تفسير الآية ٢١ من سورة النبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 78 النبأ > الآية ٢١ من سورة النبأ

إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًۭا ٢١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 44 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢١ من سورة النبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة النبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي مرصدة معدة وقال الحسن وقتادة في قوله تعالى "إن جهنم كانت مرصادا" يعني أنه لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز بالنار فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس وقال سفيان الثوري عليها ثلات قناطر.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21).

يعني تعالى ذكره بقوله: إن جهنم كانت ذات رَصْد لأهلها الذين كانوا يكذّبون في الدنيا بها وبالمعاد إلى الله في الآخرة، ولغيرهم من المصدّقين بها.

ومعنى الكلام: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترقب من يجتازها وترصُدهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، عن عبد الله بن بكر بن عبد الله المازني، قال: كان الحسن إذا تلا هذه الآية: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) قال: ألا إنّ على الباب الرّصَد، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجئ بجواز احتبس.

حدثنِي يعقوب، قال: ثنا إسماعيل بن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) قال: لا يدخل الجنة أحد حي يجتاز النار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) يُعْلِمُنا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى يَقطَع النار.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) قال: عليها ثلاث قناطر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن جهنم كانت مرصادا مفعال من الرصد والرصد : كل شيء كان أمامك .

قال الحسن : إن على النار رصدا ، لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليه ، فمن جاء بجواز جاز ، ومن لم يجئ بجواز حبس .

وعن سفيان - رضي الله عنه - قال : عليها ثلاث قناطر .

وقيل ( مرصادا ) ذات أرصاد على النسب ; أي ترصد من يمر بها .وقال مقاتل : محبسا .

وقيل : طريقا وممرا ، فلا سبيل إلى الجنة حتى يقطع جهنم .

وفي الصحاح : والمرصاد : الطريق .

وذكر القشيري : أن المرصاد المكان الذي يرصد فيه الواحد العدو ، نحو المضمار : الموضع الذي تضمر فيه الخيل .

أي هي معدة لهم ; فالمرصاد بمعنى المحل ; فالملائكة يرصدون الكفار حتى ينزلوا بجهنم .

وذكر الماوردي عن أبي سنان أنها بمعنى راصدة ، تجازيهم بأفعالهم .

وفي الصحاح : الراصد الشيء : الراقب له ; تقول : رصده يرصده رصدا ورصدا ، والترصد : الترقب .

والمرصد : موضع الرصد .

الأصمعي : رصدته أرصده : ترقبته ، وأرصدته : أعددت له .

والكسائي : مثله .قلت : فجهنم معدة مترصدة ، متفعل من الرصد وهو الترقب ; أي هي متطلعة لمن يأتي .

والمرصاد مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمغيار ، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وتوقد نار جهنم التي أرصدها الله وأعدها للطاغين، وجعلها مثوى لهم ومآبا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقوله : " إن جهنم كانت مرصادا " أي ترصد الكفار .

وروى مقسم عن ابن عباس : أن على جسر جهنم سبعة محابس يسأل العبد عند أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله ، فإن [ أجابها ] تامة جاز إلى الثاني ، فيسأل عن الصلاة ، فإن [ أجابها ] تامة جاز إلى الثالث ، فيسأل عن الزكاة ، فإن [ أجابها ] تامة جاز إلى الرابع ، فيسأل عن الصوم فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس ، فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس ، فيسأل عن العمرة فإن [ أجابها ] تامة جاز إلى السابع ، فيسأل عن المظالم فإن خرج منها وإلا يقال : انظروا فإن كان له تطوع أكمل به أعماله ، فإذا فرغ منه انطلق به إلى الجنة

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن جهنم كانت مرصادا» راصدة أو مرصدة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن جهنم كانت يومئذ ترصد أهل الكفر الذين أُعِدَّت لهم، للكافرين مرجعًا، ماكثين فيها دهورًا متعاقبة لا تنقطع، لا يَطْعَمون فيها ما يُبْرد حرَّ السعير عنهم، ولا شرابًا يرويهم، إلا ماءً حارًا، وصديد أهل النار، يجازَون بذلك جزاء عادلا موافقًا لأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا البيان البديع لجانب من مظاهر قدرته - تعالى - على كل شئ ، ومن ألوان نعمه على خلقه ، ومن تقرير أن البعث حق .

.

بعد كل ذلك ، بين - سبحانه - جزاء الكافرين ، وجزاء المتقين فى هذا اليوم فقال - تعالى - :( إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ .

.

.

) .قوله - سبحانه - : ( إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً .

.

.

) كلام مستأنف لبيان أهوال جهنم وأحوالها ، وجهنم : اسم لدار العذاب فى الآخرة .والمرصاد : مفعال من الرَّصَد .

تقول : رصدت فلانا أرصده ، إذا ترقيته وانتظرته ، بحيث لا يهرب منك ، " فمرصادا " صيغة مبالغة للراصد الشديد الرصد ، وصفت جهنم بذلك ، لأن الكافرين لا يستطيعون التفلت منها مهما حاولوا ذلك .قال القرطبى : " مرصادا " مفعال من الرصد ، والرصد : كل شئ كان أمامك .

.

وقال مقاتل : " مرصادا " أى : محبسا .

وقيل : طريقا وممرا .

وذكر القشيرى : أن المرصاد : المكان الذى يرصد فيه الواحد العدد .

أى : هى معدة لهم ، فالمرصاد بمعنى المحل .

.

وذكر الماوردى ، أنها بمعنى راصدة .

.

وفى الصحاح : الراصد الشئ الراقب له .

تقول : رصدته أرصده ، إذا ترقبته .

.والمعنى : إن جهنم التى هى دار العذاب فى الآخرة ، كانت - بأمر الله - تعالى - ومشيئته - معدة ومهيئة للكافرين ، فهى ترصدهم وترقبهم بحيث لا يستطيعون الهرب منها ، فهى كالحارس اليقظ الذى يقف بالمرصد فلا يستطيع أحد أن يتجاوزه .والمقصود بالآية الكريمة تهديد المشركين ، وبيان أنهم لا مهرب لهم من جهنم ، وأنها فى انتظارهم ، كما ينتظر العدو عدو ليقضى عليه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي سبع سموات شداداً جمع شديدة يعني محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الزمان، لا فطور فيها ولا فروج، ونظيره ﴿ وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً  ﴾ فإن قيل لفظ البناء يستعمل في أسافل البيت والسقف في أعلاه فكيف قال: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً ﴾ ؟

قلنا البناء يكون أبعد من الآفة والانحلال من السقف، فذكر قوله: ﴿ وَبَنَيْنَا ﴾ إشارة إلى أنه وإن كان سقفاً لكنه في البعد عن الانحلال كالبناء، فالغرض من اختيار هذا اللفظ هذه الدقيقة.

وثامنها قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَانَ ميقاتا ﴾ كان في تقدير الله وحكمه حدّا توقت به الدنيا وتنتهي عنده؛ أو حدا للخلائق ينتهون إليه ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ ﴾ بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ من القبور إلى الموقف أمماً كل أمة مع إمامهم.

وقيل: جماعات مختلفة.

وعن معاذ رضي الله عنه أنه سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معاذ، سألت عن أمر عظيم من الأمور، ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمّتي: بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون: أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمياً، وبعضهم صماً بكماً، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم: يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم؛ فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس.

وأما الذين على صورة الخنازير: فأهل السحت.

وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصمّ البكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هم أشدّ نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء» وقرئ ﴿ وفتحت ﴾ بالتشديد والتخفيف.

والمعنى: كثرة أبوابها المفتحة لنزول الملائكة، كأنها ليست إلا أبواباً مفتحة، كقوله: ﴿ وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً ﴾ [القمر: 12] ، كأن كلها عيون تتفجر.

وقيل: الأبواب الطرق والمسالك، أي: تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقاً لا يسدّها شيء ﴿ فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ ، كقوله: ﴿ فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً ﴾ [الواقعة: 6] .

يعني أنها تصير شيئاً كلا شيء، لتفرّق أجزائها وانبثاث جواهرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَفُتِحَتِ السَّماءُ ﴾ وشُقِّقَتْ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ فَصارَتْ مِن كَثْرَةِ الشُّقُوقِ كَأنَّ الكُلَّ أبْوابٌ أوْ فَصارَتْ ذاتَ أبْوابٍ.

﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ ﴾ أيْ في الهَواءِ كالهَباءِ.

﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ مِثْلَ سَرابٍ إذْ تُرى عَلى صُورَةِ الجِبالِ ولَمْ تَبْقَ عَلى حَقِيقَتِها لِتَفَتُّتِ أجْزائِها وانْبِثاثِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} طريقاً عليه ممر الخلق فالمؤمن يمر عليها والكافر يدخلها وقيل المرصاد الحد الذي يكون فيه الرصد أي هي حد الطاغين الذين يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها لأن مجازهم عليها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْكامِ الفَصْلِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ اليَوْمَ إثْرَ بَيانِ هَوْلِهِ، والمِرْصادُ اسْمُ مَكانٍ كالمِضْمارِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تُضَمَّرُ فِيهِ الخَيْلُ ومِفْعالٌ يَكُونُ كَذَلِكَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ والجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُما، كَما يَكُونُ اسْمَ آلَةٍ وصِفَةً مُشَبَّهَةً لِلْمُبالَغَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الجَمِيعِ؛ أيْ: مَوْضِعَ رَصْدٍ وتَرَقُّبٍ تَرْصُدُ فِيهِ خَزَنَةُ النّارِ الكُفّارَ لِيُعَذِّبُوهم.

وقِيلَ: تَرْصُدُ فِيهِ خَزَنَةُ الجَنَّةِ المُؤْمِنِينَ لِيَحْرُسُوهم مِن فَيْحِها في مَجازِهِمْ عَلَيْها.

وقِيلَ: تَرْصُدُ فِيهِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الطّائِفَتَيْنِ لِتُعَذِّبَ إحْداهُما وهي المُؤْمِنَةُ، وتُعَذِّبَ الأُخْرى وهي الكافِرَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِيغَةَ مُبالَغَةٍ كَمِنحارٍ؛ أيْ مُجِدَّةً في تَرَصُّدِ الكَفَرَةِ لِئَلّا يَشِذَّ مِنهم واحِدٌ أوْ مُجِدَّةً في تَرَصُّدِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَضَرَّرَ أحَدٌ مِنهم مِن فَيْحِها أوْ مُجِدَّةً في تَرَصُّدِ الطّائِفَتَيْنِ عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ آنِفًا، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْها مَجازٌ أوْ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.

وفِي البَحْرِ: إنَّ ﴿ مِرْصادًا ﴾ مَعْنى النَّسَبِ؛ أيْ: ذاتَ رَصَدٍ، وقَدْ يُفَسَّرُ المِرْصادُ بِمُطْلِقِ الطَّرِيقِ وهو أحَدُ مَعانِيهِ فَيَكُونُ لِلطّائِفَتَيْنِ، ومِن هُنا قالَ الحَسَنُ كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في الآيَةِ، لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ حَتّى يَجْتازَ النّارَ.

وقالَ قَتادَةُ كَما أخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا: اعْلَمُوا أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الجَنَّةِ حَتّى تُقْطَعَ النّارُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي أربعون آية مكية قوله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ وذلك أن النبيّ  لما بعث، جعلوا يتساءلون فيما بينهما، ويقولون ما الذي جاء به هذا الرجل.

فنزل عَمَّ يَتَساءَلُونَ يعني: عما ذا يتساءلون.

ثم قال: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ يعني: يتساءلون عن الخبر العظيم، وهو القرآن كقوله: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: 68] ويقال: معناه عن ماذا يتحدثون، وعن أي شيء يتحدثون.

ثم قال: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ يعني: خبراً عظيماً.

وقال الزجاج: أصله عَمَّا يَتَسَاءلُونَ ثم بين فقال: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ يعني: عن أمر النبيّ  .

وقيل: عن القرآن.

وقيل عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ يعني: عن البعث والدليل قوله تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً [النبأ: 17] ثم بين لهم الأمر الذي كانوا يتساءلون، وهو البعث.

ثم قال عز وجل: الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ يعني: مصدقاً ومكذباً.

يعني: بالبعث بعضهم مصدق، وبعضهم مكذب.

ويقال: بالقرآن، ويقال: بمحمد  .

ثم قال الله تعالى: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يعني: سيعرفون ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يعني: سيعرفون ذلك الوعيد، على أثر الوعيد، يعني: سيعلمون عند الموت وفي الآخرة، ويتبين لهم بالمعاينة.

قرأ ابن عامر ستعلمون، بالتاء على وجه المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء، على معنى الخبر عنهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَبَإ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولَيْسَ فِيها نَسْخٌ ولا حُكْمٌ إلّا ما قالَهُ بَعْضُ الناسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لابِثِينَ فِيها أحْقابًا  ﴾ مِن أنَّهُ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلٌ خُلِفَ، لِأنَّ الأخْبارَ لا تُنْسَخُ، وإنَّما ذَكَرْنا هَذا القَوْلَ تَنْبِيهًا عَلى فَسادِهِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ ﴿ والجِبالَ أوتادًا ﴾ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا اللَيْلَ لِباسًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا النَهارَ مَعاشًا ﴾ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ أصْلُ "عَمَّ" عن ما، ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُونُ بَعْدَ قَلْبِها فَبَقِيَ "عَمّا" في الخَبَرِ وفي الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ حَذَفُوا الألِفَ في الِاسْتِفْهامِ فَرْقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ، ثُمَّ مِنَ العَرَبِ مَن يُخَفِّفُ المِيمَ تَخْفِيفًا فَيَقُولُ: "عَمَ"، وهَذا الِاسْتِفْهامُ بِـ "عَمَّ" هو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَعَجُّبٍ مِنهم.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةُ، وعِيسى: "عَمّا" بِالألِفِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "عَمَّهْ" بَهاءٍ، وهَذا إنَّما يَكُونُ عِنْدَ الوَقْفِ.

و"النَبَإ العَظِيمِ" قالَ قَوْمٌ: هو الشَرْعُ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هو القُرْآنُ خاصَّةً، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: هو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ.

ويُحْتَمَلُ الضَمِيرُ في "يَتَساءَلُونَ" أنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ العالَمِ، فَيَكُونُ "الِاخْتِلافُ" حِينَئِذٍ يُرادُ بِهِ تَصْدِيقَ المُؤْمِنِينَ وتَكْذِيبَ الكافِرِينَ ونَزَغاتِ المُلْحِدِينَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَرِيدَ بِالضَمِيرِ الكَفّارَ مِن قُرَيْشٍ، فَيَكُونُ "الِاخْتِلافُ" شَكُّ بَعْضٍ وتَكْذِيبُ بَعْضٍ، وقَوْلُهم سِحْرٌ وكَهانَةٌ وجُنُونٌ وغَيْرُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَتَساءَلُونَ" الظاهِرِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِمَ يَتَساءَلُونَ عن هَذا النَبَأِ؟

وقالَ الزَجّاجُ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ، ثُمَّ كانَ مُقْتَضى القَوْلِ أنْ يُجِيبَ مُجِيبٌ فَيَقُولُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ، فاقْتَضى إيجازُ القُرْآنِ بِبَلاغَتِهِ أنْ يُبادِرَ المُحْتَجُّ بِالجَوابِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحالُ والمُجاوَرَةُ، اقْتِضابًا لِلْحُجَّةِ وإسْراعًا إلى مَوْضِعِ قَطْعِهِمْ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللهُ شَهِيدٌ  ﴾ ، ولَهُ أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، وقَدْ وقَعَ التَنْبِيهُ عَلَيْها في مَواضِعِها.

وقَرَأ السَبْعَةُ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ: "كَلّا سَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ في المَوْضِعَيْنِ، عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ في تَكْذِيبِهِمْ، ووَعِيدٌ لَهم في المُسْتَقْبَلِ، وكَرَّرَ الزَجْرَ تَأْكِيدًا، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كَلّا سَيَعْلَمُونَ، يَعْنِي الكُفّارَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ عَلى جِهَةِ الوَعْدِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ- ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، والحَسَنُ بِخِلافٍ- "كَلّا سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ في المَوْضِعَيْنِ، عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وكَرِّرْ عَلَيْهِمُ الزَجْرَ والوَعِدَ تَأْكِيدًا، وكُلُّ تَأْوِيلٍ في هَذِهِ القِراءَةِ غَيْرُ هَذا مُتَعَسِّفٌ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "كَلّا سَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى جِهَةِ الرَدِّ والوَعِيدِ لِلْكَفّارِ، ثُمَّ "كَلّا سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلى الكُفّارِ والوَعْدِ والمُؤْمِنِينَ، فالعِلْمُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "سَتَعْرِفُونَ"، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَدَّ.

ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى آياتِهِ وغَرائِبَ مَخْلُوقاتِهِ وقُدْرَتِهِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها الإقْرارَ بِالبَعْثِ والإيمانِ بِاللهِ تَعالى، و"المِهادُ": الفِراشُ المُمَهَّدُ الوَطْئِ، وكَذَلِكَ الأرْضُ لِبِنْيَتِها، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِيسى، وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ: "مَهْدًا"، والمَعْنى نَحْوُ الأوَّلِ، وشَبَّهَ الجِبالَ"بِالأوتادِ" لِأنَّها تَمْسِكُ وتَثْقُلُ وتَمْنَعُ الأرْضَ أنْ تَمِيدَ، و"أزْواجًا" مَعْناهُ أنْواعًا في ألْوانِكم وصُوَرِكم وألْسِنَتِكُمْ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: مُزْدَوَجَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى.

و"السُباتُ" السُكُونُ، وسَبَتَ الرَجُلُ مَعْناهُ: اسْتَراحَ واتَّدَعَ وتَرَكَ الشُغْلَ، ومِنهُ السُباتُ وهي عِلَّةٍ مَعْرُوفَةٍ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ السُكُونَ أوالسُكُوتَ أفْرَطَ عَلى الإنْسانِ حَتّى صارَ ضارًّا قاتِلًا، والنَوْمُ شَبِيهٌ بِهِ إلّا في الضَرَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "سُباتًا": قِطَعًا لِلْأعْمالِ والتَصَرُّفِ، والسَبْتُ: القَطْعُ، ومِنهُ "سَبْتُ الرَجُلِ شَعْرُهُ" إذا قُطِعَ شَعْرُهُ، ومِنهُ النِعالُ السَبْتِيَّةُ وهي الَّتِي قُطِعَ عنها الشِعْرُ.

و"لِباسًا" مَصْدَرٌ، وكانَ اللَيْلُ كَذَلِكَ مِن حَيْثُ يُغْشِي الأشْخاصَ فَهي تَلْبَسُهُ وتَتَدَرَّعُهُ، ويُقالُ: جَعَلَهُ لِباسًا لِأنَّهُ يَطْمِسُ نُورَ الأبْصارِ ويَلْبَسُ عَلَيْها الأشْياءَ، والتَصْرِيفُ يُضْعِفُ هَذا القَوْلَ لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ "مَلْبَسًا"، ولا يُقالُ "لِباسٌ" إلّا مِن لَبِسَ الثِيابَ ﴿ وَجَعَلْنا النَهارَ مَعاشًا ﴾ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أو عَلى النَسَبِ، وهَذا كَما تَقُولُ "لَيْلٌ نائِمٌ"، و"السَبْعُ الشِدادُ": السَمَواتُ، والأفْصَحُ في لَفْظَةِ السَماءِ التَأْنِيثُ، ووَصَفَها بِالشِدَّةِ، لِأنَّهُ لا يُسْرِعُ إلَيْها فَسادٌ لِوِثاقَتِها، و"السِراجُ": الشَمْسُ، و"الوَهّاجُ": الحارُّ المُضْطَرِمُ الِاتِّقاِد، المُتَعالِي اللهَبِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: إنَّ الشَمْسَ في السَماءِ الرابِعَةِ إلَيْنا ظَهْرُها، ولَهَبُها مُضْطَرِمٌ عُلُوًّا.

واخْتَلَفَ الناسُ في "المُعْصِراتِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ، وقَتادَةُ: هي السَمَواتُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ: المُعْصِراتُ هى السَحابُ القاطِرَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العَصْرِ؛ لِأنَّ السَحابَ يَنْعَصِرُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وبِهِ فَسَّرَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ العنبَرِيُّ القاضِي بَيْتَ حَسّانَ: كِلْتاهُما حَلَبُ العَصِيرِ.....

البَيْتُ.

وَقالَ بَعْضُ مَن سُمِّيَتْ: هي السَحابُ الَّتِي فِيها الماءُ ولَمّا تُمْطِرْ، كالمَرْأةِ المُعْصِرِ، وهي الَّتِي دَنا حَيْضُها ولَمْ تَحِضْ بَعْدُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: قِيلَ لِلسَّحابِ مُعْصِراتٌ مِن حَيْثُ تُغِيثُ، فَهي مِن "العَصْرَةِ" ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَفِيهِ يَعْصِرُونَ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ المُعْصِراتُ: الرِياحُ لِأنَّها تَعْصِرُ السَحابَ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ والفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ: "وَأنْزَلَنا بِالمُعْصِراتِ"، فَهَذا يُقَوِّي أنَّهُ أرادَ الرِياحَ.

و"الثَجّاجُ": السَرِيعُ الِانْدِفاعِ كَما يَنْدَفِعُ الدَمُ عن عُرُوقِ الذَبِيحَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  وقَدْ «قِيلَ لَهُ: ما أفْضَلَ الحَجَّ؟

فَقالَ: "العَجُّ والثَجُّ"» أرادَ: التَضَرُّعَ بِالدُعاءِ الجَهِيرِ وذَبْحِ الهَدْيِ.

و"الحُبُّ": جِنْسُ الحُبُوبِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الحَيَوانُ، و"النَباتُ": العُشْبُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ رُطَبًا لِإنْسانٍ أو بَهِيمَةٍ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى مَوْضِعَ المَنفَعَتَيْنِ.

و"ألْفافًا" جَمْعُ "لُفٍّ" بِضَمِّ اللامِ، و"لُفٌّ" جَمْعُ "لَفّاءَ"، والمَعْنى مُلْتَفّاتُ الأغْصانِ والأوراقِ، وذَلِكَ أبَدًا مَوْجُودٌ مَعَ النَضْرَةِ والرَيِّ، وقالَ قَوْمٌ: "ألْفافًا" جَمْعُ "لِفَّ" بِكَسْرِ اللامِ، واللَفُّ: الجَنَّةُ المُلْتَفَّةُ بِالأغْصانِ، وقالَ الكِسائِيُّ: "ألْفافًا"، جَمْعُ "لَفِيفٍ"، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أحابِيشُ ألْفافٍ تَبايَنَ فَرْعُهم ∗∗∗ وجِذْمُهم عن نِسْبَةِ المُتَقَرِّبِ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

التسيير: جعل الشيء سائراً، أي ماشياً.

وأطلق هنا على النقل من المكان أي نقلت الجبال وقلعت من مقارّها بسرعة بزلازل أو نحوها كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً ﴾ [المزمل: 14]، حتى كأنها تسيّر من مكان إلى آخر وهو نقْل يصحبه تفتيت كما دل عليه تعقيبه بقوله: ﴿ فكانت سراباً ﴾ لأن ظاهر التعقيب أن لا تكون معه مهلة، أي فكانت كالسراب في أنها لا شيء.

والقولُ في بناء ﴿ سُيرت ﴾ للمجهول كالقول في ﴿ وفتحت السماء ﴾ [النبأ: 19].

وكذلك قوله: ﴿ فكانت سراباً ﴾ هو كقوله: ﴿ فكانت أبواباً ﴾ [النبأ: 19].

والسراب: ما يلوح في الصحاري مما يشبه الماءَ وليس بماء ولكنه حالة في الجو القريب تنشأ من تَراكُممِ أبخرة على سطح الأرض.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ﴾ في سورة النور (39).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النَّبَإ ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ ﴿ والجِبالَ أوْتادًا ﴾ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ يَعْنِي عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُ المُشْرِكُونَ؟

لِأنَّ قُرَيْشًا حَيْثُ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ  جَعَلَتْ تُجادِلُ وتَخْتَصِمُ في الَّذِي دَعا إلَيْهِ.

وَفي " النَّبَأ العَظِيم " أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ  .

﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ هو البَعْثُ، فَأمّا المَوْتُ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهِ المُشْرِكُونَ مِن بَيْنِ مُصَدِّقٍ مِنهم ومُكَذِّبٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: اخْتَلَفَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، فَصَدَّقَ بِهِ المُسْلِمُونَ وكَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ، فالأوَّلُ: كَلّا سَيَعْلَمُونَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في القِيامَةِ، والثّانِي: كَلّا سَيَعْلَمُونَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في جَهَنَّمَ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ لِلْكُفّارِ فِيما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في النّارِ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما يَنالُهم مِنَ الثَّوابِ في الجَنَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نُعاسًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: سَكَنًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: راحَةً ودَعَةً، ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ السَّبْتَ سَبْتًا لِأنَّهُ يَوْمُ راحَةٍ ودَعَةٍ، قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: يُقالُ سَبَتَ الرَّجُلُ إذا اسْتَراحَ.

الرّابِعُ: سُباتًا أيْ قِطَعًا لِأعْمالِهِمْ، لِأنَّ أصْلَ السُّباتِ القَطْعُ ومِنهُ قَوْلُهم سَبَتَ الرَّجُلُ شَعْرَهُ إذا قَطَعَهُ، قالَ الأنْبارِيُّ: وسُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ لِانْقِطاعِ الأعْمالِ فِيهِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ السُّباتَ ما قَرَّتْ فِيهِ الحَواسُّ حَتّى لَمَّ تُدْرِكْ بِها الحِسَّ.

﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَكَنًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: غِطاءً، لِأنَّهُ يُغَطِّي سَوادَهُ كَما يُغَطِّي الثَّوْبُ لابِسَهُ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ يَعْنِي وقْتَ اكْتِسابٍ، وهو مَعاشٌ لِأنَّهُ يُعاشُ فِيهِ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّهُ زَمانُ العَيْشِ واللَّذَّةِ.

﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ يَعْنِي بِالسِّراجِ الشَّمْسَ، وفي الوَهّاجِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُنِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: المُتَلَأْلِئُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مِن وهَجِ الحَرِّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الوَقّادُ، الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الضِّياءِ والجِمالِ.

﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُعْصِراتِ الرِّياحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ هي الجَنُوبُ.

الثّانِي: أنَّها السَّحابُ، قالَهُ سُفْيانُ والرَّبِيعُ.

الثّالِثُ: أنَّ المُعْصِراتِ السَّماءُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

وَفي الثَّجّاجِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَثِيرُ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: المُنْصَبُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ فَثَجَّ أعْلاهُ ثُمَّ ارْتَجَّ أسْفَلُهُ وضاقَ ذَرْعًا بِحَمْلِ الماءِ مُنْصاحِ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَبَّ ما كانَ في كِمامِ الزَّرْعِ الَّذِي يُحْصَدُ، والنَّباتُ: الكَلَأُ الَّذِي يُرْعى، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

الثّانِي: أنَّ الحَبَّ اللُّؤْلُؤُ، والنَّباتُ: العُشْبُ، قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرَةً إلّا أنْبَتَتْ في الأرْضِ عُشْبَةً أوْ في البَحْرِ لُؤْلُؤَةً.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الحَبَّ ما بَذَرَهُ الآدَمِيُّونَ، والنَّباتَ ما لَمْ يَبْذُرُوهُ.

﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الزَّرْعُ المُجْتَمِعُ بَعْضُهُ إلى جَنْبِ بَعْضٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ بِالثَّمَرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها ذاتُ الألْوانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها الَّتِي يَلُفُّ الزَّرْعُ أرْضَها والشَّجَرُ أعالِيَها، فَيَجْتَمِعُ فِيها الزَّرْعُ والشَّجَرُ مُلْتَفّاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون بينهم فنزلت ﴿ عم يتساءلون عن النبإ العظيم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يتساءلون عن النبإ العظيم ﴾ قال: القرآن.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عم يتساءلون عن النبإ العظيم ﴾ قال: القرآن.

وفي قوله: ﴿ الذي هم فيه مختلفون ﴾ قال: مصدق به ومكذب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون ﴾ قال: هو البعث بعد الموت، صار الناس فيه رجلين مصدق ومكذب، فأما الموت فاقروا به كلهم لمعاينتهم إياه، واختلفوا في البعث بعد الموت.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ﴾ قال: وعيد بعد وعيد.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ كلا سيعلمون ﴾ الكفار ﴿ ثم كلا سيعلمون ﴾ المؤمنون، وكذلك كان يقرؤها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً ﴾ قال: فرشت لكم ﴿ والجبال أوتاداً ﴾ قال: أوتدت بها لكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً ﴾ إلى قوله: ﴿ معاشاً ﴾ قال: نعم من الله يعددها عليك يا ابن آدم لتعمل لأداء شكرها.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يخلق الخلق أرسل الريح فنسفت الماء حتى أبدت عن حشفة، وهي التي تحت الكعبة، ثم مد الأرض حتى بلغت ما شاء الله من الطول والعرض، وكانت هكذا تميد، وقال بيده وهكذا وهكذا، فجعل الله الجبال رواسي أوتاداً، فكان أبو قبيس من أول جبل وضع في الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: إن الأرض أول ما خلقت خلقت من عند بيت المقدس، وضعت طينة فقيل لها: اذهبي هكذا وهكذا وهكذا، وخلقت على صخرة، والصخرة على حوت، والحوت على الماء فأصبحت وهي تميع.

فقالت الملائكة: يا رب من يسكن هذه؟

فأصبحت الجبال فيها أوتاداً، فقالت الملائكة: يا رب أخلقت خلقاً هو أشد من هذه؟

قال: الحديد.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الحديد؟

قال: النار.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من النار؟

قال: الماء.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الماء؟

قال الريح.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الريح؟

قال: البناء.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من البناء؟

قال: آدم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وخلقناكم أزواجاً ﴾ قال: اثنين اثنين وفي قوله: ﴿ وجعلنا النهار معاشاً ﴾ قال: يبتغون من فضل الله، وفي قوله: ﴿ وجعلنا سراجاً وهاجاً ﴾ قال: يتلألأ ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: الريح ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً ينصب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والخرائطي في مكارم الأخلاق عن قتادة ﴿ وجعلنا سراجاً وهاجاً ﴾ قال: الوهاج المنير ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: من السماء، وبعضهم يقول من الريح ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: الثجاج المنصب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلنا سراجاً وهاجاً ﴾ قال: مضيئاً ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: السحاب ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله: ﴿ سراجاً وهاجاً ﴾ قال: يتلألأ.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: السحاب يعصر بعضها بعضاً، فيخرج الماء من بين السحابتين.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قوله: النابغة: تجري بها الأرواح من بين شمال ** وبين صباها المعصرات الدوامس قال: أخبرني عن قوله: ﴿ ثجاجاً ﴾ قال: الثجاج الكثير الذي ينبت منه الزرع قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا ذؤيب يقول: سقى أم عمر وكل آخر ليلة ** غمائم سود ماؤهن ثجيج وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والخرائطي من طرق عن ابن عباس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: الرياح ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً.

وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والخرائطي والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً ﴾ قال: يبعث الله سحاباً فتحمل الماء من السماء فتمر به السحاب فتدر كما تدر اللقحة، والثجاج ينزل من السماء أمثال العزالي، فتصرفه الرياح فينزل متفرقاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: السحاب ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: صباً أو قال كثيراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: من السماء ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن قتادة في مصحف الفضل بن عباس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال في قراءة ابن عباس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ بالرياح.

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن مجاهد ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ الريح، ولذلك كان يقرؤها: ﴿ بالمعصرات ماء ثجاجاً ﴾ منصباً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: مجتمعة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: ملتفة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: ملتفة بعضها إلى بعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: الزرع إذا كان بعضه إلى بعض جنات.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ يقول: جنات التفت بعضها ببعض.

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ قال: هو يوم عظمة الله، وهو يوم يفصل فيه بين الأولين والآخرين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً ﴾ قال: زمراً زمراً.

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب: «أن معاذاً بن جبل قال: يا رسول الله ما قول الله: ﴿ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً ﴾ ؟

فقال: يا معاذ سألت عن أمر عظيم، ثم أرسل عينيه ثم قال: عشرة أصناف قد ميزهم الله من جماعة المسلمين، وبدل صورهم، فبعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكبين أرجلهم فوق ووجوههم أسفل يسحبون عليها، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعاباً، يقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم يلبسون جباباً سابغات من قطران لازقة بجلودهم.

فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فأكلة السحت، والمنكوسون على وجوههم فأكلة الربا، والعمي من يجور في الحكم، والصم البكم المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقضاة من الذين يخالف قولهم أعمالهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشد نتنا من الجيف الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله وحق الفقراء من أموالهم، والذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والخيلاء والفخر» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴾ قال الأزهري: المرصاد: المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو نحو (المضمار) الموضع الذي يضمر فيه الخيل (١) وقال المبرد: مَرصاداً محلاً يرصد، أي هو معد لهم (٢) والمرصاد -على هذا- المكان والمحل الذي يرصد به، أي هو معد لهم، وجهنم مرصاد يرصد به خزنتها الكفار.

قال أبو إسحاق: يَرْصُدُ أهل الكفر، ومن حق عليه العذاب (٣) (٤) وعلى هذا يجوز أن يكون المرصاد مفعالاً من الرصد، وهو الترقب.

بمعنى: ذلك يكثر منه، والمفعال من أبنية المبالغة، كالمعطار، والمعمار، وهو لمن دام منه الفعل) (٥) ثم بين أنها مرصاد لمن، فقال: ﴿ لِلطَّاغِينَ ﴾ قال ابن عباس (٦) (٧) وقوله: ﴿ مَآبًا ﴾ بدل من قوله: (مرصاداً).

(١) "تهذيب اللغة" 12/ 137 (رصد).

وقال ابن فارس: (رصد: أصل واحد، وهو التهيُّؤ لِرقبة شيء على مَسْلكه، ثم يحمل على ما يشاكله، يقال: أرصدت له كذا، أي هيأته له، كأنك جعلته على مَرصده، رصدته، أرصده، أي ترقبته، وأرصدت له، أي أعددت، والمرصد: موقع الرَّصد، والرَّصد: القوم يرصدون، والرصد: الفِعل).

"مقاييس اللغة" 2/ 400 (رصد).

(٢) بمعناه ورد في "زاد المسير" 8/ 164.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273 بنصه.

(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٥) ما بين القوسين انظر فيه: كتاب ما تلحن فيه العامة لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي: 124.

(٦) "زاد المسير" 8/ 164.

(٧) بمعناه في "تفسير مقاتل" 225/ ب، "الكشف والبيان" ج: 13/ 27/ ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ ردع وتهديد ثم كرره للتأكيد ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَاداً ﴾ أي فراشاً، وإنما ذكر الله تعالى هنا هذه المخلوقات على جهة التوقيف ليقيم الحجة على الكفار فيما أنكروه من البعث كأنه يقول: إن الإله الذي قدر على خلقة هذه المخلوقات العظام قادر على إحياء الناس بعد موتهم، ويحتمل أنه ذكرها حجة على التوحيد؛ لأن الذي خلق هذه المخلوقات هو الإله وحده لا شريك له ﴿ والجبال أَوْتَاداً ﴾ شبهها بالأوتاد لأنها تمسك الأرض أن تميد ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي من زوجين ذكراً وأنثى، وقيل: معناه أنواعاً في ألوانكم وصوركم وألسنتكم ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ﴾ أي راحة لكم، وقيل: معناه قطعاً للأعمال والتصرف.

والسبت: القطع.

وقيل: معناه موتاً؛ لأن النوم هو الموت الأصغر، ومنه قوله تعالى: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ [الزمر: 42] ﴿ وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً ﴾ شبهه بالثياب التي تلبس لأنه ستر عن العيون ﴿ وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً ﴾ أي تطلب فيه المعيشة، فهو على حذف مضاف تقديره ذا معاش، وقال الزمخشري: معناه يعاش فيه فجعله بمعنى الحياة في مقابلة السبات، الذي بمعنى الموت ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴾ يعني السموات ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴾ يعني الشمس.

الوهّاج الوقاد الشديد الإضاءة، وقيل: الحار الذي يضطرم من شدة لهبه ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً ﴾ يعني: المطر.

المعصرات: هي السحاب وهو مأخوذ من العصر؛ لأن السحاب ينعصر فينزل منه الماء أو من العصرة؛ بمعنى الإغاثة.

ومنه: وفيه يعصرون، وقيل: هي السموات وقيل: الرياح والثجَّاج السريع الاندفاع ﴿ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ الحب هو القمح والشعير وسائر الحبوب والنبات هو العشب ﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ﴾ أي ملتفة وهو جمع لف بضم اللام، وقيل: بالكسر وقيل: لا واحد له ﴿ كَانَ مِيقَاتاً ﴾ أي في وقت معلوم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ اختلف في التساؤل.

فمنهم من ذكر أن التساؤل كان عن أمر النبي  ، سألوا عن حاله: أهو نبي أم ليس بنبي؟

ومنهم من ذكر أن التساؤل كان عن القرآن: أنه من الله  أو ليس من الله  ؟

أو يتساءلون فيما بينهم: هل تقدرون على إتيان مثله أم لا؟

وجائز أن يكون التساؤل عن أمر البعث، أو عن التوحيد، كما قال [الله] -  - خبرا عنهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً  ﴾ ؟.

ثم جائز أن يكون هذا السؤال من أهل الكفر، سأل بعضهم بعضا، فاختلفوا فيه، ولم يحصلوا من اختلافهم على إصابة الحق؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ ، ولو كان فيهم مصدق، لكان قد وقع له العلم في ذلك الوقت؛ فلا يحتاج إلى أن يعلم ويبينه عليه.

فإن كان السؤال عن حال الرسول  ، فوجه اختلافهم أن بعضهم زعم أنه شاعر، وقال بعضهم: هوساحر، وقال بعضهم: مفتر كذاب، وادعا بعضهم أنه مجنون.

وجائز أن يكون السؤال من الكفرة للمؤمنين.

وإن كان على هذا فما ذكره أهل التفسير فهم بين مصدق ومكذب، يراد بالمكذب الذين صدر عنهم السؤال، ويراد بالمصدق أهل الإسلام الذين سئلوا.

ثم لا يجوز لأحد تحصيل السؤال على جهة واحدة، والقطع عليه بالتوقف الموجب للعلم.

ثم في قوله -  -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً ﴾ جواب عما سبق من السائل؛ [فإن كان السائل] عن أمر الرسالة، فحقه أن يحمل على جهة غير الجهة التي يحمل عليها إذا صرف التساؤل إلى أمر البعث، أو إلى أمر التوحيد أو القرآن.

والأصل فيه أن الله -  - بما ذكر من مهاد الأرض، وخلق الأزواج ذكر عباده عظيم نعمه وكثرة إحسانه إليهم؛ ليستأدي منهم الشكر؛ فإذا وقعت لهم الحاجة إلى الشكر، [فيضطرهم ذلك إلى من بين لهم، و] احتاجوا إلى من يعرفهم [الوعد والوعيد] ومحل الشكور، ومحل الكفور، ومحل الموالي، ومحل المعادي؛ إذ وجدوا هذه الدنيا تمن على الأولياء، وعلى الأعداء على حالة واحدة، فاحتاجوا إلى من يعرفهم الوعد والوعيد، وأوجب ما ذكرنا القول بالبعث؛ ليظهر به منزلة الشكور والكفور.

وفي ذكر هذه النعم - أيضا - دلالة الوحدانية؛ لأن الله -  - مهد الأرض، فجعلها متمتعا للخق، ومنقلبا لهم، وأخرج منها ما يتعيشون به، وجعل سبب الإخراج ما ينزل من السماء من القطر، فجعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، فلو لم يكن مدبرهما واحد لانقطع الاتصال، ثم لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي [له] يقع إحياء الأشياء بالماء، لم يصل إليه، ولو أرادوا أن يتداركوا الوجه الذي صلح هذا الطعام أن يكون سببا لدفع الحاجات وقطع الشهوات، لم يقفوا عليه؛ فيكون فيما ذكرنا إزالة الشبه والشكوك التي تعترض لهم في الأمور الخارجة عن تدبيرهم وقواهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ : منهم من ذكر أن هذا وعيد على وعيد، وقد ذكرنا أن حرف الوعيد ما يكرره العرب فيما بينهم للتأكيد، كما يقال: هيهات هيهات، وأولى لك فأولى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ على علم دلالة، وقوله -  -: ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ على علم المشاهدة والعيان.

ثم قوله -  -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً ﴾ ، أي: بساطا، ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً ﴾ ذكر أن الأرض لما خلقت مادت بأهلها، فأرساها الله -  - بالجبال؛ لطفا منه، لا أن جعلها سببا للإرساء؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً  ﴾ ، فقد جعلها في ذلك الوقت مستمسكة ثابتة مستقرة بدون الجبال؛ فثبت أنها ليست بسبب للإرساء في التحقيق، ويكون فيه تعريف الخلق وجوه الحيل في الأمور إذا تعذر عليهم الوصول إليها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ قيل: ألوانا؛ فيكون في هذا إبطال الحكم بقول القائف؛ لأنهم يستدلون بالتشابه في الألوان، ويحكمون بها، فلو كان الأمر على ما قدروا، لارتفع الاختلاف في الألوان؛ فيكون الخلق كلهم على لون واحد.

وقيل: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ : فرقا شتى؛ ليعرف كل منهم عنصره، ومنتهى أصله.

وقيل: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ ، أي: جعل لكل أحد شكلا من جنسه؛ فجعل للذكر أنثى زوجا من جنسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ﴾ ، قيل: السبات: التمدد.

وقيل: السبات: النوم الذي لا حركة فيه؛ ولهذا قيل للذي شبه بالميت: مسبوت.

وقيل: السبات: الراحة؛ ولذلك سمى: السبت؛ لأنه يوم راحة وترك العمل في بني إسرائيل.

ثم في إنشاء النوم دليل سلطانه، ودخول الخلق بأجمعهم تحت تدبيره؛ إذ لم يتهيأ لأحد الاحتراز من النوم حتى لا يعتريه؛ بل يقهر الجبابرة فيذلهم، ولا يمكنهم الخلاص عنه بالحيل والأسباب، ثم النوم كأنه من أثقل الأحمال وأشدها، ثم إذا زايل الإنسان، وعاد المرء إلى حال اليقظة، وجد في نفسه خفة وراحة ومن شأن هذا الإنسان: أنه إذا حمل الحمل الثقيل، مسه من ذلك فتور وكلال لا يزول عنه ساعة ما يضع الحمل عن نفسه؛ بل يبقى ذلك الكلال فيه إلى مدة، فمن تدبر في أمر النوم، دله على عظيم شأ،ه وعجائب تدبيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً ﴾ ، فهذا اللباس لباس الأعين لا غير؛ ألا ترى أنه لا يستغنى بلباس الليل عما أخذ عليه من اللباس للصلاة، ولا يعمل الليل عم اللباس المعروف في دفع أذى البرد والحر.

وقال بعضهم: اللباس: السكن؛ كما قال في آية آخرى: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً  ﴾ وكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن تمام السكن والراحة يقع بالنوم؛ فصرفوه إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً ﴾ ، أي: يتعيش فيه، لا أن يكون نفسه معاشا، كما سماه: مبصرا؛ لما يبصر به، لا أنه في نفسه مبصرا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴾ ، أي: السماوات، فذكرهم؛ هذا لينبههم على قدرته وسلطانه؛ فعرفوا أنه فعال لما يريد، قادر على ما يشاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴾ ، فكأن السراج هو الشمس هاهنا، جعلها تتوهج وتتلألأ ما بين السماء والأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً ﴾ : منهم من ذكر أن المعصرات هي السحاب التي أنشئ فيها القطر؛ يقال للجارية التي قد دنت حيضتها: معصرة، فشبه السحاب بمعاصر الجواري.

وقيل: سمى السحاب: معصرا؛ لأنه يعصر المطر.

وقيل: هي ذوات الأعاصير؛ يعني: الرياح، كقوله: ﴿ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ  ﴾ ، أي: ريح.

وعن الحسن: هي السماوات.

وقال الزجاج: المعصر: هو الذي قد أتى وقت إرسال القطر منه؛ كما يقال: مجرز لما أتى وقت جرازه.

ثم في إنزال الماء من المعصرات تذكير النعم والقدرة والحكمة، وكل وجه من هذه الأوجه الثلاثة يوجب القول بالبعث: فأما وجه تذكير النعم، فهو أن القطر ينزل من السماء متتابعا، ثم الله -  - بلطفه يمنع اتصال بعض ببعض والتصاقه، ويرسل كل قطرة إلى الأرض بحيالها، وينزل بعضها على بعض؛ لينتفع بها، ولو التصق بعضها ببعض واصتل، لم يقم لها شيء؛ فكانت تصير سببا للتعذيب والإهلاك، فبفضله ورحمته أنزلها متتابعة؛ لينتفع بها الخلق، ويتمتعوا بها.

وفيه تذكير القوة والحكمة - أيضا - لأنه أنشأ السحاب الثقال، وساقه إلى الموضع الذي قدر أن يرسل القطر هنالك، ومعلوم أن ذلك الإرسال ليس من فعل السحاب؛ لأن السحاب يمتنع عن إرسال القطر حتى ينتهي إلى الموضع الذي أمر بإرسال القطر فيه، ولو كان ذلك للسحاب نفسه، لكان أينما مر يعمل في الإرسال، ولو كان ذا ثقب لكانت الريح متى دختل في الثقب أرسل السحاب ما أنشئ يه من القطر، فإذا لم يوجد ذلك بان أن الله -  - بحكمته وقدرته ولطفه هو الذي أنشأ فيه ذلك، ودبر إرساله، لا أن يكون ذلك عمل السحاب، ولو أراد أحد من حكماء الأرض أن يعرف المعنى الذي له صلح ذلك السحاب أن يستمسك فيه القطر، ولا يستمسك في مكان آخر، لم يقف عليه، فذكرهم، ليعلموا أن حكمته ليست على الوجه الذي ينتهي إليه حكم البشر، ولا قدرته مقدرة بقوى البشر؛ بل هو قادر على ما يشاء، فعال لما يريد.

وفيه أن تدبير السماء والأرض والهواء يرجع إلى الواحد القهار؛ إذ لا يتهيأ لأحد أن يمنع القطر المرسل من السماء عن الوصول إلى الموضع الذي أمر أن ينتهي إليه.

والثجاج: القطر المتتابع بعضه على إثر بعض، والثج: الصب؟

والإراقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ : جائز أن يكون ذكر الحب؛ لأن المقصود من زراعة ما يكون له الحب - الحب؛ فذكره؛ لما إليه ينتهى القصد، ويكون ذكر النبات منصرفا إلى ما لا حب له؛ لأن القصد من زراعته النبات لا غير.

وجائز أن يكون منصرفا إلى شيء واحد؛ لأن الذي فيه الحب فيه النبات أيضا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ﴾ قد ذكرنا أن الجنة هي اسم المكان الملتف بالأشجار، وهي التي اجتمعت فيها الأشجار.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن جهنم كانت راصدة مُرْتَقِبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.7J3dk"

مزيد من التفاسير لسورة النبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله