الإسلام > القرآن > سور > سورة 89 الفجر > الآية ٢١ من سورة الفجر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 95 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢١ من سورة الفجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها.
يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة فقال تعالى "كلا" أي حقا"إذا دكت الأرض دكا دكا" أي وطئت ومهدت وسويت الجبال وقام الخلائق من قبورهم لربهم.
ويعني جلّ ثناؤه بقوله: ( كَلا ) : ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر.
ثم أخبر جلّ ثناؤه عن ندمهم على أفعالهم السِّيئة في الدنيا، وتلهُّفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم الندم، فقالّ جل ثناؤه: ( إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا ) يعني: إذا رجت وزُلزلت زلزلة، وحرّكت تحريكا بعد تحريك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا ) يقول: تحريكها.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني حرملة بن عمران، أنه سمع عمر مولى غُفْرة يقول: إذا سمعت الله يقول: كلا فإنما يقول: كذبت.
قوله تعالى : كلا إذا دكت الأرض دكا دكا قوله تعالى : كلا أي ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر .
فهو رد لانكبابهم على الدنيا ، وجمعهم لها فإن من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض ، ولا ينفع الندم .
والدك : الكسر والدق وقد تقدم .
أي زلزلت الأرض ، وحركت تحريكا بعد تحريك .
وقال الزجاج : أي زلزلت فدك بعضها بعضا .
وقال المبرد : أي ألصقت وذهب ارتفاعها .
يقال ناقة دكاء ، أي لا سنام لها ، والجمع دك .
وقد مضى في سورة ( الأعراف ) و ( الحاقة ) القول في هذا .
ويقولون : دك الشيء أي هدم .
قال :هل غير غار دك غارا فانهدمقوله تعالى : دكا دكا أي مرة بعد مرة زلزلت فكسر بعضها بعضا فتكسر كل شيء على ظهرها .
وقيل : دكت جبالها وأنشازها حتى استوت .
وقيل : دكت أي استوت في الانفراش فذهب دورها وقصورها وجبالها وسائر أبنيتها .
ومنه سمي الدكان ، لاستوائه في الانفراش .
والدك : حط المرتفع من الأرض بالبسيط ، وهو معنى قول ابن مسعود وابن عباس : تمد الأرض مد الأديم .
{ كَلَّا } أي: ليس [كل] ما أحببتم من الأموال، وتنافستم فيه من اللذات، بباق لكم، بل أمامكم يوم عظيم، وهول جسيم، تدك فيه الأرض والجبال وما عليها حتى تجعل قاعًا صفصفًا لا عوج فيه ولا أمت.
( كلا ) ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر .
وقال مقاتل : أي لا يفعلون ما أمروا به في اليتيم ، وإطعام المسكين ، ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم ، فقال عز من قائل : ( إذا دكت الأرض دكا دكا ) مرة بعد مرة ، وكسر كل شيء على ظهرها من جبل وبناء وشجر ، فلم يبق على ظهرها شيء .
«كلا» ردع لهم عن ذلك «إذا دكت الأرض دكا دكا» زلزلت حتى ينهدم كل بناء عليها وينعدم.
ما هكذا ينبغي أن يكون حالكم.
فإذا زلزلت الأرض وكَسَّر بعضُها بعضًا، وجاء ربُّك لفصل القضاء بين خلقه، والملائكة صفوفًا صفوفًا، وجيء في ذلك اليوم العظيم بجهنم، يومئذ يتعظ الكافر ويتوب، وكيف ينفعه الاتعاظ والتوبة، وقد فرَّط فيهما في الدنيا، وفات أوانهما؟
وبعد هذا الزجر والردع لهم ، لسوء أقوالهم وأفعالهم ، أخذت السورة الكريمة فى زجرهم وردعهم عن طريق تذكيرهم بأهوال الآخرة فقال : - تعالى - : ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً ) .
وقوله - تعالى - : ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً ) ردع لهم وزجر عن أفعالهم السابقة ، وهى عدم إكرام اليتيم ، وعدم الحض على طعام المسكين .وقوله : ( دُكَّتِ الأرض ) من والدك : بمعنى الكسر والدق والزلزلة الشديدة ، والتحطيم الجسيم ، وانتصب لفظ " دكا " الأول على أنه مصدر مؤكد للفعل ، وانتصاب الثانى على أنه تأكيد الأول .
وقيل : تكرار " دكا " للدلالة على الاستيعاب ، كقولك : قرأت النحو بابا بابا ، أى : قرأته كله .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأرض .
.
) أى : ما هكذا ينبغى أن يكون الأمر .
فهو رد لانكبابهم على الدنيا ، وجميعهم لها ، فإن من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض ، ولا ينفعه الندم ، والدك .الكسر والدق ، أى : زلزلت وحركت تحريكا بعد تحريك .وقوله : ( دَكّاً دَكّاً ) أى : مرة بعد مرة ، زلزلت فكسر بعضها بعضا فتكسر كل شئ على ظهرها .
.
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الشبهة قال: ﴿ كَلاَّ ﴾ وهو ردع للإنسان عن تلك المقالة، قال ابن عباس: المعنى لم ابتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، بل ذلك إما على مذهب أهل السنة، فمن محض القضاء أو القدر والمشيئة، والحكم الذي تنزه عن التعليل بالعلل، وإما على مذهب المعتزلة فبسبب مصالح خفية لا يطلع عليها إلا هو، فقد يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه، ثم إنه تعالى لما حكى من أقوالهم تلك الشبهة فكأنه قال: بل لهم فعل هو شر من هذا القول، وهو أن الله تعالى يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم، فقال: ﴿ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو: ﴿ يكرمون ﴾ وما بعده بالياء المنقوطة من تحت، وذلك أنه لما تقدم ذكر الإنسان، وكان يراد به الجنس والكثرة، وهو على لفظة الغيبة حمل يكرمون ويحبون عليه، ومن قرأ بالتاء فالتقدير قل لهم يا محمد ذلك.
المسألة الثانية: قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيماً في حجر أمية بن خلف، فكان يدفعه عن حقه.
واعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه: أحدها: ترك بره، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَلاَ تَحَاضُّونَ على طَعَامِ المسكين ﴾ والثاني: دفعه عن حقه الثابت له في الميراث وأكل ماله، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً ﴾ والثالث: أخذ ماله منه وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً ﴾ أي تأخذون أموال اليتامى وتضمونها إلى أموالكم، أما قوله: ﴿ ولا تحضون على طعام المسكين ﴾ قال مقاتل: ولا تطعمون مسكيناً، والمعنى لا تأمرون بإطعامه كقوله تعالى: ﴿ ﴾ ومن قرأ ولا تحاضون أراد تتحاضون فحذف تاء تتفاعلون، والمعنى: لا يحض بعضكم بعضاً وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ وَلاَ تَحَاضُّونَ ﴾ بضم التاء من المحاضة.
أما قوله: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالوا: أصل التراث وراث، والتاء تبدل من الواو المضمومة نحو تجاه ووجاه من واجهت.
المسألة الثانية: قال الليث: اللم الجمع الشديد، ومنه كتيبة ملمومة وحجر ملموم، والآكل يلم الثريد فيجعله لقماً ثم يأكله ويقال لممت ما على الخوان ألمه أي أكلته أجمع، فمعنى اللم في اللغة الجمع، وأما التفسير ففيه وجوه: أحدها: قال الواحدي والمفسرون: يقولون في قوله: ﴿ أَكْلاً لَّمّاً ﴾ أي شديداً وهو حل معنى وليس بتفسير، وتفسيره أن اللم مصدر جعل نعتاً للأكل، والمراد به الفاعل أي آكلاً لامّاً أي جائعاً كأنهم يستوعبونه بالأكل، قال الزجاج: كانوا يأكلون أموال اليتامى إسرافاً وبداراً، فقال الله: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً ﴾ أي تراث اليتامى لماً أي تلمون جميعه، وقال الحسن: أي يأكلون نصيبهم ونصيب صاحبهم، فيجمعون نصيب غيرهم إلى نصيبهم.
وثانيها: أن المال الذي يبقى من الميت بعضه حلال، وبعضه شبهة وبعضه حرام، فالوارث يلم الكل أي يضم البعض إلى البعض ويأخذ الكل ويأكله.
وثالثها: قال صاحب الكشاف: ويجوز أن يكون الذم متوجهاً إلى الوارث الذي ظفر بالمال سهلاً مهلاً من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلاً لماً واسعاً، جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعله الوراث البطالون.
أما قوله تعالى: ﴿ وَّيُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً ﴾ فاعلم أن الجم هو الكثرة يقال: جم الشيء يجم جموماً يقال ذلك في المال وغيره فهو شيء جم وجام وقال أبو عمرو جم يجم أي يكثر، والمعنى: ويحبون المال حباً كثيراً شديداً، فبين أن حرصهم على الدنيا فقط وأنهم عادلون عن أمر الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلاَّ ﴾ ردع للإنسان عن قوله: ثم قال: بل هناك شرّ من القول.
وهو: أنّ الله يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدّون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرّة، وحض أهله على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام، ويحبونه فيشحون به وقرئ ﴿ يكرمون ﴾ وما بعده بالياء والتاء.
وقرئ ﴿ تحاضون ﴾ أي: يحض بعضكم بعضاً: وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ ولا تحاضون ﴾ بضم التاء، من المحاضة ﴿ أَكْلاً لَّمّاً ﴾ ذا لمّ وهو الجمع بين الحلال والحرام.
قال الحطيئة: إذَا كَانَ لَمَّا يَتْبَع الذَّمُّ رَبَّهُ ** فَلاَ قَدَّسَ الرحمن تِلْكَ الطَّوَاحِنَا يعني: أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم من الميراث ونصيب غيرهم.
وقيل كانوا لا يورّثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم.
وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلمة، وهو عالم بذلك فيلم في الأكل بين حلاله وحرامه.
ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعاً جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الورّاث البطالون ﴿ حُبّاً جَمّاً ﴾ كثيراً شديداً مع الحرص والشره ومنع الحقوق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلا ﴾ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ الأوَّلَ مُطابِقٌ لِأكْرَمَهُ ولَمْ يَقُلْ فَأهانَهُ وقَدَرَ عَلَيْهِ كَما قالَ: فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ لِأنَّ التَّوْسِعَةَ تَفَضُّلٌ والإخْلالَ بِهِ لا يَكُونُ إهانَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ «أكْرَمَنِ» و «أهانَنِ» بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
وعَنْ أبِي عَمْرٍو مِثْلَهُ ووافَقَهم نافِعٌ في الوَقْفِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فَقَدَّرَ بِالتَّشْدِيدِ.
( بَلْ لا يُكْرِمُونَ اليَتِيمَ ) ( ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ) أيْ بَلْ فِعْلُهم أسْوَأُ مِن قَوْلِهِمْ وأدَلُّ عَلى تَهالُكِهِمْ بِالمالِ وهو أنَّهم لا يُكْرِمُونَ اليَتِيمَ بِالنَّفَقَةِ والمَبَرَّةِ، ولا يَحُثُّونَ أهْلَهم عَلى طَعامِ المِسْكِينِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: «وَلا تَحاضُّونَ».
﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ ﴾ المِيراثَ وأصْلُهُ وِراثٌ.
﴿ أكْلا لَمًّا ﴾ ذا لَمٍّ أيْ جَمَعَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ فَإنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ والصِّبْيانَ ويَأْكُلُونَ أنْصِباءَهُمْ، أوْ يَأْكُلُونَ ما جَمَعَهُ المُوَرِّثُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ عالِمِينَ بِذَلِكَ.
﴿ وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ كَثِيرًا مَعَ حِرْصٍ وشَرَهٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ: «لا يُكْرِمُونَ» إلى «وَيُحِبُّونَ» بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{كَلاَّ} ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فر طوافيه حين لا تنفع الحسرة فقال {إِذَا دُكَّتِ الأرض} إذا زلزلت {دكا دكا} دكا بعددك أي كرر عليها الدك حتى عادت هباء منبئا
﴿ وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ أيْ: كَثِيرًا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنْشَدَ قَوْلَ أُمَيَّةَ: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا والمُرادُ أنَّكم تُحِبُّونَهُ مَعَ حِرْصٍ وشَرَهٍ ﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ بِطَرِيقِ الوَعِيدِ تَعْلِيلًا لِلرَّدْعِ.
والدَّكُّ قالَ الخَلِيلُ: كَسْرُ الحائِطِ والجَبَلِ ونَحْوِها، وتَكْرِيرُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِيعابِ فَلَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ بَلْ ذَلِكَ نَظِيرُ الحالِ في نَحْوِ قَوْلِكَ: جاءُوا رَجُلًا رَجُلًا، وعَلَّمْتُهُ الحِسابَ بابًا بابًا؛ أيْ: إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا مُتَتابِعًا حَتّى انْكَسَرَ وذَهَبَ كُلُّ ما عَلى وجْهِها مِن جِبالٍ وأبْنِيَةٍ وقُصُورٍ وغَيْرِها حِينَ زُلْزِلَتِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ وصارَتْ هَباءً مَنثُورًا.
وقالَ المُبَرِّدُ: الدَّكُّ حَطُّ المُرْتَفِعِ بِالبَسْطِ والتَّسْوِيَةِ، وانْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ إذا افْتُرِشَ في ظَهْرِهِ، وناقَةٌ دَكّاءُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ، والمَعْنى عَلَيْهِ: إذا سُوِّيَتْ تَسْوِيَةً بَعْدَ تَسْوِيَةٍ ولَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ حَتّى صارَتْ كالصَّخْرَةِ المَلْساءِ، وأيًّا ما كانَ فَهو عَلى ما قِيلَ: عِبارَةٌ عَمّا عُرِضَ لِلْأرْضِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قال عز وجل: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ قال الكلبي: يعني: ليلة المزدلفة، يسير الخلق إلى المزدلفة.
وقال القتبي: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ يعني: يسرى فيه، كقوله: ليل نائم، أي: يُنام فيه.
وقال الزجاج: أصله تسري يسري، إلا أن الياء قد حذفت منه، وهي القراءة المشهورة بغير ياء، يقرأ بالياء.
قرأ حمزة، والكسائي، والشفع والوتر بكسر الواو.
والباقون بالنصب، وهما لغتان.
يقال: للفرد وَتْرٌ ووِتْر.
وقرأ ابن كثير يسر بالياء، في حالة الوصل والقطع.
وقرأ نافع بالياء، إذا وصل، وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل والقطع، لأن الكسرة تدل عليه.
ثم قال عز وجل: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ يعني: أن هذا الذي ذكرناه، قسماً لذي لب من الناس.
ويقال: إن في ذلك قسم صدق، لذي عقل ولب ورشد، والحجر اللب.
ثم قال عز وجل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ يعني: ألم تعلم، ويقال: ألم تخبر، واللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقدير، يعني: فذلك خبر عاد إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ يعني: عاقبة قوم عاد، وقال بعضهم: هما عادان، أحدهما عاد وإرم، والآخر هم قوم هود.
وقال بعضهم: كلاهما واحد، ويقال: إرم اسم للجنة التي بناها، فمات قبل أن يدخلها، وذكر فيها حكاية طويلة عن وهب بن منبه.
ثم قال: ذاتِ الْعِمادِ يعني: الفساطيط، والعمود عمود الفسطاط.
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ يعني: في القوة والطول، ويقال: ذاتِ الْعِمادِ يعني: ذات القوة، ويقال: ذاتِ الْعِمادِ يعني: دائم الملك، طويل العمر.
ويقال: ذاتِ الْعِمادِ أي: ذات البناء الرفيع.
وروى أسباط، عن السدي قال: عاد بن إرم، فنسبهم إلى أبيهم الأكبر.
كقولك: بكر بن وائل.
ويقال: لا ينصرف إرم، لأنه اسم قبيلة.
وقال مقاتل: ذاتِ الْعِمادِ يعني: طولها اثنا عشر ذراعاً الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ في الطول والقوة، وإرم اسم أب قبيلة ينسب إليهم، وهو إرم بن سمك، بن نسمك، بن سام، بن نوح .
وقال الكلبي: ذاتِ الْعِمادِ يعني: كانوا أهل ذات عمود وماشية، فإذا هاج العمود، يعني: يبس العشب، رجعوا إلى منازلهم.
ويقال: عاد وإرم شيء واحد.
ثم قال عز وجل: وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وهم قوم صالح، نقبوا الجبل، وقلعوا أحجاراً لا يطيق مائتا رجل بالوادي.
وقال الكلبي: هو واد القرى.
ثم قال عز وجل: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ يعني: قواد الكفرة الفجرة، الذين خلقهم الله تعالى أوتاداً في مملكته، ليكفوا عنه عدوه.
ويقال: إن له بيتاً أوتد فيه أوتاداً، فإذا عذب أحد، طرحه فيها.
ويقال: سمي بذي الأوتاد، لأنه كان إذا غضب على أحد، وثقه بأربعة أوتاد.
ويقال: الأوتاد وهي الصلب، إذا غضب على أحد، صلبه كقوله لأصلبنكم ويقال ذو الأوتاد يعني ذا الملك الثابت الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ يعني: عاداً وثمود وفرعون عصوا في البلاد فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ يعني: أكثروا في الأرض المعاصي فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ يعني: أرسل عليهم ربك سَوْطَ عَذابٍ يعني: شديد العذاب حتى أهلكهم إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ يعني: مرّ الخلق عليه.
ويقال: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ يعني: ملائكة ربك على الصراط، يعني: يرصدون العباد على جسر جهنم في سبع مواضع.
وقال ابن عباس- ما: يحاسب العبد في أولها بالإيمان، فإن سلم إيمانه من النفاق والرياء، نجا وإلا تردى في النار، وفي الثاني: يحاسب على الصلاة، فإن أتم ركوعها وسجودها في مواقيتها نجا، وإلا تردى في النار، والثالث: يحاسب على الزكاة، فإن النار.
وفي الخامس في الحج والعمرة، وفي السادس بالوضوء والغسل من الجنابة، وفي السابع بر الوالدين، وصلة الأرحام، ومظالم العباد فإن أداها نجا وإلا تردى في النار.
<div class="verse-tafsir"
تفسير سورة «الفجر»
وهي مكّيّة عند الجمهور، وقيل: مدنيّة، والأوّل أصحّ وأشهر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)
الفَجْرُ هنا عند الجمهور: هو المشهورُ المعروفُ الطالِعُ كلَّ يومٍ، وقال ابن عباس وغيره: الفجرُ الذي أقسَم اللَّه به صلاةُ الصبحِ، وقيل غيرُ هذا.
[واخْتُلِفَ في الليالي العشرِ فقيلَ: العشرُ الأُوَلُ مِنْ رمضانَ، وقيلَ: العشرُ الأواخِر منه، وقيل: عَشْرُ ذي الحجةِ، وقيل: غيرُ هذا] «١» واللَّه أعلم بما أراد، فإن صحّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم شيءٌ في هذا صِيْرَ إليْهِ، واخْتُلِفَ في «الشَّفْعِ وَالْوتر» ما هما؟
على أقوالٍ كثيرةٍ، وروى عمران بن حصين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «هي الصلواتُ منها الشَّفْعُ ومنها الوَتْرُ» «٢» ، وسري الليل: هو ذهابُه وانقراضُه هذا قولُ الجمهورِ، وقيل: المعنى: إذا يسرى فيه.
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ أي: هل في هذه الأقسامِ مُقْنِعٌ لذي عقل؟
ثم وقَفَ تعالى عَلى مصارِعِ الأُمَمَ الخاليةِ «وعاد» : قبيلة بِلاَ خلافٍ، واختلفَ في: «إرَمِ» فقال
مجاهدٌ: هي القبيلةُ بعَيْنِها «١» ، وقال ابن إسحاق: إرم: هو أبو عادٍ كلِّها «٢» ، وقال الجمهور: إرم: مدينةٌ لهم عظيمةٌ كانَتْ عَلَى وجهِ الدَّهْرِ باليَمَنِ، واخْتُلِفَ في قوله تعالى:
ذاتِ الْعِمادِ فمن قال: إرم مدينةٌ قال: العمادُ أَعْمِدَة الحجارةِ التي بُنِيَتْ بها، وقيلَ القُصورُ العالية، والأبراجُ يقال لها عِمَادٌ، ومَنْ قَال إرم قبيلةٌ قال: العماد إما أَعْمِدَةُ بنيانهم، وإما أَعْمِدَةُ بيوتِهم التي يَرْحَلُونَ بها قاله جماعةٌ والضميرُ في مِثْلُها يعودُ إما على المدينة وإما على القبيلة.
وجابُوا الصَّخْرَ معناه: خَرَقُوه ونَحَتُوه، وكَانُوا في وادِيهم قد نحتوا بيوتهم في حجارة، وفِرْعَوْنَ هو فِرْعَونُ مُوسىَ، واختلِفَ في أوتادهِ فقيل: أبنيتُه العاليةُ، وقيلَ جنودُه الذينَ بهم يُثَبِّتُ ملكَه، وقيل/ المرادُ أوتادُ أخبيةِ عساكرهِ، وذُكِرَتْ لكثرتِها قاله ابن عباس «٣» ، وقال مجاهد: كان يُوتِدُ الناس بأوتادِ حديدٍ، يَقْتلُهُم بذلك: يَضْرِبُها في أَبْدَانِهمْ حَتَّى تنْفُذَ إلى الأرضِ «٤» ، وقيلَ: غيرُ هذا، والصَّبُّ مستعملٌ في السوطِ وإنما خُصَّ السوطُ بأنْ يُسْتَعَارَ للعذابِ لأنه يقتضِي من التَّكْرارِ والتَّرْداد ما لا يقتضيه السيفُ، ولاَ غيرُه وقال بعض اللَّغويينَ: السَّوْطُ هنا مصدرٌ من سَاطَ يَسُوطُ إذَا خَلَطَ فكأَنه قال خَلْطُ عَذَابٍ.
- ص-: قال ابن الأنباري: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ هُو جوابُ القَسَمِ، وقيل:
محذوف، وقيل: الجواب، هَلْ فِي ذلِكَ وهَلْ بمعنى «إنّ» وليس بشيء، انتهى، والمرصاد والمَرْصَدُ: مَوْضِعُ الرَّصْدِ، قاله بعض اللغويين، أي: أَنَّه تعالى عنْدَ لسانِ كل قائلٍ ومَرْصَدٍ لكلِّ فاعلٍ، وإذا عَلِمَ العبدُ أَنَّ مولاه له بالمرصادِ ودَامَتْ مراقبتُه في الفؤادِ، حَضَره الخوفُ والحذُر لا محالةَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة:
٢٣٥] قال أبو حامد في «الإحياء» : وبحسبِ معرفةِ العبد بِعيوبِ نفسهِ، ومعرفتهِ بجلالِ ربه وتعالِيه واستغنائِه، وأنه لا يُسْأَلُ عما يفعلُ تَكُونُ قوةُ خوفِه، فأخوفُ الناسِ لربه أعرفُهم بنفسِهِ وبربهِ، ولذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «أنا أخوفُكم للَّه» ، ولذلكَ قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] ثم إذا كَمُلَتِ المعرفةُ أورثتِ الخوفَ واحْتراقَ القلبِ، ثم
سُورَةُ الفَجْرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والفَجْرِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَجْرُ: انْفِجارُ الظُّلْمَةِ عَنِ الصُّبْحِ، وانْفَجَرَ الماءُ: انْبَجَسَ.
قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: الفَجْرُ: ضَوْءُ النَّهارِ إذا انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ اِلانْفِجارِ، يُقالُ: انْفَجَرَ النَّهْرُ يَنْفَجِرُ انْفِجارًا: إذا انْشَقَّ فِيهِ مَوْضِعٌ لِخُرُوجِ الماءِ، ومِن هَذا سُمِّيَ الفاجِرُ فاجِرًا، لِأنَّهُ خَرَجَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا الفَجْرِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الفَجْرُ المَعْرُوفُ الَّذِي هو بَدْءُ النَّهارِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو انْفِجارُ الصُّبْحِ كُلَّ يَوْمٍ، وبِهَذا قالَ عِكْرِمَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والقُرَظِيُّ.
والثّانِي: صَلاةُ الفَجْرِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: النَّهارُ كُلُّهُ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالفَجْرِ، لِأنَّهُ أوَّلُهُ، ورَوى هَذا المَعْنى أبُو نَصْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ خاصَّةً قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّهُ فَجْرُ أوَّلِ يَوْمٍ مِن ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ أوَّلُ يَوْمٍ مِنَ المُحَرَّمِ تَنْفَجِرُ مِنهُ السَّنَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: العَشْرُ الأُوَلُ مِن رَمَضانَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رِئابٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَّفْعِ والوَتْرِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " والوِتْرِ " بِكَسْرِ الواوِ، وفَتَحَها الباقُونَ، وهُما لُغَتانِ.
قالَ الفَرّاءُ: الكَسْرُ لِقُرَيْشٍ وتَمِيمٍ وأسَدٍ، والفَتْحُ لِأهْلِ الحِجازِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في " الشَّفْعِ والوَتْرِ " عِشْرُونَ قَوْلًا.
أحَدُها: أنَّ الشَّفْعَ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الأضْحى، والوَتْرَ: لَيْلَةُ النَّحْرِ، رَواهُ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: يَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، [رَواهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ] .
والثّالِثُ: أنَّ الشَّفْعَ والوَتْرَ: الصَّلاةُ، مِنها الشَّفْعُ، ومِنها الوَتْرُ، رَواهُ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: [أنَّ الشَّفْعَ: الخَلْقُ كُلُّهُ، والوَتْرُ: اللَّهُ تَعالى]، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةِ مَسْرُوقٍ، وأبُو صالِحٍ.
والخامِسُ: أنَّ الوَتْرَ: آدَمُ شُفِعَ بِزَوْجَتِهِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الشَّفْعَ يَوْمانِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وهو النَّفْرُ الأوَّلُ، والوَتْرَ: اليَوْمُ الثّالِثُ، وهو النَّفْرُ الأخِيرُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .
والسّابِعُ: أنَّ الشَّفْعَ: صَلاةُ الغَداةِ، والوَتْرُ: صَلاةُ المَغْرِبِ، حَكاهُ عَطِيَّةُ.
والثّامِنُ: أنَّ الشَّفْعَ: الرَّكْعَتانِ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ، والوَتْرَ: الرَّكْعَةُ الثّالِثَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والتّاسِعُ: أنَّ الشَّفْعَ والوَتْرَ: الخَلْقُ كُلُّهُ، مِنهُ شَفْعٌ، ومِنهُ وتْرٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.
والعاشِرُ: أنَّهُ العَدَدُ، مِنهُ شَفْعٌ، ومِنهُ وتْرٌ، وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ مَرْوِيّانِ عَنِ الحَسَنِ.
والحادِي عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ، والوَتْرَ: أيّامُ [مِنًى] الثَّلاثَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: هو اللَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ ﴾ والوَتْرَ: هو اللَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
والثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: هو آدَمُ وحَوّاءُ.
والوَتْرَ: اللَّهُ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
والرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: الأيّامُ واللَّيالِي، والوَتْرَ: اليَوْمُ الَّذِي لا لَيْلَةَ [بَعْدَهُ]، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
والخامِسَ عَشَرَ: الشَّفْعُ: دَرَجاتُ الجِنانِ، لِأنَّها ثَمانٍ، والوَتْرُ: دَرَكاتُ النّارِ لِأنَّها سَبْعٌ، فَكَأنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
والسّادِسَ عَشَرَ: الشَّفْعُ: تَضادُّ أوْصافِ المَخْلُوقِينَ بَيْنَ عِزٍّ وذُلٍّ، وقُدْرَةٍ وعَجْزٍ، وقُوَّةٍ وضَعْفٍ، وعِلْمٍ وجَهْلٍ، ومَوْتٍ وحَياةٍ.
والوَتْرُ: انْفِرادُ صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: عَزٌّ بِلا ذُلٍّ، وقُدْرَةٌ بِلا عَجْزٍ، وقُوَّةٌ بِلا ضَعْفٍ، وعِلْمٌ بِلا جَهْلٍ، وحَياةٌ بِلا مَوْتٍ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.
والسّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: الصَّفا والمَرْوَةُ، والوَتْرَ: البَيْتُ.
والثّامِنَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: مَسْجِدُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، والوَتْرَ: بَيْتُ المَقْدِسِ.
والتّاسِعَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: القِرانُ بَيْنَ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ، والوَتْرَ: الإفْرادُ.
والعِشْرُونَ: الشَّفْعُ: العِباداتُ المُتَكَرِّرَةُ، كالصَّلاةِ، والصَّوْمِ، والزَّكاةِ، والوَتْرُ: العِبادَةُ الَّتِي لا تَتَكَرَّرُ، وهو الحَجُّ، حَكى هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ: " يَسْرِي " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وافَقَهُما في الوَصْلِ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ يَسْرِ ﴾ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ حَذْفُها لِمُشاكَلَتِها لِرُؤُوسِ الآياتِ، ولِاتِّباعِ المُصْحَفِ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الفِعْلَ لَهُ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا يَسْرِي ذاهِبًا، قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: إذا يَسْرِي مُقْبِلًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الفِعْلَ لِغَيْرِهِ، والمَعْنى: إذا يَسْرِي فِيهِ، كَما يُقالُ: لَيْلٌ نائِمٌ، أيْ: يُنامُ فِيهِ، قالَهُ الأخْفَشُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا اللَّيْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ لَيْلَةٍ، وهَذا الظّاهِرُ.
والثّانِي: أنَّهُ لَيْلَةُ المُزْدَلِفَةِ، وهي لَيْلَةُ جْمَعٍ: قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: لَيْلَةُ القَدْرِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ في ذَلِكَ ﴾ أيْ: [هَلْ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أقْسَمْنا بِها] ﴿ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ أيْ: لِذِي عَقْلٍ، وسُمِّيَ العَقْلُ حِجْرًا، لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ عَنِ القَبِيحِ، وسُمِّيَ عَقْلًا، لِأنَّهُ يَعْقِلُ عَمّا لا يَحْسُنُ، وسُمِّيَ العَقْلُ النُّهى، لِأنَّهُ يَنْهى عَمًّا لا يَحِلُّ.
ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ مَن كانَ ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، فِيهِ دَلائِلُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقَدْرَتِهُ، فَهو حَقِيقٌ أنْ يُقْسِمَ بِهِ لِدَلالَتِهِ.
وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ فاعْتُرِضَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ﴾ فَخَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ بِإهْلاكِ مَن كانَ أشَدَّ مِنهم.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: " بِعادِ إرَمَ " بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ.
وَفِي " إرَمَ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بَلْدَةٍ، قالَ الفَرّاءُ.
ولَمْ يُجْرَ " إرَمُ " لِأنَّها اسْمُ بَلْدَةٍ ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحُدُها: أنَّها دِمَشْقُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ، وَخالِدٌ الرَّبْعِيُّ.
والثّانِي: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والثّالِثُ: أنَّها مَدِينَةٌ صَنَعَها شَدّادُ بْنُ عادٍ، وهَذا قَوْلُ كَعْبٍ.
وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، ومَعْناهُ: القَدِيمَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَبِيلَةٌ مِن قَوْمِ عادٍ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: وَإنَّما لَمْ تَنْصَرِفْ " إرَمُ " لِأنَّها جُعِلَتِ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ فَفُتِحَتْ، وهي في مَوْضِعِ خَفْضٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ لِجَدِّ عادٍ، لِأنَّهُ عادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
قالَ الفَرّاءُ: فَإنْ كانَ اسْمًا لِرَجُلٍ عَلى هَذا القَوْلِ، فَإنَّما تُرِكَ إجْراؤُهُ، لِأنَّهُ كالعَجَمِيِّ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما عادانِ، فالأُولى: هي إرَمُ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ .
وَهَلْ قَوْمُ هُودٍ عادٌ الأُولى، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ﴿ النَّجْمُ ﴾ .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عُمُدٍ وخِيامٍ يَطْلُبُونَ الكَلَأ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَنازِلِهِمْ، فَلا يُقِيمُونَ في مَوْضِعٍ، رَوى هَذا المَعْنى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى ذاتِ العِمادِ: ذاتُ الطُّولِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ مُعْمَدٌ: إذا كانَ طَوِيلًا.
والثّالِثُ: ذاتُ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، مَأْخُوذٌ مِن قُوَّةِ الأعْمِدَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: ذاتُ البَنّاءِ المُحْكَمِ بِالعِمادِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ ذاتَ العِمادِ لِبِناءٍ بَناهُ بَعْضُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَمْ تَخْلُقْ " بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ اللّامِ " مِثْلَها " بِنَصْبِ اللّامِ.
وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: " لَمْ نَخْلُقْ " بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ، ورَفْعِ اللّامِ.
" مِثْلَها " بِنَصْبِ اللّامِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ القَبِيلَةِ في الطُّولِ والقُوَّةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
والثّانِي: المَدِينَةُ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ مَدِينَتِهِمْ ذاتِ العِمادِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ صِفاتُ تِلْكَ المَدِينَةِ.
وهَذِهِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ.
رَوى وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُلابَةَ أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ شَرَدَتْ، فَبَيْنَما هو في صَحارى عَدَنٍ وقَعَ عَلى مَدِينَةٍ في تِلْكَ الفَلَواتِ عَلَيْها حِصْنٌ، وحَوْلَ الحِصْنِ قُصُورٌ كَثِيرَةٌ.
فَلَمّا دَنا مِنها ظَنَّ أنَّ فِيها أحَدًا يَسْألُهُ عَنْ إبِلِهِ، فَلَمْ يَرَ خارِجًا ولا داخِلًا، فَنَزَلَ عَنْ دابَّتِهِ، وعَقَلَها، وسَلَّ سَيْفَهُ، ودَخَلَ مِن بابِ الحِصْنِ، فَلَمّا دَخَلَ الحِصْنَ إذا هو بِبابَيْنِ عَظِيمَيْنِ [لَمْ يَرَ أعْظَمَ مِنهُما] والبابانِ مُرَصَّعانِ بِالياقُوتِ [الأبْيَضِ و]الأحْمَرِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ دُهِشَ، فَفَتَحَ أحَدَ البابَيْنِ، فَإذا هو بِمَدِينَةٍ لَمْ يَرَ أحَدٌ مِثْلَها، وإذا قُصُورٌ، كُلُّ قَصْرٍ فَوْقَهُ غُرَفٌ وفَوْقَ الغُرَفِ غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ واللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ.
ومَصارِيعُ تِلْكَ الغُرَفِ مِثْلُ مَصارِيعِ المَدِينَةِ، يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، مَفْرُوشَةٌ كُلُّها بِاللُّؤْلُؤِ، وبَنادِقُ مِن مِسْكٍ وزَعْفَرانٍ.
فَلَمّا عايَنَ ذَلِكَ، ولَمْ يَرَ أحَدًا، هالَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَظَرَ إلى الأزِقَّةِ فَإذا هو في كُلِّ زِقاقٍ مِنها شَجَرٌ قَدْ أثْمَرَ، وتَحْتَ الشَّجَرِ أنْهارٌ مُطَّرِدَةٌ يَجْرِي ماؤُها مِن قَنَواتٍ مِن فِضَّةٍ.
فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ هَذِهِ هي الجَنَّةُ، فَحَمَلَ مَعَهُ مِن لُؤْلُؤِها، ومِن بَنادِقِ المِسْكِ والزَّعْفَرانِ ورَجَعَ إلى اليَمَنِ، فَأظْهَرَ ما كانَ مَعَهُ.
وبَلَغَ الأمْرُ إلى مُعاوِيَةَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقَصَّ عَلَيْهِ ما رَأى، فَأرْسَلَ مُعاوِيَةُ إلى كَعْبِ الأحْبارِ، فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: يا أبا إسْحاقَ: هَلْ في الدُّنْيا مَدِينَةٌ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ؟
قالَ: نَعَمْ، أُخْبِرُكَ بِها وبِمَن بَناها؟
إنَّما بَناها شَدّادُ بْنُ عادٍ، والمَدِينَةُ: ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ، قالَ: فَحَدَّثَنِي حَدِيثَها، فَقالَ: إنَّ عادًا المَنسُوبَ إلَيْهِمْ عادٌ الأُولى، كانَ لَهُ ولَدانِ: شَدِيدٌ، وشَدّادٌ.
فَلَمّا ماتَ [عادٌ]، ثُمَّ ماتَ شَدِيدٌ وبَقِيَ شَدّادٌ، مَلَكَ الأرْضَ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، وكانَ مُولَعًا بِقِراءَةِ الكُتُبِ، فَكانَ إذا مَرَّ بِذِكْرِ الجَنَّةِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلى بِناءِ مِثْلِها عُتُوًّا عَلى اللَّهِ تَعالى.
فَأمَرَ بِصُنْعِ ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ، فَأمَّرَ عَلى عَمَلِها مِائَةَ قُهْرُمانٍ مَعَ كُلِّ قُهْرُمانٍ ألْفٌ مِنَ الأعْوانِ، وكَتَبَ إلى مُلُوكِ الأرْضِ أنْ يُمِدُّوهُ بِما في بِلادِهِمْ مِنَ الجَواهِرِ، فَخَرَجَ القَهارِمَةُ يَسِيرُونَ في الأرْضِ لِيَجِدُوا أرْضًا مُوافِقَةً، فَوَقَفُوا عَلى صَحْراءَ عَظِيمَةٍ نَقِيَّةٍ مِنَ التِّلالِ، وإذا فِيها عُيُونُ ماءٍ ومُرُوجٌ فَقالُوا: هَذِهِ صِفَةُ الأرْضِ الَّتِي أمَرَ المَلِكُ أنْ يُبْنى بِها، فَوَضَعُوا أساسَها مِنَ الجِزْعِ اليَمانِيِّ، وأقامُوا في بِنائِها ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ عُمْرُ شَدّادٍ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَلَمّا أتَوْهُ وقَدْ فَرَغُوا مِنها قالَ: انْطَلِقُوا، واجْعَلُوا عَلَيْها حِصْنًا، واجْعَلُوا حَوْلَ الحِصْنِ ألْفَ قَصْرٍ، عِنْدَ كُلِّ قَصْرٍ ألْفُ عَلَمٍ لِيَكُونَ في كُلِّ قَصْرٍ مِن تِلْكَ القُصُورِ وزِيرٌ مِن وُزَرائِي، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأمَرَ المَلِكُ الوُزَراءَ -وَهم ألْفُ وزِيرٍ- أنْ يَتَهَيَّئُوا لِلنُّقْلَةِ إلى ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ، وكانَ المَلِكُ وأهْلُهُ في جَهازِهِمْ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ سارُوا إلَيْها، فَلَمّا كانُوا مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وعَلى مَن كانَ مَعَهُ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَتْهم جَمِيعًا، ولَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ.
وَرَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ دَغْفَلٍ الشَّيْبانِيِّ عَنْ عُلَماءِ حِمْيَرٍ قالُوا: لَمّا هَلَكَ شَدّادُ بْنُ عادٍ ومَن مَعَهُ مِنَ الصَّيْحَةِ، مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَرْثَدُ بْنُ شَدّادٍ، وقَدْ كانَ أبُوهُ خَلَّفَهُ بِحَضْرَمَوْتَ عَلى مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، فَأمَرَ بِحَمْلِ أبِيهِ مِن تِلْكَ المَفازَةِ إلى حَضْرَمَوْتَ وأمَرَ [بِدَفْنِهِ] فَحُفِرَتْ لَهُ حَفِيرَةٌ في مَفازَةٍ، فاسْتَوْدَعَهُ فِيها عَلى سَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ، وألْقى عَلَيْهِ سَبْعِينَ حُلَّةً مَنسُوجَةً بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، ووَضَعَ عِنْدَ رَأْسِهِ لَوْحًا عَظِيمًا مِن ذَهَبٍ وكَتَبَ عَلَيْهِ: اعْتَبِرْ يا أيُّها المَغْـ ـرُورُ بِالعُمْرِ المَدِيدِ أنا شَدّادُ بْنُ عادٍ ∗∗∗ صاحِبُ الحِصْنِ المَشِيدِ وأخُو القُوَّةِ والبَأْ ∗∗∗ ساءِ والمُلْكِ الحَشِيدِ دانَ أهْلُ الأرْضِ طُرًّا ∗∗∗ لِيَ مِن خَوْفِ وعِيدِي ومَلَكْتُ الشَّرْقَ والغَرْ ∗∗∗ بَ بِسُلْطانٍ شَدِيدِ وبِفَضْلِ المُلْكِ والعُدَّ ∗∗∗ ةِ فِيهِ والعَدِيدِ فَأتى هُودٌ وكُنّا ∗∗∗ في ضَلالٍ قَبْلَ هُودِ فَدَعانا لَوْ قَبِلْنا ∗∗∗ هُ إلى الأمْرِ الرَّشِيدِ فَعَصَيْناهُ ونادى ∗∗∗ ما لَكم هَلْ مِن مَحِيدِ؟
فَأتَتْنا صَيْحَةٌ تَهْـ ∗∗∗ ـوِي مِنَ الأُفْقِ البَعِيدِ فَتَوافَيْنا كَزَرْعٍ ∗∗∗ وسْطَ بَيْداءَ حَصِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ ﴾ قَطَعُوهُ ونَقَّبُوهُ.
قالَ إسْحاقُ: والوادِي: وادِي القُرى.
وقَرَأ الحَسَنُ: " بِالوادِي " بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [ص: ١٢] ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ ﴾ يَعْنِي: عادًا، وثَمُودَ، وفِرْعَوْنَ، عَمِلُوا بِالمَعاصِي، وتَجَبَّرُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ ﴿ فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ ﴾ القَتْلَ والمَعاصِيَ ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما قالَ: سَوْطَ عَذابٍ، لِأنَّ التَّعْذِيبَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّوْطِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: [أيْ جَعَلَ سَوْطَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهم بِهِ العَذابَ] ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ أيْ: يَرْصُدُ مَن كَفَرَ بِهِ بِالعَذابِ، والمَرْصَدُ: الطَّرِيقُ، وقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفَجْرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ في كِتابِهِ المُؤَلَّفِ في تَنْزِيلِ القُرْآنِ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ، والأوَّلُ أشْهَرُ وأصَحُّ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والفَجْرِ ﴾ ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ ﴿ والشَفْعِ والوَتْرِ ﴾ ﴿ واللَيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ ﴿ هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ﴾ ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ ﴾ ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَخْرَ بِالوادِ ﴾ ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوتادِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ ﴾ ﴿ فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ ﴾ ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: "الفَجْرِ" هُنا هو المَشْهُورُ الطالِعُ كُلَّ يَوْمٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَجْرُ: النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الفَجْرُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ بِهِ: صَلاةُ الصُبْحِ، وقَرَأ: " إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ" وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما أرادَ فَجْرَ يَوْمِ النَحْرِ، وقالَ الضَحّاكُ: المُرادُ فَجْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ فَجْرُ لَيْلَةِ جَمْعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُرادُ فَجْرُ أوَّلِ يَوْمِ المُحَرَّمِ لِأنَّهُ فَجْرُ السَنَةِ، وقِيلَ: المُرادُ فَجْرُ العُيُونِ مِنَ الصُخُورِ وغَيْرِها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المُرادُ فَجْرُ يَوْمِ الجُمْعَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "اللَيالِي العَشْرِ" -فَقالَ بَعْضُ الرُواةِ: هي العَشْرُ الأُوَلُ مِن رَمَضانَ، وابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ: هي العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، وقالَ يَمانُ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هي العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ، وفِيهِ يَوْمُ عاشُوراءَ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هي عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي عَشْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الَّتِي أتَمَّها اللهُ تَعالى لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَيالٍ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: [وَلَيالِي عَشْرٌ] بِالإضافَةِ، وكَأنَّ هَذا عَلى أنَّ "العَشْرَ" مُشارٌ إلَيْهِ مُعَيَّنٌ بِالعِلْمِ بِهِ، ثُمَّ وقَعَ القَسَمُ بِلَيالِيهِ، فَكَأنَّ "العَشْرَ" اسْمٌ لَزِمَهُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: "فَعَلْتُ كَذا في العَشْرِ الأوسَطِ"، فَإنَّما هَذا عَلى أنَّ "العَشْرَ" اسْمٌ لَزِمَ حَتّى عُومِلَ مُعامَلَةَ الفَرْدِ ثُمَّ وُصِفَ بِهِ، ومَن راعى فِيهِ اللَيالِي قالَ "العَشْرُ الوَسَطُ".
واخْتَلَفَ الناسُ في "الشَفْعِ والوِتْرِ" -فَقالَ جابِرٌ عَنِ النَبِيِّ : « "الشَفْعُ يَوْمُ النَحْرِ، والوِتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ"» ورَوى أبُو أيُّوبَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "الشَفْعُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الأضْحى، والوِتْرُ لَيْلَةَ النَحْرِ"»، ورَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "هِيَ الصَلَواتُ مِنها الشَفْعُ ومِنها الوَتْرُ"»، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: الشَفْعُ اليَوْمانِ مِن أيّامِ التَشْرِيقِ، والوَتْرُ اليَوْمُ الثالِثُ، وقالَ آخَرُونَ: الشَفْعُ العالِمُ، والوِتْرُ اللهُ سُبْحانُهُ؛ إذْ هو تَعالى الواحِدُ مَحْضًا وسِواهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الشَفْعُ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، والوِتْرُ اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ، ومَسْرُوقٌ، وأبُو صالِحٍ: الشَفْعُ والوِتْرُ شائِعانِ في الخَلْقِ كُلِّهِ، الإيمانُ والكُفْرُ، والإنْسُ والجِنُّ وما اطَّرَدَ نَحْوُ هَذا فَهي أضْدادٌ أو كالأضْدادِ، ووَتَرَها اللهُ تَعالى فَرْدٌ واحِدٌ، وقِيلَ: الشَفْعُ الصَفا والمَرْوَةُ، والوِتْرُ البَيْتُ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: الشَفْعُ أبْوابُ الجَنَّةِ لِأنَّها ثَمانِيَةٌ، والوِتْرُ أبْوابُ النارِ لِأنَّها سَبْعَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: الشَفْعُ الأيّامُ واللَيالِي، والوِتْرُ يَوْمُ القِيامَةِ لِأنَّهُ لا لَيْلَ بَعْدَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: الشَفْعُ تَضادُّ أوصافِ المَخْلُوقِينَ كالعِزِّ والذُلِّ ونَحْوِهِ، والوِتْرُ اتِّحادُ صِفاتِ اللهِ تَعالى، عِزٌّ مَحْضٌ وكَرَمٌ مَحْضٌ، ونَحْوُهُ، وقِيلَ: الشَفْعُ، قُرْآنُ الحَجِّ والعُمْرَةِ، والوِتْرُ الإفْرادُ بِالحَجِّ، وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالعَدَدِ لِأنَّهُ إمّا شَفَعَ وإمّا وتَرَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الشَفْعُ حَوّاءٌ والوِتْرُ آدَمُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الوِتْرُ صَلاةُ المَغْرِبِ والشَفْعُ صَلاةُ الصُبْحِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الشَفْعُ الرَكْعَتانِ مِنَ المَغْرِبِ والوِتْرُ الرَكْعَةُ الأخِيرَةُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشَفْعُ تَنَفُّلُ اللَيْلِ مَثْنى مَثْنى، والوِتْرُ الرَكْعَةُ الأخِيرَةُ المَعْرُوفَةُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: "والوَتَرُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ وأهْلِ الحِجازِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والحَسَنُ -بِخِلافٍ- وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ: "والوِتْرُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ، وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الأغَرَّ رَواها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهُما لُغَتانِ في الفَرْدِ، وأمّا الذَحْلُ فَإنَّما هو "وِتْرٌ" بِالكَسْرِ لا غَيْرُ، وقَدْ ذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الأصْمَعِيَّ حَكى فِيهِ اللُغَتَيْنِ، الفَتْحَ والكَسْرَ.
و"سَرى اللَيْلُ" ذَهابُهُ وانْقِراضُهُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والأخْفَشُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى إذا يَسْرِي فِيهِ، فَيَخْرُجُ هَذا الكَلامُ مَخْرَجَ "لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ"، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ: أرادَ بِهَذا لَيْلَةَ جُمَعٍ لِأنَّهُ يُسْرى فِيها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَسْرِ" دُونَ ياءٍ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَسْرِي" بِالياءِ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- عنهُ "يَسْرِي" بِياءٍ في الوَصْلِ ودُونَهُ في الوَقْفِ، وحَذْفُها تَخْفِيفٌ لِاعْتِدالِ رُؤُوسِ الآيِ إذْ هي فَواصَلُ كالقَوافِي، قالَ اليَزِيدِيُّ: الوَصْلُ في هَذا وما أشْبَهَهُ بِالياءِ، والوَقْفُ بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ، ووَقَفَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأقْسامِ العِظامِ هَلْ فِيها مُقْنِعٌ وحَسَبٌ لِذِي عَقْلٍ.
و"الحِجْرُ" العَقْلُ والنُهْيَةُ، والمَعْنى: فَيَزْدَجِرُ ذُو الحِجْرِ ويَنْظُرُ في آياتِ اللهِ تَعالى.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مُصارِعِ الأُمَمِ الخالِيَةِ الكافِرَةِ وما فَعَلَ رَبُّكَ مِنَ التَعْذِيبِ والإهْلاكِ، والمُرادُ بِذَلِكَ تَوَعُّدُ قُرَيْشٍ ونُصْبُ المَثَلِ لَها.
و"عادٌ" قَبِيلَةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ، واخْتَلَفَ الناسُ في "إرَمَ" - فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هي القَبِيلَةُ بِعَيْنِها، وعَلى هَذا قالَ ابْنُ قَيْسِ الرُقَيّاتِ: مَجْدًا تَلِيدًا بَناهُ أوَّلُهُ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَها إرْما وَقالَ زُهَيْرٌ: وآخَرِينَ تَرى الماذِيَّ عُدَّتُهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ أو ما أورَثَتْ إرَمُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إرَمٌ هو أبُو عادٍ كُلِّها، وهو عادُ بْنُ عَوْصَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ غَيْرُ ابْنِ إسْحاقَ: هو أحَدُ أجْدادِها، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إرَمُ مَدِينَةٌ لَهم عَظِيمَةٌ كانَتْ عَلى وجْهِ الدَهْرِ بِاليَمَنِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي "الإسْكَنْدَرِيَّةُ"، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والمُقْبِرِيُّ: هي دِمَشْقُ، وهَذانَ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، وقالَ مُجاهِدٌ "إرَمُ" مَعْناهُ: قَدِيمَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بِعادٍ إرَمَ"، فَصَرَفُوا "عادًا" عَلى إرادَةِ الحَيِّ، ونَعَتُوا بـ "إرَمَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها القَبِيلَةُ بِعَيْنِها، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ اليَهُودِ لِلْعَرَبِ: سَيَخْرُجُ فِينا نَبِيٌّ نَتْبَعُهُ، نَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّها قَبِيلَةٌ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "إرَمُ" أبًا لِعادٍ أو جَدًّا غَلَبَ اسْمُهُ عَلى القَبِيلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "بِعادِ إرَمَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في "عادٍ" وإضافَتِها إلى "إرَمَ"، وهَذا يَتَّجِهُ عَلى أنْ يَكُونَ "إرَمَ" أبًا أو جَدًّا، وعَلى أنْ تَكُونَ مَدِينَةً.
وقَرَأ الضَحّاكُ: "بِعادَ أرَمَ" بِفَتْحِ الدالِ والهَمْزَةِ مِن "أرَمَ" وفَتْحِ الراءِ والمِيمِ، عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في "عادٍ" والإضافَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ "بِعادِ إرَمَّ" بِشَدّ المِيمِ عَلى الفِعْلِ الماضِي بِمَعْنى: بَلِيَ وصارَ رَمِيمًا، يُقالُ أرِمَ العَظْمُ ورُمَّ وأرَمَّهُ اللهُ، تَعِدّى "رَمَّ" بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "أرْمِ ذاتَ" بِالنَصْبِ في التاءِ، عَلى إيقاعِ الإرْمامِ عَلَيْها، أيْ: أبْلاها رَبُّكَ وجَعَلَها رَمِيمًا، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "أرْمِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وَكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ في المَدِينَةِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ "أرْمِ" بِسُكُونِ الراءِ وفَتْح الهَمْزَةِ وهي تَخْفِيفٌ في "أرُمَ" كَفَخْذَةٍ وفَخْذٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذاتِ العِمادِ ﴾ فَمَن قالَ "إرَمُ مَدِينَةٌ" قالَ: العِمادُ هي أعْمِدَةُ الحِجارَةِ الَّتِي بُنِيَتْ بِها، وقِيلَ القُصُورُ العالِيَةُ والأبْراجُ يُقالُ لَها: عِمادٌ، ومَن قالَ "إرَمَ" قَبِيلَةٌ قالَ: العِمادُ إمّا أعْمِدَةُ أبْنِيَتِهِمْ وإمّا أعْمِدَةُ بُيُوتِهِمُ الَّتِي يَرْحَلُونَ بِها؛ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عَمُودٍ يَنْتَجِعُونَ البِلادَ، قالَهُ مُقاتِلٌ وجَماعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي كِنايَةٌ عن طُولِ أبْدانِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: " لَمْ يُخْلَقْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ "مِثُلَها" رَفْعًا، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ "لَمْ يَخْلُقْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ اللامِ "وَمِثْلَها" نَصْبًا، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "لَمْ نَخْلُقْ" بِالنُونِ وضَمِّ اللامِ "مِثْلَها" نَصْبًا، وذَكَرَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ عن عِكْرِمَةَ، والضَمِيرُ في مِثْلِها يَعُودُ إمّا عَلى المَدِينَةِ وإمّا عَلى القَبِيلَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ "وَثَمُودًا" بِتَنْوِينِ الدالِ، و"جابُوا الصَخْرَ" مَعْناهُ: خَرَقُوهُ ونَحَتُوهُ، وكانُوا في وادِيهِمْ قَدْ نَحَتُوا بُيُوتَهم في حِجارَةٍ، و"الوادِي" ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ماءٌ، هَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى "جابُوا الصَخْرَ بِالوادِ"، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: يُرِيدُ: بِوادِي القُرى، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: جابُوا وادِيَهم وجَلَبُوا ماءَهم في صَخْرٍ شَقُّوهُ، وهَذا فِعْلُ ذَوِي القُوَّةِ والآمالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "بِالوادِي" بِالياءِ، وقَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ: "بِالوادِ" بِدُونِ ياءٍ، واخْتَلَفَ في ذَلِكَ نافِعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا.
و"فِرْعَوْنَ" هو فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واخْتَلَفَ الناسُ في أوتادِهِ فَقِيلَ أبْنِيَتُهُ العالِيَةُ العَظِيمَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقِيلَ: جُنُودُهُ الَّذِينَ بِهِمْ يَثْبُتُ مُلْكُهُ، وقِيلَ المُرادُ أوتادُ أخْبِيَةٍ عَساكِرُهُ وذُكِرَتْ لِكَثْرَتِها ودَلالَتِها عَلى غَزَواتِهِ وطَوافِهِ في البِلادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: ..............
∗∗∗ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوتادِ وَقالَ قَتادَةُ: كانَ لَهُ أوتادٌ يَلْعَبُ عَلَيْها الرِجالُ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو مُشْرِفٌ عَلَيْهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ يُوتِدُ الناسَ بِأوتادِ الحَدِيدِ، يَقْتُلُهم بِذَلِكَ، يَضْرِبُها في أبْدانِهِمْ حَتّى تَنْفُذَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إنَّما فُعِلَ ذَلِكَ بِزَوْجَتِهِ آسِيَةَ، وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ بِماشِطَةِ بِنْتِهِ لِأنَّها كانَتْ آمَنَتْ بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ، و"الصَبُّ" يُسْتَعْمَلُ في السَوْطِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي سُرْعَةً في النُزُولِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في المَحْدُودِينَ في الإفْكِ: فَصُبَّتْ عَلَيْهِمْ مُحْصَداتٌ كَأنَّها ∗∗∗ شَآبِيبُ لَيْسَتْ مِن سَحابٍ ولا قَطْرِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ المُتَأخِّرِ في صِفَةِ الخَيْلِ: صَبَبْنا عَلَيْها ظالِمِينَ سِياطَنا ∗∗∗ فَطارَتْ بِها أيْدٍ سِراعٍ وأرْجُلِ وإنَّما خُصَّ "السَوْطُ" بِأنْ يُسْتَعارَ لِلْعَذابِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي مِنَ التَكْرارِ والتَرْدادِ ما لا يَقْتَضِيهِ السَيْفُ ولا غَيْرُهُ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: السَوْطُ هُنا مَصْدَرٌ مَن ساطَ يَسُوطُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: خِلْطُ عَذابٍ.
و"المِرْصادُ" و"المَرْصَدُ": مَوْضِعُ الرَصْدِ، قالَهُ اللُغَوِيُّونَ، أيْ أنَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، ومَرْصَدٌ لِكُلِّ فاعِلٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ في المِرْصادِ جَوابُ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ لِعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ قالَ لَهُ: أيْنَ رَبُّكَ يا أعْرابِيُّ؟
قالَ بِالمِرْصادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المِرْصادُ" في الآيَةِ اسْمُ فاعِلٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَبِالراصِدِ، فَعَبَّرَ بِبِناءِ مُبالِغَةٍ، ورُوِيَ في بَعْضِ الحَدِيثِ « "إنَّ عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ ثَلاثُ قَناطِرَ، عَلى إحْداهُما الأمانَةُ، وعَلى الأُخْرى الدَمُ، وعَلى الأخِيرَةِ الرَبُّ تَعالى، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ ».
<div class="verse-tafsir"
﴿ لبالمرصاد * فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربى أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ﴾ ﴿ أَهَانَنِ ﴾ .
دلت الفاء على أن الكلام الواقع بعدها متصل بما قبلها ومتفرع عليه لا محالة.
ودلت (أمّا) على معنى: مهما يكن من شيء، وذلك أصل معناها ومقتضى استعمالِها، فقوي بها ارتباط جوابها بما قبلها وقبْلَ الفاء المتصلة بها، فَلاح ذلك برقاً وامضاً، وانجلى بلمعة ما كان غامضاً، إذ كان تفريع ما بعد هذه الفاء على ما قبلها خفياً، فلنبينه بياناً جليّاً، ذلك أن الكلام السابق اشتمل على وصف ما كانت تتمتع به الأمم الممثَّل بها مما أنعم الله عليها به من النعم، وهم لاهون عن دعوة رُسُل الله، ومعرضون عن طلب مرضاة ربهم، مقتحمون المناكر التي نُهوا عنها، بطرون بالنعمة، معجَبون بعظمتهم فعقب ذكر ما كانوا عليه وما جازاهم الله به عليه من عذاب في الدنيا، باستخلاص العِبرة وهو تذكير المشركين بأن حالهم مماثل لحال أولئك تَرفاً وطغياناً وبطراً، وتنبيهُهم على خطاهم إذْ كانت لهم من حال الترف والنعمة شبهةٌ توهَّموا بها أن الله جعلهم محل كرامة، فحسبوا أن إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بالعذاب ليس بصدق لأنه يخالف ما هو واقع لهم من النعمة، فتوهموا أنّ فعل الله بهم أدلّ على كرامتهم عنده مما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أمرهم بخلاف ما هم عليه، ونفوا أن يَكون بعد هذا العالم عالم آخر يضاده، وقصروا عطاء الله على ما عليه عباده في هذه الحياة الدنيا، فكان هذا الوهَم مُسوِّلاً لهم التذكيب بما أنذروا به من وعيد، وبما يسر المؤمنون من ثواب في الآخرة، فحصروا جزاء الخير في الثروة والنعمة وقصروا جزاء السوء على الخصاصة وقَتْر الرزق.
وقد تكرر في القرآن التعرض لإِبطال ذلك كقوله: ﴿ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ﴾ [المؤمنون: 55، 56].
وقد تضمن هذا الوهَم أصولاً انبنى عليها، وهي: إنكار الجزاء في الآخرة، وإنكار الحياة الثانية، وتوهم دوام الأحوال.
ففاء التفريع مرتبطة بجملة: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ [الفجر: 14] بما فيها من العموم الذي اقتضاه كونها تذييلاً.
والمعنى: هذا شأن ربك الجاري على وفق علمه وحكمته.
فأما الإنسان الكافر فيتوهم خلاف ذلك إذ يحسب أن ما يناله من نعمة وسَعَة في الدنيا تكريماً من الله له، وما يناله من ضيق عيش إهانَةً أهانه الله بها.
وهذا التوهم يستلزم ظنهم أفعال الله تعالى جارية على غير حكمة قال تعالى: ﴿ ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ ﴾ [فصلت: 50].
فأعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالحقيقة الحق ونبههم لتجنب تخليط الدلائل الدقيقة السامية، وتجنب تحكيم الواهمة والشاهية، وذكرهم بأن الأحوال الدنيوية أعراض زائلة ومتفاوتة الطول والقصر، وفي ذلك كله إبطال لمعتقد أهل الشرك وضلالهم الذي كان غالباً على أهل الجاهلية ولذلك قال النابغة في آل غسان الذين لم يكونوا مشركين وكانوا متدينين بالنصرانية: مَجَلَّتُهم ذَاتُ الإله ودينُهم *** قَويم فَمَا يَرْجُونَ غَيْرَ العَوَاقِب وَلا يَحْسَبُون الخَيْرَ لا شَرَّ بعدَه *** ولا يحسبُون الشرَّ ضَرْبَةَ لازِبِ وقد أعقب الله ذلك بالردع والإبطال بقوله: ﴿ كلا ﴾ .
فمناط الردع والإبطال كِلا القولين لأنهما صادران عن تأويل باطل وشبهة ضالّة كما ستعرفه عند قوله تعالى: ﴿ فأكرمه ونعمه ﴾ .
واقتصار الآية على تقتير الرزق في مقابلة النعمة دون غير ذلك من العلَللِ والآفات لأن غالب أحوال المشركين المتحدث عنهم صحة المزاج وقوة الأبدان فلا يهلكون إلا بقتل أو هَرم فيهم وفي ذويهم، قال النابغة: تَغْشَى مَتَالِفَ لا يُنْظِرْنَكَ الهَرَمَا *** ولم يعرج أكثر المفسرين على بيان نَظْم الآية واتصالها بما قبلها عدا الزمخشري وابنَ عطية.
وقد عرف هذا الاعتقاد الضال من كلام أهل الجاهلية، قال طرفة: فلو شاءَ ربّي كنتُ قيسَ بنَ عاصم *** ولو شَاء رَبي كنتُ عَمْرَو بنَ مَرْثَدِ فأصبحتُ ذا مال كثيرٍ وطاف بي *** بَنُون كرامٌ سَادَة لمُسَوَّد وجعلوا هذا الغرور مقياساً لمراتب الناس فجعلوا أصحاب الكمال أهل المظاهر الفاخرة، ووصموا بالنقص أهل الخصاصة وضعفاء الناس، لذلك لما أتى الملأ من قريش ومن بني تميم وفزارة للنبيء صلى الله عليه وسلم وعنده عَمَّار، وبلالٌ، وخبابٌ، وسالمٌ، مولَى أبي حذيفة، وصُبَيح مولى أُسَيْد، وصُهَيْبٌ، في أناس آخرين من ضعفاء المؤمنين قالوا للنبيء أطْرُدهم عنك فَلَعلّك إن طردتهم أن نتبعك.
وقالوا لأبي طالب: لو أن ابن أخيك طَرد هؤلاء الأعْبُدَ والحُلَفَاءَ كان أعظمَ له في صدُورنا وأدلى لاتِّباعنا إياه.
وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ الآية كما تقدم في سورة الأنعام (52).
فنبه الله على خطإ اعتقادهم بمناسبة ذكر مُماثِلِهِ ممَّا اعتقده الأمم قبلهم الذي كان موجباً صَب العذاب عليهم، وأعْلَمهم أن أحوال الدنيا لا تُتخذ أصلاً في اعتبار الجزاء على العمل، وأن الجزاء المطرد هو جزاء يوم القيامة.
والمراد بالإنسان الجنس وتعريفه تعريف الجنس فيستغرق أفراد الجنس ولكنه استغراق عُرفي مراد به الناسُ المشركون لأنهم الغالب على الناس المتحدث عنهم وذلك الغالب في إطلاق لفظ الإنسان في القرآن النازل بمكة كقوله: ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ [العلق: 6، 7] ﴿ أيحسب الإنسان أَلَّن نجمع عظامه ﴾ [القيامة: 3] ﴿ لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ﴾ [البلد: 4، 5] ونحو ذلك ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ﴾ [الفجر: 23] الآية.
وقيل: إريد إنسان معين، فقيل عتبة بن ربيعة أو أبو حذيفة بن الغيرة عن ابن عباس، وقيل: أمية بن خَلَف عن مقاتل والكلبي، وقيل: أبيّ بن خلف عن الكلبي أيضاً، وإنما هؤلاء المسمَّوْن أعلام التضليل.
قال ابن عطية: ومن حيث كان هذا غالباً على الكفّار جاء التوبيخ في هذه الآية باسم الجنس إذ يقع (كذا) بعض المؤمنين في شيء من هذا المنزع اه.
واعلم أن من ضلال أهل الشرك ومن فتنة الشيطان لبعض جهلة المؤمنين أن يخيل إليهم ما يحصل لأحد بجعل الله من ارتباط المسببات بأسبابها والمعلولات بعللها فيضعوا ما يصادف نفع أحدهم من الحوادث موضع كرامة من الله للذي صادفْته منافع ذلك، تحكيماً للشاهية ومحبةِ النفس ورجْماً بالغيب وافتيَاتاً على الله، وإذا صادف أحدَهم من الحوادث ما جلبَ له ضرّاً تخيّله بأوهامه انتقاماً من الله قصدَه به، تشاؤماً منهم.
فهؤلاء الذين زعموا ما نالهم من نعمة الله إكراماً من الله لهم ليسوا أهلاً لكرامة الله.
وهؤلاء الذين توهموا ما صادفهم من فتور الزرق إهانة من الله لهم ليسوا بأحط عند الله من الذين زعموا أن الله أكرمهم بما هم فيه من نعمة.
فذلك الاعتقاد أوجب تغلغل أهل الشرك في إشراكهم وصرَفَ أنظارهم عن التدبر فيما يخالف ذلك، وربما جرت الوساوس الشيطانية فتنةً من ذلك لبعض ضعفاء الإِيمان وقصار الأنظار والجهال بالعقيدة الحق كما أفصح أحمد بن الرّاوندي.
عن تزلزل فهمهم وقلة علمهم بقوله: كم عاقللٍ عاقللٍ أعْيَتْ مذاهبُه *** وجَاهِللٍ جاهللٍ تلقاه مرزوقاً هذا الذي تَرك الأَفْهام حائرةً *** وصيَّر العالِم النحرير زنديقاً وذلك ما صرف الضالين عن تطلب الحقائق من دلائلها، وصرفهم عن التدبر فيما يُنِيل صاحبه رضى الله وما يوقع في غضبه، وعِلْم الله واسع وتصرفاتُه شتّى وكلها صادرة عن حكمة ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ﴾ [البقرة: 255].
فقد يأتي الضر للعبد من عدة أسباب وقد يأتي النفع من أخرى.
وبعض ذلك جار في الظاهر على المعتاد، ومنه ما فيه سمة خرق العادة.
فربما أتت الرزايا من وجوه الفوائد، والموفق يتيقظ لِلأمَاراتتِ قال تعالى: ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾ [الأنعام: 44] وقال: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبيء إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ [الأعراف: 94، 95] وقال: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ﴾ [التوبة: 126].
وتصرفات الله متشابهة بعضها يدل على مراده من الناس وبعضها جار على ما قدَّره من نظام العالم وكلٌّ قد قضاه وقدَّره وسبق علمه به ورَبَط مسبباتِه بأسبابه مباشرةً أو بواسطة أو وسائط والمتبصر يأخذ بالحيطة لنفسه وقومِه ولا يقول على الله ما يمليه عليه وهَمه ولم تنهَضْ دلائله، ويُفوِّض ما أشكل عليه إلى علم الله.
وليس مثلُ هذا المحكيّ عنهم من شأن المسلمين المهتدين بهدي النبي صلى الله عليه وسلم والمتبصرين في مجاري التصرفات الربانية.
وقد نجد في بعض العوامّ ومن يشبههم من الغافلين بقايا مت اعتقاد أهل الجاهلية لإِيجاد التخيلات التي تمليها على عقولهم فالواجب عليهم أن يتعظوا بموعظة الله في هذه الآية.
لا جرم أن الله قد يعجل جزاء الخير لبعض الصالحين من عباده كما قال: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنُحْيِينَّه حياة طيبة ﴾ [النحل: 97].
وقد يعجّل العقاب لمن يغضب عليه من عباده.
وقد حكَى عن نوح قولَه لقومه: ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ﴾ [نوح: 10 12] وقال تعالى: ﴿ وأَلَّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ [الجن: 16].
ولهذه المعاملة علامات أظهرها أن تجري على خلاف المألوف كما نرى في نصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاءِ على الأمم العظيمة القاهرة.
وتلك مواعيد من الله يحققها أو وعيد منه يحيق بمستحقيه.
وحرف (أمَا) يفيد تفصيلاً في الغالب، أي يدل على تقابل بين شيئين من ذواتتٍ وأحوال.
ولذلك قد تكرر في الكلام، فليس التفصيلُ المستفاد منها بمعنى تبييننِ مجمللٍ قبلَها، بل هو تفصيل وتقابُل وتوازن، وهو ضرب من ضروب التفصيل الذي تأتي له (أمَّا)، فارتباط التفصيل بالكلام السابق مستفاد من الفاء الداخلة على (أما)، وإنما تعلقه بما قبله تعلَّقُ المفرع بمنشئه لا تفصيل بيان على مجمل.
فالمفصل هنا أحوال الإِنسان الجاهِل فُصّلت إلى حاله في الخفض والدعة وحاله في الضنك والشدة فالتوازن بين الحالين المعبَّر عنهما بالظرفين في قوله: ﴿ إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ﴾ الخ وفي قوله: ﴿ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ﴾ الخ.
وهذا التفصيل ليس من قبيل تبيين المُجمل ولكنه تمييز وفصْل بين شيئين أو أشياء تشتبه أو تختلط.
وقد تقدم ذكر (أمّا) عند قوله تعالى: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ﴾ الآية في سورة البقرة (26).
والابتلاء: الاختبار ويكون بالخير وبالضرّ لأن في كليهما اختباراً لثبات النفس وخُلق الأناة والصبر قال تعالى: ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ [الأنبياء: 35] وبذكر الابتلاء ظهر أن إكرام الله إياه إكرام ابتلاء فيقع على حالين، حال مرضية وحال غير مرضية وكذلك تقتير الرزق تقتير ابتلاء يقتضي حالين أيضاً.
قال تعالى: ﴿ ليبلوني أأشكر أم أكفر ﴾ [النمل: 40] وقال: ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ [الأنبياء: 35] والأشهر أنه الإِختبار بالضر وقد استعمل في هذه الآية في المعنيين.
والمعنى: إذا جَعَلَ ربُّه ما يناله من النعمة أو من التقتير مظهراً لحاله في الشكر والكفر، وفي الصبر والجزع، توهَّم أن الله أكرمه بذلك أو أهانه بهذا.
والإِكرام: قال الراغب: أن يُوصَل إلى الإِنسان كرامة، وهي نفع لا تلحق فيه غضاضة ولا مذلة، وأن يُجعل ما يوصل إليه شيئاً كريماً، أي شريفاً قال تعالى: ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ [الأنبياء: 26]، أي جعلهم كراماً اه يريد أن الإِكرام يطلق على إعطاء المكرمة ويطلق على جعل الشيء كريماً في صنفه فيصدق قوله تعالى: ﴿ فأكرمه ﴾ بأن يصيب الإِنسان ما هو نفع لا غضاضة فيه، أو بأن جُعل كريماً سيداً شريفاً.
وقوله: ﴿ فأكرمه ﴾ من المعنى الأول للإِكرام وقوله: ﴿ فيقول ربي أكرمني ﴾ من المعنى الثاني له في كلام الراغب واعلم أن قوله: ﴿ ونعمه ﴾ صريح في أن الله ينعم على الكافرين إيقاظاً لهم ومعاملة بالرحمة، والذي عليه المحققون من المتكلمين أن الكافر مُنعَم عليه في الدنيا، وهو قول الماتريدي والباقِلاني.
وهذا مما اختلف فيه الأشعري والماتريدي والخُلف لفظي.
ومعنى ﴿ نعّمه ﴾ جعله في نعمة، أي في طيب عيش.
ومعنى: ﴿ فقدر عليه رزقه ﴾ أعطاه بقَدْر محدود، ومنه التقتير بالتاء الفوقية عوضاً عن الدال، وكلّ ذلك كناية عن القلة ويقابله بسط الرزق قال تعالى: ﴿ ولو بسط اللَّه الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ﴾ [الشورى: 27].
والهاء في ﴿ رزقه ﴾ يجوز أن تعود إلى ﴿ الإنسان ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، ويجوز أن تعود إلى ﴿ ربه ﴾ من إضافة المصدر إلى فاعله.
والإِهانة: المعاملة بالهون وهو الذل.
وإسناد ﴿ فأكرمه ونعمه...
فقدر عليه رزقه ﴾ إلى الرب تعالى لأن الكرامة والنعمة انساقت للإِنسان أو انساق له قَدَر الرزق بأسباب من جعل الله وسننه في هذه الحياة الدنيا بما يصادف بعضُ الحوادث بعضاً، وأسباب المقارنة بين حصول هذه المعاني وبين من تقع به من الناس في فُرصها ومناسباتها.
والقول مستعمل في حقيقته وهو التكلم، وإنما يتكلم الانسان عن اعتقاد.
فالمعنى: فيقول ربي أكرمني، معتقداً ذلك، ويقول: ربيَ أهانني، معتقداً ذلك لأنهم لا يخلون عن أن يفتخروا بالنعمة، أو يتذمروا من الضيق والحاجة، ونظير استعمال القول هذا الاستعمال ما وقع في قوله تعالى: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ [آل عمران: 75]، أي اعتقدوا ذلك فقالوه واعتذروا به لأنفسهم بين أهل ملتهم.
وتقديم ﴿ ربي ﴾ على فعل ﴿ أكرمني ﴾ وفعللِ ﴿ أهانني ﴾ ، دون أن يقول: أكرمني ربي أو أهانني ربي، لقصد تقوّي الحكم، أي يقول ذلك جازماً به غير متردد.
وجملتا: ﴿ فيقول ﴾ في الموضعين جوابان ل (إمَّا) الأولى والثانية، أي يطرد قول الإِنسان هذه المقالة كلَّما حصلتْ له نعمة وكلما حصل له تقتير رزق.
وأوثِر الفعل المضارع في الجوابين لإِفادة تكرر ذلك القول وتجدده كلما حصل مضمون الشرطين.
وحرف ﴿ كَلاّ ﴾ زجر عن قول الإِنسان ﴿ ربي أكرمن ﴾ عند حصول النعمة.
وقوله: ﴿ ربيَ أهانني ﴾ عندما يناله تقتير، فهو ردع عن اعتقاد ذلك فمناط الردع كِلاَ القولين لأن كل قول منهما صادر عن تأول باطل، أي ليست حالة الإنسان في هذه الحياة الدنيا دليلاً على منزلته عند الله تعالى.
وإنما يُعرَف مراد الله بالطرق التي أرشد الله إليها بواسطة رسله وشرائعه، قال تعالى: ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ﴾ إلى قوله: ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ في سورة الكهف (103 105).
فرب رجل في نعمة في الدنيا هو مسخوط عليه ورب أشعَث أغبر مطرود بالأبواب لو أقسم على الله لأبَرَّهُ.
فمناط الردع جعل الإِنعام علامة على إرادة الله إكرام المنعم عليه وجعل التقتير علامة على إرادة الإِهانة، وليس مناطه وقوع الكرامة ووقوع الإِهانة لأن الله أهان الكافرَ بعذاب الآخرة ولو شاء إهانته في الدنيا لأجل الكفر لأهان جميع الكفرة بتقتير الرزق.
وبهذا ظهر أن لا تنافي بين إثبات إكرام الله تعالى الإِنسان بقوله: ﴿ فأكرمه ﴾ وبين إبطال ذلك بقوله: ﴿ كلا ﴾ لأن الإِبطال وارد على ما قصده الإِنسان بقوله: ﴿ ربي أكرمن ﴾ أن ما ناله من النعمة علامةٌ على رضى الله عنه.
فالمعنى: أن لشأن الله في معاملته الناس في هذا العالم أسراراً وعِللاً لا يُحاط بها، وأن أهل الجهالة بمعزل عن إدراك سرها بأقْيسة وهمية، والاستناد لمألوفات عادية، وأن الأولى لهم أن يتطلبوا الحقائق من دلائلها العقلية، وأن يعرفوا مراد الله من وحيه إلى رسله.
وأن يحذروا من أن يحيدوا بالأدلة عن مدلولها.
وأن يستنتجوا الفروع من غير أصولها.
وأما أهل العلم فهم يضعون الأشياء مواضعها، ويتوسمون التوسم المستند إلى الهدي ولا يخلطون ولا يخبطون.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي ﴾ في الموضعين بفتح الياء.
وقرأ الباقون بسكونها.
وقرأ الجمهور ﴿ فقدر عليه ﴾ بتخفيف الدال.
وقرأه ابن عامر وأبو جعفر بتشديد الدال.
وقرأ نافع: ﴿ أكرمن، وأهانن ﴾ بياء بعد النون في الوصل وبحذفها في الوقف.
وقرأهما ابن كثير بالياء في الوصل والوقف، وقرأهما ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب بدون ياء في الوصل والوقف.
وهو مرسوم في المصحف بدون نون بعد الياءين ولا منافاة بين الرواية واسم المصحف.
و ﴿ كلاّ ﴾ ردع عن هذا القول أي ليس ابتلاء الله الإِنسان بالنعيم وبتقتير الرزق مسبباً على إرادة الله تكريم الإِنسان ولا على إرادته إهانته.
وهذا ردع مجمل لم يتعرض القرآن لتبيينه اكتفاء بتذييل أحوال الأمم الثلاث في نعمتهم بقوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ [الفجر: 14] بعد قوله: ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ [الفجر: 13].
﴿ كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ﴾ ﴿ للهاليتيم * وَلاَ تَحَاضُّونَ على طَعَامِ المسكين * وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً ﴾ .
﴿ بل ﴾ إضراب انتقالي.
والمناسبة بين الغرضين المنتقل منه والمنتقللِ إليه مناسبةُ المقابَلةِ لمضمون ﴿ فأكرمه ونعمه ﴾ من جهة ما توهموه أن نعمة مالِهم وسعة عيشهم تكريم من الله لهم، فنبههم الله على أنهم إن أكرمهم الله فإنهم لم يُكرموا عبيده شُحّاً بالنعمة إذ حَرموا أهل الحاجة من فضول أموالهم وإذ يستزيدون من المال ما لا يحْتاجُون إليه وذلك دحض لتفخرهم بالكرم والبذل.
فجملة: ﴿ لا تكرمون اليتيم ﴾ استئناف كما يقتضيه الإضراب، فهو إمّا استئناف ابتداء كلام، وإما اعتراض بين ﴿ كلاّ ﴾ وأختها كما سيأتي وإكرام اليتيم: سَد خَلته، وحسن معاملته، لأنه مظنة الحاجة لفقدِ عائِلِه، ولاستيلائهم على الأموال التي يتركها الآباءُ لأبنائهم الصغار.
وقد كانت الأموال في الجاهلية يتداولها رؤساء العائلات.
والبِرّ، لأنه مظنة انكسار الخاطر لشعوره بفقد من يُدِلّ هو عليه.
و ﴿ اليتيم ﴾ : الصبي الذي مات أبوه وتقدم في سورة النساء، وتعريفه للجنس، أي لا تكرمون اليتامى.
وكذلك تعريف ﴿ المسكين ﴾ .
ونفي الحَض على طعام المسكين نفي لإطعامه بطريق الأولى، وهي دلالة فحوى الخطاب، أي لقلّة الاكتراث بالمساكين لا ينفعونهم ولو نفْعَ وساطة، بَلْهَ أن ينفعوهم بالبذل من أموالهم.
و ﴿ طعام ﴾ يجوز أن يكون اسماً بمعنى المطعوم، فالتقدير: ولا تحضون على إعطاء طعام المسكين فإضافته إلى المسكين على معنى لام الاستحقاق ويجوز أن يكون اسم مصدر أطعم.
والمعنى: ولا تحضون على إطعام الأغنياء المساكينَ فإضافته إلى المسكين من إضافة المصدر إلى مفعوله.
و ﴿ المسكين ﴾ : الفقير وتقدم في سورة براءة.
وقد حصل في الآية احتباك لأنهم لما نُفِي إكرامهم اليتيم وقوبل بنفي أن يحضُّوا على طعام المسكين، عُلم أنهم لا يحضون على إكرام أيتامهم، أي لا يحضون أولياء الأيتام على ذلك، وعلم أنهم لا يطعمون المساكين من أموالهم.
ويجوز أن يكون الحض على الطعام كناية عن الإِطعام لأن من يحض على فعل شيء يكون راغباً في التلبس به فإذا تمكن أن يفعله فعله، ومنه قوله تعالى: ﴿ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ [العصر: 3] أي عملوا بالحق وصبروا وتواصوا بهما.
وقرأ الجمهور: «لا تُكرمون، ولا تَحضون، وتأكلون، وتُحبون» بالمثناة الفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ﴾ الآيات لقصد مواجهتهم بالتوبيخ، وهو بالمواجهة أوقع منه بالغيبة.
وقرأها أبو عمرو ويعقوب بالمثناة التحتية على الغيبة لتعريف النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بذلك فضحاً لدخائلهم على نحو قوله تعالى: ﴿ يقول أهلكت مالاً لبداً أيحسب أن لم يره أحد ﴾ [البلد: 6، 7].
وقرأ الجمهور: ﴿ ولا تحضُّون ﴾ بضم الحاء مضارع حضّ، وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ﴿ تَحَاضُّون ﴾ بفتح الحاء وألف بعدها مضارع حاضّ بعضهم بعضاً، وأصله تتحاضّون فحذفت إحدى التاءين اختصاراً للتخفيف أي تتمالؤون على ترك الحض على الإطعام.
و ﴿ التراث ﴾ : المال الموروث، أي الذي يُخلفه الرجل بعد موته لوارثه وأصله: وُرَاث بواو في أوله بوزن فُعال من مادة وَرث بمعنى مفعول مثل الدُّقاق، والحُطام، أبدلت واوه تاء على غير قياس كما فعلوا في تُجاه، وتُخَمة، وتُهْمة، وتُقَاةٍ وأشباهها.
والأكل: مستعار للانتفاع بالشيء انتفاعاً لا يُبقي منه شيئاً.
وأحسب أن هذه الاستعارة من مبتكرات القرآن إذ لم أقف على مثلها في كلام العرب.
وتعريف التراث عوض عن المضاف إليه، أي تراث اليتامى وكذلك كان أهل الجاهلية يمنعون النساء والصبيان من أموال مورثيهم.
وأشعر قوله: ﴿ تأكلون ﴾ بأن المراد التراث الذي لا حق لهم فيه، ومنه يظهر وجه إيثار لفظ التُراث دون أن يقال: وتأكلون المال لأن التراث مال ماتَ صاحبه وأكْلُه يقتضي أن يستحق ذلك المال عاجز عن الذب عن ماله لصغرٍ أو أنوثة.
واللَّمُّ: الجمع، ووصْفُ الأكل به وصف بالمصدر للمبالغة، أي أكلاً جامعاً مال الوارثين إلى مال الآكِللِ كقوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ [النساء: 2].
والجم: الكثير، يقال: جَمَّ الماءُ في الحوض، إذا كثر، وبِئر جموم بفتح الجيم: كثيرةُ الماء، أي حباً كثيراً، ووصْف الحُبّ بالكثرة مراد به الشدة لأن الحب معنى من المعاني النفسية لا يوصف بالكثرة التي هي وفرة عدد أفراد الجنس.
فالجمّ مستعار لمعنى القوي الشديد، أي حبّاً مفرطاً، وذلك محل ذم حب المال، لأن إفراد حبه يوقع في الحِرص على اكتسابه بالوسائل غير الحَق كالغصب والاختلاس والسرقة وأكل الأمانات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا ﴾ والتُّراثُ: المِيراثُ، وفي قَوْلِهِ (لَمّا) أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي شَدِيدًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: يَعْنِي جَمْعًا، مِن قَوْلِهِمْ لَمَمْتُ الطَّعامَ لَمًّا، إذا أكَلْتُهُ جَمْعًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ سَفَهَ سَفًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: هو أنَّهُ إذا أكَلَ مالَ نَفْسِهِ ألَمَّ بِمالِ غَيْرِهِ فَأكَلَهُ، ولا يَتَفَكَّرُ فِيما أكَلَ مِن خَبِيثٍ وطَيِّبٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ ألَمَّ بِما حَرَّمَ عَلَيْهِ ومَنَعَ مِنهُ.
﴿ وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي كَثِيرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجَمُّ الكَثِيرُ، قالَ الشّاعِرُ إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمًّا الثّانِي: فاحِشًا تَجْمَعُونَ حَلالَهُ إلى حَرامِهِ، قالَهُ الحَسَنُ: ويَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ يُحِبُّ المالَ حُبَّ إجْمامٍ لَهُ واسْتِبْقاءٍ فَلا يَنْتَفِعُ بِهِ في دِينٍ ولا دُنْيا وهو أسْوَأُ أحْوالِ ذِي المالِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ والفجر ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الزبير قال: أنزلت ﴿ والفجر ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردوية عن عائشة قالت: أنزلت ﴿ والفجر ﴾ بمكة.
وأخرج النسائي عن جابر قال: أفتان يا معاذ أين أنت من ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ [ الأعلى: 1] ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [ الشمس: 1] ﴿ والفجر ﴾ ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ [ الليل: 1] .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: قسم أقسم الله به.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال: إن الله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه وليس لأحد أن يقسم إلا بالله.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: فجر النهار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: هو الصبح.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: طلوع الفجر غداة جمع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: فجر يوم النحر، وليس كل فجر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ والفجر ﴾ قال: يعني صلاة الفجر.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: هو المحرم أوّل فجر السنة.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن النعمان قال: «أتى عليّاً رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني بشهر أصومه بعد رمضان.
قال: لقد سألت عن شيء ما سمعت أحداً يسأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن كنت صائماً شهراً بعد رمضان فصم المحرم، فإنه شهر الله وفيه يوم تاب فيه قوم وتاب فيه على آخرين» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟
قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى، وأغرق فيه آل فرعون، فصامه موسى شكراً لله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه» .
وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن الربيع بنت معوّذ بن عفراء قالت: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه» قالت فكنا بعد ذلك نصومه ونصوّم صبياننا الصغار، ونذهب بهم إلى المسجد، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها حتى يكون عند الافطار.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال: ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام يوم يبتغي فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، أو شهر رمضان.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس ليوم على يوم فضل في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الأسود بن يزيد قال: ما رأيت أحداً ممن كان بالكوفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بصوم يوم عاشوراء من عليّ وأبي موسى.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال: «حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه تعظمه اليهود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا يوم التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود.
صوموا قبله يوماً وبعده يوماً» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله أو بعده يوم عاشوراء» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر.
وأخرج البيهقي عن أبي جبلة قال: كنت مع ابن شهاب في سفر فصام يوم عاشوراء، فقيل له: تصوم يوم عاشوراء في السفر وأنت تفطر في رمضان؟
قال: إن رمضان له عدة من أيام أخر، وإن عاشوراء يفوت.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: يوم عاشوراء يوم تعظمه اليهود وتتخذه عيدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموه أنتم» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم عاشوراء يوم كانت تصومه الأنبياء فصوموه أنتم» .
وأخرج البيهقي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه طول سنته» .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه في سائر سنته» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وسع على عياله وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» قال البيهقي: أسانيدها، وإن كانت ضعيفة، فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أحدثت قوّة.
وأخرج البيهقي عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: كان يقال: من وسع على عياله يوم عاشوراء لم يزالوا في سعة من رزقهم سائر سنتهم.
وأخرج البيهقي وضعفه عن عروة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اكتحل بالإِثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً» .
أخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ والفجر وليال عشر والشفع والوتر ﴾ قال: إن العشر عشر الأضحى والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشرة الأضحى، وفي لفظ قال: هي ليال العشر الأول من ذي الحجة.
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: أول ذي الحجة إلى يوم النحر.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن مسروق في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: هي عشر الأضحى، هي أفضل أيام السنة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر ذي الحجة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر الأضحى أقسم بهن لفضلهن على سائر الأيام.
وأخرج عبد بن حميد عن مسروق ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر الأضحى وهي التي وعد الله موسى قوله: ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ [ الأعراف: 142] .
وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن عبيدالله أنه دخل على ابن عمر هو وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة، فقال أبو سلمة: أليس هذه الليالي العشر التي ذكر الله في القرآن؟
فقال ابن عمر: وما يدريك؟
قال: ما أشك.
قال: بلى فاشكك.
وأخرج ابن مردويه عن عطية في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: هذا الذي تعرفون ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر الأضحى ﴿ والشفع ﴾ قال: يقول الله: ﴿ وخلقناكم أزواجاً ﴾ [ النبأ: 8] ﴿ والوتر ﴾ قال الله قيل هل تروي هذا عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام فيهن العمل أحب إلى الله عز وجل أفضل من أيام العشر، قيل يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل جاهد في سبيل الله بماله ونفسه فلم يرجع من ذلك بشيء» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أفضل عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» .
وأخرج البيهقي عن الأوزاعي قال: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة.
قال: الأوزاعي: حدثني بهذا الحديث رجل من بني مخزوم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج البيهقي من طريق هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر وخميسين.
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام من أيام الدنيا العمل فيها أحب إلى الله من أن يتعبد له فيها من أيام العشر، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة بقيام ليلة القدر» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أفضل عند الله ولا العمل فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير، فإنها أيام التهليل والتكبير وذكر الله، وإن صيام يوم منها يعدل بصيام سنة، والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة ضعف» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: هي العشر الأواخر من رمضان.
وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أبي عثمان قال: كانوا يعظمون ثلاث عشرات العشر الأول من المحرم والعشر الأول من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان.
أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عمران بن حصين «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر فقال: هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن عمران بن حصين ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: إن من الصلاة شفعاً وإن منها وتراً.
قال: قال الحسن: هو العدد منه شفع ومنه وتر.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: ذلك صلاة المغرب الشفع الركعتان والوتر الركعة الثالثة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: أقسم ربنا بالعدد كله الشفع منه والوتر.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: كل شيء شفع فهو اثنان والوتر واحد.
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الخلق كله شفع ووتر فأقسم بالخلق.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الله الوتر وأنتم الشفع.
وأخرج الفريابي وسعيد بن جبير وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: كل خلق الله شفع السماء والأرض والبر والبحر والإِنس والجن والشمس والقمر ونحو هذا شفع، والوتر الله وحده.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الله الوتر وخلقه الشفع الذكر والأنثى.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الشفع آدم وحواء والوتر الله.
وأخرج عبد بن حميد من طريق اسماعيل عن أبي صالح ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: خلق الله من كل زوجين اثنين، والله وتر واحد صمد.
قال اسماعيل: فذكرت ذلك للشعبي، فقال: كان مسروق يقول ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: من قال في دبر كل صلاة وإذا أخذ مضجعه الله أكبر الله أكبر عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات الطيبات المباركات ثلاثاً ولا إله إلا الله مثل ذلك كن له في قبره نوراً وعلى الجسر نوراً وعلى الصراط نوراً حتى يدخل الجنة.
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الشفع والوتر فقال: «يومان وليلة يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة النحر ليلة جمع» .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: هي أيام نسك عرفة والأضحى هما للشفع، وليلة الأضحى هي الوتر.
وأخرج ابن جرير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشفع اليومان والوتر اليوم الثالث» .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير أنه سئل عن الشفع والوتر فقال: الشفع قول الله: ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ [ البقرة: 203] والوتر اليوم الثالث:، وفي لفظ الشفع أوسط أيام التشريق والوتر آخر أيام التشريق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن ابن عباس ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: عرفة وتر ويوم النحر شفع عرفة يوم التاسع والنحر يوم العاشر.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه قال: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
أقسم الله بهما لفضلهما على العشر.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: إذا ذهب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: إذا سار.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: إذا سار.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: ليلة جمع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قيل له: ما ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: هذه الإِفاضة اسر يا ساري ولا تبيتن إلا بجمع.
أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ والفجر ﴾ إلى قوله: ﴿ إذا يسر ﴾ قال: هذا قسم على أن ربك لبالمرصاد.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ قسم لذي حجر ﴾ قال: لذي حجا وعقل ونهى.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عكرمة والضحاك مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ لذي حجر ﴾ قال: لذي حلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ لذي حجر ﴾ قال: ستر من النار.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن السدي في قوله: ﴿ لذي حجر ﴾ قال: لذي لب.
قال الحارث بن ثعلبة: وكيف رجائي أن أتوب وإنما ** يرجى من الفتيان من كان ذا حجر أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ﴾ قال: يعني بالإِرم الهالك ألا ترى أنك تقول: إرم بنو فلان ﴿ ذات العماد ﴾ يعني طولهم مثل العماد.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ بعاد إرم ﴾ قال: القديمة ﴿ ذات العماد ﴾ قال: أهل عمود لا يقيمون.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إرم ﴾ قال: أمة ﴿ ذات العماد ﴾ قال: كان لها جسم في السماء.
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ بعاد إرم ﴾ قال: عاد بن إرم نسبهم إلى أبيهم الأكبر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد كان يقال لهم ذات العماد، كانوا أهل عمود ﴿ التي لم يخلق مثلها في البلاد ﴾ قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً طولاً في السماء.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ﴿ إرم ذات العماد ﴾ فقال: «كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم» .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ارم هي دمشق.
وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد وابن عساكر عن سعيد المقبري مثله.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن خالد الربعي مثله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال: إرم هي الاسكندرية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: الإِرم هي الهلاك، إلا ترى أنه يقال: أرمَّ بنو فلان أي هلكوا.
قال ابن حجر: هذا التفسير على قراءة شاذة أرمَّ بفتحتين وتشديد الراء على أنه فعل ماض و ﴿ ذات ﴾ بفتح التاء مفعوله أي أهلك الله ذات العماد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب ﴿ إرم ﴾ قال رمهم رماً فجعلهم رمماً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ ذات العماد ﴾ ذات الشدة والقوّة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ جابوا الصخر بالواد ﴾ قال: كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: الأوتاد الجنود الذين يشيدون له أمره.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ جابوا الصخر ﴾ قال نقبوا الحجارة في الجبال فاتخذوها بيوتاً.
قال: وهل تعرف ذلك العرب؟
قال: نعم أما سمعت قول أمية: وشق أبصارنا كيما نعيش بها ** وجاب للسمع أصماخاً وآذاناً وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ جابوا الصخر ﴾ قال: حرقوا الجبال فجعلوها بيوتاً ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: كان يتد الناس بالأوتاد ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ قال: ما عذبوا به.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ذي الأوتاد ﴾ قال: وتد فرعون لأمرأته أربعة أوتاد ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: كان يجعل رجلاً هنا ورجلاً هنا ويداً هنا ويداً هنا بالأوتاد.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إنما سمي فرعون ذا الأوتاد لأنه كان يبني له المنابر يذبح عليها الناس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان يعذب بالأوتاد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان فرعون إذا أراد أن يقتل أحداً ربطه بأربعة أوتاد على صخرة ثم أرسل عليه صخرة من فوقه فشدخه وهو ينظر إليها قد ربط بكل يد منها قائمة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: ذي البناء قال: وحدثنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كانت له مظال يلعب تحتها وأوتاد كانت تضرب له.
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ فأكثروا فيها الفساد ﴾ قال: بالمعاصي ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ قال: رجع عذاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كل شيء به فهو سوط عذاب.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلاَّ ﴾ زجر عما أنكر من قول الإنسان ﴿ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم ﴾ هذا ذمّ لما ذكر من الأعمال القبيحة ومعنى هذا الإضراب بل، كأنه أنكر على الإنسان ما تقدم ثم قال بل تفعلون ما هو شر من ذلك وهو ألا تكرموا اليتيم وما ذكر بعده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مكرمَ» ﴿ وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين ﴾ الحض على الأمر هو الترغيب فيه، ومن لا يحض غيره على أمر فلا يفعله هو، كأنه ذم لترك طعام المسكين، والطعام هنا بمعنى الإطعام، وقيل: هو على حذف مضاف تقديره: لا تحضون على بذل طعام المسكين، وقرئ تحاضون بفتح الحاء وألف بعدها بمعنى لا يحض بعضكم بعضاً ﴿ وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً ﴾ التراث هو ما يورث عن الميت من المال، والتاء فيه بدل من الواو، واللم: الجمع واللف، والتقدير: أكلاً ذا لمّ وهو أن يأخذ في الميراث نصيبه ونصيب غيره، لأن العرب كانوا لا يعطون من الميراث أنثى ولا صغيراً بل ينفرد به الرجال ﴿ وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً ﴾ أي شديداً كثيراً وهذا دم للحرص على المال وشدة الرغبة فيه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ كان العرب من عادتهم أنهم إذا استحسنوا شيئا عظموه، وإذا عظموه أقسموا به.
ثم - إن الله - - جعل في الحج وأوقاته لطائف من الحكمة وعجائب من التدبير، فمن لطيف حكمته وعجائب تدبيره أنه جعل المكان الذي يحج فيه مأمنا للخلق من وجه لا يعرف الخلائق المعنى الذي به وقع الأمن والإلف بين الخلق؛ حتى رغبوا جميعا في الاجتماع هنالك مع تباغضهم وتعاديهم فيما بينهم من وجه لا يدرك معناه، وجعل أهلها يتقلبون في البلاد آمنين؛ حتى قال - عز وجل - لنبيه - -: ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ [و]سخر أهل الآفاق في حمل ما يقع لأهل مكة إليه حاجة من الميرة وغيرها، وجعلهم بحيث يرغبون في الإتيان إليها مع عظم ما يلزمهم من المؤن في الإيتان إلى مكة للحج؛ فثبت أن فيها معاني ولطائف هي خارجة عن قواهم وتدبيرهم؛ فكان في ذكرها ما يوجب القول بالقدرة على البعث، ويزيل عنهم الشبهة في أمرهم؛ فأقسم لما عظم من شأنها لمكان أنها أوقات الحج، فعامة أركان الحج تؤدى فيها، وعادة العرب أنهم يقسمون بآبائهم وأجدادهم وأصنامههم؛ لما هي معظمة عندهم، وهذه الأشياء معظمة عندهم؛ فجربى القسم بها؛ جريا على عادتهم، ويدخل في أوقاتها الشفع والوتر والفجر، فقالوا: الشفع: يوم النحر؛ لأنه اليوم العاشر من الشهر، والوتر يوم عرفة؛ لأنه اليوم التاسع.
وجائز أن يكون أريد بالشفع والوتر والليل إذا يسر: العبادات جملة إذ ما من عبادة إلا وفيها شفع ووتر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ ﴾ ، أي: يُسرى بها، وفي ذلك كناية عن الجهاد والإغارة بالليل، كما يذكر في قوله: ﴿ وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً ﴾ ؛ فيكون هذا كله إشارة إلى جملة العبادات.
ووجه القسم بالعبادات: أن الله - - عظم أمر العبادات في قلوب الخلائق؛ حتى تراهم جميعا يستحسنونها ويعظمون أمرها، وإنما يقع الاختلاف بينهم في ماهيتها - إلا أن يقع التمانع بينهم في أنفسها - فأقسم بها.
وجائز أن يكون أريد بالوتر هو الله ، وأريد بالشفع الخلائق؛ إذ خلقهم أزواجا، والله هو الواحد بذاته؛ فيكون القسم بذاته وبجميع الخلق.
ويحتمل أنه أريد بالشفع والوتر [الخلائق جملة؛ إذ فيهم المعنيان جميعا: الشفع، والوتر؛ فيكون قسما بجميع الخلائق].
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ﴾ يحتمل أن يكون تأويله: أن وجه القسم بهذه الأشياء يعرفه ذوو الحجر، وهم ذوو الألباب والحجا، لا أن يعرفه الجهلة.
قالوا: وموضع القسم على قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ .
وجائز أن يكون وقع التنازع فيما بينهم، وكانوا يزعمون أن أوقات الحج، وهي الليالي العشر، والشفع والوتر، ليس يقسم بها؛ فقال: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ﴾ ، أي: للعاقل إذا تدبر فيها عرف أن هذه الأوقات بالتي تحتمل أن يقسم بها أو هذه الأوقات بالتي تدلهم على القول بالبعث.
وقيل: إنما أقسم بهذه الأيام؛ لعظم قدر هذه الأيام وخطرها عندهم؛ لما فيها من صلاح معايشهم، ويكن لهم فيها سعة العيش: أما الفقراء بالهدايا والبدن، وأما غيرهم بأنواع المكاسب والتجارات؛ فإنهم كانوا يستعدون الأشياء، ويهيئون من السنة إلى السنة للتجارة في هذه الأيام؛ فأقسم الله - - بهذه الأيام لكونها معظمة عندهم.
وقيل: إن موضع القسم غير مذكور في هذه السورة؛ لأنه كان على أثر حادثة عندهم معروفة، استغنى عن ذكرها؛ لشهرتها عندهم؛ فأقسم أنها لحق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ في [ذكر نبأ] عاد وثمود وفرعون فوائد ثلاث: إحداها: في موضع التخويف لأهل مكة الذين كذبوا رسوله - - و[هو] أن أولئك القوم كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأكثر من القوة من هؤلاء الذين كذبوا محمد [عليه أفضل الصلوات]، فلم يغنهم ذلك لكه من الله شيئا؛ بل الله انتقم منهم لرسله - عليهم السلام - بما كذبوهم، فما بال هؤلاء الذين كذبوا محمدا لا يخافون مقته وحلول النقمة بهم بتكذيبهم رسوله، وليسوا بأكثر من أولئك في العدد والمال والقوة؟!
وفائدة أخرى: أن أولئك كانوا يزعمون أنهم بالله - - أولى من محمد عليه الصلاة والسلام وأتباعه؛ لما بسط لهم من النعيم، وضيق على الرسول وأتباعه؛ فبين أن الذين تقدمهم من مكذبي الرسل كانوا أرفع منهم في القوى والأموال والأولاد والأعداد، وكانت رسلهم في ضيق من العيش، ثم كانوا هم أولى بالله من المكذبين المفتخرين بكثرة الأعداد والقوى؛ فبين لهم هذا ليلعموا أن ليس الأمر على ما ظنوا وحسبوا.
والثالثة: أنهم كانوا يمتنعون عن الإيمان بالله وبرسوله، وكانوا يقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ ؛ فيكن في ذكر هذا نفي التقليد لأولئك؛ لأنه كان في آبائهم من أهلك بتكذيبهم الرسل، وهم الفراعنة وأتباعهم، وفيهم من نجا، وهم الرسل وأتباعهم المصدقون لهم، فما بالهم قلدوا المهلكين منهم دون الذين نجوا؟!.
ثم الآية لم تسق؛ لتعرف نسب عاد وثمود وفرعون حتى نشتغل بتعرفة، وإنما سيقت للأوجه التي ذكرنا؛ فالاشتغال بتعرف أنسابهم وأحوالهم نوع من التكلف.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ﴾ فقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: قد رأيت؛ أي: علمت؛ كما يقال في الشاهد: ألم تر إلى ما فعل فلان؛ أي: قد رأيت وعلمت، فتخبره بصنيعه على جهة التشكي منه.
ويحتمل أن يكون هذا ابتداء إعلام منه، فيقول له: اعلم أن ربك فعل بعاد كذا.
واختلفوا في قوله: ﴿ إِرَمَ ﴾ : فقال بعضههم: هو أبو عاد.
وقال بعضهم: أبو القبيلة؛ فنسبت إليه عاد؛ كما يقال: هو من بكر بن وائل، وإن لم يكن ابنه.
وقال بعضهم: الإرم مساكن عاد.
وقيل: هو اسم الذي بنى تلك الأماكن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ﴾ : قال بعضهم: ذات الأجساد الطوال، أي: عاد ذات الأجساد الطوال، كما ذكر في القصة.
وقال بعضهم: ذات البناء المشيد المرفوع في السماء كالعمد الطوال؛ فيرجع إلى الإرم على تأويل من جعله عبارة عن المساكن.
وقال بعضهم: ذات العماد هي الخيام لها أطناب وعمد، وكانوا أصحاب خيام وقباب، وكانت مساكنهم مرفوعة بالعماد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ : قال بعضهم: هذا وصف القوم بالشدة والقوة وعظم الخلقة، وفضل البصر في الأمور؛ كقوله - -: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً ﴾ ، وقال حكاية عنهم: ﴿ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ وقال - -: ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ فوصفهم بفضل البصر.
وجائز أن يكون أريد بها المساكن التي بنوها أن ليس مثلها في البلاد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ ﴾ : قال بعضهم: اتخذوا من الصخور جوابي - أي: قصاعا - كما قال : ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ .
وقال بعضهم: قطعوا في الصخور بيوتا؛ كقوله: ﴿ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ﴾ ؛ فيكون في هذا إخبار عن قواهم وشدتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ ﴾ : قال بعضهم: سماه: ذات الأوتاد، والوتد: الحبل.
وقال بعضهم: سمي: ذات الأوتاد؛ لأنه كانت له أوتاد نصبها لتعذيب من غضب عليه.
وقال بعضهم: إنه كان نصب على الطرق أناسا، على كل طريق إنسانا راصدا وحافظا.
وقيل: أي: ذو قصور وبنيان مشيدة مرفوعة تشبه الجبال؛ إذ هي أوتاد الأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ ﴾ : طغيانهم في البلاد: تمردهم وعتوهم فيها.
وقوله: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ : قال بعضهم: عذبهم بسوطهم الذي كانوا به يعذبون الخلق، ويضربونهم.
وقال أبو بكر الأصم: إن السوط لون من العذاب؛ فعذب عاداً بلون منه، وعذب ثمود بلون منه، وفرعون وأتباعه بلون منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: يرصد عذابه بأعدائه ينتظر به آجالهم، ثم يوقع بهم العذاب إذا أتى الأجل.
وعندنا: أنه يرصد عليهم [ما عملوا]، فلا يشتد عليه، ولا يعزب عنه شيء من علمهم؛ بل يحفظ عليهم ما استتر منه وما ظهر.
وقيل: أي: لا يجاوزه ظلم ظالم، ولا يفوته هارب.
ثم لم ينصرف وهم أحد في قوله - -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ إلى إتيان مكان، فما بال بعض الناس انصرف وهمهم في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ على جعل العرش مكانا له.
<div class="verse-tafsir"
لا ينبغي أن يكون هذا عملكم، واذكروا إذا حُرِّكت الأرض تحريكًا شديدًا وزُلْزِلت.
<div class="verse-tafsir" id="91.dOavP"