الإسلام > القرآن > سور > سورة 78 النبأ > الآية ٣٨ من سورة النبأ
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٨ من سورة النبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون ) اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا ، ما هو ؟
على أقوال : أحدها : رواه العوفي ، عن ابن عباس : أنهم أرواح بني آدم .
الثاني : هم بنو آدم .
قاله الحسن ، وقتادة ، وقال قتادة : هذا مما كان ابن عباس يكتمه .
الثالث : أنهم خلق من خلق الله ، على صور بني آدم ، وليسوا بملائكة ولا ببشر ، وهم يأكلون ويشربون .
قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو صالح والأعمش .
الرابع : هو جبريل .
قاله الشعبي ، وسعيد بن جبير ، والضحاك .
ويستشهد لهذا القول بقوله : ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ) [ الشعراء : 193 ، 194 ] وقال مقاتل بن حيان : الروح : أشرف الملائكة ، وأقرب إلى الرب - عز وجل - وصاحب الوحي .
والخامس : أنه القرآن .
قاله ابن زيد ، كقوله : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) الآية [ الشورى : 52 ] .
والسادس : أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات ; قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : قوله : ( يوم يقوم الروح ) قال : هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقا .
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، حدثنا رواد بن الجراح ، عن أبي حمزة ، عن الشعبي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود قال : الروح : في السماء الرابعة هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة ، يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة ، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفا وحده ، وهذا قول غريب جدا .
وقد قال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصري ، حدثنا وهب [ الله بن رزق أبو هريرة ، حدثنا بشر بن بكر ] ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني عطاء ، عن عبد الله بن عباس : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن لله ملكا لو قيل له : التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة ، لفعل ، تسبيحه : سبحانك حيث كنت " .
وهذا حديث غريب جدا ، وفي رفعه نظر ، وقد يكون موقوفا على ابن عباس ، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات ، والله أعلم .
وتوقف ابن جرير فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها ، والأشبه - والله أعلم - أنهم بنو آدم .
وقوله : ( إلا من أذن له الرحمن ) كقوله : ( لا تكلم نفس إلا بإذنه ) [ هود : 105 ] .
وكما ثبت في الصحيح : " ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل " .
وقوله ( وقال صوابا ) أي : حقا ، ومن الحق : " لا إله إلا الله " ، كما قاله أبو صالح ، وعكرمة .
وقوله: ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ) اختلف أهل العلم في معنى الروح في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو مَلَك من أعظم الملائكة خَلْقًا.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن خلف العَسْقَلانيّ، قال: ثنا روّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزة، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال: الرُّوح: ملك في السماء الرابعة، هو أعظم من السموات ومن الجبال ومن الملائكة يسبح الله كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كلّ تسبيحة مَلَكا من الملائكة، يجيء يوم القيامة صفًّا وحده.
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ ) قال: هو ملك أعظم الملائكة خَلْقًا.
وقال آخرون: هو جبريل عليه السلام.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ) قال: جبريل عليه السلام.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الضحاك ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ) قال: الروح: جبريل عليه السلام.
حدثنا محمد بن خَلَف العَسْقَلانيّ، قال: ثنا روّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزة عن الشعبىّ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ) قال: الروح جبريل عليه السلام.
وقال آخرون: خَلْق من خلق الله في صورة بني آدم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ( الرُّوحُ ) خَلْق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مسلم، عن مجاهد، قال: ( الرُّوحُ ): خلق لهم أيد وأرجل، وأراه قال: ورءوس يأكلون الطعام، ليسوا ملائكة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: يشبهون الناس وليسوا بالناس.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن مجاهد، قال: ( الرُّوحُ ) خلق كخلق آدم .
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، في قوله: ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا ) قال: الروح خلق من خلق الله يضعفون على الملائكة أضعافًا، لهم أيد وأرجل.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن إسماعيل، عن أبي صالح مولى أم هانئ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ ) قال: الروح: خلق كالناس، وليسوا بالناس.
وقال آخرون: هم بنو آدم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ) قال: هم بنو آدم، وهو قول الحسن.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ) قال: الروح بنو آدم.
وقال قتادة: هذا مما كان يكتمه ابن عباس.
وقال آخرون: قيل: ذلك أرواح بني آدم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ) قال: يعني حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن تردّ الأرواح إلى الأجساد.
وقال آخرون: هو القرآن.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، كان أبي يقول: الروح: القرآن، وقرأ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ .
والصواب من القول أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ خَلْقَه لا يملكون منه خطابا، يوم يقوم الرُّوح، والرُّوح خَلْق من خَلْقِه، وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم أيّ ذلك هو، ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعنيّ به دون غيره يجب التسليم له، ولاحجة تدلّ عليه، وغير ضائر الجهل به.
وقيل: إنه يقول: سِمَاطان.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبيّ، في قوله: ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) قال: هما سِمَاطان (4) لربّ العالمين يوم القيامة؛ سِماط من الروح، وسِماط من الملائكة.
وقوله: ( لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) قيل: إنهم يُؤْذَن لهم في الكلام حين يُؤْمَر بأهل النار إلى النار، وبأهل الجنة إلى الجنة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: ثنا أبو عمرو - الذي يقصّ في طيئ - عن عكرمة، وقرأ هذه الآية: ( إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) قال: يُمرّ بأناس من أهل النار على ملائكة، فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟
فيقال: إلى النار، فيقولون: بما كَسَبت أيديهم، وما ظلمهم الله، ويمرّ بأناس من أهل الجنة على ملائكة، فيقال: أين تذهبون بهؤلاء؟
فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: برحمة الله دخلتم الجنة، قال: فيُؤْذَن لهم في الكلام، أو نحو ذلك.
وقال آخرون: ( إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) بالتوحيد ( وَقَالَ صَوَابًا ) في الدنيا، فوحَّد الله.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) يقول: إلا من أذن له الربّ بشهادة أن لا إله إلا الله، وهي منتهى الصواب.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَقَالَ صَوَابًا ) قال: حقا في الدنيا وعمل به.
حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالح في قوله: ( إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) قال: لا إله إلا الله.
قال أبو حفص: فحدثت به يحيى بن سعيد، فقال: أنا كتبته عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن أبي معاوية.
حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عمر العَدَنيّ، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرِمة في قوله: ( إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) قال: لا إله إلا الله.
والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن خلقه أنهم لا يتكلمون يوم يقوم الروح والملائكة صفا، إلا من أذن له منهم في الكلام الرحمن، وقال صوابا، فالواجب أن يقال كما أخبر إذ لم يخبرنا في كتابه، ولا على لسان رسوله، أنه عَنَى بذلك نوعا من أنواع الصواب، والظاهر محتمل جميعه.
قوله تعالى : يوم يقوم الروح والملائكة صفا " يوم " نصب على الظرف ; أي يوم لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح .
واختلف في الروح على أقوال ثمانية :الأول : أنه ملك من الملائكة .
قال ابن عباس : ما خلق الله مخلوقا بعد العرش أعظم منه ، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا ، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم .
ونحو منه عن ابن مسعود ; قال : الروح ملك أعظم من السماوات السبع ، ومن الأرضين السبع ، ومن الجبال .
وهو حيال السماء الرابعة ، يسبح الله كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة ; يخلق الله من كل تسبيحة ملكا ، فيجيء يوم القيامة وحده صفا ، وسائر الملائكة صفا .الثاني : أنه جبريل - عليه السلام - .
قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير .
وعن ابن عباس : إن عن يمين العرش نهرا من نور ، مثل السماوات السبع ، والأرضين السبع ، والبحار السبع ، يدخل جبريل كل يوم فيه سحرا فيغتسل ، فيزداد نورا على نوره ، وجمالا على جماله ، وعظما على عظمه ، ثم ينتفض فيخلق الله من كل قطرة تقع من ريشه سبعين ألف ملك ، يدخل منهم كل يوم سبعون [ ص: 162 ] ألفا البيت المعمور ، والكعبة سبعون ألفا لا يعودون إليهما إلى يوم القيامة .
وقال وهب : إن جبريل - عليه السلام - واقف بين يدي الله تعالى ترعد فرائصه ; يخلق الله تعالى من كل رعدة مائة ألف ملك ، فالملائكة صفوف بين يدي الله تعالى منكسة رؤوسهم ، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا : لا إله إلا أنت ; وهو قوله تعالى : يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن في الكلام وقال صوابا يعني قول : لا إله إلا أنت .والثالث : روى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الروح في هذه الآية جند من جنود الله تعالى ، ليسوا ملائكة ، لهم رؤوس وأيد وأرجل ، يأكلون الطعام .
ثم قرأ يوم يقوم الروح والملائكة صفا فإن هؤلاء جند ، وهؤلاء جند .
وهذا قول أبي صالح ومجاهد .
وعلى هذا هم خلق على صورة بني آدم ، كالناس وليسوا بناس .الرابع : أنهم أشراف الملائكة ; قاله مقاتل بن حيان .الخامس : أنهم حفظة على الملائكة ; قاله ابن أبي نجيح .السادس : أنهم بنو آدم ، قاله الحسن وقتادة .
فالمعنى ذوو الروح .
وقال العوفي والقرظي : هذا مما كان يكتمه ابن عباس ; قال : الروح : خلق من خلق الله على صور بني آدم ، وما نزل ملك من السماء إلا ومعه واحد من الروح .السابع : أرواح بني آدم تقوم صفا ، فتقوم الملائكة صفا ، وذلك بين النفختين ، قبل أن ترد إلى الأجساد ; قاله عطية .الثامن : أنه القرآن ; قال زيد بن أسلم ، وقرأ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا .
و ( صفا ) : مصدر أي يقومون صفوفا .
والمصدر ينبئ عن الواحد والجمع ، كالعدل ، والصوم .
ويقال ليوم العيد : يوم الصف .
وقال في موضع آخر : وجاء ربك والملك صفا صفا هذا يدل على الصفوف ، وهذا حين العرض والحساب .
قال معناه القتبي وغيره .
وقيل : يقوم الروح صفا ، والملائكة صفا ، فهم صفان .
وقيل : يقوم الكل صفا واحدا .لا يتكلمون أي لا يشفعون إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة وقال صوابا يعني حقا ; قاله الضحاك ومجاهد .
وقال أبو صالح : لا إله إلا الله .
وروى الضحاك عن ابن عباس قال : يشفعون لمن قال لا إله إلا الله .
وأصل الصواب .
السداد من القول والفعل ، وهو من أصاب يصيب إصابة ; كالجواب من أجاب يجيب إجابة .
وقيل : لا يتكلمون يعني الملائكة والروح الذين قاموا صفا ، لا يتكلمون هيبة وإجلالا إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة وهم قد قالوا صوابا ، وأنهم يوحدون الله تعالى ويسبحونه .
وقال الحسن : إن الروح يقول يوم القيامة : لا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة ، ولا النار إلا بالعمل .
وهو معنى قوله تعالى : وقال صوابا .
وفي ذلك اليوم { يَقُومُ الرُّوحُ } وهو جبريل عليه السلام، الذي هو أشرف الملائكة { وَالْمَلَائِكَةِ } [أيضا يقوم الجميع] { صَفًّا } خاضعين لله { لَا يَتَكَلَّمُونَ } إلا بما أذن لهم الله به .
( يوم يقوم الروح ) أي في ذلك اليوم ( والملائكة صفا ) واختلفوا في هذا الروح ، قال الشعبي والضحاك : هو جبريل .
وقال عطاء عن ابن عباس : " الروح " ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقا أعظم منه ، فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا ، فيكون عظم خلقه مثلهم .
وعن ابن مسعود قال : الروح ملك أعظم من السماوات ومن الجبال ، ومن الملائكة وهو في السماء الرابعة ، يسبح كل يوم اثني عشر [ ألف ] تسبيحة ، يخلق من كل تسبيحة ملك يجيء يوم القيامة صفا وحده .
وقال مجاهد ، وقتادة ، وأبو صالح : " الروح " خلق على صورة بني آدم ليسوا بناس يقومون صفا والملائكة صفا ، هؤلاء جند وهؤلاء جند .
وروى مجاهد عن ابن عباس قال : هم خلق على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا معه واحد منهم .
وقال الحسن : هم بنو آدم .
ورواه قتادة عن ابن عباس ، وقال : هذا مما كان يكتمه ابن عباس .
" والملائكة صفا " قال الشعبي : هما سماطا رب العالمين ، يوم يقوم سماط من الروح وسماط من الملائكة .
( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) في الدنيا ، أي حقا .
وقيل : قال : لا إله إلا الله .
«يوم» ظرف لـ لا يملكون «يقوم الروح» جبريل أو جند الله «والملائكة صفا» حال، أي مصطفين «لا يتكلمون» أي الخلق «إلا من أذن له الرحمن» في الكلام «وقال» قولا «صوابا» من المؤمنين والملائكة كأن يشفعوا لمن ارتضى.
لهم كل ذلك جزاء ومنَّة من الله وعطاءً كثيرًا كافيًا لهم، ربِّ السموات والأرض وما بينهما، رحمنِ الدنيا والآخرة، لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه، يوم يقوم جبريل عليه السلام والملائكة مصطفِّين، لا يشفعون إلا لمن أذن له الرحمن في الشفاعة، وقال حقًا وسدادًا.
ذلك اليوم الحق الذي لا ريب في وقوعه، فمن شاء النجاة مِن أهواله فليتخذ إلى ربه مرجعًا بالعمل الصالح.
والظرف فى قوله - تعالى - : ( يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً .
.
.
) متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك : ( لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً ) .
.
والمراد بالروح : جبريل - عليه السلام - .
أى : لا يملك أحد أن يخاطب الله - تعالى - إلا بإذنه ، يوم القيامة ، ويوم يقوم جبريل - عليه السلام - بين يدى خالقه قيام تذلل وخضوع ، ويقوم الملائكة - أيضا - قياما كله أدب وخشوع ، وهم فى صفوف منتظمة .( لاَّ يَتَكَلَّمُونَ ) أى : لا يستطيع جبريل ولا الملائكة ولا غيرهم الكلام ( إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ) منهم بالكلام أو بالشفاعة .( وَقَالَ صَوَابا ) أى : وقال المأذون له فى الكلام قولا صوابا يرضى الخالق - عز وجل - .وكون المراد بالروح : جبريل - عليه السلام - هو الرأى الراجح ، لأن القرآن الكريم قد وصفه بذلك فى آيات منها قوله - تعالى - : ( نَزَلَ بِهِ الروح الأمين .
على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين ) وهناك أقوال أخرى فى المراد به ، منها : أنه ملك من الملائكة ، ومنها : أرواح بنى آدم .وجملة " لا يتكلمون " مؤكدة لجملة ( لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً ) والضمير لجميع الخلائق .وقد أفادت الآية الكريمة أن الذين يتكلمون فى هذا اليوم الهائل الشديد ، هم الذين يأذن الله - تعالى - لهم بالكلام ، وهم الذين يقولون قولا صوابا يرضى الله - تعالى - عنه .وجملة : " وقال صوابا " يجوز أن تكون فى موضع الحال من الاسم الموصول " من " أى : لا يستطيع أحد منهم الكلام إلا الشخص الذى قد أذن الله - تعالى - له فى الكلام ، والحال أن هذا المأذون له قد قال صوابا .ويصح أن تكون معطوفة على جملة ( أَذِنَ لَهُ الرحمن ) أى : لا يستطيعون الكلام إلا الذين أذن لهم الرحمن فى الكلام ، وإلا الذين قالوا قولا صوابا يرضى الله ، فإنهم يتكلمون .والمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الخلائق جميعا يكونون فى هذا اليوم ، فى قبضة الرحمن وتحت تصرفه ، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بإذنه - تعالى - .
وذلك لأن الملائكة أعظم المخلوقات قدراً ورتبة، وأكثر قدرة ومكانة، فبين أنهم لا يتكلمون في موقف القيامة إجلالاً لربهم وخوفاً منه وخضوعاً له، فكيف يكون حال غيرهم.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لمن يقول بتفضيل الملك على البشر أن يتمسك بهذه الآية، وذلك لأن المقصود من الآية أن الملائكة لما بقوا خائفين خاضعين وجلين متحيرين في موقف جلال الله، وظهور عزته وكبريائه، فكيف يكون حال غيرهم، ومعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا إذا كانوا أشرف المخلوقات.
المسألة الثانية: اختلفوا في الروح في هذه الآية، فعن ابن مسعود أنه ملك أعظم من السموات والجبال.
وعن ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً، وعن مجاهد: خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون، وليس بناس، وعن الحسن وقتادة هم بنو آدم، وعلى هذا معناه ذو الروح، وعن ابن عباس أرواح الناس، وعن الضحاك والشعبي هو جبريل عليه السلام، وهذا القول هو المختار عند القاضي.
قال: لأن القرآن دل على أن هذا الاسم اسم جبريل عليه السلام، وثبت أن القيام صحيح من جبريل والكلام صحيح منه، ويصح أن يؤذن له فكيف يصرف هذا الاسم عنه إلى خلق لا نعرفه، أو إلى القرآن الذي لا يصح وصفه بالقيام.
أما قوله: ﴿ صَفَّا ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى أن الروح على الاختلاف الذي ذكرناه، وجميع الملائكة يقومون صفاً واحداً، ويجوز أن يكون المعنى يقومون صفين، ويجوز صفوفاً، والصف في الأصل مصدر فينبئ عن الواحد والجمع، وظاهر قول المفسرين أنهم يقومون صفين، فيقوم الروح وحده صفاً، وتقوم الملائكة كلهم صفاً واحداً، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم، وقال بعضهم: بل يقومون صفوفاً لقوله تعالى: ﴿ وَجَاء رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً ﴾ .
المسألةالثالثة: الاستثناء إلى من يعود؟
فيه قولان: أحدهما: إلى الروح والملائكة، وعلى هذا التقدير؛ الآية دلت على أن الروح والملائكة لا يتكلمون إلا عند حصول شرطين إحداها: حصول الإذن من الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ والمعنى أنهم لا يتكلمون إلا بإذن الله.
والشرط الثاني: أن يقول: صواباً، فإن قيل: لما أذن له الرحمن في ذلك القول، علم أن ذلك القول صواب لا محالة، فما الفائدة في قوله: ﴿ وَقَالَ صَوَاباً ﴾ ؟
والجواب من وجهين: الأول: أن الرحمن أذن له في مطلق القول ثم إنهم عند حصول ذلك الإذن لا يتكلمون إلا بالصواب، فكأنه قيل: إنهم لا ينطلقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام، ثم بعد ورود ذلك الإذن يجتهدون، ولا يتكلمون إلا بالكلام الذي يعلمون أنه صدق وصواب، وهذا مبالغة في وصفهم بالطاعة والعبودية الوجه الثاني: أن تقديره: لا يتكلمون إلا في حق ﴿ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً ﴾ والمعنى لا يشفعون إلا في حق شخص أذن له الرحمن في شفاعته وذلك الشخص كان ممن قال صواباً، واحتج صاحب هذا التأويل بهذه الآية على أنهم يشفعون للمذنبين لأنهم قالوا صواباً وهو شهادة أن لا إله إلا الله، لأن قوله: ﴿ وَقَالَ صَوَاباً ﴾ يكفي في صدقه أن يكون قد قال صواباً واحداً، فكيف بالشخص الذي قال القول الذي هو أصوب الأقوال وتكلم بالكلام الذي هو أشرف الكلمات القول الثاني: أن الاستثناء غير عائد إلى الملائكة فقط بل إلى جميع أهل السموات والأرض، والمقول الأول أولى لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى.
واعلم أنه تعالى لما قرر أحوال المكلفين في درجات الثواب والعقاب، وقرر عظمة يوم القيامة قال بعده: <div class="verse-tafsir"
﴿ مَفَازاً ﴾ فوزاً وظفراً بالبغية.
أو موضع فوز.
وقيل: نجاة مما فيه أولئك.
أو موضع نجاة.
وفسر المفاز بما بعده.
والحدائق: البساتين فيها أنواع الشجر المثمر.
والأعناب: الكروم.
والكواعب: اللاتي فلكت ثديهن، وهن النواهد.
والأتراب.
اللدات: والدهاق: المترعة.
وأدهق الحوض: ملأه حتى قال قطنى.
وقرئ ﴿ ولا كذاباً ﴾ بالتشديد والتخفيف، أي: لا يكذب بعضه بعضاً ولا يكذبه.
أو لا يكاذبه.
وعن علي رضي الله عنه أنه قرأ بتخفيف الاثنين ﴿ جَزَآءً ﴾ مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله: ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (31) ﴾ كأنه قال: جازى المتقين بمفاز.
و ﴿ عَطَآءً ﴾ نصب بحزاء نصب المفعول به.
أي: جزاهم عطاء.
و ﴿ حِسَاباً ﴾ صفة بمعنى: كافياً.
من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي.
وقيل: على حسب أعمالهم.
وقرأ ابن قطيب ﴿ حساباً ﴾ بالتشديد، على أنّ الحساب بمعنى المحسب، كالدرّاك بمعنى المدرك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ جَزاءً مِن رَبِّكَ ﴾ بِمُقْتَضى وعْدِهِ.
﴿ عَطاءً ﴾ تَفَضُّلًا مِنهُ إذْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وهو بَدَلٌ مِن جَزاءً، وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِهِ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ.
﴿ حِسابًا ﴾ كافِيًا مِن أحْسَبَهُ الشَّيْءَ إذا كَفاهُ حَتّى قالَ: حَسْبِي، أوْ عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ وقُرِئَ «حَسّابًا» أيْ مُحْسِبًا كالدَّرّاكِ بِمَعْنى المُدْرِكِ.
﴿ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ بَدَلٌ مِن رَبِّكَ وقَدْ رَفَعَهُ الحِجازِيّانِ وأبُو عَمْرٍو عَلى الِابْتِداءِ.
﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ بِالجَرِّ صِفَةٌ لَهُ وكَذا في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ويَعْقُوبَ وبِالرَّفْعِ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِجَرِّ الأوَّلِ ورَفْعِ الثّانِي عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ والواوُ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ أيْ لا يَمْلِكُونَ خِطابَهُ، والِاعْتِراضَ عَلَيْهِ في ثَوابٍ أوْ عِقابٍ لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ لَهُ عَلى الإطْلاقِ فَلا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ اعْتِراضًا وذَلِكَ لا يُنافِي الشَّفاعَةَ بِإذْنِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{يوم يقوم} إن جعلته ظرفا للايملكون لا تقف على خطاباً وإن جعلته ظرفاً للايتكلمون تقف {الرُّوحُ} جبريل عند الجمهور وقيل هو ملك عظيم ما خلق الله تعالى بعد العرش خلقاً أعظم منه {والملائكة صَفَّاً} حال أي مصطفين {لاّ يتكلّمون} أي الخلائق ثم خوفا {إلا من أذن له الرحمن} في الكلام أو الشفاعة {وقال صواباً} حقاً بأن قال المشفوع له لا إله إلا الله في الدنيا أو لا يؤذن إلا لمن يتكلم بالصواب في أمر الشفاعة
﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا ﴾ قِيلَ: ﴿ الرُّوحُ ﴾ خَلْقٌ أعْظَمُ مِنَ المَلائِكَةِ وأشْرَفُ مِنهم وأقْرَبُ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: هو مَلِكٌ ما خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ العَرْشِ خَلْقًا أعْظَمَ مِنهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ قامَ هو وحْدَهُ صَفًّا والمَلائِكَةُ صَفًّا، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ لَوْ فَتَحَ فاهُ لَوَسِعَ جَمِيعَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««الرَّوْحُ جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لَيْسُوا مَلائِكَةً لَهم رُؤُوسٌ وأيْدٍ وأرْجُلٌ».
وفِي رِوايَةِ: «يَأْكُلُونَ الطَّعامَ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا ﴾ وقالَ: «هَؤُلاءِ جُنْدٌ، وهَؤُلاءِ جُنْدٌ»».
ورُوِيَ القَوْلُ بِهَذا عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ.
وقِيلَ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هم حَفَظَةُ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: مَلِكٌ مُوَكَّلٌ عَلى الأرْواحِ، قالَ في الأحْياءِ: المَلِكُ الَّذِي يُقالُ لَهُ الرُّوحُ هو الَّذِي يُولِجُ الأرْواحَ في الأجْسامِ؛ فَإنَّهُ يَتَنَفَّسُ فَيَكُونُ في كُلِّ نَفَسٍ مِن أنْفاسِهِ رُوحٌ في جِسْمٍ، وهو حَقٌّ يُشاهِدُهُ أرْبابُ القُلُوبِ بِبَصائِرِهِمْ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ؛ فَقَدْ أخْرَجَ هو عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُومُ القِيامَةَ لِقائِمٍ بَيْنَ يَدَيْ الجَبّارِ تَرْعَدُ فَرائِصُهُ فَرَقًا مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ: سُبْحانَكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ، وإنَّ ما بَيْنَ مَنكِبَيْهِ كَما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا ﴾ .
وفِي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِهِ أرْواحُ النّاسِ، وأنَّ قِيامَها مَعَ المَلائِكَةِ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تُرَدَّ إلى الأجْسادِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ في الآيَةِ جِدًّا، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنِ الحَبْرِ، وقِيلَ: القُرْآنُ وقِيامُهُ مَجازٌ عَنْ ظُهُورِ آثارِهِ الكائِنَةِ عَنْ تَصْدِيقِهِ أوْ تَكْذِيبِهِ وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعَ ما لا يَخْفى، ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي فِيهِ هُنا شَيْءٌ.
و( يَوْمَ ) ظَرْفٌ لِ ( لا يَمْلِكُونَ ) و( صَفًّا ) حالٌ؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ، قِيلَ: هُما صَفّانِ الرُّوحُ صَفٌّ واحِدٌ أوْ مُتَعَدِّدٌ، والمَلائِكَةُ صَفٌّ آخَرُ، وقِيلَ: صُفُوفٌ، وهو الأوْفَقُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ وقِيلَ: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ الكُلُّ صَفًّا واحِدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا ﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ وهو عائِدٌ إلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ، وذِكْرُ قِيامِهِمْ مُصْطَفِّينَ لِتَحْقِيقِ عَظَمَةِ سُلْطانِهِ تَعالى وكِبْرِياءِ رُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَهْوِيلِ يَوْمِ البَعْثِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدارُ الكَلامِ مِن مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى مَقْطَعِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَمْلِكُونَ ) إلَخْ.
ومُؤَكِّدٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّ أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ إذا لَمْ يَقْدِرُوا حِينَئِذٍ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِشَيْءٍ مِن جِنْسِ الكَلامِ إلّا مَن أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنهم في التَّكَلُّمِ مُطْلَقًا، وقالَ ذَلِكَ المَأْذُونُ لَهُ بَعْضَ الإذْنِ في مُطْلَقِ التَّكَلُّمِ قَوْلًا صَوابًا؛ أيْ: حَقًّا مِنَ الشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ خِطابَ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ جَلالُهُ مَعَ كَوْنِهِ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الكَلامِ وأعَزَّ مِنهُ مَرامًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ إلى: ﴿ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ ﴾ والكَلامُ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَمْلِكُونَ ) إلَخْ أيْضًا لَكِنْ عَلى مَعْنى أنَّ الرُّوحَ والمَلائِكَةَ مَعَ كَوْنِهِمْ أفْضَلَ الخَلائِقِ وأقْرَبَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى إذا لَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بِما هو صَوابٌ مِنَ الشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى إلّا بِإذْنِهِ فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهم وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ فَتُعَقِّبُ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ مِن كَوْنِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أفْضَلَ مِنَ البَشَرِ مُطْلَقًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ أيْضًا مَن ذَهَبَ إلى هَذا كَأبِي عَبْدِ اللَّهِ الحَلِيمِيِّ والقاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ والإمامِ الرّازِيِّ، ونُسِبَ إلى القاضِي البَيْضاوِيِّ، وكَلامُهُ في التَّفْسِيرِ هُنا لا يَخْلُو عَنْ إغْلاقٍ، وتَصَدّى مَن تَصَدّى لِتَوْجِيهِهِ وأطالُوا في ذَلِكَ عَلى أنَّ الخِلافَ في أفْضَلِيَّتِهِمْ بِمَعْنى كَثْرَةِ الثَّوابِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِن كَوْنِهِمْ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى وأحَبَّهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا بِمَعْنى قُرْبِ المَنزِلَةِ ودُخُولِ حَظائِرِ القُدْسِ ورَفْعِ سِتارَةِ المَلَكُوتِ بِالِاطِّلاعِ عَلى ما غابَ عَنّا، والمُناسَبَةُ في النَّزاهَةِ وقِلَّةِ الوَسائِطِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَإنَّهم بِهَذا الِاعْتِبارِ أفْضَلُ بِلا خِلافٍ، وكَلامُ ذَلِكَ البَعْضِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، وهَذا كَما نُشاهِدُهُ مِن حالِ خُدّامِ المَلِكِ وخاصَّةً حَرَمُهُ فَإنَّهم أقْرَبُ إلَيْهِ مِن وُزَرائِهِ والخارِجِينَ مِن أقْرِبائِهِ ولَيْسُوا عِنْدَهُ بِمَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وإنْ زادا في التَّبَسُّطِ والدَّلالِ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ لِلنّاسِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ إلا مَن أذِنَ ﴾ إلَخْ مَنصُوبًا عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى: لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا في حَقِّ شَخْصٍ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ، وقالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ في الدُّنْيا صَوابًا أيْ حَقًّا هو التَّوْحِيدُ وقَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وعَلَيْهِ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ( قالَ صَوابًا ) في مَوْضِعِ الحالِ مِمَّنْ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ لا عَطْفًا عَلى ( أذِنَ ) ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ الحالِيَّةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا لَكِنْ مِن ضَمِيرِ ﴿ يَتَكَلَّمُونَ ﴾ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ أوْ بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ وظَنُّ أنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمُ المَعْنى لا يَتَكَلَّمُونَ بِالصَّوابِ إلّا بِإذْنِهِ لا يَتِمُّ بِدُونِ ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: جُمْلَةُ: ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ حالٌ مِن: ﴿ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ فِي: ﴿ صَفًّا ﴾ والجُمْهُورُ عَلى ما تَقَدَّمَ، وإظْهارُ الرَّحْمَنِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَناطَ الإذْنِ هو الرَّحْمَةُ البالِغَةُ لا أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما أنَّ ذِكْرَهُ فِيما تَقَدَّمَ بِالإشارَةِ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ مَناطُ تَرْبِيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر صنعه، ليستدلوا بصنعه على توحيده.
فقال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً يعني: فراشاً ومقاماً.
ويقال: موضع القرار، ويقال: معناه ذللنا لهم الأرض، ليسكنوها ويسيروا فيها.
وَالْجِبالَ أَوْتاداً يعني: أوتدها وأثبتها.
ثم قال: وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً يعني: أصنافاً وأضداداً، ذكراً وأنثى.
ويقال: ألواناً بيضاً، وسوداً، وحمراً وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً يعني: راحة لأبدانكم وأصله التمدد، فلذلك سمي السبت، لأنه قيل لبني إسرائيل: استريحوا فيه.
ويقال: سباتاً يعني: سكوناً وانقطاعاً عن الحركات.
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً يعني: سكوناً يسكنون فيه.
ويقال: ستراً يستر كل شيء وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً يعني: مطلباً للمعيشة وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً يعني: سبع سموات غلاظاً، كل سماء مسيرة خمسمائة عام وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً يعني: وقاداً مضيئة وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ يعني: من السحاب، سمي معصرات لأنها تعصر الماء.
ويقال: المعصرات هي الرياح.
يعني: ذوات الأعاصير.
كقوله: إعصاراً فيه نار.
ثم قال عز وجل: مَاء ثَجَّاجاً يعني: سيالاً ويقال: منصباً كبيراً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً يعني: بالماء حبوباً كثيرة للناس، ونباتاً للدواب من العشب والكلأ وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً يعني: شجرها ملتفاً بعضها في بعض، فأعلم الله تعالى قدرته، أنه قادر على البعث.
فقال: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً يعني: يوم القيامة ميقاتاً، وميعاداً للأولين والآخرين يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً يعني: جماعة جماعة.
وروي في بعض الأخبار عن رسول الله ، أنه قال: يبعث الله تعالى الناس صوراً مختلفة، بعضهم على صورة الخنزير، وبعضهم على صورة القردة، وبعضهم وجوههم كالقمر ليلة البدر.
ثم قال عز وجل: وَفُتِحَتِ السَّماءُ يعني: أبواب السماء فَكانَتْ أَبْواباً يعني: صارت طرقاً.
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم وَفُتِحَتِ بالتخفيف، والباقون بالتشديد، وهو لتكثير الفعل، والتخفيف بفتح مرة واحدة.
ثم قال عز وجل: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ يعني: قلعت من أماكنها فَكانَتْ سَراباً يعني: فصارت كالسراب، تسير في الهواء كالسراب في الدنيا إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً أي: رصداً لكل كافر ويقال: سجنا ومحبسا لِلطَّاغِينَ مَآباً أي: للكافرين مرجعاً، يرجعون إليها.
لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً يعني: ماكثين فيها أبداً دائماً.
والأحقاب وأحدها حقب، والحقب ثمانون سنة، واثنا عشر شهراً، وكل شهر ثلاثون يوماً، وكل يوم منها مقدار ألف سنة مما تعدون بأهل الدنيا، فهذا حقب واحد، والأحقاب هو التأييد كلما مضى حقب، دخل حقب آخر.
وإنما ذكر أحقاباً، لأن ذلك كان أبعد شيء عندهم.
فذكر وتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونه، وهو كناية عن التأبيد، أي: يمكثون فيها أبداً.
قرأ حمزة لبثين بغير ألف.
والباقون لابثين بالألف، ومعناهما واحد.
<div class="verse-tafsir"
الجهير، وذبح الهدي، وأَلْفافاً أي: ملتفّة الأغصان والأوراق، ويَوْمَ الْفَصْلِ هُو يوم القيامةِ، والأفواجُ: الجماعاتُ، يتلو بعضُها بعضاً، «وفُتِحَتِ السماء» بتشديد التَّاء قراءةُ نافعٍ وأبي عمرٍو وابن كثير وابن عامر، والباقون دون تشديد «١» .
وقوله تعالى: فَكانَتْ أَبْواباً قيل معناه: تَتَشَقَّقُ حتَى يكونَ فيها فُتُوحٌ كالأَبوابِ في الجدرات، وقيل: إنها تتقطعُ السماء قِطَعاً صغاراً حتى تكونَ كألواح الأَبواب، والقولُ الأول أحسَنُ، وقد قال بعض أهل العلم: تَنْفَتِح في السماء أبواب للملائِكَةِ من حيثُ ينزلونَ ويصعَدون.
وقوله تعالى: فَكانَتْ سَراباً عبارةٌ عن تلاشيها بعد كونها هباء منبثّا، ومِرْصاداً: مَوْضع الرصدِ، وقيل: مِرْصاداً بمعنى رَاصِدٍ، والأحقاب: جمع حُقُبٍ وهي المدةُ الطويلةُ من الدهر غيرَ محدودة، وقال ابن عباس وابن عمر الحُقْبُ: ثمانونَ سنةٍ «٢» .
وقال أبو أمامة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه ثلاثون ألفَ سَنَة، وقد أكثر الناسُ في هذا، واللازمُ أنّ اللَّه تعالى أخبرَ عن الكفارِ أنهم يلبثُونَ أحْقَاباً، كلما مَرَّ حُقْبٌ جَاءَ غيره إلى غير نهاية، نجانا اللَّه من سَخَطِه، قال الحسنُ: ليسَ للأحْقَابِ عدّة إلا الخلود في النار «٣» .
وقوله سبحانه: لاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً ...
الآية، قال الجمهورُ: البَرْدُ في الآية مَسُّ الهَوَاءِ البَاردِ، أي: لا يمسُّهم منه مَا يُسْتَلَذُّ، وقال أبو عبيدة وغيره: البردُ في الآية النوم «٤» ،
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ ﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا ﴾ ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا ﴾ ﴿ حَدائِقَ وأعْنابًا ﴾ ﴿ وَكَواعِبَ أتْرابًا ﴾ ﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا ﴾ ﴿ جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا ﴾ ﴿ رَبِّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ، والفَضْلُ بْنُ خالِدٍ، ومُعاذٌ النَحْوِيُّ: البَرْدُ في هَذِهِ الآيَةِ النُوَّمُ، والعَرَبُ تَسِمُهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَبْرِدُ سُورَةَ العَطَشِ، ومِن كَلامِهِمْ: "مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ"، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "البَرْدُ في الآيَةِ: مَسُّ الهَواءِ البارِدِ، وهو القَرُّ، أيْ: لا يَمَسُّهم مِنهُ ما يَسْتَلِذُّ ويَكْسِرُ عَذابَ الحَررِّ، فالذَوْقُ -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- مُسْتَعارٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البَرْدُ الشَرابُ البارِدُ المُسْتَلَذُّ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: يَسْقُونَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمْ بِرَدى يُصَفِّقُ بِالرَحِيقِ السَلْسَلِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أمانِي مِن سُعْدى حِسانٌ كَأنَّما ∗∗∗ سَقَتْكَ بِها سُعْدى عَلى ظَمَأٍ بَرْدا ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا ﴾ ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، و"الحَمِيمُ": الحارُّ الذائِبُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الماءِ السُخْنِ والعَرَقِ، ومِنهُ الحَمّامُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الحَمِيمُ دُمُوعُ أعْيُنِهِمْ، وقالَ النَقّاشُ: الحَمِيمُ الصُفْرُ المُذابُ المُتَناهِي الحَرِّ، واخْتَلَفَ الناسُ في "الغَسّاقِ"، فَقالَ قَتادَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسامِ أهْلِ النارِ مِن صَدِيدٍ ونَحْوِهِ، يُقالُ: غَسَقَ الجُرْحُ: إذا سالَ مِنهُ قَيْحٌ ودَمٌ، وغَسَقَتِ العَيْنُ: إذا دَمَعَتْ وإذا خَرَجَ قَذاها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الغَسّاقُ مَشْرُوبٌ لَهم مُفْرِطُ الزَمْهَرِيرِ، كَأنَّهُ في الطَرَفِ الثانِي مِنَ الحَمِيمِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِبَرْدِهِ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بِرِيدَةَ: "الغَسّاقُ" المُنْتِنُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الجُمْهُورِ: "غَساقًا" مُخَفَّفَةَ السِينِ، وهو اسْمٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والشَعْبِيُّ، والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "غَسّاقًا" مُشَدَّدَةَ السِينِ، وهي صِفَةٌ أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَشْرُوبًا غَسّاقًا، أيْ سائِلٌ مِن أبْدانِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ مَعْناهُ: لِأعْمالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أيْ: هو جَزاؤُهُمُ الجَدِيرُ بِهِمْ، المُوافِقُ مَعَ التَحْذِيرِ لِأعْمالِهِمْ، فَهي كُفْرٌ والجَزاءُ نارٌ.
و"يَرْجُونَ" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَخافُونَ، وقالَ غَيْرُهُ: الرَجاءُ هُنا عَلى بابِهِ، ولا رَجاءَ إلّا وهو مُقْتَرِنٌ بِخَوْفٍ، ولا خَوْفَ إلّا وهو مُقْتَرِنٌ بِرَجاءٍ، فَذَكَرَ أحَدَ القِسْمَيْنِ لِأنَّ المَقْصِدَ العِبارَةُ عن تَكْذِيبِهِمْ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهم كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ، فَهم لِذَلِكَ لا يَرْجُونَهُ ولا يَخافُونَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَذّابًا" بِشَدِّ الذالِ وكَسْرِ الكافِ، وهو مَصْدَرٌ بِلُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، وهي يَمانِيَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ أحَدِهِمْ وهو يَسْتَفْتِي: "الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القِصّارُ"؟
ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَقَدْ طالَما ثَبَّطَتْنِي عن صَحابَتَيْ ∗∗∗ وعن حِوَجٍ قَضاؤُها مِن شِفائِيا وهَذا عِنْدَهم مَصْدَرٌ مَن فَعَّلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في "كِذّابًا"، وأراهُ أرادَ السَبْعَةَ، وأمّا في الشاذِّ فَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَوْفُ الأعْرابِيُّ، وعِيسى -بِخِلافٍ- والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ: "كِذّابًا" بِكَسْرِ الكافِ وبِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "كُذّابًا" بِضَمِّ الكافِ وشَدِّ الذالِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كاذِبٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ يُرِيدُ كُلَّ شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُحْصى، وفي هَذا الخَبَرِ رَبْطٌ لِأجْزاءِ القِصَّةِ بِأوَّلِها أيْ: هم مُكَذِّبُونَ وكافِرُونَ ونَحْنُ قَدْ أحْصَيْنا فالقَوْلُ لَهم في الآخِرَةِ: "ذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا"، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ما نَزَلَتْ في أهْلِ النارِ آيَةٌ أشَدُّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ .
وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ أهْلِ النارِ عَقَّبَ بِذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"المَفازُ" مَوْضِعُ الفَوْزِ؛ لِأنَّهم زُحْزِحُوا عَنِ النارِ، وأُدْخِلُوا الجَنَّةَ، و"الحَدائِقُ" البَساتِينُ الَّتِي عَلَيْها جِدْراتٌ أوَ حَظائِرُ، و"أتْرابًا" مَعْناهُ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، والتُرْبانُ هُما اللَذانِ مَسّا التُرابَ في وقْتٍ واحِدٍ، و"الدِهاقُ" المُتْرَعَةُ فِيما قالَ الجُمْهُورُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ مَعْناهُ: المُتابَعَةُ، وهي مِنَ الدَهْقِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الصافِيَةُ، وفي البُخارِيِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ أُبَيَّ في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ لِلسّاقِي: اسْقِنا كَأْسًا دِهاقًا.
و"اللَغْوُ" سَقْطُ الكَلامُ، وهو ضُرُوبٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "كِذّابًا" إلّا أنَّ الكِسائِيَّ مِنَ السَبْعَةِ قَرَأ في هَذا المَوْضِعِ "كَذابًا" بِالتَخْفِيفِ، وهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "حِسابًا"، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ واللُغَوِيِّينَ: مَعْناهُ: مُحْسِبًا، أيْ كافِيًا، مِن قَوْلِهِمْ: أحْسَبُنِي هَذا الأمْرَ، أيْ كَفانِي، ومِنهُ، حَسْبِيَ اللهُ، وقالَ مُجاهِدٌ مَعْناهُ: إنَّ "حِسابًا" مَعْناهُ: مُقْسِطًا عَلى الأعْمالِ، لِأنَّ نَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهِ وتَفَضُّلِهِ لا بِعَمَلٍ، والدَرَجاتُ فِيها والنِعَمُ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، فَإذا ضاعَفَ اللهُ تَعالى لِقَوْمٍ حَسَناتِهِمْ بِسَبْعِمائَةٍ مَثَلًا ومِنهُمُ المُكْثِرُ مِنَ الأعْمالِ والمُقِلُّ أخَذَ كُلَّ واحِدٍ سَبْعَمِائَةٍ بِحَسَبِ عَمَلِهِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ تَضْعِيفٍ، فالحِسابُ ها هو بِمُوازَنَةِ أعْمالِ القَوْمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "حِسابًا" بِكَسْرِ الحاءِ وتَخْفِيفِ السِين مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ قَطِيبٍ "حِسابًا" بِفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: جاءَ بِالِاسْمِ مِن أفْعَلَ عَلى فِعالٍ كَما قالُوا: أدْرَكَ فَهُوَ: دِراكٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسِراجٌ: " عَطاءً حَسَنًا" بِالنُونِ مِنَ الحُسْنِ، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ قَرَأ: "حَسِبا" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ وبِالباءِ، وقَرَأ شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ الحِمْصِيُّ: "حِسّابًا" بِكَسْرِ الحاءِ وشَدِّ السِينِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأهْلُ الحَرَمَيْنِ: "رَبُّ" بِالرَفْعِ، وكَذَلِكَ "الرَحْمَنُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ، وكَذَلِكَ "الرَحْمَنِ".
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "رَبِّ": بِالخَفْضِ، و"الرَحْمَنُ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ- بِخِلافٍ عنهُما ووُجُوهُ هَذِهِ القِراءاتِ بَيِّنَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا" الضَمِيرُ لِلْكُفّارِ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ مِن أفْضالِهِ وإجْمالِهِ أنْ يُخاطِبُوهُ بِمَعْذِرَةٍ ولا غَيْرِها، وهَذا في مَوْطِنٍ خاصٍّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يوم ﴾ متعلق بقوله: ﴿ لا يملكون منه خطاباً ﴾ [النبأ: 37]، أي لا يتكلم أحد يومئذ إلاّ من أذن له الله.
وجملة ﴿ لا يتكلمون ﴾ مؤكدة لجملة ﴿ لا يملكون منه خطاباً ﴾ أعيدت بمعناها لتقرير المعنى إذ كان المقام حقيقاً، فالتقرير لقصد التوصل به إلى الدلالة على إبطال زعم المشركين شفاعة أصنامهم لهم عند الله، وهي دلالة بطريق الفحوى فإنه إذا نُفي تكلمهم بدون إذن نفيت شفاعتهم إذ الشفاعة كلام مَن له وجاهة وقبول عند سامعه.
وليبنى عليها الاستثناء لبُعد ما بين المستثنَى والمستثنى منه بمتعلقات ﴿ يملكون ﴾ [النبأ: 37] من مجرور ومفعول به، وظرففٍ، وجملةٍ أضيف لها.
وضمير ﴿ يتكلمون ﴾ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ يملكون ﴾ .
والقول في تخصيص ﴿ لا يتكلمون ﴾ مثل القول في تخصيص ﴿ لا يملكون منه خطاباً ﴾ [النبأ: 37] وقوله: ﴿ إلا من أذن له الرحمن ﴾ [طه: 109] استثناء من ضمير ﴿ لا يتكلمون ﴾ وإذ قد كان مؤكداً لضمير ﴿ لا يملكون ﴾ فالاستثناء منه يفهم الاستثناء من المؤكَّد به.
والقيام: الوقوف وهو حالة الاستعداد للعمل الجِد وهو من أحوال العبودية الحق التي لا تُستحق إلا لله تعالى.
وفي الحديث: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار» أي لأن ذلك من الكبرياء المختصة بالله تعالى.
والرُّوح: اختلف في المراد منه اختلافاً أثاره عطف الملائكة عليه فقيل هو جبريل.
وتخصيصه بالذكر قبل ذكر الملائكة المعطوف عليه لتشريف قدره بإبلاغ الشريعة، وقيل المراد: أرواح بني آدم.
واللام لتعريف الجنس: فالمفرد معها والجمع سواء.
والمعنى: يومَ تُحْضَر الأرواح لتودع في أجسادها، وعليه يكون فعل ﴿ يقوم ﴾ مستعملاً في حقيقته ومجازه.
و ﴿ الملائكة ﴾ عطف على ﴿ الروح ﴾ ، أي ويَقوم الملائكة صفّاً.
والصف اسم للأشياء الكائنة في مكان يجانبُ بعضُها بعضاً كالخط.
وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ثم ائتُوا صفاً ﴾ في سورة طه (64)، وفي قوله: ﴿ فاذكروا اسم اللَّه عليها صواف ﴾ في سورة الحج (36)، وهو تسمية بالمصدر من إطلاق المصدر على اسم الفاعل، وأصله للمبالغة ثم صار اسماً، وإنما يصطف الناس في المقامات التي يكون فيها أمر عظيم فصفّ الملائكة تعظيم لله وخضوع له.
والإذن: اسم للكلام الذي يفيد إباحةَ فعل للمأذون، وهو مشتق من: أَذِن له، إذا استمع إليه قال تعالى: ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ [الأنشقاق: 2]، أي استمعت وأطاعت لإِرادة الله.
وأذِن: فعل مشتق من اسم الأذْن وهي جارحة السمع، فأصل معنى أذِنَ له: أمال أذنَه، أي سَمْعَه إليه يقال: أذن يأذَن أذناً كفَرح، ثم استعمل في لازم السمع وهو الرضى بالمسموع فصار أذِنَ بمعنى رضي بما يطلب منه أو ما شأنه أن يطلب منه، وأباحَ فعله، ومصدره إذن بكسر الهمزة وسكون الذال فكأنّ اختلاف صيغة المصدرين لقصد التفرقة بين المعنيين.
ومتعلق ﴿ أذن ﴾ محذوف دل عليه ﴿ لا يتكلمون ﴾ ، أي من أذن له في الكلام.
ومعنى أذْن الرحمان: أن من يريد التكلم لا يستطيعُه أو تعتريه رهبة فلا يُقدم على الكلام حتى يستأذن الله فأذن له، وإنما يستأذنه إذا ألهمه الله للاستئذان فإن الإِلهام إذن عند أهل المكاشفات في العامل الأخروي فإذا ألقى الله في النفس أن يستأذن استأذن الله فأذن له كما ورد في حديث الشفاعة من إحجام الأنبياء عن الاستشفاع للناس حتى يأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: «فأَنْطَلِقُ فآتِي تحت العرش فأقع ساجداً لربي عز وجل ثم يفتح الله عليَّ من محامد وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقول: ارفع رأسك واشْفع تُشفَّع».
وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ [الأنبياء: 28]، أي لمن علموا أن الله ارتضى قبول الشفاعة فيه وهم يعلمون ذلك بإلهام هو من قبيل الوحي لأن الإِلهام في ذلك العالم لا يعتريه الخطأ.
وجملة ﴿ وقال صواباً ﴾ يجوز أن تكون في موضع الحال من اسم الموصول، أي وقد قال المأذون له في الكلام ﴿ صواباً ﴾ ، أي بإذن الله له في الكلام إذا علم أنه سيتكلم بما يرضي الله.
ويجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿ أذن له الرحمن ﴾ ، أي وإلا من قال صواباً فعُلم أن من لا يقول الصواب لا يؤذَن له.
وفعل ﴿ وقال صواباً ﴾ مستعمل في معنى المضارع، أي ويقول صواباً، فعبر عنه بالماضي لإفادة تحقق ذلك، أي في علم الله.
وإطلاق صفة ﴿ الرحمن ﴾ على مقام الجَلالة إيماء إلى أن إذن الله لمن يتكلم في الكلام أثر من آثار رحمته لأنه أذن فيما يحصل به نفع لأهل المحشر من شفاعة أو استغفار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَجاةٌ مِن شَرِّها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: فازُوا بِأنْ نَجَوْا مِنَ النّارِ بِالجَنَّةِ، ومِنَ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وتَحْقِيقُ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ الخَلاصُ مِنَ الهَلاكِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْفَلاةِ إذا قَلَّ ماؤُها مَفازَةٌ تَفاؤُلًا بِالخَلاصِ مِنها.
﴿ وَكَواعِبَ أتْرابًا ﴾ في الكَواعِبِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: النَّواهِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: العَذارى، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ وكَمْ مِن حَصانٍ قَدْ حَوَيْنا كَرِيمَةٍ ومِن كاعِبٍ لَمْ تَدْرِ ما البُؤْسُ مُعْصِرُ وَفِي الأتْرابِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأقْرانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الأمْثالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: المُتَصافِياتُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: المَتَآخِياتُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَمْلُوءَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أتانًا عامِرٌ يَبْغِي قِرانًا ∗∗∗ فَأتْرَعْنا لَهُ كَأْسًا دِهاقًا الثّانِي: مُتَتابِعَةٌ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: صافِيَةٌ، رَواهُ عُمَرُ بْنُ عَطاءٍ، قالَ الشّاعِرُ لَأنْتِ آلى الفُؤادِ أحَبُّ قُرْبًا ∗∗∗ مِنَ الصّادِي إلى كَأْسٍ دِهاقِ.
﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا ﴾ في اللَّغْوِ ها هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها الباطِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الحَلِفُ عِنْدَ شُرْبِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: الشَّتْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: المَعْصِيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفي ﴿ كِذّابًا ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الخُصُومَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المَأْثَمُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: في شُرْبِ الخَمْرِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
﴿ جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كافِيًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: كَثِيرًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: حِسابًا لِما عَمِلُوا، فالحِسابُ بِمَعْنى العَدِّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وفتحت ﴾ خفيفة.
وأخرج ابن المنذر عن أبي الجوزاء في قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: صارت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار.
وأخرج ابن جرير عن سفيان ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: عليهم ثلاث قناطر لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: تعلموا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وقال في آية أخرى: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ [ مريم: 71] ﴿ للطاغين مآباً ﴾ قال: مأوى ومنزلاً ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الأحقاب ما لا انقطاع له، كلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر، قال وذكر لنا أن الحقب ثمانون سنة من سني يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: سنين.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: ليس لها أجل كلما مضى حقب دخلنا في الأخرى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن قال: الحقب الواحد سبعون سنة كل يوم منها ألف سنة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: لا يدري أحدكم تلك الأحقاب إلا أن الحقب الواحد ثمانون سنة السنة ثلاثمائة وستون يوماً، اليوم الواحد مقدار ألف سنة، والحقب الواحد ثمانية عشر ألف سنة.
وأخرج ابن جرير عن بشير بن كعب في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: بلغني أن الحقب ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سالم بن أبي الجعد قال: سأل عليّ بن أبي طالب هلالاً الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب الله؟
قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة منها اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة.
وأخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة.
وأخرج البزار عن أبي هريرة رفعه ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة.
وأخرج هناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم كألف سنة مما تعدون.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون عاماً اليوم منها كسدس الدنيا.
وأخرج ابن عمر العدي في مسنده وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: «الحقب ألف شهر والشهر ثلاثون يوماً والسنة اثنا عشر شهر والشهر ثلاثمائة وستون يوماً كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثمانون ألف سنة» .
وأخرج البزار وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقاباً، والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم ألف سنة مما تعدون.
قال ابن عمر: فلا يتكلن أحد على أنه يخرج من النار» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الحقب ثمانون سنة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عبدالله بن عمرو وفي قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب الواحد ثمانون سنة.
وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحقب أربعون سنة» .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ بالألف.
وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون أنه قرأ ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ بغير ألف.
وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ وقوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ [ هود: 107] أنهما في أهل الجنة والتوحيد من أهل القبلة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: زمهرير جهنم يكون لهم من العذاب لأن الله يقول: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً ﴾ .
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: فاستثنى من الشراب الحميم، ومن البارد الغساق، وهو الزمهرير.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: الحميم الحار الذي يحرق، والغساق الزمهرير البارد.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: لا يستطيعونه من برده.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً ﴾ قال: لقد انتهى حره.
﴿ وغساقاً ﴾ قال: لقد انتهى برده، وإن الرجل، إذا أدنى الإِناء من فيه سقط فروة وجهه حتى يبقى عظاماً تقعقع» .
وأخرج ابن المنذر عن مرة ﴿ لا يذوقون فيها برداً ﴾ قال: نوماً الممتلئة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ قال: وافق أعمالهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ قال: جزاء وافق أعمال القوم أعمال السوء.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ يقول: وافق الجزاء العمل ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ قال: لا يخافونه، وفي لفظ: لا يبالون، فيصدقون بالبعث.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ قال: لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبدالله بن عمرو قال: ما نزلت على أهل النار آية قط أشد منها ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ فهم في مزيد من عذاب الله أبداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن الحسن بن دينار قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار فقال: قول الله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن الحسن قال: سئل أبو برزة الأسلمي عن أشد آية في القرآن فقال: قول الله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ قال: فهو مقدار ساعة بساعة، ويوم بيوم، وشهر بشهر، وسنة بسنة أشد عذاباً حتى لو أن رجلاً من أهل النار أخرج من المشرق لمات أهل المغرب، ولو أخرج من المغرب مات أهل المشرق من نتن ريحه.
قال أبو برزة: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلاها فقال: «هلك القوم بمعاصيهم ربهم، وغضب عليهم فأبى إذ غضب عليهم إلا أن ينتقم منهم» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ وانتصب قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ﴾ بالظرف، والعامل فيه قوله: (يملكون) (١) اختلفوا في الروح المذكور -هاهنا-، فروى مجاهد عن ابن عباس: أن النبي - - قال: "هو جند من جند الله؛ ليسوا بملائكة، لهم رؤوس وأيد، وأرجل، يأكلون الطعام، ثم قرأ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ﴾ فقال: هؤلاء جند، وهؤلاء جند" (٢) وهذا قول مجاهد (٣) (٤) (٥) وقال عطاء عن ابن عباس: الروح ملك من الملائكة، ما خلق الله مخلوقاً بعد العرش أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفاً، وقامت الملائكة كلهم صفاً واحداً، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم (٦) قال الشعبي: هو جبريل (٧) وقال الحسن: الروح: بنو آدم (٨) وقوله: ﴿ صَفًّا ﴾ يجوز أن يكون المعنى: أن الروح على الاختلاف الذي ذكرنا، وجميع الملائكة يقومون صفاً واحداً.
والصف في الأول مصدر، فينبني عن الواحد، والجمع كالعدل والزور، وظاهر قول المفسرين (٩) وقال ابن قتيبة: صفوفاً، ويقال ليوم العيد: يوم الصف (١٠) وقوله: ﴿ لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ الظاهر أن هذا من صفة الملائكة الذين يقومون صفاً.
والمعنى: أنهم لا يتكلمون إلا بإذن الله، فمن أذن له الرحمن وقال: ﴿ صَوَابًا ﴾ تكلم.
ومعنى الصواب: شهادة أن لا إله إلا الله في قول ابن عباس (١١) والمفسرون قالوا: هو التوحيد، ونفي الشرك، وتنزيه الله عزَّ وجلَّ عن كل فرية (١٢) والصواب هو السداد من الفعل والقول (١٣) (١٤) ويجوز أن يكون الاستثناء من جميع الخلق على قول من قال: لا يملكون منه خطاباً للخلق كلهم، فاستثنى من ملك منهم الخطاب، وهو الذي يتكلم بإذنه، وقال في الدنيا صواباً، أي شهد بالتوحيد، وهم المؤمنون.
وقال مقاتل: لا يتكلمون بالشفاعة، يعني الملائكة (١٥) ﴿ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ أي حقاً، وهو التوحيد، وهذا معنى قول ابن عباس، يريد: يشفعون لمن قال: لا إله إلا الله، وهذا قول بعيد، واللفظ لا يدل على هذا المعنى إلا باستكراه.
قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ﴾ أي الكائن الواقع، يعني يوم القيامة.
ويجوز أن يكون المعنى أن الشكوك زائلة في ذلك اليوم، وكل من يرتاب فيه عرف باطله، وأن ذلك اليوم الحق، فهو اليوم الحق عند كل أحد، وهذا معنى قول عطاء (١٦) ثم حض العباد على الطاعة: قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ أي مرجعاً بالطاعة، أي فمن شاء رجع إلى الله بطاعته قبل ذلك اليوم، والظاهر أن فعل المشيئة مسند إلى (من).
وقال عطاء عن ابن عباس: فمن شاء الله أن يهديه ﴿ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ (١٧) ثم خوف كفار مكة فقال: قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ﴾ يعني العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت فهو قريب، ويدل على أن المراد عذاب الآخرة فقال: (١) انظر: "الدر المصون" 6/ 468.
(٢) وردت هذه الرواية في "الكشف والبيان" 13/ 30/ ب، "زاد المسير" 8/ 167 مختصرًا، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496 بمعناه، "الدر المنثور" 8/ 399 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في العظمة، وابن مردويه، "روح المعاني" 30/ 20، وقد أوردها الماوردي عند تفسيره لآية سورة القدر ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ﴾ 6/ 313.
(٣) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 344، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 185، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496، "الدر المنثور" 8/ 399 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ في العظمة، "روح المعاني" 30/ 20.
(٤) المراجع السابقة عدا "تفسير عبد الرزاق".
وانظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 105 باب ما جاء في تفسير الروح، كتاب "الزهد والرقائق" لابن المبارك (464) ح 1316.
(٥) بمعناه ورد في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 343، "جامع البيان" 30/ 23، "بحر العلوم" 3/ 441، "النكت والعيون" 6/ 190، "معالم التنزيل" 4/ 440، "فتح القدير" 5/ 370.
وذهب أيضًا مجاهد، وأبو صالح إلى هذا القول.
انظر المراجع السابقة عدا "النكت والعيون".
وانظر: "الكشف والبيان" 3113/ أ، "زاد المسير" 8/ 167.
(٦) "النكت والعيون" 6/ 190 مختصرًا، "معالم التنزيل" 4/ 440، "زاد المسير" 8/ 168، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496 مختصرًا.
(٧) "جامع البيان" 30/ 22، "معالم التنزيل" 4/ 440، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496.
(٨) المراجع السابقة بالإضافة إلى "زاد المسير" 8/ 168، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 392.
قال ابن كثير: (وتوقف ابن جرير، فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها، والأشبه عنده -والله أعلم- أنهم بنو آدم".
"تفسير القرآن العظيم" 4/ 497، وانظر: "جامع البيان" 30/ 23 - 24.
(٩) قال بذلك الحسن، والشعبي.
انظر: "جامع البيان" 30/ 24، "النكت والعيون" 6/ 190، "زاد المسير" 8/ 168.
(١٠) "تفسير غريب القرآن" 511 بنصه.
(١١) "جامع البيان" 30/ 24، "النكت والعيون" 6/ 190، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 185، "الدر المنثور" 8/ 401، "الأسماء والصفات" 1/ 186.
(١٢) حكى هذا القول ابن الجوزي عن أكثر المفسرين.
انظر: "زاد المسير" 8/ 168.
(١٣) وعن ابن فارس: (الصواب أجل صحيح يدل على نزول شيء واستقراره قراره، من ذلك الصواب في القول والفعل، كأنه أمر نازل مستقر قراره، وهو خلاف الخطأ).
"مقاييس اللغة" 3/ 317 (صوب).
(١٤) ورد من قوله: والصواب إلى: يجيب إجابة: في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 186 من غير عزو.
(١٥) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١٦) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١٧) بنحوه في "التفسير الكبير" 31/ 26.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ يعني نفخة القيام من القبور ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ أي جماعات ﴿ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ﴾ أي تنفخ فتكون فيها شقاق كالأبواب ﴿ وَسُيِّرَتِ الجبال ﴾ أي حملت ﴿ فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ عبارة عن تلاشيها وفنائها، والسراب في اللغة: ما ظهر على البعد أنه ماء، وليس ذلك المراد هنا وإنما هو تشبيه في أنه لا شيء ﴿ مِرْصَاداً ﴾ أي موضع المرصاد والرصد هو الارتقاب والانتظار، أي تنتظر الكفار ليدخلوها، وقيل: معناه طريقاً للمؤمنين يمرون عليه إلى الجنة لأن الصراط منصوب على جهنم ﴿ مَآباً ﴾ أي مرجعاً ﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً ﴾ جمع حقبة أو حقب وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدود، وقيل: إنها محدودة ثم اختلف في مقدارها، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ثمانون ألف سنة، وقال ابن عباس: ثلاثون سنة وقيل ثلثمائة سنة، وعلى القول بالتحديد فالمعنى أنهم يبقون فيها أحقاباً، كلما انقضى حقب جاء إلى آخر غير نهاية وقيل: إنه كان يقتضي أن مدة العذاب تنقضي، ثم نسخ بقوله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ وهذا خطاب لأن الأخبار لا تنسخ، وقيل: هي في غُصاة المؤمنين الذين يخرجون من النار، وهذا خطأ لأنها في الكفار لقوله: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ ، وقيل: معناه أنهم يبقون أحياناً لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، ثم يبدل لهم نوع آخر من العذاب ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً ﴾ أي لا يذوقون برودة تخفف عنهم حر النار.
وقيل: لا يذوقون ماء بارداً وقيل: البرد هنا النوم والأول أظهر ﴿ إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ﴾ استثناء من الشراب وهو متصل، والحميم: الماء الحار.
والغساق: صديد أهل النار، وقد ذكر في سورة داود [ص: 57] ﴿ جَزَآءً وِفَاقاً ﴾ أي موافقاً أعمالهم لأن أعمالهم كفر وجزاؤهم النار، ووفاقاً مصدر وصف به أو هو على حذف مضاف تقديره ذو وفاق ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً ﴾ هذا مثل ﴿ لا يرجون لقاءنا ﴾ وذكر ذكر ﴿ كِذَّاباً ﴾ بالتشديد مصدر بمعنى تكذيب وبالتخفيف بمعنى الكذب أو المكاذبة، وهي تكذيب بعضهم لبعض ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نزل في أهل النار من هذه الآية» .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ﴾ المقيات: الميعاد؛ أي: وعد فيها جميع الأولين والآخرين، صالحهم وطالحهم، صغيرهم وكبيرهم.
وسمي: يوم الفصل؛ لما يفصل فيه بين الأولياء وبين الأعداء، ويتبين [فيه مثوى] الفريقين جميعا، واليوم ليس بيوم فصل في الظاهر؛ لأن الدنيا تمر على الفريقين على حالة واحدة، وإن كان قد فصل بينهما بالتوفيق والخذلان.
وقيل: يوم الفصل: يوم الحكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ ، قيل: أمة فأمة، تأتى أمة كل رسول بحيالها.
وقيل: يقرن كل أحد بشيعته؛ على ما نذكره في قوله - -: ﴿ وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ﴾ : منهم من ذكر أنها تفتح لإنزال من شاء الله من الملائكة، وتنشق وتنفطر؛ لشدة هول القيامة.
ومنهم من قال: إن الشق والفتح والانفطار كله واحد، فذكر الفتح؛ لشدة هول ذلك اليوم.
وجائز أن يكون الكل يقتضي معنى واحدا؛ لأنه فيما ذكر فيه الانشقاق قد ذكر فيه نزول الملائكة بقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً ﴾ .
وقوله - -: ﴿ وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ : جائز أن يكون شبهها بالسراب؛ لما أنها إذا سيرت لم توجد في المكان الذي رآها فيه الناظر كالسراب الذي يرى من بعد إذا رآه الناظر، فأتاه لم يجده شيئا، لا أن تكون الجبال في الحقيقة سرابا؛ لأن السراب هو الذي يتراءى من البعد أنه شيء، ولا شيء في الحقيقة، وأما الجبال وإن سيرت فهي في نفسها شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً ﴾ : منهم من ذكر أنها كانت في عالم الله - - أنها ترصد على من حقت عليه كلمة العذاب فتعذبه، ولا يمكنه الفرار عنها.
وقيل: ترصد بشهيقها وزفيرها من استوجب العذاب؛ فتعذبه وتتقرب به إلى ربها بطواعيتها له، وسخطها على من سخط الله عليه.
وقيل: معنى المرصاد: أن يكون ممر كل كافر ومؤمن عليها، لكن الكافر يقع فيها، والمؤمن ينجو عنها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلطَّاغِينَ مَآباً ﴾ ، أي: مرجعا، والطاغي هو الذي تعدى حدود الله ، وضيع حقوقه، وكفر بأنعمه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً ﴾ ، ذكر الأحقاب، ولم يبين منتهى العدد، ولو كان اللبث فيها يرجع إلى أمد في حق الكفرة، لكان يأتي عليه البيان؛ ما أتى البيان على منتهى يوم القيامة بقوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ، وقال: ﴿ تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ، فلما لميبين، ثبت أنه لا يرجع إلى أحد، وإلى هذا ذهب الحسن.
ومنهم من ذكر أن معناه: أنهم يلبثون ثلاثة أحقاب، والحقب ثمانون سنة، يعذبون بلون من العذاب، ثم يعذبون بلون آخر من العذاب بعد ذلك، لا أن ينقطع عنهم العذاب بعد مضي الأحقاب، والأحقاب هي النهاية في الأوقات، فذكر النهاية في الأوقات، وما يكبر فيها؛ ليعلم أنهم أبداً فيها؛ كما قال: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ ؛ لأنهما هما اللذان عرفا بالدوام؛ فاقتضى ذلك معنى الدوام، فكذلك ذكر ما هو الهاية في الأوقات يعرف أنهم أبدا فيها مقيمون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً ﴾ ، فذكر بعضهم أن البرد هو النوم.
ومنهم من ذكر أن معناه: الروح، والراحة.
وقال بعضهم: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً ﴾ يقطع عنهم الحر، ﴿ وَلاَ شَرَاباً ﴾ يقطع عشطهم، ﴿ إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ﴾ فالحميم: هو الماء الذي قد انتهى في الحر نهايته، والغساق: الزمهرير.
وقال بعضهمه: هو ما ينفصل عن أبدانهم من الصديد والزهومة، وهو الودك؛ فمعناه - والله أعلم -: أن الذي يتطعم به أهل النار لا يعذبهم، ولا يجدزن به مستمتعا، بل يصير ذلك سبب إهلاكهم، لا أن يقع لهم بذلك البرد راحة وشفاؤهم؛ كما وصفهم الله - -: ﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ ﴾ ، فيبقون أبدا في الهلاك لا يقضى عليهم فيستريحوا، ولا ينقطع عنهم العذاب فيتلذذوا بالحياة.
وقيل: الغساق: لون من العذاب، لم يطلع الله عليه عباده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً وِفَاقاً ﴾ ، أي: وافق جزاؤهم أعمالهم، لا ينقصون، ولا يزدادون على قدر ما استوجبوا، بل يجزون مثل أعمالهم.
وجائز أن يكون معناه: أن جزاءهم وافق أعمالهم في الخبث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً ﴾ : منهم من ذكر أنهم لا يخافونه.
ومنهم من حمله على حقيقة الرجاء، أي: لم يكونوا يرجون الثواب.
والوجه في: أنهم كانوا قوما لا يؤمنون بالبعث ولا بالجزاء والعذاب حتى يخافوا العقاب، ويرجوا الثواب.
فإن حملته على الخوف، فهم لم يخافوه؛ لما لم يؤمنوا به، وكذلك إن حملته على حقيقة الرجاء، فهم لم يكونوا يرجونه؛ لما كذبوا به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً ﴾ ، فالكذاب والتكذيب في لغة العرب واحد؛ والآيات: جائز أن يراد بالآيات آيات البعث، ويراد بها آيات الوحدانية، وآيات الرسالة، ونحوها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً ﴾ : جائز أن يكون الإحصاء والكتاب واحداً.
وجائز أن يكون أريد بالإحصاء ما أثبت في الكتاب؛ كقوله : ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ .
وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ الزيادة في العذاب هي دوامه وبقاؤه، لا أن يزادوا على القدر الذي كان أعد لهم من العذاب؛ لأنه أخبر أنهم لا يجزون إلا مثلها، فإذا كان الذي عذبوا قبله جزاء لهم، لم يجز [أن] يزادوا عليه فثبت أن الزيادة انصرفت على الدوام والبقاء، وبهذا قال أصحابنا في تأويل قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، وفي كل ما ذكرت فيه الزيادة -: إنه على الثبات والدوام عليه، لا أنه يزيد وينقص.
<div class="verse-tafsir"
يوم يقوم جبريل والملائكة مُصْطفِّين، لا يتكلمون بشفاعة لأحد إلا من أذن له الرحمن أن يشفع، وقال سدادًا ككلمة التوحيد.
<div class="verse-tafsir" id="91.AQjVZ"