تفسير الآية ٢٠ من سورة الليل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 92 الليل > الآية ٢٠ من سورة الليل

إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ ٢٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 43 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٠ من سورة الليل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة الليل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

"ابتغاء وجه ربه الأعلى" أي طمعا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن هؤلاء، ينبغي أن يكون قوله: ( إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى ) نصبا على الاستثناء من معنى قوله: ( وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ) لأن معنى الكلام: وما يؤتي الذي يؤتي من ماله ملتمسا من أحد ثوابه، إلا ابتغاء وجه ربه.

وجائز أن يكون نصبه على مخالفة ما بعد إلا ما قبلها، كما قال النابغة: ...

...

...

...

...

...

...

...

...

..

....

وَمــا بــالرَّبْعِ مِــنْ أحَــدِ إلا أَوَارِيَّ لأيًـــا مـــا أُبَيِّنُهــا ...

...

...

...

...

...

...

...

...

(3)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إلا ابتغاء أي لكن ابتغاء فهو استثناء منقطع فلذلك نصبت .

كقولك : ما في الدار أحد إلا حمارا .

ويجوز الرفع .

وقرأ يحيى بن وثاب إلا ابتغاء وجه ربه بالرفع ، على لغة من يقول : يجوز الرفع في المستثنى .

وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبي خازم :أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها إلا الجآذر والظلمان تختلفوقول القائل :وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيسوفي التنزيل : ما فعلوه إلا قليل منهم وقد تقدم .وجه ربه الأعلى أي مرضاته وما يقرب منه .

والأعلى من نعت الرب الذي استحق صفات العلو .

ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه مفعولا له على المعنى ; لأن معنى الكلام : لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه ، لا لمكافأة نعمته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى } هذا الأتقى بما يعطيه الله من أنواع الكرامات والمثوبات، والحمد لله رب العالمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"إلا"، لكن "ابتغاء وجه ربه الأعلى"، يعني: لا يفعل ذلك مجازاة لأحد بيد له عنده، ولكنه يفعله وجه ربه الأعلى وطلب رضاه.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إلا» لكن فعل ذلك «ابتغاء وجه ربه الأعلى» أي طلب ثواب الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وسيُزحزَح عنها شديد التقوى، الذي يبذل ماله ابتغاء المزيد من الخير.

وليس إنفاقه ذاك مكافأة لمن أسدى إليه معروفا، لكنه يبتغي بذلك وجه ربه الأعلى ورضاه، ولسوف يعطيه الله في الجنة ما يرضى به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الآلوسى : وقوله : ( إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى ) منصوب على الاستثناء المنقطع من قوله : ( مِن نِّعْمَةٍ ) لأن الابتغاء لا يندرج فيها ، فالمعنى : لكنه فعل ذلك لابتغاء وجه ربه - سبحانه - وطلب رضاه ، لا لمكافأة لأحد على نعمة .وجوز أن يكون نصبه على أنه مفعول لأجله ، أى : لا يؤتى ماله لأجل شئ من الأشياء إلا لأجل طلب رضا ربه ، لا لأجل شئ آخر ، فهو استثناء مفرغ من أعم العلل والأسباب ..

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

معنى سيجنبها أي سيبعدها ويجعل منها على جانب يقال: جنبته الشيء أي بعدته وجنبته عنه، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أجمع المفسرون منا على أن المراد منه أبو بكر رضي الله تعالى عنه.

واعلم أن الشيعة بأسرهم ينكرون هذه الرواية، ويقولون: إنها نزلت في حق علي بن أبي طالب عليه السلام والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ رَاكِعُونَ  ﴾ فقوله: ﴿ الأتقى * الذي يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى ﴾ إشارة إلى ما في الآية من قوله: ﴿ يُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ ولما ذكر ذلك بعضهم في محضري قلت: أقيم الدلالة العقلية على أن المراد من هذه الآية أبو بكر وتقريرها: أن المراد من هذا الأتقى هو أفضل الخلق، فإذا كان كذلك، وجب أن يكون المراد هو أبو بكر، فهاتان المقدمتان متى صحتا صح المقصود، إنما قلنا: إن المراد من هذا الأتقى أفضل الخلق لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم  ﴾ والأكرم هو الأفضل، فدل على أن كل من كان أتقى وجب أن يكون أفضل، فإن قيل: الآية دلت على أن كل من كان أكرم كان أتقى، وذلك لا يقتضي أن كل من كان أتقى كان أكرم، قلنا وصف كون الإنسان أتقى معلوم مشاهد، ووصف كونه أفضل غير معلوم ولا مشاهد، والإخبار عن المعلوم بغير المعلوم هو الطريق الحسن، أما عكسه فغير مفيد، فتقدير الآية كأنه وقعت الشبهة في أن الأكرم عند الله من هو؟

فقيل: هو الأتقى، وإذا كان كذلك كان التقدير أتقاكم أكرمكم عند الله، فثبت أن الأتقى المذكور هاهنا لابد وأن يكون أفضل الخلق عند الله، فنقول: لابد وأن يكون المراد به أبا بكر لأن الأمة مجمعة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله، إما أبو بكر أو علي، ولا يمكن حمل هذه الآية على علي بن أبي طالب، فتعين حملها على أبي بكر، وإنما قلنا: إنه لا يمكن حملها على علي بن أبي طالب لأنه قال في صفة هذا الأتقى: ﴿ وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى ﴾ وهذا الوصف لا يصدق على علي بن أبي طالب، لأنه كان في تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخذه من أبيه وكان يطعمه ويسقيه، ويكسوه، ويربيه، وكان الرسول منعماً عليه نعمة يجب جزاؤها، أما أبو بكر فلم يكن للنبي عليه الصلاة والسلام عليه دنيوية، بل أبو بكر كان ينفق على الرسول عليه السلام بل كان للرسول عليه السلام عليه نعمة الهداية والإرشاد إلى الدين، إلا أن هذا لا يجزى، لقوله تعالى: ﴿ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ  ﴾ والمذكور هاهنا ليس مطلق النعمة بل نعمة تجزى، فعلمنا أن هذه الآية لا تصلح لعلي بن أبي طالب، وإذا ثبت أن المراد بهذه الآية من كان أفضل الخلق وثبت أن ذلك الأفضل من الأمة، إما أبو بكر أو علي، وثبت أن الآية غير صالحة لعلي، تعين حملها على أبي بكر رضي الله عنه، وثبت دلالة الآية أيضاً على أن أبا بكر أفضل الأمة، وأما الرواية فهي أنه كان بلال (عبداً) لعبد الله بن جدعان، فسلح على الأصنام فشكا إليه المشركون فعله، فوهبه لهم، ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم، فأخذوه وجعلوا يعذبونه في الرمضاء وهو يقول: أحد، أحد، فمر به رسول الله، وقال: ينجيك أحد، أحد.

ثم أخبر رسول الله أبا بكر أن بلالاً يعذب في الله: فحمل أبو بكر رطلاً من ذهب فابتاعه به، فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده، فنزل: ﴿ وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى * إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى ﴾ وقال ابن الزبير وهو على المنبر: كان أبو بكر يشتري الضعفة من العبيد فيعتقهم، فقال له أبوه: يا بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد.

فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف في محل: ﴿ يتزكى ﴾ وجهان: إن جعلت بدلاً من يؤتي فلا محل له، لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها.

وإن جعلته حالاً من الضمير في ﴿ يُؤْتِي ﴾ فمحله النصب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا للهدى ﴾ إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل وبيان الشرائع ﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلاَّخِرَةَ والأولى ﴾ أي: ثواب الدّارين للمهتدي، كقوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ [العنكبوت: 27] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى ﴾ تَتَلَهَّبُ.

﴿ لا يَصْلاها ﴾ لا يَلْزَمُها مُقاسِيًا شِدَّتَها.

﴿ إلا الأشْقى ﴾ إلّا الكافِرُ فَإنَّ الفاسِقَ وإنْ دَخَلَها لا يَلْزَمُها ولِذَلِكَ سَمّاهُ أشْقى ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ أيْ كَذَّبَ الحَقَّ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ.

﴿ وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى ﴾ الَّذِي اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها ويَصْلاها، ومَفْهُومُ ذَلِكَ أنَّ مَنِ اتَّقى الشِّرْكَ دُونَ المَعْصِيَةِ لا يُجَنَّبُها ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ صِلِيَّها فَلا يُخالِفُ الحَصْرَ السّابِقَ.

﴿ الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ ﴾ يَصْرِفُهُ في مَصارِفِ الخَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ يَتَزَكّى ﴾ فَإنَّهُ بَدَلٌ مِن يُؤْتِي أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)

{وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ} أي وما لأحد عند الله نعمة يجازيه بها إلا أن يفعل فعلا يبتغى به وجه فيجازيه عليه {الأعلى} هو الرفيع بسلطانه المنيع في شأنه وبرهانه ولم يرد به العلو من حيث المكان فذا آية الحدثان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ مِن نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ الِابْتِغاءَ لا يَنْدَرِجُ فِيها فالمَعْنى: لَكِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ وطَلَبِ رِضاهُ عَزَّ وجَلَّ لا لِمُكافَأةِ نِعْمَةٍ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: «ابْتِغاءُ» بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ «مِن نِعْمَةٍ» فَإنَّهُ الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ أوْ عَلى الِابْتِداءِ ومِن مَزِيدَةٌ والرَّفْعُ في مِثْلِ ذَلِكَ لُغَةُ تَمِيمٍ وعَلَيْها قَوْلُهُ: وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ ورُوِيَ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ عَلى ما في البَحْرِ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: أضْحَتْ خَلاءً قِفارًا لا أنِيسَ بِها ∗∗∗ إلّا الجَآذِرُ والظِّلْمانُ تَخْتَلِفُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ لا يُؤْتِي ما لَهُ لِأجْلِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأجْلِ طَلَبِ رِضا رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِمُكافَأةِ نِعْمَةٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ والأسْبابِ، وإنَّما أُوِّلَ لِأنَّ الكَلامَ أعْنِي ﴿ يُؤْتِي مالَهُ ﴾ مُوجَبٌ، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ يَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ عِنْدَ الجُمْهُورِ لَكِنَّهُ لَمّا عُقِّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما لأحَدٍ ﴾ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: أوَلا يَتَزَكّى؟

مُتَضَمِّنًا نَفْيَ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ دَلَّ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «إلّا ابْتِغا» مَقْصُورٌ وفِيهِ احْتِمالُ النَّصْبِ والرَّفْعِ.

وهَذِهِ الآياتُ عَلى ما سَمِعْتَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِما أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ رِقابًا ضِعافًا فَقالَ لَهُ أبُوهُ ما قالَ وأجابَهُ هو بِما أجابَ، وقَدْ أوْضَحْتُ ما أبْهَمَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قَوْلِهِ فِيهِ: إنَّما أُرِيدُ ما أُرِيدُ.

وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ عَساكِرَ أنَّهُ قالَ: أيْ أبَهْ، إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وفي رِوايَةِ عَطاءٍ والضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا وكانَ رَقِيقًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ يُعَذِّبُهُ لِإسْلامِهِ بِرِطْلٍ مِن ذَهَبٍ فَأعْتَقَهُ فَقالَ المُشْرِكُونَ: ما أعْتَقَهُ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لَهُ عِنْدَهُ، فَنَزَلَتْ وهو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أحَدُ الَّذِينَ عُذِّبُوا لِإسْلامِهِمْ فاشْتَراهُمُ الصَّدِيقُ وأعْتَقَهم.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: بِلالٌ وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها وزِنِّيرَةُ وأُمُّ عُبَيْسٍ وأمَةُ بَنِي المُؤَمِّلِ وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ وسَيُجَنَّبُها الأتْقى ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ الإمامُ عَلى أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أفْضَلُ الأُمَّةِ، وذُكِرَ أنَّ في الآياتِ ما يَأْبى قَوْلَ الشِّيعَةِ أنَّها في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ وأتى بِما لا يَخْلُو عَنْ قِيلٍ، وقالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي إحدى وعشرون آية مكية قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى أقسم الله تعالى بالليل، إذا غشيت ظلمته ضوء النهار.

ويقال: أقسم بخالق الليل إذا يغشى، يعني: يغشى الليل ضوء النهار وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى يعني: أقسم بالنهار إذا استنار، وتجلى عن الظلمة وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى يعني: والذي خلق الذكر والأنثى، يعني: آدم وحواء.

وقال القتبي: ما ومن أصلهما واحد، وجعل من للناس، وما لغير الناس.

ويقال: من مَرّ بك من الناس، وما مَرّ بك من الإبل.

وقال أبو عبيد: وما خلق، أي: وما خلق، وكذلك قوله: وَالسَّماءِ وَما بَناها (5) [الشمس: 5] وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) [الشمس: 7] «وما» في هذه المواضع بمعنى «من» وقال أبو عبيد: وما بمعنى من وبمعنى الذي.

وروي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء، فقال: أفيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود؟

فأشاروا إلي، فقلت: نعم أنا.

فقال: كيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية؟

قلت: سمعته يقرأ، والذكر والأنثى.

قال: أنا هكذا والله سمعت رسول الله  ، يقرأها، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأها كلا أنا معهم.

ثم قال عز وجل: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فهذا موضع جواب القسم، أقسم الله تعالى بخالق هذه الأشياء، إن سعيكم لشتى، يعني: أديانكم ومذاهبكم مختلفة، يعني: عملكم مختلف.

عامل للجنة، وعامل للنار.

وقال أبو الليث رحمه الله: حدثنا أبو جعفر، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال: أخبرنا حدّثنا أحمد بن جرير، قال حدثنا أبو عبد الرحمن راشد بن إسماعيل، عن منصور بن مزاحم، عن يونس بن إسحاق، عن عبد الله بن مسعود  ، إن أبا بكر  ، اشترى بلالاً من أمية بن خلف، وأبي بن خلف ببروة وعشرة أواق من فضة، فأعتقه لله تعالى، فأنزل الله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى يعني: سعي أبي بكر، وأمية بن خلف.

فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى يعني: بلا إله إلا الله، يعني: أبا بكر فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى يعني: الجنة وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى يعني: بلا إله إلا الله فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى يعني: أمية، وأبي ابني خلف إذا ماتا.

ويقال: لنزول هذه الآية سبب آخر، كان رجل من الكفار له نخلة في دار، وشعبها في دار رجل آخر من المسلمين، وكان إذا سقطت ثمرة في دار المسلم، نادى الكافر: حرام حرام، وكان المسلم يأخذ الثمرة، فيرمي بها في دار الكافر، لئلا يأكل ذلك صبيانه فسقطت يوماً ثمرة، فأخذها ابن صغير للمسلم، فجعلها في فيه، فدخل الكافر، فأخرج الثمرة من فيه، وأبكى الصبي.

فشكى المسلم إلى النبي  ، فدعا المشرك فقال: أتبيع نخلتك ليعطيك الله أفضل منها في الجنة، فقال: لا أبيع العاجل بالآجل، فسمع رجل من أصحاب النبيّ  ، فاشترى النخلة من الكافر، وتصدق بها على المسلم.

فنزلت فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى يعني: أعطى من ماله حق الله تعالى، واتقى الشرك، وسخط الله تعالى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى يعني: بثواب الله في الجنة فَسَنُيَسِّرُهُ يعني: سنعينه ونوفقه لِلْيُسْرى يعني: لعمل أهل الجنة وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بالصدقة وَاسْتَغْنى يعني: رأى نفسه مستغنياً عن ثواب الله، وعن جنته وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى يعني: بالثواب وهو الجنة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى يعني: نخذله ولا نوفقه للطاعة، فسنيسر عليه طريق المعصية وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى يعني: ما ينفعه ماله، إذا مات وتركه في الدنيا، وهو يرد إلى النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «اللّيل»

وهي مكّيّة في قول الجمهور

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢)

أقسَمَ تعالى بالليل إذا غَشِيَ الأرضَ وجميعَ ما فيها، وبالنهارِ إذا تَجَلَّى، أي: ظهَرَ وضَوَّى الآفاقَ، وقال- ص-: يَغْشى: مفعولهُ محذوفٌ فيحتملُ أنْ يكونَ النهارَ كقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الأعراف: ٥٤] أو الشمس كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشمس: ٤] وقيل الأرض وما فيها، انتهى.

وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)

وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢)

وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤)

وقوله تعالى: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى يحتملُ أنْ تكونَ «ما» بمعنى: «الذي» ويحتملُ أَنْ تكونَ مصدريةً، والذكرُ والأنثى هنا عامٌّ، وقال الحسن: المرادُ آدمُ وحواء «١» ، والسَّعْيُ العَمَلُ، فأخبرَ تعالى مُقْسِماً أَنَّ أعمالَ العبادِ شَتَّى، أي: متفرقة جدًّا بعضُها في رِضَى اللَّهِ، وبعضها في سَخَطِه، ثم قَسَّم تعالى الساعينَ فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآية، ويُروى أن هذهِ الآيَة نزلتْ في أبي بكرٍ الصديقِ- رضي اللَّه عنه-.

وقوله تعالى: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قيل هي: لا إله إلا اللَّه، وقيل: هي الخَلَفُ الذي وَعَدَ اللَّه بهِ، وقيل: هي الجنةُ، وقال كثيرٌ من المتأولينَ: الحسنى: الأجرُ والثوابُ مُجْمَلاً، والعُسْرَى: الحال السيئة في الدنيا والآخرة، ومن جَعل بَخِلَ في المالِ خَاصَّةً جَعَلَ اسْتَغْنى في المالِ أيضاً، لتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَنْ جَعَلَ بَخِلَ عَامًّا في جَمِيعِ مَا يَنْبَغِي أن يبْذَلَ، مِنْ قَولٍ أو فعلٍ قال: اسْتَغْنى عن اللَّهِ ورحمتهِ بِزَعْمِه، وظاهرُ قوله:

وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ أَنَّ الإعطاءَ والبخلَ المذكورين إنما هما في المال.

وقوله تعالى: إِذا تَرَدَّى، قال قتادة وغيره: معناه تردَّى في جهنم «١» .

وقال مجاهد: تَرَدَّى معناه: هَلَكَ من الردَّى «٢» ، وخَرَّج البخاريُّ وغيرُه عن علي- رضي اللَّه عنه- قال: «كُنَّا مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنَازَةٍ، فقالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، أوْ مَا/ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإلاَّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ؟

قال: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى إلى قوله:

لِلْعُسْرى» وفي روايةٍ، لَمَا قيلَ له: أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، قال: لاَ بَلِ اعملوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» الحديثَ، وخرَّجه الترمذيُّ أيضاً، انتهى، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» :

«وسأل شابّان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالاَ: العَملُ فِيما جَفَّتْ بهِ الأَقْلاَمُ وجَرَتْ بهِ المَقَادِيرُ أَمْ في شَيْءٍ مُسْتَأْنَفٍ؟

فقال: بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ، وجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ، قَالاَ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ: قَالَ: اعملوا فَكُلُّ مُيسَّر لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ له» قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونَعْمَلُ» «٣» انتهى، وقال قوم: معنى تردى، أي: بأكْفَانِهِ مِنَ الرِّدَاءِ ومنه قول الشاعر: [الطويل]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ اللَّيْلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿ والنَّهارِ إذا تَجَلّى ﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿ وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ في " ما " قَوْلانِ.

وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بَناها  ﴾ .

وفي ﴿ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.

وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ  ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ  صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟

" فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟

قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟

فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟

قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟

قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً.

فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ » رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّقى ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.

والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

﴿ وَأمّا مَن بَخِلَ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ.

وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿ وَأمّا مَن بَخِلَ ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ واسْتَغْنى ﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿ وَكَذَّبَ بِالحُسْنى ﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.

وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿ إذا تَرَدّى ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.

والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف مقرّر لمضمون الكلام السابق من قوله: ﴿ فأما من أعطى ﴾ إلى قوله: ﴿ للعسرى ﴾ [الليل: 5 10]، وذلك لإِلقاء التبعة على من صار إلى العسرى بأن الله أعذر إليه إذ هداه بدعوة الإسلام إلى الخير فأعرض عن الاهتداء باختياره اكتسابَ السيئات، فإن التيسير لليسرى يحصل عند ميل العبد إلى عمل الحسنات، والتيْسير للعسرى يحصل عند ميله إلى عمل السيئات.

وذلك الميل هو المعبَّرُ عنه بالكسب عند الأشعري، وسماه المعتزلة: قدرة العبد، وهو أيضاً الذي اشتبه على الجبرية فسمَّوْه الجبر.

وتأكيد الخبر ب ﴿ إنَّ ﴾ ولام الابتداء يومئ إلى أن هذا كالجواب عما يجيش في نفوس أهل الضلال عند سماع الإِنذار السابق من تكذيبه بأن الله لو شاء منهم مَا دعاهم إليه لألجأهم إلى الإِيمان.

فقد حكي عنهم في الآية الأخرى: ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ [الزخرف: 20].

وحرف (على) إذا وقع بين اسم وما يدل على فِعل يُفيد معنى اللزوم، أي لازم لنا هُدَى الناس، وهذا التزام من الله اقتضاه فضله وحكمته فتولى إرشاد الناس إلى الخير قبل أن يؤاخذهم بسوء أعمالهم التي هي فساد فيما صنع الله من الأعيان والأنظمة التي أقام عليها فطرة نظام العالم، فهدى الله الإنسان بأن خلقه قابلاً للتمييز بين الصلاح والفساد ثم عزز ذلك بأن أرسل إليه رُسلاً مبينين لما قد يخفى أمرُه من الأفعال أو يشتبه على الناس فساده بصلاحه ومنبهين الناس لما قد يغفلون عنه من سابق ما علموه.

وعطف ﴿ وإن لنا للآخرة والأولى ﴾ على جملة: ﴿ إن علينا للهدى ﴾ تتميم وتنبيه على أن تعهّد الله لعباده بالهُدى فضلٌ منه وإلا فإن الدار الآخرة ملكه والدار الأولى ملكه بما فيهما قال تعالى: ﴿ وللَّه ملك السماوات والأرض وما بينهما ﴾ [المائدة: 17] فله التصرف فيهما كيف يشاء فلا يحسبوا أن عليهم حقاً على الله تعالى إلا ما تفضل به.

وفي الآية إشارة عظيمة إلى أن أمور الجزاء في الأخرى تجري على ما رتبه الله وأعلم به عباده.

وأن نظام أمور الدنيا وترتب مسبباته على أسبابه أمر قد وضعه الله تعالى وأمر بالحفاظ عليه وأرشد وهدى، فمن فرط في شيء من ذلك فقد استحق ما تسبب فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ اللَّيْلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: غَطّى وسَتَرَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: إذا غَشّى الخَلائِقَ فَعَمَّهم ومَلَأهم، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذا قَسَمٌ.

﴿ والنَّهارِ إذا تَجَلّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا أضاءَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: إذا ظَهَرَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: إذا أظْهَرَ ما فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وهَذا قَسَمٌ ثانٍ.

﴿ وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ واَلَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ هَذا قَسَمًا بِنَفْسِهِ تَعالى.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: وهو أشْبَهُ مِن قَوْلِ الحَسَنِ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ وما خَلَقَ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، فَتَكُونُ (مَن) مُضْمَرَةَ المَعْنى مَحْذُوفَةَ اللَّفْظِ، ومَيَّزَهم بِخَلْقِهِمْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى عَنِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لَمْ يُخْلَقُوا مَن ذَكَرٍ وأُنْثى، ويَكُونُ القَسَمُ بِأهْلِ طاعَتِهِ مِن أوْلِيائِهِ وأنْبِيائِهِ، ويَكُونُ قَسَمُهُ بِهِمْ تَكْرِمَةً لَهم وتَشْرِيفًا.

وَفي المُرادِ بِالذَّكَرِ والأُنْثى قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: مِن كُلِّ ذِكْرٍ وأُنْثى.

فَإنْ حُمِلَ عَلى قَوْلِ الحَسَنِ فَكُلُّ ذَكَرٍ وأُنْثى مِن آدَمِيٍّ وبَهِيمَةٍ، لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَمِيعَهم.

وَإنْ حُمِلَ عَلى التَّخْرِيجِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ أظْهَرُ، فَكُلُّ ذَكَرٍ وأُنْثى مِنَ الآدَمِيِّينَ دُونَ البَهائِمِ لِاخْتِصاصِهِمْ بِوِلايَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وهَذا قَسَمٌ ثالِثٌ: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ أيْ مُخْتَلِفٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمُخْتَلِفُ الجَزاءِ، فَمِنكم مُثابٌ بِالجَنَّةِ، ومِنكم مُعاقَبٌ بِالنّارِ.

الثّانِي: لَمُخْتَلِفُ الأفْعالِ، مِنكم مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وبَرٌّ وفاجِرٌ، ومُطِيعٌ وعاصٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لَمُخْتَلِفُ الأخْلاقِ، فَمِنكم راحِمٌ وقاسٍ، وحَلِيمٌ وطائِشٌ، وجَوّادٌ وبَخِيلٌ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ.

وَرَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي أُمَيَّةٍ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ حِينَ عَذَّبا بِلالًا عَلى إسْلامِهِ، فاشْتَراهُ أبُو بَكْرٍ، ووَفّى ثَمَنَهُ بُرْدَةً وعَشْرَ أوْراقٍ، وأعْتَقَهُ لِلَّهِ تَعالى، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ.

﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَعْنِي أبا بَكْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ أعْطى ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن بَذْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَصَدَّقَ بِالحُسْنى ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: بِمَوْعُودِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: بِالجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: بِالثَّوابِ، قالَهُ خَصِيفٌ.

الخامِسُ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

السّادِسُ: بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

السّابِعُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومَعانِي أكْثَرِها مُتَقارِبَةٌ.

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ أسْبابَ الخَيْرِ والصَّلاحِ حَتّى يَسْهُلَ عَلَيْهِ فِعْلُها.

﴿ وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفٍ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ بَخِلَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَخِلَ بِمالِهِ الَّذِي لا يَبْقى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: بَخِلَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ واسْتَغْنى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمالِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: عَنْ رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَكَذَّبَ بِالحُسْنى ﴾ فِيهِ التَّأْوِيلاتُ السَّبْعَةُ.

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِلنّارِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَسَنُعْسِّرُ عَلَيْهِ أسْبابَ الخَيْرِ والصَّلاحِ حَتّى يَصْعُبَ عَلَيْهِ فِعْلُها فَعِنْدَ نُزُولِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ يَرْوِي قَتادَةُ عَنْ خُلَيْدٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (ما مِن يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إلّا ومَلَكانِ يُنادِيانِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وأعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ الآيَةَ واَلَّتِي بَعْدَها)» .

﴿ وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في النّارِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: إذا تَرَدّى في ضَلالِهِ وهَوى في مَعاصِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ﴾ (أي إلا طلب ثواب الله) (١) قال أبو عبيدة: "إلا ابتغاء" (٢) (٣) قال الفراء: وهذا على اختلاف ما قبل "إلا" ومَا بعدها، والعرب تقول: مَا في الدار أحد إلا أكلبًا وأحمرةً، وهذا كقوله: ﴿ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ  ﴾ كقول (٤) ..

..

وما بالرَّبعِ من أحدِ إلا الأواريَّ (٥) وهي لغة أهل الحجاز (٦) وذكر الفراء وجهًا آخر، وهو: أن يضمر الإنفاق على تقدير: ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، وهذا كقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ  ﴾ (٧) ومعنى ﴿ الْأَعْلَى ﴾ : الأجل بصفاته التي لا يوارى فيها، فهو الأقدر، الأغلب الأظهر بالحجة والقوة (٨) ثم وعد أبا بكر أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: قوله تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ قال ابن عباس: يعطيه الله في الجنة حتى يرضى (٩) (١٠) ﴿ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً  ﴾ (١١) (١) ما بين القوسين من قول الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 337.

(٢) في (أ): (ابتغاء)، وغير واضحة في (ع)، وأئبت ما غلب على ظني صحته.

والله أعلم.

(٣) "مجاز القرآن" 2/ 30 بنحوه.

(٤) في (ع): (وكقول).

(٥) لم يذكر الفراء قول النابعة بل استشهد بقول عامر بن ثابت جران العود: وبلدة ليس بها أنيس ...

إلا اليعافير وإلا العيس واستشهد ببيت النابغة عند تفسيره الآية 14 من سورة النساء، وآية 98 من سورة يونس: "معاني القرآن" 1/ 288، 480 من مطلع قصيدة يقول فيها: يا دارَ مَيَّةَ بالعلياءِ فالسَّنَدِ ...

أقوتْ وطالَ عليها سَالفُ الأبَدِ ثم يقول: وَقَفْتُ فيها أصَيْلانا أسائِلها ...

عَيَّتْ جوابًا وما بالرَّبْع من أحَدِ إلا الأوَارِيّ لأيا ما أبينها ...

والنُؤىُ كالحْوضِ بالمظلُومَة الجَلدِ "ديوانه" ص 30، المؤسسة العربية.

كما ورد في "الأصول في النحو" للسراج 1/ 292.

موضع الشاهد "الأواري" استثناه من "الناس" على البدل، وأصله من الاستثناء المنقطع، فأوجب نصبه على لغة الحجاز، وقد جمع فيها ثلاثة أحرف للنفي: إن، ولا، وما، ومعنى البيت: وصف أنه مَرَّ بالدار عشيًا قصيرًا، فوقف فيها وسألها عن أهلها، وأصيلان: تصغير أصيل، وهو بالعشي، وعيت جوابًا: أعيت بالجواب، فلم تجبني، والربع: منزل القوم، والأواري: محابس الخيل، والنؤْيُ: حاجز من تراب يوضع فوق الخباء لئلا يدخل السيل، والمظلومة: الأرض التي لم تمطر فجاءها السيل فملأها، والجَلَدٌ: الأرض الصلبة، واللأى البطء.

"شرح أبيات معاني القرآن" ص 117 ش 245 - 246.

(٦) "معاني القرآن" 3/ 273 بتصرف.

(٧) "معاني القرآن" 3/ 273 بتصرف.

(٨) هذا قصر من الواحدي للآية على بعض معانيها، وما ذكره حق، ولكنه أغفل بناء على مذهبه الأشعري ما دلت عليه الآية من إثبات العلو لله تعالى؛ أي علو الذات، كما دلت النصوص المتواترة على ذلك، فهو تعالى فوق خلقه على العرش استوى.

والذي ينبغي عليه في الإيمان بأسماء الله وصفاته لتسلم عقيدته يلزمه أمران: أحدهما: إثبات تلك الصفات؛ لأنها وردت في الكتاب والسنة، فقد صار مصدرهما الوحي، لأن هذا الإثبات لها هو لازم الإيمان.

والثاني: هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى ليس له شبيه ولا مثيل فيما يتصف به من تلك الصفات، وهذا أيضًا تحقيق لقول الله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، وأن الانطلاق من هاتين القاعدتين في باب الأسماء والصفات، هو المسلك الصحيح، والمنهج السليم، وبه يتحقق الاتباع الكامل، والانقياد الحق، والاستجابة الواعية لما قاله الله تعالى، أو نطق به النبي -  - وإن أي مساس بهاتين القاعدين يوصل إلى انحراف خطير في فهم أخطر قضية من قضايا الاعتقاد في باب أسماء الله وصفاته.

نقلًا عن: علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين د.

رضا نعسان ص 11.

وعليه فتفسير الأعلى من هذه السورة على ضوء الكتاب والسنة على هذا النحو الآتي: قال تعالى: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ  ﴾ ، وذلك دال على أن جميع معاني العلو ثابتة لله من كل وجه، فله علو الذات، فإنه فوق المخلوقات، وعلى العرش استوى، أي علا وارتفع، وله علو القدر، وهو علو صفاته وعظمتها، فلا يماثله صفة مخلوق؛ بل لا يقدر الخلائق كلهم أن يحيطوا ببعض معاني صفة واحدة من صفاته، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ ، وبذلك يعلم أنه ليس كمثله شيء في كل نعوته، وله علو القهر فإنه الواحد القهار الذي قهر بعزته وعلوه الخلق كلهم، وذلك لكمال اقتداره ونفوذ مشيئه، وشدة افتقار المخلوقات كلها له من كل وجه.

== "شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة" ص 78 - 80.

وانظر: "الحق الواضح" ص 26، و"شرح القصيدة النونية" للهراس 2/ 68.

مما سبق شرحه، وبالمقابلة مع قول الإمام الواحدي يدل على أن الواحدي أثبت علو القدر فقط، والذي ينبغي عليه إثبات العلو بأنواعه الثلاثة.

والله أعلم.

(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.

وقد ورد بمثله من غير عزو في: "معالم التنزيل " 4/ 497، و"لباب التأويل" 4/ 385.

(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 337.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى ﴾ خطاب من الله أو من النبي صلى الله عليه وسلم على تقدير: قل ﴿ لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى ﴾ استدل المرجئة بهذه الآية على أن النار لا يدخلها إلا الكفار لقوله: الذي كذب وتولى.

وتأولها الناس بثلاثة أوجه أحدها: أن المعنى لا يصلاها صلي خلود إلا الأشقى، والآخر: أنه أراد ناراً مخصوصة.

الثالث: أنه أراد بالأشقى كافراً معيناً وهو أبو جهل وأمية بن خلف، وقابل به الأتقى وهو أبو بكر الصديق؛ فخرج الكلام مخرج المدح والذم على الخصوص، لا مخرج الإخبار على العموم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ﴾ جعل الله -  - الليل والنهار آيتين عظيمتين ظاهرتين مكررتين على الخلائق ما يعرف [كل] كافر ومؤمن، وجميع أهل التنازع الذين ينازعون أهل الإيمان والتوحيد من الجبابرة والفراعنة.

والقسم بالليل والنهار، القسم بقوله: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ  وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ  ﴾ واحد.

وقد ذكرنا أن القسم إنما ذكر في تأكيد ما يقع به القسم، ما لولا القسم كان ذلك يوجب دون القسم؛ وذلك لعظم ما فيهما؛ تى قهرا جميع الفراعنة والجبابرة، وغلبا عليهم في إتيانهما وذهابهما، حتى أن من أراد منهم دفع هذا ومجيء هذا، ما قدروا عليه.

وفيهما دلالة وحدانية الله -  - وألوهيته، وقدرته، وسلطانه، وعلمه، وتدبيره، وحكمته: أما دلالة وحدانيته وألوهيته: اتساقهما وجريانهما على حد واحد وسنن واحد مذ كانا وأنشئا من الظلمة والنور، والزيادة والنقصان؛ فدل جريانهما على ما ذكرنا أن منشئهما واحد؛ إذ لو كان فعل عدد، لكان إذا جاء هذا، وغلب الآخر، دامت غلبته عليه، وكذلك الآخر يكون مغلوبا أبدا، والآخر غالبا؛ فإذا لم يكن ذلك، دل أنه فعل واحد.

ويدل - أيضا - على أن ليس ذلك عمل النور والظلمة، على ما تقوله الثنوية.

ودل اتصال منافع أحدهما بمنافع الآخر على [أن] ذلك علم واحد لا عدد.

ودل اتساق ما ذكرنا، ودوامهما على حد واحد على الاستواء أن منشئهما مدبر عليهم، عن تدبير وعلم خرج ذلك لا على الجزاف بلا تدبير.

ودل مجيء كل واحد منهما بطرفة عين على أن منشئهما قادر لا يعجزه شيء من بعث ولا غيره.

ودل ما ذكرنا أن فاعل ذلك حكيم، على حكمة خرج فعله، لا يحتمل أن تركهم سدى لا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم بأمور.

وكذلك جعل فيما ذكر من الذكر والأنثى من الدلالات والآيات من الازدواج والتوالد والتناسل وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ ﴾ : قال بعضهم: إن حرف (ما) متى قرن بالفعل الماضي، صار بمعنى المصدر؛ كأنه قال: وخلق الذكر والأنثى؛ فيكون قسما بجميع الخلائق، إذ لا يخلو شيء من أن يكون ذكرا وأنثى.

وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود -  -: (والذكرِ والأنثى)، وكذلك روي عن رسول الله  أنه قرأ كذلك.

وقال بعضهم: (ما) هاهنا بمعنى "الذي"؛ كأنه قال: والذي خلق الذكر والأنثى؛ فيكون على هذا الوجه القسم بالله  ، وعلى التأويل الأول بالذكر والأنثى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴾ : قالوا: على هذا وقع القسم، فإن قيل: إن كلا يعلم من كافر ومؤمن أن سعيهم لمختلف؛ فما الحكمة والفائدة من ذكر القسم على ما يعلم كل ذلك؟

فالوجه فيه - والله أعلم -: [أن] ما يقع لهم بالسعي، وما يستوجبون به لمختلف في الآخرة، وهو جزاء السعي؛ كأنه قال: إن جزاء سعيكم وثوابه لمختلف، وذلكأ نهم كانوا يقولون: إن كانت دار أخرى على ما يقوله محمد - عليه الصلاة والسلام - فنحن أحق بها من أتباع محمد  كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ .

أو يكون قوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴾ ؛ لأن المعطي في الشاهد ينفع غيره، ويضر نفسه في الظاهر، والممسك ينفع نفسه، ثم المعطي محمود عند الناس؛ فلو لم يكن عاقبة ينتفع المعطي بما أعطى، ويضر البخيل المنع، لكان الناس بما حمدوا هذا وذموا الآخر سفهاء؛ فدل أن العاقبة هي التي تصير هذا محمودا.

ولأن الخلق جميعا من مسلم وكافر، ومحسن ومسيء، قد استووا في نعم هذه الدنيا ولذاتها مما ذكرنا من ممر الليل والنهار [و] مما يخلق فيها من النبات والثممار والعيون والأشجار، فإذا وقع الاستواء في هذه الدار، وبه وردت الأخبار عن النبي المختار أن الناس شركاء في الماء والكلأ والنار - لا بد من دار أخرى للأشيقيا والأبرار؛ ليقع بها التفاوت [بين الأبرار] والأشرار، والنافع منهم نفسه والضار، وإذا ثبت أنهما استويا في منافع الليل والنهار، وجميع ما في الدنيا من الأنزال وغيرها، فإذا وقع الاستواء بينهم في الدنيا لا بد من دار أخرى [فيها] يقع التفاوت والتفاضل بينهم، وفيها يميز بين ما ذكرنا.

ثم بين أن السعي الذي يقع الجزاء له مختلف، ما ذكر بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ ، وهو يخرج على وجوه: يحتمل ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ﴾ ، أي: أعطى ما أمره به، واتقى عصيانه وكفرانه نعمه، أو اتقى المنع، أو من أعطى التوحيد لله -  - من نفسه، واتقى الشرك والكفران لنعمه، وصدق بموعود الله -  -: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ : للأعمال والشرائع؛ إذ نشرح صدره للتوحيد والإسلام ونيسره عليه.

﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ ﴾ ، ولم يأت بالتوحيد، ﴿ وَٱسْتَغْنَىٰ ﴾ عن الله -  - بما عنده، ﴿ وَكَذَّبَ ﴾ بموعود الله ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴾ ؛ لما بعده من الأعمال، والله أعلم.

والثاني: في حق القبول والعزم على وفاء ذلك بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ ﴾ ، أي: قبل الإعطاء، وعز على وفاء ذلك، ﴿ وَٱتَّقَىٰ ﴾ ، أي: عزم [على] اتقاء معاصي الله -  - ومحارمه.

﴿ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: بموعوده؛ ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ ، أي: سنيسره لوفاء ما عزم [عليه]، ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ ﴾ ، اي: عزم على البخل والمنع بذلك، ﴿ وَٱسْتَغْنَىٰ ﴾ بالذي له وعنده، ﴿ وَكَذَّبَ ﴾ بموعود الله  ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ ﴾ لوفاء ما عزم [عليه] من الخلاف لله  والمعصية له.

وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله  أنه سئل عن ذلك؛ فقال: "كل ميسر لما خلق له" ، أو قال: "كل ميسر لما عمل" والثالث: يخرج على حقيقة إعطاء ما وجب من الحق في المال وحقيقة المنع؛ يقول: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ ﴾ ما وجب من حق الله -  - في ماله، ﴿ وَٱتَّقَىٰ ﴾ نقمة الله ومقته وعذابه، ﴿ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: بموعود الله  ، ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ في الخيرات والطاعات.

﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ ﴾ ، أي: منع حق الله -  - الذي في ماله، ﴿ وَكَذَّبَ ﴾ بالذي وعد على ذلك، ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴾ ي الإفضاء إلى ما وعد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ ﴾ : قيل: إذا هلك ومات، أو تردى في النار.

وفي ظاهر قوله -  -: ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ ﴾ دلالة على أن الآية في حقيقة الإعطاء من المال والمنع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، قال بعضهم: بالجنة.

وقيل: بشهادة: أن لا إله إلا الله.

وقيل: بالخلف على ما أنفق.

وجائز أن تكون "اليسرى" اسم للجنة وكذلك "الحسنى".

و"العسرى" و"السوءى": النار.

ويحتمل أن تكون "اليسرى" اسما لكل ما طاب وحسن من العمل، و"العسرى": ما خبث، وقبح من العمل.

ومنهم من قال: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق -  - لأنه اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشرة أواقٍ، فأعتقه لله -  - فأنزل الله  : ﴿ وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴾ ، يعني: سعي أبي بكر وأمية وأبي.

وذكر إلى آخر السورة: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ : أبو بكر،  ، ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴾ : أمية بن خلف، وأبي بن خلف؛ يرويه عبد الله بن مسعود،  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا يريد بما يبذله من ماله إلا وجه ربه العالي على خَلْقِه.

<div class="verse-tafsir" id="91.d0mGb"

مزيد من التفاسير لسورة الليل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده