الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٣ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى مخاطبا للعالم : ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) أي : اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه ، ( ولا تتبعوا من دونه أولياء ) أي : لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره ، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره .
( قليلا ما تذكرون ) كقوله : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [ يوسف : 103 ] .
وقوله : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) [ الأنعام : 116 ] وقوله : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) [ يوسف : 106 ] .
القول في تأويل قوله : اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (3) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك الذين يعبدون الأوثان والأصنام: اتبعوا، أيها الناس، ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى, واعملوا بما أمركم به ربكم, ولا تتبعوا شيئًا من دونه = يعني: شيئًا غير ما أنـزل إليكم ربكم.
يقول: لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان, فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم.
* * * فإن قال قائل: وكيف قلت: " معنى الكلام: قل اتبعوا ", وليس في الكلام موجودًا ذكرُ القول؟
قيل: إنه وإن لم يكن مذكورًا صريحًا, فإن في الكلام دلالة عليه, وذلك قوله: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ , ففي قوله: " لتنذر به "، الأمر بالإنذار, وفي الأمر بالإنذار، الأمرُ بالقول، لأن الإنذار قول.
فكأن معنى الكلام: أنذر القومَ وقل لهم: اتبعوا ما أنـزل إليكم من ربكم.
ولو قيل معناه: لتنذر به وتذكر به المؤمنين فتقول لهم: اتبعوا ما أنـزل إليكم = كان غير مدفوع.
* * * وقد كان بعض أهل العربية يقول: قوله: (اتبعوا)، خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم , ومعناه: كتاب أنـزل إليك, فلا يكن في صدرك حرج منه, اتبع ما أنـزل إليك من ربك = ويرى أن ذلك نظير قول الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [سورة الطلاق: 1]، إذ ابتدأ خطابَ النبي صلى الله عليه وسلم , ثم جعل الفعل للجميع, إذ كان أمر الله نبيه بأمرٍ، أمرًا منه لجميع أمته, كما يقال للرجل يُفْرَد بالخطاب والمراد به هو وجماعة أتباعه أو عشيرته وقبيلته: " أما تتقون الله، أما تستحيون من الله!"، ونحو ذلك من الكلام.
(5) وذلك وإن كان وجهًا غير مدفوع, فالقولُ الذي اخترناه أولى بمعنى الكلام، لدلالة الظاهر الذي وصفنا عليه.
* * * وقوله: (قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ)، يقول: قليلا ما تتعظون وتعتبرون فتراجعون الحق.
(6) ------------------ الهوامش : (5) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 371 ، فهذه مقالته .
(6) انظر تفسير (( التذكر )) فيما سلف 11 : 489 ، تعليق 3 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرونفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم يعني الكتاب والسنة .
قال الله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .
وقالت فرقة : هذا أمر يعم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته .
والظاهر أنه أمر لجميع الناس دونه .
أي اتبعوا ملة الإسلام والقرآن ، وأحلوا حلاله وحرموا حرامه ، وامتثلوا أمره ، واجتنبوا نهيه .
ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع وجود النص .الثانية قوله تعالى ولا تتبعوا من دونه أولياء من دونه من غيره .
والهاء تعود على الرب سبحانه ، والمعنى : لا تعبدوا معه غيره ، ولا تتخذوا من عدل عن دين الله وليا .
وكل من رضي مذهبا فأهل ذلك المذهب أولياؤه .
وروي عن مالك بن دينار أنه قرأ [ ص: 147 ] ( ولا تبتغوا من دونه أولياء ) أي ولا تطلبوا .
ولم ينصرف أولياء لأن فيه ألف التأنيث .
وقيل : تعود على ما من قوله : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم .قليلا ما تذكرون ما زائدة .
وقيل : تكون مع الفعل مصدرا .
ثم خاطب اللّه العباد، وألفتهم إلى الكتاب فقال: { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } أي: الكتاب الذي أريد إنزاله لأجلكم، وهو: { مِنْ رَبِّكُمْ } الذي يريد أن يتم تربيته لكم، فأنزل عليكم هذا الكتاب الذي، إن اتبعتموه، كملت تربيتكم، وتمت عليكم النعمة، وهديتم لأحسن الأعمال والأخلاق ومعاليها { وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } أي: تتولونهم، وتتبعون أهواءهم، وتتركون لأجلها الحق.
{ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } فلو تذكرتم وعرفتم المصلحة، لما آثرتم الضار على النافع، والعدو على الوليِّ.
( اتبعوا ) أي : وقل لهم اتبعوا : ( ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ) أي : لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله تعالى ، ( قليلا ما تذكرون ) تتعظون .
وقرأ ابن عامر : " يتذكرون " بالياء والتاء .
قل لهم «أتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم» أي القرآن «ولا تتبعوا» تتخذوا «من دونه» أي الله أي غيره «أولياء» تطيعونهم من معصيته تعالى «قليلا ما تَذَّكَّرون» بالتاء والياء تتعظون وفيه إدغام التاء في الأصل في الذال، وفي قراءة بسكونها وما زائدة لتأكيد القلة.
اتبعوا -أيها الناس- ما أُنزل إليكم من ربكم من الكتاب والسنة بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، ولا تتبعوا من دون الله أولياء كالشياطين والأحبار والرهبان.
إنكم قليلا ما تتعظون، وتعتبرون، فترجعون إلى الحق.
ثم أمر القرآن الناس باتباع تعاليم الإسلام التى جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم فقال : ( اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ) .أى : اتبعوا أيها الناس ملة الإسلام وأحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، وامتثلوا أوامره ، واجتنبوا نواهيه ، لأن الذى أنزل عليكم هذه الشريعة هو ربكم الذى هو خالقكم ومربيكم ومدبر أموركم والعليم بما فيه مصلحتكم وحذار من أن تتركوا شريعة الإسلام التى تدعوكم إلى إفراد الله بالعبودية ، وتتخذوا معه شركاء يزينون لكم الأباطيل ، ويصرفونكم عن دينه القويم فالآية الكريمة كلام مستأنف خوطب به كافة المكلفين لحضهم على إفراد الله بالعبودية ، ونهيهم عن اتباع أحد من الخلق فيما يتعلق بالأمور الدينية التى وضحتها الشريعة الإسلامية .وقوله - تعالى - : ( قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ) معناه : تذكراً قليلا تتذكرون ، أو زمناً قليلا تتذكرون فهو منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أو لظرف زمان محذوف .
وما مزيدة لتأكيد القلة .
اعلم أن أمر الرسالة إنما يتم بالمرسل وهو الله سبحانه وتعالى والمرسل وهو الرسول، والمرسل إليه، وهو الأمة، فلما أمر في الآية الأولى الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي، وعزم صحيح أمر المرسل إليه.
وهم الأمة بمتابعة الرسول.
فقال: ﴿ اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الحسن: يا ابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله.
واعلم أن قوله: ﴿ اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ ﴾ يتناول القرآن والسنة.
فإن قيل: لماذا قال: ﴿ أُنزِلَ إِلَيْكُمُ ﴾ وإنما أنزل على الرسول.
قلنا: إنه منزل على الكل بمعنى أنه خطاب للكل.
إذا عرفت هذا فنقول: هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس لا يجوز لأن عموم القرآن منزل من عند الله تعالى.
والله تعالى أوجب متابعته، فوجب العمل بعموم القرآن ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس، وإلا لزم التناقض.
فإن قالوا: لما ورد الأمر بالقياس في القرآن.
وهو قوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ كان العمل بالقياس عملاً بما أنزل الله.
قلنا: هب أنه كذلك إلا أنا نقول: الآية الدالة على وجوب العمل بالقياس إنما تدل على الحكم المثبت بالقياس، لا ابتداء بل بواسطة ذلك القياس.
وأما عموم القرآن، فإنه يدل على ثبوت ذلك الحكم ابتداء لا بواسطة، ولما وقع التعارض كان الذي دل عليه ما أنزله الله ابتداء أولى بالرعاية من الحكم الذي دل عليه ما أنزله الله بواسطة شيء آخر، فكان الترجيح من جانبنا.
والله أعلم.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ﴾ قالوا معناه ولا تتولوا من دونه أولياء من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع.
ولقائل أن يقول: الآية تدل على أن المتبوع إما أن يكون هو الشيء الذي أنزله الله تعالى أو غيره.
أما الأول: فهو الذي أمر الله باتباعه.
وأما الثاني: فهو الذي نهى الله عن اتباعه، فكان المعنى أن كل ما يغاير الحكم الذي أنزله الله تعالى فإنه لا يجوز إتباعه.
إذا ثبت هذا فنقول: إن نفاة القياس تمسكوا به في نفي القياس.
فقالوا الآية تدل على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس متابعة لغير ما أنزله الله تعالى، فوجب أن لا يجوز.
فإن قالوا: لما دل قوله فاعتبروا على العمل بالقياس كان العمل بالقياس عملاً بما أنزله الله تعالى أجيب عنه بأن العمل بالقياس، لو كان عملاً بما أنزله الله تعالى، لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ﴾ وحيث أجمعت الأمة على عدم التكفير علمنا أن العمل بحكم القياس ليس عملاً بما أنزله الله تعالى، وحينئذ يتم الدليل.
وأجاب عنه مثبتو القياس: بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وما ذكرتموه تمسك بظاهر العموم، وهو دليل مظنون والقاطع أولى من المظنون.
وأجاب: الأولون بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين ﴾ وعموم قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا ﴾ وعموم قوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ وبعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على الضلالة» وعلى هذا فإثبات كون الإجماع حجة، فرع عن التمسك بالعمومات، والفرع لا يكون أقوى من الأصل.
فأجاب مثبتو القياس: بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في أثبات القياس قويت القوة وحصل الترجيح.
والله أعلم.
المسألة الثالثة: الحشوية الذين ينكرون النظر العقلي والبراهين العقلية، تمسكوا بهذه الآية وهو بعيد لأن العلم بكون القرآن حجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية، فلو جعلنا القرآن طاعناً في صحة الدلائل العقلية لزم التناقض وهو باطل.
المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ بالياء تارة والتاء أخرى.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء وتخفيف الذال، والباقون بالتاء وتشديد الذال.
قال الواحدي رحمه الله: تذكرون أصله تتذكرون فأدغم تاء تفعل في الذال لأن التاء مهموسة، والذال مجهورة والمجهور أزيد صوتاً من المهموس، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد، وما موصولة بالفعل وهي معه بمنزلة المصدر.
فالمعنى: قليلاً تذكركم، وأما قراءة ابن عامر ﴿ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ بياء وتاء فوجهها أن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قليلاً ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب، وأما قراءة حمزة والكسائي وحفص، خفيفة الذال شديدة الكاف، فقد حذفوا التاء التي أدغمها الأولون، وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة والله أعلم.
قال صاحب الكشاف: وقرأ مالك بن دينار ولا تبتغوا من الابتغاء من قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم ﴾ من القرآن والسنّة ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ ﴾ من دون الله ﴿ أَوْلِيَاء ﴾ أي ولا تتلوا من دونه من شياطين الجنّ والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع ويضلوكم عن دين الله وما أنزل إليكم، وأمركم باتباعه.
وعن الحسن: يا ابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله وسنّة محمد صلى الله عليه وسلم.
والله ما نزلت آية إلاّ وهو يحب أن تعلم فيم نزلت وما معناها.
وقرأ مالك بن دينار: ﴿ ولا تبتغوا ﴾ من الابتغاء ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا ﴾ [آل عمران: 85] .
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ لما أنزل، على: ولا تتبعوا من دون دين الله دين أولياء ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره.
وقرئ: ﴿ تذكرون ﴾ ، بحذف التاء.
﴿ ويتذكرون ﴾ بالياء.
و ﴿ قَلِيلاً ﴾ : نصب يتذكرون، أي تذكرون تذكراً قليلاً.
و ﴿ مَآ ﴾ مزيدة لتوكيد القلة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ يَعُمُّ القُرْآنَ والسُّنَّةَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ﴾ ﴿ إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى ﴾ .
﴿ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ يُضِلُّونَكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ في ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ لِـ ﴿ ما أُنْزِلَ ﴾ أيْ: ولا تَتَبِّعُوا مِن دُونِ دِينِ اللَّهِ أوْلِياءَ.
وقُرِئَ « ولا تَبْتَغُوا» .
﴿ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَذْكُرُونَ حَيْثُ تَتْرُكُونَ دِينَ اللَّهِ وتَتَّبِعُونَ غَيْرَهُ، و « ما» مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ القِلَّةِ وإنْ جُعِلَتْ مَصْدَرِيَّةً لَمْ يَنْتَصِبْ ﴿ قَلِيلا ﴾ بِـ ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ بِحَذْفِ التّاءِ، وابْنُ عامِرٍ « يَتَذَكَّرُونَ» عَلى أنَّ الخِطابَ بَعْدُ مَعَ النَّبِيِّ .
<div class="verse-tafsir"
{اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ} أي القرآن والسنة عن عبادة الأوثان والأهواء والبدع {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره وقليلا نصب يتذكرون أي تذكرون تذكرا قليلا وما مزيدة لتوكيد القلة تَتَذَكَّرُونَ شامي
﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ خِطابٌ لِكافَّةِ المُكَلَّفِينَ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الكِتابُ المُنَزَّلُ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ إلّا أنَّهُ وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ وجُعِلَ مُنَزَّلًا إلَيْهِمْ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِاتِّباعِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ الكِتابَ والسَّنَةَ فَلَيْسَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ وإيثارُهُ لِفائِدَةِ التَّعْمِيمِ وتَشْمِيمٌ مِن أُسْلُوبِ قَوْلِ الأنْمارِيَّةِ هم كالحَلْقَةِ المُفْرَغَةِ لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها وتَتْمِيمٌ لِشَرْحِ الصَّدْرِ فَإنَّهُ لَمّا شَجَّعَ أمْرُ الجَمِيعِ بِاتِّباعِ جَمِيعِ ما يَرْسُمُهُ لِيَكُونَ أدْعى لِانْشِراحِ صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورَحْبَ ذِراعِهِ.
ولا يَخْفى أنَّ هَذا الحَمْلَ بَعِيدٌ نَعَمْ يَعُمُّ السُّنَّةَ بِأقْسامِها الحُكْمُ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ لا بِطْرِيقِ العِبارَةِ و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأُنْزِلَ عَلى أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الصِّلَةِ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ وتَرْغِيبٌ لَهم في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ وتَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهِ إثْرَ تَأْكِيدٍ ﴿ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى ( رَبِّكم ) والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ فِعْلِ النَّهْيِ أيْ لا تَتَّبِعُوا مُتَجاوِزِينَ رَبَّكُمُ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكم ما يَهْدِيكم إلى الحَقِّ ( أوْلِياءَ ) مِنَ الشَّياطِينِ والكُهّانِ بِأنْ تَقْبَلُوا مِنهم ما يُلْقُونَهُ إلَيْكم مِنَ الأباطِيلِ لِيُضِلُّوكم عَنِ الحَقِّ بَعْدَ إذْ جاءَكم ويَحْمِلُوكم عَلى البِدَعِ والأهْواءِ الزّائِغَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( أوْلِياءَ ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً أيْ أوْلِياءَ كائِنَةً غَيْرَهُ تَعالى وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالفِعْلِ قَبْلَهُ أيْ تَعْدِلُوا عَنْهُ سُبْحانَهُ إلى غَيْرِهِ ولَمّا كانَ اتِّباعُ ما أنْزَلَهُ سُبْحانَهُ جَلَّ وعَلا اتِّباعًا لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ عَقَّبَ الأمْرَ السّابِقَ بِهَذا النَّهْيِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لَمّا أُنْزِلَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ في أوْلِياءَ أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ ما أُنْزِلَ أباطِيلَ أوْلِياءَ وكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ دِينِ رَبِّكم دِينَ أوْلِياءَ وذَلِكَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ وصْفُ المُنْزَلِ بِكَوْنِهِ دُونَهم وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْمَصْدَرِ أيْ لا تَتَّبِعُوا أوْلِياءَ اتِّباعًا مِن دُونِ اتِّباعِكم ما أُنْزِلَ إلَيْكم وفِيهِ بُعْدٌ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ ( تَبْتَغُوا ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الِابْتِغاءِ ﴿ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ (3) أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَذَكَّرُونَ لا كَثِيرًا حَيْثُ لا تَتَأثَّرُونَ بِذَلِكَ ولا تَعْمَلُونَ بِمُوجِبِهِ وتَتْرُكُونَ الحَقَّ وتَتَّبِعُونَ غَيْرَهُ فَقَلِيلًا نَعْتُ مَصْدَرٍ أوْ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أُقِيمَ مَقامَهُ ونَصَبَهُ بِالفِعْلِ بَعْدَهُ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ و( ما ) مَزِيدٌ لِتَأْكِيدِ القِلَّةِ لِأنَّها تُفِيدُها في نَحْوِ أكَلْتُ أكْلًا ما فَهي ها هُنا قِلَّةٌ عَلى قِلَّةٍ والظّاهِرُ مِنَ القِلَّةِ مَعْناها وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها العَدَمُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ ﴾ وأُجِيزَ أنْ يَكُونَ قَلِيلًا نَعْتَ مَصْدَرٍ لِتَتَّبِعُوا أيِ اتِّباعًا قَلِيلًا قِيلَ: ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ لا مَعْنى حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( تَذَكَّرُونَ ) وأمّا النَّهْيُ عَنِ الِاتِّباعِ القَلِيلِ فَلا يَضُرُّ لِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ غَيْرُهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ تَتَّبِعُوا وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ فاعِلٌ لَهُ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ والنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ جَمِيعًا واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَ مَعْناهُ وإنْ وُجِّهَ وأنْ يَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأٌ و( قَلِيلًا ) عَلى مَعْنى زَمانًا قَلِيلًا خَبَرُهُ وقِيلَ: إنَّ ما نافِيَةٌ و( قَلِيلًا ) مَعْمُولٌ لِما بَعْدَهُ والكُوفِيُّونَ يُجَوِّزُونَ عَمَلَ ما بَعْدَ ما النّافِيَةِ فِيما قَبْلَها والمَعْنى ما تَذَكَّرُونَ قَلِيلًا فَكَيْفَ تَذَكَّرُونَ كَثِيرًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ( تَذْكُرُونَ ) بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وذالٍ مُخَفَّفَةٍ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( يَتَذَكَّرُونَ ) بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ ومُثَنّاةٍ فَوُقِيَّةٍ وذالٍ مُخَفَّفَةٍ وفي طَرِيقٍ شاذَّةٍ عَنْهُ بِتاءَيْنِ فَوْقِيَّتَيْنِ وقَرَأ الباقُونَ بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ وذالٍ مُشَدَّدَةٍ عَلى إدْغامِ التّاءِ المَهْمُوسَةِ في الذّالِ المَجْهُورَةِ والجُمْلَةُ عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مَسُوقٌ لِتَقْبِيحِ حالِ المُخاطَبِينَ والِالتِفاتُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ سُوءِ حالِهِمْ في عَدَمِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ صَرْفُ الخِطابِ عَنْهم وحِكايَةُ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباتَّةِ ولا حُجَّةَ في الآيَةِ لِنُفاةِ القِياسِ كَما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
وهي مائتان وست آيات مكية قوله تعالى: المص قال ابن عباس يعني: أنا الله أعلم وأفصل معناه: أعلم بأمور الخلق وأفصل الأحكام والأمور والمقادير، وليس لي شريك في تدبير الخلق: ويقال: معناه أنا الله المصور.
ويقال: أنا الله الناصر.
ويقال: أنا الله الصادق.
وروى معمر بن قتادة قال: إنه اسم من أسماء القرآن ويقال هو قسم كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني: أن هذا الكتاب أُنزل إليك يا محمد فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي: فلا يقعن في قلبك شك منه من القرآن أنه من الله عز وجل.
فالخطاب للنبي والمراد به غيره.
كقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: 94] .
ويقال: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي فلا يضيقنّ صدرك بتكذيبهم إياك.
كقوله عز وجل: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 30] والحرج في اللغة هو الضيق.
ثم قال: لِتُنْذِرَ بِهِ على معنى التقديم يعني: كتاب أنزلناه إليك لتنذر به أي لتخوف بالقرآن أهل مكة وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي.
وعظة للمؤمنين الذين يتبعونك.
ثم قال: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي صدقوا، واعملُوا بما أنزل على نبيكم محمد من القرآن ويقرءوه عليكم وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي: ولا تتّخذوا من دون الله أرباباً، ولا تعبدوا غيره.
ثم أخبر عنهم فقال: قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ما: صلة في الكلام ومعناه: قليلاً تتعظون.
يعني: إنهم لا يتعظون به شَيْئاً.
قرأ ابن عامر يَتَذَكَّرُونَ على لفظ المغايبة بالياء.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر تَذَكَّرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة بتشديد الذال والكاف لأن أصله تتذكرون فأدغم إحدى التاءين في الذال.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تذكرون بتخفيف الذال، فأسقط التشديد للتخفيف.
ثم خوفهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها معناه: وكم من أهل قرية وعظناهم فلم يتعظوا فأهلكناهم فَجاءَها بَأْسُنا أي جاءها عذابنا بعد التكذيب بَياتاً أي ليلاً.
سمي الليل بياتاً لأنه يبات فيه أَوْ هُمْ قائِلُونَ عند القيلولة.
فإن لم تتّعظوا أنتم يأتيكم العذاب ليلاً أو نهاراً كما أتاهم.
ثم أخبر عن حال من أتاهم العذاب فقال: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا أي لم يكن قولهم حين جاءهم العذاب ولم تكن لهم حيلة إلا أنهم تضرعوا قَالُواْ: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي ظلمنا أنفسنا بترك طاعة ربنا من التوحيد يعني: إن قولهم بعد ما جاءهم العذاب يعني: الهلاك لم ينفعهم فاعتبروا بهم.
فإنكم إذا جاءكم العذاب لا ينفعكم التضرع.
ثم أخبر عن حال يوم القيامة فقال: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يعني: الأمم لنسألنهم هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم وماذا أجبتم الرسل؟
وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ عن تبليغ الرسالة.
وهذا كقوله عز وجل: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب: 8] ثم قال تعالى: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ أي: فلنخبرنّهم بما عملوا في الدنيا ببيان وعلم منا وَما كُنَّا غائِبِينَ عَمّا بلغت الرسل وعما ردَّ عليهم قومهم.
ومعناه: وما كنا نسألهم لنعلم ذلك ولكن نسألهم حجةً عليهم.
قوله: <div class="verse-tafsir"
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)
وقوله سبحانه: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ قالت فرقة: المراد وكم من أَهْلِ قرية.
وقالت فرقة: اللفظ يَتَضَمَّنُ هَلاَكَ القرية وأهلها، وهو أعظم العُقُوبَةِ، و «الفاء» في قوله سُبْحَانَهُ: فَجاءَها بَأْسُنا لترتيب القَوْلِ فقط.
وقيل: المعنى أَهْلَكْنَاهَا بالخذلان، وعدم التوفيق، فجاءها بَأْسُنَا بعد ذَلِكَ وبَياتاً، نصب على المصدر في موضع الحال، وقائِلُونَ من القائلة، وإنما خَصَّ وَقْتَيِ الدَّعَةِ «١» والسكون لأن مجيء العَذَابِ فيهما أَفْظَعُ وأَهْوَلُ لما فيه من البَغْتَةِ والفَجْأَةِ.
قال أبو «٢» حيان: أو للتفصيل، أي: جاء بعضهم بَأْسُنَا لَيْلاً، وبعضهم نهارا «٣» انتهى.
وقوله عز وجل: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ هذه الآية يَتَبَيَّنُ منها أن المراد في الآية قبلها أهل القُرَى، والدعوى «٤» في كلام العَرَبِ تأتي لمعنين:
أحدهما: الدعاء، ومنه قوله عَزَّ وَجَلَّ: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ [الأنبياء: ١٥] .
والثاني: الادِّعاءُ، وهذه الآية تَحْتَمِلُ المعنيين، ثم استثنى سُبْحَانَهُ من غير الأول كأنه قال: لم يكن منهم دُعَاءٌ أو ادِّعَاءٌ إِلاَّ الإقرار «٥» ، والاعتراف، أي: هذا كان بدل الدعاء،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ إنْ قِيلَ: كَيْفَ خاطَبَهُ بِالإفْرادِ في الآَيَةِ الأوْلى، ثُمَّ جَمَعَ بِقَوْلِهِ: ﴿ اتَّبِعُوا ﴾ ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا عَلِمَ أنَّ الخِطابَ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، حَسُنَ الجَمْعُ لِذَلِكَ المَعْنى.
والثّانِي: أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ خاصٌّ لَهُ؛ والثّانِي: مَحْمُولٌ عَلى الإنْذارِ، والإنْذارُ في طَرِيقِ القَوْلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لِتَقُولَ لَهم مُنْذِرًا: ﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّالِثُ أنَّ الخِطابَ الثّانِيَ لَلْمُشْرِكِينَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ قالَ: والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمُ القُرْآَنُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي أُنْزِلَ: القُرْآَنُ وما أتى عَنَ النَّبِيِّ ، لِأنَّهُ مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا ﴾ .
﴿ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ أيْ لا تَتَوَلَّوْا مَن عَدَلَ عَنْ دِينِ الحَقِّ؛ وكُلُّ مَنِ ارْتَضى مَذْهَبًا فَهو ولِيُّ أهْلِ المَذْهَبِ.
و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ ما: زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ والمَعْنى: قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تَذَكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذّالِ والكافِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ:" تَذَكَّرُونَ" خَفِيفَةَ الذّالِ مُشَدَّدَةَ الكافِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ " تُذَكَّرُونَ" بِالتَّشْدِيدِ، أرادَ " تَتَذَكَّرُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في الذّالِ؛ وإدْغامُها فِيها حَسَنٌ، لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والذّالَ مَجْهُورَةٌ؛ والمَجْهُورُ أزْيَدُ صَوْتًا مِنَ المَهْمُوسِ وأقْوى؛ فَإدْغامُ الأنْقَصِ في الأزْيَدِ حَسَنٌ.
وأمّا حَمْزَةُ ومَن وافَقَهُ، فَإنَّهم حَذَفُوا التّاءَ الَّتِي أدْغَمَها هَؤُلاءِ، وذَلِكَ حُسْنٌ لاجْتِماعِ ثَلاثَةِ أحْرُفٍ مُتَقارِبَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: " يَتَذَكَّرُونَ " بِياءٍ وتاءٍ عَلى الخِطابِ لَلنَّبِيِّ ؛ والمَعْنى: قَلِيلًا ما يَتَذَكَّرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذُكِّرُوا بِهَذا الخِطابِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأعْرافِ" وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها؛ قالَهُ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ ؛ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ ؛ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ الـمـص ﴾ ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ؛ وذِكْرُ اخْتِلافِ المُتَأوِّلِينَ فِيها؛ ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ - زائِدًا عَلى تِلْكَ الأقْوالِ - بِما قالَهُ السُدِّيُّ: إنَّ "الـمـص"؛ هِجاءُ اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ هُوَ: "اَلْمُصَوِّرُ"؛ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: إنَّ مَعْناهُ: "أنا اللهُ الفاصِلُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ لِلْحُرُوفِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛ ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ بِما لا طائِلَ فِيهِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "هَذا كِتابٌ"؛ و ﴿ "أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛ ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كِتابٌ".
ثُمَّ نُهِيَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبْرِمَ؛ أو يَسْتَصْحِبَ مِن هَذا الكِتابِ؛ أو بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ حَرَجًا؛ ولَفْظُ النَهْيِ هو لِلْحَرَجِ؛ ومَعْناهُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأصْلُ "اَلْحَرَجُ": اَلضَّيْقُ؛ ومِنهُ "اَلْحَرَجَةُ": اَلشَّجَرُ المُلْتَفُّ؛ الَّذِي قَدْ تَضايَقَ؛ والحَرَجُ - هَهُنا - يَعُمُّ الشَكَّ؛ والخَوْفَ؛ والهَمَّ؛ وَكُلَّ ما يُضَيِّقُ الصَدْرَ؛ وبِحَسَبِ سَبَبِ الحَرَجِ يُفَسَّرُ الحَرَجُ هَهُنا؛ وتَفْسِيرُهُ بِالشَكِّ قَلِقٌ؛ والضَمِيرُ في "مِنهُ"؛ عائِدٌ عَلى الكِتابِ؛ أيْ: بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ و"مِن"؛ هَهُنا؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى التَبْلِيغِ؛ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ مَعْنى الآيَةِ؛ وقِيلَ: عَلى الإنْذارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ؛ إذِ اللَفْظُ يَعُمُّ الجِهاتِ الَّتِي هي مِن سَبَبِ الكِتابِ ولِأجْلِهِ؛ وذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ التَبْلِيغَ؛ والإنْذارَ؛ وتَعَرُّضَ المُشْرِكِينَ؛ وتَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ﴾ ؛ اِعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ اَللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أُنْزِلَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَذِكْرى"؛ مَعْناهُ: تَذْكِرَةٌ؛ وإرْشادٌ؛ و"ذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "كِتابٌ"؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ وذِكْرى"؛ وقِيلَ: رَفْعُهُ عَلى جِهَةِ العَطْفِ عَلى صِفَةِ الكِتابِ؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ مُنَزَّلٌ إلَيْكَ وذِكْرى"؛ فَهي عَطْفٌ عَلى "مُنَزَّلٌ"؛ داخِلَةٌ في صِفَةِ الكِتابِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "لِتُنْذِرَ بِهِ وتُذَكِّرَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ"؛ وقِيلَ: نَصْبُها عَلى المَصْدَرِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعٍ خَفْضٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ أيْ: "لِإنْذارِكَ وذِكْرى".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وحَكاهُ: اَلتَّقْدِيرُ: "قُلِ اتَّبِعُوا"؛ فَحُذِفَ القَوْلُ لِدَلالَةِ الإنْذارِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ عَلَيْهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى "اِتَّبِعُوا"؛ أمْرٌ يَعُمُّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأُمَّتَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِجَمِيعِ الناسِ؛ أيْ: "اِتَّبِعُوا مِلَّةَ الإسْلامِ؛ والقُرْآنَ".
وَقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "اِبْتَغُوا ما أُنْزِلَ"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ: و"وَلا تَبْتَغُوا"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ أيْضًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أولِياءَ"؛ يُرِيدُ كُلَّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ كالأصْنامِ؛ والأحْبارِ؛ والكُهّانِ؛ والنارِ؛ والكَواكِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "مِن دُونِهِ"؛ ﴾ راجِعٌ إلى "رَبِّكُمْ"؛ هَذا أظْهَرُ وُجُوهِهِ؛ وأبْيَنُها؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "اتَّبِعُوا ما"؛ ﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ؛ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ؛ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ قالَ الفارِسِيَّ: و"ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما تَذَكَّرُونَ"؛ ﴾ مَوْصُولَةٌ بِالفِعْلِ؛ وهي مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "تَذَّكَّرُونَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ والكافِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَذَكَّرُونَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ وتَشْدِيدِ الكافِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "يَتَذَكَّرُونَ"؛ بِالياءِ؛ كِنايَةً عن غَيْبٍ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "تَتَذَكَّرُونَ"؛ بِتاءَيْنِ؛ عَلى مُخاطَبَةِ حاضِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
بيان لجملة: ﴿ لتنذر به ﴾ [الأعراف: 2] بقرينة تذييلها بقوله: قليلاً ما تذكرون.
فالخطاب موجّه للمشركين ويندرج فيه المسلمون بالأولى، فبعد أن نوّه الله بالكتاب المنزّل إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم وبيّن أن حكمة إنزاله للإنذار والذّكرى، أمر النّاس أن يتّبعوا ما أنزل إليهم، كلٌ يتبع ما هو به أعلق، والمشركون أنزل إليهم الزّجر عن الشّرك والاحتجاج على ضلالهم، والمسلمون أنزل إليهم الأمر والنّهي والتّكليف، فكلٌ مأمور باتّباع ما أنزل إليه، والمقصود الأجْدَر هم المشركون تعريضاً بأنّهم كفروا بنعمة ربّهم، فوصْفُ (الرب) هنا دون اسم الجلالة: للتّذكير بوجوب اتّباع أمره، لأنّ وصف الربوبيّة يقتضي الامتثال لأوامره، ونهاهم عن اتّباع أوليائهم الذين جعلوهم آلهة دونه، والموجه إليهم النّهي هم المشركون بقرينة قوله: ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ .
والاتِّباع حقيقته المشي وراء ماششٍ، فمعناه يقتضي ذاتين: تابعاً ومتوبعاً، يقال: اتَّبع وتَبِع، ويستعار للعمل بأمر الآمر نحو: ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني أفعصيت أمري ﴾ [طه: 92، 93] وهو استعارة تمثيليّة مبنيّة على تشبيه حالتين، ويستعار للاقتداء بسيرة أو قَوْل نحو: ﴿ ولا تَتّبعوا خطوات الشيطان ﴾ [البقرة: 168] وهو استعارة مصرّحة تنبني على تشبيه المحسوس بالمعقول مثل قوله تعالى: ﴿ إن أتَّبِع إلاّ مَا يُوحى إليّ ﴾ [الأنعام: 50]، ومنه قوله هنا: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ .
والمراد بما أنزل هو الكتاب المذكور بقوله: ﴿ كتاب أنزل إليك ﴾ [الأعراف: 2].
وقوله: ﴿ ولا تتبعوا من دونه أولياء ﴾ تصريح بما تضمّنه: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ لأنّ فيما أنزل إليهم من ربّهم أنّ الله إلهٌ واحد لا شريك له، وأنّه الولي، وأنّ الذين اتَّخذوا من دونه أولياء اللَّهُ حفيظ عليهم، أي مجازيهم لا يخفى عليه فعلَهم، وغيرَ ذلك من آي القرآن؛ والمقصود من هذا النّهي تأكيد مقتضى الأمر باتّباع ما أنزل إليهم اهتماماً بهذا الجانب ممّا أنزل إليهم، وتسجيلاً على المشركين، وقطعاً لمعاذيرهم أن يقولوا إنّنا اتَّبعنا ما أنزل إلينا، وما نرى أولياءنا إلاّ شفعاءَ لنا عند الله فما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى، فإنّهم كانوا يموهون بمثل ذلك، ألا ترى أنّهم كانوا يقولون في تلبيتهم: «لبّيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك» فموقع قوله: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم ﴾ موقع الفَصل الجامع من الحد، وموقع ﴿ ولا تتبعوا ﴾ موقع الفصل المانع في الحَدّ.
والأولياء جمع ولي، وهو المُوالي، أي الملازم والمعاون، فيطلق على النّاصر، والحليف، والصاحب الصّادق المودّة، واستعير هنا للمعبود وللإله: لأنّ العبادة أقوى أحوال الموالاة، قال تعالى: ﴿ أم اتّخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي ﴾ [الشورى: 9] وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ قل أغير الله أتّخذ ولياً ﴾ في سورة الأنعام (14)، وهذا هو المراد هنا.
والاتّباع في قوله: ولا تتبعوا من دونه أولياء } يجوز أن يكون مستعملاً في المعنى الذي استعمل فيه الاتّباع في قوله: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ وذلك على تقدير: لا تتّبعوا ما يأتيكم من أولياء دون الله، فإن المشركين ينسبون ما هم عليه من الدّيانة الضّالة إلى الآلهة الباطلة، أو إلى سدنة الآلهة وكُهّانها، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك زَيّن لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤهم ﴾ [الأنعام: 137]، وقوله: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ كما في سورة الأنعام (136)، وعلى تلك الاعتبارات يجري التّقدير في قوله: أولياء } أي لا تمتثلوا للأولياء أو أمرهم أو لدعاة الأولياء وسدنتهم.
ويجوز أن يكون الاتّباع مستعاراً للطّلب والاتّخاذ، أي ولا تتّخذوا أولياء غيره نحو قولهم: هو يتّبع زلة فلان.
وفي الحديث: «يتّبع بها شَعَف الجبال ومواقعَ القطر» أي يتطلبها.
و (مِنْ) في قوله: ﴿ من دونه ﴾ ابتدائيّة، و(دون) ظرف للمكان المجاوز المنفصل، وقد جرّ بمن الجارة للظروف، وهو استعارة للترك والإعراض.
والمجرور في موضع الحال من فاعل ﴿ تتّبعوا ﴾ ، أي لا تتّبعوا أولياء متّخذينَها دونه، فإنّ المشركين وإن كانوا قد اعترفوا لله بالإلهيّة واتبعوا أمره بزعمهم في كثير من أعمالهم: كالحج ومناسكه، والحَلِف باسمه، فهم أيضاً اتّبعوا الأصنام بعبادتها أو نسبةِ الدّين إليها، فكلّ عمل تقرّبوا به إلى الأصنام، وكلّ عمل عملوه امتثالا لأمر ينسب إلى الأصنام، فهم عند عمله يكونون متّبعين اتِّباعاً فيه اعراض عن الله وترك للتّقرب إليه، فيكون اتّباعاً من دون الله، فيدخل في النّهي، وبهذا النّهي قد سُدت عليهم أبواب الشّرك وتأويلاته كقولهم: ﴿ ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى ﴾ [الزمر: 3] فقد جاء قوله: ﴿ ولا تتبعوا من دونه أولياء ﴾ في أعلى درجة من الايجاز واستيعاب المقصود.
وأفاد مجموع قوله: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ﴾ مفاد صيغة قصر، كأنّه قال: لا تتّبعوا إلاّ ما أمر به ربّكم، أي دون ما يأمركم به أولياؤكم، فعُدل عن طريق القصر لتكون جملة: ﴿ ولا تتبعوا من دونه أولياء ﴾ مستقلّة صريحة الدّلالة اهتماماً بمضمونها على نحو قول السَّمَوْأل أوْ الحَارثي: تَسيِلُ على حد الظُّبات نفوسنا *** وليست على غير الظبَات تسيل وجملة: ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ هي في موضع الحال من ﴿ لا تَتَّبعوا ﴾ ، وهي حال سببيّة وكاشفة لصاحبها، وليست مقيِّدَة للنّهي: لظهور أنّ المتّبعين أولياءَ من دون الله ليسوا إلاّ قليلي التذكر.
ويجوز جعل الجملة اعتراضاً تذييلياً.
ولفظ (قليلاً) يجوز أن يحمل على حقيقته لأنّهم قد يتذكّرون ثمّ يعرضون عن التّذكّر في أكثر أحوالهم فهم في غفلة معرضون، ويجوز أن يكون (قليلاً) مستعاراً لمعنى النّفي والعدم على وجه التّلميح كقوله تعالى: ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ [البقرة: 88] (فإنّ الإيمان لا يوصف بالقلّة والكثرة).
والتّذكّر مصدر الذّكر بضمّ الذال وهو حضور الصورة في الذّهن.
وقليل مستعمل في العدم على طريقة التّهكّم بالمضيع للأمر النّافع يقال له: إنّك قليل الإتيان بالأمر النّافع، تنبيهاً له على خطئه، وإنّه إن كان في ذلك تفريط فلا ينبغي أن يتجاوز حدّ التّقليل دون التّضييع له كلّه.
و (ما) مصدريّة والتّقدير: قليلاً تَذَكُّركم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ صفة مصدر محذوف دلّ عليه ﴿ تذكرون ﴾ و(ما) مزيدة لتوكيد القلّة، أي نوع قلّة ضعيف، نحو قوله تعالى: ﴿ أنْ يضرِبَ مثلا مَّا ﴾ [البقرة: 26].
وتقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى: ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ في سورة البقرة (88).
والمعنى: لو تذكّرتم لما اتّبعتم من دونه أولياء ولما احتجتم إلى النّهي عن أن تتّبعوا من دونه أولياء، وهذا نداء على إضاعتهم النّظر والاستدلال في صفات الله وفي نقائص أوليائهم المزعومين.
وقرأ الجمهور: ﴿ ما تذّكرون ﴾ بفوقية واحدة وتشديد الذال على أنّ أصله تَتَذكّرون بتاءين فوقيتين فقلبت ثانيتُهما ذالاً لتقارب مخرجيهما ليتأتى تخفيفه بالإدغام.
وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف بتخفيف الذال على حذف إحدى التاءين اختصاراً.
وقرأه ابن عامر: ﴿ يتذكّرون ﴾ بتحتيّة في أوّله ثمّ فوقيّة، والضّمير عائد إلى المشركين على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، أعرض عنهم ووجَّه الكلام على غيرهم من السّامعين: إلى النّبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الأعْرافِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَكِّيَّةٌ إلّا خَمْسَ آياتٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ ﴾ إلى آخِرِ الخَمْسِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ المص ﴾ فِيهِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ تِسْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ: أنا اللَّهُ أُفَضِّلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ [حَرْفُ] هِجاءٍ [مِنَ] المُصَوِّرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ مِفْتاحٌ لَها، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: أنَّهُ اخْتِصارٌ مِن كَلامٍ يَفْهَمُهُ النَّبِيُّ ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والسّادِسُ: هي حُرُوفُ هِجاءٍ مُقَطَّعَةٌ نَبَّهَ بِها عَلى إعْجازِ القُرْآنِ.
والسّابِعُ: هي مِن حِسابِ الجُمَلِ المَعْدُودِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
والثّامِنُ: هي حُرُوفٌ تَحْوِي مَعانِيَ كَثِيرَةً دَلَّ اللَّهُ تَعالى خَلْقَهُ بِها عَلى مُرادِهِ مِن كُلِّ ذَلِكَ.
والتّاسِعُ: هي حُرُوفُ اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ.
وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي قَوْلًا عاشِرًا: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ: المَصِيرَ إلى كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ، فَحَذَفَ باقِيَ الكَلِمَةِ تَرْخِيمًا وعَبَّرَ عَنْهُ بِحُرُوفِ الهِجاءِ لِأنَّها تَذْهَبُ بِالسّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ولِلْعَرَبِ في الِاقْتِصارِ عَلى الحُرُوفِ مَذْهَبٌ كَما قالَ الشّاعِرُ: قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافِ.
..
...
...
أيْ وقَفْتُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ﴾ وفي الحَرَجِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الضِّيقُ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو أصْلُهُ.
قالَ الشَّمّاخُ بْنُ ضِرارٍ: ولَوْ رَدَّتِ المَعْرُوفَ عِنْدِي رَدَدْتُها ∗∗∗ لِحاجَةٍ لا العالِي ولا المُتَحَرِّجِ وَيَكُونُ مَعْناهُ: فَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ خَوْفًا ألّا تَقُومَ بِحَقِّهِ.
والثّانِي: أنَّ الحَرَجَ هُنا الشَّكُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
قالَ الرّاجِزُ: آلَيْتُ لَوْلا حَرَجٌ يَعْرُونِي ∗∗∗ ما جِئْتُ أغْزُوكَ ولا تَغْزُونِي وَمَعْناهُ: فَلا تَشْكُ فِيما يَلْزَمُكَ فِيهِ فَإنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ.
والثّالِثُ: فَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِأنْ يُكَذِّبُوكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فَجَعَلَهُ إنْذارًا لِلْكافِرِينَ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَعُودَ نَفْعُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ قال: الشك.
وقال لأعرابي: ما الحرج فيكم؟
قال: الشك اللنهس.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ قال: شك.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ قال: ضيق.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ أي هذا القرآن.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ .
قال الحسن: (يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمد (١) (٢) فإنه مما أنزل عليه؛ لقوله: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: لا تتخذوا غيره أولياء، ﴿ قَلِيلًا ﴾ يا معشر المشركين ﴿ مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ يريد: ما تتعظون) (٤) (٥) ﴿ تذكرون ﴾ أصله تتذكرون فأدغم تاء تتفعل في الذال لأن التاء مهموسة والذال مجهورة (٦) ﴿ مَا ﴾ موصولة بالفعل وهي معه بمنزلة المصدر، والمعنى: قليلاً (٧) (٨) (٩) ﴿ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ .
قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون بالتخفيف.
انظر: "السبعة" ص401، و"الحجة" لأبي علي 5/ 179.]].
وقرأ ابن عامر ﴿ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ بياء (١٠) (١١) ) (١٢) (١٣) (١٤) (١) في (أ): (صلى الله عليه).
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 156، والرازي في "تفسيره" 14/ 18، و"الخازن" 2/ 209.
(٣) "معاني الزجاج" 2/ 316، ونحوه ذكر الطبري في "تفسيره" 8/ 117، والنحاس في "معانيه" 3/ 8 - 9 والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 530.
(٤) في "تنوير المقباس" 2/ 81 نحوه دون لفظ (المشركين).
(٥) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 117، و"معاني الزجاج" 2/ 316، والنحاس 3/ 9.
(٦) الهمس: الخفاء، وهو جريان النفس عند النطق بالحرف لضعف الاعتماد على مخرجه.
وضده الجهر وهو الظهور والإعلان والمراد به انحباس النفس عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد على مخرجه، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 60، و"غاية المريد" لعطية نصر ص 139.
(٧) في (ب): قليلاً ما تذكركم.
والنص من "الحجة" 4/ 5 - 7، وانظر: "الدر المصون" 5/ 246.
(٨) قرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم - ﴿ قيلا ما تذكرون ﴾ بالتاء خفيفة الذال مشددة الكاف، وقرأ الباقون ﴿ تذكرون ﴾ بالتاء مشددة الذال والكاف.
وقرأ ابن عامر: ﴿ قليلاً ما يتذكرون ﴾ بياء وتاء، وتخفيف الذال وتشديد الكاف، وقد روي عنه بتاءين (تتذكرون).
انظر: "السبعة" ص 278، و"المبسوط" ص 279، و"التذكرة" 2/ 417، و"التيسير" ص 109، والنشر 2/ 267.
(٩) حفص عن عاصم، وحفص هو حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي، أبو عمر الكوفي، صاحب عاصم، إمام في القراءة ضابط لها بخلاف حاله في الحديث، فهو متروك الحديث مع إمامته في القراءة، توفي سنة 180هـ وله تسعون سنة.
انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 173، و"معرفة القراء" 1/ 140، و"غاية النهاية" 1/ 154، و"تهذيب التهذيب" 1/ 450، و"تقريب التهذيب" ص 172 (1405).
(١٠) هنا وقع اضطراب في نسخة (ب) فوقع الكلام على هذه الآيات في 140 ب.
(١١) في (ب): (ووجه)، وهو تحريف.
(١٢) في (أ): ( ).
(١٣) لفظ: (الذين) ساقط من (ب).
(١٤) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 4 - 6.
وانظر: "معاني القراءات" 1/ 400، و"الحجة" لابن زنجله ص 279، و"الكشف" 1/ 460.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المص ﴾ تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة ﴿ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ أي ضيق من تبليغه مع تكذيب قومك، وقيل: الحرج هنا الشك، فتأويله كقوله: ﴿ فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين ﴾ [آل عمران: 60] ﴿ لِتُنذِرَ ﴾ متعلق بأنزل ﴿ وذكرى ﴾ منصوب على المصدرية بفعل مضمر تقديره لتنذر وتذكر ذكرى، لأن الذكر بمعنى التذكير، أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو مخفوض عطفاً على موضع لتنذر أي للأنذار والذكرى ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ انتصب قليلاً بتذكرون أي تذكرون تذكراً قليلاً، وما زائدة للتوكيد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يتذكرون ﴾ بياء الغيبة ثم تاء التفعل: ابن عامر.
والباقون كما مر في آخر الأنعام.
الوقوف: ﴿ المص ﴾ ه كوفي ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ قائلون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ غائبين ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ معايش ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه.
التفسير: قد تقدم في أول الكتاب مباحث هذه المقطعة على سبيل العموم.
وعن ابن عباس معنى المص أنا الله أعلم وأفصل.
وقال السدي: معناه أنا المصوّر.
وقيل: معناه ألم نشرح لك صدرك بدليل ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ كما زاد في الرعد راء لقوله بعده ﴿ رفع السموات ﴾ ثم إن جعلنا هذه الحروف بدل جملة فلا محل لها من الإعراب، وإن كانت اسماً للسورة جاز أن يكون ﴿ المص ﴾ مبتدأ و ﴿ كتاب ﴾ يعني به السورة خبره والجملة بعده صفة له، وجاز أن يكون ﴿ المص ﴾ خبر مبتدأ محذوف وكذا ﴿ كتاب ﴾ أي هذه المص هو كتاب أنزل إليك.
والدليل على أنه منزل من الله هو أنه ما تلمذ لأستاذ ولا تعلم من معلم ولا طالع كتاباً ولم يخالط أهل الأخبار والأشعار وقد مضى على ذلك أربعون سنة ثم ظهر عليه هذا الكتاب المشتمل على علوم الأولين والآخرين فلن تبقى شبهة في أنه مستفاد بطريق الوحي.
القائلون بخلق القرآن زعموا أن الإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال وهذا من سمات المحدثات.
وأجيب بأن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو الحروف والألفاظ ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة.
فإن قيل: الحروف أعراض غير باقية بدليل أنه لا يمكن الإتيان بها إلا على سبيل التوالي وعدم الاستقرار فكيف يعقل وصفها بالنزول؟
أجيب بأنه أحدث هذه الرقوم في اللوح المحفوظ ثم إن الملك طالع تلك النقوش وحفظها ونزل فعلمها محمداً صلى الله عليه وآله.
ثم قال: ﴿ فلا يكن في صدرك حرج ﴾ أي شك.
وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرج كما أن المتيقن منفسح الصدر منشرح، ومعنى ﴿ منه ﴾ أي من شأن الكتاب أي لا تشك في أنه منزل من عند الله أو من تبليغه أي لا يضق صدرك من الأداء وتوجه النهي إلى الحرج كقولهم لا أرينك ههنا والمراد نهيه عن الكون بحضرته فإن ذلك سبب رؤيته ومثله قوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ ظاهره أمر للمشركين وإنه في الحقيقة أمر للمؤمنين بأن يغلظوا على المشركين.
وفي متعلق قوله ﴿ لتنذر ﴾ أقوال.
قال الفراء: إنه متعلق بـ ﴿ أنزل ﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير أي أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج.
وفائدة التقديم والتأخير أن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر.
وقال ابن الأنباري: إنه متعلق بالنهي واللام بمعنى كي والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تقدر على إنذار غيرك لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور لتوكله على ربه وثقته بعصمته.
وقال صاحب النظم: اللام بمعنى "أن" كقوله: ﴿ يريدون أن يطفئوا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ليطفؤا ﴾ والتقدير لا يضق صدرك ولا تضعف عن أن تنذر به.
وقيل: إن تقدير الكلام هذا الكتاب أنزله الله عليك وإذا علمت أنه تنزيل الله فاعلم أن عناية الله معك وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج لأن من كان الله له حافظاً وناصراً لم يخف أحداً، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب فاشتغل بالإبلاغ والإنذار اشتغال الرجال الأبطال ولا تبال بأحد من أهل الضلال والإبطال.
ثم قال: ﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين.
وقال الزجاج: هو اسم في موضع المصدر.
قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.
وقال صاحب الكشاف: محل ذكرى يحتمل النصب بإضمار فعلها كأنه قيل لتنذر به وتذكر تذكيراً، والرفع عطفاً على كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف والجر للعطف على محل ﴿ أن تنذر ﴾ أي للإنذار وللذكرى.
وإنما لم نقل على محل لتنذر لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحداً ولو صح ذلك لكان محله النصب لا الجر.
وخص الذكرى بالمؤمنين كقوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ والتحقيق فيه أن النفوس البشرية منها بليدة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في بحر اللذات الجسمانية فتحتاج إلى زاجر قويّ، ومنها مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة للإنجذاب إلى عالم القدس إلا أنها غشيتها غواش من عالم الجسم فعرض لها نوع ذهول وغفلة، فالصنف الأول يحتاج إلى إنذار وتخويف وأما الصنف الثاني فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تذكرت معدنها وأبصرت مركزها واشتاقت إلى ما هنالك من الروح والراحة والريحان فلمتحتج إلا إلى تذكرة وتنبيه، فثبت أنه أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذاراً في حق طائفة وذكرى في شأن طائفة.
ثم كما أمر الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ ومعنى كونه منزلاً إليهم أنهم مخاطبون بذلك مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول، قالت العلماء: المنزل متناول للقرآن والسنة جميعاً.
عن الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله.
وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض.
فإن قيل: العمل بالقياس لكونه مستفاداً من القرآن وهو قوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ عمل بالقرآن أيضاً.
قلنا: بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل بالمنزل بواسطة، ثم أكد الأمر المذكور بقوله: ﴿ ولا تتبعوا من دونه ﴾ أي لا تتخذوا من دون الله ﴿ أولياء ﴾ من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع.
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ من دونه ﴾ لما أنزل أي لا تتبعوا من دون دين الله أولياء.
احتج نفاة القياس بأن الآية دلت على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله والعمل بالقياس.
متابعة غير ما أنزل فلا يجوز.
لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ لأنا نقول: لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ وقد أجمعت الأمة على عدم تكفيره.
أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع.
وزيف بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ وبعموم قوله صلى الله عليه وآله "لا تجتمع أمتي على الضلالة" والفرع لا يكون أقوى من الأصل.
أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح.
ومن الحشوية من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكاً بالآية.
وأجيب بأن العلم بكون القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر.
ثم ختم المخاطبة بنوع معاتبة فقال: ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ أي تذكرون تذكراً قليلا.
و"ما" مزيدة لتوكيد القلة.
ثم ذكر ما في ترك المتابعة من الوعيد فقال: ﴿ وكم من قرية ﴾ فموضع "كم" رفع بالابتداء و"من" مزيدة للتأكيد والبيان أي كثير من القرى ﴿ أهلكناها ﴾ مثل زيد ضربته وتقدم النصب أيضاً عربي جيد وفي الآية حذف لا لقرينة الإهلاك فقط فإن القرية تهلك بالهدم والخسف كما يهلك أهلها ولكنه يقال التقدير: وكم من أهل قرية لقوله ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ والبأس بالأهل أنسب ولقوله: ﴿ أوهم قائلون ﴾ ولأن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بهلاكهم ولأن معنى البيات والقيلولة لا يصح إلا فيهم.
وإنما قال: ﴿ فجاءها ﴾ رداً بالكلام على اللفظ أو كما يقال الرجال فعلت.
وهنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ يقتضي أن يكون الهلاك مقدماً على مجيء البأس ولكن الأمر بالعكس.
والعلماء أجابوا بوجوه منها: أن المراد حكمنا بهلاكها أو أردنا أهلاكها فجاءها كقوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ﴾ ومنها أن معنى الإهلاك ومعنى مجيء البأس واحد فكأنه قيل: وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا وهذا كلام صحيح.
فإن قيل: كيف يصح والعطف يوجب المغايرة؟
فالجواب أن الفاء قد تجيء للتفسير كقوله صلى الله عليه وآله "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه" فإن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه فكذا ههنا مجيء البأس جار مجرى التفسير للإهلاك لأن الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم وقريب منه قول الفراء: لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال: أعطيتني فأحسنت.
وما كان الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معاً.
ومنها أن ذلك محمول على حذف المعطوف والتقدير: أهلكناهم فحكم بمجيء البأس لأن الإهلاك أمارة للحكم بوصول مجيء البأس.
ومنها أنه من باب القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس كقوله: عرضت الناقة على الحوض.
وقوله ﴿ بياتاً ﴾ قال الجوهري: بيت العدوّ أي أوقع بهم ليلاً والاسم البيات.
وفي الكشاف أنه مصدر بات الرجل بياتاً حسناً.
وعلى القولين فإنه وقع موقع الحال بمعنى بائتين أو مبيتين.
ثم قال: ﴿ أوهم قائلون ﴾ والجملة حال معطوفة على ﴿ بياتاً ﴾ كأنه قيل: فجاءها بأسنا مبيتين أو بائتين أو قائلين.
وإنما حسن ترك الواو ههنا من الجملة الاسمية الواقعة حالاً لأن واو الحال قريب من واو العطف لأنها استعيرت منها للوصل فالجمع بين حرف العطف وبينه جمع بين المثلين وذلك مستثقل.
فقولك: جائني زيد راجلاً أو هو فارس.
كلام فصيح، ولو قلت: جاءني زيد هو فارس كان ضعيفاً.
وقال بعض النحويين: الواو محذوفة مقدرة ورده الزجاج لما قلنا.
أما معنى القيلولة فالمشهور أنها نومة الظهيرة.
وقال الأزهري: هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن نوم لقوله : ﴿ أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ﴾ والجنة لا نوم فيها وإنما خص وقتا البيات والقيلولة لأنهما وقتا الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع.
وكأنه قيل للكفار لا تغتروا بالفراغ والرفاه والأمن والسكون فإن عذاب الله إنما يجيء دفعة من غير سبق أمارة.
أيا راقد الليل مسوراً بأوّله *** إن الحوادث قد يطرقن أسحارا فقوم لوط أهلكوا وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة.
ثم قرر حالهم عند مجيء البأس فقال: ﴿ فما كان دعواهم ﴾ أي ما كانوا يدعونه من قبل دينهم وينتحلونه من مذهبهم إلا اعترافهم ببطلانه وفساده والإقرار بالإساءة والظلم على أنفسهم.
وقال ابن عباس: فما كان تضرعهم واستغاثتهم إلا قولهم هذا وذلك إقرار منهم على أنفسهم بالشرك.
وقال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الدعاء.
حكى سيبويه اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين أي فما كان دعاؤهم ربهم إلا اعترافهم بعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم فلا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم على ما فرط منهم وفرطوا فيه.
ومحل ﴿ دعواهم ﴾ وعلى عكسه محل ﴿ إن قالوا ﴾ يجوز أن يكون نصباً أو رفعاً كما سبق في إعراب قوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ﴾ ثم ذكر على ترك القبول والمتابعة وعيداً آجلاً فقال: ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ نسأل المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم كقوله: ﴿ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ﴾ ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ ﴿ فلنقصن عليهم ﴾ أي على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ﴿ بعلم ﴾ عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عنهم وعما وجد منهم.
فإن قيل: ما الفائدة في سؤال المرسل إليهم بعدما أخبر عنهم أنهم اعترفوا بذنوبهم؟
فالجواب أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب الظلم أو التقصير تقريعاً وتوبيخاً.
فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟
قلنا: ليلتحق كل التقصير بالأمة فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع مواجب التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار.
فإن قلت: كيف الجمع بين قوله: ﴿ فلنسئلن ﴾ وبين قوله: ﴿ فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ فالجواب بعد تسليم اتحاد الزمان والمكان أن القوم لعلهم لا يسألون عن الأعمال لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إليها وعن الصوارف التي صرفتهم عنها.
أو المراد نفي سؤال الاستفادة والاسترشاد وإثبات سؤال التوبيخ والإهانة فلا تناقض.
وفي الآية إبطال قول من زعم أنه لا حساب على الأنبياء ولا على الكفار، وفيها أنه عالم بالكليات وبالجزئيات ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السموات، فالإلهية لا تكمل إلا بذلك.
وفيها أنه غير مختص بشيء من الأحياز والجهات وإلا كان غائباً من غيره.
ثم بيّن أن من جملة أحوال يوم القيامة وزن الأعمال فقال: ﴿ والوزن ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ يومئذ ﴾ وقوله ﴿ الحق ﴾ صفة المبتدأ أي الوزن العدل يوم يسأل الله الأمم ورسلهم.
وقيل: لا يجوز الإخبار عن شيء وقد بقيت منه بقية فيجب على هذا أن يكون ﴿ الحق ﴾ خبراً و ﴿ يومئذٍ ﴾ ظرفاً للوزن ومعنى الحق أنه كائن لا محالة.
وفي كيفية الميزان قولان: الأول ما جاء في الخبر "إنه ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها" .
وكيف توزن فيه وجهان: أحدهما أن المؤمن تتصوّر أعماله بصور حسنة وأعمال الكافر بصور قبيحة فتوزن تلك الصور ذكره ابن عباس.
وثانيهما أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد.
"يروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عما يوزن يوم القيامة فقال: الصحف" .
وعن عبد الله بن سلام أن ميزان العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة والأخرى على جهنم ولو وضعت السموات والأرض في إحدهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله : "يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله فيوضع في الآخرة فترجح" قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه يأتي بالشهادتين بحقهما من العبادات وإلا كان إغراء على المعصية.
ورد بأنه خلاف الظاهر وبأنه لا يبعد أن يكون ثواب كلمة الشهادة أوفى وأوفر من سائر الأعمال لأن معرفة الله أشرف العقائد والأعمال.
وروى الواحدي في البسيط أنه إذا خف حسنات المؤمن أخرج رسول الله من حجزته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي : بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وخلقك فمن أنت؟
فيقول: أنا نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصليها عليّ قد وافتك أحوج ما تكون إليها القول الثاني قول مجاهد والضحاك والأعمش وكثير من المتأخرين أن المراد من الميزان العدل لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلا بالوزن والكيل فلا يبعد جعل الوزن مجازاً عن العدل.
ومما يؤكد ذلك أن أعمال العباد أعراض وأنها قد فنيت وعدمت ووزن المعدوم محال وكذا لو قدر بقاؤها.
وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال فنقول: المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقراً بأنه عادل حكيم وحينئذٍ يكفيه حكم الله بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب، وإما أن لا يكون مقراً فلا نعرف من رجحات الحسنات على السيئات وبالعكس حقية الرجحان.
أجاب الأولون بأن جميع المكلفين يعترفون يوم القيامة أنه منزه عن الظلم والجور لكن الفائدة في وضع الميزان ظهور الرجحان لأهل الموقف وازدياد الفرح والسرور للمؤمن وبالضدّ للكافر.
واختلف العلماء أيضاً في كيفية الرجحان فقال بعضهم: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات وظلمة في رجحان السيئات.
وقال آخرون: بل يظهر الرجحان في الكفة.
واختلف أيضاً في الموازين فقيل: إنها جمع موزون وأراد الأعمال الموزونة والميزان المنصوب واحد.
ولئن سلم أنها جمع الميزان فالعرب قد توقع لفظاً لجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الأفراس والبغال.
قاله الزجاج.
وقال الأكثرون: كما لا يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل قال عز من قائل: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ وأيضاً لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ولأفعال الجوارح ميزان ولما يتعلق بالقول ميزان آخر.
ثم إن المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضر مع الإيمان قالوا: إن الله حصر أهل الموقف في قسمين منهم من تزيد حسناته على سيئاته ومنهم على العكس ولا ريب أن هذا القسم أهل الكفر لأنه حكم عليهم بأنهم الذين خسروا أنفسهم بسبب الظلم بآيات الله أي التكذيب بها وهذا لا يليق إلا بالكافر.
ولئن سلم أن العاصي معاقب لكنه يعاقب أياماً ثم يعفى عنه ويتخلص إلى رحمة الله فهو بالحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال ولا انقطاع.
قيل: في الآية دلالة على أن الذي تكون حسنات وسيئاته متعادلتين متساويتين غير موجود والله أعلم.
ثم لما فرغ من التخويف بالعذاب الآجل رغب الخلائق في قبول دعوة الأنبياء بطريق آخر وهو تذكير النعم فإن ذلك يوجب الطاعة فقال: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ أقدرناكم على التصرف فيها ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها، أو ما يتوصل به إلى ذلك وبالجملة وجوه المنافع التي تحصل بتخليق الله ابتداء كالأثمار، أو بواسطة كالاكتساب والوجه في معايش تصريح الياء لأنها أصلية لا زائدة كصحائف بالهمز في صحيفة.
وعن ابن عامر أو نافع في بعض الروايات الهمز تشبيهاً بصحائف واستبعده النحويون البصريون.
ثم عاتب المكلفين بأنهم لا يقومون بشكر نعمه كما ينبغي فقال: ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ وفيه إشارة إلى أنهم قد يشكرون ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ .
التأويل: ﴿ المص ﴾ هو إله من لطفه أفرد عباده للمحبة وللمعرفة وأنعم عليهم بالصدق والصبر لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة ﴿ كتاب أنزل على قلبك ﴾ فانفسح له صدرك وانشرح فلم يبق فيه ضيق وحرج بخلاف ما أنزل من الكتب في الألواح والصحف فقد عرض لبعضهم ضيق عطن فألقى الألواح.
وكما شرف نبيه بالكتاب المنزل على قلبه حتى صار خلقه القرآن شرف أمته بأن أمرهم باتباع ما أنزل إليهم ليتخلقوا بأخلاق الله.
﴿ وكم من قرية ﴾ قبل أفسدنا استعدادها ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ أي إزاغة قلوبهم بإصبع القهارية وأهلها نائمون على فراش الحسبان ﴿ قائلون ﴾ في نهار الخذلان فما كان ادّعاؤهم إلا أن قالوا من قصر نظرهم لا من طريق الأدب ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ فنسبوا التصرف إلى أنفسهم ولم يعلموا أن الله مقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ وهم عامة الخلائق هل قبلتم الدعوة وعملتم بما أمرتم أم لا فيكون السؤال سؤال تعنيف وتعذيب أو هم الذين قبلوا الدعوة فيكون السؤال سؤال تشريف وتقريب ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ سؤال إنعام وإكرام هل بلغتم وهل وجدتم أمماً قابِلِي الدعوة ﴿ فلنقصن عليهم بعلم ﴾ فليعلمن أنا ما أرسلنا الرسل إليهم عبثاً وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وخطب جسيم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عن الرسل بالنصر والمعونة وعن المرسل إليهم بالتوفيق والعناية ﴿ والوزن يومئذ ﴾ لأهل الحق لا الباطل لا نقيم لهم يوم القيامة وزناً.
روي أنه يوم القيامة يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة.
﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأحوال الكاملة ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ من شر أنانيتهم وإنما جمع الموازين لأن لبدن كل مكلفٍ ميزاناً يوزن به أعماله ولنفسه ميزاناً يوزن به صفاتها ولقلبه ميزاناً يوزن به أوصافه ولروحه ميزاناً يوزن به نعوته ولسره ميزاناً يوزن به أحواله ولخفيه ميزاناً يوزن به أخلاقه.
والخفي لطيفة روحانيّة قابلة لفيض الأخلاق الربانية ولهذا قال صلى الله عليه وآله: " ما وضع في الميزان شيء أقل من حسن الخلق" وذلك أنه ليس من نعوت المخلوقين وإنما هو خلق رب العالمين والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ أفسدوا استعدادها ﴿ ولقد مكناكم ﴾ هيأنا لكم خلافة الأرض دون غيركم من الحيوانات والملك ﴿ وجعلنا لكم ﴾ خاصة ﴿ معايش ﴾ ولكل صنف من الملك والحيوانات معيشة واحدة وذلك أن الإنسان مجموع من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية.
فمعيشة الملك هي معيشة روحه، ومعيشة الحيوان هي معيشة بدنه، ومعيشة الشيطان هي معيشة نفسه الأمارة بالسوء، وقد حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية وإنها لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي الشهود، ومعيشة سره هي الكشوف، ومعيشة خفيه هي الوصال والوصول.
<div class="verse-tafsir"
الحمد لله العليم بخلقه، اللطيف لرشد عباده، ضرب لهم الآيات والبيان؛ لينقلهم بحكمته وتدبيره من الجهالة إلى العلم، ومن الضلالة إلى الهدى، ووصى رسوله أن يدعو عباده إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، فبعث محمداً إلى الناس كافة، وأنزل إليه الكتاب تلا فيه ما في الكتب الأولى؛ ليبين لأهل الكتاب والمشركين أن النبي الأمي العربي لم يعلم ما في الكتب الأعجمية إلا من عند الله؛ ليكون ذلك أوضح لهم في الحجة.
وكان رسول الله قبل الرسالة معروفاً عند الفريقين أنه لم يتل كتاباً، ولا خطه بيمينه، ولا كان عندهم من شعرائهم، ولا المعروف بأنسابهم وعلم أنبيائهم؛ وذلك أبلغ في البرهان، فأنبأ فيه علم الغيوب، وفرض الفرائض، وحكم فيه الأحكام، وأنزل فيه الحجج بتأليف يعجز عنه من دون الله؛ ليبين لهم أنه من عند الله، فأنف قومه، وأبوا أن يستمعوه واستكبروا عليه، وقالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ وقالوا: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ ؛ فأتاهم العليم الخبير من قبل أنفسهم وكبرهم؛ فأنزل في الكتاب كلاماً افتتح به السورة لم يكن من كلام قومه؛ فلما سمعوه ظنوا أنه بديع ابتدعه محمد كإبداعهم البلاغات والأوابد، وأنفوا أن يكون محمد يقدر من ذلك على ما لا يقدرون، فتدبروا الكتاب ليعلموا صدوره بما بعده من الكلام، فسمعوا كلاماً مجيداً [حكيماً]، ونبأ عظيما، وحججاً نيرة، ومواعظ شافية؛ فدخل أكثرهم في الإسلام، وقعد عنه رجلان: معاندٌ متعمد، وجاهل مقلد لا ينظر، وفيما أنزل مما وصف قوله: ﴿ كۤهيعۤصۤ ﴾ ، و ﴿ طسۤمۤ ﴾ \[الشعراء، القصص: 1\]، و [ ﴿ الۤمۤصۤ ﴾ ] و ﴿ الۤر ﴾ \[يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر: 1\] وما أشبهها.
فقال: ﴿ الۤمۤصۤ ﴾ .
ليعطف بها على النظر فيما بعدها.
ثم ابتدأ فقال: ﴿ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .
يقول: كتاب من ربك؛ لتنذر به عباده.
﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ .
يقول: فلا يضيقن صدرك عن الذي فرض الله عليك فيه من البلاغ إلى قومك، وبما فرض عليك من البراءة منهم، وممّا يعبدون من دون الله؛ فكأن الرسول يخاف ما خافت الرسل من بين يديه، فقال موسى: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ وقد كان يعرف قومه بالتسرع إلى القتل فيما ليس مثل ما يأتيهم به، فأمنه الله منهم بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ، وقال في آخر هذه السورة: ﴿ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ : يفهمونها عن الله - - فإنها من أعظم آيات الله لرسوله أعلمه أنهم لا يصلون إلى ما يخاف منهم.
وفي الأثر "أن الله - - لما أرسله إلى قومه، فقال: أي رب إذا يثلغوا رأسي فيذروه مثل خُبزَة فأمنه الله - - من ذلك" ، فقال: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ من البلاغ، ولا يضيقن صدرك بما فرض الله عليك من العبادة والحكم الذي تخالف فيه قومك.
ثم وصف الكتاب فقال: ﴿ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يقول: يتذكرون بما فيه ويتدبرونه فيعلمون به الحق من الباطل، ويذكرون به ما فرض عليهم.
ويحتمل أن تكون هذه الحروف المقطعة خطاباً خاطب الله بها رسله يفهمونها لا يفهمها غيرهم، [على ما يكون لملوك الأرض بينهم وبين خواصّهم إشارات يفهمها خواصهم ولا يفهمها غيرهم]، هذا متعارف فيما بين الخلق أن يكون لهم فيما بينهم وبين خواصهم ما ذكرنا؛ فعلى ذلك يحتمل أن تكون هذه الحروف المقطعة خطابات من الله خاطب بها رسله - وهم خواصه - يفهمونها ولا يفهمها غيرهم، ثم وجهُ فهمهم يكون لوجهين: يخبرهم فيقول: إني إذا أنزلت إليكم كذا فمرادي من ذلك كذا، أو كان البيان والمراد منها مقروناً بها وقت إنزالها ففهموا المراد منها بما أفهمهم الله وأراهم ما لم ير ذلك غيرهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ ، أرى رسله شيئاً لم ير ذلك غيرهم، ولا أطلعهم على ذلك، فهو من المتشابه على غيرهم؛ وأما على الرسل فليس من المتشابه.
وقال الفراء: يحتمل أن تكون هذه الحروف المقطعة المتفرقة التي أنزلها من أ ب ت ث إلى آخرها كأنه قال: إني جمعت هذه الحروف المقطعة فجعلتها كتاباً، فأنزلتها؛ من نحو: ﴿ الۤمۤصۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ ٱللَّهُ ﴾ ، و ﴿ الۤـمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤر ﴾ ونحوه، والله أعلم بما أراد به ذلك.
وقد ذكرنا هذا في صدر الكتاب مقدار ما حفظنا وفهمنا من أقاويل أهل العلم في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ .
قيل: الحرج: هو الضيق في الصدر، ثم يحتمل ضيق الصدر وجوهاً: يحتمل ضيق الصدر ما يحل عليه في ذلك من الشدائد والخطورات بتبليغه إلى الكفرة الذين نشئوا على الكفر والشرك، وخاصة الفراعنة والملوك الذين همتهم القتل والإهلاك لمن استقبلهم بالخلاف.
أو أن يوسوس في صدره الشيطان أنه ليس من عند الله، أو أن يقول له: إنه من أساطير الأولين؛ على ما قال أولئك الكفرة: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ على النهي، أي: لا يكن في صدرك منه حرج، أي: لا يضق صدرك مما حمل عليك.
وقال بعضهم: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ﴾ ، أي: شك أنه من عند الله نزل.
وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي؛ لأنه بالنهي ما يكون عصمه.
ويحتمل: ليس على النهي، ولكن على ألا تحمل على نفسك ما فيه هلاكك؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ : ليس على النهي؛ ولكن على ألا تحمل على نفسك ما فيه هلاكك؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ثم إن الله - عز وجل - أمنه عما كان يخاف من أولئك بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ، وأمنه من وساوس الشيطان؛ على ما روي في الخبر أنه قيل: "ألك شيطان؟
فقال: كان، ولكن أعنت عليه؛ فأسلم" أمّن - عز وجل - رسوله عن ذلك كله؛ لما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ .
يحتمل أنه أمره أن ينذر به الكفرة، ويبشر به المؤمنين؛ كقوله: ﴿ لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ الكفرة.
﴿ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
أي: بشرى على ما ذكرنا، ويكون في الإنذار بشرى؛ لأنه إذا أنذر فقبل الإنذار، فهو له بشرى.
ويحتمل قوله: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ ، أي: الكل الموافق والمخالف جميعاً؛ كقوله: ﴿ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ ، ﴿ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: الذي ينتفع به المؤمنون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّبِعُواْ ﴾ .
لا تتبعوا أولئك في التحليل والتحريم وفي الأمر والنهي؛ لأنه ليس إلى الخلق التحليل والتحريم.
وقوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
أمر المؤمنين أن يتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، على ما أمر رسوله أن يتبع ما أنزل إليه من ربه؛ كقوله: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ؛ ليعلم أن ما أنزل إلى رسول الله هو منزل إلى المؤمنين [جميعاً].
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
فيما ذكر، وما يحل وما يحرم، وما يأمر وينهى.
﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
قيل: أرباباً، أي لا تتبعوا من دونه أولياء فيما يحلون ويحرمون، ويأمرون وينهون، أي: إنما عليهم اتباع ما حرم عليهم، واستحلال ما أحل لهم.
وأما إنشاء التحليل والتحريم فلا.
وقال بعض أهل التأويل: أولياء الأصنام، والأوثان.
ولكن لا يحتمل هاهنا، ولكن قد ذكرنا أنهم كانوا يتبعون عظماءهم في التحليل والتحريم؛ كقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، وكانوا لا يتخذون أولئك الأحبار أرباباً في الحقيقة، ولكن كانوا يتبعونهم فيما يحلون ويحرمون ويصدرون عن آرائهم؛ فسموا بذلك لشدة اتباعهم أولئك في التحليل والتحريم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ .
قال أهل التأويل: يعني بالقليل: المؤمنين، ولكن يحتمل قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أي: لا تتذكرون رأساً؛ لأن الخطاب جرى فيه لأولئك الكفرة، وفيهم نزلت الآية.
<div class="verse-tafsir"
اتبعوا -أيها الناس- الكتاب الذي أنزله ربكم عليكم، وسُنَّة نبيكم، ولا تتبعوا أهواء من ترونهم أولياءَ من شياطين أو أحبار سوء، تتولّونهم تاركين ما أنزل عليكم لأجل ما تُمْليه أهواؤهم، إنكم قليلًا ما تتذكرون؛ إذ لو تذكرتم لَمَا آثرتم على الحق غيره، ولاتَّبعتم ما جاء به رسولكم، وعملتم به، وتركتم ما سواه.
<div class="verse-tafsir" id="91.gXOBE"