قول زهير : يَـا حـارِ ، لا أُرْمَيَـنْ مِنْكُـمْ بِدَاهِيَـةٍ لَــم يَلْقَهَـا سُـوقَةٌ قَبْـلِي وَلا مَلِـكُ (46) في المطبوعة : (( ولم يكن ممن طمع فيها عدوه )) ، غير ما في المخطوطة لأنه لم يفهمه ، فأساء غاية الإساءة ، وافسد الكلام

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعينقوله تعالى قال اخرج منها أي من الجنة .

مذءوما مدحورا مذءوما أي مذموما .

والذأم : العيب ، بتخفيف الميم .

قال ابن زيد : مذءوما ومذموما سواء ; يقال : ذأمته وذممته وذمته بمعنى واحد .

وقرأ الأعمش ( مذوما ) .

والمعنى واحد ; إلا أنه خفف الهمزة .

وقال مجاهد : المذءوم المنفي .

والمعنيان متقاربان .

والمدحور : المبعد المطرود ; عن مجاهد وغيره .

وأصله الدفع .لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين اللام لام القسم ، والجواب لأملأن جهنم وقيل : لمن تبعك لام توكيد .

لأملأن لام قسم .

والدليل على هذا أنه يجوز في غير القراءة حذف اللام الأولى ، ولا يجوز حذف الثانية .

وفي الكلام معنى الشرط والمجازاة ; أي من تبعك عذبته .

ولو قلت : من تبعك أعذبه لم يجز ; إلا أن تريد لأعذبه .

وقرأ عاصم من رواية أبي بكر بن عياش ( لمن تبعك منهم ) بكسر اللام .

وأنكره بعض النحويين .

قال النحاس : وتقديره - والله أعلم - من أجل من تبعك .

كما يقال : أكرمت فلانا لك .

وقد يكون المعنى : الدحر لمن تبعك .

ومعنى منكم أجمعين أي منكم ومن بني آدم ; لأن ذكرهم قد جرى إذ قال : ولقد خلقناكم .

خاطب ولد آدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قال اللّه لإبليس لما قال ما قال: { اخْرُجْ مِنْهَا } خروج صغار واحتقار، لا خروج إكرام بل { مَذْءُومًا } أي: مذموما { مَدْحُورًا } مبعدا عن اللّه وعن رحمته وعن كل خير.

{ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ } منك وممن تبعك منهم { أَجْمَعِينَ } وهذا قسم منه تعالى، أن النار دار العصاة، لا بد أن يملأها من إبليس وأتباعه من الجن والإنس.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) الله تعالى لإبليس ، ( اخرج منها مذءوما مدحورا ) أي : معيبا ، والذيم والذأم أشد العيب ، يقال : ذأمه يذأمه ذأما فهو مذءوم وذامه يذيمه ذاما فهو مذيم ، مثل سار يسير سيرا .

والمدحور : المبعد المطرود ، يقال : دحره يدحره دحرا إذا أبعده وطرده .

قال ابن عباس : مذءوما أي ممقوتا .

وقال قتادة : مذءوما مدحورا : أي لعينا منفيا .

وقال الكلبي : مذءوما مدحورا : مقصيا من الجنة ومن كل خير .

( لمن تبعك منهم ) من بني آدم ، ( لأملأن جهنم ) اللام لام القسم ، ( منكم أجمعين ) أي : منك ومن ذريتك ومن كفار ذرية آدم أجمعين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال اخرج منها مذءوما» بالهمزة معيبا أو ممقوتا «مدحورا» مبعدا عن الرحمة «لمن تبعك منهم» من الناس واللام للابتداء أو موطئة للقسم وهو «لأملأنَّ جهنم منكم أجمعين» أي منك بذريتك ومن الناس وفيه تغليب الحاضر على الغائب وفي الجملة معنى جزاء من الشرطية أي من تبعك أعذبه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الله تعالى لإبليس: اخرج من الجنة ممقوتًا مطرودًا، لأملأنَّ جهنم منك وممن تبعك من بني آدم أجمعين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن ما توعد الله به الشيطان وأتباعه فقال : ( قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً ) أى : اخرج من الجنة أو من تلك الروضة مهانا محقرا .يقال : ذأمه يذأمه ذأماً إذا عاقبه وحقره فهو مذءوم ، وقوله : ( مَّدْحُوراً ) أى : مطرودا مبعدا .

يقال : دحره دحرا ودحورا طرده وأبعده .( لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ) أى : لمن أطاعك من الجن والإنس لأملأن جهنم من كفاركم .

كقوله - تعالى - : ( قَالَ اذهب فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً ) واللام فى قوله : ( لَّمَن ) لتوطئة القسم والجواب ( لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن إبليس لما وعد بالإفساد الذي ذكره، خاطبه الله تعالى بما يدل على الزجر والإهانة فقال: ﴿ أَخْرُجْ مِنْهَا ﴾ من الجنة أو من السماء ﴿ مذءُوماً ﴾ قال الليث: ذأمت الرجل فهو مذؤم أي محقور والذام الاحتقار، وقال الفراء: ذأمته إذا عبته يقولون في المثل لا تعدم الحسناء ذاماً.

وقال ابن الأنباري المذؤم المذموم قال ابن قتيبة مذؤماً مذموماً بأبلغ الذم قال أمية: وقال لإبليس رب العباد *** أن اخرج دحيراً لعيناً ذؤما وقوله: ﴿ مَذْمُومًا مَّدْحُورًا ﴾ الدحر في اللغة الطرد والتبعيد، يقال دحره دحراً ودحوراً إذا طرده وبعده ومنه قوله تعالى: ﴿ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ  دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ  ﴾ وقال أمية: وبإذنه سجدوا لآدم كلهم *** إلا لعيناً خاطئاً مدحوراً وقوله: ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ اللام فيه لام القسم، وجوابه قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ ﴾ قال صاحب الكشاف روى عصمة عن عاصم: ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ ﴾ بكسر اللام بمعنى ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ هذا الوعيد وهو قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وقيل: إن لأملأن في محل الابتداء ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ ﴾ خبره قال أبو بكر الأنباري الكناية في قوله: ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ عائد على ولد آدم لأنه حين قال: ﴿ وَلَقَدْ خلقناكم  ﴾ كان مخاطباً لولد آدم فرجعت الكناية إليهم.

قال القاضي: دلت هذه الآية على أن التابع والمتبوع معنيان في أن جهنم تملأ منهما ثم إن الكافر تبعه، فكذلك الفاسق تبعه فيجب القطع بدخول الفاسق النار، وجوابه أن المذكور في الآية أنه تعالى يملأ جهنم ممن تبعه، وليس في الآية أن كل من تبعه فإنه يدخل جهنم فسقط هذا الاستدلال، ونقول هذه الآية تدل على أن جميع أصحاب البدع والضلالات يدخلون جهنم لأن كلهم متابعون لإبليس والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَذْءُومًا ﴾ من ذأمه إذا ذمّه.

وقرأ الزهري: ﴿ مذوما ﴾ ، بالتخفيف، مثل مسول في مسؤل.

واللام في ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ ﴾ موطئه للقسم.

و ﴿ لأَمْلاَنَّ ﴾ جوابه، وهو سادّ مسدّ جواب الشرط ﴿ مّنكُمْ ﴾ منك ومنهم، فغلب ضمير المخاطب، كما في قوله: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [الأعراف: 138] .

وروى عصمة عن عاصم: ﴿ لمن تبعك ﴾ بكسر اللام، بمعنى: لمن تبعك منهم هذا الوعيد، وهو قوله: ﴿ لأمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ، على أن ﴿ لأَمْلاَنَّ ﴾ في محل الابتداء، و ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ ﴾ خبره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا ﴾ مَذْءُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ.

وقُرِئَ « مَذُومًا» كَمَسُولٍ في مَسْؤُولٍ أوْ كَمَكُولٍ في مَكِيلٍ، مِن ذامَّهُ يُذِيمُهُ ذَيْمًا.

﴿ مَدْحُورًا ﴾ مَطْرُودًا.

﴿ لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ ﴾ اللّامُ فِيهِ لِتَوْطِئَةِ القَسَمِ وجَوابِهِ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ ﴾ وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ.

وقُرِئَ « لِمَن» بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ لَأمْلَأنَّ عَلى مَعْنى: لِمَن تَبِعَكَ هَذا الوَعِيدُ، أوْ عِلَّةُ لِاخْرُجْ ولَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ومَعْنى ﴿ مِنكُمْ ﴾ مِنكَ ومِنهم فَغَلَبَ المُخاطَبُ.

﴿ وَيا آدَمُ ﴾ أيْ وقُلْنا يا آدَمُ.

﴿ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ وقُرِئَ « هَذِي» وهو الأصْلُ لِتَصْغِيرِهِ عَلى ذَيًّا والهاءُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ.

﴿ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ .

فَتَصِيرا مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وتَكُونا يَحْتَمِلُ الجَزْمَ عَلى العَطْفِ والنَّصْبَ عَلى الجَوابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قال اخرج منها} من الجنة أومن السماء / مَذْءومًا / معيباً من ذأمه إذا ذمه والذأم والذم العيب {مَّدْحُورًا} مطروداً مبعداً من رحمة الله واللام في {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} موطئة للقسم وجوابه {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ} وهو ساد مسد جواب الشرط {مّنكُمْ} منك ومنهم فغلب ضمير المخاطب {أجمعين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ: ﴿ اخْرُجْ مِنها ﴾ أيْ مِنَ الجَنَّةِ أوْ زُمْرَةِ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ السَّماءِ الخِلافُ السّابِقُ ﴿ مَذْءُومًا ﴾ أيْ مَذْمُومًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ مُهانًا لَعِيِنًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وفِعْلُهُ ذَأمَ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ( مَذُومًا ) بِذالٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ وفِيهِ احْتِمالانِ الأوَّلُ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِنَ المَهْمُوزِ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ ثُمَّ حَذْفِها والثّانِي أنْ يَكُونَ مِن ذامَ بِالألِفِ كَباعَ وكانَ قِياسُهُ عَلى هَذا مَذِيمٌ كَمَبِيعٍ إلّا أنَّهُ أُبْدِلَتِ الواوُ مِنَ الياءِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ مَكُولٌ مِن مَكِيلٍ مَعَ أنَّهُ مِنَ الكَيْلِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَدْحُورًا ﴾ وهو مِنَ الدَّحْرِ بِمَعْنى الطَّرْدِ والإبْعادِ وجُوِّزَ في هَذا أنْ يَكُونَ صِفَةً واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ ﴾ عَلى ما في الدُّرِّ المَصُونِ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ و( مَن ) شَرْطِيَّةٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ ﴾ (18) جَوابُ القَسَمِ وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ والخِلافُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ في مِثْلِ ذَلِكَ مَشْهُورٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً صِلَتُها ( تَبِعَكَ ) والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ خَبَرٌ وقَرَأ عِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ لِمَن بِكَسْرِ اللّامِ فَقِيلَ إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالذَّأْمِ والدَّحْرِ عَلى التَّنازُعِ وإعْمالُ الثّانِي أيِ اخْرُجْ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأجْلِ اتِّباعِكَ وقِيلَ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا أيْ لِمَنِ اتَّبَعَكَ هَذا الوَعِيدُ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لأمْلأنَّ ﴾ ..

إلَخْ.

ولَعَلَّ ذَلِكَ مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ إنَّ ( لَأمْلَأنَّ ) في مَحَلِّ المُبْتَدَأِ و( لَمَن تَبِعَكَ ) خَبَرُهُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ بَيانُ المَعْنى و( مِنكم ) بِمَعْنى مِنكَ ومِنهم فَغُلِّبَ في المُخاطَبِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَباتِ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كانَتْ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنها الإكْرامَ والتَّشْرِيفَ بَلِ التَّعْذِيبُ والتَّعْنِيفُ وذَهَبَ الجُبّائِيُّ إلى أنَّها كانَتْ بِواسِطَةِ بَعْضِ المَلائِكَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُكَلِّمُ الكافِرَ وفِيهِ نَظَرٌ.

* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ المص ﴾ الألِفُ إشارَةٌ إلى الذّاتِ الأحَدِيَّةِ واللّامُ إلى الذّاتِ مَعَ صِفَةِ العِلْمِ والمِيمُ إلى مَعْنى مُحَمَّدٍ وهي حَقِيقَتُهُ والصّادُ إلى صُورَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ يُقالُ: الألِفُ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ والمِيمُ إلى المُلْكِ واللّامُ بَيْنَهُما واسِطَةٌ لِتَكُونَ بَيْنَهُما رابِطَةً والصّادُ لِكَوْنِهِ حَرْفًا كَرِيِّ الشَّكْلِ قابِلًا لِجَمِيعِ الأشْكالِ كَما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ وإنْ ظَهَرَ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ والصُّوَرِ المُتَعَدِّدَةِ أوَّلُهُ وآخِرُهُ سِواهُ ولا يَخْفى لُطْفُ افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الأحْرُفِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ قَدَّسَ سِرَّهُ في فُتُوحاتِهِ مِن أنَّ لِكُلٍّ مِنها ما عَدا الألِفَ الأعْرافُ وأمّا الألِفُ فَقْدٍ ذَكَرَ نَفْعَنا اللَّهُ تَعالى بِبَرَكاتِ عُلُومِهِ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الحُرُوفِ عِنْدَ مَن شَمَّ رائِحَةً مِنَ الحَقائِقِ لَكِنْ قَدْ سَمَّتْهُ العامَّةُ حَرْفًا فَإذا قالَ المُحَقِّقُ ذَلِكَ فَإنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ في العِبادَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ﴾ أيْ ضِيقٌ مِن حَمْلِهِ فَلا تَسَعُهُ لِعِظَمِهِ فَتَتَلاشى بِالفَناءِ والوَحْدَةِ والِاسْتِغْراقِ في عَيْنِ الجَمْعِ ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ لِيُمْكِنَكَ الإنْذارُ والتَّذْكِيرُ إذْ بِالِاسْتِغْراقِ لا تَرى إلّا الحَقَّ فَلا يَتَأتّى مِنكَ ذَلِكَ ﴿ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ مِن قُرى القُلُوبِ ﴿ أهْلَكْناها ﴾ أفْسَدْنا اسْتِعْدادَها ﴿ فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا ﴾ أيْ بائِتِينَ عَلى فِراشِ الغَفْلَةِ في لَيْلِ الشَّبابِ ﴿ أوْ هم قائِلُونَ ﴾ تَحْتَ ظِلالِ الأمَلِ في نَهارِ المَشِيبِ ﴿ والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ ﴾ هو عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ اعْتِبارُ الأعْمالِ وذَكَرُوا أنَّ لِسانَ مِيزانِ الحَقِّ هو صِفَةُ العَدْلِ وإحْدى كِفَّتَيْهِ هو عالَمُ الحِسِّ والكِفَّةُ الأُخْرى هو عالَمُ العَقْلِ فَمَن كانَتْ مَكاسِبُهُ مِنَ المَعْقُولاتِ الباقِيَةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ والأعْمالِ الخَيْرِيَّةِ المَقْرُونَةِ بِالنِّيَّةِ الصّادِقَةِ ثَقُلَتْ أيْ كانَتْ ذا قَدْرٍ وأفْلَحَ هو أيْ فازَ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ ومَن كانَتْ مُقْتَنَياتُهُ مِنَ المَحْسُوساتِ الفانِيَةِ واللَّذّاتِ والشَّهَواتِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ خَفَّتَ ولَمْ يُعْتَنَ بِها وخَسِرَ هو نَفْسَهُ لِحِرْمانِهِ النَّعِيمَ وهَلاكِهِ ﴿ ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ ﴾ إذْ جَعَلْناكم خُلَفاءَ فِيها ﴿ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ﴾ مُتَعَدِّدَةً دُونَ غَيْرِكم فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً واحِدَةً وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ فِيهِ مَلَكِيَّةٌ وحَيَوانِيَّةٌ وشَيْطانِيَّةٌ فَمَعِيشَةُ رُوحِهِ مَعِيشَةُ المَلَكِ ومَعِيشَةُ بَدَنِهِ مَعِيشَةُ الحَيَوانِ ومَعِيشَةُ نَفْسِهِ الأمارَّةِ مَعِيشَةُ الشَّيْطانِ ولَهُ مَعايِشُ غَيْرُ ذَلِكَ وهي مَعِيشَةُ القَلْبِ بِالشُّهُودِ ومَعِيشَةُ السِّرِّ بِالكُشُوفِ ومَعِيشَةُ سِرِّ السِّرِّ بِالوِصالِ ﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ ولَوْ شَكَرْتُمْ ما رَضِيتُمْ بِالدُّونِ.

﴿ ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا ذَلِكَ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصْوِيرِهِ ﴿ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ﴾ فَإنَّهُ المُظْهِرُ الأعْظَمُ وفي الخَبَرِ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ وفي رِوايَةٍ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿ فَسَجَدُوا ﴾ وانْقادُوا لِلْحَقِّ ﴿ إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴾ لِنُقْصانِ بَصِيرَتِهِ ﴿ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ أرادَ اللَّعِينُ أنَّهُ مِنَ الحَضْرَةِ الرُّوحانِيَّةِ وأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ كَذَلِكَ ﴿ قالَ فاهْبِطْ مِنها ﴾ أيْ مِن تِلْكَ الحَضْرَةِ ﴿ فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ﴾ لِأنَّ الكِبْرَ يُنافِيها ﴿ فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ الأذِلّاءِ بِالمَيْلِ إلى مُقْتَضَياتِ النَّفْسِ ﴿ قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي ﴾ قَسَمٌ بِما هو مِن صِفاتِ الأفْعالِ ولَمْ يَكُنْ مَحْجُوبًا عَنْها بَلْ كانَ مَحْجُوبًا عَنِ الذّاتِ الأحَدِيَّةِ ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ وهو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ﴾ أيْ لَأجْتَهِدَنَّ في إضْلالِهِمْ وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَهُ حُكَماءُ الإسْلامِ في ذَلِكَ وفي تَأْوِيلاتِ النَّيْسابُورِيِّ كَلامٌ كَثِيرٌ فِيهِ وما قالَهُ البَعْضُ أحْسَنُهُ في هَذا البابِ وذَكَرَ بَعْضُهم لِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِجِهَتَيِ الفَوْقِ والتَّحْتِ وجْهًا وهو أنَّ الإتْيانَ مِنَ الجِهَةِ الأُولى غَيْرُ مُمْكِنٍ لَهُ لِأنَّ الجِهَةَ العُلْوِيَّةَ هي الَّتِي تَلِي الرُّوحَ ويَرِدُ مِنها الإلْهاماتُ الحَقَّةُ والإلْقاءاتُ المَلَكِيَّةُ ونَحْوُ ذَلِكَ والجِهَةُ السُّفْلِيَّةُ يَحْصُلُ مِنها الأحْكامُ الحِسِّيَّةُ والتَّدابِيرُ الجُزْئِيَّةُ في بابِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّلالَةِ بَلْ قَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ في العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ والرِّياضِيَّةِ وفِيهِ نَظَرٌ.

﴿ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ ﴾ مُسْتَعْمِلِينَ ما خَلَقَ لَهم لِما خُلِقَ لَهُ ﴿ قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا ﴾ حَقِيرًا ﴿ مَدْحُورًا ﴾ مَطْرُودًا ﴿ لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ ﴾ بِالأنانِيَّةِ ورُؤْيَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى وارْتِكابِ المَعاصِي ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ ﴾ فَتَبْقُونَ مَحْبُوسِينَ في سِجِّينِ الطَّبِيعَةِ مُعَذَّبِينَ بِنارِ الحِرْمانِ عَنِ المُرادِ وهو أشَدُّ العَذابِ وكُلُّ شَيْءٍ دُونَ فِراقِ المَحْبُوبِ سَهْلٌ وهو سُبْحانَهُ حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي: خلقنا آدم وأنتم من ذريته، ثُمَّ صورناكم يعني: ذريته.

ويقال: خَلَقْناكُمْ يعني: آدم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ يعني: آدم صوره بعد ما خلقه من طين.

ويقال: خَلَقْناكُمْ نطفاً في أصلاب الآباء ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ في أرحام الأمهات.

ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ على وجه التقديم أي: وقلنا للملائكة: اسْجُدُوا لِآدَمَ ثُمَّ بمعنى الواو.

ويقال: معناه خلقناكم وصورناكم وقلنا للملائكة: اسجدوا لادم وهي سجدة التحية لا سجدة الطاعة فالعبادة لله تعالى، والتحية لآدم  فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي لم يسجد مع الملائكة لآدم  قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ يعني: أن تسجد ولا زيادة.

ومعناه: ما منعك عن السجود إذ أمرتك بالسجود لآدم قالَ إبليس عليه اللعنة: إنما لم أسجد لأنّي أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أي هذا الذي منعني عن السجود.

فاشتغل اللعين بالقياس والقياس في موضع النص باطل، لأنه لما أقرّ بأنه هو الذي خلقه.

فقد أقرّ بأن عليه واجب وعليه أن يأتمر بأمره.

ومع ذلك لو كان القياس جائزاً في موضع النص، فإن قياسه فاسداً، لأنّ الطين أفضل من النار، لأنّ عامة الثمار والفواكه والحبوب تخرج من الطين، ولأن العمارة من الطين والنار للخراب.

ثم قال له عز وجل: فَاهْبِطْ مِنْها قال مقاتل: أي اهبط من الجنة فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها أي في الجنة.

وقال الكلبي: فاهبط منها أي اخرج من الأرض والحق بجزائر البحور، ولا تدخل الأرض إلا كهيئة السارق وعليه ذل الخوف وهو يروغ فيها، فما يكون لك أن تتكبر فيها، لا ينبغي لك أن تتكبر في هذه الأرض على بني آدم فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ يعني: من المهانين المذلين قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يعني: أجلني إلى يوم البعث، اليوم الذي يخرج الناس من قبورهم.

قال ابن عباس: أراد الخبيث ألا يذوق الموت، فأبى الله تعالى أن يعطيه ذلك.

ف قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلى النفخة الأولى، فحينئذٍ يذوق الموت وتصيبه المرارة بعدد الأولين والآخرين.

قوله تعالى: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي قال الكلبي: أي فكما أضللتني.

وقال مقاتل: يعني أما إذا أضللتني.

وقال بعضهم: فبما أغويتني يعني: فبما دعوتني إلى شيء غويت به.

لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ يعني: لأقعدن لهم على طريقك المستقيم، وهو دين الإسلام فأصدّ الناس عن ذلك.

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ روى أسباط عن السدي قال: من بين أيديهم الدنيا أدعوهم إليها وَمِنْ خَلْفِهِمْ الآخرة أشككهم فيها وَعَنْ أَيْمانِهِمْ قال الحق: أشككهم فيه وَعَنْ شَمائِلِهِمْ قال: الباطل أخففه عليهم وأرغبهم فيه.

وقال في رواية الكلبي: ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أيديهم من أمر الآخرة، فأزيّن لهم التكذيب بالبعث بأنه لا جنة ولا نار، ومن خَلْفَهُمْ من أمر الدنيا فأزينها في أعينهم وأرغبهم فيها، فلا يعطون حقاً عن أيمانهم أي: من قبل دينهم فإن كانوا على الضلالة زيّنتها لهم، وإن كانوا على الهدى شبّهته عليهم حتى يشكوا فيه وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل اللذات والشهوات.

ويقال: معناه لآتينهم بالإضلال من جميع جهاتهم ويقال: عَنْ أَيْمانِهِمْ فيما أمروا به وَعَنْ شَمائِلِهِمْ فيما نهوا عنه.

ويقال: وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي: فيما يعملون لأنه يقال عملت بذلك وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ يعني ذرية آدم لا يكونون شاكرين لنعمتك، ويقال شاكرين مؤمنين وقال في آية أخرى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13] وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [سبأ: 20] قوله: قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً قال الكلبي ومقاتل: يعني اخرج من الجنة مذءوما أي معيباً مدحوراً أي: مطرودا.

وقال الزجاج: مذءوما أي مذموماً.

يقال: دأمت الرجل وذممته إذا عبته مدحوراً أي: مبعداً من رحمة الله تعالى.

لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي: مَنْ أطاعك فيما دعوته إليه.

واللام زيادة للتأكيد لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ أي: ممن أطاعك منهم من الجن والإنس، ويكون هذا اللفظ بمعنى القسم والتأكيد وأنه يفعل ذلك لا محالة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ...

الآية: هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة.

واختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية لأن ظاهرها/ يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة: المُرَادُ بقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه.

وقال مجاهد: المعنى: ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ «١» ، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون «ثم» على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ.

وقال ابن عباس، والربيع بن أنس: أما «خلقناكم» فآدم، وأما «صورناكم» فذرّيته في بُطُونِ الأمهات «٢» .

وقال قتادة، وغيره: بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير «٣» ، وثُمَّ لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها.

وقوله سبحانه: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ تقدم الكلام على قصص الآية في «سورة البقرة» .

«وما» في قوله: مَا مَنَعَكَ استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، و «لا» في قوله:

أَلَّا تَسْجُدَ قيل: هي زائدة، والمعنى: ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان «١» :

إنها زائدة «٢» ، كهي في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: ٢٩] .

قال: ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ص: ٧٥] في «ص» انتهى.

وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن [لما] جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال: منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلاً على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين.

وقال الطبري «٣» : ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس «٤» ، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس «٥» .

وإنما خرّج كلاهما نَهْياً عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخوارج

وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجَادَّةِ.

وقوله سبحانه: فَاهْبِطْ مِنْها الآية: يظهر منه أنه أهبط أولاً، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخراً بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية.

وقوله: إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله والصَّغَارُ: الذل قاله السدي.

ومعنى: أَنْظِرْنِي أخِّرْنِي «١» فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظِرَةَ إلى النفخة الأولى.

قاله/ أكثر الناس «٢» وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع.

وقوله: فَبِما يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى: فَبِعِزَّتِكَ [ص: ٨٢] وأَغْوَيْتَنِي قال الجمهور: معناه: أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي: قاتل اللَّه القدرية لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل «٣» .

وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المعنى: لاعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه.

ومنه قوله عليه السلام: «إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ «٤» نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال: تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ فقال: تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال: تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة «٥» ...

»

الحديث.

وقوله سبحانه: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا

تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين.

قال الفخر «١» : وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي: على صِرَاطِكَ.

أجمع النحاة على تقدير «على» في هذا الموضع.

انتهى.

وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك.

قال ابن عباس، وقتادة: إلا أن إبليس لم يَقُلْ: إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلاً إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه عز وجل «٢» .

ومنه قوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠] فجعل أكثر العالم كفرة، ويبيّنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصَّحيح: «يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحداً إلى الجَنَّةَ» «٣» .

ونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأسود» «٤» وشاكِرِينَ معناه: مُؤْمنين لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن.

قاله ابن عباس وغيره «٥» .

وقوله سبحانه: اخْرُجْ مِنْها أي: من الجنة مَذْؤُماً أي مَعِيباً مَدْحُوراً أي:

مقصيًّا مبعداً.

لَمَنْ تَبِعَكَ بفتح اللام هي لام قسم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: " مَذُومًا " بِضَمِّ الذّالِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ الفَرّاءُ: الذَّأْمُ: الذَّمُّ؛ يُقالُ: ذَأمْتُ الرَّجُلَ، أذْأمُهُ ذَأْمًا؛ وذَمَمْتُهُ، أذُمُّهُ ذَمًّا؛ وذِمْتُهُ، أذِيمُهُ ذَيْمًا؛ ويُقالُ: رَجُلٌ مَذْؤُومٌ، ومَذْمُومٌ، ومَذِيمٌ، بِمَعْنًى.

قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: وأقامُوا حَتّى أبِيرُوا جَمِيعًا في مَقامٍ وكُلِّهِمُ مَذْؤُومُ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَذْؤُومُ: المَذْمُومُ بِأبْلَغِ الذَّمِّ.

والمَدْحُورُ: المُقْصى المُبْعَدُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى المَذْؤُومِ كَمَعْنى المَذْمُومِ، والمَدْحُورِ: المُبْعَدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.

واللّامُ مِن "لَأمْلَأنَّ": لامُ القَسَمِ؛ والكَلامُ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَن تَبِعَكَ، أُعَذِّبُهُ، فَدَخَلَتِ اللّامُ لَلْمُبالَغَةِ والتَّوْكِيدِ.

فَلامُ "لَأمْلَأنَّ" هي لامُ القَسَمِ، ولامُ ﴿ لَمَن تَبِعَكَ ﴾ تَوْطِئَةٌ لَها.

فَأمّا قَوْلُهُ: مِنهم فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الهاءُ والمِيمُ عائِدَتانِ عَلى ولَدِ آَدَمَ، لِأنَّهُ حِينَ قالَ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ  ﴾ كانَ مُخاطِبًا لَوَلَدِ آَدَمَ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿ لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ ﴾ فَجَعَلَهم غائِبِينَ، لِأنَّ مُخاطَبَتَهم في ذا المَوْضِعِ تُوقِعُ لَبْسًا؛ والعَرَبُ تَرْجِعُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.

ومَن قالَ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ خِطابٌ لِآَدَمَ، قالَ: أعادَ الهاءَ والمِيمَ عَلى ولَدِهِ، لِأنَّ ذِكْرَهُ يَكْفِي مِن ذِكْرِهِمْ؛ والعَرَبُ تَكْتَفِي بِذِكْرِ الوالِدِ مِن ذِكْرِ الأوْلادِ إذا انْكَشَفَ المَعْنى وزالَ اللَّبْسُ.

قالَ الشّاعِرُ: أرى الخَطَفَيَّ بَذَّ الفَرَزْدَقُ شِعْرَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ خَيْرًا مِن كُلَيْبٍ مُجاشِعُ أرادَ: أرى ابْنَ الخَطَفِيِّ، فاكْتَفى بِالخَطَفِيِّ مِنِ ابْنِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي أوْلادَ آَدَمَ المُخالِفِينَ وقُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعن أيْمانِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ ﴾ ﴿ قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ ﴾ هَذا تَوْكِيدٌ مِن إبْلِيسَ في أنَّهُ يَجِدُّ في إغْواءِ بَنِي آدَمَ؛ وهَذا لَمْ يَكُنْ؛ حَتّى عَلِمَ إبْلِيسُ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ في الأرْضِ خَلِيفَةً؛ وعَلِمَ أنَّهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإلّا فَلا طَرِيقَ لَهُ إلى عِلْمِ أنْسالِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ ألْفاظِ هَذِهِ الآياتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ أخْبَرَ عن نَفْسِهِ أنَّهُ يَأْتِي لِإضْلالِ ابْنِ آدَمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ وعَلى كُلِّ طَرِيقٍ؛ يُفْسِدُ عَلَيْهِ ما أمْكَنَهُ مِن مُعْتَقَدِهِ؛ ويُنْسِيهِ صالِحَ أعْمالِ الآخِرَةِ؛ ويُغْرِيهِ بِقَبِيحِ أعْمالِ الدُنْيا؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِألْفاظٍ تَقْتَضِي الإحاطَةَ بِهِمْ؛ وفي اللَفْظِ تَجَوُّزٌ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما رُوِيَ عنهُ -: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ ؛ اَلْآخِرَةَ؛ ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ ؛ اَلدُّنْيا؛ ﴿ وَعن أيْمانِهِمْ ﴾ ؛ اَلْحَقَّ؛ ﴿ وَعن شَمائِلِهِمْ ﴾ ؛ اَلْباطِلَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا - فِيما رُوِيَ عنهُ -: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ ؛ هي الدُنْيا؛ ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ ؛ هي الآخِرَةُ؛ ﴿ وَعن أيْمانِهِمْ ﴾ ؛ اَلْحَسَناتُ؛ ﴿ وَعن شَمائِلِهِمْ ﴾ ؛ اَلسَّيِّئاتُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ وعن أيْمانِهِمْ"؛ مَعْناهُ: حَيْثُ يُبْصِرُونَ؛ و"وَمِن خَلْفِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ"؛ حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ ﴾ ؛ أخْبَرَ أنَّ سِعايَتَهُ تَفْعَلُ ذَلِكَ؛ ظَنًّا مِنهُ؛ وتَوَهُّمًا في خِلْقَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ رَأى خِلْقَتَهُ؛ مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَعَلِمَ أنَّهُ سَتَكُونُ لَهم شِيَمٌ تَقْتَضِي طاعَتَهُ؛ كالغِلِّ؛ والحَسَدِ؛ والشَهَواتِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ: إلّا أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ يَأْتِي بَنِي آدَمَ مِن فَوْقِهِمْ؛ ولا جَعَلَ اللهُ تَعالى لَهُ سَبِيلًا إلى أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى وعَفْوِهِ؛ ومَنِّهِ؛ وما ظَنَّهُ إبْلِيسُ صَدَّقَهُ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ  ﴾ ؛ فَجَعَلَ أكْثَرَ العالَمِ كَفَرَةً؛ ويُبَيِّنُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - يَوْمَ القِيامَةِ: (يا آدَمُ؛ أخْرِجْ بَعْثَ النارِ)؛ فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النارِ؟

فَيَقُولُ: (مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ؛ وواحِدٌ إلى الجَنَّةِ"؛ ونَحْوُهُ؛ مِمّا يَخُصُّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ "ما أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَوْرِ الأسْوَدِ» ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "كالشَعْرَةِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ شَعْرَةً واحِدَةً؛ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَناسُبَ الحَدِيثِ الأوَّلِ يَرُدُّهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشَعْرَةَ الَّتِي هي لِلْجِنْسِ؛ والقَصْدُ أنْ يُشَبِّهَهم بِثَوْرٍ أسْوَدَ؛ قَدْ أُنْبِتَتْ في خِلالِ سَوادِهِ شَعْرَةٌ بَيْضاءُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اللَمْعَةَ مِنَ الشَعْرِ الأبْيَضِ؛ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ.

وقَوْلُهُ: "شاكِرِينَ"؛ مَعْناهُ: مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لا يَشْكُرُ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى إلّا بِأنْ يُؤْمِنَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَ اخْرُجْ مِنها ﴾ ؛ اَلضَّمِيرُ في "مِنها"؛ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ و"مَذْؤُمًا"؛ مَعْناهُ: مَعِيبًا؛ يُقالُ: "ذَأمَهُ"؛ إذا عابَهُ؛ ومِنهُ "اَلذَّأمُ"؛ وهو العَيْبُ؛ وفي المَثَلِ: "لَنْ تُعْدَمَ الحَسْناءُ ذامًّا"؛ أيْ عَيْبًا؛ وسُهِّلَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ؛ ومِنهُ قَوْلُ قَيْلِ حِمْيَرَ: "أرَدْتَ أنْ تُذِيمَهُ فَمَدَهْتَهُ"؛ يُرِيدُ: "فَمَدَحْتَهُ"؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ يُرْوى هَذا البَيْتُ: صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفَسِي أذِيمُها قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والرِوايَةُ المَشْهُورَةُ: "ألُومُها"؛ ومِنَ الشاهِدِ في اللَفْظِ قَوْلُ الكُمَيْتِ: وهُمُ الأقْرَبُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وهُمُ الأبْعَدُونَ مِن كُلِّ ذامِ ومِنَ الشاهِدِ في "مَدْحُورًا"؛ قَوْلُ الشاعِرِ: ودَحَرْتُ بَنِي الحُصَيْبِ إلى قَدِيدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ كانُوا ذَوِي أشَرٍ وفَخْرِ وقَرَأ الزُهْرِيُّ ؛ وأبُو جَعْفَرٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ في هَذِهِ الآيَةِ: "مَذُومًا"؛ عَلى التَسْهِيلِ؛ و"مَدْحُورًا"؛ مَعْناهُ: مَقْصِيًّا مُبْعَدًا؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَمَن تَبِعَكَ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وهي عَلى هَذِهِ لامُ القَسَمِ؛ المُخْرِجَةُ الكَلامَ مِنَ الشَكِّ إلى القَسَمِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ؛ والأعْمَشُ: "لِمَن تَبِعَكَ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ والمَعْنى: "لِأجْلِ مَن تَبِعَكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ"؛ فَأدْخَلَهُ في الوَعِيدِ مَعَهُمْ؛ بِحُكْمِ هَذِهِ الكافِ في "مِنكُمْ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعاد الله أمره بالخروج من السّماء تأكيداً للأمرين الأوللِ والثّاني: قال: ﴿ اهبط منها ﴾ إلى قوله ﴿ فاخرج ﴾ [الأعراف: 13].

ومذءوم اسم مفعول من ذَأمه مهموزاً إذا عابَه وذمَّه ذَأماً وقد تسهل همزة ذأم فتصير ألفاً فيقال ذَام ولا تسهل في بقيّة تصاريفه.

مدحور مفعول من دَحره إذا أبعده وأقصاه، أي: أخرجُ خروجَ مذمُوم مطرود، فالذّم لِمَا اتّصف به من الرّذائل، والطّرد لتنزيه عالم القُدس عن مخالطته.

واللاّم في ﴿ لمن تبعك ﴾ موطئة للقسم.

و (مَن) شرطية، واللاّم في لأمْلأنّ لام جواب القسم، والجواب ساد مسد جواب الشّرط، والتّقدير: أُقسِم من تبعك منهم لأمْلأنّ جهنّم منهم ومنك، وغُلِّب في الضّمير حال الخطاب لأنّ الفرد الموجود من هذا العموم هو المخاطَب، وهو إبليس، ولأنّه المقصود ابتداء من هذا الوعيد لأنّه وعيد على فعله، وأمّا وعيد اتّباعه فبالتّبع له، بخلاف الضّمير في آية الحجر (43) وهو قوله: ﴿ وإن جهنّم لموعدهم أجمعين ﴾ [الحجر: 43] لأنّه جاء بعد الإعراض عن وعيده بفعله والاهتمام ببيان مرتبة عباد الله المُخْلَصين الذين ليس لإبليس عليهم سلطان ثمّ الإهتمام بوعيد الغاوين.

وهذا كقوله تعالى في سورة الحجر (41 43): ﴿ قال هذا صراط عليّ مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين ﴾ والتّأكيد بأجمعين للتّنصيص على العموم لئلا يحمل على التّغليب، وذلك أنّ الكلام جرى على أمّة بعنوان كونهم إتباعاً لواحد، والعرب قد تجري العموم في مثل هذا على المجموع دون الجمع، كما يقولون: قتلت تميمٌ فُلاناً، وإنّما قتله بعضهم، قال النّابغة في شأن بني حُنّ (بحاء مهملة مضمومه): وهُمْ قتلوا الطاءِى بالجَوّ عَنْوَة...

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ اخْرُجْ مِنها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن حَيْثُ كانَ مِن جَنَّةٍ أوْ سَماءٍ.

والثّانِي: مِنَ الطّاعَةِ، عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ.

﴿ مَذْءُومًا مَدْحُورًا ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ مَذْءُومًا ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَذْمُومًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ مَذُومًا والثّانِي: لَئِيمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّالِثُ: مَقِيتًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: مَنفِيًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّهُ شِدَّةُ العَيْبِ وهو أسْوَأُ حالًا مِنَ المَذْمُومِ، قالَهُ الأخْفَشُ، قالَ عامِرُ بْنُ جُذامَةَ: جُذامَةُ لَمْ يَأْخُذُوا الحَقَّ بَلْ زاغَتْ قُلُوبُهم قَبْلَ القِتالِ ذَأْمًا وَأمّا المَدْحُورُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَدْفُوعُ.

الثّانِي: المَطْرُودُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال أخرج منها مذءوماً ﴾ قال: ملوماً ﴿ مدحوراً ﴾ قال: مقيتاً.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ مذءوماً ﴾ قال: مذموماً ﴿ مدحوراً ﴾ قال: منفياً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ مذءوماً ﴾ قال: منفياً ﴿ مدحوراً ﴾ قال: مطروداً.

وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ مذءوماً ﴾ قال: معيباً ﴿ مدحوراً ﴾ قال: منفياً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا ﴾ ، قال الكلبي: (من الجنة) (١) ﴿ مَذْءُومًا ﴾ ؛ قال الليث: (ذَأَمت الرجل فهو مذؤوم أي: محقور، والذَّأم: الاحتقار) (٢) ونحو ذلك قال الأصمعي (٣) (٤) (٥) وقال الفراء: (ذَأَمته ذأمًا فأنا أذأمه إذا عبته) (٦) وقال ابن الأنباري: (المذؤوم المذموم، يقال: ذَأَمْت الرجل أَذْأَمُه وذِمْتُه أَذِيمُة ذَيْمًا وذَمَمْتُه أَذُمُّه ذَمًّا بمعنى) (٧) (٨) وأقاموا حتى أبيرَوا جميعًا ...

في مَقامٍ وكلُّهم مَذْؤُومُ وقال أمية في اللغة الثانية: وقالَ لإبليسَ ربُّ العبادِ ...

[أن] (٩) (١٠) ﴿ مَذْءُومًا ﴾ \[مذمومًا\] (١١) (١٢) ﴿ مَدْحُورًا ﴾ ؛ الدحر في اللغة (١٣) ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا  ﴾ ، وقال أمية: وبإذنه سجدوا لآدمَ كلهمْ ...

إلا لعينًا خاطئًا مَدْحورًا (١٤) وأما لفظ المفسرين في تفسير هذين الحرفين، فقال ابن عباس: ( ﴿ مَذْءُومًا ﴾ ممقوتًا) (١٥) ﴿ مَذْءُومًا مَدْحُورًا ﴾ يعني: صغيرًا مقيتًا) (١٦) وقال في رواية عطاء: (يريد: صاغرًا ملعونًا) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ ، اللام فيه لام القسم، وجوابه قوله (١٨) ﴿ لَأَمْلَأَنَّ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ (١٩) ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ  ﴾ كان مخاطبًا لولد آدم فرجع إليهم) (٢٠) قال ابن عباس: (يريد: من أطاعك منهم ﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قال: يريد: المشركين والمنافقين والكافرين وقرنائهم من الشياطين) (٢١) (١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 533، والثعلبي 188 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 164، والبغوي في "تفسيره" 3/ 219.

(٢) "العين" 8/ 203، وذكره عن الليث.

الرازي في "تفسيره" 14/ 43، وأبو حيان في "البحر" 4/ 265، والسمين في "الدر" 5/ 271.

(٣) "تهذيب اللغة" 2/ 1264، وفيه: (ذأمته، ودأمته: إذا حقرته وخزيته) اهـ.

وفي 14/ 416، قال: (والذَّام: العيب) اهـ.

(٤) "النوادر" ص 97، و"تهذيب اللغة" 2/ 1264.

(٥) "تهذيب اللغة" 2/ 1264، وفيه زاد: (وذأمته أكثر من ذممته) اهـ.

(٦) "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 3، و"زاد المسير" 3/ 178، ولم أقف عليه في "معانيه".

(٧) "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 3، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 295، و"غريب اليزيدي" ص 144، والخلاصة: أن مذءوم اسم مفعول من ذَأمه مهموز إذا عابه واحتقره ودحره وذمَّه ذأمًا، وقد تسهل همزة ذأم فتصير ألفًا فيقال: ذام.

يقال: ذأمه يذأمه -كرأم- وذامه يذيمه كباعه من غير همز، فمصدر المهموز ذأم -كَرأْس-، وأما مصدر غير المهموز فسمع فيه ذام بألف، وحكى فيه ذَيْمًا كيَنْع، أفاده السمين في "الدر" 5/ 271.

وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 324، و"الجمهرة" 2/ 1097، و"الصحاح" 5/ 1925، و"مقاييس اللغة" 2/ 368، و"المجمل" 2/ 364، و"الأفعال" للمعافري 3/ 603 - 604، و"المفردات" ص 331، و"اللسان" 3/ 1482 (ذأم).

(٨) الشاهد لحسان بن ثابت -  - في "ديوانه" ص 226 برواية: لم يُوَلُّوا حَتَّى أُبِيدُوا جَميعًا ...

في مَقَامِ وكلُّهمِ مَذْمُومُ وهو في "الزاهر" 2/ 3، و"زاد المسير" 3/ 178، و"الدر المصون" 5/ 271، وأبيروا -أي: أهلكوا- انظر: "اللسان" 1/ 385 (بور).

وذكره ابن هشام في "السيرة" 2/ 124 ضمن قصيدة طويلة يذكر فيها عدة أصحاب اللواء يوم أحد.

(٩) لفظ: (أن) ساقط من النسخ.

(١٠) الشاهد في "ديوان أمية بن أبي الصلت الثقفي" ص 235، و"تفسير الثعلبي" 188 ب، والرازي 14/ 44، و"الدر المصون" 5/ 272، وقال السمين: (أنشده الواحدي على لغة ذامه بالألف، يذيمه بالياء، وليته جعله محتملًا للتخفيف من لغة الهمز) اهـ.

(١١) لفظ: (مذمومًا) ساقط من (ب).

(١٢) "تفسير غريب القرآن" ص 176، ونحوه ذكر أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 211، والطبري في "تفسيره" 8/ 138، ومكي في "تفسير المشكل" ص 83.

(١٣) انظر: "العين" 3/ 177، و"الجمهرة" 1/ 501، و"تهذيب اللغة" 2/ 1153، و"الصحاح" 2/ 655، و"المجمل" 2/ 347، و"مقاييس اللغة" 2/ 331، و"المفردات" ص 308، و"اللسان" 3/ 1333 (دحر).

(١٤) "ديوان أمية بن أبي الصلت الثقفي" ص 235، و"تفسير الرازي" 14/ 44، و"الدر المصون" 5/ 272.

(١٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 139، وابن أبي حاتم 5/ 1446 بسند جيد.

(١٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 139، وابن أبي حاتم 5/ 1447 بسند ضعيف.

(١٧) لم أقف عليه، وانظر: "تفسير الماوردي" 2/ 208، والبغوي 3/ 219.

(١٨) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 295، والزجاج 2/ 325، و"تفسير الطبري" == 8/ 139، و"إعراب النحاس" 1/ 103، وفي هذه اللام وجهان: أظهرهما قول الجمهور أن اللام توطئه لقسم محذوف، و (من) شرطية في محل رفع بالابتداء ﴿ لَأَمْلَأَنَّ ﴾ جواب القسم المدلول عليه بلام التوطئة، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده والثاني: أن اللام للابتداء، و (من) موصولة و ﴿ تَبِعَكَ ﴾ صلتها، وهي أيضًا في محل رفع بالابتداء، و ﴿ لَأَمْلَأَنَّ ﴾ جواب قسم محذوف، وهو وجوابه في محل رفع خبرًا لهذا المبتدأ والتقدير: للذي تبعك منهم، والله لأملأن جهنم منكم.

انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 450، و"التبيان" 1/ 370، و"الفريد" 2/ 279، و"الدر المصون" 5/ 273.

(١٩) في النسخ: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ .

ويحتمل أنه يريد: ﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ ﴾ .

(٢٠) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 178، والرازي في "تفسيره" 14/ 44.

(٢١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 165، وفي "تنوير المقباس" 2/ 84 نحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خلقناكم ثُمَّ صورناكم ﴾ قيل: المعنى أردنا خلقكم وتصويركم ﴿ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ ﴾ وقيل: خلقنا أباكم آدم ثم صورناه، وإنما احتيج إلى التأويل ليصح العطف ﴿ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ لا زائدة للتوكيد ﴿ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ استدل به بعض الأصوليين على أن الأمر يقتضي الوجوب والفور، ولذلك وقع العقاب على ترك المبادرة بالسجود ﴿ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ تعليلٌ علَّلَ به إبليس امتناعه من السجود، وهو يقتضي الاعتراض على الله تعالى في أمره بسجود الفاضل للمفضول على زعمه، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ لليس كفره كفر جحود ﴿ فاهبط مِنْهَا ﴾ أي من السماء ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ الفاء للتعليل، وهي تتعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالله بسبب إغوائك لي لأغوين بني آدم، وما مصدرية، وقيل: استفهامية ويبطله ثبوت الألف في ما مع حرف الجر ﴿ صراطك ﴾ يريد: طريق الهدى والخير وهو منصوب على الظرفية ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ الآية: أي من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسليطه على بني آدم كيفما أمكنه، وقال ابن عباس: من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة، وعن أيمانهم الحسنات، وعن شمائلهم السيئات ﴿ مَذْءُوماً ﴾ من ذأمه بالهمز إذا ذمه ﴿ مَّدْحُوراً ﴾ أي مطروداً حيث وقع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لأملأن ﴾ بتليين الهمزة الثانية حيث كان: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف: ﴿ تخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن ذكوان الباقون: مبنياً للمفعول من الإخراج والله أعلم.

الوقوف: ﴿ إلا إبليس ﴾ ط لأنه معرفة فلا تصلح الجملة صفة له.

﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ إذ أمرتك ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول.

﴿ طين ﴾ ه ﴿ الصاغرين ﴾ ه.

﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ه لا للعطف ﴿ شمائلهم ﴾ ط ﴿ شاكرين ﴾ ه ﴿ مدحوراً ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف.

﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الخالدين ﴾ ه ﴿ الناصحين ﴾ ه ﴿ بغرور ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع الفاء ﴿ ورق الجنة ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أنفسنا ﴾ سكتة للأدب إعلاماً بانقطاع الحجة قبل ابتداء الحاجة.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ عدو ﴾ ط لعطف المختلفين ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ تخرجون ﴾ ه.

التفسير: من جملة نعم الله  علينا أن خلق أبانا آدم فجعله مسجوداً للملائكة فلذلك ذكر تلك القصة عقيب تذكير النعم، ونظير هذه الآيات ما سبق في سورة البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ منع من المعصية بقوله: ﴿ كيف تكفرون ﴾ ثم علل ذلك المنع بكثرة نعمه على المكلفين وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم ختم ذلك بقصة جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والغرض من الكل أن التمرد والجحود لا يليق بإزاء هذه النعم الجسام.

وقصة آدم وما جرى له مع إبليس ذكرها الله في سبعة مواضع: في "البقرة" وههنا وفي "الحجر" وفي "سبحان" وفي "الكهف" وفي "طه" وفي "ص" وسنبين بعض حكمة اختلاف العبارات بقدر الفهم إن شاء الله  .

وههنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا ﴾ يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا والأمر في الواقع بالعكس.

وأجاب المفسرون بوجوه منها: أن المضاف محذوف أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا.

وإنما حسن هذه الكناية لأن آدم  أصل البشر نظير قوله لبني إسرائيل المعاصرين ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور  ﴾ أي ميثاق أسلافكم.

وقال  : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل.

وإنما قتله أحدهم.

ومنها أن المراد من خلقناكم آدم ثم صورناكم أي صورنا ذرية آدم في ظهره في صورة الذر ثم قلنا للملائكة وهذا قول مجاهد.

ومنها خلقناكم ثم صورناكم ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة.

ومنها أن الخلق في اللغة التقدير وتقدير الله  عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كل شيء بمقداره المعين له.

فقوله: ﴿ خلقناكم ﴾ إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم.

وقوله: ﴿ صورناكم ﴾ إشارة إلى أنه  أثبت في اللوح المحفوظ صورهم كما أنه أثبت صور كل كائن كما جاء في الخبر "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة".

ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله  آدم وأمر الملائكة بالسجود له.

قال الإمام فخر الدين  .

وهذا التأويل عندي أقرب الوجوه في تأويل هذه الآية.

وأما أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا فقد تقدم في أوائل سورة البقرة فلا وجه لإعادته.

أما قوله  .

﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ فظاهره يقتضي أنه  طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود وليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود كما قال في سورة ص ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي  ﴾ فلهذا الإشكال حصل للمفسرين  م أقوال أوّلها وهو الأشهر: أن "لا صلة " زائدة كما في ﴿ لا أقسم  ﴾ وكما في قوله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب  ﴾ أي ليعلم وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج والأكثرين.

قال في الكشاف: وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل في ﴿ لئلا يعلم ﴾ ليتحقق علم أهل الكتاب، وفي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك.

قلت: لعله أراد أن زيادة "لا" إشارة إلى نفي ما عدا المذكور ليلزم منه تحقق المذكور.

وثانيها أن إثبات الزيادة في كلام الله  خارج عن الأدب وأن الاستفهام للإنكار أي لم يمنعك من ترك السجود شيء كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضربي أدينك أم عقلك أم حياؤك؟

والمعنى أنه لم يوجد أحد هذه فما امتنعت من ضربي.

وثالثها قال القاضي: ذكر الله  المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة أمر الله  حالة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها.

وقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه.

وقيل: معناه ما الذي جعلك في منعة من عذابي؟

وقيل: معناه من قال لك لا تسجد.

وأقول: يمكن أن لا يعلق قوله: ﴿ أن لا تسجد ﴾ بقوله: ﴿ ما منعك ﴾ وإنما يكون متعلقه محذوفاً التقدير: ما منعك من السجود أن لا تسجد أي لئلا تسجد توجه عليك هذا السؤال.

والحاصل أن عدم سجودك ما سببه؟

﴿ إذ أمرتك ﴾ أمر إيجاب.

وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب توبيخه وإفشاء معاندته وجحوده.

واستدل العلماء بالآية على أن مجرد الأمر يقتضي الوجوب وإلا لم يترتب الذم عليه، وأن الأمر يقتضي الفور وإلا لم يستوجب الذم بترك السجود في الحال.

ثم استأنف اللعين قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم زعماً منه أن مثله مستبعد أن يؤمر بما أمر به وتلك الخيرية هي التي منعته عن السجود فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ ثم بين هذه المقدمة بقوله ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ والنار أفضل من الطين لأن النار جوهر مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن الأجرام اللطيفة كلها، وأيضاً النار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس فيها إلا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال.

وأيضاً النار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة والنضج وأما الأرضية فللبرد واليبس تناسب الموت والحياة أشرف من الموت.

وأيضاً فما بين التمييز والشباب لما كان وقت كمال الحرارة كانت أفضل أوقات عمر الحيوان بخلاف وقت الشيخوخة لغلبة البرد واليبس المناسب للأرضية والمخلوق من الأفضل أفضل لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع.

وأما أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فما قد تقرر في العقول فهذه شبهة إبليس والمقدمات بأسرها ممنوعة، أما أن النار أفضل من الأرض فممنوع لأن كل عنصر من العناصر الأربعة يختص بفوائد ليست لغيره، وكل منها ضروري في الوجود وفي التركيب فلكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على البعض تطويل بلا طائل.

ومن تأمل ما ذكرناه في تفسير قوله   : ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً  ﴾ وقف على بعض منافعها وعلم أن طعن اللعين مردود جداً.

ولو لم يكن في النار إلا الخفة المقتضية للطيش والاستكبار والترفع وفي الأرض إلا الرزانة الموجبة للحلم والوقار والتواضع لكفى به رداً لكلامه، وأما أن المخلوق من الأفضل أفضل فهو محل البحث والنزاع لأن الفضيلة عطية من الله  ابتداء ولا يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة، فقد يخرج الكافر من المؤمن ويحصل الدخان من النار والتكليف يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل.

فالاعتبار بما انتهى إليه لا بما خلق منه وقد قال  : "ائتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم" ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ وفي كلام الحكماء: العاقل من يفتخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية فثبت أن دعوى اللعين في قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ باطلة.

ولئن سلم فلم لا يجوز خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحق النفس؟

ولم لا يجوز الأمر بذلك لغرض الطاعة والامتثال أو لتشريف المفضول والرفع من مقداره؟

قالت العلماء ههنا: إن قوله  للملائكة ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ خطاب عام يتناول جميع الملائكة: ثم إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس فاستوجب الذم والتعنيف والدخول في جملة المتكبرين على الله فدل ذلك على أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس أنه كانت الطاعة بإبليس أولى من القياس فعصى ربه وقاس.

وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله  مع إبليس.

ويمكن أن يجاب بأنه إنما استحق الذم لأن قياسه كان مبطلاً للنص بالكلية لا مخصصاً.

وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بسجوده لمن كان مخلوقاً من الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بسجوده لما هو مخلوق من الأرض أولى.

ويحتمل أن يزيد هذا الجواب بأن الشريف إذا رضي بتلك الخدمة فلا اعتراض عليه وحينئذٍ لا يقبح أمره بذلك.

ثم إن الملائكة رضوا بذلك فلا بأس، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق فقبح أمره بالسجود، فقياسه يوجب تخصيص النص لا رفعه بالكلية فعلمنا أن استحقاق الذم إنما كان لتخصيص النص بالقياس كما ادعينا.

﴿ قال ﴾ أي الله  كلام تعنيف وتعذيب لا إكرام وتشريف أو قال على لسان بعض ملائكته ﴿ فاهبط ﴾ يعني إذ لم تمثل أمري فاهبط ﴿ منها ﴾ .

قال ابن عباس: يريد من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم.

وقال بعض المعتزلة: أمر بالهبوط من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين من الثقلين ﴿ فما يكون ﴾ فما يصح ﴿ لك أن تتكبر فيها ﴾ وتعصي ﴿ فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ من أهل الصغار والهوان.

يقال للرجل قم صاغراً إذا أهين.

وفي ضده قم راشداً، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله بالذلة والصغار كما قال النبي صلى الله عليه وآله: "من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله" ﴿ قال أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين، ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله  ذلك بل ﴿ قال ﴾ مطلقاً ﴿ إنك من المنظرين ﴾ قيل: إن هذا المطلق مقيد بقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم  ﴾ أي اليوم الذي يموت الأحياء كلهم فيه وهو وقت النفخة الأولى، وقال آخرون: لم يوقت الله  له أجلاً.

والمراد الوقت المعلوم في علم الله  والدليل على ذلك أن إبليس كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فيقبل توبته وهذا كالإغراء على المعاصي فيكون قبيحاً.

أجاب الأولون بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء أو على الكفر والمعاصي كإبليس فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ الإغواء ضد الإرشاد وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل إذا بشم والبشم فساد يعرض في جوفه من كثرة شرب اللبن.

ولا يمكن أن يتعلق الباء بقوله: ﴿ لأقعدن ﴾ لأن لام القسم تأبى ذلك.

لا يقال: والله يريد لأمرنّ.

لأن حكم القسم وما يتلوه حكم همزة الاستفهام وحرف النفي الذي هو ما وهي تعمل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكأنها عوامل ضعيفة فلم يتقدم عليها شيء من معمولاتها لضعفها.

وإنما يتعلق بفعل القسم المحذوف و "ما" مصدرية تقديره: فبما أغويتني أي فبسبب إغوائك إياي أقسم.

ويجوز أن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن.

ومعنى القسم بالإغواء أنه من جملة آثار القدرة أي بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن.

وقال في الكشاف: إن الأمر بالسجود كان سبب إغوائه وهو تكليف والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً بأن يقسم به وهذا يناسب أصول الاعتزال.

قال مشايخ العراق: الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والجلال والعزة يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يميناً.

ويعني بصفات الفعل ما يجوز أن يوصف بضده فيقال: رحم فلاناً ولم يرحم فلاناً وغضب ولم يغضب.

وقال بعضهم: ما للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ فقال: ﴿ لأقعدن ﴾ ويرد على هذا القول أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على "ما" الاستفهامية قليل.

قيل: إن إبليس أضاف الإغواء ههنا إلى الله وفي قوله: ﴿ فبعزتك لأغوينهم  ﴾ أضاف الإغواء إلى نفسه والأول يدل على الجبر والثاني على القدر، وهذا دليل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة.

أجابت المعتزلة عن قوله: ﴿ فبما إغويتني ﴾ بأن قول إبليس واعتقاده ليس بحجة أو المراد أنه  لما أمره بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر منه كفر فلهذا المعنى أضاف الغي إلى الله.

وقد يقال: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضربك عنده، أو المراد بالإغواء الإهلاك واللعن.

وقالت الأشاعرة: نحن لا نبالغ في أن المراد بالإغواء ههنا هو الإضلال لأن حاصله كيفما كان يرجع إلى حكاية قول إبليس وهو ليس بحجة إلا أنا نقطع بأن الغاوي لا بد له من مغوٍ وليس ذلك نفسه لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية والدور أو التسلسل محال فلا بد أن ينتهي إلى خالق الكل وهو المقصود.

أما قوله: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ فانتصابه على الظرف كقوله: لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب قال الزجاج: هو كقولهم ضرب زيداً الظهر والبطن أي على الظهر والبطن.

والمراد لأعترضن لهم أي لبني آدم المذكورين في قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ﴾ على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة، والحاصل أنه يواظب على الإفساد بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنه ولهذا ذكر العقود لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود.

واعلم أن العلماء اختلفوا في أن كفر إبليس كفر عناد أو كفر جهل.

فمن قائل بالأول لقوله: ﴿ صراطك المستقيم ﴾ وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.

ومن قائل بالثاني لقوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ فدل ذلك على أنه اعتقد أن الذي هو عليه محض الغواية، وإنما وصف الصراط بالمستقيم بناء على زعم الخصم واعتقاده ورد بأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغوايه فقد علم أن ضدّه هو الحق فكان إنكاره إنكار اللسان لا القلب وهو المعنى بكفر العناد، ويمكن أن يجاب بأنه أراد بالإغواء أيضاً الإغواء بزعم الخصم، قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دنيه ولا في دنياه وإلا لم يمهل إبليس حين استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك، ومما يؤيد ذلك أنه بعث الأنبياء دعاة للخلق إلى الحق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك.

قال الجبائي في دفع هذا الاعتراض.

إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد بل إنما يضل من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً بدليل قوله  : ﴿ فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم  ﴾ ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة.

وقال أبو هاشم: يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جارياً مجرى زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من المشقة توجب الزيادة في الثواب.

وضعف قول الجبائي بأنا نعلم بالضرورة أن الإنسان إذا جلس عنده جلساء السوء وحسنوا في عينه أمراً من الأمور مرة بعد أخرى فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التحسين فكذا الشيطان المزين للقبائح في قلوب الكفار والفساق.

وزيف قول أبي هاشم بأن خلق الزيادة في الشهوة حجة أخرى لنا في أنه  لا يراعي المصلحة، وتقرير الحجة أن خلق تلك الزيادة يوقع في الكفر وعقاب الأبد ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أن يزداد ثوابه وحصول هذه الزيادة شيء لا حاجة إليه والأهم رفع العقاب لا تحصيل زيادة الثواب.

فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لم يهمل الأهم لطلب الزيادة التي لا ضرورة إليها.

أما ذكر الجهات الأربع ففيه وجوه أحدها ﴿ من بين أيديهم ﴾ أي أشككهم في صحة البعث والقيامة ﴿ ومن خلفهم ﴾ ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية.

وثانيها من بين أيديهم أنفرهم عن الرغبة في سعادات الآخرة، ومن خلفهم أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها؛ فالآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، والدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها، وثالثها قول الحكم والسدي ﴿ من بين أيديهم ﴾ يعني الدنيا لأنهم بين يدي الإنسان وإنه يشاهدها ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة لأنها تأتي بعد ذلك.

وأما قوله: ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ فقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الكفر والبدعة ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في أنواع المعاصي.

وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الصرف عن الحق ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في الترغيب في الباطل.

وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ افترهم عن الحسنات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أقوي دواعيهم إلى السيئات قال ابن الأنباري: وهذا قول حسن لأن العرب تقول اجعلني عن يمينك أي من المقدمين ولا تجعلني عن شمالك أي من المؤخرين.

وعن الأصمعي هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال للعكس.

وقال حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعاً هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية: إحداها القوة الخيالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: ﴿ من بين أيديهم ﴾ وثانيتها القوّة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وهو قوله: ﴿ ومن خلفهم ﴾ وثالثتها الشهوة ومحلها الكبد التي عن يمين البدن.

ورابعتها الغضب ومنشؤه القلب الذي هو في الشق الأيسر.

فالشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة.

وقيل: ﴿ من بين أيديهم ﴾ الشبهات المبنية على التشبيه إما في الذات أو في الصفات كشبه المجسمة وإما في الأفعال كشبه المعتزلة في التعديل والتجويز والتحسين والتقبيح لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات فهي بين يديه وبمحضر منه فيعتقد أن الغائب مثل الشاهد ﴿ ومن خلفهم ﴾ شبهات أهل التعطيل لأن هذه بإزاء الأولى، ﴿ وعن إيمانهم ﴾ الترغيب في ترك المأمورات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ الترغيب في فعل المنهيات.

وعن شقيق  ما من صباح إلاّ ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع إما من بين يدي فيقول لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً  ﴾ وإما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ وإما من يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ وإما من شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون  ﴾ وعن رسول الله  " "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه قعد له بطريق الإسلام.

فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له تدع ديارك وتتغرب فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك فعصاه فقاتل" وعلى هذا فالقعود في الطريق والرصد من الجهات مثل الوسوسة إليهم وتسويله بكل ما يمكنه ويتيسر له كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك  ﴾ وبقي ههنا بحث وهو أنه  كيف قال: ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ بحرف الابتداء ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ بحرف المجاورة؟

قال في الكشاف: وقد تختلف حروف الظروف كما تختلف حروف التعدية على حسب السماع.

يقال: جلس عن يمينه وعلى يمينه، فمعنى "على" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن" أنه جليس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونظيره في المفعول به "رميت السهم عن القوس وعلى القوس ومن القوس" لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدىء الرمي منها، وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل، وقال بعض المفسرين: خص اليمين والشمال بكلمة "عن" لأنها تفيد البعد والمباينة وعلى جهتي اليمين والشمال ملكان لقوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ والشيطان لا بد أن يتباعد عن الملك ولا كذلك حال القدام والخلف.

وقالت الحكماء ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ هما الوهم والخيال كما مر والناشىء منهما العقائد الباطلة والكفر ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ الشهوة والغضب والناشىء منهما الأفعال الشهوية والغضبية.

وضرر الكفر لازم لأن عقابه دائم وضرر المعاصي مفارق لأن عذابها منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة "عن" تنبيهاً على أنهما في اللزوم والاتصال دون القسم الأول.

وإنما اقتصر على الجهات الأربع ولم يذكر الفوق والتحت لأن القوى التي منها يتولد ما يوجب تفويت السعادات الروحانية هي هذه الموضوعة في الجوانب الأربعة من البدن، وأما في الظاهر فقد روي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع استيلائه عليه من الجهات؟

فأوحى الله  إليهم أنه قد بقي للإنسان جهتا الفوق والتحت فإذا رفع يديه إلى فوق بالدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض بطريقة الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة.

قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على أن لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المغالبة أحق.

قلت: هذا منافٍ لما في الحديث "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" .

أما قوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ فسئل أنه من باب الغيب فكيف عرف؟

وأجاب بعضهم بأنه كان قد رآه في اللوح المحفوظ فقال على سبيل القطع واليقين.

وقال آخرون: إنه قال على سبيل الظن لأنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات فغلب على ظنه أنهم يقبلون قوله: ولقد صدقه الله تعالى في ذلك الظن حيث قال: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه  ﴾ ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ .

وقيل: إن للنفس تسع عشرة قوة: الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع الكامنة وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم.

وأما التي تدعوها إلى عالم الأرواح فقوة واحدة وهي العقل، ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكثر من استيلاء واحدة لا سيما وهي في أول الخلقة تكون قوية، والعقل يكون ضعيفاً وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلذلك قطع بقوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ ﴿ قال ﴾ الله  في جوابه إذا كان هذا عزمك ﴿ اخرج منها مذؤماً مدحوراً ﴾ الذام العيب والذأم يهمز ولا يهمز، والدحر الطرد والإبعاد وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاماً.

واللام في ﴿ لمن تبعك ﴾ موطئة للقسم و ﴿ لأملأن ﴾ جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط.

وعن عصام ﴿ لمن تبعك ﴾ بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو قوله: ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فغلب ضمير المخاطب كما في قوله: ﴿ إنكم قوم تجهلون  ﴾ أي إنكم وإنهم على هذا.

فقوله: ﴿ لأملأن ﴾ في محل الابتداء ﴿ ولمن تبعك ﴾ خبره.

قال القاضي: كما أن الكافر يتبعه كذلك الفاسق يتبعه فلذلك يجب القطع بدخول الفاسق النار.

وأجيب بشرط عدم العفو.

قوله: ﴿ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ الآية.

فيها من المسائل أن قوله: ﴿ اسكن ﴾ أمر تعبد أو أمر إباحة من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف.

وأن زوج آدم هي حواء وأن تلك الجنة كانت جنة الخلد أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض.

وأن قوله ﴿ وكلا ﴾ أمر إباحة لا أمر تكليف.

وأن قوله: ﴿ ولا تقربا ﴾ نهي تنزيه أو نهي تحريم.

وأن الشجرة المشار إليها شجرة واحدة بالشخص أو بالنوع وإنها أيّ شجرة كانت.

وأن ذلك الذنب كان صغيراً أو كبيراً.

وأن الظلم في قوله: ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ بأي معنى هو؟

وأن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم أو بعدها؟

ونحن قد قضينا الوطر عن جميعها في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة ﴿ فوسوس لهما الشيطان ﴾ الوسوسة حديث النفس وهو فعل غير متعد كولولت المرأة ووعوع الذئب والمصدر الوسواس أيضاً بكسر الواو والوسواس بالفتح الاسم كالزلزال.

ويوصل إلى المفعول باللام وبإلى.

فمعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ومعنى وسوس إليه ألقاها إليه أي تكلم معه كلاماً خفياً يكرره ﴿ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ﴾ قيل: اللام لام العاقبة لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهر عورتهما وإنما آل أمرهما إلى ذلك، وقيل: لام الغرض وبدو العورة كناية عن زوال الحرمة وسقوط الجاه الذي كان غرضه، أو لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته وفي ذلك سقوط حشمته.

وقوله: ﴿ ووري ﴾ مجهول وارى أي ستر والسوءة فرج الرجل والمرأة.

ثم بيّن وسوسة إبليس بأنه ﴿ قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي إلا كراهة أن تكونا ملكين إلى قوله: ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ .

سؤال: كيف يطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة ساجدين معترفين بفضله؟

والجواب بعد تسليم أن هذه الواقعة كانت بعد النبوة وبعد سجود الملائكة له، أن هذا أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض أما ملائكة السموات وملائكة العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبته لآدم وإلا كان هذا التطميع فاسداً.

وربما يجاب بأنه أراد أنه يصير مثل الملك في البقاء والدوام وزيف بلزوم التكرار من قوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ .

قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ ﴿ ملكين ﴾ بكسر اللام كأن الملعون أتاهما من جهة الملك كقوله: ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى  ﴾ واعترض بأنه لا نزاع في هذه القراءة الشاذة وإنما النزاع في القراءة المشهورة.

ويمكن أن يجاب بأن آدم لعله رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والبطش والخلقة بأن يصير جوهراً نورانياً مقره العرش والكرسي.

نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن: إن آدم وحواء هل صدّقاه في قوله؟

فقال الحسن: معاذ الله لو صدّقاه لكانا من الكافرين.

أراد الحسن أن تصديق الخلود يوجب إنكار البعث والقيامة وإنه كفر.

ويمكن أن يقال: لو أراد بالخلود طول المكث لم يلزم التكفير، ولو سلم أن الخلود مفسر بالدوام فلا نسلم أن اعتقاد الدوام من آدم يوجب الكفر لأن العلم بالموت ثم البعث يتوقف على السمع ولعل ذلك الدليل السمعي لم يصل إلى آدم وقتئذٍ.

ثم إن المحققين اتفقوا على أن التصديق لم يوجد من آدم لا قطعاً ولا ظناً وإنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا عند الشهوة أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال.

ثم إن بعضهم زعم أن الترغيب كان في مجموع الأمرين كونهما ملكين وكونهما خالدين والظاهر أنه على طريقة التخيير.

سؤال: المقاسمة من الجانبين فكيف يتصور التقاسم بين آدم وإبليس؟

والجواب كأنه قال لهما: أقسم بالله إني لكما ناصح وقالا له: نقسم بالله إنك إن صدقت ناصح.

أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ أي أوقعهما فيما أراد من تغرير، وأصله أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه.

وقيل: أي جرأهما على أكل الشجرة من قولهم: فلان يدل على أقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده.

قال ابن عباس: غرهما باليمين.

وكان آدم يظن أن لا يحلف أحد بالله كاذباً.

وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى من بعض عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.

﴿ فلما ذاقا الشجرة ﴾ فيه دلالة على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه ولولا أنه ذكر في آية أخرى ﴿ فأكلا منها  ﴾ لم يدل على الأكل لأن الذوق قد يكون من غير أكل.

﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ ظهرت عوراتهما أي عورتاهما مثل ﴿ صغت قلوبكما  ﴾ مكان قلباكما ﴿ وطفقا يخصفان ﴾ أخذا في الفعل وهو الخصف، ويستعمل طفق بمعنى كاد.

قال الزجاج: أي يجعلان ورقة على ورقة ليستترا بهما كما تخصف النعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور.

والورق التين وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة؟

﴿ ألم أنهكما ﴾ عتاب من الله وتوبيخ وباقي الآيات مفسر في سورة البقرة.

عن ثابت البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك.

فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده.

وقد بقي علينا من التفسير أسرار المتشابهات الواقعة في هذه القصة فلنفرغ لها.

قوله: ﴿ ما منعك ﴾ وفي ص ﴿ يا إبليس ما منعك  ﴾ وفي الحجر ﴿ يا إبليس ما لك  ﴾ حذف المنادى في هذه السورة لأن مضي ذكره هنا أقرب فلم يحتج إلى إعادة اسم اللعين بالنداء.

قوله: ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ وفي ص ﴿ ما منعك أن تسجد  ﴾ جمع بين لفظ المنع ولفظ "لا" في هذه السورة لأنه لما حذف النداء زاد لفظة "لا" زيادة في النفي وإعلاماً بأن المخاطب به إبليس.

وإن شئت قلت: جمع في السورة بين ما في "ص" وما في "الحجر" فقال: ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ و ﴿ مالك أن لا تسجد ﴾ وحذف ﴿ أن تسجد ﴾ وحذف ﴿ مالك ﴾ لدلالة الحال ودلالة السورتين عليه فبقي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ .

قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ الآية في ص مثله كلاهما في جواب ﴿ ما منعك ﴾ ظاهر إلا أنه زاد في الحجر لفظ الكون فقال: ﴿ لم أكن لأسجد  ﴾ ليكون مطابقاً للسؤال حيث قيل: ما لك أن لا تكون مع الساجدين.

قوله: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ وفي ص وفي الحجر ﴿ رب فانظرني  ﴾ لأنه لما اقتصر في السؤال على الخطاب دون صريح الاسم اقتصر ههنا أيضاً على الخطاب دون ذكر المنادى بخلاف السورتين.

وأما زيادة الفاء في السورتين دون هذه السورة فلأن داعية الفاء ما تضمنه النداء من أدعو وأنادي نحو قوله: ﴿ ربنا فاغفر  ﴾ أي أدعوك فاغفر.

فلما حذف النداء في هذه السورة تركت الفاء.

وكذلك من قوله: ﴿ إنك من المنظرين ﴾ ليطابق الجواب السؤال.

قوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ وفي الحجر ﴿ رب بما أغويتني  ﴾ بزيادة النداء ليوافق ما قبله.

وزاد في هذه السورة الفاء وكذا في "ص" ﴿ فبعزتك لأغوينهم  ﴾ لزيادة الربط.

ولم يمكن دخول الفاء في "رب" لامتناع النداء منه لأن ذلك يقع مع السؤال والطلب.

﴿ قال اخرج منها مذؤماً ﴾ ليس في القرآن غيره وإنما اختص هذا الموضع بذلك لأن اللعين بالغ في العزم على الإغواء فقال: ﴿ لأقعدن لهم ﴾ إلى آخره فبالغ الله جل وعلا في ذمه إذ الذام أشد الذم.

قوله: ﴿ فكلا ﴾ بالفاء وفي البقرة ﴿ وكلا  ﴾ لأن اسكن ههنا من السكنى التي معناها اتخاذ الموضع مسكناً وهذا لا يستدعى زماناً ممتداً يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه بل يقع الأكل عقيبه، وفي البقرة من السكون الذي يراد به الإقامة فلم يصلح إلا بالواو فإن المعنى أجمعا بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها ولو كان بالفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة.

وإنما زاد في البقرة ﴿ رغداً ﴾ لما زاد في الخبر تعظيماً بقوله: ﴿ وقلنا ﴾ قال بعض الأفاضل في الجواب عن هذه المسائل: إن اقتصاص ما مضى إذا لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها كان اختلافها واتفاقها سواء إذا أدى المعنى المقصود.

وهذا جواب حسن إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر والله أعلم.

التأويل: ﴿ ولقد خلقنا ﴾ أرواحكم ﴿ ثم صورناكم ﴾ أي خلقنا لأرواحكم أجساداً كما جاء في الحديث "إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ولتصوير الأجساد بداية وهي قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم  ﴾ فإن لفظ الذرية يقع على المصورين ووسط ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء  ﴾ ونهاية هي حالة الكهولية في الأغلب ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ وأنتم في صلبه وهذا من التمكين أيضاً ﴿ فسجدوا ﴾ لاستعدادهم الفطري للسجود ولائتمارهم لأمر الله ﴿ إلا إبليس لم يكن ﴾ من المستعدين للسجود لما فيه من الاستكبار الناري ﴿ قال ما منعك ﴾ خطاب الامتحان لجرم إبليس ليظهر به استحقاقه اللعن فإنه لو كان ذا بصيرة لقال في الجواب منعني تقديرك وقضاؤك ولكنه كان أعور العين اليمنى بصيراً بالعين التي رأى بها أنانيته فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ أي منعني خيريتي من أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بأنه خلق من نار وهي علوية نورانية لطيفة وآدم خلق من طين وهو سفلي ظلماني كثيف.

وهذا القياس معارض بأن النار من خاصيتها الإحراق والفناء والطين من خواصه النشوء والإنماء والاستمساك الذي بقوته يصير الإنسان مستمسكاً للفيض الإلهي ونفخ الروح فيه فاستحق سجود الملائكة لأنه صار كعبة حقيقية.

فلما ابتلي إبليس بالصغار وطرد من الجوار أخذ في النوح وأيس من الروح ورضي بالبعاد واطمأن بالحياة فقال: ﴿ أنظرني ﴾ فأجيب إلى ما سأل ليكون وبالاً عليه ويزي في شقوته، ولكن لم يجبه بأن لا يذيقه ألم الموت لقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم  ﴾ ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ لم تكن حوالته الإغواء إلى الله منه نظر التوحيد وإنما كان للمعارضة والمعاندة لقوله: ﴿ لأغوينهم  ﴾ ﴿ لأقعدن ﴾ ﴿ ثم لآتينهم ﴾ من الجهات التي فيها حظوظ النفس ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الحسد على الأكابر من المشايخ والعلماء المعاصرين ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الطعن في الأكابر الأقدمين والسلف الصالحين.

﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل إفساد ذات البين وإلقاء العداوة والبغضاء بين الإخوان ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من جهة ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وترك الأمر بالمعروف مع عامة المسلمين.

أو المراد ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الرياء والعجب ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الصلف والفخر ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل الادعاء وإظهار المواعيد والمواجيد ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل الافتراء على أنفسهم ما ليس فيها من الكشوف والأحوال.

أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الاعتراض على الشيخ ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل التفريق والإخراج عن صحبة الشيخ ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل ترك حشمة المشايخ ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل مخالفة الشيخ والرد بعد القبول.

أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ أثوّر عليهم أهاليهم وأولادهم ليمنعوهم عن طلب الحق ﴿ ومن خلفهم ﴾ أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم ﴿ وعن أيمانهم ﴾ أثور عليهم أحباءهم ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أثور عليهم أعداءهم وحسادهم.

﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ يعني شجرة المحبة فإن المحبة مطية المحنة ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ على أنفسكما لأن للمحبة ناراً ونوراً فمن لم يرد نارها لم يجد نورها ومن يرد نارها احترقت أنانيته فيبقى بلا هوية نفسه مع هوية ربه فههنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فشجرة المحبة شجرة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإنّ منعه منها كان تحريضاً له على تناولها فإن الإنسان حريص على ما منع.

ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي من أهل السلو كملكين في زوايا الجنة ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ في الجنة كالحور والرضوان فسقاهما إبليس في كأس القسم شراب ذكر الحبيب ﴿ وقاسمهما ﴾ فلما غرقا في لجّة المحنة وذاقا شجرة المحبة ﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ أي سوآت نار المحبة قبل نورها وهي نار فرقة الأحبة في البداية ﴿ وطفقا ﴾ لاشتعال نائرة المحبة يجعلان كل نعيم الجنة على نارهما، فلما التهبت احترقت بلظى نارها حبة الوصلة ونعب غراب البين بالفرقة.

فبينما نحن في لهو وفي طرب *** بدا سحاب فراق صوبه هطل وإن من كنت مشغوفاً بطلعته *** مضى وأقفر منه الرسم والطلل فالصبر مرتحل والوجد متصل *** والدمع منهمل والقلب مشتعل ﴿ وناداهما ربهما ﴾ نداء العزة والكبرياء ﴿ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ فإنها تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب الطرب وتورث التعب والنصب ﴿ إن الشيطان لكما عدوّ مبين ﴾ ولكن في عداوته صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين: واخجلتا من وقوفي باب دارهم *** لو قيل لي مغضباً من أنت يا رجل فانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية ولوث العجب والأنانية فرجعا عما طمعا فيه ووقفا لديه وعلما أن لا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه فقالا ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ بأن أوقعناها في شبكة المحبة لا المحبة تبقينا بالوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال ﴿ وإن لم تغفر لنا ﴾ بنوال الوصال ﴿ وترحمنا ﴾ بتجلي الجمال ﴿ لنكونن من الخاسرين ﴾ الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى.

فأمرا بالصبر على الهجر وقيل: ﴿ اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ النفس عدو القلب والروح، والقلب عدو لما سوى الله ﴿ ولكم ﴾ للنفس والقلب والرفع في أرض البدن مقام وتمتع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة إلى حين تصير النفس مطمئنة تستحق الخطاب، ارجعي من الهبوط وارفعي بعد السقوط.

إن الأمور إذا انسدت مسالكها *** فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا.

﴿ قال فيها ﴾ أي في المحبة ﴿ تحيون ﴾ بصدق الهمة وقرع باب العزيمة ﴿ وفيها تموتون ﴾ بطلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة ﴿ ومنها تخرجون ﴾ إلى عالم الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ .

يحتمل ﴿ مِنْهَا ﴾ : من السماء.

ويحتمل من الأرض.

ويحتمل من الصورة التي كان فيها على ما قلنا في قوله: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ .

وقيل: الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَذْءُوماً مَّدْحُوراً ﴾ .

قيل: مذموماً مدحوراً، أي: مذموماً ملوماً عند الخلق جميعاً.

مدحوراً قيل: مقصيّاً مبعداً عن كل خير.

قال أبو عوسجة: مذءوم ومذموم ومدحور واحد مباعد مطرود.

وقوله: ﴿ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

أخبر - عز وجل - أنه يملأ جهنم من إبليس ومن تبعه وأطاعه؛ لأنهم [إنما] يتبعونه ويطيعونه في الكفر والشرك بالله.

تعلق الخوارج بظاهر قوله: ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ ، وكل مرتكب معصية تابع له؛ لذلك استوجب الخلود.

وقالت المعتزلة: كل مرتكب كبيرة بوعيد هذه الآية؛ لأنه تابع له.

وعندنا: ليس لهم في الآية حجة في تخليد من ذكروا في النار؛ لأنه إنما ذكرت على أثر نقض الدين ورد التوحيد؛ فكأنه قال: لمن تبعك في نقض الدين وردّ التوحيد لأملأن جهنم منكم أجمعين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ .

كان السكون في موضع من القرار فيه والأمن؛ كقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ  ﴾ ؛ لتقروا فيه وتأمنوا؛ فقوله لآدم: ﴿ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ أسكنهما عز وجل ليقروا فيها ويأمنوا من [كل ما] ينقصهما من تلك النعم التي أنعم عليهما؛ لأن الخوف، مما ينقص النعم ويذهب بلذتها، فلما أسكنهما عز وجل الجنة أمنهما عن ذلك كله.

ثم فيه أن أول المحنة والابتلاء من الله لعباده إنما يكون بالإنعام والإفضال عليهم، ثم بالجزاء والعدل بسوء ما ارتكبوا؛ لأنه عز وجل امتحن آدم أولاً بالإفضال والإنعام عليه؛ حيث أسجد [له ملائكته]، وأسكنه جنته، ووسع عليه نعمه، ثم امتحنه بالشدائد وأنواع المشقة؛ جزاء ما ارتكبوا من التناول من الشجرة التي نهاه عن قربانها، فهو ما ذكرنا أن [شرط] امتحانه عباده في الابتداء يكون بالإفضال والإنعام، ثم بالعدل والجزاء لسوء صنيعهم.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ أخبر أن ما يصيبنا هو من كسب أيدينا وهو جزاء ما كسبنا.

[وفيها وفي غيرها من القصص والذكر دليل إثبات] رسالة محمد  ونبوته؛ لأنه [أخبر عما كان] من غير أن اختلف إلى أحد ممن يعرف ذلك ولا نظر في الكتب التي فيها [ذكرها] دل أنه إنما عرف ذلك بالله  .

ثم اختلف أهل التأويل في الجنة التي أسكن عز وجل آدم فيها وزوجته: قال بعضهم: [هي] الجنة التي يكون عود أهل الإسلام إليها في الآخرة، ولهم وعد عز وجل تلك.

وقال بعضهم: هي جنة أنشأها لآدم ليسكن فيها في السماء، ولكن لا ندري ما تلك الجنة، وليس لنا إلى معرفة تلك الجنة حاجة، إنما الحاجة إلى ما ذكر من المحن.

واختلف - أيضاً - في الشجرة التي نهي آدم عن قربانها: قال بعضهم: هي شجرة العلم.

وقال بعضهم: هي شجرة الحنطة.

وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل واختلافهم في صدر الكتاب قدر ما حفظناه.

وكذلك اختلفوا في وسوسة الشيطان لآدم وحواء: أنه كيف وسوس إليه ومن أين كان، وهذا - أيضاً - قد ذكرناه في تلك القصة.

والحسن يقول: إنما وسوس إليهما من الدنيا لا أن كان دخل الجنة.

وقال بعضهم: وسوس إليهما من رأس الجنة ومن فيها بكلمتهما.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

لم يرد [به] الدنو منها، ولكن أراد الذوق والأكل منها؛ لأنه قال: ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ  ﴾ ، دل أن النهي لم يكن للدنو منها، ولكن للذوق والأكل منها.

وفيه: أن الامتحان من الله مرة يكون بالحل، ومرة يكون بالحرمة؛ لأنه أذن [له] التناول مما فيها من أنواع النعم، وحرم عليه التناول من واحدة منها؛ فذلك محنة منه، ثم النهي عن التناول من الشيء يخرج على وجوه: أحدها: ينهى بحق الحرمة لنفسه، وينهى بحق إيثار الغير عليه، وينهى عن التناول منه لداء فيه وآفة، وينهى لما يخرج التناول منها بحق الجزاء فلم يكن بعد وقت الجزاء له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ﴾ .

قوله: ﴿ مَا وُورِيَ ﴾ أي: ستر وغطي، وسوءاتهما: عورتهما، والسوءة: العورة في اللغة.

وفيه أنه يجب أن نكون على حذر من شر إبليس اللعين؛ لئلا يجد فرصة علينا؛ فإنه أبداً على [سلب] النعم [التي] أنعمها الله على عباده، حيث احتال كل حيلة؛ حتى أبدى لهما ما ووري وستر عنهما من العورة وعمل في إخراجهما من النعم واللذات؛ وأوقعهما في الشدائد والمشقة.

وفيه أنه ليس [حال] عليه أشد من أن رأى أحداً في النعم والسعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ ﴾ .

قد ذكرنا معنى هذا - أيضاً - في صدر الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ ﴾ .

قال الحسن قاسمهما في وسوسته إياهما إني لكما لمن الناصحين وهذا الذي يقول الحسن يومئ إلى أن آدم قد علم أنه الشيطان.

وقال أبو بكر الكيساني: إنه قد وقع عند آدم أن الشجرة التي نهاه ربه أن يتناول منها هي المفضلة على جميع الشجر، فلمّا وسوس إليه الشيطان، وقال له ما قال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ  ﴾ ؛ فوافق ظنُّه قول اللعين وما دعاهما إليه، ثم اشتغل فنسي ذلك؛ فتناول على النسيان [والنسيان] على وجهين: نسيان الترك على العهد، ونسيان السهو، ولا يحتمل أن يكون آدم ترك [ذلك] عمداً؛ فهو على نسيان السهو، إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم أو كلام نحوه.

وقرأ بعضهم قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ ، بكسر اللام من الملك؛ ذهب في ذلك إلى ما قال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ  ﴾ .

وقراءة العامة الظاهرة: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ ، بنصب اللام من الملائكة، وقد ذكرنا جهة رغبة آدم في أن يصير ملكاً؛ حيث تناول منها، في صدر الكتاب على قدر ما حفظنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال الله له: اخرج -يا إبليس- من الجنة مذمومًا مطرودًا من رحمة الله، ولأملأن جهنم يوم القيامة منك ومن كل من اتبعك واطاعك وعصى أمر ربه.

<div class="verse-tafsir" id="91.dnzqa"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله