الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة النبأ
تفسيرُ سورةِ النبأ كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 12 دقيقة قراءةكان غير المؤمنين يسأل بعضهم بعضًا عن رسالة النبي ، ويسألون غيرهم فيقولون: هل هو رسول؟
وما هذا الخبر الذي جاء به من دعوى أنه مرسل من قِبَل الله يدعوه إلى توحيده وإلى الاعتقاد باليوم الآخر وهو يوم القيامة، يوم يسأل كل عامل عما عمل؟
فبكتهم الله بقوله: عن أي شيء يتساءلون؟
ثم قال: عن الخبر العظيم الذي هم فيه مختلفون، بعضهم ينكره، وبعضهم يتردد في صحته، ثم رد عليهم الانكار بقوله: كلا سيعملون، ثم كلا سيعملون -أي ستنكشف لهم الحقيقة، ويرون صحة الخبر، وتنقطع الريبة فيه يوم تقوم الساعة ويفصل بينهم.
ثم ذكرهم بدلائل قدرته وآيات رحمته فقال: ألم نجعل الأرض مهادًا إلخ، أي أن من ينعم على الناس هذه النعم العظيمة لا يهملهم من إرسال داع إلى توحيده بعد ما ضلوا عنه، وهاد إلى طريقة المستقيم، ومذكر بيوم الحساب، وليس بعظيم على صاحب هذا الاحسان أن يرسل ذلك الرسول، ولا أن يحقق ما يدعو إلى الاعتقاد به من شؤون اليوم الآخر، وهي ما ذكر في قوله: إن يوم الفصل إلخ.
(عم) أصله عما، أي عن أي شيء، والإبهام للتعظيم، و(النبأ) الخبر الذي يُهْتَمّ له.
و(كلا) للردع ونفي الزعم الباطل.
(المهاد) الفراش، وقد جعل الله الأرض موطئًا للناس والدواب يقيمون عليها، فهي فراش لهم.
و(الأوتاد) جمع وتد، بسكون التاء وكسرها وهو معروف، وإنما كانت الجبال أوتادًا لأن بروزها في الأرض كبروز الأوتاد المغروزة فيها، ولأنها في تثبيت الأرض ومنعها من الَميدان والاضطراب كالأوتاد في حفظ الخيمة من مثل ذلك، كأن أقطار الأرض قد شدت إليها، ولولا الجبال لكانت الأرض دائمة الاضطراب بما في جوفها من المواد الدائمة الجيشان.
و(أزواجًا) ذكرًا وأنثى ليتم الائتناس والتعاون على سعادة المعيشة وحفظ النسل وتكميله بالتربية، و (السبات) بضم السين الموت، والسبوت الميت، من السبت وهو القطع.
والنوم أحد الموتين، ونعمة الله فيه كبيرة، فإن موت بضع ساعات في اليوم يريح القوى من تعبها، وينشطها من كسلها، ويعيد إليها ما فقد منها، ولو لم يكن النوم موتًا واليقظة بعثًا لم يتم هذا التجديد للقوى.
(لباس) الجسم ما يستره، والليل شبيه باللباس لأنه يستر الأشخاص بظلمته.
وللناس في هذا الستر فوائد اللباس، فكما أن اللباس يقي من الحر والبرد ويستر العورات عن النظر كذلك يستتر فيه الفار من العدو أو الحيوان المفترس المطارد له، ويختفي فيه الكامن للوثوب على ما يريد التخلص منه والنجاة من شر مساورته.
وكم لظلال الليل عنك من يد تخبر أن المانوية تكذب( ) و(المعاني) الحياة فكما جعل النوم موتًا جعل اليقظة حياة.
والنهار زمن هذه الحياة، أي جعل النهار وقت معاش يستيقظون فيه وينقلبون في حوائجهم ومكاسبهم.
و(السبع الشداد) الطرائق السبع، وهي ما فيه الكواكب السبعة السيارة المشهورة.
وخصها بالذكر لظهورها ومعرفة العامة لها، وإلا فقد بنى ما هو أعظم منها وهو ما وراءها من عوالم السموات ووصفها بالشدة لأنها محكمة متينة لا يؤثر فيها مرور الزمان.
و (الوهاج) المتلألئ الوقاد.
والسراج الوهاج هو الشمس.
و (المعصرات) السحائب والغيوم إذا أعصرت، أي جاء وقت أن تعصر الماء فيسقط منها المطر.
و (الثجاج) المنصب بكثرة.
و (الحب) يعني به ما يقتات به الناس من نحو الحنطة والشعير.
و (النبات) ما يقتات به الدواب من التبن والحشيش "كلوا وارعوا أنعامكم" "متاعًا لكم ولأنعامكم".
و (الجنات) جمع جنة، وهي الحديقة والبستان فيه الشجر أو النخل.
و (ألفافًا) أي ملتفة الشجر لتقارب أغصانه وطول أفنانه.
و (يوم الفصل) هو يوم القيامة، يظهر فيه الحق، وينكشف الستار عن القلوب، والالتباس عن العيون فيفصل بين الحق والباطل.
و (كان ميقاتًا) أي ينتهي إليه الناس فيجتمعون فيه ليرى كُلُّ عاقبة عمله.
وكان كذلك أي قضاه الله وقدره.
(يوم ينفخ في الصور) بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان له، والنفخ في الصور تمثيل لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إلا نفخة في بوق، فإذا هم قيام ينظرون.
وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور وليس علينا أن نعلم ما هي حقيقة ذلك الصور، والبحث وراء هذا عبث لا يسوغ للمسلم.
و (الافواج) الأمم والطوائف، أي تأتون أممًا وطوائف مختلفة.
(وفتحت السماء) أي أنه يتغير في ذلك اليوم نظام الكون، فلا تبقى أرض على أنها تُقِلّ ولا سماء على أنها تظل -بل تكون السماء بالنسبة إلى الأرواح مفتحة الأبواب، بل تكون أبوابًا فلا يبقى علو ولا سفل، ولا يكون مانع يمنع الأرواح من السير حيث تشاء.
والآخرة عالم آخر غير عالم الدنيا التي نحن فيها، فنؤمن بما ورد به الخبر في وصفه ولا نبحث عن حقائقه ما دام الوارد غير محال.
ولا شك أن امتناع السماء علينا إنما هو لطبيعة أجسامنا في هذه الحياة الدنيا.
أما النشأة الأخرى فقد تكون على غير ذلك، فتكون السماء بالنسبة إلينا أبوابًا ندخل من أيها شئنا بإذن الله.
وقد يكون معنى تفتح السماء ما عنى بقوله: إذا السماء انشقت..
إذا السماء انفطرت..
يوم تشقق السماء بالغمام، أي انه يقع الاضطراب في نظام الكواكب، فيذهب التماسك بينها، ولا يكون فيما يسمى سماء إلا مسالك وأبواب لا يلتقي فيها شيء بشيء، وذلك هو خراب الكون العلوي كما يخرب الكون السفلي.
(وسيرت الجبال) تمثيل لمور الأرض في ذلك اليوم، وأن جبالها لا تكون على رسوخها المعروف اليوم، بل يذهب ما كان لها من قرار وتعود كأنها سراب يرى من بعيد، فإذا لمسته لم تجد شيئًا، وذلك لتفرق أجزائها وانبثاث جواهرها.
بعد أن عدد وجوه إحسانه ودلائل قدرته على إرسال رسوله وتأييده، وذكر أن الفصل بين الرسول وبين معانديه سيكون يوم القيامة، وذكر هوله وامتياز شؤونه عن شؤونه أيام الدنيا جاء إلى وعيد المكذبين وبيان ما يلاقونه، وأخبر أن جهنم -وهي دار العذاب- قد قدرها الله مرصادًا واحدًا يرصدون فيه للعذاب، وهي مرجعهم الذي ينتهون إليه، وأنهم سيقيمون فيها مددًا طوالًا، مجدبين معدمين لا يجدون شيئًا من النعيم والراحة، ولا يذوقون فيها روحًا ينفس عنهم حر النار، ولا يذوقون من الشراب إلا الماء الحار والصديد الذي يسيل من أبدانهم جزاء يوافق أعمالهم، لأنهم كانوا لا ينتظرون يوم الحساب، ولذلك اقترفوا السيئات، وأتوا قبائح الأعمال، وكذبوا بالدلائل التي أقامها الله على صدق رسله تكذيبًا أشد تكذيب، وقد أحصى الله كل شيء في كتاب علمه، فلم يغب عنه شيء مما صدر منهم، وسيوفيهم جزاء ما صنعوا، وستكون كلمته العالية أن يقول لهم ذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا.
(المآب) المرجع.
(لابثين) مقيمين.
(الاحقاب) جمع حقب بضمتين، قيل هو ثمانون سنة، وقيل أكثر من ذلك.
والمراد المدد المتطاولة، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها، أي يلبثون فيها مددًا إلى غير النهاية.
(البرد) برد الهواء، أو هو النوم، ورد عن بعض العرب "منع البرد البرد".
(الغساق) من غسق يغسق إذا انصب وسال، وهو القبح والصديد الدائم السيلان من أجساد أهل النار.
(الوفاق) مصدر وافق، وصف به الجزاء مبالغة.
(كذابًا) أي تكذيبًا.
وهذه الصيغة فاشية في كلام فصحاء العرب في باب فعل، فيقال فسر فسارًا مثلًا.
(كتابًا) مصدر كتب، وهو في موضع إحصاء، كأنه قيل أحصيناه إحصاء، أو أن أحصيناه في معنى كتبناه، لأن الإحصاء بالكتابة والكتابة هنا على النحو الذي يليق بتنزيه الله تعالى، وهو أعلى من كتابتنا التي نعرفها، واشد منها ضبطًا، لكنا لا نُكَلَّف بالبحث عنها، فذلك مما نؤمن به ونكل علم حقيقته إلى الله.
(إن للمتقين إلخ).
بعد ما بين حال المكذبين جاء بما يناله المتقون، وأنهم سيفوزون بالأجر العظيم في الجنان التي وصفها ووصف ما فيها، وأن ذلك عطاء لهم من مالك السموات والأرض، عظيم الرحمة والإنعام الذي لا يملك أحد من أهل السموات والأرض أن يخاطبه في شأن الثواب والعقاب، بل هو المتصرف فيه وحده في ذلك اليوم الذي يقوم فيه الروح والخلق المقدس من عالم الغيب والملائكة صفًا، ولا يمكن لأحد أن يتكلم إلا من أذن له الرحمن ونطق بالصواب.
(المفاز): الفوز بالنعيم والثواب أو مكان ذلك.
(والحدائق): البساتين فيها أنواع الشجر المثمر.
و(الاعناب) معروفة، جمع عنب، خصها بالذكر لأهميتها.
و (الكواعب) البنات اللاتي استدارت ثديهن.
و(الاتراب) اللاتي من سن واحدة.
والتمتع بهذه البنات في الجنة مما يتمثله الانسان في هذه الدنيا على نحو من اللذة ولكن لا تعلم حقيقته في الجنة، وغاية ما يجب أن نصدق به أنه تمتع فائق اللذة على حسب ما يناسب ذلك العالم الأخروي.
(كأس) إناء من بلور يشرب فيه.
و (الدهاق) المملؤة المترعة، وأدهق الحوض ملأه.
و (اللغو) ما لا يعتد به من الكلام.
و (الكِذّاب) التكذيب كما سبق، واللغو والتكذيب مما تألم له أنفس الصادقين بل هو من أشد الأذى لقلوبهم، فأراد الله إزاحة ذلك عنهم، و (الحساب) الكافي.
و (الروح والملائكة) من مخلوقات الله المغيبة عنا التي لا نُكلَّف بالبحث عن حقائقها، وقيامها واصطفافها على النحو الذي يليق بها.
والذي تفيده هذه الآية الكريمة أنهم -مع قربهم من الله- لا يستطيع أحد منهم أن يشفع لأحد أو يستمنح منحة إلا إذا أذن الله له، ولا يأذن إلا لمن علم أنه سيجاب، وإنما يكون الكلام ضربًا من التكريم لمن يأذن الله له به، يختص به من يشاء ولا أثر له فيما أراد البتة.
(ذلك اليوم الحق إلخ) بعد أن ذكر في قوله: إن يوم الفصل كان ميقاتًا إلخ - أن يوم القيامة موعد يفصل فيه بين الحق والباطل، وترفع فيه ستر الشبهة عن القلوب، وبيّن كيف يتحول العالم فيه من حال إلى حال، وكيف ينشر الموتى ويحشرون.
ثم ذكر أن دار العذاب حد ينتهي إليه أهل الجهالة والجحود في ذلك اليوم الموعود، وأن الفوز موعد لأهل الجنة وهم المتقون.
وأنهى الكلام في تعداد ما أعد لهم بأن ذلك سيكون لهم في ذلك اليوم، ووصفة بوصف آخر لم يسبق، وهو أنه يقوم فيه الروح والملائكة صفًا إلخ، عقب ذلك كله بتأكيد أن هذا اليوم حق لا ريب في أنه يأتي لا محالة.
فإذا كان هذا اليوم يوم الجزاء حقًا لا ريب فيه، ومرجعًا لا مفر منه، والناس فيه فريقان، فريق بعيد عن الله مدحور مآبه النار، ودار العذاب، وفريق مآبه القرب من الله ومنازل الكرامة، فمن كانت له مشيئة صادقة فليتخذ مآبًا إلى ربه، فليعمل عملًا صالحًا يقربه منه ويحله مَحالّ كرامته.
ثم رجع إلى تهديد المخاطبين من المعاندين وتحذيرهم عاقبة عنادهم فقال: (إنا أنذرناكم عذابًا قريبًا) وهو ما وصفه فيما سبق، وقربه لأنهم يجدون منه عقب موتهم، فإن الروح متى فارقت البدن انكشف لها ما ينتظرها، ولا تزال في ألم منه إلى أن تلاقيه يوم ينظر المرء أعماله حاضرة لديه معروضة عليه، وعند ذلك يقول الكافر، من شدة ما يلقى وهول ما يرى: يا ليتني كنت ترابًا، ويتمنى أن كان جمادًا لم يصب حظًا من الحياة.
(الإنذار) الأخبار بالمكروه قبل وقوعه.
(والمرء) الإنسان ذكرًا كان أو أنثى.