الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٩ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يذكر تعالى أنه أباح لآدم ، عليه السلام ، ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا منها من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة .
وقد تقدم الكلام على ذلك في " سورة البقرة "
القول في تأويل قوله : وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: وقال الله لآدم: (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما).
فأسكن جل ثناؤه آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها, وأباح لهما أن يأكلا من ثمارها من أيّ مكان شاءا منها, ونهاهما أن يقربا ثمر شجرة بعينها.
* * * وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك، وما نرى من القول فيه صوابًا، في غير هذا الموضع, فكرهنا إعادته.
(47) * * * =(فتكونا من الظالمين)، يقول: فتكونا ممن خالف أمر ربِّه، وفعل ما ليس له فعله.
------------------------ الهوامش : (47) انظر ما سلف 1 : 512 - 524 .
قوله تعالى ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين قال لآدم بعد إخراج إبليس من موضعه من السماء : اسكن أنت وحواء الجنة .
وقد تقدم في البقرة معنى الإسكان ، فأغنى عن إعادته .
وقد تقدم معنى ولا تقربا هذه الشجرة هناك والحمد لله .
أي: أمر اللّه تعالى آدم وزوجته حواء، التي أنعم اللّه بها عليه ليسكن إليها، أن يأكلا من الجنة حيث شاءا ويتمتعا فيها بما أرادا، إلا أنه عين لهما شجرة، ونهاهما عن أكلها، واللّه أعلم ما هي، وليس في تعيينها فائدة لنا.
وحرم عليهما أكلها، بدليل قوله: { فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ }
" ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ".
«و» قال «يا آدم اسكن أنت» تأكيد للضمير في اسكن ليعطف عليه «وزوجك» حواء بالمد «الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة» بالأكل منها وهي الحنطة «فتكونا من الظالمين».
ويا آدم اسكن أنت وزوجك حواء الجنة، فكُلا من ثمارها حيث شئتما، ولا تأكلا من ثمرة شجرة (عَيَّنها لهما)، فإن فعلتما ذلك كنتما من الظالمين المتجاوزين حدود الله.
ثم حكى القرآن ما أمر الله - تعالى - به آدم فقال : ( وَيَآءَادَمُ اسكن .
.
.
) .صدر الكلام بالنداء للتنبيه على الاهتمام بالمأمور به ، وتخصيص الخطاب بآدم - عليه السلام - للإيذان بأصالته بالتلقى وتعاطى المأمور به .وقوله : ( اسكن ) من السكنى وهو اللبث والإقامة والاستقرار ، دون السكون الذى هو ضد الحركة .والزوج .
يطلق على الرجل والمرأة .
والمراد به هنا حواء ، حيث تقول العرب للمرأة زوج ولا تكاد تقول زوجة .والجنة : هى كل بستان ذى شجر متكاثف ملتف الأغصان ، يظلل ما تحته ويستره من الجن وهو ستر الشىء عن الحواس .وجمهور أهل السنة على أن المراد بها هنا دار الثواب التى أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة ، لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق .ويرى جمهور علماء المعتزلة أن المراد بها هنا بستان بمكان مرتفع من الأرض ، خلقه الله لاسكان آدم وزوجته .
واختلفوا فى مكانه ، فقيل انه بفلسطين ، وقيل بغيرها .وقد ساق ابن القيم فى كتابه " حادى الأرواح " أدلة الفريقين دون أن يرجح شيئا منها .والذى نراه أن الأحوط والأسلم .
الكف عن تعيينها وعن القطع به ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدى فى التأويلات ، إذ ليس لهذه المسألة تأثير فى العقيدة .وتوجيه الخطاب إليهما فى قوله : ( فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا ) لتعميم التشريف والإيذان بتساويهما فى مباشرة المأمور به .
أى : كلا من مطاعم الجنة وثمارها أكلا واسعا من أى مكان أردتم .ثم بين - سبحانه - أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة فقال : ( وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين ) .القرب : الدنو والمنهى عنه هو الأكل من ثمار الشجرة .
وتعليق النهى على القرب منها القصد منه المبالغة فى النهى عن الأكل ، إذى فى النهى عن القرب من الشىء نهى عن فعله من باب أولى .
وأكد النهى بأن جعل عدم اجتناب الأكل من الشجرة ظلما .
فقال : ( فَتَكُونَا مِنَ الظالمين ) وقد ظلما أنفسهما إذ أكلا منها ، فقد ترتب على أكلهما منها أن أخرجا من الجنة التى كانا يعيشان فيها عيشة راضية .وقد تكلم العلماء كثيرا عن اسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هى التينة ، وقيل هى السنبلة ، وقيل هى الكرمة .
.
.
إلخ إلا أن القرآن لم يذكر نوعها على عادته فى عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سياق القصة إلى بيانه .وقد أحسن ابن جرير فى التعبير عن هذا المعنى فقال : " والصواب فى ذلك أن يقال : إن الله - تعالى - نهى آدم وزوجه عن الأكل من شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر اشجارها فأكلا منها ، ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على التعيين ، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك فى القرآن ولا من السنة الصحيحة ، وقد قيل كانت شجرة البر ، وقيل شجرة العنب ، وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه ، وان جهله جاهل لم يضره جهله به " .
اعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل: أحدها: أن قوله: ﴿ اسكن ﴾ أمر تعبد أو أمر إباحة وإطلاق من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف.
وثانيها: أن زوج آدم هو حواء، ويجب أن نذكر أنه تعالى كيف خلق حواء.
وثالثها: أن تلك الجنة كانت جنة الخلد، أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض.
ورابعها: أن قوله: ﴿ فَكُلاَ ﴾ أمر إباحة لا أمر تكليف.
وخامسها: أن قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا ﴾ نهي تنزيه أو نهي تحريم.
وسادسها: أن قوله: ﴿ هذه الشجرة ﴾ المراد شجرة واحدة بالشخص أو النوع.
وسابعها: أن تلك الشجرة أي شجرة كانت.
وثامنها: أن ذلك الذنب كان صغيراً أو كبيراً.
وتاسعها: أنه ما المراد من قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظالمين ﴾ وهل يلزم من كونه ظالماً بهذا القربان الدخول تحت قوله تعالى: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين ﴾ .
وعاشرها: أن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم عليه السلام أو بعدها، فهذه المسائل العشرة قد سبق تفصيلها وتقريرها في سورة البقرة فلا نعيدها، والذي بقي علينا من هذه الآية حرف واحد، وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا ﴾ بالواو، وقال هاهنا: ﴿ فَكُلاَ ﴾ بالفاء فما السبب فيه، وجوابه من وجهين: الأول: أن الواو تفيد الجمع المطلق، والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو، ولا منافاة بين النوع والجنس، ففي سورة البقرة ذكر الجنس وفي سورة الأعراف ذكر النوع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ ﴾ وقلنا: يا آدم.
وقرئ: ﴿ هذي الشجرة ﴾ والأصل الياء، والهاء بدل منها، ويقال: وسوس، إذا تكلم كلاماً خفياً يكرره.
ومنه وسوس الحليّ، وهو فعل غير متعدّ، كولولت المرأة ووعوع الذئب، ورجل موسوس- بكسر الواو- ولا يقال موسوس بالفتح، ولكن موسوس له، وموسوس إليه، وهو الذي تلقى إليه الوسوسة.
ومعنى وسوس له: فعل الوسوسة لأجله، ووسوس إليه: ألقاها إليه ﴿ لِيُبْدِيَ ﴾ جعل ذلك غرضاً له ليسوءهما إذا رأيا ما يؤثران ستره، وأن لا يطلع عليه مكشوفاً.
وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه لم يزل مستهجناً في الطباع مستقبحاً في العقول.
فإن قلت: ما للواو المضمومة في ﴿ وُورِيَ ﴾ لم تقلب همزة كما قلبت في أو يصل؟
قلت: لأن الثانية مدّة كألف وارى.
وقد جاء في قراءة عبد الله: ﴿ أورى ﴾ بالقلب ﴿ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ إلاّ كراهة أن تكونا ملكين.
وفيه دليل على أن الملكية بالمنظر الأعلى، وأن البشرية تلمح مرتبتها كلا ولا.
وقرئ: ﴿ ملكين ﴾ بكسر اللام، كقوله ﴿ وَمُلْكٍ لاَّ يبلى ﴾ [طه: 120] .
﴿ مِنَ الخالدين ﴾ من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين.
وقرئ: ﴿ من سوأتهما ﴾ ، بالتوحيد، ﴿ وسوَّاتهما ﴾ ، بالواو المشددة ﴿ وَقَاسَمَهُمَا ﴾ وأقسم لهما ﴿ إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين ﴾ .
فإن قلت: المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك تقول: قاسمت فلاناً حالفته، وتقاسما تحالفا.
ومنه قوله تعالى: ﴿ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيّتَنَّهُ ﴾ [النمل: 49] .
قلت: كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن الناصحين، وقالا له أتقسم بالله إنك لمن الناصحين، فجعل ذلك مقاسمة بينهم.
أو أقسم لهما بالنصحية وأقسما له بقبولها.
أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم ﴿ فدلاهما ﴾ فنزّلهما إلى الأكل من الشجرة ﴿ بِغُرُورٍ ﴾ بما غرّهما به من القسم بالله.
وعن قتادة: وإنما يخدع المؤمن بالله.
وعن ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة ﴾ وجدا طعمها آخذين في الأكل منها.
وقيل: الشجرة هي السنبلة.
وقيل: شجرة الكرم ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سوءاتهما ﴾ أي تهافت عنهما اللباس فظهرت لهما عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر.
وعن عائشة رضي الله عنها: ما رأيت منه ولا رأى مني.
وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار.
وعن وهب: كان لباسهما نوراً يحول بينهما وبين النظر.
ويقال: طفق يفعل كذا، بمعنى جعل يفعل كذا.
وقرأ أبو السَّمَّال: ﴿ وطفقا ﴾ بالفتح ﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ ورقة فوق ورقة على عوراتهما ليستترا بها، كما يخصف النعل، بأن تجعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور.
وقرأ الحسن: ﴿ يخصفان ﴾ بكسر الخاء وتشديد الصاد، وأصله يختصفان.
وقرأ الزهري: ﴿ يُخصفان ﴾ ، من أخصف، وهو منقول من خصف أي يخصفان أنفسهما وقرئ: ﴿ يخصفان ﴾ من خصف بالتشديد ﴿ مِن وَرَقِ الجنة ﴾ قيل: كان ورق التين ﴿ أَلَمْ أَنْهَكُمَا ﴾ عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ، حيث لم يتحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس وروي: أنه قال لآدم: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟
فقال: بلى وعزتك، ولكن ما ظننت أنّ أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً.
قال: فبعزّتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلاّ كدّاً.
فأهبط وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وسقى وحصد وداس وذرى وطحن وعجن وخبز.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا ﴾ مَذْءُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ.
وقُرِئَ « مَذُومًا» كَمَسُولٍ في مَسْؤُولٍ أوْ كَمَكُولٍ في مَكِيلٍ، مِن ذامَّهُ يُذِيمُهُ ذَيْمًا.
﴿ مَدْحُورًا ﴾ مَطْرُودًا.
﴿ لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ ﴾ اللّامُ فِيهِ لِتَوْطِئَةِ القَسَمِ وجَوابِهِ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ ﴾ وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ.
وقُرِئَ « لِمَن» بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ لَأمْلَأنَّ عَلى مَعْنى: لِمَن تَبِعَكَ هَذا الوَعِيدُ، أوْ عِلَّةُ لِاخْرُجْ ولَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ومَعْنى ﴿ مِنكُمْ ﴾ مِنكَ ومِنهم فَغَلَبَ المُخاطَبُ.
﴿ وَيا آدَمُ ﴾ أيْ وقُلْنا يا آدَمُ.
﴿ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ وقُرِئَ « هَذِي» وهو الأصْلُ لِتَصْغِيرِهِ عَلى ذَيًّا والهاءُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ.
﴿ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ .
فَتَصِيرا مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وتَكُونا يَحْتَمِلُ الجَزْمَ عَلى العَطْفِ والنَّصْبَ عَلى الجَوابِ.
<div class="verse-tafsir"
{ويا آدم} وقلنا يا آدم بعد إخراج إبليس من الجنة {اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة} اتخذها مسكناً {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا} فتصيرا {مِنَ الظالمين}
﴿ ويا آدَمُ اسْكُنْ ﴾ أيْ وقُلْنا كَما وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَهَذِهِ القِصَّةُ بِتَمامِها مَعْطُوفَةٌ عَلى مِثْلِها وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ وإنَّما لَمْ يَعْطِفُوهُ عَلى ما بَعُدَ قالَ أيْ قالَ يا إبْلِيسُ اخْرُجْ ويا آدَمُ اسْكُنْ لِأنَّ ذَلِكَ في مَقامِ الِاسْتِئْنافِ والجَزاءِ لِما حَلَفَ عَلَيْهِ اللَّعِينُ وهَذا مِن تَتِمَّةِ الِامْتِنانِ عَلى بَنِي آدَمَ والكَرامَةِ لِأبِيهِمْ ولا عَلى ما بَعُدَ ( قُلْنا ) لِأنَّهُ يُؤَوَّلُ إلى قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ يا آدَمُ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْتِيبُ العَطْفُ عَلى ما بَعُدَ ﴿ قالَ ﴾ وبَيْنَهُ بِما لَهُ وجْهٌ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالنِّداءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِالمَأْمُورِ بِهِ وتَخْصِيصُ الخِطابِ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ بِالتَّلَقِّي وتَعاطِي المَأْمُورِ بِهِ و ﴿ اسْكُنْ ﴾ مِنَ السُّكْنى وهو اللَّيْثُ والإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ دُونَ السُّكُونِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَرَكَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ﴾ لِتَعْمِيمِ التَّشْرِيفِ والإيذانِ بِتَساوِيهِما في مُباشَرَةِ المَأْمُورِ بِهِ فَإنَّ حَوّاءَ أُسْوَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّ الأكْلِ بِخِلافِ السُّكْنى فَإنَّها تابِعَةٌ لَهُ فِيها ولِتَعْلِيقِ النَّهْيِ الآتِي بِهِما صَرِيحًا والمَعْنى فَكُلا مِنها حَيْثُ شِئْتُما كَما في البَقَرَةِ ولَمْ يَذْكُرْ رَغْدًا هُنا ثِقَةً بِما ذُكِرَ هُناكَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ مُبالَغَةٌ في النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ مِنها وقُرِئَ ( هَذِي ) وهو الأصْلُ إلّا أنَّهُ حُذِفَتِ الياءُ وعُوِّضَ عَنْها الهاءُ فَهي هاءُ عِوَضٍ لا هاءُ سَكْتٍ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ هو الياءُ قَوْلُهم في المُذَكَّرِ: ذا والألِفُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ إذِ الأصْلُ ذِيٌّ بِالتَّشْدِيدِ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ عَلى ذِيّا وإنَّما يُصَغَّرُ الثُّلاثِيُّ دُونَ الثُّنائِيِّ كَما ومَن فَحُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ تَخْفِيفًا ثُمَّ أُبْدِلَتِ الأُخْرى ألِفًا كَراهَةَ أنْ يُشْبِهَ آخِرُهُ آخِرَ كَيْ.
﴿ فَتَكُونا ﴾ أيْ فَتَصِيرا ﴿ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ (19) أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم و( تَكُونا ) يَحْتَمِلُ الجَزْمَ عَلى العَطْفِ عَلى تَقْرَبا والنَّصْبَ عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ.
<div class="verse-tafsir"
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ يعني: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما أي: من حيث أحببتما موسعاً عليكما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يعني: لا تأكلا من هذه الشجرة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فتصيرا من الضارين بأنفسكما.
قوله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي: زيّن لهما الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما يعني: أراد إبليس لعنه الله بالوسوسة ليظهر ما سترا من عوراتهما، والسوأة كناية عن العورة.
وذلك أن إبليس لما رأى محسوده في الجنة ورأى نفسه طريداً لم يصبر، واحتال لإخراجهما فأتاهما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ يعني: أنكما لو أكلتما تصيران كالملكين تموتان أبداً أو تكونا كالملائكة وتعلمان الخير والشر.
أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ يعني: إن لم تكونا مَلَكَيْنِ فتكونا من الخالدين لا تموتان.
وقرأ بعضهم مَلِكَيْنِ بالكسر كما قال: في آية أخرى وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى [طه: 120] وهي قراءة يحيى بن كثير وهي قراءة شاذة.
قوله: وَقاسَمَهُما أي حلف لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ بأنها شَجَرَةِ الخلد من أكل منها لم يمت.
وكان آدم لم يعلم أن أحداً يحلف بالله كاذباً فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ أي: غرّهما بباطل ويقال: زَيَّنَ لهما.
وأصله في اللغة من التقريب يعني: قربهما إلى الشجرة فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ يقول: فلما أكلا من الشجرة ووصل إلى بطونهما تهافت لباسهما عنهما بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي ظهرت عوراتهما، وإنما سميت العورة سوأة لأن كشف العورة قبيح.
قال الفقيه: حدّثنا أبو جعفر.
قال: حدثنا أبو القاسم أحمد بن حم قد ذكر بإسناده عن أبَيّ بن كعب عن النبي : «إنَّ آدَمَ كَانَ رَجُلاً طَوِيلاً كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلَمَّا وَقَعَ في الخَطِيئَةِ بَدَتْ لَهُ سَوْأَتهُ، وَكَانَ لاَ يَرَاها قَبْلَ ذلك، فَانْطَلَقَ هَارِباً فِي الجَنَّةِ فَتَعَلَّقَتْ بِهِ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الجَنَّةِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا آدَمُ أَتَفِرُّ مِنِّي؟
قَالَ: يَا رَبّ إِنِّي أَسْتَحِي» .
وفيه دليل أن ستر العورة كان واجباً من وقت آدم لأنه لما كشف عنهما سترا عوراتهما بالأوراق فذلك قوله: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي أقبلا وعمدا يلصقان عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة يعني: من ورق التين يطبقان على أبدانهما ورقة ورقة منه.
يقال: خصف نعله وهو إطباق طاق على طاق وأصل الخصف الضم والجمع.
والخصف إنما هو إلصاق الشيء بالشيء ولهذا قيل: خصاف.
وقرأ بعضهم وطفَقَا بالنصب وهما لغتان طَفِقَ يَطْفَقُ وطَفَق يَطْفِقُ وَناداهُما رَبُّهُما أي قال: لهما ربهما: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ أي عن أكل تلك الشجرة وَأَقُلْ لَكُما يعني: ألم أقل لكما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.
قوله عز وجل: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا بأكلنا الشجرة فاغفر لنا وتجاوز عن معصيتنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا يعني: إن لم تتجاوز عن ذنوبنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ بالعقوبة فهذه لام القسم كأنهما قالا: والله لنكونن من الخاسرين إن لم تغفر لنا وترحمنا.
وقد ذكر الله تعالى قبول توبتهما في سورة البقرة.
وهو قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْهِ [البقرة: 37] أي قبل توبته.
وفي الآية دليل أن الله تعالى يعذب عباده إذا أصروا على الذنوب ويتجاوز عنهم إذا تابوا، لأن إبليس لم يتب، وسأل النظرة، فجعل مأواه جهنم.
وتاب آدم ورجع عن ذنبه فقبل توبته.
قوله: قالَ اهْبِطُوا يعني: آدم وحواء عليهما السلام وإبليس لعنه الله بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يعني: إبليس عدوّ لآدم وحواء وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي: منزل وموضع القرار وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ أي: معاش إلى وقت الموت.
قوله تعالى: قالَ فِيها تَحْيَوْنَ أي: في الأرض تعيشون وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ من الأرض من قبوركم يوم القيامة.
قرأ الكسائي وابن عامر يَخْرُجُونَ بنصب الياء وضم الراء وقرأ الباقون بضم الياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقال أبو حيان «١» : الظاهر أنها المُوَطِّئة لِلْقَسَمِ «٢» ، و «من» شرطية في موضع رَفَعٍ بالابتداء، وحذف جواب الشرط لدلالة جَوَابِ القَسَم عليه، ويجوز أن تكون لام ابتداء، و «من» موصولة في مَوْضَعِ رَفْعٍ بالابتداء، والقَسَمُ المحذوف، وجوابه، وهو «لأملأن» في موضع خبرها.
انتهى.
وقال الفخر «٣» : وقيل/: مَذْؤُماً، أي: محقوراً فالمَذْؤومُ المحتقر.
قاله الليث.
وقال ابن الأنباري «٤» : المذءوم المذموم.
وقال الفَرّاءُ: أَذْأَمْتُهُ إِذا عَيَّبْتُهُ.
انتهى.
وباقي الآية بَيِّنٌ.
اللهم إنا نَعُوذُ بك من جَهْدِ البَلاَءِ، وسوء القَضَاءِ، ودَرك الشَّقَاء، وشماتة الأعداء.
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)
وقوله جل وعلا: وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ إذا أُمِرَ الإنسان بِشَيْءٍ، وهو متلبس به، فإنما المقصد من ذلك أن يستمر على حاله، ويتمادى في هَيْئَتِهِ.
وقوله سبحانه لآدم: اسْكُنْ هو من هذا البَابِ، وقد تَقَدَّمَ الكلام في «سورة البقرة» على «الشَّجَرَةِ» وتعيينها، وقوله سبحانه: «هذه» قال (م) : الأَصْلُ هَذِي، وَالهَاءُ بَدَلٌ من الياء، ولذلك كسرت الذال، إذ ليس في كلامهم هاء تأنيث قبلها كسرة انتهى.
وقوله عز وجل: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما الوَسْوَسَةُ الحديث في إخفاء همساً وإسْرَاراً من الصوت، والوسواس صَوْتُ الحُلِيِّ، فشبه الهمس به، وسمى إِلْقَاءُ الشيطان في نَفْسِ ابن آدم وَسْوَسَةً، إذ هي أَبْلَغُ الإسرار وأخفاه.
هذا في حال الشيطان معنا الآن، وأما مع آدم، فممكن أن تكون وَسْوَسَة بمُحَاوَرَةٍ خفية، أو بإلقاء في نَفْسٍ، واللام في «ليبدي» هي في قول الأكثرين لام الصَّيْرُورَةِ والعاقبة، ويمكن أن تكون لام «كي» على بابها «١» .
وما وُورِيَ معناه ما ستر من قولك: وارى يُوَارِي إذا ستر، والسَّوْأَةُ الفَرْجُ والدُّبر، ويشبه أن يسمى بذلك لأن منظره يسوء.
وقالت طائفة: إن هذه العِبَارَةَ إنما قصد بها أنها كُشِفَتْ لهما مَعَائِبهما، وما يسوءهما، ولم يقصد بها العورة، وهذا القَوْلُ محتمل، إلا أن ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ إلا أن يُقَدَّرَ الضمير في عَلَيْهِما عائد على بدنيهما فيصحّ.
وقوله سبحانه: وَقالَ مَا نَهاكُما ...
الآية، هذا القول المَحْكِيُّ عن إبليس يدخله من التأويل ما دَخَلَ الوَسْوَسَةَ، فممكن أن يقول هذا مخاطبةً وحِوَاراً، وممكن أن يقولها إلْقَاءً في النفس، ووحيا.
وإِلَّا أَنْ تقديره عند سيبويه والبصريين: إلا كراهِيَة أن، وتقديره عند الكوفيين: «٢» «إلا أن لا» على إضمار «لا» ، ويرجح قَوْلُ البصريين أن إضمار الأسماء أَحْسَنُ من إِضْمَارِ الحروف.
وقرأ جمهور الناس «مَلَكَيْنِ» بفتح اللام.
وقرأ ابن عباس: «مَلِكَيْنِ «٣» » بكسرها، ويؤيده قوله: وَمُلْكٍ لا يَبْلى [طه: ١٢٠]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: " مَذُومًا " بِضَمِّ الذّالِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.
قالَ الفَرّاءُ: الذَّأْمُ: الذَّمُّ؛ يُقالُ: ذَأمْتُ الرَّجُلَ، أذْأمُهُ ذَأْمًا؛ وذَمَمْتُهُ، أذُمُّهُ ذَمًّا؛ وذِمْتُهُ، أذِيمُهُ ذَيْمًا؛ ويُقالُ: رَجُلٌ مَذْؤُومٌ، ومَذْمُومٌ، ومَذِيمٌ، بِمَعْنًى.
قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: وأقامُوا حَتّى أبِيرُوا جَمِيعًا في مَقامٍ وكُلِّهِمُ مَذْؤُومُ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَذْؤُومُ: المَذْمُومُ بِأبْلَغِ الذَّمِّ.
والمَدْحُورُ: المُقْصى المُبْعَدُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى المَذْؤُومِ كَمَعْنى المَذْمُومِ، والمَدْحُورِ: المُبْعَدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.
واللّامُ مِن "لَأمْلَأنَّ": لامُ القَسَمِ؛ والكَلامُ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَن تَبِعَكَ، أُعَذِّبُهُ، فَدَخَلَتِ اللّامُ لَلْمُبالَغَةِ والتَّوْكِيدِ.
فَلامُ "لَأمْلَأنَّ" هي لامُ القَسَمِ، ولامُ ﴿ لَمَن تَبِعَكَ ﴾ تَوْطِئَةٌ لَها.
فَأمّا قَوْلُهُ: مِنهم فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الهاءُ والمِيمُ عائِدَتانِ عَلى ولَدِ آَدَمَ، لِأنَّهُ حِينَ قالَ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ كانَ مُخاطِبًا لَوَلَدِ آَدَمَ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿ لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ ﴾ فَجَعَلَهم غائِبِينَ، لِأنَّ مُخاطَبَتَهم في ذا المَوْضِعِ تُوقِعُ لَبْسًا؛ والعَرَبُ تَرْجِعُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.
ومَن قالَ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ خِطابٌ لِآَدَمَ، قالَ: أعادَ الهاءَ والمِيمَ عَلى ولَدِهِ، لِأنَّ ذِكْرَهُ يَكْفِي مِن ذِكْرِهِمْ؛ والعَرَبُ تَكْتَفِي بِذِكْرِ الوالِدِ مِن ذِكْرِ الأوْلادِ إذا انْكَشَفَ المَعْنى وزالَ اللَّبْسُ.
قالَ الشّاعِرُ: أرى الخَطَفَيَّ بَذَّ الفَرَزْدَقُ شِعْرَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ خَيْرًا مِن كُلَيْبٍ مُجاشِعُ أرادَ: أرى ابْنَ الخَطَفِيِّ، فاكْتَفى بِالخَطَفِيِّ مِنِ ابْنِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي أوْلادَ آَدَمَ المُخالِفِينَ وقُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ فَتَكُونا مِن الظالِمِينَ ﴾ إذا أُمِرَ الإنْسانُ بِشَيْءٍ هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ؛ فَإنَّما المَقْصِدُ بِذَلِكَ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى حالِهِ؛ ويَتَمادى في هَيْئَتِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - "اُسْكُنْ"؛ هو مِن هَذا البابِ؛ وأكَّدَ الضَمِيرَ الَّذِي في قَوْلِهِ: "اُسْكُنْ"؛ بِقَوْلِهِ: "أنْتَ"؛ وحِينَئِذٍ جازَ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ وهو ضَمِيرٌ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ؛ ولا يَتَرَتَّبُ؛ والعَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَلْفُوظِ بِهِ لا يَجُوزُ؛ إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "قُمْتَ أنْتَ وزَيْدٌ"؛ لِأنَّ الضَمِيرَ بِمَنزِلَةِ حَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ؛ وهَذا الضَمِيرُ الَّذِي في "اُسْكُنْ"؛ أضْعَفُ مِنَ المَلْفُوظِ بِهِ؛ فَأحْرى ألّا يَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ التَأْكِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى "فَكُلا"؛ هو مِن "أكَلَ"؛ فَأصْلُهُ "اُؤْكُلا"؛ فَحُذِفَتْ فاءُ الفِعْلِ؛ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ؛ واسْتُغْنِيَ عَنِ الأُخْرى لَمّا تَحَرَّكَ ما بَعْدَها؛ وحَسُنَ أيْضًا حَذْفُ فاءِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الحَرَكَةَ عَلى حَرْفِ عِلَّةٍ؛ وهَذا بابُ كَلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ هَمْزَةٌ؛ ووَزْنُهُ "فَعَلَ"؛ كَـ "أخَذَ"؛ و"أمَرَ"؛ ونَحْوِهِما؛ وكانَ القِياسُ ألّا تُحْذَفَ فاءُ الفِعْلِ؛ ولَكِنْ ورَدَ اسْتِعْمالُهم هَكَذا.
ويُقالُ: "قَرُبَ؛ يَقْرَبُ"؛ و ﴿ هَذِهِ الشَجَرَةَ ﴾ ؛ اَلظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى شَخْصِ شَجَرَةٍ واحِدَةٍ مِن نَوْعٍ؛ وأرادَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ وهو يُرِيدُ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ؛ وعَبَّرَ باسِمِ الواحِدَةِ؛ كَما تَقُولُ: "أصابَ الناسُ الدِينارَ؛ والدِرْهَمَ"؛ وأنْتَ تُرِيدُ النَوْعَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَآدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - إنَّما قَصَدَ في وقْتِ مَعْصِيَتِهِ فِعْلَ ما نُهِيَ عنهُ؛ قالَهُ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ؛ وبِذَلِكَ أغْواهُ إبْلِيسُ - لَعَنَهُ اللهُ تَعالى - بِقَوْلِهِ: إنَّكَ لَمْ تُنْهَ إلّا لِئَلّا تُخَلَّدَ؛ أو تَكُونَ مَلِكًا؛ فَيَبْطُلُ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - إنَّما أخْطَأ مُتَأوِّلًا؛ بِأنْ ظَنَّ النَهْيَ مُتَعَلِّقًا بِشَخْصِ شَجَرَةٍ؛ فَأكَلَ مِنَ النَوْعِ؛ فَلَمْ يُعْذَرْ بِالخَطَإ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ أنَّ هَذا القائِلَ إنَّما يَفْرِضُ آدَمَ مُعْتَقِدًا أنَّ النَهْيَ إنَّما تَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ فَكَيْفَ يُقالُ لَهُ - مَعَ هَذا الِاعْتِقادِ -: إنَّكَ لَمْ تُنْهَ إلّا لِئَلّا تُخَلَّدَ؛ ثُمَّ يَقْصِدُ هو طَلَبَ الخُلُودِ في ارْتِكابِ غَيْرِ ما نُهِيَ عنهُ؟
ولا فارِقَ بَيْنَ أكْلِهِ ما يَعْتَقِدُ أنَّهُ لَمْ يُنْهَ عنهُ؛ وبَيْنَ أكْلِهِ سائِرَ المُباحاتِ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والهاءُ الأخِيرَةُ في "هَذِهِ"؛ بَدَلٌ مِنَ الياءِ في "هَذِي"؛ أُبْدِلَتْ في الوَقْفِ؛ ثُمَّ ثَبَتَتْ في الوَصْلِ هاءً؛ حَمْلًا عَلى الوَقْفِ؛ ولَيْسَ في الكَلامِ هاءُ تَأْنِيثٍ قَبْلَها كَسْرَةٌ إلّا هَذِهِ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَذِي الشَجَرَةَ"؛ عَلى الأصْلِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَتَكُونا"؛ نُصِبَ في جَوابِ النَهْيِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَعَلَّقَ الناسُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ مَسْألَةَ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ تَكَلَّمَ الناسُ فِيها عَلى ضَرْبَيْنِ: فَأمّا الفُقَهاءُ؛ فَدَعاهم إلى الكَلامِ فِيها أنَّهُ تُنْزَلَ نَوازِلُ؛ لا تُوجَدُ مَنصُوصَةً في كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ولا في سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولا في إجْماعٍ؛ ويُعَتَّمُ وجْهُ اسْتِقْرائِها مِن أحَدِ هَذِهِ الثَلاثَةِ؛ وقِياسِها عَلى ما فِيها؛ فَيَرْجِعُ الناظِرُ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ عَلى أيِّ جِهَةٍ يَحْمِلُها؛ مِنَ الإجازَةِ؛ والمَنعِ؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إذا نُزِلَ مِثْلُ هَذا نَحْمِلُهُ عَلى الحَظْرِ؛ ونَأْخُذُ فِيهِ بِالشِدَّةِ؛ ونَسْتَبْرِئُ لِأنْفُسِنا؛ إذِ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ بَيَّنَ لَنا في كِتابِهِ جَمِيعَ ما يَجِبُ بَيانُهُ؛ وأحَلَّ ما أرادَ تَحْلِيلَهُ؛ ولَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَ هَذِهِ النازِلَةِ إلّا عن قَصْدٍ؛ فاجْتِرامُنا نَحْنُ عَلَيْها لا تَقْتَضِيهِ الشَرِيعَةُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَحْمِلُها عَلى الإباحَةِ؛ لِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أكْمَلَ لَنا دِينَنا؛ وحَرَّمَ عَلَيْنا ما شاءَ تَحْرِيمَهُ؛ ولَمْ يُهْمِلِ النَصَّ عَلى نازِلَةٍ إلّا وقَدْ تَرَكَها في جُمْلَةِ المُباحِ؛ وبَعِيدٌ أنْ يُرِيدَ في شَيْءٍ التَحْرِيمَ ولا يَذْكُرَهُ لَنا؛ ويَدَعَنا في عَمى الجَهالَةِ بِهِ؛ فَإنَّما نَحْمِلُها عَلى الإباحَةِ؛ حَتّى يَطْرَأ الحَظْرُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى الوَقْفِ أبَدًا؛ ولا نَحْكُمُ فِيهِ بِحَظْرٍ؛ ولا إباحَةٍ؛ بَلْ نَطْلُبُ فِيهِ النَظَرَ والقِياسَ أبَدًا؛ وذَلِكَ أنّا نَجِدُ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ في كِتابِهِ: "حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ في مَواضِعَ؛ ويَقُولُ: "أُحِلَّ لَكُمْ"؛ في مَواضِعَ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ نازِلَةٍ تَحْتاجُ إلى شَرْعٍ؛ وأمْرٍ؛ إمّا [مَخْصُوصٍ] بِها؛ وإمّا [مُشْتَمِلٍ] عَلَيْها؛ وعَلى غَيْرِها؛ ولَوْ كانَتِ الأشْياءُ عَلى الحَظْرِ؛ لَما قالَ في شَيْءٍ: "حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ ولَوْ كانَتْ عَلى الإباحَةِ لَما قالَ في شَيْءٍ: "أُحِلُّ لَكُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أبْيَنُ الأقْوالِ؛ ولَمْ يَتَعَرَّضِ الفُقَهاءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلى النَظَرِ في تَحْسِينِ العَقْلِ؛ وتَقْبِيحِهِ؛ وإنَّما تَمَسَّكُوا في أقْوالِهِمْ هَذِهِ بِأسْبابِ الشَرِيعَةِ؛ وذَهَبُوا إلى انْتِزاعِ مَذاهِبِهِمْ مِنها.
وأمّا الضَرْبُ الثانِي مِن كَلامِ الناسِ في الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ فَإنَّ المُعْتَزِلَةَ - ومَن قالَ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ العَقْلَ يُحَسِّنُ؛ ويُقَبِّحُ - نَظَرُوا في المَسْألَةِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ؛ فَقالُوا: نَفْرِضُ زَمَنًا لا شَرْعَ فِيهِ؛ أو رَجُلًا نَشَأ في بَرِّيَّةٍ؛ ولَمْ يُحِسَّ قَطُّ بِشَرْعٍ؛ ولا بِأمْرٍ؛ ولا بِنَهْيٍ؛ أو نُقَدِّرُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وقْتَ إهْباطِهِ إلى الأرْضِ قَدْ تُرِكَ وعَقْلَهُ؛ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ؛ ويُنْهى؛ كَيْفَ كانَتِ الأشْياءُ عَلَيْهِ؟
أو كَيْفَ يَقْتَضِي العَقْلُ في الزَمَنِ؛ والرَجُلِ المَفْرُوضَيْنِ؟
فَقالَ بَعْضُهُمْ: اَلَّذِي يَحْسُنُ في العَقْلِ أنْ تَكُونَ مَحْظُورَةً كُلُّها حَتّى يَرِدَ الإذْنُ بِاسْتِباحَتِها؛ وذَلِكَ أنَّ اسْتِباحَتَها تَعَدٍّ عَلى مِلْكِ الغَيْرِ؛ وإذا قَبُحَ ذَلِكَ في الشاهِدِ؛ فَهو في حَقِّ اللهِ تَعالى أعْظَمُ حُرْمَةً؛ وذَهَبَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ إلى اسْتِثْناءِ التَنَفُّسِ والحَرَكَةِ مِن هَذا الحَظْرِ؛ وقالُوا: إنَّ هَذِهِ لا يُمْكِنُ غَيْرُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ الِاضْطِرارُ إلَيْها إباحَةً لَها؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَحْسُنُ في العَقْلِ أنْ تَكُونَ مُباحَةً؛ إذِ التَحَكُّمُ في مِلْكِ الغَيْرِ بِوَجْهٍ لا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ كالِاسْتِظْلالِ بِالجُدْرانِ؛ ونَحْوِهِ مُباحٌ؛ فَإذا كانَ هَذا في الشاهِدِ جائِزًا؛ فَهو في عِظَمِ قَدْرِ اللهُ تَعالى ووُجُودِهِ أجْوَزُ؛ إذْ لا ضَرَرَ في تَصَرُّفِنا نَحْنُ في مِلْكِهِ؛ ويَتَعَلَّقُ بِحَقِّهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وَقالَ أهْلُ الحَقِّ والسُنَّةِ - في هَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ -: بَلِ الأمْرُ في نَفْسِهِ عَلى الوَقْفِ؛ ولا يُوجِبُ العَقْلُ تَحْسِينًا؛ ولا تَقْبِيحًا؛ بِمُجَرَّدِهِ؛ يُدانُ بِهِ؛ ولا يُتَّجَهُ حُكْمُ الحَسَنِ؛ والقَبِيحِ إلّا بِالشَرْعِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: والعَقْلُ لَمْ يَخْلُ قَطُّ مِن شَرْعٍ؛ فَلا مَعْنى لِلْخَوْضِ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ ولا لِفَرْضِ ما لا يَقَعُ؛ وذَهَبُوا إلى الِاحْتِجاجِ بِأنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قَدْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الأوامِرُ والنَواهِي في الجَنَّةِ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى لَهُ - حِينَ جَرى الرُوحُ في جَسَدِهِ؛ فَعَطَسَ -: (قُلْ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ"؛ يا آدَمُ)؛ وبِقَوْلِهِ: (اُسْكُنْ)؛ و(كُلْ)؛ و(لا تَقْرَبْ)؛ ونَحْوِ هَذا؛ وقالَ القاضِي ابْنُ الباقِلّانِيِّ في "اَلتَّقْرِيبُ والإرْشادُ": إنَّ الفُقَهاءَ الَّذِينَ قالُوا بِالحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ لَمْ يَقْصِدُوا الكَوْنَ مَعَ المُعْتَزِلَةِ في غَوايَتِهِمْ؛ ولَكِنَّهم رَأوا لَهم كَلامًا مُلَفَّقًا؛ مُمَوَّهًا؛ فاسْتَحْسَنُوهُ دُونَ أنْ يَشْعُرُوا بِما يَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ الفَسادِ في القَوْلِ بِتَحْسِينِ العَقْلِ؛ وتَقْبِيحِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الكَلامِ حَمْلٌ عَلى فُقَهاءِ الشَرْعِ؛ واسْتِقْصارٌ لَهُمْ؛ والصَوابُ ألّا يُظَنَّ بِهِمْ هَذا الخَلَلُ؛ وإنَّما التَمَسُوا عَلى نَوازِلِهِمْ تَعْلِيقَ حُكْمِ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ مِنَ الشَرْعِ؛ وهم مَعَ ذَلِكَ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِمْ أنَّهم يَدْفَعُونَ الحَقَّ في أنَّ العَقْلَ لا يُحَسِّنُ ولا يُقَبِّحُ دُونَ الشَرْعِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الشَجَرَةِ؛ وتَعْيِينِها.
<div class="verse-tafsir"
الواو من قوله: ﴿ ويا آدم ﴾ عاطفة على جملة: ﴿ أخرج منها مذءوماً مدحوراً ﴾ [الأعراف: 18] الآية، فهذه الواوُ من المحكي لا من الحكاية، فالنّداء والأمرُ من جملة المقول المحكي يقال: أي قال الله لإبليس اخرج منها وقال لآدم ﴿ ويا آدم اسكن ﴾ ، وهذا من عطف المتكلِّم بعض كلامه على بعض، إذا كان لبعض كلامه اتّصال وتناسب مع بعضه الآخر، ولم يكن أحدُ الكلامين موجّهاً إلى الذي وجّه إليه الكلام الآخَر، مع اتّحاد مقام الكلام، كما يفعل المتكلّم مع متعدِّدين في مجلس واحد فيُقبل على كل مخاطب منهم بكلام يخصه ومنه قول النبيّء صلى الله عليه وسلم في قضيّة الرّجل والأنصاري الذي كان ابنُ الرّجل عسيفاً عليه: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله عزّ وجلّ أما الغنم والجارية فرَدٌ عليك وعلى ابنك جلدُ مائة وتغريب عام، واغْدُ يا أنَيْسُ على زوجة هذا فإن اعترفت فارْجُمْها» ومن أسلوب هذه الآية ما في قوله تعالى: ﴿ قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعْرِض عن هذا واستغفري لذنبك ﴾ [يوسف: 28، 29] حكاية لكلام العزيز، أي العزيز عطفَ خطابّ امرأته على خطابه ليوسف.
فليست الواو في قوله: ﴿ ويا آدم اسكن ﴾ بعاطفة على أفعال القَوْل التي قبلها حتّى يَكون تقدير الكلام: وقُلنا يا آدم اسكن، لأنّ ذلك يفيت النّكت التي ذكرناها، وذلك في حضرة واحدة كان فيها آدم والملائكة وإبليس حضوراً.
وفي توجيه الخطاب لآدم بهذه الفضيلة بحضور إبليس بعد طرده زيادة إهانة، لأنّ إعطاء النّعم لمرضي عليه في حين عقاب من استأهل العقاب زيادة حسرة على المعاقَب، وإظهاراً للتّفاوت بين مستحقّ الإنعام ومستحقّ العقوبة فلا يفيد الكلام من المعاني ما أفاده العطف على المقول المحكي، ولأنّه لو أريد ذلك لأعيد فعل القول.
ثمّ إن كان آدم خُلق في الجنّة، فكان مستقراً بها من قبل، فالأمر في قوله: ﴿ اسكن ﴾ إنّما هو أمر تقرير: أي أبق في الحنّة، وإن كان آدم قد خُلق خارج الجنّة فالأمر للإذن تكريماً له، وأيّاً مّا كان ففي هذا الأمر، بمسمع من إبليس، مقمعة لإبليس، لأنّه إن كان إبليس مستْقراً في الجنّة من قبل فالقمع ظاهر إذ أطرده الله وأسكن الذي تكبَّر هو عن السّجود إليه في المكان المشرّف الذي كان له قبل تكبّره، وإن لم يكن إبليس ساكناً في الجنّة قبلُ فإكرام الذي احتقره وترفع عليه قمع له، فقد دلّ موقع هذا الكلام، في هذه السّورة، على معنى عظيم من قمع إبليس، زائد على ما في آية سورة البقرة، وإن كانتا متماثلتين في اللّفظ، ولكن هذا المعنى البديع استفيد من الموقع وهذا من بدائع إعجاز القرآن.
ووجد إيثار هذه الآية بهذه الخصوصية إنّ هذا الكلام مسوق إلى المشركين الذين اتخذوا الشّيطان ولياً من دون الله، فأمّا ما في سورة البقرة فإنّه لموعظة بني إسرائيل، وهم ممّن يحذر الشّيطان ولا يتّبع خطواته.
والنّداء للإقبال على آدم والتّنويهِ بذكره في ذلك الملا.
والإتيانُ بالضّمير المنفصل بعد الأمر، لقصد زيادة التّنكيل بإبليس لأن ذكر ضميره في مقام العطف يذكر غيره بأنّه ليس مثله، إذ الضّمير وإن كان من قبيل اللقب وليس له مفهومُ مخالفةٍ فإنّه قد يفيد الاحتراز عن غير صاحب الضّمير بالقرينة على طريقة التعريض ولا يمنع من هذا الاعتبار في الضمير كون إظهاره لأجل تحسيننِ أو تصحيح العطف على الضّمير المرفوع المستتر، لأن تصحيحَ أو تحسين العطف يحصل بكلّ فاصل بين الفعل الرافع للمستتر وبين المعطوف، لا خصوص الضّمير، كأن يقال: ويا آدم اسكن الجنّةَ وزوجُك، فما اختير الفصل بالضّمير المنفصل إلاّ لما يفيد من التّعريض بغيره.
وهذه نكتة فاتني العلم بها في آية سورة البقرة فضُمّها إليها أيضاً.
والكلام على قوله: ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ﴾ يعلم ممّا مضى من الكلام على نظيره من سورة البقرة.
سوى أن الذي وقع في سورة البقرة (35) ﴿ وكلا ﴾ بالواو وهنا بالفاء، والعطف بالواو أعم، فالآية هنا أفادت أنّ الله تعالى أذن آدم بأن يتمتّع بثمار الجنّة عقب أمره بسكنى الجنّة.
وتلك منّة عاجلة تؤذن بتمام الإكرام، ولما كان ذلك حاصلاً في تلك الحضرة، وكان فيه زيادة تنغيص لإبليس، الذي تكبّر وفضل نفسه عليه، كان الحال مقتضياً إعلام السّامعين به في المقام الذي حُكي فيه الغضب على إبليس وطردُه، وأما آية البقرة فإنّما أفادت السّامعين أنّ الله امتن على آدم بمنّة سكنى الجنّة والتّمتّع بثمارها، لأنّ المقام هنالك لتذكير بني إسرائيل بفضل آدم وبذنبه وتوبته، والتّحذير من كيد الشّيطان ذلك الكيد الذي هم واقعون في شيء منه عظيم.
على أنّ آية البقرة (35) لم تخل عن ذكر ما فيه تكرمة له وهو قوله: ﴿ رغداً ﴾ لأنه مدح للمُمْتن به أو دعاء لآدم، فحصل من مجموع الآيتين عدة مكارم لآدم، وقد وزعت على عادة القرآن في توزيع أغراض القصص على مواقعها، ليحصل تجديد الفائدة، تنشيطاً للسّامع، وتفنّناً في أساليب الحكاية، لأنّ الغرض الأهمّ من القصص في القرآن إنّما هو العبرة والموعظة والتأسي.
وقوله: ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ أشدّ في التّحذير من أن يُنهى عن الأكل منها، لأنّ النّهي عن قربانها سد لذريعة الأكل منها وقد تقدّم نظيره في سورة البقرة.
والنّهي عن قربان شجرة خاصة من شجر الجنّة: يحتمل أن يكون نهي ابتلاء.
جعل الله شجرة مستثناة من شجر الجنّة من الإذن بالأكل منها تهيئة للتكليف بمقاومة الشّهوة لامتثال النّهي.
فلذلك جعل النّهي عن تناولها محفوفة بالأشجار المأذون فيها ليلتفت إليها ذهنهما بتركها، وهذا هو الظّاهر ليتكّون مختلف القوى العقليّة في عقل النّوع بتأسيسها في أصل النّوع، فتنتقل بعده إلى نسله، وذلك من اللّطف الإلهي في تكوين النّوع ومن مظاهر حقيقة الربوبيّة والمربوبيّة، حتى تحصل جميع القوى بالتدريج فلا يشقّ وضعها دفعة على قابليّة العقل، وقد دلّت الآيات على أن آدم لمّا ظهر منه خاطر المخالفة أكل من الشّجرة المنهي عنها، فأعقبه الأكلُ حدوث خاطر الشّعور بما فيه من نقايصَ أدركها بالفطرة، فمعناه أنّه زالت منه البساطة والسّذاجة.
ويحتمل أن يكون ذلك لِخصوصيّة في طبع تلك الشّجرة أن تثير في النّفس علم الخير والشرّ كما جاء في التّوراة أنّ الله نهاه عن أكل شجرة معرفة الخير والشرّ، وهذا عندي بعيد، وإنّما حكى الله لنا هيئة تطوّر العقل البشري في خلقة أصل النّوع البشري نظيرَ صنعه في قوله: ﴿ وعلّم آدم الأسماء كلّها ﴾ [البقرة: 31].
والإشارة إلى شجرة مشاهدة وقد رويت روايات ضعيفة في تعيين نوعها وذلك ممّا تقدّم في سورة البقرة.
وانتصب: ﴿ فتكونا ﴾ على جواب النّهي، والكون من الظّالمين متسبّب على القرب المنهي عنه، لا على النّهي، وذلك هو الأصل في النّصب في جواب النّهي كجواب النّفي، أن يعتبر التّسبّب على الفعل المنفي أو المنهي، بخلاف الجزم في جواب النّهي فإنّه إنّما يجزم المسبَّب على إنشاء النّهي لا على الفعل المنهي، والفرق بينهما: أنّ النّصب على اعتبار التسبب، والتسبب ينشأ عن الفعل لا عن الإخبار والإنشاء بخلاف الجزم فإنه على اعتبار الجواب، تشبيهاً بالشّرط، فاعتبر فيه معنى إنشاء النّهي تشبيهاً للإنشاء بالاشتراط.
والمراد ب ﴿ الظّالمين ﴾ الذين يحقّ عليهم وصف الظلم: إما لظلمهم أنفسهم وإلقائها في العواقب السيّئة، وإمّا لاعتدائهم على حقّ غيرهم فإنّ العصيان ظلم لحقّ الربّ الواجب طاعته.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ يَعْنِي حَوّاءَ، وفي الجَنَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِسُكْناها قَوْلانِ: أحَدُهُما: في جَنَّةِ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ، وجازَ الخُرُوجُ مِنها لِأنَّها لَمْ تُجْعَلْ ثَوابًا فَيَخْلُدُ فِيها ولا يَخْرُجُ مِنها.
والثّانِي: أنَّها جَنَّةٌ مِن جَنّاتِ الدُّنْيا لا تَكْلِيفَ فِيها وقَدْ كانَ مُكَلَّفًا.
﴿ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن حَيْثُ شِئْتُما مِنَ الجَنَّةِ كُلِّها.
والثّانِي: ما شِئْتُما مِنَ الثِّمارِ كُلِّها لِأنَّ المُسْتَثْنى بِالنَّهْيِ لَمّا كانَ ثَمَرًا كانَ المَأْمُورُ بِهِ ثَمَرًا.
﴿ وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ فِيها عَلى سِتَّةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ البُرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الكَرْمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: التِّينُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: شَجَرَةُ الكافُورِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
والخامِسُ: شَجَرَةُ العِلْمِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والسّادِسُ: أنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ الَّتِي كانَتْ تَأْكُلُ مِنها المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ جُدْعانَ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ أهْلِ الكِتابَيْنِ أنَّها شَجَرَةُ الحَنْظَلِ ولا أعْرِفُ لِهَذا وجْهًا.
فَإذا قِيلَ: فَما وجْهُ نَهْيِهِما عَنْ ذَلِكَ مَعَ كَمالِ مَعْرِفَتِهِما؟
قِيلَ: المَصْلَحَةُ في اسْتِدامَةِ المَعْرِفَةِ، والِابْتِلاءُ بِما يَجِبُ فِيهِ الجَزاءُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ﴾ أمّا الوَسْوَسَةُ فَهي إخْفاءُ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ، يُقالُ وسْوَسَ لَهُ إذا أوْهَمَهُ النَّصِيحَةَ، ووَسْوَسَ إلَيْهِ إذا ألْقى إلَيْهِ المَعْنى، وفي ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقِ سِرًّا وقَدْ أوَّنَ تَأْوِينَ العَقَقِ فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ وسْوَسَ لَهُما وهُما في الجَنَّةِ وهو خارِجٌ عَنْها؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ هي أقاوِيلُ اخْتَلَفَ فِيها أهْلُ التَّأْوِيلِ: أحَدُها: أنَّهُ وسْوَسَ إلَيْهِما وهُما في الجَنَّةِ في السَّماءِ، وهو في الأرْضِ، فَوَصَلَتْ وسْوَسَتُهُ بِالقُوَّةِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لَهُ إلى السَّماءِ ثُمَّ الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ في السَّماءِ وكانا يَخْرُجانِ إلَيْهِ فَيَلْقاهُما هُناكَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ خاطَبَهُما مِن بابِ الجَنَّةِ وهُما فِيها.
﴿ وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ ﴾ وهَذا هو الَّذِي ألْقى بِهِ مِنَ الوَسْوَسَةِ إلَيْهِما اسْتِغْواءً لَهُما بِالتَّرْغِيبِ في فَضْلِ المَنزِلَةِ ونَعِيمِ الخُلُودِ.
فَإنْ قِيلَ: هَلْ تَصَوَّرا ذَلِكَ مَعَ كَمالِ مَعْرِفَتِهِما؟
قِيلَ: إنَّما كَمُلَتْ مَعْرِفَتُهُما بِاللَّهِ تَعالى لا بِأحْكامِهِ.
وَفي قَوْلِ إبْلِيسَ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أوْهَمَهُما أنَّ ذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ جائِزٌ أنْ يَقْلِبَ صُورَتَهُما إلى صُوَرِ المَلائِكَةِ وأنْ يُخَلِّدَهُما في الجَنَّةِ.
والثّانِي: أنَّهُ أوْهَمَهُما أنَّهُما يَصِيرانِ بِمَنزِلَةِ المَلائِكَةِ في عُلُوِّ المَنزِلَةِ مَعَ عِلْمِهِما بِأنَّ قَلْبَ الصُّوَرِ لا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ ﴾ أيْ حَلَفَ لَهُما عَلى صِدْقِهِ في خَبَرِهِ ونُصْحِهِ في مَشُورَتِهِ، فَقَبِلا قَوْلَهُ وتَصَوَّرا صِدْقَهُ لِأنَّهُما لَمْ يَعْلَما أنَّ أحَدًا يَجْتَرِئُ عَلى الحَلِفِ بِاللَّهِ كاذِبًا.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَقاسَمَهُما ﴾ أيْ قالَ لَهُما: إنْ كانَ ما قُلْتُهُ خَيْرًا فَهو لَكُما دُونِي وإنْ كانَ شَرًّا فَهو عَلَيَّ دُونَكُما ومَن فَعَلَ ذَلِكَ مَعَكُما فَهو مِنَ النّاصِحِينَ لَكُما، فَكانَتْ هَذِهِ مُقاسَمَتَهُما أنَّ قَسَمَ الخَيْرِ لَهُما والشَّرِّ لَهُ عَلى وجْهِ الغُرُورِ لِتَنْتَفِيَ عَنْهُ التُّهْمَةُ ويُسْرِعُ إلَيْهِ القَبُولَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال أخرج منها مذءوماً ﴾ قال: ملوماً ﴿ مدحوراً ﴾ قال: مقيتاً.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ مذءوماً ﴾ قال: مذموماً ﴿ مدحوراً ﴾ قال: منفياً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ مذءوماً ﴾ قال: منفياً ﴿ مدحوراً ﴾ قال: مطروداً.
وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ مذءوماً ﴾ قال: معيباً ﴿ مدحوراً ﴾ قال: منفياً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ (١) (٢) (١) لفظ: ﴿ الجَنَّةَ ﴾ ساقط من (ب).
(٢) انظر: "البسيط" البقرة: 35.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خلقناكم ثُمَّ صورناكم ﴾ قيل: المعنى أردنا خلقكم وتصويركم ﴿ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ ﴾ وقيل: خلقنا أباكم آدم ثم صورناه، وإنما احتيج إلى التأويل ليصح العطف ﴿ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ لا زائدة للتوكيد ﴿ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ استدل به بعض الأصوليين على أن الأمر يقتضي الوجوب والفور، ولذلك وقع العقاب على ترك المبادرة بالسجود ﴿ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ تعليلٌ علَّلَ به إبليس امتناعه من السجود، وهو يقتضي الاعتراض على الله تعالى في أمره بسجود الفاضل للمفضول على زعمه، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ لليس كفره كفر جحود ﴿ فاهبط مِنْهَا ﴾ أي من السماء ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ الفاء للتعليل، وهي تتعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالله بسبب إغوائك لي لأغوين بني آدم، وما مصدرية، وقيل: استفهامية ويبطله ثبوت الألف في ما مع حرف الجر ﴿ صراطك ﴾ يريد: طريق الهدى والخير وهو منصوب على الظرفية ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ الآية: أي من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسليطه على بني آدم كيفما أمكنه، وقال ابن عباس: من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة، وعن أيمانهم الحسنات، وعن شمائلهم السيئات ﴿ مَذْءُوماً ﴾ من ذأمه بالهمز إذا ذمه ﴿ مَّدْحُوراً ﴾ أي مطروداً حيث وقع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لأملأن ﴾ بتليين الهمزة الثانية حيث كان: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف: ﴿ تخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن ذكوان الباقون: مبنياً للمفعول من الإخراج والله أعلم.
الوقوف: ﴿ إلا إبليس ﴾ ط لأنه معرفة فلا تصلح الجملة صفة له.
﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ إذ أمرتك ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول.
﴿ طين ﴾ ه ﴿ الصاغرين ﴾ ه.
﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ه لا للعطف ﴿ شمائلهم ﴾ ط ﴿ شاكرين ﴾ ه ﴿ مدحوراً ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف.
﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الخالدين ﴾ ه ﴿ الناصحين ﴾ ه ﴿ بغرور ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع الفاء ﴿ ورق الجنة ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أنفسنا ﴾ سكتة للأدب إعلاماً بانقطاع الحجة قبل ابتداء الحاجة.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ عدو ﴾ ط لعطف المختلفين ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ تخرجون ﴾ ه.
التفسير: من جملة نعم الله علينا أن خلق أبانا آدم فجعله مسجوداً للملائكة فلذلك ذكر تلك القصة عقيب تذكير النعم، ونظير هذه الآيات ما سبق في سورة البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ منع من المعصية بقوله: ﴿ كيف تكفرون ﴾ ثم علل ذلك المنع بكثرة نعمه على المكلفين وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم ختم ذلك بقصة جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والغرض من الكل أن التمرد والجحود لا يليق بإزاء هذه النعم الجسام.
وقصة آدم وما جرى له مع إبليس ذكرها الله في سبعة مواضع: في "البقرة" وههنا وفي "الحجر" وفي "سبحان" وفي "الكهف" وفي "طه" وفي "ص" وسنبين بعض حكمة اختلاف العبارات بقدر الفهم إن شاء الله .
وههنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا ﴾ يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا والأمر في الواقع بالعكس.
وأجاب المفسرون بوجوه منها: أن المضاف محذوف أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا.
وإنما حسن هذه الكناية لأن آدم أصل البشر نظير قوله لبني إسرائيل المعاصرين ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ﴾ أي ميثاق أسلافكم.
وقال : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل.
وإنما قتله أحدهم.
ومنها أن المراد من خلقناكم آدم ثم صورناكم أي صورنا ذرية آدم في ظهره في صورة الذر ثم قلنا للملائكة وهذا قول مجاهد.
ومنها خلقناكم ثم صورناكم ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة.
ومنها أن الخلق في اللغة التقدير وتقدير الله عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كل شيء بمقداره المعين له.
فقوله: ﴿ خلقناكم ﴾ إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم.
وقوله: ﴿ صورناكم ﴾ إشارة إلى أنه أثبت في اللوح المحفوظ صورهم كما أنه أثبت صور كل كائن كما جاء في الخبر "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة".
ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله آدم وأمر الملائكة بالسجود له.
قال الإمام فخر الدين .
وهذا التأويل عندي أقرب الوجوه في تأويل هذه الآية.
وأما أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا فقد تقدم في أوائل سورة البقرة فلا وجه لإعادته.
أما قوله .
﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ فظاهره يقتضي أنه طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود وليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود كما قال في سورة ص ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ﴾ فلهذا الإشكال حصل للمفسرين م أقوال أوّلها وهو الأشهر: أن "لا صلة " زائدة كما في ﴿ لا أقسم ﴾ وكما في قوله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ﴾ أي ليعلم وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج والأكثرين.
قال في الكشاف: وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل في ﴿ لئلا يعلم ﴾ ليتحقق علم أهل الكتاب، وفي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك.
قلت: لعله أراد أن زيادة "لا" إشارة إلى نفي ما عدا المذكور ليلزم منه تحقق المذكور.
وثانيها أن إثبات الزيادة في كلام الله خارج عن الأدب وأن الاستفهام للإنكار أي لم يمنعك من ترك السجود شيء كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضربي أدينك أم عقلك أم حياؤك؟
والمعنى أنه لم يوجد أحد هذه فما امتنعت من ضربي.
وثالثها قال القاضي: ذكر الله المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة أمر الله حالة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها.
وقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه.
وقيل: معناه ما الذي جعلك في منعة من عذابي؟
وقيل: معناه من قال لك لا تسجد.
وأقول: يمكن أن لا يعلق قوله: ﴿ أن لا تسجد ﴾ بقوله: ﴿ ما منعك ﴾ وإنما يكون متعلقه محذوفاً التقدير: ما منعك من السجود أن لا تسجد أي لئلا تسجد توجه عليك هذا السؤال.
والحاصل أن عدم سجودك ما سببه؟
﴿ إذ أمرتك ﴾ أمر إيجاب.
وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب توبيخه وإفشاء معاندته وجحوده.
واستدل العلماء بالآية على أن مجرد الأمر يقتضي الوجوب وإلا لم يترتب الذم عليه، وأن الأمر يقتضي الفور وإلا لم يستوجب الذم بترك السجود في الحال.
ثم استأنف اللعين قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم زعماً منه أن مثله مستبعد أن يؤمر بما أمر به وتلك الخيرية هي التي منعته عن السجود فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ ثم بين هذه المقدمة بقوله ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ والنار أفضل من الطين لأن النار جوهر مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن الأجرام اللطيفة كلها، وأيضاً النار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس فيها إلا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال.
وأيضاً النار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة والنضج وأما الأرضية فللبرد واليبس تناسب الموت والحياة أشرف من الموت.
وأيضاً فما بين التمييز والشباب لما كان وقت كمال الحرارة كانت أفضل أوقات عمر الحيوان بخلاف وقت الشيخوخة لغلبة البرد واليبس المناسب للأرضية والمخلوق من الأفضل أفضل لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع.
وأما أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فما قد تقرر في العقول فهذه شبهة إبليس والمقدمات بأسرها ممنوعة، أما أن النار أفضل من الأرض فممنوع لأن كل عنصر من العناصر الأربعة يختص بفوائد ليست لغيره، وكل منها ضروري في الوجود وفي التركيب فلكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على البعض تطويل بلا طائل.
ومن تأمل ما ذكرناه في تفسير قوله : ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً ﴾ وقف على بعض منافعها وعلم أن طعن اللعين مردود جداً.
ولو لم يكن في النار إلا الخفة المقتضية للطيش والاستكبار والترفع وفي الأرض إلا الرزانة الموجبة للحلم والوقار والتواضع لكفى به رداً لكلامه، وأما أن المخلوق من الأفضل أفضل فهو محل البحث والنزاع لأن الفضيلة عطية من الله ابتداء ولا يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة، فقد يخرج الكافر من المؤمن ويحصل الدخان من النار والتكليف يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل.
فالاعتبار بما انتهى إليه لا بما خلق منه وقد قال : "ائتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم" ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وفي كلام الحكماء: العاقل من يفتخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية فثبت أن دعوى اللعين في قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ باطلة.
ولئن سلم فلم لا يجوز خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحق النفس؟
ولم لا يجوز الأمر بذلك لغرض الطاعة والامتثال أو لتشريف المفضول والرفع من مقداره؟
قالت العلماء ههنا: إن قوله للملائكة ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ خطاب عام يتناول جميع الملائكة: ثم إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس فاستوجب الذم والتعنيف والدخول في جملة المتكبرين على الله فدل ذلك على أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس أنه كانت الطاعة بإبليس أولى من القياس فعصى ربه وقاس.
وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس.
ويمكن أن يجاب بأنه إنما استحق الذم لأن قياسه كان مبطلاً للنص بالكلية لا مخصصاً.
وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بسجوده لمن كان مخلوقاً من الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بسجوده لما هو مخلوق من الأرض أولى.
ويحتمل أن يزيد هذا الجواب بأن الشريف إذا رضي بتلك الخدمة فلا اعتراض عليه وحينئذٍ لا يقبح أمره بذلك.
ثم إن الملائكة رضوا بذلك فلا بأس، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق فقبح أمره بالسجود، فقياسه يوجب تخصيص النص لا رفعه بالكلية فعلمنا أن استحقاق الذم إنما كان لتخصيص النص بالقياس كما ادعينا.
﴿ قال ﴾ أي الله كلام تعنيف وتعذيب لا إكرام وتشريف أو قال على لسان بعض ملائكته ﴿ فاهبط ﴾ يعني إذ لم تمثل أمري فاهبط ﴿ منها ﴾ .
قال ابن عباس: يريد من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم.
وقال بعض المعتزلة: أمر بالهبوط من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين من الثقلين ﴿ فما يكون ﴾ فما يصح ﴿ لك أن تتكبر فيها ﴾ وتعصي ﴿ فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ من أهل الصغار والهوان.
يقال للرجل قم صاغراً إذا أهين.
وفي ضده قم راشداً، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله بالذلة والصغار كما قال النبي صلى الله عليه وآله: "من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله" ﴿ قال أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين، ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله ذلك بل ﴿ قال ﴾ مطلقاً ﴿ إنك من المنظرين ﴾ قيل: إن هذا المطلق مقيد بقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم ﴾ أي اليوم الذي يموت الأحياء كلهم فيه وهو وقت النفخة الأولى، وقال آخرون: لم يوقت الله له أجلاً.
والمراد الوقت المعلوم في علم الله والدليل على ذلك أن إبليس كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فيقبل توبته وهذا كالإغراء على المعاصي فيكون قبيحاً.
أجاب الأولون بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء أو على الكفر والمعاصي كإبليس فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ الإغواء ضد الإرشاد وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل إذا بشم والبشم فساد يعرض في جوفه من كثرة شرب اللبن.
ولا يمكن أن يتعلق الباء بقوله: ﴿ لأقعدن ﴾ لأن لام القسم تأبى ذلك.
لا يقال: والله يريد لأمرنّ.
لأن حكم القسم وما يتلوه حكم همزة الاستفهام وحرف النفي الذي هو ما وهي تعمل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكأنها عوامل ضعيفة فلم يتقدم عليها شيء من معمولاتها لضعفها.
وإنما يتعلق بفعل القسم المحذوف و "ما" مصدرية تقديره: فبما أغويتني أي فبسبب إغوائك إياي أقسم.
ويجوز أن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن.
ومعنى القسم بالإغواء أنه من جملة آثار القدرة أي بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن.
وقال في الكشاف: إن الأمر بالسجود كان سبب إغوائه وهو تكليف والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً بأن يقسم به وهذا يناسب أصول الاعتزال.
قال مشايخ العراق: الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والجلال والعزة يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يميناً.
ويعني بصفات الفعل ما يجوز أن يوصف بضده فيقال: رحم فلاناً ولم يرحم فلاناً وغضب ولم يغضب.
وقال بعضهم: ما للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ فقال: ﴿ لأقعدن ﴾ ويرد على هذا القول أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على "ما" الاستفهامية قليل.
قيل: إن إبليس أضاف الإغواء ههنا إلى الله وفي قوله: ﴿ فبعزتك لأغوينهم ﴾ أضاف الإغواء إلى نفسه والأول يدل على الجبر والثاني على القدر، وهذا دليل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة.
أجابت المعتزلة عن قوله: ﴿ فبما إغويتني ﴾ بأن قول إبليس واعتقاده ليس بحجة أو المراد أنه لما أمره بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر منه كفر فلهذا المعنى أضاف الغي إلى الله.
وقد يقال: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضربك عنده، أو المراد بالإغواء الإهلاك واللعن.
وقالت الأشاعرة: نحن لا نبالغ في أن المراد بالإغواء ههنا هو الإضلال لأن حاصله كيفما كان يرجع إلى حكاية قول إبليس وهو ليس بحجة إلا أنا نقطع بأن الغاوي لا بد له من مغوٍ وليس ذلك نفسه لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية والدور أو التسلسل محال فلا بد أن ينتهي إلى خالق الكل وهو المقصود.
أما قوله: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ فانتصابه على الظرف كقوله: لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب قال الزجاج: هو كقولهم ضرب زيداً الظهر والبطن أي على الظهر والبطن.
والمراد لأعترضن لهم أي لبني آدم المذكورين في قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ﴾ على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة، والحاصل أنه يواظب على الإفساد بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنه ولهذا ذكر العقود لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود.
واعلم أن العلماء اختلفوا في أن كفر إبليس كفر عناد أو كفر جهل.
فمن قائل بالأول لقوله: ﴿ صراطك المستقيم ﴾ وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.
ومن قائل بالثاني لقوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ فدل ذلك على أنه اعتقد أن الذي هو عليه محض الغواية، وإنما وصف الصراط بالمستقيم بناء على زعم الخصم واعتقاده ورد بأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغوايه فقد علم أن ضدّه هو الحق فكان إنكاره إنكار اللسان لا القلب وهو المعنى بكفر العناد، ويمكن أن يجاب بأنه أراد بالإغواء أيضاً الإغواء بزعم الخصم، قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دنيه ولا في دنياه وإلا لم يمهل إبليس حين استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك، ومما يؤيد ذلك أنه بعث الأنبياء دعاة للخلق إلى الحق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك.
قال الجبائي في دفع هذا الاعتراض.
إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد بل إنما يضل من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً بدليل قوله : ﴿ فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ﴾ ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة.
وقال أبو هاشم: يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جارياً مجرى زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من المشقة توجب الزيادة في الثواب.
وضعف قول الجبائي بأنا نعلم بالضرورة أن الإنسان إذا جلس عنده جلساء السوء وحسنوا في عينه أمراً من الأمور مرة بعد أخرى فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التحسين فكذا الشيطان المزين للقبائح في قلوب الكفار والفساق.
وزيف قول أبي هاشم بأن خلق الزيادة في الشهوة حجة أخرى لنا في أنه لا يراعي المصلحة، وتقرير الحجة أن خلق تلك الزيادة يوقع في الكفر وعقاب الأبد ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أن يزداد ثوابه وحصول هذه الزيادة شيء لا حاجة إليه والأهم رفع العقاب لا تحصيل زيادة الثواب.
فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لم يهمل الأهم لطلب الزيادة التي لا ضرورة إليها.
أما ذكر الجهات الأربع ففيه وجوه أحدها ﴿ من بين أيديهم ﴾ أي أشككهم في صحة البعث والقيامة ﴿ ومن خلفهم ﴾ ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية.
وثانيها من بين أيديهم أنفرهم عن الرغبة في سعادات الآخرة، ومن خلفهم أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها؛ فالآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، والدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها، وثالثها قول الحكم والسدي ﴿ من بين أيديهم ﴾ يعني الدنيا لأنهم بين يدي الإنسان وإنه يشاهدها ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة لأنها تأتي بعد ذلك.
وأما قوله: ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ فقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الكفر والبدعة ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في أنواع المعاصي.
وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الصرف عن الحق ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في الترغيب في الباطل.
وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ افترهم عن الحسنات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أقوي دواعيهم إلى السيئات قال ابن الأنباري: وهذا قول حسن لأن العرب تقول اجعلني عن يمينك أي من المقدمين ولا تجعلني عن شمالك أي من المؤخرين.
وعن الأصمعي هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال للعكس.
وقال حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعاً هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية: إحداها القوة الخيالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: ﴿ من بين أيديهم ﴾ وثانيتها القوّة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وهو قوله: ﴿ ومن خلفهم ﴾ وثالثتها الشهوة ومحلها الكبد التي عن يمين البدن.
ورابعتها الغضب ومنشؤه القلب الذي هو في الشق الأيسر.
فالشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة.
وقيل: ﴿ من بين أيديهم ﴾ الشبهات المبنية على التشبيه إما في الذات أو في الصفات كشبه المجسمة وإما في الأفعال كشبه المعتزلة في التعديل والتجويز والتحسين والتقبيح لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات فهي بين يديه وبمحضر منه فيعتقد أن الغائب مثل الشاهد ﴿ ومن خلفهم ﴾ شبهات أهل التعطيل لأن هذه بإزاء الأولى، ﴿ وعن إيمانهم ﴾ الترغيب في ترك المأمورات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ الترغيب في فعل المنهيات.
وعن شقيق ما من صباح إلاّ ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع إما من بين يدي فيقول لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ﴾ وإما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ وإما من يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ وإما من شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ وعن رسول الله " "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه قعد له بطريق الإسلام.
فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له تدع ديارك وتتغرب فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك فعصاه فقاتل" وعلى هذا فالقعود في الطريق والرصد من الجهات مثل الوسوسة إليهم وتسويله بكل ما يمكنه ويتيسر له كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ وبقي ههنا بحث وهو أنه كيف قال: ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ بحرف الابتداء ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ بحرف المجاورة؟
قال في الكشاف: وقد تختلف حروف الظروف كما تختلف حروف التعدية على حسب السماع.
يقال: جلس عن يمينه وعلى يمينه، فمعنى "على" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن" أنه جليس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونظيره في المفعول به "رميت السهم عن القوس وعلى القوس ومن القوس" لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدىء الرمي منها، وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل، وقال بعض المفسرين: خص اليمين والشمال بكلمة "عن" لأنها تفيد البعد والمباينة وعلى جهتي اليمين والشمال ملكان لقوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ والشيطان لا بد أن يتباعد عن الملك ولا كذلك حال القدام والخلف.
وقالت الحكماء ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ هما الوهم والخيال كما مر والناشىء منهما العقائد الباطلة والكفر ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ الشهوة والغضب والناشىء منهما الأفعال الشهوية والغضبية.
وضرر الكفر لازم لأن عقابه دائم وضرر المعاصي مفارق لأن عذابها منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة "عن" تنبيهاً على أنهما في اللزوم والاتصال دون القسم الأول.
وإنما اقتصر على الجهات الأربع ولم يذكر الفوق والتحت لأن القوى التي منها يتولد ما يوجب تفويت السعادات الروحانية هي هذه الموضوعة في الجوانب الأربعة من البدن، وأما في الظاهر فقد روي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع استيلائه عليه من الجهات؟
فأوحى الله إليهم أنه قد بقي للإنسان جهتا الفوق والتحت فإذا رفع يديه إلى فوق بالدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض بطريقة الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة.
قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على أن لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المغالبة أحق.
قلت: هذا منافٍ لما في الحديث "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" .
أما قوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ فسئل أنه من باب الغيب فكيف عرف؟
وأجاب بعضهم بأنه كان قد رآه في اللوح المحفوظ فقال على سبيل القطع واليقين.
وقال آخرون: إنه قال على سبيل الظن لأنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات فغلب على ظنه أنهم يقبلون قوله: ولقد صدقه الله تعالى في ذلك الظن حيث قال: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه ﴾ ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ .
وقيل: إن للنفس تسع عشرة قوة: الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع الكامنة وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم.
وأما التي تدعوها إلى عالم الأرواح فقوة واحدة وهي العقل، ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكثر من استيلاء واحدة لا سيما وهي في أول الخلقة تكون قوية، والعقل يكون ضعيفاً وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلذلك قطع بقوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ ﴿ قال ﴾ الله في جوابه إذا كان هذا عزمك ﴿ اخرج منها مذؤماً مدحوراً ﴾ الذام العيب والذأم يهمز ولا يهمز، والدحر الطرد والإبعاد وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاماً.
واللام في ﴿ لمن تبعك ﴾ موطئة للقسم و ﴿ لأملأن ﴾ جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط.
وعن عصام ﴿ لمن تبعك ﴾ بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو قوله: ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فغلب ضمير المخاطب كما في قوله: ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ أي إنكم وإنهم على هذا.
فقوله: ﴿ لأملأن ﴾ في محل الابتداء ﴿ ولمن تبعك ﴾ خبره.
قال القاضي: كما أن الكافر يتبعه كذلك الفاسق يتبعه فلذلك يجب القطع بدخول الفاسق النار.
وأجيب بشرط عدم العفو.
قوله: ﴿ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ الآية.
فيها من المسائل أن قوله: ﴿ اسكن ﴾ أمر تعبد أو أمر إباحة من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف.
وأن زوج آدم هي حواء وأن تلك الجنة كانت جنة الخلد أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض.
وأن قوله ﴿ وكلا ﴾ أمر إباحة لا أمر تكليف.
وأن قوله: ﴿ ولا تقربا ﴾ نهي تنزيه أو نهي تحريم.
وأن الشجرة المشار إليها شجرة واحدة بالشخص أو بالنوع وإنها أيّ شجرة كانت.
وأن ذلك الذنب كان صغيراً أو كبيراً.
وأن الظلم في قوله: ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ بأي معنى هو؟
وأن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم أو بعدها؟
ونحن قد قضينا الوطر عن جميعها في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة ﴿ فوسوس لهما الشيطان ﴾ الوسوسة حديث النفس وهو فعل غير متعد كولولت المرأة ووعوع الذئب والمصدر الوسواس أيضاً بكسر الواو والوسواس بالفتح الاسم كالزلزال.
ويوصل إلى المفعول باللام وبإلى.
فمعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ومعنى وسوس إليه ألقاها إليه أي تكلم معه كلاماً خفياً يكرره ﴿ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ﴾ قيل: اللام لام العاقبة لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهر عورتهما وإنما آل أمرهما إلى ذلك، وقيل: لام الغرض وبدو العورة كناية عن زوال الحرمة وسقوط الجاه الذي كان غرضه، أو لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته وفي ذلك سقوط حشمته.
وقوله: ﴿ ووري ﴾ مجهول وارى أي ستر والسوءة فرج الرجل والمرأة.
ثم بيّن وسوسة إبليس بأنه ﴿ قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي إلا كراهة أن تكونا ملكين إلى قوله: ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ .
سؤال: كيف يطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة ساجدين معترفين بفضله؟
والجواب بعد تسليم أن هذه الواقعة كانت بعد النبوة وبعد سجود الملائكة له، أن هذا أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض أما ملائكة السموات وملائكة العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبته لآدم وإلا كان هذا التطميع فاسداً.
وربما يجاب بأنه أراد أنه يصير مثل الملك في البقاء والدوام وزيف بلزوم التكرار من قوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ .
قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ ﴿ ملكين ﴾ بكسر اللام كأن الملعون أتاهما من جهة الملك كقوله: ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ﴾ واعترض بأنه لا نزاع في هذه القراءة الشاذة وإنما النزاع في القراءة المشهورة.
ويمكن أن يجاب بأن آدم لعله رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والبطش والخلقة بأن يصير جوهراً نورانياً مقره العرش والكرسي.
نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن: إن آدم وحواء هل صدّقاه في قوله؟
فقال الحسن: معاذ الله لو صدّقاه لكانا من الكافرين.
أراد الحسن أن تصديق الخلود يوجب إنكار البعث والقيامة وإنه كفر.
ويمكن أن يقال: لو أراد بالخلود طول المكث لم يلزم التكفير، ولو سلم أن الخلود مفسر بالدوام فلا نسلم أن اعتقاد الدوام من آدم يوجب الكفر لأن العلم بالموت ثم البعث يتوقف على السمع ولعل ذلك الدليل السمعي لم يصل إلى آدم وقتئذٍ.
ثم إن المحققين اتفقوا على أن التصديق لم يوجد من آدم لا قطعاً ولا ظناً وإنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا عند الشهوة أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال.
ثم إن بعضهم زعم أن الترغيب كان في مجموع الأمرين كونهما ملكين وكونهما خالدين والظاهر أنه على طريقة التخيير.
سؤال: المقاسمة من الجانبين فكيف يتصور التقاسم بين آدم وإبليس؟
والجواب كأنه قال لهما: أقسم بالله إني لكما ناصح وقالا له: نقسم بالله إنك إن صدقت ناصح.
أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ أي أوقعهما فيما أراد من تغرير، وأصله أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه.
وقيل: أي جرأهما على أكل الشجرة من قولهم: فلان يدل على أقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده.
قال ابن عباس: غرهما باليمين.
وكان آدم يظن أن لا يحلف أحد بالله كاذباً.
وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى من بعض عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.
﴿ فلما ذاقا الشجرة ﴾ فيه دلالة على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه ولولا أنه ذكر في آية أخرى ﴿ فأكلا منها ﴾ لم يدل على الأكل لأن الذوق قد يكون من غير أكل.
﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ ظهرت عوراتهما أي عورتاهما مثل ﴿ صغت قلوبكما ﴾ مكان قلباكما ﴿ وطفقا يخصفان ﴾ أخذا في الفعل وهو الخصف، ويستعمل طفق بمعنى كاد.
قال الزجاج: أي يجعلان ورقة على ورقة ليستترا بهما كما تخصف النعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور.
والورق التين وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة؟
﴿ ألم أنهكما ﴾ عتاب من الله وتوبيخ وباقي الآيات مفسر في سورة البقرة.
عن ثابت البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك.
فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده.
وقد بقي علينا من التفسير أسرار المتشابهات الواقعة في هذه القصة فلنفرغ لها.
قوله: ﴿ ما منعك ﴾ وفي ص ﴿ يا إبليس ما منعك ﴾ وفي الحجر ﴿ يا إبليس ما لك ﴾ حذف المنادى في هذه السورة لأن مضي ذكره هنا أقرب فلم يحتج إلى إعادة اسم اللعين بالنداء.
قوله: ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ وفي ص ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ جمع بين لفظ المنع ولفظ "لا" في هذه السورة لأنه لما حذف النداء زاد لفظة "لا" زيادة في النفي وإعلاماً بأن المخاطب به إبليس.
وإن شئت قلت: جمع في السورة بين ما في "ص" وما في "الحجر" فقال: ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ و ﴿ مالك أن لا تسجد ﴾ وحذف ﴿ أن تسجد ﴾ وحذف ﴿ مالك ﴾ لدلالة الحال ودلالة السورتين عليه فبقي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ .
قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ الآية في ص مثله كلاهما في جواب ﴿ ما منعك ﴾ ظاهر إلا أنه زاد في الحجر لفظ الكون فقال: ﴿ لم أكن لأسجد ﴾ ليكون مطابقاً للسؤال حيث قيل: ما لك أن لا تكون مع الساجدين.
قوله: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ وفي ص وفي الحجر ﴿ رب فانظرني ﴾ لأنه لما اقتصر في السؤال على الخطاب دون صريح الاسم اقتصر ههنا أيضاً على الخطاب دون ذكر المنادى بخلاف السورتين.
وأما زيادة الفاء في السورتين دون هذه السورة فلأن داعية الفاء ما تضمنه النداء من أدعو وأنادي نحو قوله: ﴿ ربنا فاغفر ﴾ أي أدعوك فاغفر.
فلما حذف النداء في هذه السورة تركت الفاء.
وكذلك من قوله: ﴿ إنك من المنظرين ﴾ ليطابق الجواب السؤال.
قوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ وفي الحجر ﴿ رب بما أغويتني ﴾ بزيادة النداء ليوافق ما قبله.
وزاد في هذه السورة الفاء وكذا في "ص" ﴿ فبعزتك لأغوينهم ﴾ لزيادة الربط.
ولم يمكن دخول الفاء في "رب" لامتناع النداء منه لأن ذلك يقع مع السؤال والطلب.
﴿ قال اخرج منها مذؤماً ﴾ ليس في القرآن غيره وإنما اختص هذا الموضع بذلك لأن اللعين بالغ في العزم على الإغواء فقال: ﴿ لأقعدن لهم ﴾ إلى آخره فبالغ الله جل وعلا في ذمه إذ الذام أشد الذم.
قوله: ﴿ فكلا ﴾ بالفاء وفي البقرة ﴿ وكلا ﴾ لأن اسكن ههنا من السكنى التي معناها اتخاذ الموضع مسكناً وهذا لا يستدعى زماناً ممتداً يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه بل يقع الأكل عقيبه، وفي البقرة من السكون الذي يراد به الإقامة فلم يصلح إلا بالواو فإن المعنى أجمعا بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها ولو كان بالفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة.
وإنما زاد في البقرة ﴿ رغداً ﴾ لما زاد في الخبر تعظيماً بقوله: ﴿ وقلنا ﴾ قال بعض الأفاضل في الجواب عن هذه المسائل: إن اقتصاص ما مضى إذا لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها كان اختلافها واتفاقها سواء إذا أدى المعنى المقصود.
وهذا جواب حسن إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر والله أعلم.
التأويل: ﴿ ولقد خلقنا ﴾ أرواحكم ﴿ ثم صورناكم ﴾ أي خلقنا لأرواحكم أجساداً كما جاء في الحديث "إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ولتصوير الأجساد بداية وهي قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ﴾ فإن لفظ الذرية يقع على المصورين ووسط ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ ونهاية هي حالة الكهولية في الأغلب ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ وأنتم في صلبه وهذا من التمكين أيضاً ﴿ فسجدوا ﴾ لاستعدادهم الفطري للسجود ولائتمارهم لأمر الله ﴿ إلا إبليس لم يكن ﴾ من المستعدين للسجود لما فيه من الاستكبار الناري ﴿ قال ما منعك ﴾ خطاب الامتحان لجرم إبليس ليظهر به استحقاقه اللعن فإنه لو كان ذا بصيرة لقال في الجواب منعني تقديرك وقضاؤك ولكنه كان أعور العين اليمنى بصيراً بالعين التي رأى بها أنانيته فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ أي منعني خيريتي من أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بأنه خلق من نار وهي علوية نورانية لطيفة وآدم خلق من طين وهو سفلي ظلماني كثيف.
وهذا القياس معارض بأن النار من خاصيتها الإحراق والفناء والطين من خواصه النشوء والإنماء والاستمساك الذي بقوته يصير الإنسان مستمسكاً للفيض الإلهي ونفخ الروح فيه فاستحق سجود الملائكة لأنه صار كعبة حقيقية.
فلما ابتلي إبليس بالصغار وطرد من الجوار أخذ في النوح وأيس من الروح ورضي بالبعاد واطمأن بالحياة فقال: ﴿ أنظرني ﴾ فأجيب إلى ما سأل ليكون وبالاً عليه ويزي في شقوته، ولكن لم يجبه بأن لا يذيقه ألم الموت لقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم ﴾ ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ لم تكن حوالته الإغواء إلى الله منه نظر التوحيد وإنما كان للمعارضة والمعاندة لقوله: ﴿ لأغوينهم ﴾ ﴿ لأقعدن ﴾ ﴿ ثم لآتينهم ﴾ من الجهات التي فيها حظوظ النفس ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الحسد على الأكابر من المشايخ والعلماء المعاصرين ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الطعن في الأكابر الأقدمين والسلف الصالحين.
﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل إفساد ذات البين وإلقاء العداوة والبغضاء بين الإخوان ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من جهة ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وترك الأمر بالمعروف مع عامة المسلمين.
أو المراد ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الرياء والعجب ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الصلف والفخر ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل الادعاء وإظهار المواعيد والمواجيد ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل الافتراء على أنفسهم ما ليس فيها من الكشوف والأحوال.
أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الاعتراض على الشيخ ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل التفريق والإخراج عن صحبة الشيخ ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل ترك حشمة المشايخ ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل مخالفة الشيخ والرد بعد القبول.
أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ أثوّر عليهم أهاليهم وأولادهم ليمنعوهم عن طلب الحق ﴿ ومن خلفهم ﴾ أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم ﴿ وعن أيمانهم ﴾ أثور عليهم أحباءهم ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أثور عليهم أعداءهم وحسادهم.
﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ يعني شجرة المحبة فإن المحبة مطية المحنة ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ على أنفسكما لأن للمحبة ناراً ونوراً فمن لم يرد نارها لم يجد نورها ومن يرد نارها احترقت أنانيته فيبقى بلا هوية نفسه مع هوية ربه فههنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فشجرة المحبة شجرة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإنّ منعه منها كان تحريضاً له على تناولها فإن الإنسان حريص على ما منع.
ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي من أهل السلو كملكين في زوايا الجنة ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ في الجنة كالحور والرضوان فسقاهما إبليس في كأس القسم شراب ذكر الحبيب ﴿ وقاسمهما ﴾ فلما غرقا في لجّة المحنة وذاقا شجرة المحبة ﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ أي سوآت نار المحبة قبل نورها وهي نار فرقة الأحبة في البداية ﴿ وطفقا ﴾ لاشتعال نائرة المحبة يجعلان كل نعيم الجنة على نارهما، فلما التهبت احترقت بلظى نارها حبة الوصلة ونعب غراب البين بالفرقة.
فبينما نحن في لهو وفي طرب *** بدا سحاب فراق صوبه هطل وإن من كنت مشغوفاً بطلعته *** مضى وأقفر منه الرسم والطلل فالصبر مرتحل والوجد متصل *** والدمع منهمل والقلب مشتعل ﴿ وناداهما ربهما ﴾ نداء العزة والكبرياء ﴿ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ فإنها تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب الطرب وتورث التعب والنصب ﴿ إن الشيطان لكما عدوّ مبين ﴾ ولكن في عداوته صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين: واخجلتا من وقوفي باب دارهم *** لو قيل لي مغضباً من أنت يا رجل فانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية ولوث العجب والأنانية فرجعا عما طمعا فيه ووقفا لديه وعلما أن لا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه فقالا ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ بأن أوقعناها في شبكة المحبة لا المحبة تبقينا بالوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال ﴿ وإن لم تغفر لنا ﴾ بنوال الوصال ﴿ وترحمنا ﴾ بتجلي الجمال ﴿ لنكونن من الخاسرين ﴾ الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى.
فأمرا بالصبر على الهجر وقيل: ﴿ اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ النفس عدو القلب والروح، والقلب عدو لما سوى الله ﴿ ولكم ﴾ للنفس والقلب والرفع في أرض البدن مقام وتمتع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة إلى حين تصير النفس مطمئنة تستحق الخطاب، ارجعي من الهبوط وارفعي بعد السقوط.
إن الأمور إذا انسدت مسالكها *** فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا.
﴿ قال فيها ﴾ أي في المحبة ﴿ تحيون ﴾ بصدق الهمة وقرع باب العزيمة ﴿ وفيها تموتون ﴾ بطلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة ﴿ ومنها تخرجون ﴾ إلى عالم الحقيقة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ .
يحتمل ﴿ مِنْهَا ﴾ : من السماء.
ويحتمل من الأرض.
ويحتمل من الصورة التي كان فيها على ما قلنا في قوله: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ .
وقيل: الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَذْءُوماً مَّدْحُوراً ﴾ .
قيل: مذموماً مدحوراً، أي: مذموماً ملوماً عند الخلق جميعاً.
مدحوراً قيل: مقصيّاً مبعداً عن كل خير.
قال أبو عوسجة: مذءوم ومذموم ومدحور واحد مباعد مطرود.
وقوله: ﴿ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .
أخبر - عز وجل - أنه يملأ جهنم من إبليس ومن تبعه وأطاعه؛ لأنهم [إنما] يتبعونه ويطيعونه في الكفر والشرك بالله.
تعلق الخوارج بظاهر قوله: ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ ، وكل مرتكب معصية تابع له؛ لذلك استوجب الخلود.
وقالت المعتزلة: كل مرتكب كبيرة بوعيد هذه الآية؛ لأنه تابع له.
وعندنا: ليس لهم في الآية حجة في تخليد من ذكروا في النار؛ لأنه إنما ذكرت على أثر نقض الدين ورد التوحيد؛ فكأنه قال: لمن تبعك في نقض الدين وردّ التوحيد لأملأن جهنم منكم أجمعين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ .
كان السكون في موضع من القرار فيه والأمن؛ كقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ ؛ لتقروا فيه وتأمنوا؛ فقوله لآدم: ﴿ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ أسكنهما عز وجل ليقروا فيها ويأمنوا من [كل ما] ينقصهما من تلك النعم التي أنعم عليهما؛ لأن الخوف، مما ينقص النعم ويذهب بلذتها، فلما أسكنهما عز وجل الجنة أمنهما عن ذلك كله.
ثم فيه أن أول المحنة والابتلاء من الله لعباده إنما يكون بالإنعام والإفضال عليهم، ثم بالجزاء والعدل بسوء ما ارتكبوا؛ لأنه عز وجل امتحن آدم أولاً بالإفضال والإنعام عليه؛ حيث أسجد [له ملائكته]، وأسكنه جنته، ووسع عليه نعمه، ثم امتحنه بالشدائد وأنواع المشقة؛ جزاء ما ارتكبوا من التناول من الشجرة التي نهاه عن قربانها، فهو ما ذكرنا أن [شرط] امتحانه عباده في الابتداء يكون بالإفضال والإنعام، ثم بالعدل والجزاء لسوء صنيعهم.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ أخبر أن ما يصيبنا هو من كسب أيدينا وهو جزاء ما كسبنا.
[وفيها وفي غيرها من القصص والذكر دليل إثبات] رسالة محمد ونبوته؛ لأنه [أخبر عما كان] من غير أن اختلف إلى أحد ممن يعرف ذلك ولا نظر في الكتب التي فيها [ذكرها] دل أنه إنما عرف ذلك بالله .
ثم اختلف أهل التأويل في الجنة التي أسكن عز وجل آدم فيها وزوجته: قال بعضهم: [هي] الجنة التي يكون عود أهل الإسلام إليها في الآخرة، ولهم وعد عز وجل تلك.
وقال بعضهم: هي جنة أنشأها لآدم ليسكن فيها في السماء، ولكن لا ندري ما تلك الجنة، وليس لنا إلى معرفة تلك الجنة حاجة، إنما الحاجة إلى ما ذكر من المحن.
واختلف - أيضاً - في الشجرة التي نهي آدم عن قربانها: قال بعضهم: هي شجرة العلم.
وقال بعضهم: هي شجرة الحنطة.
وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل واختلافهم في صدر الكتاب قدر ما حفظناه.
وكذلك اختلفوا في وسوسة الشيطان لآدم وحواء: أنه كيف وسوس إليه ومن أين كان، وهذا - أيضاً - قد ذكرناه في تلك القصة.
والحسن يقول: إنما وسوس إليهما من الدنيا لا أن كان دخل الجنة.
وقال بعضهم: وسوس إليهما من رأس الجنة ومن فيها بكلمتهما.
وقوله - عز جل -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .
لم يرد [به] الدنو منها، ولكن أراد الذوق والأكل منها؛ لأنه قال: ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ ﴾ ، دل أن النهي لم يكن للدنو منها، ولكن للذوق والأكل منها.
وفيه: أن الامتحان من الله مرة يكون بالحل، ومرة يكون بالحرمة؛ لأنه أذن [له] التناول مما فيها من أنواع النعم، وحرم عليه التناول من واحدة منها؛ فذلك محنة منه، ثم النهي عن التناول من الشيء يخرج على وجوه: أحدها: ينهى بحق الحرمة لنفسه، وينهى بحق إيثار الغير عليه، وينهى عن التناول منه لداء فيه وآفة، وينهى لما يخرج التناول منها بحق الجزاء فلم يكن بعد وقت الجزاء له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ﴾ .
قوله: ﴿ مَا وُورِيَ ﴾ أي: ستر وغطي، وسوءاتهما: عورتهما، والسوءة: العورة في اللغة.
وفيه أنه يجب أن نكون على حذر من شر إبليس اللعين؛ لئلا يجد فرصة علينا؛ فإنه أبداً على [سلب] النعم [التي] أنعمها الله على عباده، حيث احتال كل حيلة؛ حتى أبدى لهما ما ووري وستر عنهما من العورة وعمل في إخراجهما من النعم واللذات؛ وأوقعهما في الشدائد والمشقة.
وفيه أنه ليس [حال] عليه أشد من أن رأى أحداً في النعم والسعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ ﴾ .
قد ذكرنا معنى هذا - أيضاً - في صدر الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ ﴾ .
قال الحسن قاسمهما في وسوسته إياهما إني لكما لمن الناصحين وهذا الذي يقول الحسن يومئ إلى أن آدم قد علم أنه الشيطان.
وقال أبو بكر الكيساني: إنه قد وقع عند آدم أن الشجرة التي نهاه ربه أن يتناول منها هي المفضلة على جميع الشجر، فلمّا وسوس إليه الشيطان، وقال له ما قال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ ﴾ ؛ فوافق ظنُّه قول اللعين وما دعاهما إليه، ثم اشتغل فنسي ذلك؛ فتناول على النسيان [والنسيان] على وجهين: نسيان الترك على العهد، ونسيان السهو، ولا يحتمل أن يكون آدم ترك [ذلك] عمداً؛ فهو على نسيان السهو، إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم أو كلام نحوه.
وقرأ بعضهم قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ ، بكسر اللام من الملك؛ ذهب في ذلك إلى ما قال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ ﴾ .
وقراءة العامة الظاهرة: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ ، بنصب اللام من الملائكة، وقد ذكرنا جهة رغبة آدم في أن يصير ملكاً؛ حيث تناول منها، في صدر الكتاب على قدر ما حفظنا.
<div class="verse-tafsir"
وقال الله لآدم: يا آدم، اسكن أنت وزوجتك حواء الجنة، فكُلا مما فيها من الطيبات ما شئتما، ولا تأكلا من هذه الشجرة (شجرة عَيَّنها الله لهما) فإنكما إن أكلتما منها بعد نهيي لكما كنتما من المتجاوزين لحدود الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.PQWYM"