الإسلام > القرآن > سور > سورة 92 الليل > الآية ٥ من سورة الليل
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 16 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥ من سورة الليل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
"فأما من أعطى واتقى" أي أعطى ما أمر بإخراجه واتقى الله في أموره.
وقوله: ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ) يقول تعالى ذكره: فأما من أعطى واتقى منكم أيها الناس في سبيل الله، ومن أمَرَه الله بإعطائه من ماله، وما وهب له من فضله، واتقى الله واجتنب محارمه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عامر، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ) قال: أعطى ما عنده واتقى، قال: اتقى ربه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ) من الفضل ( وَاتَّقَى ) : اتقى ربه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ) حق الله ( وَاتَّقَى ) محارم الله التي نهى عنها.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول قي قوله: ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ) يقول: من ذكر الله، واتقى الله.
قوله تعالى : فأما من أعطى واتقى قال ابن مسعود : يعني أبا بكر - رضي الله عنه - وقاله عامة المفسرين .
فروي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال : كان أبو بكر يعتق على الإسلام عجائز ونساء ، قال : فقال له أبو قحافة : أي بني لو أنك أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون معك ؟
فقال : يا أبت إنما أريد ما أريد .
وعن ابن عباس في قوله تعالى : فأما من أعطى أي بذل .
واتقى أي محارم الله التي نهى عنها .
وصدق بالحسنى أي بالخلف من الله تعالى على عطائه .
فسنيسره لليسرى وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا .وروي من حديث أبي الدرداء : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من يوم غربت شمسه إلا بعث بجنبتها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين : اللهم أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا تلفا فأنزل الله تعالى في ذلك في القرآن فأما من أعطى .
.
.
الآيات .
وقال أهل التفسير : فأما من أعطى المعسرين .
وقال قتادة : أعطى حق الله تعالى الذي عليه .
وقال الحسن : أعطى الصدق من قلبه .
فصل الله تعالى العاملين، ووصف أعمالهم، فقال: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى } [أي] ما أمر به من العبادات المالية، كالزكوات، والكفارات والنفقات، والصدقات، والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم ونحوهما.
والمركبة منهما، كالحج والعمرة [ونحوهما] { وَاتَّقَى } ما نهي عنه، من المحرمات والمعاصي، على اختلاف أجناسها.
"فأما من أعطى"، ماله في سبيل الله، "واتقى"، ربه.
«فأما من أعطى» حق الله «واتقى» الله.
فأمَّا من بذل من ماله واتقى الله في ذلك، وصدَّق بـ"لا إله إلا الله" وما دلت عليه، وما ترتب عليها من الجزاء، فسنرشده ونوفقه إلى أسباب الخير والصلاح ونيسِّر له أموره.
ثم فصل - سبحانه - ما أجمله فى قوله : ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى ) فقال : ( فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى .
وَصَدَّقَ بالحسنى .
فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى .
وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى .
وَكَذَّبَ بالحسنى .
فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى .
وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تردى ) والحسنى تأنيث الأحسن ، وهى فة لموصوف محذوف .أى : ( فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى ) حق الله - تعالى - ، بأن أنفق من ماله فى وجوه الخير : كإعتاق الرقاب ، ومساعدة المحتاجين .
.
( واتقى ) المحارم والمعاصى.
هذا الجواب القسم، فأقسم تعالى بهذه الأشياء، أن أعمال عباده لشتى أي مختلفة في الجزاء وشتى جمع شتيت مثل مرضى ومريض، وإنما قيل للمختلف: شتى، لتباعد ما بين بعضه وبعضه، والشتات هو التباعد والافتراق، فكأنه قيل: إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض، لأن بعضه ضلال وبعضه هدى، وبعضه يوجب الجنان، وبعضه يوجب النيران، فشتان ما بينهما، ويقرب من هذه الآية قوله: ﴿ لاَ يَسْتَوِى أصحاب النار وأصحاب الجنة ﴾ وقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يستوون ﴾ وقوله: ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ الظل ولا الحرور ﴾ قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر وأبي سفيان.
ثم إنه سبحانه بين معنى اختلاف الأعمال فيما قلناه من العاقبة المحمودة والمذمومة والثواب والعقاب.
<div class="verse-tafsir"
المغشي: إما الشمس من قوله: ﴿ واليل إِذَا يغشاها ﴾ [الشمس: 4] وإما النهار من قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ [الرعد: 3] وإما كلّ شيء يواريه بظلامه من قوله: ﴿ إِذَا وَقَبَ ﴾ [الفلق: 3] .
﴿ تجلى ﴾ ظهر بزوال ظلمة الليل.
أو تبين وتكشف بطلوع الشمس ﴿ وَمَا خَلَقَ ﴾ والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد، وقيل: هما آدم عليه السلام وحواء.
وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ والذكر والأنثى ﴾ .
وقرأ ابن مسعود: ﴿ والذي خلق الذكر والأنثى ﴾ .
وعن الكسائي: ﴿ وما خلق الذكر والأنثى ﴾ بالجرّ على أنه بدل من محل ﴿ مَا خَلَقَ ﴾ بمعنى: وما خلقه الله، أي: ومخلوق الله الذكر والأنثى.
وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم لانفراده بالخلق.
إذ لا خالق سواه.
وقيل: إنّ الله لم يخلق خلقاً من ذوي الأرواح ليس بذكر ولا أنثى.
والخنثى، وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل، معلوم بالذكورة أو الأنوثة؛ فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكراً ولا أنثى، وقد لقى خنثى مشكلاً: كان حانثاً؛ لأنه في الحقيقة إمّا ذكراً أو أنثى، وإن كان مشكلاً عندنا ﴿ شتى ﴾ جمع شتيت، أي: إنّ مساعيكم أشتات مختلفة، وبيان اختلافها فيما فصل على أثره.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ واللَّيْلِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها إحْدى وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ أيْ يَغْشى الشَّمْسَ أوِ النَّهارَ أوْ كُلَّ ما يُوارِيهِ بِظَلامِهِ.
﴿ والنَّهارِ إذا تَجَلّى ﴾ ظَهَرَ بِزَوالِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، أوْ تَبَيَّنَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ.
﴿ وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ والقادِرِ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى مِن كُلِّ نَوْعٍ لَهُ تَوالُدٌ، أوْ آدَمَ وحَوّاءَ وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ.
﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ إنَّ مَساعِيَكم لَأشْتاتٌ مُخْتَلِفَةٌ جَمْعُ شَتِيتٍ.
<div class="verse-tafsir"
{فَأَمَّا مَنْ أعطى} حقوق ماله {واتقى} ربه فاجتنب محارمه
﴿ إنَّ سَعْيَكُمْ ﴾ أيْ: مَساعِيَكُمْ؛ فَإنَّ المَصْدَرَ المُضافَ يُفِيدُ العُمُومَ فَيَكُونُ جَمْعًا مَعْنًى، ولِذا أخْبَرَ عَنْهُ بِجَمْعٍ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَشَتّى ﴾ فَإنَّهُ جَمْعُ شَتِيتٍ بِمَعْنى مُتَفَرِّقٍ، ويَجُوزُ أنْ لا يُعْتَبَرَ سَعْيُكم في مَعْنى الجَمْعِ، ويَكُونُ شَتّى مَصْدَرًا مُؤَنَّثًا كَذِكْرى وبُشْرى خَبَرًا لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ذُو شَتّى أوْ بِتَأْوِيلِهِ بِالوَصْفِ؛ أيْ: شَتِيتٌ أوْ بِجَعْلِهِ عَيْنَ الِافْتِراقِ مُبالَغَةً.
وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ جَوابُ القَسَمِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مُقَدَّرًا كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ والمُرادُ بِتَفَرُّقِ المَساعِي اخْتِلافُها في الجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
تفسير سورة «اللّيل»
وهي مكّيّة في قول الجمهور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢)
أقسَمَ تعالى بالليل إذا غَشِيَ الأرضَ وجميعَ ما فيها، وبالنهارِ إذا تَجَلَّى، أي: ظهَرَ وضَوَّى الآفاقَ، وقال- ص-: يَغْشى: مفعولهُ محذوفٌ فيحتملُ أنْ يكونَ النهارَ كقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الأعراف: ٥٤] أو الشمس كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشمس: ٤] وقيل الأرض وما فيها، انتهى.
وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢)
وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤)
وقوله تعالى: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى يحتملُ أنْ تكونَ «ما» بمعنى: «الذي» ويحتملُ أَنْ تكونَ مصدريةً، والذكرُ والأنثى هنا عامٌّ، وقال الحسن: المرادُ آدمُ وحواء «١» ، والسَّعْيُ العَمَلُ، فأخبرَ تعالى مُقْسِماً أَنَّ أعمالَ العبادِ شَتَّى، أي: متفرقة جدًّا بعضُها في رِضَى اللَّهِ، وبعضها في سَخَطِه، ثم قَسَّم تعالى الساعينَ فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآية، ويُروى أن هذهِ الآيَة نزلتْ في أبي بكرٍ الصديقِ- رضي اللَّه عنه-.
وقوله تعالى: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قيل هي: لا إله إلا اللَّه، وقيل: هي الخَلَفُ الذي وَعَدَ اللَّه بهِ، وقيل: هي الجنةُ، وقال كثيرٌ من المتأولينَ: الحسنى: الأجرُ والثوابُ مُجْمَلاً، والعُسْرَى: الحال السيئة في الدنيا والآخرة، ومن جَعل بَخِلَ في المالِ خَاصَّةً جَعَلَ اسْتَغْنى في المالِ أيضاً، لتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَنْ جَعَلَ بَخِلَ عَامًّا في جَمِيعِ مَا يَنْبَغِي أن يبْذَلَ، مِنْ قَولٍ أو فعلٍ قال: اسْتَغْنى عن اللَّهِ ورحمتهِ بِزَعْمِه، وظاهرُ قوله:
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ أَنَّ الإعطاءَ والبخلَ المذكورين إنما هما في المال.
وقوله تعالى: إِذا تَرَدَّى، قال قتادة وغيره: معناه تردَّى في جهنم «١» .
وقال مجاهد: تَرَدَّى معناه: هَلَكَ من الردَّى «٢» ، وخَرَّج البخاريُّ وغيرُه عن علي- رضي اللَّه عنه- قال: «كُنَّا مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنَازَةٍ، فقالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، أوْ مَا/ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإلاَّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ؟
قال: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى إلى قوله:
لِلْعُسْرى» وفي روايةٍ، لَمَا قيلَ له: أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، قال: لاَ بَلِ اعملوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» الحديثَ، وخرَّجه الترمذيُّ أيضاً، انتهى، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» :
«وسأل شابّان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالاَ: العَملُ فِيما جَفَّتْ بهِ الأَقْلاَمُ وجَرَتْ بهِ المَقَادِيرُ أَمْ في شَيْءٍ مُسْتَأْنَفٍ؟
فقال: بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ، وجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ، قَالاَ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ: قَالَ: اعملوا فَكُلُّ مُيسَّر لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ له» قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونَعْمَلُ» «٣» انتهى، وقال قوم: معنى تردى، أي: بأكْفَانِهِ مِنَ الرِّدَاءِ ومنه قول الشاعر: [الطويل]
افتتاح الكلام بالقسم جار على أسلوب السورتين قبل هذه، وغرض ذلك ما تقدم آنفاً.
ومناسبة المُقْسَممِ به للمُقْسَممِ عليه أن سعي الناس منه خير ومنه شر وهما يماثلان النور والظلمة وأن سعي الناس ينبثق عن نتائج منها النافع ومنها الضار كما ينتج الذكر والأنثى ذرية صالحة وغير صالحة.
وفي القسم بالليل وبالنهار التنبيه على الاعتبار بهما في الاستدلال على حكمة نظام الله في هذا الكون وبديع قدرته، وخص بالذكر ما في الليل من الدلالة من حالة غشيانه الجانِب الذي يغشاه من الأرض.
ويغشى فيه من الموجودات فتعمها ظلمته فلا تبدو للناظرين، لأن ذلك أقوى أحواله، وخص بالذكر من أحوال النهار حالة تجليته عن الموجودات وظهوره على الأرض كذلك.
وقد تقدم بيان الغشيان والتجلي في تفسير قوله: ﴿ والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها ﴾ في سورة الشمس (3، 4).
واختير القسم بالليل والنهار لمناسبتِه للمقام لأن غرض السورة بيان البون بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة.
وابتدئ في هذه السورة بذكر الليل ثم ذكر النهار عكسَ ما في سورة الشمس لأن هذه السورة نزلت قبل سورة الشمس بمدة وهي سادسة السور وأيَّامئذٍ كان الكفر مخيماً على الناس إلا نفراً قليلاً، وكان الإِسلام قد أخذ في التجلي فناسب تلك الحالة بالإِشارة إلى تمثيلها بحالة الليل حين يعقبه ظهور النهار، ويتضح هذا في جواب القسم بقوله: ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ إلى قوله: ﴿ إذا تردى ﴾ [الليل: 4 11].
وفي قوله: ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ إجمال يفيد التشويق إلى تفصيله بقوله: ﴿ فأما من أعطى ﴾ [الليل: 5] الآية ليتمكن تفصيله في الذهن.
وحذف مفعول ﴿ يغشى ﴾ لتنزيل الفعل منزلة اللازم لأن العبرة بغشيانه كلَّ ما تغشاه ظلمته.
وأسند إلى النهار التَجلي مدحاً له بالاستنارة التي يراها كل أحد ويحس بها حتى البصراء.
والتجلّي: الوضوح، وتجلي النهار: وضوح ضيائه، فهو بمعنى قوله: ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [الشمس: 1] وقوله: ﴿ والضحى ﴾ [الضحى: 1].
وأشير إلى أن ظلمة الليل كانت غالبة لضوء النهار وأن النهار يعقبها والظلمةُ هي أصل أحوال أهل الأرض وجميع العوالم المرتبطة بالنظام الشمسي وإنما أضاءت بعد أن خلق الله الشمس ولذلك اعتبر التاريخ في البدء بالليالي ثم طَرأ عليه التاريخ بالأيام.
والقول في تقييد الليل بالظرف وتقييد النهار بمثله كالقول في قوله: ﴿ والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها في السورة السابقة ﴾ [الشمس: 3، 4].
و ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ وما خلق الذكر والأنثى ﴾ مصدرية أقسم الله بأثر من آثار قدرته وهو خلق الزوجين وما يقتضيه من التناسل.
والذكر والأنثى: صنفا أنواع الحيوان.
والمراد: خصوص خلق الإنسان وتكونه من ذكر وأنثى كما قال تعالى: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ [الحجرات: 13] لأنه هو المخلوق الأرفع في عالم الماديات وهو الذي يدرك المخاطَبون أكثرَ دقائقه لتكرره على أنفسهم ذُكورهم وإناثهم بخلاف تكوّن نسل الحيوان فإن الإنسان يدرك بعض أحواله ولا يُحصي كثيراً منها.
والمعنى: وذلك الخلققِ العجيب من اختلاف حالي الذكورة والأنوثة مع خروجهما من أصل واحد، وتوقف التناسل على تزاوجهما، فالقسم بتعلققٍ مِن تعلققِ صفات الأفعال الإلهية وهي قِسْم من الصفات لا يُختلف في ثبوته وإنما اختلَف علماء أصول الدين في عدّ صفات الأفعال من الصفات فهي موصوفة بالقدم عند الماتريدي، أو جَعْلِها من تعلق صفة القدرة فهي حادثة عند الأشعري، وهو آيل إلى الخلاف اللفظي.
وقد كان القسم في سورة الشمس بتسوية النفس، أي خلق العقل والمعرفة في الإِنسان، وأما القَسَم هنا فبِخلق جسد الإِنسان واختلاف صنفيه، وجملة: ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ جوابُ القسم.
والمقصود من التأكيد بالقسم قولُه: ﴿ وما يغني عنه مالُهُ إذا تردى ﴾ [الليل: 11].
والسَّعي حقيقته: المشي القوي الحثيث، وهو مستعار هنا للعمل والكدّ.
وشتّى: جمع شتيت على وزن فَعْلَى مثل قَتِيل وقَتْلى، مشتق من الشتِّ وهو التفرق الشديد يقال: شتَّ جمعُهم، إذا تفرقوا، وأريد به هنا التنوع والاختلاف في الأحوال كما في قول تأبط شرّاً: قليل التشكي للملم يصيبه *** كثير الهوى شَتَّى النَّوى والمسالك وهو استعارة أو كناية عن الأعمال المتخالفة لأن التفرق يلزمه الاختلاف.
والخطاب في قوله: ﴿ إن سعيكم ﴾ لجميع الناس من مؤمن وكافر.
واعلم أنه قد روي في «الصحيحين» عن علقمة قال: «دخلت في نفر من أصحاب عبد الله (يعني ابنَ مسعود) الشام فسمع بِنا أبو الدرداء فأتانا فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟
فقلت: أنا.
قال: كيف سمعتَه يقرأ؟
﴿ والليل إذا يغشى ﴾ قال سمعته يقرأ: «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى» قال: أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا».
وسماها في «الكشاف»: قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أي ثَبت أنه قرأ بها، وتأويل ذلك: أنه أقرأها أبا الدرداء أيام كان القرآن مرخَّصاً فيه أن يُقرأ على بعض اختلاف، ثم نُسخ ذلك الترخيص بما قرأ به النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وهو الذي اتفق عليه قراء القرآن.
وكتب في المصحف في زمن أبي بكر رضي الله عنه، وقد بينت في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير معنى قولهم: قراءة النبي صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"
(قوله) (١) ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾ .
قال الكلبي: تصدق من ماله، واتقى معصية ربه (٢) وقال مقاتل: أعطى المال في حق الله، واتقى الله (ومعصيته (٣) (٤) -.
(١) ساقط من (ع).
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) ساقط من: (ع).
<div class="verse-tafsir"
فأما من أعطى ما يلزمه بذله؛ من زكاة ونفقة وكفارة، واتقى ما نهى الله عنه.
<div class="verse-tafsir" id="91.3D4JP"