تفسير الآية ٣٢ من سورة النبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 78 النبأ > الآية ٣٢ من سورة النبأ

حَدَآئِقَ وَأَعْنَـٰبًۭا ٣٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 38 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٢ من سورة النبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة النبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

"حدائق" والحدائق البساتين من النخيل وغيرها.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (حَدَائِقَ) والحدائق: ترجمة وبيان عن المفاز، وجاز أن يترجم عنه، لأن المفاز مصدر من قول القائل: فاز فلان بهذا الشيء، إذا طلبه فظفر به، فكأنه قيل: إن للمتقين ظفرا بما طلبوا من حدائق وأعناب، والحدائق: جمع حديقة، وهي البساتين من النخل والأعناب والأشجار المُحَوَّط عليها الحيطان المحدقة بها، لإحداق الحيطان بها تسمى الحديقة حديقة ، فإن لم تكن الحيطان بها محدقة، لم يَقُل لها حديقة، وإحداقها بها: اشتمالها عليها.

وقوله: (وَأَعْنَابًا) يعني: وكرومَ أعناب، واستغنى بذكر الأعناب عن ذكر الكروم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

هذا تفسير الفوز .وقيل : " إن للمتقين مفازا " إن للمتقين حدائق ; جمع حديقة , وهي البستان المحوط عليه ; يقال أحدق به : أي أحاط .والأعناب : جمع عنب , أي كروم أعناب , فحذف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وفي ذلك المفاز لهم { حَدَائِقَ } وهي البساتين الجامعة لأصناف الأشجار الزاهية، في الثمار التي تتفجر بين خلالها الأنهار، وخص الأعناب لشرفها وكثرتها في تلك الحدائق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"حدائق وأعناباً"، يريد أشجار الجنة وثمارها.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«حدائق» بساتين بدل من مفازا أو بيان له «وأعنابا» عطف على مفازا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن للذين يخافون ربهم ويعملون صالحًا، فوزًا بدخولهم الجنة.

إن لهم بساتين عظيمة وأعنابًا، ولهم زوجات حديثات السن، نواهد مستويات في سن واحدة، ولهم كأس مملوءة خمرًا.

لا يسمعون في هذه الجنة باطلا من القول، ولا يكذب بعضهم بعضًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم فصل - سبحانه - مظاهر هذا الفوز فقال : ( حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً ) أى : إن لهم فى هذه الجنان التى ظفروا بها حدائق ، أى : بساتين فيها ماء وأشجار مثمرة ..

سميت بذلك تشبيها لها بحدقة العين فى الهيئة ، وحصول الماء فيها .وإن لهم - كذلك - فى هذه الجنان ( أعنابا ) جمع عنب ، وهو الكرم ، وخصبت الأعناب بالذكر ، لأنها من أعظم الفواكه وأحبها إلى النفوس .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

والحدائق جمع حديقة، وهي بستان محوط عليه.

من قولهم: أحدقوا به أي أحاطوا به، والتنكير في قوله: ﴿ وأعنابا ﴾ يدل على تعظيم حال تلك الأعناب.

وثالثها: قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المرصاد: الحدّ الذي يكون فيه الرصد.

والمعنى: أن جهنم هي حدّ الطاغين الذي يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم.

أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها، لأن مجازهم عليها، وهي مآب للطاغين.

وعن الحسن وقتادة نحوه، قالا: طريقاً وممرّاً لأهل الجنة.

وقرأ ابن يعمر ﴿ أنّ جهنم ﴾ بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة بأنّ جهنم كانت مرصاداً للطاغين، كأنه قيل: كان ذلك لإقامة الجزاء.

قرئ ﴿ لابثين ﴾ ﴿ ولبثين ﴾ واللبث أقوى، لأنّ اللابث من وجد منه اللبث، ولا يقال (لبث) إلا لمن شأنه اللبث، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه ﴿ أَحْقَاباً ﴾ حقباً بعد حقب، كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها، والاشتقاق يشهد لذلك.

ألا ترى إلى حقيبة الراكب، والحقب الذي وراء التصدير وقيل: الحقب ثمانون سنة، ويجوز أن يراد: لابثين فيها أحقاباً غير ذائقين فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب.

وفيه وجه آخر: وهو أن يكون من: (حقب عامنا) إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان: إذا أخطأه الرزق، فهو حقب، وجمعه أحقاب، فينتصب حالا عنهم، يعني لابثين فيها حِقبين جحدين.

وقوله: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً (24) ﴾ تفسير له والاستثناء منقطع، يعني: لا يذوقون فيها برداً وروحاً ينفس عنهم حرّ النار، ولا شراباً يسكن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها حميماً وغساقاً وقيل (البرد) النوم، وأنشد: فَلَوْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ ** وَإنْ شِئْتُ لَمْ أَطْعَمْ تَقَاخاً وَلاَ بَرْدَا وعن بعض العرب: منع البرد البرد.

وقرئ ﴿ غساقاً ﴾ بالتخفيف والتشديد: وهو ما يغسق، أي: يسيل من صديدهم ﴿ وِفَاقاً ﴾ وصف بالمصدر.

أو ذا وفاق.

وقرأ أبو حيوة: ﴿ وفاقاً ﴾ فعال من وفقه كذا ﴿ كذاباً ﴾ تكذيباً؛ وفعال في باب فعل كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره؛ وسمعنى بعضهم أفسر آية فقال لقد فسرتها فساراً ما سمع بمثله.

وقرئ بالتخفيف، وهو مصدر كذب، بدليل قوله: فَصَدَقْتُهَا وَكَذَبْتُهَا ** وَالمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهْ وهو مثل قوله: ﴿ أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً ﴾ [نوح: 17] يعني: وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً.

أو تنصبه بكذبوا، لأنه يتضمن معنى كذبوا، لأنّ كل مكذب بالحق كاذب، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه: وكذبوا بآياتنا، فكاذبوا مكاذبة.

أو كذبوا بها مكاذبين، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر، فيبلغ فيه أقصى جهده.

وقرئ ﴿ كذاباً ﴾ وهو جمع كاذب، أي: كذبوا بآياتنا كاذبين؛ وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب، يقال: رجل كذاب، كقولك: حسان، وبخال؛ فيجعل صفة لمصدر كذبوا، أي: تكذيباً كذاباً مفرطاً كذبه، وقرأ أبو السمال: وكل شيء أحصيناه، بالرفع على الابتداء ﴿ كتابا ﴾ مصدر في موضع إحصاء وأحصينا في معنى كتبنا، لانتفاء الإحصاء، والكتبة في معنى الضبط والتحصيل.

أو يكون حالا في معنى: مكتوباً في اللوح وفي صحف الحفظة.

والمعنى: إحصاء معاصيهم، كقوله: ﴿ أحصاه الله وَنَسُوهُ ﴾ [المجادلة: 6] وهو اعتراض.

وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ﴾ مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات، وهي آية في غاية الشدّة، وناهيك بلن نزيدكم، وبدلالته على أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة.

وبمجيئها على طريقة الالتفات شاهداً على أنّ الغضب قد تبالغ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه الآية أشدّ ما في القرآن على أهل النار» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

﴿ كِتابًا ﴾ مَصْدَرٌ لَأحْصَيْناهُ فَإنَّ الأحْصاءَ والكَتَبَةَ يَتَشارَكانِ في مَعْنى الضَّبْطِ أوْ لِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ أوْ حالٌ بِمَعْنى مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، أوْ صُحُفُ الحَفَظَةِ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وقَوْلُهُ: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالحِسابِ وتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ ومَجِيئُهُ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ.

وَفِي الحَدِيثِ: «هَذِهِ الآيَةُ أشَدُّ ما في القُرْآنِ عَلى أهْلِ النّارِ».» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{حَدَائِقَ} بساتين فيها أنواع الشجر المثمر جمع

حديقة وأعنابا كروماً عطف على حَدَائِقَ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ حَدائِقَ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ﴿ مَفازًا ﴾ عَلى الأوَّلِ وبَدَلُ البَعْضِ عَلى الثّانِي، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ وتَقْدِيرُهُ: حَدائِقُ فِيهِ أوْ هي في مَحَلِّهِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ عَلى الِادِّعاءِ أوْ مَنصُوبًا بِ «أعْنِي» مُقَدَّرًا وهو جَمْعُ حَدِيقَةٍ: بُسْتانٌ فِيها أنْواعُ الشَّجَرِ المُثْمِرِ زادَ بَعْضُهم والرَّياحِينُ والزَّهْرُ، وقالَ الرّاغِبُ: قِطْعَةٌ مِنَ الأرْضِ ذاتُ ماءٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِحَدَقَةِ العَيْنِ في الهَيْئَةِ وحُصُولِ الماءِ فِيها، وكَأنَّهُ أرادَ: ذاتُ ماءٍ وشَجَرٍ.

﴿ وأعْنابًا ﴾ جَمْعُ عِنَبٍ ويُقالُ لِلْكَرْمِ نَفْسِهِ ولِثَمَرَتِهِ، والمُتَبادَرُ عَطْفُهُ عَلى «حَدائِقَ» قَبْلَهُ وهو بَعْضٌ مِنها إذا أُرِيدَ بِهِ الكُرُومُ، وبِها الأشْجارُ ومَوْضِعُها، وخُصَّ بِالذِّكْرِ اعْتِناءً بِهِ، وأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ الكُرُومُ وبِها المَوْضِعُ فَقَطْ فَلا، ويَتَعَيَّنُ الِاشْتِمالُ كَما إذا أُرِيدَ بِهِ ثَمَراتُ الكُرُومِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو وكَذا ما بَعْدُ عَطْفًا عَلى «مَفازًا».

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ذكر صنعه، ليستدلوا بصنعه على توحيده.

فقال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً يعني: فراشاً ومقاماً.

ويقال: موضع القرار، ويقال: معناه ذللنا لهم الأرض، ليسكنوها ويسيروا فيها.

وَالْجِبالَ أَوْتاداً يعني: أوتدها وأثبتها.

ثم قال: وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً يعني: أصنافاً وأضداداً، ذكراً وأنثى.

ويقال: ألواناً بيضاً، وسوداً، وحمراً وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً يعني: راحة لأبدانكم وأصله التمدد، فلذلك سمي السبت، لأنه قيل لبني إسرائيل: استريحوا فيه.

ويقال: سباتاً يعني: سكوناً وانقطاعاً عن الحركات.

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً يعني: سكوناً يسكنون فيه.

ويقال: ستراً يستر كل شيء وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً يعني: مطلباً للمعيشة وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً يعني: سبع سموات غلاظاً، كل سماء مسيرة خمسمائة عام وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً يعني: وقاداً مضيئة وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ يعني: من السحاب، سمي معصرات لأنها تعصر الماء.

ويقال: المعصرات هي الرياح.

يعني: ذوات الأعاصير.

كقوله: إعصاراً فيه نار.

ثم قال عز وجل: مَاء ثَجَّاجاً يعني: سيالاً ويقال: منصباً كبيراً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً يعني: بالماء حبوباً كثيرة للناس، ونباتاً للدواب من العشب والكلأ وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً يعني: شجرها ملتفاً بعضها في بعض، فأعلم الله تعالى قدرته، أنه قادر على البعث.

فقال: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً يعني: يوم القيامة ميقاتاً، وميعاداً للأولين والآخرين يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً يعني: جماعة جماعة.

وروي في بعض الأخبار عن رسول الله  ، أنه قال: يبعث الله تعالى الناس صوراً مختلفة، بعضهم على صورة الخنزير، وبعضهم على صورة القردة، وبعضهم وجوههم كالقمر ليلة البدر.

ثم قال عز وجل: وَفُتِحَتِ السَّماءُ يعني: أبواب السماء فَكانَتْ أَبْواباً يعني: صارت طرقاً.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم وَفُتِحَتِ بالتخفيف، والباقون بالتشديد، وهو لتكثير الفعل، والتخفيف بفتح مرة واحدة.

ثم قال عز وجل: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ يعني: قلعت من أماكنها فَكانَتْ سَراباً يعني: فصارت كالسراب، تسير في الهواء كالسراب في الدنيا إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً أي: رصداً لكل كافر ويقال: سجنا ومحبسا لِلطَّاغِينَ مَآباً أي: للكافرين مرجعاً، يرجعون إليها.

لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً يعني: ماكثين فيها أبداً دائماً.

والأحقاب وأحدها حقب، والحقب ثمانون سنة، واثنا عشر شهراً، وكل شهر ثلاثون يوماً، وكل يوم منها مقدار ألف سنة مما تعدون بأهل الدنيا، فهذا حقب واحد، والأحقاب هو التأييد كلما مضى حقب، دخل حقب آخر.

وإنما ذكر أحقاباً، لأن ذلك كان أبعد شيء عندهم.

فذكر وتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونه، وهو كناية عن التأبيد، أي: يمكثون فيها أبداً.

قرأ حمزة لبثين بغير ألف.

والباقون لابثين بالألف، ومعناهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

شُكْرُها، والمِهادَ: الفراشُ المُمَهَّدُ، وشَبَّه الجبالَ بالأوتادِ لأنها تمنع الأرض أن تميد بهم.

وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢)

وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً أي: أنواعاً، والسُّبَاتُ: السُّكُونُ، وسَبَتَ الرجلُ: معناه استراحَ، ورُوِّينَا في «سنن أبي داودَ» عن معاذِ بن جبلٍ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرِ [اللَّهِ] طَاهِراً فَيَتَعَارُّ مِنَ الليلِ، فَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى خَيْراً مِنْ أمُورِ الدنيا والآخِرَةِ إلاَّ أعطَاهُ اللَّه إياه» ورَوَى أبو داودَ عن بعضِ آلِ أم سلمةَ قال: كان فراشُ النبي صلّى الله عليه وسلّم نحواً مِمَّا يوضَعُ الإنْسَانُ في قبره، وكانَ المسجد عند رأسه، انتهى، ولِباساً مصدرٌ، وكأنَّ الليلَ كذلكَ مِنْ حيثُ يَغْشَى الأشخاص، فهي تلبسه وتتدرعه، والنَّهارَ مَعاشاً على حذفِ مضافٍ، أو على النَّسَبِ، والسبعُ الشدادُ: السمواتُ، والسراجُ: الشمسُ، والوهَّاج:

الحارُّ المضْطَرِمُ الاتِّقادِ المُتَعَالِي اللهبِ، قالَ ابن عباس وغيره: الْمُعْصِراتِ السحائب القاطِرة «١» ، وهو مَأْخوذٌ مِن العَصْرِ لأن السَحابَ يَنْعَصِرُ فيخرج/ منه الماءُ، وهذا قول الجمهور، والثَّجَاج: السريعُ الاندفاعِ، كما يَنْدَفِع الدمُ مِنْ عروقِ الذبيحةِ، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم وَقَدْ قِيلَ له ما أفْضَلُ الحَجِّ؟

فقال: «العَجُّ والثَجُّ» «٢» أرادَ التَّضَرّعُ إلى اللَّهِ تعالى بالدعاء

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا ﴾ ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا ﴾ ﴿ وَفُتِحَتِ السَماءُ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ ﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ ﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ ﴿ لِلطّاغِينَ مَآبًا ﴾ ﴿ لابِثِينَ فِيها أحْقابًا ﴾ "يَوْمَ الفَصْلِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وبَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، و"المِيقاتُ" مَفْعالٌ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَوْمَ يُنْفَخُ" بَدَلٌ مِن "يَوْمَ" الأوَّلِ، و"الصُورُ": القَرْنُ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ لِبَعْثِ الناسِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ هَذا المَوْضِعُ أنْ يَكُونَ "الصُوَرَ" فِيهِ جَمْعُ "صُورَةٍ" أيْ: يَوْمَ يَرُدُّ اللهُ تَعالى الأرْواحَ إلى الأبْدانِ، هَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ في "الصُوَرِ" وجَوَّزَهُ أبُو حاتِمٍ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وبِهِ تَظاهَرَتِ الآثارُ، وهو ظاهِرُ كِتابِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى  ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في "الصُوَرِ" بِفَتْحِ الواوِ.

و"الأفْواجُ": الجَماعاتُ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا، واحِدُها فَوْجٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ: "وَفُتِّحَتْ"، بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَفُتِحَتْ" دُونَ شَدٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: تَتَفَطَّرُ وتَتَشَقَّقُ حَتّى يَكُونَ فِيها فُتُوحٌ كالأبْوابِ في الجِداراتِ، وقالَ آخَرُونَ -فِيما حَكى مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -: الأبْوابُ هُنا فَلْقُ الخَشَبِ الَّتِي تُجْعَلُ أبْوابًا لِفَتُوحِ الجُدْارانِ، أيْ تَتَقَطَّعُ السَماءُ قِطَعًا صِغارًا حَتّى تَكُونَ كَألْواحِ الأبْوابِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: تَتَفَتَّحُ في السَماءِ أبْوابٌ لِلْمَلائِكَةِ مِن حَيْثُ يَنْزِلُونَ ويَصْعَدُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ عِبارَةٌ عن تَلاشِيها وفَنائِها بَعْدَ كَوْنِها هَباءً مُنْبَثًّا، ولَمْ يُرِدْ تَعالى: أنَّ الجِبالَ تَعُودُ تُشْبِهُ الماءَ عَلى بُعْدٍ مِنَ الناظِرِ إلَيْها.

و"مِرْصادًا" مَوْضِعُ الرَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ  ﴾ ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ حَتّى يَجُوزَ عَلى جَهَنَّمَ، فَمَن كانَتْ لَهُ أسْبابُ نَجاةٍ نَجا وإلّا هَلَكَ، وقالَ قَتادَةُ: تَعْلَمُوا أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الجَنَّةِ حَتّى تُقْطَعَ النارُ، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ: « "إنَّ الصِراطَ جِسْرٌ يُنْصَبُ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَجُوزُ عَلَيْهِ الناسُ، فَناجٍ ومَكْدُوسٍ"»، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "مِرْصادًا" مِفْعالٌ بِمَعْنى راصِدٍ، وقَرَأ أبُو مَعْمَرَ المُنْقِرِيُّ: "أنَّ جَهَنَّمَ" بِفَتْحِ الألِفِ، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِها، و"الطاغُونَ": الكافِرُونَ، و"المَآبُ: المَرْجِعُ، و"الأحْقابُ": جَمْعُ حُقَبٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ القافِ، وحِقَبٍ بِكَسْرِ الحاءِ، وحَقُبٍ: وضَمِّ القافِ، وهو جَمْعُ حُقْبَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمٍ: وكُنّا كَنَدْمانِيَّ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا وهِيَ المُدَّةُ الطَوِيلَةُ مِنَ الدَهْرِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ ويُقالُ لِلسَّنَةِ أيْضًا: حُقْبَةٌ، وقالَ بِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: حَدُّها عَلى ما ورَدَ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وقالَ هِلالُ الهِجْرِيُّ: ثَمانُونَ سَنَةً، قالا: في كُلِّ سَنَةٍ، ثَلاثَمِائَةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: ثَمانُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقالَ الحَسَنُ: سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ عَنِ النَبِيِّ  : «إنَّهُ ثَلاثُونَ ألْفَ سَنَةٍ،» وكَثُرَ الناسُ في هَذا، واللازِمُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يَلْبَثُونَ أحْقابًا، كُلَّما مَرَّ حِقْبٌ جاءَ غَيْرُهُ، إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، قالَ الحَسَنُ: لَيْسَ لَها عِدَّةٌ إلّا الخُلُودُ في النارِ، ومِنَ الناسِ مِن ظَنَّ لِذِكْرِ الأحْقابِ أنَّ مُدَّةَ العَذابِ تَنْحَصِرُ وتَتِمُّ، فَطَلَبُوا التَأْوِيلَ لِذَلِكَ، فَقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: الحِقْبُ سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، وهي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا  ﴾ ، وقَدْ ذَكَرْنا فَسادَ هَذا القَوْلَ.

وقالَ آخَرُونَ: المَوْصُوفُونَ بِاللُبْثِ أحْقابًا هم عُصاةُ المُؤْمِنِينَ.

وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، ما بَعْدَهُ في السُورَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما المَعْنى: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا غَيْرَ ذائِقِينَ بَرْدًا ولا شَرابًا، فَبِهَذِهِ الحالِ يَلْبَثُونَ أحْقابًا، ثُمَّ يَبْقى العَذابُ سَرْمَدًا وهم يَشْرَبُونَ أشْرِبَةَ جَهَنَّمَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "لابِثِينَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ "لَبِثِينَ" جَمْعُ "لَبِثٍ"، وهي قِراءَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، لِأنَّ فِعْلًا إنَّما يَكُونُ لِما صارَ خَلْقًا كَحَذِرٍ وفَرِقٍ، وقَدْ جاءَ شاذًّا فِيما لَيْسَ بِخَلْقٍ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في ذَلِكَ بَيْتَ لَبِيدٍ: أو مِسْحَلٍ عَمِلٍ عِضادَةَ سَمْحَجٍ ∗∗∗ بِسَراتِها نَدَبٌ لَهُ وكُلُومُ قالَ المُعْتَرِضُ في القِراءَةِ: لا حُجَّةَ في هَذا البَيْتِ لِأنَّ "عَمَلًا" قَدْ صارَ كالخَلْقِ الَّذِي واظَبَ عَلى العَمَلِ بِهِ حَتّى أنَّهُ لِيُسَمّى بِهِ في وقْتٍ لا يَعْمَلُ فِيهِ، كَما تَقُولُ "كاتِبٌ" لِمَن كانَتْ لَهُ صِناعَةٌ وإنْ لَمْ يَكْتُبْ أكْثَرَ أحْيانِهِ، قالَ المُحْتَجُّ لَها: شِبْهُ "لَبَثَ" لدَوامِهِ بِالخُلُقِ لَمّا صارَ اللُبْثُ مِن شَأْنِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للتفريع والتسبب على جملة ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ [النبأ: 21] وما اتصل بها، ولمَّا غُيّر أسلوب الخبر إلى الخطاب بعد أن كان جارياً بطريق الغيبة، ولم يكن مضمونُ الخبر مما يجري في الدنيا فيُظن أنه خطاب تهديد للمشركين تعيّن أن يكون المفرع قولاً محذوفاً دلّ عليه ﴿ ذوقوا ﴾ الذي لا يقال إلا يوم الجزاء، فالتقدير: فيقال لهم ذوقوا إلى آخره، ولهذا فليس في ضمير الخطاب التفات فالمفرع بالفاء هو فعل القول المحذوف.

والأمر في «ذوقوا» مستعمل في التوبيخ والتقريع.

وفُرع على ﴿ فذوقوا ﴾ ما يزيد تنكيدهم وتحسيرهم بإعلامهم بأن الله سيزيدهم عذاباً فوق ما هم فيه.

والزيادة: ضمّ شيء إلى غيره من جنس واحد أو غرض واحد، قال تعالى: ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 125] وقال: ﴿ ولا تزد الظالمين إلا تباراً ﴾ [نوح: 28]، أي لا تزدهم على ما هم فيه من المساوي إلا الإِهلاك.

فالزيادة المنفية في قوله: ﴿ فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ يجوز أن تكون زيادة نوع آخر من عذاب يكون حاصلاً لهم كما في قوله تعالى: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ [النحل: 88].

ويجوز أن تكون زيادة من نوع ما هم فيه من العذاب بتكريره في المستقبل.

والمعنى: فسنزيدكم عذاباً زيادة مستمرة في أزمنة المستقبل، فصيغ التعبير عن هذا المعنى بهذا التركيب الدقيق، إذ ابتدئ بنفي الزيادة بحرف تأبيد النفي وأردف الاستثناء المقتضي ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى فصارت دلالة الاستثناء على معنى: سنزيدكم عذاباً مؤبداً.

وهذا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده وهو أسلوب طريف من التأكيد إذ ليس فيه إعادة لفظ فإن زيادة العذاب تأكيد للعذاب الحاصل.

ولما كان المقصود الوعيد بزيادة العذاب في المستقبل جيء في أسلوب نفيه بحرف نفي المستقبل، وهو (لن) المفيد تأكيد النسبة المنفيةِ وهي ما دلّ عليه مجموع النفي والاستثناء، فإن قيد تأبيد نفي الزيادة الذي يفيده حرف (لن) في جانب المستثنى منه يسري إلى إثبات زيادة العذاب في جانب المستثنى، فيكون معنى جملة الاستثناء: سنزيدكم عذاباً أبداً، وهو معنى الخلود في العذاب.

وفي هذا الأسلوب ابتداءٌ مطمِعٌ بانتهاء مُؤْيِسسٍ وذلك أشد حزناً وغماً بما يوهمهم أن ما ألقوا فيه هو منتهى التعذيب حتى إذا ولج ذلك أسماعَهم فحزنوا له، أُتبع بأنهم ينتظرهم عذاب آخر أشدّ، فكان ذلك حزناً فوق حزن، فهذا منوال هذا النظم وهو مؤذن بشدة الغضب.

وعن عبد الله بن عَمرو بن العاص وأبي برزة الأسلمي وأبي هريرة: أن هذه الآية أشدّ ما نزل في أهل النار، وقد أسند هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عن أبي بَرزة الأسلمي.

قال: " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشدّ آية في كتاب الله على أهل النار؟

فقال: قول الله تعالى: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ " وفي سنده جَسْر بن فرقد وهو ضعيف جداً.

وفي «ابن عطية»: أن أبا هريرة رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر ابن عطية سنده، وتعدد طُرقه يكسبه قوة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَفْصِلُ فِيهِ الحَكَمُ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ والمُثابِينَ والمُعاقَبِينَ.

﴿ كانَ مِيقاتًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِيعادًا لِلِاجْتِماعِ.

والثّانِي: وقْتًا لِلثَّوابِ والعِقابِ.

﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سُيِّرَتْ أيْ أُزِيلَتْ عَنْ مَواضِعِها.

الثّانِي: نُسِفَتْ مِن أُصُولِها.

﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَكانَتْ هَباءً.

الثّانِي: كالسَّرابِ لا يَحْصُلُ مِنهُ شَيْءٌ كاَلَّذِي يَرى السَّرابَ يَظُنُّهُ ماءً ولَيْسَ بِماءٍ.

﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي أنَّها راصِدَةٌ فَجازَتْهم بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ أبُو سِنانُ.

الثّانِي: أنْ عَلى النّارِ رَصَدًا، لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ حَتّى يَجْتازَ عَلَيْهِ، فَمَن جاءَ بِجَوازٍ جازَ، ومَن لَمْ يَجِئْ بِجَوازٍ لَمْ يَجُزْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّ المِرْصادَ وعِيدٌ أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ لِلطّاغِينَ مَآبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَرْجِعًا ومُنْقَلَبًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مَأْوًى ومَنزِلًا، قالَهُ قَتادَةُ.

والمُرادُ بِالطّاغِينَ مَن طَغى في دِينِهِ بِالكُفْرِ أوْ في دُنْياهُ بِالظُّلْمِ.

﴿ لابِثِينَ فِيها أحْقابًا ﴾ يَعْنِي كُلَّما مَضى حِقَبٌ جاءَ حِقَبٌ وكَذَلِكَ إلى الأبَدِ واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ الحِقَبِ عَلى سَبْعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

الثّانِي: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

الثّالِثُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ألْفُ شَهْرٍ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ مَرْفُوعًا.

الخامِسُ: ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ، قالَهُ بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ.

السّادِسُ: سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

السّابِعُ: أنَّهُ دَهْرٌ طَوِيلٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

وَفي تَعْلِيقِ لُبْثِهِمْ بِالأحْقابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى وجْهِ التَّكْثِيرِ، كُلَّما مَضَتْ أحْقابٌ جاءَتْ بَعْدَها أحْقابٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَدٍّ لِخُلُودِهِمْ في النّارِ.

الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ حَدٌّ لِعَذابِهِمْ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ، فَإذا انْقَضَتِ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ.

﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ في البَرْدِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بَرْدُ الماءِ، وبَرْدُ الهَواءِ، وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

الثّانِي: أنَّهُ الرّاحَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النَّوْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ.

وَأنْشَدَ قَوْلَ الكِنْدِيِّ بَرَدَتْ مَراشِفُها عَلَيَّ فَصَدَّنِي عَنْها وعَنْ تَقْبِيلِها البَرْدُ يَعْنِي النَّوْمَ.

والشَّرابُ ها هُنا: العَذابُ.

وَيَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالشَّرابِ الرِّيَّ، لِأنَّ الشَّرابَ يَرْوِي وهم فِيها عِطاشٌ أبَدًا.

﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ أمّا الحَمِيمُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الحارُّ الَّذِي يَحْرُقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: دُمُوعُ أعْيُنِهِمْ في النّارِ تَجْتَمِعُ في حِياضٍ في النّارِ فَيُسْقَوْنَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الشَّرابِ لِأهْلِ النّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَأمّا الغَسّاقُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها أنَّهُ القَيْحُ الغَلِيظُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

الثّانِي: أنَّهُ الزَّمْهَرِيرُ البارِدُ الَّذِي يَحْرُقُ مِن بَرْدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُنْتِنُ بِاللُّغَةِ الطَّحاوِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ وهو جَمْعُ وفْقٍ، قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: وافَقَ سُوءُ الجَزاءِ سُوءَ العَمَلِ.

﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا يَخافُونَ وعِيدَ اللَّهِ بِحِسابِهِمْ ومُجازاتِهِمْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ يَعْنِي بِآياتِ القُرْآنِ، وفي ﴿ كِذّابًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكَذِبُ الكَثِيرُ.

الثّانِي: تَكْذِيبُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذّابُهُ وَهِيَ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وفتحت ﴾ خفيفة.

وأخرج ابن المنذر عن أبي الجوزاء في قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: صارت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار.

وأخرج ابن جرير عن سفيان ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: عليهم ثلاث قناطر لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: تعلموا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وقال في آية أخرى: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ [ مريم: 71] ﴿ للطاغين مآباً ﴾ قال: مأوى ومنزلاً ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الأحقاب ما لا انقطاع له، كلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر، قال وذكر لنا أن الحقب ثمانون سنة من سني يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: سنين.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: ليس لها أجل كلما مضى حقب دخلنا في الأخرى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن قال: الحقب الواحد سبعون سنة كل يوم منها ألف سنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: لا يدري أحدكم تلك الأحقاب إلا أن الحقب الواحد ثمانون سنة السنة ثلاثمائة وستون يوماً، اليوم الواحد مقدار ألف سنة، والحقب الواحد ثمانية عشر ألف سنة.

وأخرج ابن جرير عن بشير بن كعب في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: بلغني أن الحقب ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سالم بن أبي الجعد قال: سأل عليّ بن أبي طالب هلالاً الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب الله؟

قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة منها اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة.

وأخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة.

وأخرج البزار عن أبي هريرة رفعه ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة.

وأخرج هناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم كألف سنة مما تعدون.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون عاماً اليوم منها كسدس الدنيا.

وأخرج ابن عمر العدي في مسنده وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: «الحقب ألف شهر والشهر ثلاثون يوماً والسنة اثنا عشر شهر والشهر ثلاثمائة وستون يوماً كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثمانون ألف سنة» .

وأخرج البزار وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقاباً، والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم ألف سنة مما تعدون.

قال ابن عمر: فلا يتكلن أحد على أنه يخرج من النار» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الحقب ثمانون سنة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عبدالله بن عمرو وفي قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب الواحد ثمانون سنة.

وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحقب أربعون سنة» .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ بالألف.

وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون أنه قرأ ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ بغير ألف.

وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ وقوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ [ هود: 107] أنهما في أهل الجنة والتوحيد من أهل القبلة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: زمهرير جهنم يكون لهم من العذاب لأن الله يقول: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً ﴾ .

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: فاستثنى من الشراب الحميم، ومن البارد الغساق، وهو الزمهرير.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: الحميم الحار الذي يحرق، والغساق الزمهرير البارد.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: لا يستطيعونه من برده.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً ﴾ قال: لقد انتهى حره.

﴿ وغساقاً ﴾ قال: لقد انتهى برده، وإن الرجل، إذا أدنى الإِناء من فيه سقط فروة وجهه حتى يبقى عظاماً تقعقع» .

وأخرج ابن المنذر عن مرة ﴿ لا يذوقون فيها برداً ﴾ قال: نوماً الممتلئة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ قال: وافق أعمالهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ قال: جزاء وافق أعمال القوم أعمال السوء.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ يقول: وافق الجزاء العمل ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ قال: لا يخافونه، وفي لفظ: لا يبالون، فيصدقون بالبعث.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ قال: لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبدالله بن عمرو قال: ما نزلت على أهل النار آية قط أشد منها ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ فهم في مزيد من عذاب الله أبداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن الحسن بن دينار قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار فقال: قول الله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن الحسن قال: سئل أبو برزة الأسلمي عن أشد آية في القرآن فقال: قول الله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ قال: فهو مقدار ساعة بساعة، ويوم بيوم، وشهر بشهر، وسنة بسنة أشد عذاباً حتى لو أن رجلاً من أهل النار أخرج من المشرق لمات أهل المغرب، ولو أخرج من المغرب مات أهل المشرق من نتن ريحه.

قال أبو برزة: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلاها فقال: «هلك القوم بمعاصيهم ربهم، وغضب عليهم فأبى إذ غضب عليهم إلا أن ينتقم منهم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ يعني نفخة القيام من القبور ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ أي جماعات ﴿ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ﴾ أي تنفخ فتكون فيها شقاق كالأبواب ﴿ وَسُيِّرَتِ الجبال ﴾ أي حملت ﴿ فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ عبارة عن تلاشيها وفنائها، والسراب في اللغة: ما ظهر على البعد أنه ماء، وليس ذلك المراد هنا وإنما هو تشبيه في أنه لا شيء ﴿ مِرْصَاداً ﴾ أي موضع المرصاد والرصد هو الارتقاب والانتظار، أي تنتظر الكفار ليدخلوها، وقيل: معناه طريقاً للمؤمنين يمرون عليه إلى الجنة لأن الصراط منصوب على جهنم ﴿ مَآباً ﴾ أي مرجعاً ﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً ﴾ جمع حقبة أو حقب وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدود، وقيل: إنها محدودة ثم اختلف في مقدارها، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ثمانون ألف سنة، وقال ابن عباس: ثلاثون سنة وقيل ثلثمائة سنة، وعلى القول بالتحديد فالمعنى أنهم يبقون فيها أحقاباً، كلما انقضى حقب جاء إلى آخر غير نهاية وقيل: إنه كان يقتضي أن مدة العذاب تنقضي، ثم نسخ بقوله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ وهذا خطاب لأن الأخبار لا تنسخ، وقيل: هي في غُصاة المؤمنين الذين يخرجون من النار، وهذا خطأ لأنها في الكفار لقوله: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ ، وقيل: معناه أنهم يبقون أحياناً لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، ثم يبدل لهم نوع آخر من العذاب ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً ﴾ أي لا يذوقون برودة تخفف عنهم حر النار.

وقيل: لا يذوقون ماء بارداً وقيل: البرد هنا النوم والأول أظهر ﴿ إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ﴾ استثناء من الشراب وهو متصل، والحميم: الماء الحار.

والغساق: صديد أهل النار، وقد ذكر في سورة داود [ص: 57] ﴿ جَزَآءً وِفَاقاً ﴾ أي موافقاً أعمالهم لأن أعمالهم كفر وجزاؤهم النار، ووفاقاً مصدر وصف به أو هو على حذف مضاف تقديره ذو وفاق ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً ﴾ هذا مثل ﴿ لا يرجون لقاءنا ﴾ وذكر ذكر ﴿ كِذَّاباً ﴾ بالتشديد مصدر بمعنى تكذيب وبالتخفيف بمعنى الكذب أو المكاذبة، وهي تكذيب بعضهم لبعض ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نزل في أهل النار من هذه الآية» .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ﴾ المقيات: الميعاد؛ أي: وعد فيها جميع الأولين والآخرين، صالحهم وطالحهم، صغيرهم وكبيرهم.

وسمي: يوم الفصل؛ لما يفصل فيه بين الأولياء وبين الأعداء، ويتبين [فيه مثوى] الفريقين جميعا، واليوم ليس بيوم فصل في الظاهر؛ لأن الدنيا تمر على الفريقين على حالة واحدة، وإن كان قد فصل بينهما بالتوفيق والخذلان.

وقيل: يوم الفصل: يوم الحكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ ، قيل: أمة فأمة، تأتى أمة كل رسول بحيالها.

وقيل: يقرن كل أحد بشيعته؛ على ما نذكره في قوله -  -: ﴿ وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ﴾ : منهم من ذكر أنها تفتح لإنزال من شاء الله  من الملائكة، وتنشق وتنفطر؛ لشدة هول القيامة.

ومنهم من قال: إن الشق والفتح والانفطار كله واحد، فذكر الفتح؛ لشدة هول ذلك اليوم.

وجائز أن يكون الكل يقتضي معنى واحدا؛ لأنه فيما ذكر فيه الانشقاق قد ذكر فيه نزول الملائكة بقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ : جائز أن يكون شبهها بالسراب؛ لما أنها إذا سيرت لم توجد في المكان الذي رآها فيه الناظر كالسراب الذي يرى من بعد إذا رآه الناظر، فأتاه لم يجده شيئا، لا أن تكون الجبال في الحقيقة سرابا؛ لأن السراب هو الذي يتراءى من البعد أنه شيء، ولا شيء في الحقيقة، وأما الجبال وإن سيرت فهي في نفسها شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً ﴾ : منهم من ذكر أنها كانت في عالم الله -  - أنها ترصد على من حقت عليه كلمة العذاب فتعذبه، ولا يمكنه الفرار عنها.

وقيل: ترصد بشهيقها وزفيرها من استوجب العذاب؛ فتعذبه وتتقرب به إلى ربها بطواعيتها له، وسخطها على من سخط الله عليه.

وقيل: معنى المرصاد: أن يكون ممر كل كافر ومؤمن عليها، لكن الكافر يقع فيها، والمؤمن ينجو عنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلطَّاغِينَ مَآباً ﴾ ، أي: مرجعا، والطاغي هو الذي تعدى حدود الله  ، وضيع حقوقه، وكفر بأنعمه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً ﴾ ، ذكر الأحقاب، ولم يبين منتهى العدد، ولو كان اللبث فيها يرجع إلى أمد في حق الكفرة، لكان يأتي عليه البيان؛ ما أتى البيان على منتهى يوم القيامة بقوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ ، فلما لميبين، ثبت أنه لا يرجع إلى أحد، وإلى هذا ذهب الحسن.

ومنهم من ذكر أن معناه: أنهم يلبثون ثلاثة أحقاب، والحقب ثمانون سنة، يعذبون بلون من العذاب، ثم يعذبون بلون آخر من العذاب بعد ذلك، لا أن ينقطع عنهم العذاب بعد مضي الأحقاب، والأحقاب هي النهاية في الأوقات، فذكر النهاية في الأوقات، وما يكبر فيها؛ ليعلم أنهم أبداً فيها؛ كما قال: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ  ﴾ ؛ لأنهما هما اللذان عرفا بالدوام؛ فاقتضى ذلك معنى الدوام، فكذلك ذكر ما هو الهاية في الأوقات يعرف أنهم أبدا فيها مقيمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً ﴾ ، فذكر بعضهم أن البرد هو النوم.

ومنهم من ذكر أن معناه: الروح، والراحة.

وقال بعضهم: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً ﴾ يقطع عنهم الحر، ﴿ وَلاَ شَرَاباً ﴾ يقطع عشطهم، ﴿ إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ﴾ فالحميم: هو الماء الذي قد انتهى في الحر نهايته، والغساق: الزمهرير.

وقال بعضهمه: هو ما ينفصل عن أبدانهم من الصديد والزهومة، وهو الودك؛ فمعناه - والله أعلم -: أن الذي يتطعم به أهل النار لا يعذبهم، ولا يجدزن به مستمتعا، بل يصير ذلك سبب إهلاكهم، لا أن يقع لهم بذلك البرد راحة وشفاؤهم؛ كما وصفهم الله -  -: ﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ  ﴾ ، فيبقون أبدا في الهلاك لا يقضى عليهم فيستريحوا، ولا ينقطع عنهم العذاب فيتلذذوا بالحياة.

وقيل: الغساق: لون من العذاب، لم يطلع الله  عليه عباده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً وِفَاقاً ﴾ ، أي: وافق جزاؤهم أعمالهم، لا ينقصون، ولا يزدادون على قدر ما استوجبوا، بل يجزون مثل أعمالهم.

وجائز أن يكون معناه: أن جزاءهم وافق أعمالهم في الخبث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً ﴾ : منهم من ذكر أنهم لا يخافونه.

ومنهم من حمله على حقيقة الرجاء، أي: لم يكونوا يرجون الثواب.

والوجه في: أنهم كانوا قوما لا يؤمنون بالبعث ولا بالجزاء والعذاب حتى يخافوا العقاب، ويرجوا الثواب.

فإن حملته على الخوف، فهم لم يخافوه؛ لما لم يؤمنوا به، وكذلك إن حملته على حقيقة الرجاء، فهم لم يكونوا يرجونه؛ لما كذبوا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً ﴾ ، فالكذاب والتكذيب في لغة العرب واحد؛ والآيات: جائز أن يراد بالآيات آيات البعث، ويراد بها آيات الوحدانية، وآيات الرسالة، ونحوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً ﴾ : جائز أن يكون الإحصاء والكتاب واحداً.

وجائز أن يكون أريد بالإحصاء ما أثبت في الكتاب؛ كقوله  : ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ الزيادة في العذاب هي دوامه وبقاؤه، لا أن يزادوا على القدر الذي كان أعد لهم من العذاب؛ لأنه أخبر أنهم لا يجزون إلا مثلها، فإذا كان الذي عذبوا قبله جزاء لهم، لم يجز [أن] يزادوا عليه فثبت أن الزيادة انصرفت على الدوام والبقاء، وبهذا قال أصحابنا في تأويل قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ، وفي كل ما ذكرت فيه الزيادة -: إنه على الثبات والدوام عليه، لا أنه يزيد وينقص.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بساتين وأعنابًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.pmPxg"

مزيد من التفاسير لسورة النبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله