تفسير الآية ٣٧ من سورة النبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 78 النبأ > الآية ٣٧ من سورة النبأ

رَّبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًۭا ٣٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 49 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٧ من سورة النبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة النبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن عظمته وجلاله ، وأنه رب السموات والأرض وما فيهما وما بينهما ، وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء .

وقوله : ( لا يملكون منه خطابا ) أي : لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه ، كقوله : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) [ البقرة : 255 ] ، وكقوله : ( يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ) [ هود : 105 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ) يقول جلّ ثناؤه: جزاء من ربك ربّ السموات السبع والأرض وما بينهما من الخلق.

واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ) بالرفع في كليهما.

وقرأ ذلك بعض أهل البصرة وبعض الكوفيين: (رَبِّ) خفضًا: (الرَّحْمَنِ) رفعًا ولكلّ ذلك عندنا وجه صحيح، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب، غير أن الخفض في الربّ، لقربه من قوله: (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ): أعجب إليّ، وأما(الرَّحْمَنِ) بالرفع فإنه أحسن لبعده من ذلك.

وقوله: (الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) يقول تعالى ذكره: الرحمن لا يقدر أحد من خلقه خطابه يوم القيامة، إلا من أذن له منهم وقال صوابًا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) قال: كلاما.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) أي كلاما.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا قال: لا يملكون أن يخاطبوا الله، والمخاطِب: المخاصم الذي يخاصم صاحبه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن قرأ ابن مسعود ونافع وأبو عمرو وابن كثير وزيد عن يعقوب ، والمفضل عن عاصم : ( رب ) بالرفع على الاستئناف ، الرحمن خبره .

أو بمعنى : هو رب السماوات ، ويكون الرحمن مبتدأ ثانيا .

وقرأابن عامر ويعقوب وابن محيصن كلاهما بالخفض ، نعتا لقوله : جزاء من ربك أي جزاء من ربك رب السماوات ( الرحمن ) .

وقرأ ابن عباس وعاصم وحمزة والكسائي : رب السماوات خفضا على النعت ، الرحمن رفعا على الابتداء ، أي هو الرحمن .

واختاره أبو عبيد وقال : هذا أعدلها ; خفض رب لقربه من قوله : من ربك فيكون نعتا له ، ورفع الرحمن لبعده منه ، على الاستئناف ، وخبره لا يملكون منه خطابا أي لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه .

وقال الكسائي : لا يملكون منه خطابا بالشفاعة إلا بإذنه .

وقيل : الخطاب : الكلام ; أي لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه إلا بإذنه ; دليله : لا تكلم نفس إلا بإذنه .

وقيل : أراد الكفار لا يملكون منه خطابا ، فأما المؤمنون فيشفعون .قلت : بعد أن يؤذن لهم ; لقوله تعالى : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وقوله تعالى : يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: الذي أعطاهم هذه العطايا هو ربهم { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } الذي خلقها ودبرها { الرَّحْمَنِ } الذي رحمته وسعت كل شيء، فرباهم ورحمهم، ولطف بهم، حتى أدركوا ما أدركوا.ثم ذكر عظمته وملكه العظيم يوم القيامة، وأن جميع الخلق كلهم ذلك اليوم ساكتون لا يتكلمون و { لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا } إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فلا يتكلم أحد إلا بهذين الشرطين: أن يأذن الله له في الكلام، وأن يكون ما تكلم به صوابا، لأن { ذَلِكَ الْيَوْمُ } هو { الْحَقُّ } الذي لا يروج فيه الباطل، ولا ينفع فيه الكذب

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن ) قرأ أهل الحجاز ، وأبو عمرو : " رب " رفع على الاستئناف و " الرحمن " خبره .

وقرأ الآخرون بالجر إتباعا لقوله : " من ربك " وقرأ ابن عامر ، وعاصم ، ويعقوب : " الرحمن " جرا إتباعا لقوله : " رب السماوات " وقرأ الآخرون بالرفع ، فحمزة والكسائي يقرآن " رب " بالخفض لقربه من قوله : " جزاء من ربك " ويقرآن " الرحمن " بالرفع لبعده منه على الاستئناف ، وقوله : ( لا يملكون ) في موضع رفع ، خبره .

ومعنى ( لا يملكون منه خطابا ) قال مقاتل : لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه .

وقال الكلبي : لا يملكون شفاعة إلا بإذنه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ربِّ السماوات والأرض» بالجر والرفع «وما بينهما الرحمنِ» كذلك وبرفعه مع جر رب «لا يملكون» أي الخلق «منه» تعالى «خطابا» أي لا يقدر أحد أن يخاطبه خوفا منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لهم كل ذلك جزاء ومنَّة من الله وعطاءً كثيرًا كافيًا لهم، ربِّ السموات والأرض وما بينهما، رحمنِ الدنيا والآخرة، لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه، يوم يقوم جبريل عليه السلام والملائكة مصطفِّين، لا يشفعون إلا لمن أذن له الرحمن في الشفاعة، وقال حقًا وسدادًا.

ذلك اليوم الحق الذي لا ريب في وقوعه، فمن شاء النجاة مِن أهواله فليتخذ إلى ربه مرجعًا بالعمل الصالح.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( رَّبِّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا الرحمن .

.

.

) قرأه بعضهم بجر لفظ " رب " على أنه بدل " من ربك " وقرأه البعض الآخر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف .أى : هذا الجزاء العظيم للمتقين هو كائن من ربك ، الذى هو رب أهل السموات وأهل الأرض ، ورب ما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا هو ، وهو - سبحانه - صاحب الرحمة الواسعة العظيمة التى لا تقاربها رحمة .

.وقوله : ( لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً ) مقرر ومؤكد لما قبله ، من كونه - تعالى - هو رب كل شئ .

أى : أهل السموات والأرض وما بينهما ، خاضعون ومربوبون لله - تعالى - الواحد القهار ، الذى لا يقدر أحد منهم - كائنا من كان - أن يخاطبه إلا بإذنه ، ولا يملك أن يفعل ذلك إلا بمشيئته .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) وقوله - سبحانه - : ( يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: رب السموات والرحمن، فيه ثلاثة أوجه من القراءة الرفع فيهما وهو قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، والجر فيهما وهو قراءة عاصم وعبدالله بن عامر، والجر في الأول مع الرفع في الثاني، وهو قراءة حمزة والكسائي، وفي الرفع وجوه: أحدها: أن يكون رب السموات مبتدأ، والرحمن خبره، ثم استؤنف لا يملكون منه خطاباً.

وثانيها: رب السموات مبتدأ، والرحمن صفة ولا يملكون خبره.

وثالثها: أن يضمر المبتدأ والتقدير هو: ﴿ رَبّ السموات ﴾ هو ﴿ الرحمن ﴾ ثم استؤنف: ﴿ لاَّ يَمْلِكُونَ ﴾ .

ورابعها: أن يكون ﴿ الرحمن ﴾ و ﴿ لاَّ يَمْلِكُونَ ﴾ خبرين وأما وجه الجر فعلى البدل من ربك، وأما وجه جر الأول، ورفع الثاني فجر الأول بالبدل من ربك، والثاني مرفوع بكونه مبتدأ وخبره لا يملكون.

المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿ ويملكون ﴾ إلى من يرجع؟

فيه ثلاثة أقوال: الأول: نقل عطاء عن ابن عباس إنه راجع إلى المشركين يريد لا يخاطب المشركون أما المؤمنون فيشفعون يقبل الله ذلك منهم والثاني: قال القاضي: إنه راجع إلى المؤمنين، والمعنى أن المؤمنين لا يملكون أن يخاطبوا الله في أمر من الأمور، لأنه لما ثبت أنه عدل لا يجور، ثبت أن العقاب الذي أوصله إلى الكفار عدل، وأن الثواب الذي أوصله المؤمنين عدل، وأنه ما يخسر حقهم، فبأي سبب يخاطبونه، وهذا القول أقرب من الأول لأن الذي جرى قبل هذه الآية ذكر المؤمنين لا ذكر الكفار والثالث: أنه ضمير لأهل السموات والأرض، وهذا هو الصواب، فإن أحداً من المخلوقين لا يملك مخاطبة الله ومكالمته.

وأما الشفاعات الواقعة بإذنه فغير واردة على هذا الكلام لأنه نفى الملك والذي يحصل بفضله وإحسانه، فهو غير مملوك، فثبت أن هذا السؤال غير لازم، والذي يدل من جهة العقل على أن أحداً من المخلوقين لا يملك خطاب الله وجوه: الأول: وهو أن كل ما سواء فهو مملوكه والمملوك لا يستحق على مالكه شيئاً.

وثانيها: أن معنى الاستحقاق عليه، هو أنه لو لم يفعل لاستحق الذم.

ولو فعله لاستحق المدح، وكل من كان كذلك كان ناقصاً في ذاته، مستكملاً بغيره وتعالى الله عنه.

وثالثها: أنه عالم بقبح القبيح، عالم بكونه غنياً عنه، وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح، وكل من امتنع كونه فاعلاً للقبيح، فليس لأحد أن يطالبه بشيء، وأن يقول له لم فعلت.

والوجهان الأولان مفرعان على قول أهل السنة، والوجه الثالث يتفرع على قول المعتزلة فثبت أن أحداً من المخلوقات لا يملك أن يخاطب ربه ويطالب إلهه.

واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أحداً من الخلق لا يمكنه أن يخاطب الله في شيء أو يطالبه بشيء قرر هذا المعنى، وأكده فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَفَازاً ﴾ فوزاً وظفراً بالبغية.

أو موضع فوز.

وقيل: نجاة مما فيه أولئك.

أو موضع نجاة.

وفسر المفاز بما بعده.

والحدائق: البساتين فيها أنواع الشجر المثمر.

والأعناب: الكروم.

والكواعب: اللاتي فلكت ثديهن، وهن النواهد.

والأتراب.

اللدات: والدهاق: المترعة.

وأدهق الحوض: ملأه حتى قال قطنى.

وقرئ ﴿ ولا كذاباً ﴾ بالتشديد والتخفيف، أي: لا يكذب بعضه بعضاً ولا يكذبه.

أو لا يكاذبه.

وعن علي رضي الله عنه أنه قرأ بتخفيف الاثنين ﴿ جَزَآءً ﴾ مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله: ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (31) ﴾ كأنه قال: جازى المتقين بمفاز.

و ﴿ عَطَآءً ﴾ نصب بحزاء نصب المفعول به.

أي: جزاهم عطاء.

و ﴿ حِسَاباً ﴾ صفة بمعنى: كافياً.

من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي.

وقيل: على حسب أعمالهم.

وقرأ ابن قطيب ﴿ حساباً ﴾ بالتشديد، على أنّ الحساب بمعنى المحسب، كالدرّاك بمعنى المدرك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ جَزاءً مِن رَبِّكَ ﴾ بِمُقْتَضى وعْدِهِ.

﴿ عَطاءً ﴾ تَفَضُّلًا مِنهُ إذْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وهو بَدَلٌ مِن جَزاءً، وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِهِ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ.

﴿ حِسابًا ﴾ كافِيًا مِن أحْسَبَهُ الشَّيْءَ إذا كَفاهُ حَتّى قالَ: حَسْبِي، أوْ عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ وقُرِئَ «حَسّابًا» أيْ مُحْسِبًا كالدَّرّاكِ بِمَعْنى المُدْرِكِ.

﴿ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ بَدَلٌ مِن رَبِّكَ وقَدْ رَفَعَهُ الحِجازِيّانِ وأبُو عَمْرٍو عَلى الِابْتِداءِ.

﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ بِالجَرِّ صِفَةٌ لَهُ وكَذا في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ويَعْقُوبَ وبِالرَّفْعِ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِجَرِّ الأوَّلِ ورَفْعِ الثّانِي عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ والواوُ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ أيْ لا يَمْلِكُونَ خِطابَهُ، والِاعْتِراضَ عَلَيْهِ في ثَوابٍ أوْ عِقابٍ لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ لَهُ عَلى الإطْلاقِ فَلا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ اعْتِراضًا وذَلِكَ لا يُنافِي الشَّفاعَةَ بِإذْنِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{رّبِّ السّماواتِ والأرضِ وما بينهما الرّحمنِ} بجرهما ابن عامر وعاصم بدلاً من ربك ومن رفعهما فرب خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره الرحمن أو الرحمن صفته ولا يملكون خبرا وهما خبران والضمير في لا يملكون لأهل السموات والأرض وفي منه خطاباً لله تعالى أي لا يملكون الشفاعة من عذابه تعالى إلا بإذنه أو لا يقدر أحد أن يخاطبه تعالى خوفا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ بَدَلٌ مِن لَفْظِ ﴿ رَبِّكَ ﴾ وفي إبْدالِهِ تَعْظِيمٌ لا يَخْفى وإيماءٌ عَلى ما قِيلَ إلى ما رُوِيَ في كُتُبِ الصُّوفِيَّةِ مِنَ الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««لَوْلاكَ لَما خُلِقَتِ الأفْلاكُ»».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ صِفَةٌ لِرَبِّكَ أوْ لِرَبِّ السَّماواتِ عَلى الأصَحِّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِن جَوازِ وصْفِ المُضافِ إلى ذِي اللّامِ بِالمُعَرَّفِ بِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ وهَلْ يَكُونُ بَدَلًا مِن لَفْظِ «رَبِّكَ».

قالَ في البَحْرِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ البَدَلَ لا يَتَكَرَّرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما أفادَتْهُ الرُّبُوبِيَّةُ العامَّةُ مِن غايَةِ العَظَمَةِ واسْتِقْلالًا لَهُ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ والعَطاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، والقِراءَةُ كَذَلِكَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ، وقَرَأ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو عَمْرٍو والحَرَمِيّانِ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ فَقِيلَ: عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ؛ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ.

وقِيلَ: الأوَّلُ هو الخَبَرُ والثّانِي صِفَةٌ لَهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وقِيلَ: الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، والثّانِي خَبَرُهُ.

و ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوْ هو الخَبَرُ، والثّانِي نَعْتٌ لِلْأوَّلِ أوْ عَطْفُ بَيانٍ وقِيلَ: ( لا يَمْلِكُونَ ) حالٌ لازِمَةٌ.

وقِيلَ: الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، والثّانِي مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و( لا يَمْلِكُونَ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ، وحَصَلَ الرَّبْطُ بِتَكْرِيرِ المُبْتَدَأِ بِمَعْناهُ عَلى رَأْيِ مَن يَقُولُ بِهِ، واخْتِيرَ أنْ يَكُونَ كِلاهُما مَرْفُوعًا عَلى المَدْحِ أوْ يَكُونَ الثّانِي صِفَةً لِلْأوَّلِ، و( لا يَمْلِكُونَ ) اسْتِئْنافًا عَلى حالِهِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَوافُقِ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى، وقَرَأ الأخَوانِ والحَسَنُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِخِلافٍ عَنْهُما بِجَرِّ الأوَّلِ عَلى ما سَمِعْتَ ورَفْعِ الثّانِي عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ وما بَعْدَهُ اسْتِئْنافٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ، وضَمِيرُ ( لا يَمْلِكُونَ ) لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ و( مِنهُ ) بَيانٌ لِ: ﴿ خِطابًا ﴾ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ؛ أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يُخاطِبُوهُ تَعالى مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ لَفْظُ المَلِكِ خِطابًا ما في شَيْءٍ ما، والمُرادُ نَفْيُ قُدْرَتِهِمْ عَلى أنْ يُخاطِبُوهُ عَزَّ وجَلَّ بِشَيْءٍ مِن نَقْصِ العَذابِ أوْ زِيادَةِ الثَّوابِ مِن غَيْرِ إذْنِهِ تَعالى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «مِنهُ» صِلَةَ ( يَمْلِكُونَ ) و«مِن» ابْتِدائِيَّةٌ، والمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِطابًا واحِدًا؛ أيْ: لا يُمَلِّكُهُمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فَلا يَكُونُ في أيْدِيهِمْ خِطابٌ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فَيَزِيدُونَ في الثَّوابِ أوْ يُنْقِصُونَ مِنَ العِقابِ، وهَذا كَما تَقُولُ: مَلَكْتُ مِنهُ دِرْهَمًا وهو أقَلُّ تَكَلُّفًا وأظْهَرُ مِن جَعْلِ ( مِنهَ ) حالًا مِن ﴿ خِطابًا ﴾ مُقَدَّمًا وإضْمارِ مُضافٍ؛ أيْ: خِطابًا مِن خِطابِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَمْلِكُونَ خِطابًا واحِدًا مِن جُمْلَةِ ما يُخاطَبُ بِهِ اللَّهُ تَعالى ويَأْمُرُ بِهِ في أمْرِ الثَّوابِ والعِقابِ، وظاهِرُ كَلامِ البَيْضاوِيِّ حَمْلُ الخِطابِ عَلى خِطابِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في ثَوابٍ أوْ عِقابٍ ومِنهُ عَلى ما سَمِعْتَ مِنّا أوَّلًا لا يَمْلِكُونَ خِطابَهُ تَعالى والِاعْتِراضَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في ثَوابٍ أوْ عِقابٍ؛ لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الإطْلاقِ فَلا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اعْتِراضًا أصْلًا، وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ بِإذْنِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ لا يَمْلِكُونَ ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ، وعَدَمُ الصَّلاحِيَةِ عَلَيْهِ أظْهَرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ذكر صنعه، ليستدلوا بصنعه على توحيده.

فقال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً يعني: فراشاً ومقاماً.

ويقال: موضع القرار، ويقال: معناه ذللنا لهم الأرض، ليسكنوها ويسيروا فيها.

وَالْجِبالَ أَوْتاداً يعني: أوتدها وأثبتها.

ثم قال: وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً يعني: أصنافاً وأضداداً، ذكراً وأنثى.

ويقال: ألواناً بيضاً، وسوداً، وحمراً وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً يعني: راحة لأبدانكم وأصله التمدد، فلذلك سمي السبت، لأنه قيل لبني إسرائيل: استريحوا فيه.

ويقال: سباتاً يعني: سكوناً وانقطاعاً عن الحركات.

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً يعني: سكوناً يسكنون فيه.

ويقال: ستراً يستر كل شيء وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً يعني: مطلباً للمعيشة وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً يعني: سبع سموات غلاظاً، كل سماء مسيرة خمسمائة عام وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً يعني: وقاداً مضيئة وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ يعني: من السحاب، سمي معصرات لأنها تعصر الماء.

ويقال: المعصرات هي الرياح.

يعني: ذوات الأعاصير.

كقوله: إعصاراً فيه نار.

ثم قال عز وجل: مَاء ثَجَّاجاً يعني: سيالاً ويقال: منصباً كبيراً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً يعني: بالماء حبوباً كثيرة للناس، ونباتاً للدواب من العشب والكلأ وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً يعني: شجرها ملتفاً بعضها في بعض، فأعلم الله تعالى قدرته، أنه قادر على البعث.

فقال: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً يعني: يوم القيامة ميقاتاً، وميعاداً للأولين والآخرين يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً يعني: جماعة جماعة.

وروي في بعض الأخبار عن رسول الله  ، أنه قال: يبعث الله تعالى الناس صوراً مختلفة، بعضهم على صورة الخنزير، وبعضهم على صورة القردة، وبعضهم وجوههم كالقمر ليلة البدر.

ثم قال عز وجل: وَفُتِحَتِ السَّماءُ يعني: أبواب السماء فَكانَتْ أَبْواباً يعني: صارت طرقاً.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم وَفُتِحَتِ بالتخفيف، والباقون بالتشديد، وهو لتكثير الفعل، والتخفيف بفتح مرة واحدة.

ثم قال عز وجل: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ يعني: قلعت من أماكنها فَكانَتْ سَراباً يعني: فصارت كالسراب، تسير في الهواء كالسراب في الدنيا إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً أي: رصداً لكل كافر ويقال: سجنا ومحبسا لِلطَّاغِينَ مَآباً أي: للكافرين مرجعاً، يرجعون إليها.

لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً يعني: ماكثين فيها أبداً دائماً.

والأحقاب وأحدها حقب، والحقب ثمانون سنة، واثنا عشر شهراً، وكل شهر ثلاثون يوماً، وكل يوم منها مقدار ألف سنة مما تعدون بأهل الدنيا، فهذا حقب واحد، والأحقاب هو التأييد كلما مضى حقب، دخل حقب آخر.

وإنما ذكر أحقاباً، لأن ذلك كان أبعد شيء عندهم.

فذكر وتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونه، وهو كناية عن التأبيد، أي: يمكثون فيها أبداً.

قرأ حمزة لبثين بغير ألف.

والباقون لابثين بالألف، ومعناهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الجهير، وذبح الهدي، وأَلْفافاً أي: ملتفّة الأغصان والأوراق، ويَوْمَ الْفَصْلِ هُو يوم القيامةِ، والأفواجُ: الجماعاتُ، يتلو بعضُها بعضاً، «وفُتِحَتِ السماء» بتشديد التَّاء قراءةُ نافعٍ وأبي عمرٍو وابن كثير وابن عامر، والباقون دون تشديد «١» .

وقوله تعالى: فَكانَتْ أَبْواباً قيل معناه: تَتَشَقَّقُ حتَى يكونَ فيها فُتُوحٌ كالأَبوابِ في الجدرات، وقيل: إنها تتقطعُ السماء قِطَعاً صغاراً حتى تكونَ كألواح الأَبواب، والقولُ الأول أحسَنُ، وقد قال بعض أهل العلم: تَنْفَتِح في السماء أبواب للملائِكَةِ من حيثُ ينزلونَ ويصعَدون.

وقوله تعالى: فَكانَتْ سَراباً عبارةٌ عن تلاشيها بعد كونها هباء منبثّا، ومِرْصاداً: مَوْضع الرصدِ، وقيل: مِرْصاداً بمعنى رَاصِدٍ، والأحقاب: جمع حُقُبٍ وهي المدةُ الطويلةُ من الدهر غيرَ محدودة، وقال ابن عباس وابن عمر الحُقْبُ: ثمانونَ سنةٍ «٢» .

وقال أبو أمامة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه ثلاثون ألفَ سَنَة، وقد أكثر الناسُ في هذا، واللازمُ أنّ اللَّه تعالى أخبرَ عن الكفارِ أنهم يلبثُونَ أحْقَاباً، كلما مَرَّ حُقْبٌ جَاءَ غيره إلى غير نهاية، نجانا اللَّه من سَخَطِه، قال الحسنُ: ليسَ للأحْقَابِ عدّة إلا الخلود في النار «٣» .

وقوله سبحانه: لاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً ...

الآية، قال الجمهورُ: البَرْدُ في الآية مَسُّ الهَوَاءِ البَاردِ، أي: لا يمسُّهم منه مَا يُسْتَلَذُّ، وقال أبو عبيدة وغيره: البردُ في الآية النوم «٤» ،

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ ﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا ﴾ ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا ﴾ ﴿ حَدائِقَ وأعْنابًا ﴾ ﴿ وَكَواعِبَ أتْرابًا ﴾ ﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا ﴾ ﴿ جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا ﴾ ﴿ رَبِّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ، والفَضْلُ بْنُ خالِدٍ، ومُعاذٌ النَحْوِيُّ: البَرْدُ في هَذِهِ الآيَةِ النُوَّمُ، والعَرَبُ تَسِمُهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَبْرِدُ سُورَةَ العَطَشِ، ومِن كَلامِهِمْ: "مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ"، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "البَرْدُ في الآيَةِ: مَسُّ الهَواءِ البارِدِ، وهو القَرُّ، أيْ: لا يَمَسُّهم مِنهُ ما يَسْتَلِذُّ ويَكْسِرُ عَذابَ الحَررِّ، فالذَوْقُ -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- مُسْتَعارٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البَرْدُ الشَرابُ البارِدُ المُسْتَلَذُّ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: يَسْقُونَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمْ بِرَدى يُصَفِّقُ بِالرَحِيقِ السَلْسَلِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أمانِي مِن سُعْدى حِسانٌ كَأنَّما ∗∗∗ سَقَتْكَ بِها سُعْدى عَلى ظَمَأٍ بَرْدا ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا ﴾ ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، و"الحَمِيمُ": الحارُّ الذائِبُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الماءِ السُخْنِ والعَرَقِ، ومِنهُ الحَمّامُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الحَمِيمُ دُمُوعُ أعْيُنِهِمْ، وقالَ النَقّاشُ: الحَمِيمُ الصُفْرُ المُذابُ المُتَناهِي الحَرِّ، واخْتَلَفَ الناسُ في "الغَسّاقِ"، فَقالَ قَتادَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسامِ أهْلِ النارِ مِن صَدِيدٍ ونَحْوِهِ، يُقالُ: غَسَقَ الجُرْحُ: إذا سالَ مِنهُ قَيْحٌ ودَمٌ، وغَسَقَتِ العَيْنُ: إذا دَمَعَتْ وإذا خَرَجَ قَذاها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الغَسّاقُ مَشْرُوبٌ لَهم مُفْرِطُ الزَمْهَرِيرِ، كَأنَّهُ في الطَرَفِ الثانِي مِنَ الحَمِيمِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِبَرْدِهِ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بِرِيدَةَ: "الغَسّاقُ" المُنْتِنُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الجُمْهُورِ: "غَساقًا" مُخَفَّفَةَ السِينِ، وهو اسْمٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والشَعْبِيُّ، والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "غَسّاقًا" مُشَدَّدَةَ السِينِ، وهي صِفَةٌ أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَشْرُوبًا غَسّاقًا، أيْ سائِلٌ مِن أبْدانِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ مَعْناهُ: لِأعْمالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أيْ: هو جَزاؤُهُمُ الجَدِيرُ بِهِمْ، المُوافِقُ مَعَ التَحْذِيرِ لِأعْمالِهِمْ، فَهي كُفْرٌ والجَزاءُ نارٌ.

و"يَرْجُونَ" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَخافُونَ، وقالَ غَيْرُهُ: الرَجاءُ هُنا عَلى بابِهِ، ولا رَجاءَ إلّا وهو مُقْتَرِنٌ بِخَوْفٍ، ولا خَوْفَ إلّا وهو مُقْتَرِنٌ بِرَجاءٍ، فَذَكَرَ أحَدَ القِسْمَيْنِ لِأنَّ المَقْصِدَ العِبارَةُ عن تَكْذِيبِهِمْ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهم كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ، فَهم لِذَلِكَ لا يَرْجُونَهُ ولا يَخافُونَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَذّابًا" بِشَدِّ الذالِ وكَسْرِ الكافِ، وهو مَصْدَرٌ بِلُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، وهي يَمانِيَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ أحَدِهِمْ وهو يَسْتَفْتِي: "الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القِصّارُ"؟

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَقَدْ طالَما ثَبَّطَتْنِي عن صَحابَتَيْ ∗∗∗ وعن حِوَجٍ قَضاؤُها مِن شِفائِيا وهَذا عِنْدَهم مَصْدَرٌ مَن فَعَّلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في "كِذّابًا"، وأراهُ أرادَ السَبْعَةَ، وأمّا في الشاذِّ فَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَوْفُ الأعْرابِيُّ، وعِيسى -بِخِلافٍ- والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ: "كِذّابًا" بِكَسْرِ الكافِ وبِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "كُذّابًا" بِضَمِّ الكافِ وشَدِّ الذالِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كاذِبٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ يُرِيدُ كُلَّ شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُحْصى، وفي هَذا الخَبَرِ رَبْطٌ لِأجْزاءِ القِصَّةِ بِأوَّلِها أيْ: هم مُكَذِّبُونَ وكافِرُونَ ونَحْنُ قَدْ أحْصَيْنا فالقَوْلُ لَهم في الآخِرَةِ: "ذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا"، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ما نَزَلَتْ في أهْلِ النارِ آيَةٌ أشَدُّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  .

وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ أهْلِ النارِ عَقَّبَ بِذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"المَفازُ" مَوْضِعُ الفَوْزِ؛ لِأنَّهم زُحْزِحُوا عَنِ النارِ، وأُدْخِلُوا الجَنَّةَ، و"الحَدائِقُ" البَساتِينُ الَّتِي عَلَيْها جِدْراتٌ أوَ حَظائِرُ، و"أتْرابًا" مَعْناهُ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، والتُرْبانُ هُما اللَذانِ مَسّا التُرابَ في وقْتٍ واحِدٍ، و"الدِهاقُ" المُتْرَعَةُ فِيما قالَ الجُمْهُورُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ مَعْناهُ: المُتابَعَةُ، وهي مِنَ الدَهْقِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الصافِيَةُ، وفي البُخارِيِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ أُبَيَّ في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ لِلسّاقِي: اسْقِنا كَأْسًا دِهاقًا.

و"اللَغْوُ" سَقْطُ الكَلامُ، وهو ضُرُوبٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "كِذّابًا" إلّا أنَّ الكِسائِيَّ مِنَ السَبْعَةِ قَرَأ في هَذا المَوْضِعِ "كَذابًا" بِالتَخْفِيفِ، وهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "حِسابًا"، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ واللُغَوِيِّينَ: مَعْناهُ: مُحْسِبًا، أيْ كافِيًا، مِن قَوْلِهِمْ: أحْسَبُنِي هَذا الأمْرَ، أيْ كَفانِي، ومِنهُ، حَسْبِيَ اللهُ، وقالَ مُجاهِدٌ مَعْناهُ: إنَّ "حِسابًا" مَعْناهُ: مُقْسِطًا عَلى الأعْمالِ، لِأنَّ نَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهِ وتَفَضُّلِهِ لا بِعَمَلٍ، والدَرَجاتُ فِيها والنِعَمُ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، فَإذا ضاعَفَ اللهُ تَعالى لِقَوْمٍ حَسَناتِهِمْ بِسَبْعِمائَةٍ مَثَلًا ومِنهُمُ المُكْثِرُ مِنَ الأعْمالِ والمُقِلُّ أخَذَ كُلَّ واحِدٍ سَبْعَمِائَةٍ بِحَسَبِ عَمَلِهِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ تَضْعِيفٍ، فالحِسابُ ها هو بِمُوازَنَةِ أعْمالِ القَوْمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "حِسابًا" بِكَسْرِ الحاءِ وتَخْفِيفِ السِين مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ قَطِيبٍ "حِسابًا" بِفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: جاءَ بِالِاسْمِ مِن أفْعَلَ عَلى فِعالٍ كَما قالُوا: أدْرَكَ فَهُوَ: دِراكٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسِراجٌ: " عَطاءً حَسَنًا" بِالنُونِ مِنَ الحُسْنِ، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ قَرَأ: "حَسِبا" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ وبِالباءِ، وقَرَأ شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ الحِمْصِيُّ: "حِسّابًا" بِكَسْرِ الحاءِ وشَدِّ السِينِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأهْلُ الحَرَمَيْنِ: "رَبُّ" بِالرَفْعِ، وكَذَلِكَ "الرَحْمَنُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ، وكَذَلِكَ "الرَحْمَنِ".

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "رَبِّ": بِالخَفْضِ، و"الرَحْمَنُ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ- بِخِلافٍ عنهُما ووُجُوهُ هَذِهِ القِراءاتِ بَيِّنَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا" الضَمِيرُ لِلْكُفّارِ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ مِن أفْضالِهِ وإجْمالِهِ أنْ يُخاطِبُوهُ بِمَعْذِرَةٍ ولا غَيْرِها، وهَذا في مَوْطِنٍ خاصٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ حِسَاباً * رَّبِّ السماوات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر برفع ﴿ ربُّ ﴾ ورفع ﴿ الرحمنُ ﴾ ، وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بخفضهما، وقرأه حمزة والكسائي وخلف بخفض ﴿ رب ﴾ ورفع ﴿ الرحمنُ ﴾ ، فأما قراءة رفع الاسمين ف ﴿ رب ﴾ خبر مبتدأ محذوف هو ضميرٌ يعود على قوله: ﴿ من ربك ﴾ [النبأ: 36] على طريقة حذف المسند إليه حَذفاً سماه السكاكي حذْفاً لاتباع الاستعمال الوارد على تركه، أي في المقام الذي يجري استعمال البلغاء فيه على حذف المسند إليه، وذلك إذا جرى في الكلام وصف ونحوه لموصوف ثم ورد ما يصلح أن يكون خبراً عنه أو أن يكون نعتاً له فيختار المتكلم أن يجعله خبراً لا نعتاً، فيقدر ضمير المنعوت ويأتي بخبر عنه وهو ما يسمى بالنعت المقطوع.

والمعنى: إن ربك هو ربهم لأنه رب السماوات والأرض وما بينهما ولكن المشركين عبدوا غيره جهلاً وكفراً لنعمته.

و ﴿ الرحمنُ ﴾ خبر ثان.

وأما قراءة جر الاسمين فهي جارية على أن ﴿ رب السموات ﴾ نعت ل ﴿ ربك ﴾ من قوله: ﴿ جزاء من ربك ﴾ [النبأ: 36] و ﴿ الرحمن ﴾ نعت ثان.

والرب: المالك المتصرف بالتدبير ورعي الرفق والرحمة، والمراد بالسماوات والأرض وما بينهما مسماها مع ما فيها من الموجودات لأن اسم المكان قد يراد به ساكنه كما في قوله تعالى: ﴿ فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها ﴾ في سورة الحج (45)، فإن الظلم من صفات سكان القرية لا صفة لذاتها، والخواء على عروشها من أحوال ذات القرية لا من أحوال سكانها، فكان إطلاق القرية مراداً به كلا المعنيين.

والمراد بما بين السماوات والأرض: ما على الأرض من كائنات وما في السماوات من الملائكة وما لا يعلمه بالتفصيل إلا الله وما في الجو من المكونات حية وغيرها من أسحبة وأمطار وموجودات سابحة في الهواء.

و ﴿ ما ﴾ موصولة وهي من صيغ العموم، وقد استفيد من ذلك تعميم ربوبيته على جميع المصنوعات.

وأتبع وصف ﴿ رب السموات ﴾ بذكر اسم من أسمائه الحسنى، وهو اسم ﴿ الرحمن ﴾ وخص بالذكر دون غيره من الأسماء الحسنى لأن في معناه إيماء إلى أن ما يفيضه من خير على المتقين في الجنة هو عطاء رحمان بهم.

وفي ذكر هذه الصفة الجليلة تعريض بالمشركين إذ أنكروا اسم الرحمن الوارد في القرآن كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ﴾ [الفرقان: 60].

﴿ الرحمن لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ ﴾ .

يجوز أن تكون هذه الجملة حالاً من ﴿ ما بينهما ﴾ لأن ما بين السماوات والأرض يشمل ما في ذلك من المخلوقات العاقلة، أو المزعوم لها العقل مثل الأصنام، فيتوهم أن مِن تلك المخلوقات من يستطيع خطاب الله ومراجعته.

ويجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً لإبطال مزاعم المشركين أو للاحتراس لدفع توهم أن ما تشعر به صلة رب من الرفق بالمربوبين في تدبير شؤونهم يسيغ إقدامهم على خطاب الرب.

والمِلك في قوله: ﴿ لا يملكون منه خطاباً ﴾ معناه القدرة والاستطاعة لأن المالك يتصرف فيما يملكه حسب رغبته لا رغبة غيره فلا يحتاج إلى إذن غيره.

فنفي المِلك نفي للاستطاعة.

وقوله: ﴿ منه ﴾ حال من ﴿ خطاباً ﴾ .

وأصله صفة لخطاب فلما تقدم على موصوفه صار حالاً.

وحرف (مِن) اتصالية وهي ضرب من الابتدائية فهي ابتدائية مجازية كقوله تعالى: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من اللَّه من شيء ﴾ [الممتحنة: 4] ف (مِن) الأولى اتصالية والثانية لتوكيد النص، ومنه قولهم: لستُ منك ولستَ مني وقوله تعالى: ﴿ ومن يفعل ذلك فليس من اللَّه في شيء ﴾ [آل عمران: 28]، أي لا يستطيعون خطاباً يبلغونه إلى الله.

وضمير ﴿ لا يملكون ﴾ عائد إلى (ما) الموصولة في قوله: ﴿ وما بينهما ﴾ لأنها صادقة على جميعهم.

والخطاب: الكلام الموجّه لحاضر لدى المتكلم أو كالحاضر المتضمن إخباراً أو طلباً أو إنشاء مدح أو ذم.

وفعل ﴿ يملكون ﴾ يعمّ لوقوعه في سياق النفي كما تعمّ النكرة المنفية.

و ﴿ خطاباً ﴾ عام أيضاً وكلاهما من العام المخصوص بمخصص منفصل كقوله عقب هذه الآية ﴿ لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً ﴾ [النبأ: 38] وقوله: ﴿ يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه ﴾ [هود: 105] وقوله: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ [البقرة: 255] وقوله: ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ [الأنبياء: 28].

والغرض من ذكر هذا إبطالُ اعتذار المشركين حين استشعروا شناعة عبادتهم الأصنام التي شهَّر القرآن بها فقالوا: ﴿ هؤلاء شُفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18]، وقالوا: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ [الزمر: 3].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَجاةٌ مِن شَرِّها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فازُوا بِأنْ نَجَوْا مِنَ النّارِ بِالجَنَّةِ، ومِنَ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وتَحْقِيقُ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ الخَلاصُ مِنَ الهَلاكِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْفَلاةِ إذا قَلَّ ماؤُها مَفازَةٌ تَفاؤُلًا بِالخَلاصِ مِنها.

﴿ وَكَواعِبَ أتْرابًا ﴾ في الكَواعِبِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: النَّواهِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: العَذارى، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ وكَمْ مِن حَصانٍ قَدْ حَوَيْنا كَرِيمَةٍ ومِن كاعِبٍ لَمْ تَدْرِ ما البُؤْسُ مُعْصِرُ وَفِي الأتْرابِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأقْرانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الأمْثالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: المُتَصافِياتُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: المَتَآخِياتُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَمْلُوءَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أتانًا عامِرٌ يَبْغِي قِرانًا ∗∗∗ فَأتْرَعْنا لَهُ كَأْسًا دِهاقًا الثّانِي: مُتَتابِعَةٌ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: صافِيَةٌ، رَواهُ عُمَرُ بْنُ عَطاءٍ، قالَ الشّاعِرُ لَأنْتِ آلى الفُؤادِ أحَبُّ قُرْبًا ∗∗∗ مِنَ الصّادِي إلى كَأْسٍ دِهاقِ.

﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا ﴾ في اللَّغْوِ ها هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها الباطِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الحَلِفُ عِنْدَ شُرْبِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: الشَّتْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: المَعْصِيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفي ﴿ كِذّابًا ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الخُصُومَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المَأْثَمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: في شُرْبِ الخَمْرِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كافِيًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: كَثِيرًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: حِسابًا لِما عَمِلُوا، فالحِسابُ بِمَعْنى العَدِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وفتحت ﴾ خفيفة.

وأخرج ابن المنذر عن أبي الجوزاء في قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: صارت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار.

وأخرج ابن جرير عن سفيان ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: عليهم ثلاث قناطر لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: تعلموا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وقال في آية أخرى: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ [ مريم: 71] ﴿ للطاغين مآباً ﴾ قال: مأوى ومنزلاً ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الأحقاب ما لا انقطاع له، كلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر، قال وذكر لنا أن الحقب ثمانون سنة من سني يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: سنين.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: ليس لها أجل كلما مضى حقب دخلنا في الأخرى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن قال: الحقب الواحد سبعون سنة كل يوم منها ألف سنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: لا يدري أحدكم تلك الأحقاب إلا أن الحقب الواحد ثمانون سنة السنة ثلاثمائة وستون يوماً، اليوم الواحد مقدار ألف سنة، والحقب الواحد ثمانية عشر ألف سنة.

وأخرج ابن جرير عن بشير بن كعب في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: بلغني أن الحقب ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سالم بن أبي الجعد قال: سأل عليّ بن أبي طالب هلالاً الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب الله؟

قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة منها اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة.

وأخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة.

وأخرج البزار عن أبي هريرة رفعه ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة.

وأخرج هناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم كألف سنة مما تعدون.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون عاماً اليوم منها كسدس الدنيا.

وأخرج ابن عمر العدي في مسنده وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: «الحقب ألف شهر والشهر ثلاثون يوماً والسنة اثنا عشر شهر والشهر ثلاثمائة وستون يوماً كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثمانون ألف سنة» .

وأخرج البزار وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقاباً، والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم ألف سنة مما تعدون.

قال ابن عمر: فلا يتكلن أحد على أنه يخرج من النار» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الحقب ثمانون سنة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عبدالله بن عمرو وفي قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب الواحد ثمانون سنة.

وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحقب أربعون سنة» .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ بالألف.

وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون أنه قرأ ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ بغير ألف.

وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ وقوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ [ هود: 107] أنهما في أهل الجنة والتوحيد من أهل القبلة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: زمهرير جهنم يكون لهم من العذاب لأن الله يقول: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً ﴾ .

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: فاستثنى من الشراب الحميم، ومن البارد الغساق، وهو الزمهرير.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: الحميم الحار الذي يحرق، والغساق الزمهرير البارد.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: لا يستطيعونه من برده.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً ﴾ قال: لقد انتهى حره.

﴿ وغساقاً ﴾ قال: لقد انتهى برده، وإن الرجل، إذا أدنى الإِناء من فيه سقط فروة وجهه حتى يبقى عظاماً تقعقع» .

وأخرج ابن المنذر عن مرة ﴿ لا يذوقون فيها برداً ﴾ قال: نوماً الممتلئة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ قال: وافق أعمالهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ قال: جزاء وافق أعمال القوم أعمال السوء.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ يقول: وافق الجزاء العمل ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ قال: لا يخافونه، وفي لفظ: لا يبالون، فيصدقون بالبعث.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ قال: لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبدالله بن عمرو قال: ما نزلت على أهل النار آية قط أشد منها ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ فهم في مزيد من عذاب الله أبداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن الحسن بن دينار قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار فقال: قول الله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن الحسن قال: سئل أبو برزة الأسلمي عن أشد آية في القرآن فقال: قول الله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ قال: فهو مقدار ساعة بساعة، ويوم بيوم، وشهر بشهر، وسنة بسنة أشد عذاباً حتى لو أن رجلاً من أهل النار أخرج من المشرق لمات أهل المغرب، ولو أخرج من المغرب مات أهل المشرق من نتن ريحه.

قال أبو برزة: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلاها فقال: «هلك القوم بمعاصيهم ربهم، وغضب عليهم فأبى إذ غضب عليهم إلا أن ينتقم منهم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ ﴾ فيه ثلاثة أوجه من القراءة: (الرفع في: (ربّ السموات)، و (الرحمن) (١) (٢) (٣) ومن خفضهما أتبع الاسمين الجر الذي قبلهما، ومن خفض الأول دون الثاني أتبع الأول الجر الذي قبله، واستأنف بقوله: ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ ، وجعل قوله: ﴿ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ ﴾ في موضع خبر، فقال: ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ (٤) ومعني: ﴿ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴾ قال مقاتل: يقول: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه (٥) وهذا كقوله: ﴿ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ  ﴾ .

وهذا كقوله: عام في كل أحد إلا من استثني في قوله: ﴿ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ  ﴾ ) (٦) وقال عطاء عن ابن عباس: يريد: لا يخاطب المشركون، والمؤمنون يشفعون ويخاطبون، فيقبل الله ذلك منهم (٧) (٨) ومعنى: (لا يملكون) من الله أن يخاطبوه؛ لأنه لم يأذن لهم، يدل على هذا قوله: (١) قرأ بذلك ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو.

انظر: "الحجة" 6/ 370،"حجة القراءات" 747، "كتاب التبصرة" 719، " إتحاف فضلاء البشر" 431.

(٢) قرأ بذلك: ابن عامر، وعاصم.

انظر: المراجع السابقة.

(٣) قرأ بذلك: حمزة، والكسائي.

انظر: المراجع السابقة.

(٤) ما بين القوسين نقله عن أبي علي الفارسي في "الحجة" 6/ 370.

(٥) ورد معناه في "تفسير مقاتل" 226/ ب، كما ورد قوله في "معالم التنزيل" 4/ 440، "زاد المسير" 8/ 167.

(٦) ما بين القوسين نقله بمعناه عن أبي علي الفارسي.

انظر: "الحجة" 6/ 370.

(٧) "التفسير الكبير" 31/ 23، "البحر المحيط" 8/ 415.

(٨) والقول: إن الذين لا يملكون منه خطاباً أنهم الكفار، قد خطأه ابن تيمية؛ بل اعتبره قول مبتدع، قال: (إنه قول مبتدع، وهو خطأ محض؛ لأنه لم يذكر في قوله: (لا يملكون منه خطاباً) استثناء، فإن أحداً لا يملك من الله خطاباً مطلقاً؛ إذ المخلوق لا يملك شيئاً يشارك فيه الخالق، ولكن الله إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوكاً لهم، وكذلك قوله: (لا يملكون منه خطاباً)، وهذا قول السلف، وجمهور المفسرين، وهو الصحيح).

وذكر أيضًا جواباً آخر، فليراجع في ذلك كله: "مجموع الفتاوى" 14/ 397 - 398.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ يعني نفخة القيام من القبور ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ أي جماعات ﴿ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ﴾ أي تنفخ فتكون فيها شقاق كالأبواب ﴿ وَسُيِّرَتِ الجبال ﴾ أي حملت ﴿ فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ عبارة عن تلاشيها وفنائها، والسراب في اللغة: ما ظهر على البعد أنه ماء، وليس ذلك المراد هنا وإنما هو تشبيه في أنه لا شيء ﴿ مِرْصَاداً ﴾ أي موضع المرصاد والرصد هو الارتقاب والانتظار، أي تنتظر الكفار ليدخلوها، وقيل: معناه طريقاً للمؤمنين يمرون عليه إلى الجنة لأن الصراط منصوب على جهنم ﴿ مَآباً ﴾ أي مرجعاً ﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً ﴾ جمع حقبة أو حقب وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدود، وقيل: إنها محدودة ثم اختلف في مقدارها، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ثمانون ألف سنة، وقال ابن عباس: ثلاثون سنة وقيل ثلثمائة سنة، وعلى القول بالتحديد فالمعنى أنهم يبقون فيها أحقاباً، كلما انقضى حقب جاء إلى آخر غير نهاية وقيل: إنه كان يقتضي أن مدة العذاب تنقضي، ثم نسخ بقوله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ وهذا خطاب لأن الأخبار لا تنسخ، وقيل: هي في غُصاة المؤمنين الذين يخرجون من النار، وهذا خطأ لأنها في الكفار لقوله: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ ، وقيل: معناه أنهم يبقون أحياناً لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، ثم يبدل لهم نوع آخر من العذاب ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً ﴾ أي لا يذوقون برودة تخفف عنهم حر النار.

وقيل: لا يذوقون ماء بارداً وقيل: البرد هنا النوم والأول أظهر ﴿ إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ﴾ استثناء من الشراب وهو متصل، والحميم: الماء الحار.

والغساق: صديد أهل النار، وقد ذكر في سورة داود [ص: 57] ﴿ جَزَآءً وِفَاقاً ﴾ أي موافقاً أعمالهم لأن أعمالهم كفر وجزاؤهم النار، ووفاقاً مصدر وصف به أو هو على حذف مضاف تقديره ذو وفاق ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً ﴾ هذا مثل ﴿ لا يرجون لقاءنا ﴾ وذكر ذكر ﴿ كِذَّاباً ﴾ بالتشديد مصدر بمعنى تكذيب وبالتخفيف بمعنى الكذب أو المكاذبة، وهي تكذيب بعضهم لبعض ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نزل في أهل النار من هذه الآية» .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ﴾ المقيات: الميعاد؛ أي: وعد فيها جميع الأولين والآخرين، صالحهم وطالحهم، صغيرهم وكبيرهم.

وسمي: يوم الفصل؛ لما يفصل فيه بين الأولياء وبين الأعداء، ويتبين [فيه مثوى] الفريقين جميعا، واليوم ليس بيوم فصل في الظاهر؛ لأن الدنيا تمر على الفريقين على حالة واحدة، وإن كان قد فصل بينهما بالتوفيق والخذلان.

وقيل: يوم الفصل: يوم الحكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ ، قيل: أمة فأمة، تأتى أمة كل رسول بحيالها.

وقيل: يقرن كل أحد بشيعته؛ على ما نذكره في قوله -  -: ﴿ وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ﴾ : منهم من ذكر أنها تفتح لإنزال من شاء الله  من الملائكة، وتنشق وتنفطر؛ لشدة هول القيامة.

ومنهم من قال: إن الشق والفتح والانفطار كله واحد، فذكر الفتح؛ لشدة هول ذلك اليوم.

وجائز أن يكون الكل يقتضي معنى واحدا؛ لأنه فيما ذكر فيه الانشقاق قد ذكر فيه نزول الملائكة بقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ : جائز أن يكون شبهها بالسراب؛ لما أنها إذا سيرت لم توجد في المكان الذي رآها فيه الناظر كالسراب الذي يرى من بعد إذا رآه الناظر، فأتاه لم يجده شيئا، لا أن تكون الجبال في الحقيقة سرابا؛ لأن السراب هو الذي يتراءى من البعد أنه شيء، ولا شيء في الحقيقة، وأما الجبال وإن سيرت فهي في نفسها شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً ﴾ : منهم من ذكر أنها كانت في عالم الله -  - أنها ترصد على من حقت عليه كلمة العذاب فتعذبه، ولا يمكنه الفرار عنها.

وقيل: ترصد بشهيقها وزفيرها من استوجب العذاب؛ فتعذبه وتتقرب به إلى ربها بطواعيتها له، وسخطها على من سخط الله عليه.

وقيل: معنى المرصاد: أن يكون ممر كل كافر ومؤمن عليها، لكن الكافر يقع فيها، والمؤمن ينجو عنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلطَّاغِينَ مَآباً ﴾ ، أي: مرجعا، والطاغي هو الذي تعدى حدود الله  ، وضيع حقوقه، وكفر بأنعمه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً ﴾ ، ذكر الأحقاب، ولم يبين منتهى العدد، ولو كان اللبث فيها يرجع إلى أمد في حق الكفرة، لكان يأتي عليه البيان؛ ما أتى البيان على منتهى يوم القيامة بقوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ ، فلما لميبين، ثبت أنه لا يرجع إلى أحد، وإلى هذا ذهب الحسن.

ومنهم من ذكر أن معناه: أنهم يلبثون ثلاثة أحقاب، والحقب ثمانون سنة، يعذبون بلون من العذاب، ثم يعذبون بلون آخر من العذاب بعد ذلك، لا أن ينقطع عنهم العذاب بعد مضي الأحقاب، والأحقاب هي النهاية في الأوقات، فذكر النهاية في الأوقات، وما يكبر فيها؛ ليعلم أنهم أبداً فيها؛ كما قال: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ  ﴾ ؛ لأنهما هما اللذان عرفا بالدوام؛ فاقتضى ذلك معنى الدوام، فكذلك ذكر ما هو الهاية في الأوقات يعرف أنهم أبدا فيها مقيمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً ﴾ ، فذكر بعضهم أن البرد هو النوم.

ومنهم من ذكر أن معناه: الروح، والراحة.

وقال بعضهم: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً ﴾ يقطع عنهم الحر، ﴿ وَلاَ شَرَاباً ﴾ يقطع عشطهم، ﴿ إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ﴾ فالحميم: هو الماء الذي قد انتهى في الحر نهايته، والغساق: الزمهرير.

وقال بعضهمه: هو ما ينفصل عن أبدانهم من الصديد والزهومة، وهو الودك؛ فمعناه - والله أعلم -: أن الذي يتطعم به أهل النار لا يعذبهم، ولا يجدزن به مستمتعا، بل يصير ذلك سبب إهلاكهم، لا أن يقع لهم بذلك البرد راحة وشفاؤهم؛ كما وصفهم الله -  -: ﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ  ﴾ ، فيبقون أبدا في الهلاك لا يقضى عليهم فيستريحوا، ولا ينقطع عنهم العذاب فيتلذذوا بالحياة.

وقيل: الغساق: لون من العذاب، لم يطلع الله  عليه عباده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً وِفَاقاً ﴾ ، أي: وافق جزاؤهم أعمالهم، لا ينقصون، ولا يزدادون على قدر ما استوجبوا، بل يجزون مثل أعمالهم.

وجائز أن يكون معناه: أن جزاءهم وافق أعمالهم في الخبث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً ﴾ : منهم من ذكر أنهم لا يخافونه.

ومنهم من حمله على حقيقة الرجاء، أي: لم يكونوا يرجون الثواب.

والوجه في: أنهم كانوا قوما لا يؤمنون بالبعث ولا بالجزاء والعذاب حتى يخافوا العقاب، ويرجوا الثواب.

فإن حملته على الخوف، فهم لم يخافوه؛ لما لم يؤمنوا به، وكذلك إن حملته على حقيقة الرجاء، فهم لم يكونوا يرجونه؛ لما كذبوا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً ﴾ ، فالكذاب والتكذيب في لغة العرب واحد؛ والآيات: جائز أن يراد بالآيات آيات البعث، ويراد بها آيات الوحدانية، وآيات الرسالة، ونحوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً ﴾ : جائز أن يكون الإحصاء والكتاب واحداً.

وجائز أن يكون أريد بالإحصاء ما أثبت في الكتاب؛ كقوله  : ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ الزيادة في العذاب هي دوامه وبقاؤه، لا أن يزادوا على القدر الذي كان أعد لهم من العذاب؛ لأنه أخبر أنهم لا يجزون إلا مثلها، فإذا كان الذي عذبوا قبله جزاء لهم، لم يجز [أن] يزادوا عليه فثبت أن الزيادة انصرفت على الدوام والبقاء، وبهذا قال أصحابنا في تأويل قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ، وفي كل ما ذكرت فيه الزيادة -: إنه على الثبات والدوام عليه، لا أنه يزيد وينقص.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

رب السماوات والأرض ورب ما بينهما، رحمن الدنيا والآخرة، لا يملك جميع من في الأرض أو السماء أن يسألوه إلا إذا أذن لهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.V61aE"

مزيد من التفاسير لسورة النبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل