الآية ٢٠ من سورة الفجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 89 الفجر > الآية ٢٠ من سورة الفجر

وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبًّۭا جَمًّۭا ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 117 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة الفجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة الفجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي كثيرا زاد بعضهم فاحشا.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) .

يعني تعالى ذكره بقوله: ( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) وتحبون جمع المال أيها الناس واقتناءه حبا كثيرا شديدا، من قولهم: قد جمّ الماء في الحوض: إذا اجتمع، ومنه قول زُهير بن أبي سلمى: فَلَمَّــا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ وَضَعْـنَ عِصِـيَّ الْحـاضِرِ المُتَخَـيَّمِ (5) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) يقول: شديدا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) فيحبون كثرة المال.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( حُبًّا جَمًّا ) قال: الجمّ: الكثير.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) : أي حبا شديدا.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( حُبًّا جَمًّا ) : يحبون كثرة المال.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) قال: الجمّ: الشديد.

------------------------ الهوامش: (5) البيت من معلقة زهير ( مختار الشعر الجاهلي 229 ) قال شارحه : وردن الماء : أتينه وحللن عليه .

وجمامة : جمع جم ، وهو ما تجمع وكثر .

وزرقة الماء : من شدة صفاء لونه ؛ لأنه لم يورد قبلهن ولم يحرك .

ووضع العصى : كناية عن النزول بالمكان ، والإقامة فيه .

ا هـ وفي ( اللسان : جم ) الجم والجمم ( محركا ) : الكثير من كل شيء .

ومال جم :كثيرا .

وفي التنزيل العزيز : { وتحبون المال حبا جما } أي : كثيرا .

وكذلك فسره أبو عبيدة .

وقيل الجم : الكثير المجتمع ؛ جم يجم كيجلس ويقعد والضم أعلى ، جموما .

ا هـ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وتحبون المال حبا جما أي كثيرا ، حلاله وحرامه .

والجم الكثير .

يقال : جم الشيء يجم جموما ، فهو جم وجام .

ومنه جم الماء في الحوض : إذا اجتمع وكثر .

وقال الشاعر [ أبو خراش الهذلي ] :إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألماوالجمة : المكان الذي يجتمع فيه ماؤه .

والجموم : البئر الكثيرة الماء .

والجموم ( بالضم ) : [ ص: 48 ] المصدر يقال : جم الماء يجم جموما : إذا كثر في البئر واجتمع ، بعدما استقي ما فيها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا } أي: كثيرًا شديدًا، وهذا كقوله تعالى: { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } { كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ } .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"وتحبون المال حباً جماً"، أي كثيراً، يعني: تحبون جمع المال وتولعون به، يقال: جم الماء في الحوض، إذا كثر واجتمع.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويحبون المال حبا جما» أي: كثيرا فلا ينفقونه، وفي قراءة بالفوقانية في الأفعال الأربعة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليس الأمر كما يظن هذا الإنسان، بل الإكرام بطاعة الله، والإهانة بمعصيته، وأنتم لا تكرمون اليتيم، ولا تحسنون معاملته، ولا يَحُثُّ بعضكم بعضًا على إطعام المسكين، وتأكلون حقوق الآخرين في الميراث أكلا شديدًا، وتحبون المال حبًا مفرطًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ومن صفاتكم - أيضا - أنكم ( وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً ) أى : حبا كثيرا مع حرص وشَرَه .

يقال : جمّ الماء فى الحوض ، إذا كثر واجتمع ، ومنه الجَمُوع للبئر الكثيرة الماء .والحب المفرط للمال من الصفات الذميمة ، لأنه يؤدى إلى جمعه من كل طريق ، بدون تفرقة بين ما يحل منه وما يحرم .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا النوع من الناس ، بأنه قد جمع فى سوء سلوكه ، بين النطق بالقبيح من الأقوال ، وبين ارتكاب القبيح من الأفعال ، وهى : ترك اليتيم بلا رعاية ، وعدم الحض على إطعام المحتاج ، وجمع المال الموروث بدون تفرقة بين حلاله وحرامه ، والإِفراط فى حب المال بطريقة ذميمة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الشبهة قال: ﴿ كَلاَّ ﴾ وهو ردع للإنسان عن تلك المقالة، قال ابن عباس: المعنى لم ابتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، بل ذلك إما على مذهب أهل السنة، فمن محض القضاء أو القدر والمشيئة، والحكم الذي تنزه عن التعليل بالعلل، وإما على مذهب المعتزلة فبسبب مصالح خفية لا يطلع عليها إلا هو، فقد يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه، ثم إنه تعالى لما حكى من أقوالهم تلك الشبهة فكأنه قال: بل لهم فعل هو شر من هذا القول، وهو أن الله تعالى يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم، فقال: ﴿ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو: ﴿ يكرمون ﴾ وما بعده بالياء المنقوطة من تحت، وذلك أنه لما تقدم ذكر الإنسان، وكان يراد به الجنس والكثرة، وهو على لفظة الغيبة حمل يكرمون ويحبون عليه، ومن قرأ بالتاء فالتقدير قل لهم يا محمد ذلك.

المسألة الثانية: قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيماً في حجر أمية بن خلف، فكان يدفعه عن حقه.

واعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه: أحدها: ترك بره، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَلاَ تَحَاضُّونَ على طَعَامِ المسكين ﴾ والثاني: دفعه عن حقه الثابت له في الميراث وأكل ماله، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً ﴾ والثالث: أخذ ماله منه وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً ﴾ أي تأخذون أموال اليتامى وتضمونها إلى أموالكم، أما قوله: ﴿ ولا تحضون على طعام المسكين ﴾ قال مقاتل: ولا تطعمون مسكيناً، والمعنى لا تأمرون بإطعامه كقوله تعالى: ﴿ ﴾ ومن قرأ ولا تحاضون أراد تتحاضون فحذف تاء تتفاعلون، والمعنى: لا يحض بعضكم بعضاً وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ وَلاَ تَحَاضُّونَ ﴾ بضم التاء من المحاضة.

أما قوله: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالوا: أصل التراث وراث، والتاء تبدل من الواو المضمومة نحو تجاه ووجاه من واجهت.

المسألة الثانية: قال الليث: اللم الجمع الشديد، ومنه كتيبة ملمومة وحجر ملموم، والآكل يلم الثريد فيجعله لقماً ثم يأكله ويقال لممت ما على الخوان ألمه أي أكلته أجمع، فمعنى اللم في اللغة الجمع، وأما التفسير ففيه وجوه: أحدها: قال الواحدي والمفسرون: يقولون في قوله: ﴿ أَكْلاً لَّمّاً ﴾ أي شديداً وهو حل معنى وليس بتفسير، وتفسيره أن اللم مصدر جعل نعتاً للأكل، والمراد به الفاعل أي آكلاً لامّاً أي جائعاً كأنهم يستوعبونه بالأكل، قال الزجاج: كانوا يأكلون أموال اليتامى إسرافاً وبداراً، فقال الله: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً ﴾ أي تراث اليتامى لماً أي تلمون جميعه، وقال الحسن: أي يأكلون نصيبهم ونصيب صاحبهم، فيجمعون نصيب غيرهم إلى نصيبهم.

وثانيها: أن المال الذي يبقى من الميت بعضه حلال، وبعضه شبهة وبعضه حرام، فالوارث يلم الكل أي يضم البعض إلى البعض ويأخذ الكل ويأكله.

وثالثها: قال صاحب الكشاف: ويجوز أن يكون الذم متوجهاً إلى الوارث الذي ظفر بالمال سهلاً مهلاً من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلاً لماً واسعاً، جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعله الوراث البطالون.

أما قوله تعالى: ﴿ وَّيُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً ﴾ فاعلم أن الجم هو الكثرة يقال: جم الشيء يجم جموماً يقال ذلك في المال وغيره فهو شيء جم وجام وقال أبو عمرو جم يجم أي يكثر، والمعنى: ويحبون المال حباً كثيراً شديداً، فبين أن حرصهم على الدنيا فقط وأنهم عادلون عن أمر الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَلاَّ ﴾ ردع للإنسان عن قوله: ثم قال: بل هناك شرّ من القول.

وهو: أنّ الله يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدّون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرّة، وحض أهله على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام، ويحبونه فيشحون به وقرئ ﴿ يكرمون ﴾ وما بعده بالياء والتاء.

وقرئ ﴿ تحاضون ﴾ أي: يحض بعضكم بعضاً: وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ ولا تحاضون ﴾ بضم التاء، من المحاضة ﴿ أَكْلاً لَّمّاً ﴾ ذا لمّ وهو الجمع بين الحلال والحرام.

قال الحطيئة: إذَا كَانَ لَمَّا يَتْبَع الذَّمُّ رَبَّهُ ** فَلاَ قَدَّسَ الرحمن تِلْكَ الطَّوَاحِنَا يعني: أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم من الميراث ونصيب غيرهم.

وقيل كانوا لا يورّثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم.

وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلمة، وهو عالم بذلك فيلم في الأكل بين حلاله وحرامه.

ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعاً جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الورّاث البطالون ﴿ حُبّاً جَمّاً ﴾ كثيراً شديداً مع الحرص والشره ومنع الحقوق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَلا ﴾ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ الأوَّلَ مُطابِقٌ لِأكْرَمَهُ ولَمْ يَقُلْ فَأهانَهُ وقَدَرَ عَلَيْهِ كَما قالَ: فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ لِأنَّ التَّوْسِعَةَ تَفَضُّلٌ والإخْلالَ بِهِ لا يَكُونُ إهانَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ «أكْرَمَنِ» و «أهانَنِ» بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وعَنْ أبِي عَمْرٍو مِثْلَهُ ووافَقَهم نافِعٌ في الوَقْفِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فَقَدَّرَ بِالتَّشْدِيدِ.

( بَلْ لا يُكْرِمُونَ اليَتِيمَ ) ( ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ) أيْ بَلْ فِعْلُهم أسْوَأُ مِن قَوْلِهِمْ وأدَلُّ عَلى تَهالُكِهِمْ بِالمالِ وهو أنَّهم لا يُكْرِمُونَ اليَتِيمَ بِالنَّفَقَةِ والمَبَرَّةِ، ولا يَحُثُّونَ أهْلَهم عَلى طَعامِ المِسْكِينِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: «وَلا تَحاضُّونَ».

﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ ﴾ المِيراثَ وأصْلُهُ وِراثٌ.

﴿ أكْلا لَمًّا ﴾ ذا لَمٍّ أيْ جَمَعَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ فَإنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ والصِّبْيانَ ويَأْكُلُونَ أنْصِباءَهُمْ، أوْ يَأْكُلُونَ ما جَمَعَهُ المُوَرِّثُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ عالِمِينَ بِذَلِكَ.

﴿ وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ كَثِيرًا مَعَ حِرْصٍ وشَرَهٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ: «لا يُكْرِمُونَ» إلى «وَيُحِبُّونَ» بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَتُحِبُّونَ المال} يقال حبه وأحبه بمعنى {حُبّاً جَمّاً} كثيراً شديداً مع الحرص ومنع الحقوق ربى حجازى وأبو عمرو يكومون وَلاَ يحضون وَيَأْكُلُونَ وَّيُحِبُّونَ بصري

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ أيْ: كَثِيرًا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنْشَدَ قَوْلَ أُمَيَّةَ: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا والمُرادُ أنَّكم تُحِبُّونَهُ مَعَ حِرْصٍ وشَرَهٍ ﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ بِطَرِيقِ الوَعِيدِ تَعْلِيلًا لِلرَّدْعِ.

والدَّكُّ قالَ الخَلِيلُ: كَسْرُ الحائِطِ والجَبَلِ ونَحْوِها، وتَكْرِيرُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِيعابِ فَلَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ بَلْ ذَلِكَ نَظِيرُ الحالِ في نَحْوِ قَوْلِكَ: جاءُوا رَجُلًا رَجُلًا، وعَلَّمْتُهُ الحِسابَ بابًا بابًا؛ أيْ: إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا مُتَتابِعًا حَتّى انْكَسَرَ وذَهَبَ كُلُّ ما عَلى وجْهِها مِن جِبالٍ وأبْنِيَةٍ وقُصُورٍ وغَيْرِها حِينَ زُلْزِلَتِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ وصارَتْ هَباءً مَنثُورًا.

وقالَ المُبَرِّدُ: الدَّكُّ حَطُّ المُرْتَفِعِ بِالبَسْطِ والتَّسْوِيَةِ، وانْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ إذا افْتُرِشَ في ظَهْرِهِ، وناقَةٌ دَكّاءُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ، والمَعْنى عَلَيْهِ: إذا سُوِّيَتْ تَسْوِيَةً بَعْدَ تَسْوِيَةٍ ولَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ حَتّى صارَتْ كالصَّخْرَةِ المَلْساءِ، وأيًّا ما كانَ فَهو عَلى ما قِيلَ: عِبارَةٌ عَمّا عُرِضَ لِلْأرْضِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ قال الكلبي: نزلت في أمية بن خلف ويقال: في أبي بن خلف، إذا ما ابتلاه، يعني: اختبره ربه فَأَكْرَمَهُ يعني: ورزقه وَنَعَّمَهُ يعني: أعطاه النعمة فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ يعني: اجتباني وفضلني، وأنا أهل لذلك وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ بالفقر فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ قرأ أبو عمرو، وابن عامر في إحدى الروايتين، فقدر بالتشديد، والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد أي: فقتر عليه رزقه، وأصابه الجوع والأمراض فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ يعني: طردني وعاقبني، شكاية لربه.

قال الله تعالى: كَلَّا أي: حقاً يعني: ليس إهانتي وإكرامي، في نزع الماء والولد، والفقر، والمرض، ولكن إهانتي في نزع المعرفة، وإكرامي بتوفيق المعرفة، والطاعة.

وقال قتادة: لم يكن الغنى من كرامة، ولم يكن الفقر من الذل.

ولكن الكرامة مني، بتوفيق الإسلام، والهوان مني بالخذلان عنه.

إنما المكرم من أكرم بطاعتي، والمهان من أهين بمعصيتي.

ثم قال: بَلْ لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ يعني: لا تعطون حق اليتيم، وكان في حجر أمية بن خلف، يتيم لا يؤدي حقه.

فنزلت الآية بسببه، فصار فيها عظة لجميع الناس.

قرأ أبو عمرو، وابن عامر في إحدى الروايتين، فقدر بالتشديد، والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد.

ثم قال عز وجل: وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ يعني: لا يحثون أنفسهم، ولا غيرهم على طعام المسكين.

ويقال: لا تحاضون على إطعام المسكين.

ويقال: لا يحض بعضهم بعضاً.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم وَلا تَحَاضُّونَ بالألف، يعني: لا يحث بعضهم بعضاً.

وقرأ أبو عمرو، ولا يحضون بالياء يعني: لا يحثون، والباقون لا تحضون بالتاء على المخاطبة.

ثم قال: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ يعني: الميراث أَكْلًا لَمًّا يعني: شديداً.

كقولك: لممت الشيء إذا جمعته ومعناه يأكلون مال اليتيم، أكلاً شديداً سريعاً.

وَتُحِبُّونَ الْمالَ يعني: كثرة المال وجمع المال حُبًّا جَمًّا يعني: شديداً.

ويقال: كثيراً.

قرأ أبو عمرو ويكرمون، ويأكلون، ويحبون كلها بالياء على معنى الخبر عنهم.

والباقون بالتاء، على معنى الخطاب لهم.

ثم قال عز وجل: كَلَّا يعني: حقاً إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا يعني: زلزلت الأرض زلزالها، والتكرار للتأكيد.

ثم قال: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ قال بعضهم: هذا من المكتوم الذي لا يفسر وقال أهل السنة وجاء ربك بلا كيف وقال بعضهم معناه وجاء أمر ربك بالحساب والملك صَفًّا صَفًّا يعني: صفوفاً، كصفوف الملائكة، وأهل الدنيا في الصلاة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يُفِيضُ أَثَرُ الحُرْقَةِ من القلبِ على البَدَنِ فَتَنْقَمِعُ الشهواتُ، وتحترقُ بالخوفِ، ويحصُلُ في القلب الذبولُ والخشوعُ والذِّلَةُ والاستكانةُ، ويصيرُ العبدُ مستوعبَ الهَمِّ بخوفِه والنظرِ في خطرِ/ عاقبتِه فلا يتفرغُ لغيرهِ، ولا يكونُ له شُغْل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضّنّة بالأنفاس واللحظاتِ، ومؤاخَذَةِ النفسِ في الخَطَراتِ والخُطُواتِ والكلماتِ، ثم قال: واعْلَمْ أنه لاَ تَنْقَمِعُ الشهواتُ بشيء كما تنقمع بنار الخوف، انتهى.

فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩)

وقوله سبحانه: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ ...

الآية، ذَكَرَ تَعالى في هذهِ الآيةِ ما كانتْ قريشٌ تقولُهُ وتستدلُّ به على إكرامِ اللَّه وإهانَتِهِ لعبدهِ، وجَاءَ هذا التوبيخُ في الآيةِ لجنس الإنسان، إذ قد يقعُ بعضُ المؤمنينَ في شيء من هذا المَنْزَع، وابْتَلاهُ معناه:

اختبره، ونَعَّمَهُ أي جعله ذا نعمة.

و «قدر» بتخفيفِ الدال بمعنى: ضَيَّقَ، ثم قال تعالى: كَلَّا ردّاً على قولهِم ومعتقدهم، أي: ليس إكرامُ اللَّهِ تعالى وإهانتُه كذلِكَ، وإنما ذلك ابتلاءٌ فَحَقُّ من ابتلي بالغنى أن يشكرَ ويطيعَ، ومَنْ ابْتُلِيَ بالفَقْرِ أن يشكرَ ويصبرَ، وأما إكرامُ اللَّه فهو بالتقوى وإهانَتُهُ فبالمعصيةِ، وطَعامِ في هذهِ الآيةِ بمعْنَى: إطعام، ثم عدَّدَ عليهم جِدَّهم في أكل التراثِ، لأنهم كانوا لا يُورِّثُونَ النِّسَاءَ ولاَ صغارَ الأولادِ، وإنما كان يأخُذُ المالَ مَنْ يقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ، و «اللَّمُّ» الجَمْعُ واللَّفُّ، قال الحسن: هو أَن يأْخُذَ في الميراثِ حظَّه وحظَّ غيرِه «١» ، والجَمُّ الكثيرُ الشديدُ ومنه قول الشاعر: [الرجز]

إن تغفر اللهم تغفر جما ...

وأي عبد لَكَ لاَ أَلَمَّا «٢»

ومنه الجَمُّ من الناس، ودكّ الأرض تسويتها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا الإنْسانُ ﴾ فِيمَن عَنى بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو حُذَيْفَةَ بْنُ المُغِيرَةِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الكافِرُ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، قالَ الزَّجّاجُ: وابْتَلاهُ بِمَعْنى اخْتَبَرَهُ بِالغِنى واليُسْرِ ﴿ فَأكْرَمَهُ ﴾ بِالمالِ ﴿ وَنَعَّمَهُ ﴾ بِما وسَّعَ عَلَيْهِ مِنَ الإفْضالِ ﴿ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ ﴾ فَتَحَ ياءَ " رَبِّيَ " " أكْرَمَنِيَ " " رَبِّيَ " " أهانَنِيَ " أهْلُ الحِجازِ، وأبُو عَمْرٍو، أيْ: فَضَّلَنِي بِما أعْطانِي، ويَظُنُّ أنَّ ما أعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ ﴿ وَأمّا إذا ما ابْتَلاهُ ﴾ بِالفَقْرِ ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ: " فَقَدَّرَ " بِتَشْدِيدِ الدّالِ، والمَعْنى: ضَيَّقَ عَلَيْهِ بِأنْ جَعَلَهُ عَلى مِقْدارِ البُلْغَةِ ﴿ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ ﴾ أيْ: هَذا الهَوانُ مِنهُ لِي حِينَ أذَلَّنِي بِالفَقْرِ.

واعْلَمْ أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فالكَرامَةُ عِنْدَهُ زِيادَةُ الدُّنْيا، والهَوانُ قِلَّتُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَظُنُّ.

قالَ مُقاتِلٌ: ما أعْطَيْتُ [مَن أغْنَيْتُ] هَذا الغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، ولا أفْقَرْتُ [مَن] أفْقَرْتُ لِهَوانِهِ عَلَيَّ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكُونَ هَكَذا، إنَّما يَنْبَغِي أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى الأمْرَيْنِ: الفَقْرِ، والغِنى.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ الكُفّارِ فَقالَ تَعالى: ﴿ بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ ﴾ قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ " يُكْرِمُونَ " و " يَحُضُّونَ " و " يَأْكُلُونَ " و يُحِبُّونَ " بِالياءِ فِيهِنَّ، والباقُونَ بِالتّاءِ.

ومَعْنى الآيَةِ: إنِّي أهَنْتُ مَن أهَنْتُ مِن أجْلِ أنَّهُ لا يُكْرِمُ اليَتِيمَ.

والآيَةُ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا لا يَبَرُّونَهُ.

والثّانِي: لا يُعْطُونَهُ حَقَّهُ مِنَ المِيراثِ، وكَذَلِكَ كانَتْ عادَةُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ.

ويَدُلُّ عَلى المَعْنى الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ " تَحاضُّونَ " بِألِفٍ مَعَ فَتْحِ التّاءِ.

ورَوى الشَّيْرَزِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ ضَمَّ التّاءَ.

والمَعْنى: لا يَأْمُرُونَ بِإطْعامِهِ لِأنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابَ الآخِرَةِ.

ويَدُلُّ عَلى المَعْنى الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التُّراثُ: المِيراثُ، والتّاءُ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، كَما قالُوا: تُجاهٌ، والأصْلُ: وُجاهٌ، وقالُوا: تُخَمَةٌ، والأصْلُ: وُخَمَةٌ.

وَ ﴿ لَمًّا ﴾ أيْ: شَدِيدًا، وهو مِن قَوْلِكَ: لَمَمْتُ بِالشَّيْءِ: إذا جَمَعْتَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِيراثُ اليَتامى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ المالَ ﴾ أيْ: تُحِبُّونَ جَمْعَهُ ﴿ حُبًّا جَمًّا ﴾ أيْ: كَثِيرًا فَلا تُنْفِقُونَهُ في خَيْرٍ ﴿ كَلا ﴾ أيْ: ما هَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ [الأمْرُ] .

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ تَلَهُّفِهِمْ عَلى ما سَلَفَ مِنهم حِينَ لا يَنْفَعُهُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴾ أيْ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَتَكَسَّرَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْها، ﴿ وَجاءَ رَبُّكَ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ أيْ: تَأْتِي [مَلائِكَةُ] كُلِّ سَماءٍ صَفًّا [صَفًّا] عَلى حِدَةٍ.

قالَ الضَّحّاكُ: يَكُونُونَ سَبْعَةَ صُفُوفٍ، ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " «يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ، مَعَ [كُلِّ زِمامٍ] سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها» " .

قالَ مُقاتِلٌ: يُجاءُ بِها فَتُقامُ عَنْ يَسارِ العَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ: يَوْمَ يُجاءُ بِجَهَنَّمَ ﴿ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ الكافِرُ ويَتُوبُ.

قالَ مُقاتِلٌ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ﴿ وَأنّى لَهُ الذِّكْرى ﴾ أيْ: كَيْفَ لَهُ بِالتَّوْبَةِ وهي في القِيامَةِ لا تَنْفَعُ ﴿ يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ ﴾ العَمَلَ الصّالِحَ في الدُّنْيا ﴿ لِحَياتِي ﴾ في الآخِرَةِ الَّتِي لا مَوْتَ فِيها ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، والمُفَضَّلُ: " لا يُعَذَّبُ " بِفَتْحِ الذّالِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، فَمَن فَتَحَ، أرادَ: لا يُعَذَّبُ عَذابَ الكافِرِ أحَدٌ، ومَن كَسَرَ أرادَ: لا يُعَذِّبُ عَذابَ اللَّهِ أحَدٌ، أيْ كَعَذابِهِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَخْتَصُّ بِالدُّنْيا، والأُولى تَخْتَصُّ بِالآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَمّا اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وبُرَيْدَةُ الأسْلَمِيُّ.

والثّانِي: في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ حِينَ أوْقَفَ بِئْرَ رُومَةَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: في خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ لَمّا صَلَبَهُ أهْلُ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والخامِسُ: [فِي] جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَفِي مَعْنى " المُطْمَئِنَّةِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المُؤْمِنَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المُطْمَئِنَّةُ بِالإيمانِ.

والثّانِي: الرّاضِيَةُ بِقَضاءِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: المُوقِنَةُ بِما وعَدَ اللَّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

واخْتَلَفُوا في أيِّ حِينٍ يُقالُ لَها ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: عِنْدَ خُرُوجِها مِنَ الدُّنْيا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: عِنْدَ البَعْثِ يُقالُ لَها: ارْجِعِي إلى صاحِبِكِ، وإلى جَسَدِكِ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ الأرْواحَ أنْ تَعُودَ إلى الأجْسادِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ارْجِعِي إلى صاحِبِكِ الَّذِي كُنْتِ في جَسَدِهِ، وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ ﴾ بَعْدَ المَوْتِ في الدُّنْيا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والثّالِثُ: ارْجِعِي إلى ثَوابِ رَبِّكِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ [إلى الدُّنْيا] ارْجِعِي إلى اللَّهِ تَعالى بِتَرْكِها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فادْخُلِي في عِبادِي ﴾ أيْ: في جُمْلَةِ عِبادِي المُصْطَفَيْنَ.

قالَ أبُو صالِحٍ: يُقالُ لَها عِنْدَ المَوْتِ: ارْجِعِي إلى رَبِّكِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قِيلَ لَها: ﴿ فادْخُلِي في عِبادِي ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: ادْخُلِي مَعَ عِبادِي.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ: " في عَبْدِي " عَلى التَّوْحِيدِ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ -واللَّهُ أعْلَمُ- يَكُونُ المَعْنى: ارْجِعِي إلى رَبِّكِ، أيْ: إلى صاحِبِكِ الَّذِي خَرَجْتِ مِنهُ، فادْخُلِي فِيهِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ ﴾ ﴿ وَأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ ﴾ ﴿ كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ ﴾ ﴿ وَلا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُراثَ أكْلا لَمًّا ﴾ ﴿ وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ ﴿ كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴾ ﴿ وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُهُ وتَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى إكْرامِ اللهِ تَعالى وإهانَتِهِ لِعَبْدِهِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَ أنَّ مِن عِنْدِهِ الغِنى والثَرْوَةَ والأولادَ فَهو المُكَرَّمُ، وبِضِدِّهِ المُهانُ، ومِن حَيْثُ كانَ هَذا المَقْطَعُ غالِبًا عَلى كَثِيرٍ مِنَ الكُفّارِ جاءَ التَوْبِيخُ في هَذِهِ الآيَةِ لِاسْمِ الجِنْسِ؛ إذْ قَدْ يَقَعُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ في شَيْءٍ مِن هَذا المَنزَعِ، ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ الأعْرابِ الَّذِينَ كانُوا يَقْصِدُونَ المَدِينَةَ عَلى النَبِيِّ  ، فَمَن نالَ خَيْرًا قالَ: هَذا دِينٌ حَسَنٌ، ومَن نالَهُ شَرٌّ قالَ هَذا دِينُ سُوءٍ.

و"ابْتَلاهُ" مَعْناهُ: اخْتَبَرَهُ، و"نَعَّمَهُ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ ذا نِعْمَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أكْرَمَنِي" بِالياءِ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وحَذَفَها عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الوَجْهَيْنِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالياءِ في الوَصْلِ وحَذَفَها في الوَقْفِ، وكَذَلِكَ "أهانَنِي"، وخَيْرٌ في الوَجْهَيْنِ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَقَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنًى ضَيِّقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ- وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وخالِدٌ: "فَقَدَّرَ" "بِشَدِّ الدالِ"، بِمَعْنى: جَعَلَهُ عَلى قَدْرٍ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ في مَعْنى التَضْيِيقِ؛ لِأنَّهُ ضَعَّفَ "قَدَّرَ" مُبالَغَةً لا تَعْدِيَةً، ويَقْتَضِي قَوْلُ الإنْسانِ "أهانَنِ"؛ لِأنَّ "قَدْرَ" مُعَدًّى إنَّما مَعْناهُ: أعْطاهُ ما يَكْفِيهِ، ولا إهانَةَ مَعَ ذَلِكَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ، أيْ لَيْسَ إكْرامُ اللهِ تَعالى وإهانَتُهُ كَذَلِكَ، وإنَّما ذَلِكَ ابْتِلاءٌ فَحَقُّ مَنِ ابْتُلِيَ بِالغِنى أنْ يَشْكُرَ ويُطِيعَ، ومَنِ ابْتُلِيَ بِالفَقْرِ أنْ يَشْكُرَ ويَصْبِرَ، وأمّا إكْرامُ اللهِ تَعالى فَهو بِالتَقْوى، وإهانَتُهُ فَبِالمَعْصِيَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأعْمالِهِمْ مِن أنَّهم لا يُكْرِمُونَ اليَتِيمَ وهو -مِن بَنِي آدَمَ- الَّذِي فَقَدَ أباهُ وكانَ غَيْرَ بالِغٍ، ومِنَ البَهائِمِ ما فَقَدَ أمَّهُ، وقالَ النَبِيُّ  : « "أحَبُّ البُيُوتِ إلى اللهِ، بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ مُكْرَّمٌ".» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَحُضُّونَ" بِمَعْنى: يَحُضُّ بَعْضُكم بَعْضًا، أو تَحُضُّونَ أنْفُسَكُمْ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَحاضُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، بِمَعْنى: يَتَحاضُّونَ، أيْ يَحُضُّ قَوْمٌ قَوْمًا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَحُضُّونَ" بِياءٍ مِن تَحْتٍ مَفْتُوحَةٍ وبِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبارَكِ: "تُحاضُّونِ" بِضَمِّ التاءِ -عَلى وزْنِ تُقاتِلُونَ-، أيْ أنْفُسَكُمْ، أيْ بَعْضُكم بَعْضًا، ورَواها الشَيْرَزِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ، وقَدْ يَجِيءُ "فاعَلَتْ" بِمَعْنى "فَعَلَّتْ" وهَذا مِنهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ، وأنْشَدَ: تَحاسَنْتُ بِهِ...................

أيْ حَسُنَتْ وأنْشَدُ أيْضًا: إذا تَخازَرْتُ وما بِي مِن خَزَرْ وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى رَجَفَ، فَتَأمَّلْهُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَتَحاضُّون" بِتاءَيْنِ.

و"طَعامِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى إطْعامٍ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ نَفْسَ طَعامِهِ الَّذِي يَأْكُلُ، فَفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلى بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِي[سُورَةِ بَراءَةَ] في المِسْكِينِ والفَقِيرِ بِما يُغْنِي عن إعادَتِهِ.

وعَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِمْ جِدَّهم في أكْلِ التُراثِ لِأنَّهم لا يُورِّثُونَ النِساءَ ولا صِغارَ الأولادِ، وإنَّما كانَ يَأْخُذُ المالَ مَن يُقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ.

و"اللَمُّ": الجَمْعُ واللَفُّ.

قالَ الحَسَنُ: هو أنْ يَأْخُذَ في المِيراثِ حَظَّهُ وحَظَّ غَيْرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لَمَمْتُ ما عَلى الخَوّانِ" إذا أكَلْتُ جَمِيعَ ما عَلَيْهِ بِأسْرِهِ، ومِنهُ "لَمُّ الشَعْثِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولِسْتُ بِمُسْتَبِقٍ أخًا لا تَلُمُّهُ ∗∗∗ عَلى شَعَثِ أيِّ الرِجالِ المُهَذَّبِ و"الجَمُّ": الكَثِيرُ الشَدِيدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنْ تَغْفِرِ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟

وَمِنهُ الجَمُّ مِنَ الناسِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ رَدًّا عَلى أفْعالِهِمْ هَذِهِ، وتَوْطِئَةً لِلْوَعِيدِ، أيْ سَتَرَوْنَ أنَّ أفْعالَهم لَيْسَتْ عَلى قِوامٍ إذا دُكَّتِ الأرْضُ، ودَكُّها هو تَسْوِيَتُها بِذَهابِ جِبالِها، والناقَةُ الدَكّاءُ الَّتِي لا سَنامَ لَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ رَبُّكَ ﴾ مَعْناهُ: وجاءَ قَدَرُهُ وسُلْطانُهُ وقَضاؤُهُ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَعْناهُ: ظُهُورُهُ لِلْخَلْقِ هُنالِكَ، لَيْسَ مَجِيءُ نَقْلَةٍ، وكَذَلِكَ مَجِيءُ الصاخَّةِ ومَجِيءُ الطامَّةِ.

و"المَلَكُ" اسْم جِنْسٍ، يُرِيدُ جَمِيعَ المَلائِكَةِ، ورُوِيَ أنَّ مَلائِكَةَ كُلِّ سَماءٍ يَكُونُونَ صَفًّا حَوْلَ الأرْضِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا طَوِيلًا اخْتَصَرُتُهُ، وبِهَذا المَعْنى يَتَفَسَّرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ التَنادِ  ﴾ عَلى قِراءَةٍ مِن شَدَّ الدالَ، وقَوْلُهُ تَعالى في [سُورَةِ الرَحْمَنِ]: ﴿ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا  ﴾ الآيَةُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ: "تُكْرِمُونَ" بِالتاءِ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأفْعالِ بَعْدَها عَلى الخِطابِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ: "يُكْرِمُونَ" بِالياءِ في جَمِيعِها، عَلى ذِكْرِ الغائِبِ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ اسْمُ جِنْسِ الإنْسانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ لبالمرصاد * فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربى أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ﴾ ﴿ أَهَانَنِ ﴾ .

دلت الفاء على أن الكلام الواقع بعدها متصل بما قبلها ومتفرع عليه لا محالة.

ودلت (أمّا) على معنى: مهما يكن من شيء، وذلك أصل معناها ومقتضى استعمالِها، فقوي بها ارتباط جوابها بما قبلها وقبْلَ الفاء المتصلة بها، فَلاح ذلك برقاً وامضاً، وانجلى بلمعة ما كان غامضاً، إذ كان تفريع ما بعد هذه الفاء على ما قبلها خفياً، فلنبينه بياناً جليّاً، ذلك أن الكلام السابق اشتمل على وصف ما كانت تتمتع به الأمم الممثَّل بها مما أنعم الله عليها به من النعم، وهم لاهون عن دعوة رُسُل الله، ومعرضون عن طلب مرضاة ربهم، مقتحمون المناكر التي نُهوا عنها، بطرون بالنعمة، معجَبون بعظمتهم فعقب ذكر ما كانوا عليه وما جازاهم الله به عليه من عذاب في الدنيا، باستخلاص العِبرة وهو تذكير المشركين بأن حالهم مماثل لحال أولئك تَرفاً وطغياناً وبطراً، وتنبيهُهم على خطاهم إذْ كانت لهم من حال الترف والنعمة شبهةٌ توهَّموا بها أن الله جعلهم محل كرامة، فحسبوا أن إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بالعذاب ليس بصدق لأنه يخالف ما هو واقع لهم من النعمة، فتوهموا أنّ فعل الله بهم أدلّ على كرامتهم عنده مما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أمرهم بخلاف ما هم عليه، ونفوا أن يَكون بعد هذا العالم عالم آخر يضاده، وقصروا عطاء الله على ما عليه عباده في هذه الحياة الدنيا، فكان هذا الوهَم مُسوِّلاً لهم التذكيب بما أنذروا به من وعيد، وبما يسر المؤمنون من ثواب في الآخرة، فحصروا جزاء الخير في الثروة والنعمة وقصروا جزاء السوء على الخصاصة وقَتْر الرزق.

وقد تكرر في القرآن التعرض لإِبطال ذلك كقوله: ﴿ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ﴾ [المؤمنون: 55، 56].

وقد تضمن هذا الوهَم أصولاً انبنى عليها، وهي: إنكار الجزاء في الآخرة، وإنكار الحياة الثانية، وتوهم دوام الأحوال.

ففاء التفريع مرتبطة بجملة: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ [الفجر: 14] بما فيها من العموم الذي اقتضاه كونها تذييلاً.

والمعنى: هذا شأن ربك الجاري على وفق علمه وحكمته.

فأما الإنسان الكافر فيتوهم خلاف ذلك إذ يحسب أن ما يناله من نعمة وسَعَة في الدنيا تكريماً من الله له، وما يناله من ضيق عيش إهانَةً أهانه الله بها.

وهذا التوهم يستلزم ظنهم أفعال الله تعالى جارية على غير حكمة قال تعالى: ﴿ ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ ﴾ [فصلت: 50].

فأعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالحقيقة الحق ونبههم لتجنب تخليط الدلائل الدقيقة السامية، وتجنب تحكيم الواهمة والشاهية، وذكرهم بأن الأحوال الدنيوية أعراض زائلة ومتفاوتة الطول والقصر، وفي ذلك كله إبطال لمعتقد أهل الشرك وضلالهم الذي كان غالباً على أهل الجاهلية ولذلك قال النابغة في آل غسان الذين لم يكونوا مشركين وكانوا متدينين بالنصرانية: مَجَلَّتُهم ذَاتُ الإله ودينُهم *** قَويم فَمَا يَرْجُونَ غَيْرَ العَوَاقِب وَلا يَحْسَبُون الخَيْرَ لا شَرَّ بعدَه *** ولا يحسبُون الشرَّ ضَرْبَةَ لازِبِ وقد أعقب الله ذلك بالردع والإبطال بقوله: ﴿ كلا ﴾ .

فمناط الردع والإبطال كِلا القولين لأنهما صادران عن تأويل باطل وشبهة ضالّة كما ستعرفه عند قوله تعالى: ﴿ فأكرمه ونعمه ﴾ .

واقتصار الآية على تقتير الرزق في مقابلة النعمة دون غير ذلك من العلَللِ والآفات لأن غالب أحوال المشركين المتحدث عنهم صحة المزاج وقوة الأبدان فلا يهلكون إلا بقتل أو هَرم فيهم وفي ذويهم، قال النابغة: تَغْشَى مَتَالِفَ لا يُنْظِرْنَكَ الهَرَمَا *** ولم يعرج أكثر المفسرين على بيان نَظْم الآية واتصالها بما قبلها عدا الزمخشري وابنَ عطية.

وقد عرف هذا الاعتقاد الضال من كلام أهل الجاهلية، قال طرفة: فلو شاءَ ربّي كنتُ قيسَ بنَ عاصم *** ولو شَاء رَبي كنتُ عَمْرَو بنَ مَرْثَدِ فأصبحتُ ذا مال كثيرٍ وطاف بي *** بَنُون كرامٌ سَادَة لمُسَوَّد وجعلوا هذا الغرور مقياساً لمراتب الناس فجعلوا أصحاب الكمال أهل المظاهر الفاخرة، ووصموا بالنقص أهل الخصاصة وضعفاء الناس، لذلك لما أتى الملأ من قريش ومن بني تميم وفزارة للنبيء صلى الله عليه وسلم وعنده عَمَّار، وبلالٌ، وخبابٌ، وسالمٌ، مولَى أبي حذيفة، وصُبَيح مولى أُسَيْد، وصُهَيْبٌ، في أناس آخرين من ضعفاء المؤمنين قالوا للنبيء أطْرُدهم عنك فَلَعلّك إن طردتهم أن نتبعك.

وقالوا لأبي طالب: لو أن ابن أخيك طَرد هؤلاء الأعْبُدَ والحُلَفَاءَ كان أعظمَ له في صدُورنا وأدلى لاتِّباعنا إياه.

وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ الآية كما تقدم في سورة الأنعام (52).

فنبه الله على خطإ اعتقادهم بمناسبة ذكر مُماثِلِهِ ممَّا اعتقده الأمم قبلهم الذي كان موجباً صَب العذاب عليهم، وأعْلَمهم أن أحوال الدنيا لا تُتخذ أصلاً في اعتبار الجزاء على العمل، وأن الجزاء المطرد هو جزاء يوم القيامة.

والمراد بالإنسان الجنس وتعريفه تعريف الجنس فيستغرق أفراد الجنس ولكنه استغراق عُرفي مراد به الناسُ المشركون لأنهم الغالب على الناس المتحدث عنهم وذلك الغالب في إطلاق لفظ الإنسان في القرآن النازل بمكة كقوله: ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ [العلق: 6، 7] ﴿ أيحسب الإنسان أَلَّن نجمع عظامه ﴾ [القيامة: 3] ﴿ لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ﴾ [البلد: 4، 5] ونحو ذلك ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ﴾ [الفجر: 23] الآية.

وقيل: إريد إنسان معين، فقيل عتبة بن ربيعة أو أبو حذيفة بن الغيرة عن ابن عباس، وقيل: أمية بن خَلَف عن مقاتل والكلبي، وقيل: أبيّ بن خلف عن الكلبي أيضاً، وإنما هؤلاء المسمَّوْن أعلام التضليل.

قال ابن عطية: ومن حيث كان هذا غالباً على الكفّار جاء التوبيخ في هذه الآية باسم الجنس إذ يقع (كذا) بعض المؤمنين في شيء من هذا المنزع اه.

واعلم أن من ضلال أهل الشرك ومن فتنة الشيطان لبعض جهلة المؤمنين أن يخيل إليهم ما يحصل لأحد بجعل الله من ارتباط المسببات بأسبابها والمعلولات بعللها فيضعوا ما يصادف نفع أحدهم من الحوادث موضع كرامة من الله للذي صادفْته منافع ذلك، تحكيماً للشاهية ومحبةِ النفس ورجْماً بالغيب وافتيَاتاً على الله، وإذا صادف أحدَهم من الحوادث ما جلبَ له ضرّاً تخيّله بأوهامه انتقاماً من الله قصدَه به، تشاؤماً منهم.

فهؤلاء الذين زعموا ما نالهم من نعمة الله إكراماً من الله لهم ليسوا أهلاً لكرامة الله.

وهؤلاء الذين توهموا ما صادفهم من فتور الزرق إهانة من الله لهم ليسوا بأحط عند الله من الذين زعموا أن الله أكرمهم بما هم فيه من نعمة.

فذلك الاعتقاد أوجب تغلغل أهل الشرك في إشراكهم وصرَفَ أنظارهم عن التدبر فيما يخالف ذلك، وربما جرت الوساوس الشيطانية فتنةً من ذلك لبعض ضعفاء الإِيمان وقصار الأنظار والجهال بالعقيدة الحق كما أفصح أحمد بن الرّاوندي.

عن تزلزل فهمهم وقلة علمهم بقوله: كم عاقللٍ عاقللٍ أعْيَتْ مذاهبُه *** وجَاهِللٍ جاهللٍ تلقاه مرزوقاً هذا الذي تَرك الأَفْهام حائرةً *** وصيَّر العالِم النحرير زنديقاً وذلك ما صرف الضالين عن تطلب الحقائق من دلائلها، وصرفهم عن التدبر فيما يُنِيل صاحبه رضى الله وما يوقع في غضبه، وعِلْم الله واسع وتصرفاتُه شتّى وكلها صادرة عن حكمة ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ﴾ [البقرة: 255].

فقد يأتي الضر للعبد من عدة أسباب وقد يأتي النفع من أخرى.

وبعض ذلك جار في الظاهر على المعتاد، ومنه ما فيه سمة خرق العادة.

فربما أتت الرزايا من وجوه الفوائد، والموفق يتيقظ لِلأمَاراتتِ قال تعالى: ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾ [الأنعام: 44] وقال: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبيء إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ [الأعراف: 94، 95] وقال: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ﴾ [التوبة: 126].

وتصرفات الله متشابهة بعضها يدل على مراده من الناس وبعضها جار على ما قدَّره من نظام العالم وكلٌّ قد قضاه وقدَّره وسبق علمه به ورَبَط مسبباتِه بأسبابه مباشرةً أو بواسطة أو وسائط والمتبصر يأخذ بالحيطة لنفسه وقومِه ولا يقول على الله ما يمليه عليه وهَمه ولم تنهَضْ دلائله، ويُفوِّض ما أشكل عليه إلى علم الله.

وليس مثلُ هذا المحكيّ عنهم من شأن المسلمين المهتدين بهدي النبي صلى الله عليه وسلم والمتبصرين في مجاري التصرفات الربانية.

وقد نجد في بعض العوامّ ومن يشبههم من الغافلين بقايا مت اعتقاد أهل الجاهلية لإِيجاد التخيلات التي تمليها على عقولهم فالواجب عليهم أن يتعظوا بموعظة الله في هذه الآية.

لا جرم أن الله قد يعجل جزاء الخير لبعض الصالحين من عباده كما قال: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنُحْيِينَّه حياة طيبة ﴾ [النحل: 97].

وقد يعجّل العقاب لمن يغضب عليه من عباده.

وقد حكَى عن نوح قولَه لقومه: ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ﴾ [نوح: 10 12] وقال تعالى: ﴿ وأَلَّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ [الجن: 16].

ولهذه المعاملة علامات أظهرها أن تجري على خلاف المألوف كما نرى في نصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاءِ على الأمم العظيمة القاهرة.

وتلك مواعيد من الله يحققها أو وعيد منه يحيق بمستحقيه.

وحرف (أمَا) يفيد تفصيلاً في الغالب، أي يدل على تقابل بين شيئين من ذواتتٍ وأحوال.

ولذلك قد تكرر في الكلام، فليس التفصيلُ المستفاد منها بمعنى تبييننِ مجمللٍ قبلَها، بل هو تفصيل وتقابُل وتوازن، وهو ضرب من ضروب التفصيل الذي تأتي له (أمَّا)، فارتباط التفصيل بالكلام السابق مستفاد من الفاء الداخلة على (أما)، وإنما تعلقه بما قبله تعلَّقُ المفرع بمنشئه لا تفصيل بيان على مجمل.

فالمفصل هنا أحوال الإِنسان الجاهِل فُصّلت إلى حاله في الخفض والدعة وحاله في الضنك والشدة فالتوازن بين الحالين المعبَّر عنهما بالظرفين في قوله: ﴿ إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ﴾ الخ وفي قوله: ﴿ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ﴾ الخ.

وهذا التفصيل ليس من قبيل تبيين المُجمل ولكنه تمييز وفصْل بين شيئين أو أشياء تشتبه أو تختلط.

وقد تقدم ذكر (أمّا) عند قوله تعالى: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ﴾ الآية في سورة البقرة (26).

والابتلاء: الاختبار ويكون بالخير وبالضرّ لأن في كليهما اختباراً لثبات النفس وخُلق الأناة والصبر قال تعالى: ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ [الأنبياء: 35] وبذكر الابتلاء ظهر أن إكرام الله إياه إكرام ابتلاء فيقع على حالين، حال مرضية وحال غير مرضية وكذلك تقتير الرزق تقتير ابتلاء يقتضي حالين أيضاً.

قال تعالى: ﴿ ليبلوني أأشكر أم أكفر ﴾ [النمل: 40] وقال: ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ [الأنبياء: 35] والأشهر أنه الإِختبار بالضر وقد استعمل في هذه الآية في المعنيين.

والمعنى: إذا جَعَلَ ربُّه ما يناله من النعمة أو من التقتير مظهراً لحاله في الشكر والكفر، وفي الصبر والجزع، توهَّم أن الله أكرمه بذلك أو أهانه بهذا.

والإِكرام: قال الراغب: أن يُوصَل إلى الإِنسان كرامة، وهي نفع لا تلحق فيه غضاضة ولا مذلة، وأن يُجعل ما يوصل إليه شيئاً كريماً، أي شريفاً قال تعالى: ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ [الأنبياء: 26]، أي جعلهم كراماً اه يريد أن الإِكرام يطلق على إعطاء المكرمة ويطلق على جعل الشيء كريماً في صنفه فيصدق قوله تعالى: ﴿ فأكرمه ﴾ بأن يصيب الإِنسان ما هو نفع لا غضاضة فيه، أو بأن جُعل كريماً سيداً شريفاً.

وقوله: ﴿ فأكرمه ﴾ من المعنى الأول للإِكرام وقوله: ﴿ فيقول ربي أكرمني ﴾ من المعنى الثاني له في كلام الراغب واعلم أن قوله: ﴿ ونعمه ﴾ صريح في أن الله ينعم على الكافرين إيقاظاً لهم ومعاملة بالرحمة، والذي عليه المحققون من المتكلمين أن الكافر مُنعَم عليه في الدنيا، وهو قول الماتريدي والباقِلاني.

وهذا مما اختلف فيه الأشعري والماتريدي والخُلف لفظي.

ومعنى ﴿ نعّمه ﴾ جعله في نعمة، أي في طيب عيش.

ومعنى: ﴿ فقدر عليه رزقه ﴾ أعطاه بقَدْر محدود، ومنه التقتير بالتاء الفوقية عوضاً عن الدال، وكلّ ذلك كناية عن القلة ويقابله بسط الرزق قال تعالى: ﴿ ولو بسط اللَّه الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ﴾ [الشورى: 27].

والهاء في ﴿ رزقه ﴾ يجوز أن تعود إلى ﴿ الإنسان ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، ويجوز أن تعود إلى ﴿ ربه ﴾ من إضافة المصدر إلى فاعله.

والإِهانة: المعاملة بالهون وهو الذل.

وإسناد ﴿ فأكرمه ونعمه...

فقدر عليه رزقه ﴾ إلى الرب تعالى لأن الكرامة والنعمة انساقت للإِنسان أو انساق له قَدَر الرزق بأسباب من جعل الله وسننه في هذه الحياة الدنيا بما يصادف بعضُ الحوادث بعضاً، وأسباب المقارنة بين حصول هذه المعاني وبين من تقع به من الناس في فُرصها ومناسباتها.

والقول مستعمل في حقيقته وهو التكلم، وإنما يتكلم الانسان عن اعتقاد.

فالمعنى: فيقول ربي أكرمني، معتقداً ذلك، ويقول: ربيَ أهانني، معتقداً ذلك لأنهم لا يخلون عن أن يفتخروا بالنعمة، أو يتذمروا من الضيق والحاجة، ونظير استعمال القول هذا الاستعمال ما وقع في قوله تعالى: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ [آل عمران: 75]، أي اعتقدوا ذلك فقالوه واعتذروا به لأنفسهم بين أهل ملتهم.

وتقديم ﴿ ربي ﴾ على فعل ﴿ أكرمني ﴾ وفعللِ ﴿ أهانني ﴾ ، دون أن يقول: أكرمني ربي أو أهانني ربي، لقصد تقوّي الحكم، أي يقول ذلك جازماً به غير متردد.

وجملتا: ﴿ فيقول ﴾ في الموضعين جوابان ل (إمَّا) الأولى والثانية، أي يطرد قول الإِنسان هذه المقالة كلَّما حصلتْ له نعمة وكلما حصل له تقتير رزق.

وأوثِر الفعل المضارع في الجوابين لإِفادة تكرر ذلك القول وتجدده كلما حصل مضمون الشرطين.

وحرف ﴿ كَلاّ ﴾ زجر عن قول الإِنسان ﴿ ربي أكرمن ﴾ عند حصول النعمة.

وقوله: ﴿ ربيَ أهانني ﴾ عندما يناله تقتير، فهو ردع عن اعتقاد ذلك فمناط الردع كِلاَ القولين لأن كل قول منهما صادر عن تأول باطل، أي ليست حالة الإنسان في هذه الحياة الدنيا دليلاً على منزلته عند الله تعالى.

وإنما يُعرَف مراد الله بالطرق التي أرشد الله إليها بواسطة رسله وشرائعه، قال تعالى: ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ﴾ إلى قوله: ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ في سورة الكهف (103 105).

فرب رجل في نعمة في الدنيا هو مسخوط عليه ورب أشعَث أغبر مطرود بالأبواب لو أقسم على الله لأبَرَّهُ.

فمناط الردع جعل الإِنعام علامة على إرادة الله إكرام المنعم عليه وجعل التقتير علامة على إرادة الإِهانة، وليس مناطه وقوع الكرامة ووقوع الإِهانة لأن الله أهان الكافرَ بعذاب الآخرة ولو شاء إهانته في الدنيا لأجل الكفر لأهان جميع الكفرة بتقتير الرزق.

وبهذا ظهر أن لا تنافي بين إثبات إكرام الله تعالى الإِنسان بقوله: ﴿ فأكرمه ﴾ وبين إبطال ذلك بقوله: ﴿ كلا ﴾ لأن الإِبطال وارد على ما قصده الإِنسان بقوله: ﴿ ربي أكرمن ﴾ أن ما ناله من النعمة علامةٌ على رضى الله عنه.

فالمعنى: أن لشأن الله في معاملته الناس في هذا العالم أسراراً وعِللاً لا يُحاط بها، وأن أهل الجهالة بمعزل عن إدراك سرها بأقْيسة وهمية، والاستناد لمألوفات عادية، وأن الأولى لهم أن يتطلبوا الحقائق من دلائلها العقلية، وأن يعرفوا مراد الله من وحيه إلى رسله.

وأن يحذروا من أن يحيدوا بالأدلة عن مدلولها.

وأن يستنتجوا الفروع من غير أصولها.

وأما أهل العلم فهم يضعون الأشياء مواضعها، ويتوسمون التوسم المستند إلى الهدي ولا يخلطون ولا يخبطون.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي ﴾ في الموضعين بفتح الياء.

وقرأ الباقون بسكونها.

وقرأ الجمهور ﴿ فقدر عليه ﴾ بتخفيف الدال.

وقرأه ابن عامر وأبو جعفر بتشديد الدال.

وقرأ نافع: ﴿ أكرمن، وأهانن ﴾ بياء بعد النون في الوصل وبحذفها في الوقف.

وقرأهما ابن كثير بالياء في الوصل والوقف، وقرأهما ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب بدون ياء في الوصل والوقف.

وهو مرسوم في المصحف بدون نون بعد الياءين ولا منافاة بين الرواية واسم المصحف.

و ﴿ كلاّ ﴾ ردع عن هذا القول أي ليس ابتلاء الله الإِنسان بالنعيم وبتقتير الرزق مسبباً على إرادة الله تكريم الإِنسان ولا على إرادته إهانته.

وهذا ردع مجمل لم يتعرض القرآن لتبيينه اكتفاء بتذييل أحوال الأمم الثلاث في نعمتهم بقوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ [الفجر: 14] بعد قوله: ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ [الفجر: 13].

﴿ كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ﴾ ﴿ للهاليتيم * وَلاَ تَحَاضُّونَ على طَعَامِ المسكين * وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً ﴾ .

﴿ بل ﴾ إضراب انتقالي.

والمناسبة بين الغرضين المنتقل منه والمنتقللِ إليه مناسبةُ المقابَلةِ لمضمون ﴿ فأكرمه ونعمه ﴾ من جهة ما توهموه أن نعمة مالِهم وسعة عيشهم تكريم من الله لهم، فنبههم الله على أنهم إن أكرمهم الله فإنهم لم يُكرموا عبيده شُحّاً بالنعمة إذ حَرموا أهل الحاجة من فضول أموالهم وإذ يستزيدون من المال ما لا يحْتاجُون إليه وذلك دحض لتفخرهم بالكرم والبذل.

فجملة: ﴿ لا تكرمون اليتيم ﴾ استئناف كما يقتضيه الإضراب، فهو إمّا استئناف ابتداء كلام، وإما اعتراض بين ﴿ كلاّ ﴾ وأختها كما سيأتي وإكرام اليتيم: سَد خَلته، وحسن معاملته، لأنه مظنة الحاجة لفقدِ عائِلِه، ولاستيلائهم على الأموال التي يتركها الآباءُ لأبنائهم الصغار.

وقد كانت الأموال في الجاهلية يتداولها رؤساء العائلات.

والبِرّ، لأنه مظنة انكسار الخاطر لشعوره بفقد من يُدِلّ هو عليه.

و ﴿ اليتيم ﴾ : الصبي الذي مات أبوه وتقدم في سورة النساء، وتعريفه للجنس، أي لا تكرمون اليتامى.

وكذلك تعريف ﴿ المسكين ﴾ .

ونفي الحَض على طعام المسكين نفي لإطعامه بطريق الأولى، وهي دلالة فحوى الخطاب، أي لقلّة الاكتراث بالمساكين لا ينفعونهم ولو نفْعَ وساطة، بَلْهَ أن ينفعوهم بالبذل من أموالهم.

و ﴿ طعام ﴾ يجوز أن يكون اسماً بمعنى المطعوم، فالتقدير: ولا تحضون على إعطاء طعام المسكين فإضافته إلى المسكين على معنى لام الاستحقاق ويجوز أن يكون اسم مصدر أطعم.

والمعنى: ولا تحضون على إطعام الأغنياء المساكينَ فإضافته إلى المسكين من إضافة المصدر إلى مفعوله.

و ﴿ المسكين ﴾ : الفقير وتقدم في سورة براءة.

وقد حصل في الآية احتباك لأنهم لما نُفِي إكرامهم اليتيم وقوبل بنفي أن يحضُّوا على طعام المسكين، عُلم أنهم لا يحضون على إكرام أيتامهم، أي لا يحضون أولياء الأيتام على ذلك، وعلم أنهم لا يطعمون المساكين من أموالهم.

ويجوز أن يكون الحض على الطعام كناية عن الإِطعام لأن من يحض على فعل شيء يكون راغباً في التلبس به فإذا تمكن أن يفعله فعله، ومنه قوله تعالى: ﴿ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ [العصر: 3] أي عملوا بالحق وصبروا وتواصوا بهما.

وقرأ الجمهور: «لا تُكرمون، ولا تَحضون، وتأكلون، وتُحبون» بالمثناة الفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ﴾ الآيات لقصد مواجهتهم بالتوبيخ، وهو بالمواجهة أوقع منه بالغيبة.

وقرأها أبو عمرو ويعقوب بالمثناة التحتية على الغيبة لتعريف النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بذلك فضحاً لدخائلهم على نحو قوله تعالى: ﴿ يقول أهلكت مالاً لبداً أيحسب أن لم يره أحد ﴾ [البلد: 6، 7].

وقرأ الجمهور: ﴿ ولا تحضُّون ﴾ بضم الحاء مضارع حضّ، وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ﴿ تَحَاضُّون ﴾ بفتح الحاء وألف بعدها مضارع حاضّ بعضهم بعضاً، وأصله تتحاضّون فحذفت إحدى التاءين اختصاراً للتخفيف أي تتمالؤون على ترك الحض على الإطعام.

و ﴿ التراث ﴾ : المال الموروث، أي الذي يُخلفه الرجل بعد موته لوارثه وأصله: وُرَاث بواو في أوله بوزن فُعال من مادة وَرث بمعنى مفعول مثل الدُّقاق، والحُطام، أبدلت واوه تاء على غير قياس كما فعلوا في تُجاه، وتُخَمة، وتُهْمة، وتُقَاةٍ وأشباهها.

والأكل: مستعار للانتفاع بالشيء انتفاعاً لا يُبقي منه شيئاً.

وأحسب أن هذه الاستعارة من مبتكرات القرآن إذ لم أقف على مثلها في كلام العرب.

وتعريف التراث عوض عن المضاف إليه، أي تراث اليتامى وكذلك كان أهل الجاهلية يمنعون النساء والصبيان من أموال مورثيهم.

وأشعر قوله: ﴿ تأكلون ﴾ بأن المراد التراث الذي لا حق لهم فيه، ومنه يظهر وجه إيثار لفظ التُراث دون أن يقال: وتأكلون المال لأن التراث مال ماتَ صاحبه وأكْلُه يقتضي أن يستحق ذلك المال عاجز عن الذب عن ماله لصغرٍ أو أنوثة.

واللَّمُّ: الجمع، ووصْفُ الأكل به وصف بالمصدر للمبالغة، أي أكلاً جامعاً مال الوارثين إلى مال الآكِللِ كقوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ [النساء: 2].

والجم: الكثير، يقال: جَمَّ الماءُ في الحوض، إذا كثر، وبِئر جموم بفتح الجيم: كثيرةُ الماء، أي حباً كثيراً، ووصْف الحُبّ بالكثرة مراد به الشدة لأن الحب معنى من المعاني النفسية لا يوصف بالكثرة التي هي وفرة عدد أفراد الجنس.

فالجمّ مستعار لمعنى القوي الشديد، أي حبّاً مفرطاً، وذلك محل ذم حب المال، لأن إفراد حبه يوقع في الحِرص على اكتسابه بالوسائل غير الحَق كالغصب والاختلاس والسرقة وأكل الأمانات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا ﴾ والتُّراثُ: المِيراثُ، وفي قَوْلِهِ (لَمّا) أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي شَدِيدًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: يَعْنِي جَمْعًا، مِن قَوْلِهِمْ لَمَمْتُ الطَّعامَ لَمًّا، إذا أكَلْتُهُ جَمْعًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ سَفَهَ سَفًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: هو أنَّهُ إذا أكَلَ مالَ نَفْسِهِ ألَمَّ بِمالِ غَيْرِهِ فَأكَلَهُ، ولا يَتَفَكَّرُ فِيما أكَلَ مِن خَبِيثٍ وطَيِّبٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ ألَمَّ بِما حَرَّمَ عَلَيْهِ ومَنَعَ مِنهُ.

﴿ وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي كَثِيرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجَمُّ الكَثِيرُ، قالَ الشّاعِرُ إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمًّا الثّانِي: فاحِشًا تَجْمَعُونَ حَلالَهُ إلى حَرامِهِ، قالَهُ الحَسَنُ: ويَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ يُحِبُّ المالَ حُبَّ إجْمامٍ لَهُ واسْتِبْقاءٍ فَلا يَنْتَفِعُ بِهِ في دِينٍ ولا دُنْيا وهو أسْوَأُ أحْوالِ ذِي المالِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ قال: يسمع ويرى.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ قال: بمرصاد أعمال بني آدم.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: قسم، وفي قوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ من وراء الصراط جسور: جسر عليه الأمانة وجسر عليه الرحم وجسر عليه الرب عزّ وجلّ.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو نصر السجزي في الإِبانة عن الضحاك قال: إذا كان يوم القيامة يأمر الرب بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ثم يقول: أنا الملك الديان وعزتي وجلالي لا يتجاوز اليوم ذو مظلمة بظلامته ولو ضربة بيد فذلك قوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن سالم بن أبي الجعد في قوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ قال: إن لجهنم ثلاث قناطر: قنطرة فيها الأمانة وقنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها لرب تبارك وتعالى، وهي المرصاد لا ينجو منها إلا ناجٍ، فمن نجا من ذلك لم ينج من هذه.

وأخرج ابن جرير عن عمرو بن قيس قال: بلغني أن على جهنم ثلاث قناطر: قنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول يا رب هذا أمين، هذا خائن.

وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول يا رب هذا واصل يا رب، هذا قاطع.

وقنطرة عليها الرب ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي قال: إن لجهنم سبع قناطر، والصراط عليهن، فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى فيقول: قفوهم إنهم مسؤلون، فيحاسبون على الصلاة، ويسألون عنها، فيهلك فيها من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حوسبوا على الأمانة كيف أدوها وكيف خانوها، فيهلك من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سئلوا عن الرحم كيف وصلوها وكيف قطعوها، فيهلك من هلك وينجو من نجا.

والرحم يومئذ متدلية إلى الهوى في جهنم تقول: اللهم من وصلني فصله، ومن قطعني فاقطعه.

وهي التي يقول الله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رفعه: «إن في جهنم جسراً له سبع قناطر على أوسطه القضاء، فيجاء بالعبد حتى إذا انتهى إلى القنطرة الوسطى قيل له: ماذا عليك من الديون؟

وتلا هذه الآية ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ [ النساء: 42] فيقول: رب علي كذا وكذا فيقال له: اقض دينك.

فيقول: ما لي شيء.

فيقال: خذوا من حسناته، فلا يزال يؤخذ من حسناته حتى ما يبقى له حسنة.

فيقال: خذوا من سيئات من يطلبه فركبوا عليه» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل بن سليمان قال: أقسم الله ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ يعني الصراط، وذلك أن جسر جهنم عليه سبع قناطر على كل قنطرة ملائكة قيام وجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البرق، يسألون الناس في أول قنطرة عن الإِيمان، وفي الثانية يسألونهم عن الصلوات الخمس، وفي الثالثة يسألونهم عن الزكاة، وفي الرابعة يسألونهم عن شهر رمضان، وفي الخامسة يسألونهم على الحج، وفي السادسة يسألونهم عن العمرة، وفي السابعة يسألونهم عن المظالم فمن أتى بما سئل عنه كما أمر جاز على الصراط، والا حبس، فذلك قوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فأما الإِنسان ﴾ الآية، قال: كلا اكذبتهما جميعاً ما بالغنى أكرمك، ولا بالفقر أهانك ثم أخبرك بما يهين ﴿ بل لا يكرمون اليتيم ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: ظن كرامة الله في المال وهو أنه في قلته وكذب إنما يكرم بطاعته، ويهين بمعصيته، من أهان.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ حباً جمّاً ﴾ قال: كثيراً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول أمية بن خلف: أن تغفر اللهم تغفر جمّاً ** وأي عبد لك إلا ألمّا وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ فقدر عليه رزقه ﴾ قال: ضيقه عليه.

وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ بل لا يكرمون اليتيم ولا يحضون ﴾ بالياء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن ﴿ ويأكلون التراث ﴾ قال: الميراث ﴿ أكلاً لماً ﴾ قال: نصيبه ونصيب صاحبه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أكلاً لمّاً ﴾ قال: سفاً وفي قوله: ﴿ حبّاً جمّاً ﴾ قال: شديداً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أكلاً لمّاً ﴾ قال: أكلاً شديداً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة بن عبد الله المزني في قوله: ﴿ ويأكلون التراث أكلاً لمّاً ﴾ قال: اللم الاعتداء في الميراث يأكل ميراثه وميراث غيره.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ ويأكلون التراث ﴾ قال: الميراث ﴿ أكلاً لمّاً ﴾ قال: شديداً ﴿ ويحبون المال حبّاً جمّاً ﴾ قال: شديداً.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أكلاً لمّاً ﴾ قال: اللم اللف، وفي قوله: ﴿ حباً جمّاً ﴾ قال: الجم الكثير.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ أكلاً لمّاً ﴾ قال: من طيب أو خبيث وفي قوله: ﴿ حباً جمّاً ﴾ قال: فاحشاً.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويأكلون التراث ﴾ الآية، قال: يأكل نصيبي ونصيبك.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويأكلون التراث ﴾ الآية، قال: كانوا لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: الأكل اللمّ الذي يلم كل شيء يجده لا يسأل عنه يأكل الذي له والذي لصاحبه، لا يدري أحلالاً أم حراماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه أنه قال في قوله: ﴿ ويحبون المال حبّاً جمّاً ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا ومال وارثه أحب إليه من ماله.

قالوا يا رسول الله: ما منا أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه.

قال: ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت» .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ كلا بل لا تكرمون اليتيم ﴾ بالتاء ورفع التاء ﴿ ولا تحاضون ﴾ ممدودة منصوبة التاء بالألف غير مهموزة ﴿ وتأكلون التراث ﴾ بالتاء ﴿ أكلاً لمّاً ﴾ مثقلة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ كلا بل لا يكرمون اليتيم، ولا يحضون على طعام المسكين، ويأكلون التراث أكلاً لمّاً ويحبون المال حبّاً جمّاً ﴾ الأربعة بالياء.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ كلا بل لا يكرمون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين ﴾ إلى قوله: ﴿ ويحبون المال ﴾ بالياء كلها.

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذا دكت الأرض دكاً دكاً ﴾ قال: تحريكها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: تحمل الأرض والجبال فيدك بعضها على بعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وجاء ربك والملك صفاً صفاً ﴾ قال: صفوف الملائكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ والملك صفاً صفاً ﴾ قال: جاء أهل السموات كل سماء صفاً.

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال: «لما نزلت هذه الآية تغير رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف في وجهه حتى اشتد على أصحابه ما رأوا من حاله، فسأله عليّ، فقال: جاء جبريل فأقرأني هذه الآية ﴿ كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً وجاء ربك والملك صفاً صفاً وجيء يومئذ بجهنم ﴾ فقيل: وكيف يجاء بها؟

قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع» .

وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون ما تفسير هذه الآية ﴿ كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً وجاء ربك والملك صفاً صفاً وجيء يومئذ بجهنم ﴾ قال: إذا كان يوم القيامة تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، بيد سبعين ألف ملك، فتشرد شردة لولا أن الله حبسها لأحرقت السموات والأرض» .

وأخرج ابن وهب في كتاب الأهوال عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فناجاه، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم منكس الطرف، فسأله عليّ فقال: أتاني جبريل فقال لي: ﴿ كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً وجاء ربك والملك صفاً صفاً وجيء يومئذ بجهنم ﴾ وجيء بها تقاد بسبعين ألف زمام كل زمام، يقوده سبعون ألف ملك، فبينما هم كذلك إذ شردت عليهم شردة انقلتت من أيديهم، فلولا أنهم أدركوها لأحرقت من في الجمع فأخذوها» .

وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتي بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجيء يومئذ بجهنم ﴾ قال: «جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودونها» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يتذكر الإِنسان ﴾ قال: يريد التوبة، وفي قوله: ﴿ يا ليتني قدمت لحياتي ﴾ يقول: عملت في الدنيا لحياتي في الآخرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه ﴿ يومئذ يتذكر الإِنسان ﴾ إلى قوله: ﴿ لحياتي ﴾ قال: علم والله أنه صادق هناك حياة طويلة لا موت فيها أحسن مما عليه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا ليتني قدمت لحياتي ﴾ قال: الآخرة.

وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ والطبراني عن محمد بن أبي عميرة رضي الله عنه، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لو أن عبداً جرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في طاعة الله إلى يوم القيامة لود أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب.

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ﴾ قال: لا يعذب بعذاب الله أحد، ولا يوثق وثاق الله أحد.

وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه وابن جرير والبغوي والحاكم وصححه وأبو نعيم عن أبي قلابة عمن أقرأه النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه، وفي لفظ، أقرأ إياه ﴿ فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ﴾ منصوبة الذال والثاء.

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ قال: المؤمنة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ يقول: إلى جسدك.

قال: نزلت هذه الآية وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله: ما أحسن هذا؟

فقال: أما إنه سيقال لك هذا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير قال: «قرئت عند النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ﴾ فقال أبو بكر: إن هذا لحسن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن الملك سيقولها: لك عند الموت» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق ثابت بن عجلان عن سليم بن أبي عامر رضي الله عنه قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: «قرأت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة أرجعي إلى ربك راضية مرضية ﴾ فقلت: ما أحسن هذا يا رسول الله، فقال: يا أبا بكر أما إن الملك سيقولها: لك عند الموت» .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يشتري بئر رومة نستعذب بها غفر الله له، فاشتراها عثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك أن تجعلها سقاية للناس؟

قال: نعم.

فأنزل الله في عثمان ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ قال: نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ قال: هو النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بريدة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ قال: يعني نفس حمزة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ قال: المصدقة.

وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ قال: التي أيقنت بأن الله ربها.

وأخرج ابن جرير عن أبي الشيخ الهنائي رضي الله عنه قال: في قراءة أبيّ ﴿ يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة فادخلي في عبدي ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأها ﴿ فادخلي في عبدي على التوحيد ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ قال: ترد الأرواح يوم القيامة في الأجساد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: يسيل واد من أصل العرش، فتنبت فيه كل دابة على وجه الأرض، ثم تطير الأرواح فتؤمر أن تدخل الأجساد، فهو قوله: ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ارجعي إلى ربك راضية ﴾ قال: بما أعطيت من الثواب ﴿ مرضية ﴾ عنها بعملها ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ المؤمنين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ الآية، قال: إن الله إذا أراد قبض عبده المؤمن اطمأنت النفس إليه، واطمأن إليها، ورضيت عن الله، ورضي الله عنها أمر بقبضها فأدخلها الجنة وجعلها من عباده الصالحين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ قال: هذا عند الموت رجوعها إلى ربها خروجها من الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل لها: ﴿ فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴾ .

وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «قل اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ قال: المخبتة إلى الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة والحسن ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ إلى ما قال الله المصدقة بما قال.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ قال: هذا المؤمن اطمأن إلى ما وعد الله ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ قال: ادخلي في الصالحين وادخلي جنتي.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ قال: إلى جسدك.

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي في الآية قال: إن المؤمن إذا مات رأى منزله من الجنة فيقول تبارك وتعالى: ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ﴾ إلى جسدك الذي خرجت منه ﴿ راضية ﴾ ما رأيت من ثوابي مرضياً عنك حتى يسألك منكر ونكير.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ قال: مع عبادي.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ الآية قال: بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث ويوم الجمع.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: مات ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف، فجاء طير لم تر عين خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجاً منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا يدري من تلاها ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلاَّ ﴾ زجر عما أنكر من قول الإنسان ﴿ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم ﴾ هذا ذمّ لما ذكر من الأعمال القبيحة ومعنى هذا الإضراب بل، كأنه أنكر على الإنسان ما تقدم ثم قال بل تفعلون ما هو شر من ذلك وهو ألا تكرموا اليتيم وما ذكر بعده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مكرمَ» ﴿ وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين ﴾ الحض على الأمر هو الترغيب فيه، ومن لا يحض غيره على أمر فلا يفعله هو، كأنه ذم لترك طعام المسكين، والطعام هنا بمعنى الإطعام، وقيل: هو على حذف مضاف تقديره: لا تحضون على بذل طعام المسكين، وقرئ تحاضون بفتح الحاء وألف بعدها بمعنى لا يحض بعضكم بعضاً ﴿ وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً ﴾ التراث هو ما يورث عن الميت من المال، والتاء فيه بدل من الواو، واللم: الجمع واللف، والتقدير: أكلاً ذا لمّ وهو أن يأخذ في الميراث نصيبه ونصيب غيره، لأن العرب كانوا لا يعطون من الميراث أنثى ولا صغيراً بل ينفرد به الرجال ﴿ وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً ﴾ أي شديداً كثيراً وهذا دم للحرص على المال وشدة الرغبة فيه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: روى ابن مهران وابن الاسكندراني عن أبي عمرو أنه كان يقف على ﴿ والفجر ﴾ وأشباهها من ذوات الراء بنقل حركة اراء إلى ما قبله و ﴿ الوتر ﴾ بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: بالفتح ﴿ يسري ﴾ و ﴿ بالوادي ﴾ ﴿ أكرمني ﴾ و ﴿ أهانني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والهاشمي عن البزي والقواس وأبو ربيعة عن أصحابه.

وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ﴿ أكرمني ﴾ و ﴿ أهانني ﴾ بالياء في الوصل وبغير ياء في الوقف ﴿ بالوادي ﴾ بالياء في الوصل: ورش وسهل وعباس.

الباقون: كلها بغير ياء ﴿ فقدّر ﴾ بالتشديد: ابن عباس ويزيد ﴿ ربي ﴾ بالفتح: أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ يكرمون ﴾ ﴿ ولا يحضون ﴾ ﴿ ويأكلون ﴾ ﴿ ويحبون ﴾ كلها على الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون: بتاء الخطاب ﴿ تحاضون ﴾ بفتح التاء الفوقانية والألف من التفاعل: عاصم وحمزة وعلي ويزيد ﴿ لا يعذب ﴾ ﴿ ولا يوثق ﴾ بتح الذال والثاء: عليّ والمفضل وسهل ويعقوب.

الآخرون: بكسرهما.

الوقوف: ﴿ والفجر ﴾ ه لا ﴿ عشر ﴾ ه ك ﴿ والوتر ﴾ ه ك ﴿ يسر ﴾ ه ك لجواز أن يكون جواب القسم المحذوف وهو ليبعثن أوليعذبن مقدراً قبل " هل " أو بعده ﴿ حجر ﴾ ه ط ثم الوقف المطلق على ﴿ لبالمرصاد ﴾ وما قبله وقف ضرورة ﴿ بعاد ﴾ ه لا ﴿ العماد ﴾ ه لا ﴿ البلاد ﴾ ه ص ﴿ بالواد ﴾ ك ﴿ الأوتاد ﴾ ه ك ﴿ البلاد ﴾ ه ك ﴿ الفساد ﴾ ه ك ﴿ عذاب ﴾ ه ج لاحتمال التعليل ولما قيل: إن جواب القسم قوله ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ وما بينهما اعتراض.

﴿ لبالمرصاد ﴾ ه ج ﴿ أكرمن ﴾ ه ج لابتداء شرط ﴿ أهانن ﴾ ه ج لأن " كلا " يحتمل معنى " إلا " وحقاً ومعنى الردع.

﴿ اليتيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ط ﴿ لما ﴾ ه ط ﴿ جماً ﴾ ه ك ﴿ دكاً ﴾ ه لا ﴿ دكاً ﴾ ه ك ﴿ صفاً ﴾ ه لا ﴿ صفاً ﴾ ه ك ﴿ بجهنم ﴾ ه ﴿ الذكرى ﴾ ه ج لأن ما بعده مستأنف كأنه قيل: كيف يتذكر ﴿ لحياتي ﴾ ه ج ﴿ أحد ﴾ ه لا ﴿ أحد ﴾ ه ط ﴿ المطمئنة ﴾ ه ط ﴿ مرضية ﴾ ه ﴿ عبادي ﴾ ه ﴿ جنتي ﴾ ه.

التفسير: إقسام الله  بهذه الأمور ينبىء عن شرفها وأن فيها فوائد دينية ودنيوية.

أما الفجر فعن بعضهم أنه الغيران التي تتفجر منها المياه، والأظهر ما روي عن ابن عباس أنه الصبح الصادق ويوافقه قوله في المدّثر ﴿ والصبح إذا أسفر  ﴾ وفي " كورت " ﴿ والصبح إذا تنفس  ﴾ وذلك أن فيه عبرة للمتأمل لما يحصل من انفجار الضوء فيما بين الظلام، وانتشار الحيوان من أوكارها لطلب المعاش كما في نشور الموتى من قبورهم.

وقيل: المضاف محذوف أي ورب الفجر أو أقسم بصلاة الفجر.

وخصه بعضهم بفجر النحر لأنه يوم الضحايا والقرابين، وبعضهم بفجر المحرّم لأنه أوّل يوم السنة، وبعضهم بفجر ذي الحجة لقوله ﴿ وليال عشر ﴾ والتنكير لأنها ليال معدودة من ليالي السنة أو لأنها مخصوصة بفضائل كما جاء في الخبر " "ما من أيام العمل الصالح فيهن أفضل من عشر ذي الحجة" " قال أهل المعاني: ولو عرّفت بناء على أنها ليال معلومة جاز إلا أن التعظيم المستفاد من التنكير يفوت التناسب بين اللامات إذ ذاك فعدم اللام خير من وجوده مخالفاً للباقية.

وقيل: إنها عشر المحرم.

وقيل: العشر الأخيرة من رمضان ولهذا سن فيها الاعتكاف وفيها ليلة القدر، وكان  إذا دخل العشر الأخير شدّ المئزر وأيقظ أهله أي كف عن الجماع وأمر أهله بالتهجد.

وأما الشفع والوتر فمعناهما الزوج والفرد.

والوتر بالفتح لغة أهل العالية، وبالكسر لغة تميم.

واختلف المفسرون فيهما اختلافاً عظيماً فمنهم من حملهما على الأشياء كلها لأن الموجودات لا تخلو من هذين القسمين فتكون كقوله ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون  ﴾ وقيل: الشفع صفات الخلق كالعلم والقدرة والحياة، ونقائضها الجهل والعجز والموت.

والوتر صفات الحق وجود بلا عدم وقدرة بلا عجز وعلم بلا جهل وحياة بلا موت.

وقيل الشفع والوتر: نفس العدد وكأنه تعالى أقسم بالحساب الذي لا بد للخلق منه فهو في معرض الامتنان بمنزلة العلم والبيان في قوله ﴿ علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم  ﴾ الرابع الشفع الممكنات ﴿ ومن كل شيء خلقنا زوجين  ﴾ والوتر الواجب  وتقدّس.

الخامس الشفع الصلوات الثنائية والرباعية والوتر الثلاثية، عن عمران بن حصين عن النبي  " "إن الصلاة منها شفع ومنها وتر " السادس الشفع درجات الجنة وأبوابها وهي ثمانية، والوتر دركات النار وأبوابها وهي سبعة.

السابع الشفع البروج الاثنا عشر، والوتر الكواكب السبعة.

الثامن الشفع الشهر الذي يكون ثلاثين والوتر تسعة وعشرون.

التاسع الشفع السجدتان والوتر الركوع.

العاشر الشفع العيون الاثنا عشر لموسى ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً  ﴾ والوتر معجزاته ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ وأظهر الأقوال ما روي عن النبي  أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة لأنه تاسع أيام الليالي المذكورة.

وحين أقسم بالليالي المخصوصة أقسم على العموم بالليل إذا يسري أي إذا يمضي كقوله ﴿ والليل إذا أدبر  ﴾ وعن مقاتل: هو ليلة المزدلفة.

وعلى هذا جوّز أن يراد بالسري الإسناد المجازي لأن الساري فيه هو الحاج.

يروى أنه  كان يقدّم ضعفة أهله في هذه الليلة.

والحجر بالكسر العقل سمي بذلك لأنه يمنع من الوقوع فيما لا ينبغي كما سمي عقلاً، ونهي لأنه يعقل وينهى، وحصاة لأنه يحصى أي يضبط.

قال الفراء: يقال إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها.

والمراد بالاستفهام تقرير أن هذه المذكورات لشرفها وعظم شأنها يحق أن يؤكد بمثلها المقسم عليه كمن ذكر حجة باهرة ثم قال: هل فيما ذكرته حجة يريد أنه لا حجة فوق هذا ومن هنا قال بعضهم: فيه دليل على أنه  أراد رب هذه الأشياء ليكون غاية في القسم.

ولقائل أن يقول: المقنع والكفاية غير الغاية والنهاية.

ثم إنه تعالى ذكر للعبرة ولتسلية نبيه  قصة ثلاث فرق على سبيل الإجمال لأنهم أعلام في القوة والشدّة والتجبر.

والمعنى ألم ينته علمك إليهم علماً يقرب المشاهدة لتعاضده بالوحي أو التواتر، والخطاب للنبي  أو لكل راءٍ.

والمراد بعاد هو عاد الأولى القديمة ولهذا ابنه لزم لأنهم أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوع فسموا باسم جدهم.

وقيل: إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها.

ولم ينصرف قبيلة أو أرضاً للعلمية والتأنيث.

وقيل: الإرم العلم لأنهم كانوا يبنون أعلاماً كهيئة المنارة كقوله ﴿ أتبنون بكل ريع آية  ﴾ وعلى هذين الوجهين يكون المضاف محذوفاً أي أهل البلدة أو الأعلام، وعلى الوجه الأخير لا يكون لمنع الصرف وجه ظاهر لكونه اسم جنس.

والعماد بمعنى العمود لأنه ما يعمد أو جمع عمد.

ثم إن كانت صفة للقبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد أو كانوا طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، أو كانت ذات البناء الرفيع.

وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى أنها ذات أساطين.

ثم قيل: هذه المدينة اسكندرية.

وقيل: دمشق.

واعترض بأن بلاد عاد كانت فيما بين عمان إلى حضرموت وهي بلاد الرمال المسماة بلأحقاف.

وروي أنه كان لعاد ابنان: شدّاد وشديد، فملكا وقهرا البلاد وأخذا عنوة وملكاً، ثم مات شديد وخلص الأمر لشدّاد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال: أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدنية عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار.

ولم تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا.

ويروى أنه وضع إحدى قدميه فيها فأمر ملك الموت بقبض روحه.

ويروى أن النبي  رأى ملك الموت حين عرج به إلى السماء فسأله: هل رققت لأحد من الخلائق الذين قبضت أرواحهم؟

فقال: نعم اثنان أحدهما طلف ولد بالمفازة ثم أمرت بقبض روح أمه ولم يكن هناك إنسان يتعهد الطفل، والثاني ملك اجتهد في بناء مدينة لم يخلق مثلها ثم لم يرزق رؤيتها بعد أن وضع رجله فيها يعني شداداً، فدعا الله نبينا محمد  أن يخبره بذلك فأوحى إليه أن ذلك الملك هو ذلك الطفل الذي ربيناه وآتيناه مملكة الدنيا.

وحين قابل النعمة والملك بالكفران وبنى الجنان التي هي من مقدورات الله الرحمن جزيناه بالخيبة والحرمان.

هكذا وجدت الحكاية في بعض التفاسير.

وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع على تلك المدينة فحمل ما قدر عليه مما هناك، فبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب الأحبار فسأله فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له.

ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل.

والضمير في ﴿ مثلها ﴾ لإرم لأنهم أطول الناس قدوداً وأشدّهم بناء، أو للمدينة أو للأعلام على اختلاف الأقوال.

وجاب الصخرة أي الحجر العظيم قطعه كقوله ﴿ وتنحتون من الجبال بيوتاً  ﴾ والوادي وادي القرى قاله مقاتل.

وقد قيل: لفرعون ذي الأوتاد لكثرة جنوده أو لتعذيبه للناس بالأوتاد الأربعة وقد مرّ في " ص ".

وصب السوط كناية عن التعذيب المتواتر، وفيه إشارة إلى أن عذاب الدنيا بالنسبة إلى عذاب الآخرة كالسوط بالنسبة إلى القتل مثلاً وقد أشار إلى عذاب الآخرة أو إليه مع عذاب الدنيا بقوله ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ أي يمهل ولكنه لا يهمل.

والمرصاد المكان الذي يرقب فيه الرصد، والباء بمعنى " في" وهو مثل لعدم الإهمال.

وقيل لبعض العرب: أين ربك؟

فقال: بالمرصاد.

وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ السورة عند المنصور حتى بلغ الآية فقال ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ يا أبا جعفر عرض له في هذا بأنه من الجبابرة الذين وعدوا بها.

وقال الفراء: معناه إليه المصير فيكون وعداً ووعيداً للمؤمن والكافر.

قال أهل النظم: لما ذكر أنه  بمرصد من أعمال بني آدم عقبه بتوبيخ الإنسان على قلة اهتمامه بأمر الآخرة وفرط تماديه في إصلاحالمعاش كأنه قيل: نحن مترقبون لمجازاة الإنسان على ما سعى، فأما هو فإنه لا يهمه إلا الدنيا وطيباتها فإن وجد راحة فرح بها وإن مسه ضرّ كند.

والظاهر أن الإنسان للجنس.

وعن ابن عباس أنه عتبة بن ربيعة.

وعن الكلبي هو أمية بن خلف.

ومعنى الابتلاء في البسط والضيق وهو أنه  يعامل المكلف معاملة المختبر ليظهر أنه هل يتلقى النعمة بالشكر والضيق بالصبر أم لا كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ وتقدير الكلام فأما الإنسان فيقول ربي أكرمن إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ﴿ وأما ﴾ هو فيقول ربي أهانن ﴿ إذا ما ابتلاه فقدر ﴾ أي ضيق ﴿ عليه رزقه ﴾ فقوله ﴿ فيقول ﴾ خبر المبتدأ في الموضعين ﴿ وإذا ما ابتلاه ﴾ ظرف لـ ﴿ يقول ﴾ وإنما قال في جانب البسط ﴿ فأكرمه ونعمه ﴾ أي جعله ذا نعمة وثروة ولم يقل في طرف القبض " فأهانه وقدر عليه" لأن رحمته سبقت غضبه فلم يرد أن يصرح بإهانة عبده، ولئلا يكون الكلام نصاً في أن القبض دليل الإهانة من الله، فقد يكون سبباً لصلاح معاش العبد ومعاده.

وأما البسط فهو إكرام في الظاهر الغلب، والبسط لأجل الاستدراج قليل وعلى قلته فهو خير من خسران الدنيا والآخرة جميعاً.

وعلام توجه الإنكار والذّم؟

فيه وجهان: أحدهما على قوله ﴿ ربي أهانن ﴾ فقط لأنه سمي ترك التفضل إهانة وقد لا يكون كذلك.والثاني على مجموع الأمرين لا من حيث مجموعهما بل على كل منهما.

أما على دعوى الإهانة فكما قلنا، وأما على دعوى الإكرام فلأنه اعتقد حصول الاستحقاق في ذلك الإكرام كقوله ﴿ إنما أوتيته على علم عندي  ﴾ وكان عليه أن يرى ذلك محض الفضل والعناية منه  ، أو لأنه قال في ذلك كبراً وافتخاراً وتكاثراً، أو لأن هذا القول يشبه قول من لا يرى السعادة إلا في اللذات العاجلة، أو قول من غفل عن الاستدراج والمكر.

ويحتمل أن يتوجه الذم على مجموع الأمرين من حيث المجموع حتى لو قال في البسط " أكرمني " تحدثاً بنعمة الله، وفي القبض لم يقل " أهانني" بل قال " الحمد لله على كل حال" لم يكن مذموماً.

ثم ردع الإنسان عن تلك المقالة بقوله ﴿ كلا ﴾ أي لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ ولا بالفقر لهوانه لديّ ولكنهما من محض المشيئة، أو على حسب المصالح.

ثم نبه الإضراب في قوله ﴿ بل لا تكرمون اليتيم ﴾ على أن هناك شراً من ذلك وهو أنه يكرمهم بكثرة المال ثم لا يؤدّون حق الله فيه.

وعن مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيماً في حجر أمية بن خلف وكان يدفعه عن حقه فنزلت.

والتراث أصله الوراث نحو تجاه ووجاه.

واللم الجمع لشديد ومنه كتيبة ملمومة مصدر جعل نعتاً أي أكلاً جامعاً بجميع أجزائه كقوله ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً  ﴾ وقال الحسن: أي يجمعون نصيب اليتامى إلى نصيبهم كقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم  ﴾ وقيل: جامعاً بين حلال ما جمعه الميت وبين حرامه.

وقيل: جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة اللذيذة والملابس الفاخرة كما يفعل أهل البطالة من الورّاث.

والجم الكثير جم الماء وغيره يجم جموماً إذا كثر جامّ، وجمّ نهي عن التهالك.

والشره على جمع المال.

وفي وصف الحب بالجم دلالة على أن حب المال وتعلق القلب بتحصيل ما يسدّ الخلة منه غير مكروه بل مندوب إليه لبقاء نظام العالم على أن كل السلامة وجل الفراغ في الترك كما هو دأب المتوكلين.

إن السلامة من ليلى وجارتها *** أن لا تمر على حال بواديها ولا ينبئك مثل خبير.

ثم ردعهم عن الفعل المذكور وذكر تحسر المقصر في طاعة الله يوم القيامة.

وجواب " إذا " محذوف بعد ﴿ صفاً ﴾ أبو بعد قوله ﴿ بجهنم ﴾ ليذهب الوهم كل مذهب أي كان ما كان من الأهوال.

ثم استؤنف ﴿ وجيء يومئذ ﴾ أو عطف على ما قبله ويوقف على هذا التقدير على قوله ﴿ بجهنم ﴾ ويكون ﴿ يومئذ ﴾ الثانية متعلقاً بما بعده، ويجوز أن يكون " إذا " منصوباً بـ ﴿ يتذكر ﴾ و ﴿ يومئذ ﴾ الثانية بدل منه.

ومعنى ﴿ دكاً دكاً ﴾ دكاً بعد دك كما قيل في " لبيك " أي كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثاً.

وقال المبرد: استوت في الانفراش فذهب دورها وقصورها وجبالها وقلاعها حتى تصير قاعاً صفصفاً، ولعل هذا الذي بعد الزلزلة.

قوله ﴿ وجاء ربك ﴾ أي أمره بالجزاء والحساب أو قهره أو دلائل قدرته.

ويجوز أن يكون تمثيلاً لهول ذلك اليوم كما إذا حضر الملك بنفسه وجنوده كان أهيب وتنزل ملائكة كل سماء ﴿ صفاصفاً ﴾ أي مصطفين صفوفاً مرتبة.

يروى أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله  حتى اشتد على أصحابه فجاء علي  فاحتضنه وقبل عاتقة ثم قال: يا نبي الله بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم حتى غيرك؟

فتلا عليه الآية.

فقال له عليّ: كيف يجاء بجهنم؟

قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شرارة لو تركت لأحرقت أهل الجمع.

قال الأصوليون: معنى جيء بجهنم برزت وأظهرت فإن جهنم لا تنتقل من مكان إلى مكان.

قوله ﴿ وأنى له ﴾ أي ومن أين له منفعة ﴿ الذكرى ﴾ ثم فسر التذكر وإنما قدرنا المضاف احترازاً من التنافي وإلا فلا وجه للاستفهام الإنكاري بعد إثبات التذكر بأنه يقول ﴿ يا ليتني قدمت ﴾ خيراً أو عملاً صالحاً ﴿ لحياتي ﴾ هذه وهي الحياة الأخيرة، أو اللام بمعنى الوقت أي وقت حياتي في الدنيا.

وقد يرجع هذا الوجه لأن أهل النار لا حياة لهم في الحقيقة كما قال ﴿ لا يموت فيها ولا يحيا  ﴾ ويمكن أن يجاب بأن الحياة المضاهية للموت أو التي هي أشدّ من الموت حياة أيضاً، وبأن حياة الآخرة يراد بها البقاء المستمر الدائم وهذا المعنى شامل لأهل النارولأهل الجنة جميعاً.

قالت المعتزلة: في هذا التمني دليل واضح على أن الاختيار كان زمامه بيده، ويحتمل أن يجاب بأن استحالة متمناه قد تكون من جهة أن الأمر في الدنيا لم يكن إليه فيتحسر على ذلك.

وقال في التفسير الكبير: فيه دليل على أن قبول التوبة لا يجب عقلاً.

ويرد عليه أنه لا يلزم من عدم قبولها في الآخرة عدم قبولها في دار التكليف كإيمان اليأس.

من قرأ ﴿ لا يعذب ﴾ ﴿ ولا يوثق ﴾ على البناء للفاعل فمعناه على ما قال مقاتل: لا يعذب عذاب الله أي عذابه أحد من الخلق.

ضعف بأن يوم القيامة لا يعذب أحد سوى الله فلا يتصور لهذا النفي فائدة.

وأجيب بأن المراد لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد لأن الأمر يومئذ لله وحده، أو لا يعذب أحد في الدنيا ولا يوثق مثل عذاب الله الكافر ومثل إيثاقه إياه في الشدّة والإيلام.

وقال أبو علي الفارسي: تقديره لا يعذب أحد من الزبانية أحداً مثل عذاب هذا الإنسان وهو أمية بن خلف، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه لتناهيه في كفره وفساده.

ومن قرأ بناء الفعل للمفعول فيهما فظاهر.

والضمير في ﴿ عذابه ﴾ و ﴿ وثاقه ﴾ للإنسان.

ويمكن أن يراد لا يحمل عذاب الإنسان أحد كقوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى  ﴾ قال الواحدي: وهذا أولى الأقوال.

ثم ذكر بشارة الأبرار وهو أن يقول للمؤمن بذاته أو على لسان ملك ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ أي بذكر الله أو بتحصيل الأخلاق الفاضلة والعقائد الصحيحة التي تسكن النفس السليمة إليها ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ إلى حيث لا مالك سواه أو إلى ثوابه ﴿ راضية ﴾ بما حكم عليك وقدر لك ﴿ مرضية ﴾ عند الله نظيره {  م ورضوا عنه } [البينة: 8] وهذه صفة أرباب النفوس الكاملة وإن كانوا بعد في دار التكليف ولهذا رتب على هذه الصفة قوله ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ أي في جملة الصالحين ﴿ وادخلي جنتي ﴾ وهي في الدنيا مقام الرضا والتسليم.

وإذا كانت النفس متحلية بالكمالات الحقيقية والمعارف اليقينية في حياته العاجلة كانت أهلاً لهذه البشارة عند الموت وعند البعث وفي كل المواطن إلى دخول الجنة.

وقيل: إنما يقال له هذا عند البعث والمعنى فادخلي في أجساد عبادي يؤيده قراءة ابن مسعود " في جسد عبدي " قالوا: أنزلت في حمزة بن عبد المطلب أو في خبيب بن عدي الذي صلبه أهله مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحوّل وجهي نحو قبلتك، فحوّل الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يغيرها.

والظاهر العموم ولو سلم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ * كَلاَّ ﴾ الإشكال أن يقول قائل: قول ذلك الإنسان: ﴿ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ ﴾ ، ﴿ رَبِّيۤ أَهَانَنِ ﴾ خرج موافقا لما قاله الرب  ؛ لأنه قال: ﴿ فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ﴾ ؛ فخرج قوله: ﴿ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ ﴾ على الموافقة لما قا ل، وكذا قول هذا الإنسان حيث ابتلي بنقيضه: ﴿ رَبِّيۤ أَهَانَنِ ﴾ ، خرج موافقا لما قال: ﴿ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ﴾ ، فإذا كان الأول إكراما كان الذي يضاده إهانة؛ ألا ترى أن الله -  - سمى المال: خيرا، والقر: شرا، وسمى المطيع: محسنا، والعاصي: مسيئا، فكذا إذا استقام القول بالإكرام عندما ينعم عليه ويكرم، استقام القول بالإهانة إذا ضيق عليه الرزق ولم يكرم، وإذا كان هذا فيكف رد عليه مقالته بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، وهو في ذلك صادق.

ولكن نحن نقول: إن الرد بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ لم يفع على نفس القول، ولا انصرف إليه، وإنما انصرف إلى ما أراده بقوله، لأن القائل بهذا كافر بالله  وباليوم الآخر، وكان يقول: لا بعث ولا جزاء، وإنما يجازون بأعمالهم في هذه الدنيا، فمن أحسن أحسن له، ومن أساء أهين؛ فيكون قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، أي: ليس الأمر كما صوره في نفسه؛ بل الدنيا دار عمل، وللجزاء بالكفر والإيمان دار أخرى، وهذا كقوله: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ  ﴾ ، وهم لم يكونوا كاذبين في شهادتهم ومقالتهم، بل كانوا صادقين إنه رسول [الله]، وإن الله -  - يعلم أنه رسوله، ولكنهم كانوا اعتقدوا تكذيبه في قلوبهم؛ فكانوا يظهرون خلاف ما أضمروا في أنفسهم؛ فإلى ما أضمروا انصرف التكذيب، لا إلى نفس القول؛ كذا هذا.

ولأن أهل الكفر كانوا أصنافا: فمنهم من كان يرى إذا بسط عليه النعيم في الدنيا وأكرم فإنما بسط عليه لما استوجبه بفعله، وإذا ضيق عليه وابتلي بالشدة فإما ضيق عليه بإساءته وبما كسبت يداه.

ومنهم من كان يظن أنه من الله -  - بمنزلة، وأنه مستوجب للإنعام، وأنه إذا بلي بضيق العيش وأصابته شدة، أصابه ذلك من عند محمد عليه الصلاة والسلام؛ فيتشاءمون به؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ  ﴾ ؛ وعلى هذا كان ظن فروعن [وقومه]؛ قال الله -  -: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ  ﴾ .

فقوله: ﴿ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ﴾ ، أي: أكرمه في نفسه بأن أصح جسمه، أو جعله رئيس قومه، ﴿ وَنَعَّمَهُ ﴾ ، أي: بسط الدنيا عليه: ﴿ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ ﴾ ؛ فكان ينظر بذلك.

وقوله: ﴿ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ ﴾ أي: إذا اختبره؛ فضيق عليه رزقه، فيقول: ﴿ رَبِّيۤ أَهَانَنِ ﴾ ؛ فكان يظهر بذلك الجزع والله -  - اختبره بالنعم؛ لستأدي منه الشكر بما أنعم، وابتلاه بضيق العيش؛ ليصبر، لا ليجزع؛ فلا شكر [هذه النعم] بل بطر، ولا صبر على الشدائد؛ بل جزع؛ فجائز أن يكون المراد بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، منصرفا إلى هذا لاعتقادهم وصنيعهم، وهو أنه لم يكرم ولم ينعم ليبطر به، ولا ضيق عليه رزقه ليجزع، بل إنما أنعم ليشكر، وقدر عليه رزقه ليصبر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ ﴾ جائز أنهم كانوا لا يكرمونه ويهينونه مع ذلك؛ لأن إكرام اليتيم ليس بواجب، أما إهانته فحرام.

وجائز ألا يثبت الإهانة منهم مع نفي الإكرام؛ لأن الإيجاب إذا ذكر في مضادة الإيجاب اقتضى ذلك إثبات المقابلة وإذا ذكر الإيجاب في مضادة النفى، أمكن أن تثبت فيه المقابلة، وأمكن ألا تثبت؛ ألا ترى: أنه إذا قيل: فلان جائر، كان فيه إثبات المقابلة وهي نفي العدل؛ لأن [في] قوله: "جائر" إثبات الجور؛ فكان في ذكره نفي العدالة، وفيه إثبات المقابلة، وإذا قلت: ليس بعدل، لم يكن فيه تحقيق لإثبات المقابلة وهو الجور، بل يجوز أن يكون جائراً، ويجوز ألا يكون، وقد يراد بالنفي إثبات المقابلة أيضا؛ قال الله  : ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ  ﴾ ؛ فكان في نفى الربح إثبات المقابلة في أنها خسرت.

ثم إكرام اليتيم هاهنا يحتمل أوجها ثلاثة: أحدها: أن يكرمه في أن يحفظ عليه ماله حتى لا يضيعه، ويكرمه في نفسه، وهو أن يتعاهد أحواله عن أن يدخل فيها خلل.

والوجه الثاني: أن يكرمه؛ فيعلمه آداب الشريعة، ويرشده إليها.

والوجه الثالث: أن يكرمه؛ فيبذل له من ماله قدر حاجته إليه، ويصطنع إليه المعروف؛ فيكون التغيير هاهنا في إهانة اليتيم أن يترك الإكرام الذي هو من باب حفظ ماله؛ فيكون تضييعا، والله أعلم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ ، أي: لا يحثون غيرهم على إطعام المساكين.

وجائز أن يحضوا ولا يتولوا بأنفسهم الإطعام.

ويحتمل ألا يتولوا ذلك بأنفسهم، ويحضروا غيرهم.

ففي هذه الأية ترغيب للمسلمين بإكرام اليتيم وتعاهد ماله، وتبيين أن عليهم أن يطعموا بأنفسهم، وأن يحثوا الأغنياء بإطعام المساكين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً ﴾ فاللم: الجمع؛ يقال: لم المال؛ إذا جمع؛ فكأنه يقول: يحمعنن ما لم يرثوه بأنفسهم - وذلك نصيب الأيتام - إلى ما يرثون من أنصبائهم، فيأكلونه جميعا.

وقال بعضهم: ﴿ وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً ﴾ ؛، أي: شديدا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً ﴾ قال أبو بكر: أي: تحبونه حبا وفيا وافرا ليس فيه قصور؛ فيكون فيه إخبار عن غاية حبهم الدنيا وشدة حرصهم عليها.

وجائز أن يكون على التقديم والتأخير، وهو أنهم بحبون المال الجم حبا؛ أي: المال الكثير.

وقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ؛ ردع وتنبيه: فمنهم من رد هذا الردع إلى قوله: ﴿ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ ﴾ ، و ﴿ رَبِّيۤ أَهَانَنِ ﴾ ، فكأنه يقول: كلا ليست هذه الدار دار جزاء؛ فيكون الإهانة والإكرام بحق الجزاء، وإنما هي دار محنة وابتلاء.

ومنهم من حمله على الابتداء، فقال: ﴿ كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً ﴾ بمعنى حقا، يخبر عن ندمه في [تركه الإكرام لليتيم]، وترك إطعام المسكين والحض عليه: ﴿ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ ﴾ أي: دقت وكسرت، وذلك يوم الحساب والبعث.

وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: أن يكون معناه: وجاء ربك بالملك؛ إذ يجوز أن تستعمل الواو مكان الباء؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ  ﴾ ، ومعناه: برك، وإذا حصل على هذا ارتفعت الشبهة، واتضح الأمر؛ لأنه لو كان قال: وجاء ربك بالملك، وإذا حمل على هذا ارتفعت الشبهة، واتضح الأمر؛ لأ،ه لو كان قال: وجاء ربك بالملك، لكان لا ينصرف وهم أحد إلى الانتقال من مكان إلى مكان، وقال -  -: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ  ﴾ ، ومعناه - والله أعلم -: يظلل من الغمام؛ لأنه قال في موضع أخر: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ  ﴾ ؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا وإذا ثبت هذا ارتفع الريب والإشكال.

ومنهم من ذكر أن معنى قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، أي: أمر الله؛ دليله ما ذكر في سورة النحل قوله: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ  ﴾ ، فذكر مكان قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ : ﴿ أَمْرُ رَبَّكَ ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ ، أي: جاء وعده ووعيده، فنسب المجيء إلى الله  ، وإن لم يكن ذلك وصفا له؛ لأنه يجوز أن تنسب آثار الأفعال إلى الله -  - نسبة حقيقة الفعل وإن لم يوصف به، كما قال الله -  -: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ فأضيف النفخ إليه وإن لم يوصف بأنه نافخ، وقال: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ  ﴾ ، فأضيفت الكتابة إليه وإن لم يوصف بأنه كاتب؛ لما أن ما ظهر من آثار فعله، ويقال: المطر رحمة الله؛ أي: من آثار رحمته، لا أن يكون المطر صفة له، ويقال: الصلاة أمر الله، والزكاة أمر الله، أي: بأمر الله نصلي، وبأمره نزكي، لا أن يكونا وصفين له.

ووجه آخر: أن يكمن معنى قوله -  -: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ ، أي: جاء الوقت الذي به صار إنشاء هذا العالم حكمة؛ إذ لولا البعث للجزاء، لكان إنشاء هذال العالم ثم الإهلاك خارجا مخرج العبث؛ لما وصفناه من قبل؛ لقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\]؛ فثبت أن خلقه إما صار حكمة بالبعث، وقال [الله]  : ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ وقد كان الملك له قبل ذلك اليوم، ولكن ملكه لكل أحد يتبين في ذلك الوقت، وقال: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ وقد كان كل شيء له بارزاً، ولكن معناه: أنه أتى الوقت الذي برز الخلائق.

ثم الأصل في كل ما أضيف إلى الله -  - أن ينظر إلى ما يليق أن يوصل بالمضاف إليه، فتصله به وتجعله مضمرا فيه، قال الله -  -: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ  ﴾ ، ولم يفهم إثبات الحضور، وكان معناه: أن علمه محيط بهم، وهو مطلع عليهم.

وقال: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ  ﴾ [و]لم يفهم به الانتقال؛ بل كان معناه: أنه جاءهم بأسه، وجاء لأوليائه نصره.

وقال: ﴿ قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، ولم يفهم بهذا الإتيان ما فهم من الإتيان الذي ضاف إلى الخلق.

وقال [الله]  : ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، وكان معناه: إن تنصروا دين الله؛ لا أن الله -  - يلحقه ضعف يحتاج إلى من يقويه.

وقال [الله]  : ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ  ﴾ ، وكان معناه: أنه يحذركم عذابه؛ لا أن أريد به تحقيق النفس.

ومثل هذا في القرآن أكثر من أن يحصى؛ فثبت أن محل الإضافات ما ذكرنا؛ فلذلك حمل على الوعد والوعيد، أو على الوقت الذي به صار خلق العالم حكمة، أو على ما صلح فيه من الإضمار.

ومما يدل على أنه لا يفهم بالمجيء معنى واحد، بل يقتضي معاني: أن المجيء إذا أضيف إلى الأعراض، فهم به غير الذي يفهم به إذا أضيف إلى الأجسام؛ فإنه إذا أضيف إلى الأعراض أريد به الظهور؛ قال الله  : ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ  ﴾ ومعناه: إذا ظهر نصره، ولم يرد به الانتقال، ولو كان مضافا إلى الجسم، فهم منه الانتقال من موضع إلى موضع.

وقال الله  : ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ ، ومعناه: ظهر الحق، واضمحل الباطل، لا أن يكون الحق في مكان، فنقل عنه إلى غيره؛ فثبت أن المجيء إذا أضيف إلى شيء وجب أن يوصل به ما يليق به؛ لا أن يفهم به كله معنى واحد.

وروي عن النبي  أنه قال - حكاية عن الله  -: "من تقرب إلى شبرا تقرب إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، ومن أتاني ساعيا أتيته هرولة" ولم يفهم من هذا التقرب ما يفهم منه إذا أضيف إلى الخلق، وكان معناه: من تقرب إلى بالطاعة والعبادة تقرب إليه بالتوفيق والنصر أو بالإحسان والإنعام.

وقال موسى -  -: "يا رب أقريب أنت فأناجيك أو بعيد فأناديك؟!"، ولم يرد به المكان؛ وإنما أراد بقوله: أراض أنت عني فأناجيك، أو ساخط على فأناديك في أعن أعلن بالبكاء والتضرع؟!

ثم الأصل في المجيء المضاف إلى الله -  - أن يتوقف فيه؛ ولا يقطع الحكم على شيء؛ لما ذكرنا أن المجيء ليس يراد به وجه واحد؛ لأنه إذا إضيف إلى الأعراض أريد غير الذي يراد به إذا أضيف إلى الأجسام والأشخاص، [والله أعلم].

والله  لا يوصف بالجسمية حتى يفهم من مجيئه ما يفهم من مجيء الأجسام، ولا يوصف بالعرض؛ ليراد به ما يراد من مجيء الأعراض؛ فحقه الوقف في تفسيره مع اعتقاد ما ثبت بالتنزيل من غير تشبيه، والله أعلم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ .

قيل فيه من أوجه: أحدها: أنها ظهرت وبرزت لأهلها، على ما قال في آية أخرى: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ  ﴾ ، لا أنها كانت في مكان فنقلت عنه، وقد يراد بالمجيء الظهور، قال الله -  -: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ، ومعناه: ظهر لكم، لا أن كان في مكان آخر فجيء به إليهم.

وقال بعضهم: جيء بأهلها إليها - أي: إلى جهنم - فيكون حقيقة المجيء من الأهل، ثم نسب إليها؛ لأنهم إذا أتوها فقد أتتهم هي، وهو كقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً  ﴾ ؛ فنسب الإتيان إلى الذي يأتيه الوعد؛ فيكون الوعد هو الذي يأتي أهله.

وقال بعضهم: ﴿ وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ ، أي: يجيء زفرتها وشهيقها وتغيظها على أهلها، لا أن تغير عن مكانها.

ومنهم من حمله على حقيقة المجيء؛ فذكر أنه يؤتى بها ولها سبعون ألف زمام، على كل زمام سبعون ألف ملك، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ ﴾ يحتمل أن يتذكر إشفاق الأنبياء - عليهم السلام - ونصحهم لهم؛ فيعلم أنه كان فيما توهم بهم من الظنون الفاسدة مبطلا؛ فيكون تذكره ذلك تصديقا منه للرسل، عليهم [السلام].

﴿ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ ، أي: لا ينفعه تصديقه إياههم، إذ لم يصدقهم في الدنيا.

أو يتذكر في أن يتلهف على ما فرط في جنب الله من التقصير في حقوقه، والتضييع الذي سبق منه حيث لم يشكر نعمه، ولم يوجه إليه العبادة؛ فيكون تلهفه ذلك إيمانا، ولكن لا ينفعه تلهفه في ذلك الوقت؛ لأن تلك الدار ليست بدار امتحان، بل هي دار جزاء، والذي يحمله على التصديق مشاهدته الجزاء والحساب، وعند المشاهدة ترتفع المحنة، ويكون إيمانه ذلك ضروريا لا حقيقة؛ فلذلك لا ينفعه، وإنما ينفعه الطاعة وقت ملكه نفسه، فأما إذا خرج ملك نفسه من يده، لم يقع له بالإيمان جدوى.

وقال بعضهم: ﴿ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ ﴾ ، أي: يتعظ، ﴿ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ ، أي: أنى له الانتفاع بالموعظة.

ثم في هذا التذكير بيان لطف منا لله  بعظته حتى يتذكر، وإلا فالإنسان يذهب عليه ما قد كتبه في وقت إذا أتى عليه حين، حتى لو أراد أن يتذكر وقت كتابته لم يقدر عليه، ثم الله -  - يذكره في الآخرة جميع ما سبق منه في الدنيا فيتذكر ذلك؛ فيقول: ﴿ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ ، أي: يا ليتني قدمت لنفسي حياة تسلم لي، أو حياة تبقى لي لذتها، فهذا هو تلهفه وتذكره في ذلك اليوم، يتلهف على ما فاته من الخيرات، ويندم على ارتكابه المعاصي وكفرانه نعم الله  .

ومعنى قولنا: حياة تسلم لي؛ فأتلذذ بها: هو أن الكافر، وإن كانت له حياة في الظاهر، فإنما حياته للتعذيب، فتلك له في الحقيقة ليست بحياة، بل هي إ هلاك؛ ألا ترى أن الإنسان إذا أخذ في النزع فهو في ذلك الوقت حي بعد، لكن حياته للأهلاك، فليست هي في الحقيقة حياة لكنها إهلاك فعلى ذلك الوقت حي بعد، لكن حياته للإهلاك، فليست هي في الحقيقة حياة لكنها أهلاك فعلى ذلك حياة المخلد في النار.

وقوله - عزو جل -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾ : قرئت هذه الآية على نصب الذال والثاء، وعلى الخفض فيهما: فمن قرأهما على الخفض فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن العذاب في الدنيا وإن اشتد من الملوك على الإنسان، فهو لا يبلغ عذاب الله  لأعدائه في الآخرة وإن خف.

أو ﴿ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ﴾ ، أي: لا ينبغي لأحد في الدنيا أن يعذب أحدا بعذاب الله -  - وهو النار، كما روي عن النبي  أنه قال: "لا يعذب أحد بعذا الله  " وإن كان على النصب، فهو يحتمل وجهين أيضا: أحدهما: أن يكون التأويل منصرفا إلى صنف من الكفرة، وهم الذي بلغوا في الكفر أعلى مراتبه؛ فلا يعذب من دونهم بعذابهم.

والثاني: ألا يعذب أحد مكان أحد كما يفعله ملوك الدنيا في أنهم يعذبون الوالد مكان الولد، ويعذبون من يتصل بالذين استوجبوا العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ : فالمطمئنة: هي الساكنة التي لا ترتاب، ولا تضطرب؛ فتكون طمأنينتها بوعد الله ووعيده، وأمره ونهيه، وتوحيده.

ثم يجوز أن يكون هذا في أمر الدنيا؛ فيكون قوله - عز وجل -: ﴿ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ ﴾ ، أي: ارجعي إلى ما أمرك ربك ﴿ رَاضِيَةً ﴾ بوعد الله ووعيده؛ فتكون راضية بالذي وعد لها في الآخرة جزاء لكدحها وسعيها في الدنيا، ﴿ مَّرْضِيَّةً ﴾ عند الله  .

﴿ فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي ﴾ ، اي: مع عبادي الصالحين.

﴿ وَٱدْخُلِي جَنَّتِي ﴾ ، أي: ادخلي فيما يستوجب به الجنة.

وجائز أن يكون هذا في الآخرة، وهو: أن يقال للنفس التي اطمأنت في الدنيا بوعد الله ووعيده، وعملت بطاعته: ﴿ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي ﴾ .

وقيل: ﴿ يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ بالدنيا ﴿ ٱرْجِعِي ﴾ إلى طلب الآخرة، وما أعد الله  لأوليائه فيها.

وقيل: ﴿ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ على عباده، ﴿ ٱرْجِعِي ﴾ إلى طاعة الله  ؛ فإنك إذا فعلت ذلك، رضي الله  عنك، ورضيت بعطاء الله  وثوابه إياك في الآخرة، والله أعلم [بالصواب، وإليه المرجع و المآب].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وتحبون المال حبًّا كثيرًا، فتبخلون بإنفاقه في سبيل الله حرصًا عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.VgoAj"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كثر خلاف المفسرين والرواة في معنى كل من (الفجر وليال عشر) إلى آخر ما أقسم به.

وقد يفسر الواحد منهم الفجر بمعنى، ثم يأتي في الليالي العشر بما لا يلائمه.

وغالب ذلك يجري على خلاف ما عودنا الله في نسق كتابه الكريم، وقد جرت سنة الكتاب بأنه إذا أُريد تعيين يوم أو وقت ذكره بعينه: كيوم القيامة في لا ﴿ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ  ﴾ ، وكاليوم الموعود في سورة ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوُجِ  ﴾ وكليلة القدر في سورتها.

فإذا أطلق الزمن ولم يقيد، كان المراد ما يعمه معنى الاسم، كما سبق في قوله: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ  وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ  ﴾ .

فالفجر ههنا -على هذا- هو جنس ذلك الوقت المعروف الذي يظهر فيه بياض النهار في جلد الليل الأسود، وينبعث الضياء لمطاردة الظلام، وهو وقت تنفس الصبح، وهو معهود في كل يوم فصح أن يُعَرَّف بالألف واللام.

والمراد -والله أعلم- من ﴿ لَيَالٍ عَشْرٍ  ﴾ ليال يتشابه حالها مع حال الفجر، وهي ما يكون ضوء القمر فيها مطاردًا لظلام الليل إلى أن تغلبه الظلمة.

فكأنه وضع التناسب على شيء من التقابل، فضوء الصبح يهزم ظلمة الليل، ثم يسطع النهار ولا يزال الضوء إلى الليل.

وضوء الأهلة في عشر ليال من أول كل شهر يشق الظلام ثم لا يزال الظلام يغالبه إلى أن يغلبه فيسدل على الكون حجبه.

ولما كانت هذه الليالي العشر غير متعينة في كل شهر ذكرها منكرة، وذلك أن ضوء الهلال قد يظهر حتى يغلب أول الظلمة في أول ليلة من الشهر، وقد يكون ضئيلًا يغيب ضوؤه في الشفق فلا يعد شيئًا.

فالليالي العشر تبتدئ تارة من أول ليلة وأُخرى من الليلة الثانية، لذلك نكرها على أنها ليال عشر من كل شهر.

﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر  ﴾ : أي الزوج والفرد من هذه الليالي أيضًا.

فهو يقسم بها على الجملة، ثم يقسم بما حوته من زوج وفرد.

ثم بعد أن أقسم بضروب من أوقات الضياء، أقسم بالليل، مرادًا منه الظلمة، وكثيرًا ما يطلق اسم الليل وتراد ظلمته.

وسريان الظلمة ودخولها على المبصرات حتى تسترها أمر معروف عند المخاطبين.

ولما كان ظلام الليل واختلاط قطعة عظيمة منه بضوء القمر في الليلة الواحدة مقصودًا إلى تفخيم أمره بالقسم، خص الليالي التي يظهر فيها ضوء القمر مع تغلب الظلام فيها بعشر فقط، وإلا فقد يكون ظلام في أكثر من عشر من الشهر لكن زمنه قليل لا يليق ذكره بمقام التفخيم.

وفي الفجر وتفريجه كربة الليل من جهة وتنبيه العامل إلى استقبال عمله بالنهار من جهة أُخرى.

وفي ليالي القمر واستمالتها الأنفس للسمر، وتيسير السير في السفر -خصوصًا أيام الحر، وهي أغلب أيام الحياة في بلاد العرب- ثم في قصر مدة بقاء القمر، وانتظار هجوم الظلمة، وابتغاء الغنيمة مع الاستعداد للسكون عندما يرخي الظلام ستاره، في كل ذلك رغبات للأنفس ورهبات، وللهواجس غدوات وروحات وللأماني فيها دبيب ووثبات، فهو جدير أن يقسم به.

كما قال ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ  ﴾ .

الحجر، بكسر الحاء، العقل، والاستفهام للتقرير وتفخيم أمر المقسم به.

وليس في هذه السورة قسم بالضوء الخالص كبياض النهار، وما يكون في ليالي القمر عند امتلائه، بل ذلك سيجيء قوله ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا  وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا  ﴾ فلينتبه إلى هذه الدقائق حتى لا يفوت العقل ما فيها من الحقائق.

وقد وقع هذا القسم في هذه السورة.

بعد قوله في آخر السورة السابقة ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ  ﴾ وقبل قوله في السورة ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ  ﴾ إلخ.

فكان جوابه مفهومًا لا يحتاج إلى ذكر، وفي تركه إرسال لنفس القارئ في تأمل ما مضى وما يتبع ليجد الجواب بينهما فيتمكن المعنى منه فضل تمكن، والجواب أن ناصية المكذبين لبيدي، ولئن أمهلتهم فلن أهملهم ولآخذنهم أخذي الأمم قبلهم.

(عاد) جيل من العرب العاربة أو البائدة، يقول النسابون إنه من ولد عوص بن إرم بن سام بن نوح  ، وسواء صح النسب أم لم يصح، فقد كان ذلك الجيل معروفًا باسم عاد ويلقب أيضًا بإرم، وبقي مشهورًا عند العرب بذلك و(ذات العماد) وصف لإرم التي هي قبيلة عاد نفسها.

ومعنى ذات العماد: سكان الخيام حلًّا وارتحالًا، أو ذات العماد الرفيعة والقوة المنيعة.

عبر بالعماد عن العلو والشرف والقوة.

وكانت منازلهم بالرمال والأحقاف إلى حضر موت.

وقد بلغت عاد من الشدة والقوة مبلغًا لم يصل إليه سواها في عهدها ولذلك قال: ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ  ﴾ .

والاستفهام في ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ  ﴾ للتذكير والتقرير.

وقد بيّن الله كيف فعل بهم في سور أُخرى من القرآن، فقد جاء في سورة الحاقة ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ  سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا  ﴾ والصرصر: الباردة.

والعاتية: الشديدة الهبوب، لا بركة فيها.

والحسوم المتتابعات المشائيم.

وقد يروي المفسرون هنا حكايات في تصوير إرم ذات العماد كان يجب أن ينزه عنها كتاب الله، فإذا وقع إليك شيء من كتبهم، ونظرت في هذا الموضع منها، فتخط ببصرك ما تجده في وصف إرم، وإياك أن تنظر فيه.

وثمود قبيلة من العرب البائدة كذلك، من ولد "كاثر" وهو المسمى في التوراة "جاثر" بن إرم بن سام.

وإرم هو المعروف في التوراة "بآرام"، هكذا يذكر النسابون، وسواء صح النسب أم لم يصح، فثمود معروفة عند العرب باسمها، ومنزلها بالحجر بين الشام والحجاز.

﴿ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ  ﴾ أي قطعوا الصخر ونحتوه، كما قال تعالى: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ  ﴾ فقد انعم الله عليهم بالقوة والعقل حتى صنعوا لأنفسهم بيوتًا من الصخر بذلك الوادي الذي كانوا يقيمون فيه.

وقد يصح ما قال بعضهم إن معنى (جابوا الصخر بالواد)، أنهم قطعوا الصخر، واتخذوا منه واديًا يخزنون فيه الماء لمنافعهم.

ولا يفعل ذلك إلا أهل القوة والفهم من الأمم.

(وفرعون): هم حاكم مصر الذي كان في عهد موسي  .

وللمفسرين في الأوتاد اختلاف كبير، وأظهر أقوالهم ملائمة للحقيقة أن الأوتاد المباني العظيمة الثابتة، وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد!

فإنها هي الأهرام، ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة في أقسامها شكل الأوتاد المقلوبة، يبتدئ القسم عريضًا، وينتهي بأدق مما ابتدأ وهذه هي الأوتاد يصح نسبتها إلى فرعون على إنها معهودة للمخاطبين.

﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ  ﴾ : صفة للمذكرين جميعًا من عاد وما بعدها، ومعنى طغيانهم في البلاد إن كل قوم من هذه الأقوام طغوا في بلدهم، والطغيان تجاوز القدر المعروف في العمل أو غيره، وهو هنا سوء استعمال السلطان والقوة، والخروج بهما عن حد القصد والمعدلة، والإسراف في هضم الحقوق اغترارًا بعظم القدرة.

من أوتي القوة فسخرها لسلطان الشهوة فتناول ما ليس له، ومنه الحق أهله، فقد عمل على تبديد نظام الجماعة، وتقطيع روابط الألفة بينهم، وحمل كل نفس على اتخاذ الأثرة قاعدة عملها، ومصدر سيرها في سعيها، فيكثر الفساد، إذ لا معنى للفساد في شيء إلا اختلال نظامه وهلاك قوامه، ومتى تحكمت الأثرة في أنفس قوم، وغفل كل واحد منهم على ارتباط وجوه بوجود الآخر، عمل بعضهم لإهلاك بعض، وانتهي الأمر بهم الانمحاء من سجل الأمم القائمة..

لهذا قال: ﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ  ﴾ بعد إن قال: ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ  ﴾ .

ثم جاء بعد ذكر كثرة الفساد بعاقبتها التي لا مفر للأمم منها فقال: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ  ﴾ .

والسوط لفظ شاع استعماله في الجلد المضفور الذي يضرب به، وان كان في الأصل اسمًا للخلط والمزج.

وقد شبه الله ما يصبه عليهم من ضروب العذاب التي ذكرها في كتابه في مواضع أخر بالسوط لأن السوط يضرب به في العقوبات، والله تعالى إنما ينزل العذاب بالأمم عقوبة لها على ما يفرط منها، وصب السوط: إنزاله بشدة مع توالي ضرباته بلا انقطاع.

(المرصاد): المكان الذي يقوم به الرصد، وهو القوم الذين يرصدون، أي يرقبون بالخير أو الشر.

والكلام على التمثيل: أي إن ربك القائم بتدبير أمرك رقيب على عباده لا يفوته من شؤونهم شيء، ثم هو مجاز كل عامل بعمله فلا يفلته احد، فلا يظنن أهل الطغيان الذين يكثرون في الأرض الفساد إن يتلفتوا من الله وعقابه.

والجملة تأكيد لجواب القسم المفهوم من سابق الكلام ولاحقه -على ما سبق تقديره- أو هي تعليل لتعذيب الله من ذكر من الأمم بسبب طغيانهم وإفسادهم في أُمورهم.

هذا شان ربك لا يفوته في شؤون عباده نقير ولا قطمير، ولا يهمل أُمة تعدت في أعمالها حدود شرائعه القوية، بل يأخذها بذنوبها أخذ العزيز المقتدر، كما أن الراصد القائم على الطريق ليأخذ من يمر به بما يريده من خير أو شر، لا يفرط بما رصد له.

فإذا أردت أن تعرف شان الإنسان وغفلته وسوء ظنه بربه، فهو ما يتلي عليك، وبهذا البيان تعرف موقع الفاء في قوله ﴿ فَأَمَّا الإنسان  ﴾ إلخ، كأنه قال هذا شأن ربك، وسيتلى عليك شأن الإنسان عقب ما تلوث من شأن ربك.

(الابتلاء): الاختبار.

ويقال بلاه يبلوه وابتلاه يبتليه بالخير والشر ليظهر ما لديه من شكر وكفر، وقوله ﴿ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ  ﴾ بيان لأثر الابتلاء، كما إن قوله فيما بعد ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ  ﴾ : أي ضيقه عليه، بيان لأثر الابتلاء في الآية الآتية وبقية الألفاظ مفهومة المعنى.

وحاصل ما ذكر الله من شان الإنسان في هاتين الآيتين: أنه إذا أنعم الله عليه وأوسع له في الرزق، ظن أن الله قد اصطفاه لذلك ورفعه على من سواه وجنبه منازل العقوبة، فيذهب مع هواه فيفعل ما يشتهي، ولا يبالي أكان ما يصنع خيرًا أم شرًا فيطغني ويفسد في الأرض.

وقد عبر عن هذا الظن الفاسد والغرور المهلك بقوله ﴿ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ  ﴾ .

أي إن الله أكرمني بنعمته، ومن يكرمه الله لا يؤاخذه على عمل يعمله وإذا امتحنه الله بالفقر فضيق عليه الرزق، وربما كان ذلك من الله لا عن إهانة له ولا إرادة لإذلاله، بل ليمحص قلبه بالإخلاص له، وليظهر قوة صبره، بل لتزهر تلك القوي الجليلة التي قد تكون كامنة فيه، كما تظهر آيات ذلك في كثير من أرباب العزائم وذوي الأعمال العظائم، فإن الفقر لا يزيدهم إلا شكرًا، ولا تزداد قواهم به إلا شحذًا، فإذا امتحن الله الأغلب من البشر بالفقر، لم يستعمل صحيح الفكر، ولم يعتصم بالصبر، بل ذهب يقول إن ربي قد أهانن، ومن أهانه الله وصغرت قيمته عنده، لم تكن لله عناية بعمله، فكيف يؤاخذه بما يصدر منه من شر، أو يكافئه على ما يصنع من خير؟

فلا شكره يكافأ بإحسان، ولا كفره يجازي بعقوبة، فينطلق لذلك يكسب عيشه بأية وسيلة عَنَّت له، لا يقف عند حد، ولا تحجزه شريعة فيلتقي مع الجبارين في سبيل واحدة: سبيل الفجور وبخس الحقوق وإفساد نام العامة.

وأنت ترى أن أحوال الناس إلى اليوم لا تزال كما ذكر الله في هذه الآية الكريمة.

فان أرباب السلطة والقوة يظنون أنهم في امن من عقاب الله، ولا يعرفون شيئًا من شرعه يمنعهم عملًا مما تسوق إليه شهواتهم، وإنما يذكرون الله بألسنتهم، ولا يعرفون له سلطانًا على قلوبهم، والفقراء الأذلاء قد صغرت نفوسهم عند أنفسهم، فهم لا يبالون بما يفعلون، وإذا ذكروا الله فإنما هي حروف وأصوات لا تمتاز في منفعتها عن أصوات بقية العجماوات.

تلك حالة الإنسان الذي لم يمتعه الله بعقل سليم ودين صحيح، أما الذين أنعم الله عليهم بنعمة العقل والدين، فأولئك الذين ترتقي إلى مثل حالهم مرتبة الإنسان، فيفارقون تلك الغرائز الحيوانية الأولي، ويعلون إلى المقام الذي لا تذهلهم فيه القوة، ولا يشغلهم فيه الفقر عن مراعاة الحدود المعروفة فيما هو حق لهم أو عليهم.

ومعنى هذه الآية يميل إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلَّا الْمُصَلِّينَ  ﴾ .

تعلم إن المخاطبين بهذه الآية كانوا يزعمون أنهم على شيء من دين إبراهيم، أو أنهم كانوا يدعون إن لهم دينًا يأمرهم وينهاهم ويقربهم إلى الله زلفى، فإذا سمعوا هذا التهديد وذلك الوعيد، ورأوا في الخطاب ما ينعي عليهم فساد غرائزهم، همت نفوسهم بمدافعة ما يفجعهم من ذلك، وأخذت توسوس لهم بان هذا الكلام إنما ينطبق على أناس ممن سواهم، أما هم فهم لم يزالوا من الشاكرين الذاكرين غير الغافلين، فالله يرد عليهم زعمهم ويقيم لهم دليلًا واضحًا على كذب ما تحدثهم به أنفسهم.

ويقول ﴿ كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ  ﴾ إلخ، أي لو كان غنيكم لم يعمه الطغيان، وفقيركم لم يطمس بصيرته الهوان، وكنتم لا تزالون على الحال التي يرتقي إليها الإنسان لشعرت نفوسكم بما عسي يقع فيه اليتيم، فعنيتم بإكرامه، فان الذي يفقد أباه معرض لفساد طبيعته إذا أُهملت تربيته، ولم يعامل بما فيه إكرامه وما فيه رفع نفسه عن دنايا الأمور وسفاسفها، ولو كنتم على ما تحدثكم به أنفسكم من الصلاح لوجدتم الشفقة تحرك قلوبكم إلى التعاون على طعام المسكين الذي لا يجد ما يقتات به مع العجز عن تحصيله.

(والتحاض): تفاعل من الحض، وهو الحث والترغيب، وربما بسطنا القول في حكمه الله جل شأنه في العناية بشان اليتيم والإكثار في كتابه الكريم من ذكره، والحث على إصلاح أمره في محل أخر إن شاء الله.

وإذا لم تكرموا اليتيم، ولو يوصِ بعضكم بعضًا بطعام المسكين، فقد كذبت مزاعمكم في أنكم من قوم صالحين، وإنما ذكر التحاض على الطعام، ولم يكتف بالإطعام، فيقول ولم تطعموا المسكين، ليصرح لك بالبيان الجلي إن أفراد الأمة متكافلون، وأنه يجب أن يكون لبعضهم على بعض عطف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع التزام كل لما يأمر به وابتعاده عما ينهي عنه.

ثم إن إهمالكم أمر اليتيم، وخلو قلوبكم من الرحمة للمسكين، لم يكن عن زهد في لذائد الحياة الدنيا، كما هو شأن بعض من يسام الحياة ولا يكون له هم إلا التخلص من متاعبها، فيكفف على شأن نفسه، وينخزل من العالم، ولا يهتم بشؤونهم، بل إنكم مع ذلك ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا  ﴾ .

والتراث: الميراث.

واللم: الشديد كما ذهب إليه جمهور اللغويين.

ولا حاجة إلى تفسيره بمعني الجمع، ثم ارتكاب التأويل، أي أنكم تأكلون المال الذي يتركه من يتوفي منكم، وتشتدون في أكله حتى تحرموا صاحب الحق من حقه.

﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ  ﴾ مطلقًا ميراثًا أو غيره ﴿ حُبًّا جَمًّا  ﴾ أي كثيرًا، ولو كنتم ممن لم يبال بالدنيا وأهلها لتركتم ما يترك الأموات لأيتامهم وفقراء أهلهم، ولما شاركتموهم في شيء لا كسب لكم فيه ولا دخل لأعمالكم في تحصيله، ولما ازداد حبكم في المال إلى الحد الذي أنتم عليه.

فشرهكم إلى المال، وقرمكم إلى اللذات، وانصراف أنفسكم إلى التمتع بها، وشعوركم بمقدار الحاجة إلى المال في تقويم شؤونكم، ثم قسوة قلوبكم، وشلل وجدانكم إلى حد لا يألم الحال المسكين، ولا ينظر إلى ما تجر إليه الاستهانة بشؤون اليتامى من فساد أخلاقهم وتعطيل قواهم، وانتشار العدوى منهم إلى معاشريهم وما يصيب الأمة من ذلك.

كل هذا منكم دليل على أن ما تزعمونه من اعتقادكم بإله يأمركم وينهاكم، وأن لكم دينًا يعظكم، زعم باطل.

وإذا غششتم أنفسكم بدعوى أنكم تتذكرون الزواجر وتراعون الأوامر مع بقائكم على ما وصف من حالكم، فإنما ذلك منكم مقال لا تصدقه فعال.

(الدك): الهدم، وكسر الحائط والجبل.

و(دكًا دكًا): أي دكًا متتابعًا و صفًا صفًا أي صفوفًا متعددة ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ  ﴾ هو كقوله تعالى ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى  ﴾ أي كشفت جهنم للناظرين بعد أن كانت غائبة عنهم، فكأنها كانت بعيدة وجاءت إليهم، أما إسناد المجيء إلى الله في قوله: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ  ﴾ ، ففيه رأي السلف  ، وهو أن ذلك مجيء نؤمن به ولا نطلب معناه، ولكنه يمثل لنا الهيبة والعظمة وظهور السلطان الإلهي في ذلك اليوم، وهو الأفضل.

وفيه مذهب الخلف، وهو أنه على تقدير، وجاء أمر ربك، أو أنه من قبيل التمثيل لتجلي السطوة الإلهية على القلوب كما تتجلي أبهة الملك للأعين إذا جاء في جيوشه ومواكبه -ولله المثل الأعلى- (والتذكر): استحضار ما كان منسيًا.

والذكرى تطلق ويراد منها العظة والعبرة، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ  ﴾ ولا يلزم من حضور ما كان منسيًا أن تحصل العبرة، فإن العبرة إنما تكون حيث ينفع الاعتبار، فلذلك قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان  ﴾ أي عند ذلك تذهب الغفلة ويذكر الإنسان الغافل ما كان منه أيام غفلته، ولكن لا تكون له ذكرى أي عظة فينتفع بها.

و ﴿ قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي  ﴾ أي قدمت عملًا ينفعني في حياتي الحقيقية وهي الحياة الآخرة.

قرئ (يعذب ويوثق) مبنيًا للمجهول، أي يومئذ لا يصاب أحد بعذاب مثل العذاب الذي يصيب ذلك الإنسان الذي أبطره الغني وأفسده الفقر، ولا يحبس أحد حبسه، فإن الوثاق معناه الشد والربط كما يكون بالسلاسل والأغلال، وقرئ الفعلان بالبناء للفاعل، أي لا يقع من المعذبين وصانعي العذاب مثل العذاب الذي يقع على ذلك الإنسان، فالمعني واحد في الوجهين.

ومعنى الآيات الكريمة أن ما يزعمه الأغنياء الجبارون والفقراء الخاسرون من أنهم لربهم ذاكرون - مع فراغ قلوبهم من الرأفة بالضعفاء، وامتلائها بحب المال، وفيضانها بالميل إلى الشهوات زعم لا حقيقة له، وإنما يتذكرون ربهم على الحقيقة في ذلك اليوم العظيم عندما يشهدون الهول، ويعوزهم الحول، ويظهر له مكانهم من العذاب والنكال.

ولكن ليس في هذا التذكر موعظة تحمل على العمل النافع.

فان تلك الدار دار جزاء لا دار أعمال وإنما يبقي لأولئك الخاسرين الحسرة والندامة، ويقول قائلهم: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي  ﴾ .

وتكرر ذكر اليوم في قوله أولًا ﴿ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ  ﴾ إلخ.

ليقوي عندك استحضار دك الأرض، وظهور الجلال الإلهي، ثم إن التنوين في يومئذ الأولى نائب عن دكت الأرض ومجيء ربك والملك، وفي يومئذ يتذكر نائب عن ذلك وعن مجيء جهنم، وفي يومئذ الثالثة ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ  ﴾ إلخ، ينوب التنوين عما تقدم وعما تضمنه قوله: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي  ﴾ .

فكأنه قال: وجيء يوم تدك الأرض ويجيء ربك والملك صفًا صفًا بجهنم يوم تدك الأرض ويأتي ربك ويجاء بجهنم يتذكر الإنسان إلخ.

فيوم تهدم الأرض، ويأتي ربك، ويجاء بجهنم، ويتذكر الإنسان ويقول (يا ليتني قدمت لحياتي - لا يعذب عذابه أحد، إلخ).

ولا يخفي ما في ذلك من تقوية الذكرى لمن له قلب يذكر ووجدان يشعر.

بعد أن ذكر حال الإنسان وقد خلي وطبعه وحرصه وجشعه، واستولت عليه رغبات جسمه، وخرجت به عن سلطان العقل وحكمه، ثم ذكر عاقبته وما يصير إليه في الحياة الأخرى، انتقل بنا إلى ذكر الإنسان إذا ارتقي عن ذلك الطبع، وترفع عن مراتع الحيوانية، واستعلى برغائبه إلى المطامح الروحانية، فكان في الغني شاكرًا، لا يتناول إلا الحق، ولا يمنع صاحب الحق حقًا، ويعنى بحال اليتيم، ويطعم المسكين، ويحمل غيره على الاقتداء به فيما هو خير له ولمن حوله، وكان في الفقر صابرًا لا يمد يده إلى مال ليس من حقه، ولا يأتي الدنية، ولا يطلب لغيره الرزية، ولا يغفل -مع فقره- شان اليتيم، ولا يغفل عما يألم له المسكين..

فإذا لم تمكنه المعونة بالمال أمكنته المساعدة بالمقال، وبهذا يستحق وصف المطمئن، فإن راكن إلى ربه في جميع أمره، واقف عند شرعه، ثابت القدم بمعرفة الحق والسلوك في سبيله، لا تزعزعه الشهوات، ولا تضطرب به الرغبات، ويستحق أن يخاطب باسم النفس التي هي روح تنزع إلى ما يليق بالروح، ولا ينادي باسم الإنسان الذي يشير إلى ما في تكوينه من النزعة الحيوانية، لأنه لم يسلطها عليه، بل استخدمها لتكميل نفسه وإرجاعها إلى معهدها المقدس، فكانت جديرة بجوار ربها، وهي راضية بعملها في الدنيا وبمرجعها في الآخرة، لأنها لم تكن قط ساخطة، لا هي تسخط في غناها، ولا تسخط حالها في فقرها، ولا تسخط صنيع ربها بها، وهي مرضية لان من كانوا معها في الدنيا راضون عنها لحسن صنعها، والله راض عنها لصلاح عملها.

فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ  ﴾ .

ومفاجأة السامع بهذا النداء ضرب من ضروب إيجاز القران التي لا تخطر لبشر على بال، فان التقي الخائف الذي يخاف مقام ربه -إذا سمع ذلك الوعيد المتقدم- أخذت الرهبة نفسه، وأفعمت الخشية قلبه، فبينا هو كذلك إذ ينقذه هذا النداء، ويصعد به إلى أكرم فناء، ويصفه بالمطمئن ليذهب عنه الخوف، وبالراضي المرضي ليبعد عنه خشية الغضب، أما الشقي فقد يلهو بأنه ليس وحده في الشقاء، بل الناس في كل ما يوعد به سواء، فيفجعه نداء الأبرار بأوصاف الخيار إلى قرب الجوار فتبغته الدهشة وتفزعه الوحشة.

الرجوع إلى الله تمثيل للكرامة عنده، وإلا فالله معنا حيث كنا.

والدخول في عباده أن تكون منهم.

والعباد الذين يستحقون نسبة الاختصاص به، هم العباد المكرمون.

والجنة معروفة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر