تفسير الآية ١٠ من سورة العلق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 96 العلق > الآية ١٠ من سورة العلق

عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰٓ ١٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 42 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٠ من سورة العلق من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة العلق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

نزلت في أبي جهل لعنه الله توعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عند البيت فوعظه تعالى بالتي هي أحسن أولا.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

ذُكر أن هذه الآية وما بعدها نـزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال فيما بلغنا: لئن رأيت محمدا يصلي، لأطأنّ رقبته؛ وكان فيما ذُكر قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي، فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي يَنْهاك أن تصلي عند المقام، وهو مُعرض عن الحقّ، مكذّب به.

يُعجِّب جلّ ثناؤه نبيه والمؤمنين من جهل أبي جهل، وجراءته على ربه، في نهيه محمدا عن الصلاة لربه، وهو مع أياديه عنده مكذّب به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح.

عن مجاهد.

في قول الله: ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى ) قال: أبو جهل، يَنْهي محمدا صلى الله عليه وسلم إذا صلى.

حدثنا بشر.

قال: ثنا يزيد.

قال: ثنا سعيد.

عن قتادة ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى ) نـزلت في عدوّ الله أبي جهل، وذلك لأنه قال: لئن رأيت محمدا يصلي لأطأنّ على عنقه، فأنـزل الله ما تسمعون.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قول الله: ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى ) قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا صلى الله عليه وسلم يصلي، لأطأنّ على عنقه؛ قال: وكان يقال: لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة أبو جهل.

حدثنا إسحاق بن شاهين الواسطيّ، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاءه أبو جهل، فنهاه أن يصلي، فأنـزل الله :( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى ...) إلى قوله: كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

عبدا وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - .

فإن أبا جهل قال : إن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه ; قاله أبو هريرة .

فأنزل الله هذه الآيات تعجبا منه .

وقيل : في الكلام حذف ; والمعنى : أمن هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"عبداً إذا صلى"،نزلت في أبي جهل ، نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا عبد الله بن معاذ ومحمد بن عبد الأعلى القيسي ، قالا حدثنا المعتمر عن أبيه ، حدثني نعيم بن أبي هند ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟

فقيل : نعم ، فقال : [ واللات ] والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ، ولأعفرن وجهه في التراب ، قال : فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، [ عزم ] ليطأ على رقبته ، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص ، على عقبيه ، ويتقي بيديه ، قال فقيل له : ما لك يا أبا الحكم ؟

قال : إن بيني وبينه لخندقا من نار ، وهولا وأجنحة .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ، قال : فأنزل الله - لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه - : كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى الآيات .

ومعنى " أرأيت " هاهنا تعجيب للمخاطب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«عبدا» هو النبي صلى الله عليه وسلم «إذا صلّى».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أرأيت أعجب مِن طغيان هذا الرجل (وهو أبو جهل) الذي ينهى عبدًا لنا إذا صلَّى لربه (وهو محمد صلى الله عليه وسلم)؟

أرأيت إن كان المنهي عن الصلاة على الهدى فكيف ينهاه؟

أو إن كان آمرًا غيره بالتقوى أينهاه عن ذلك؟

أرأيت إن كذَّب هذا الناهي بما يُدعى إليه، وأعرض عنه، ألم يعلم بأن الله يرى كل ما يفعل؟

ليس الأمر كما يزعم أبو جهل، لئن لم يرجع هذا عن شقاقه وأذاه لنأخذنَّ بمقدَّم رأسه أخذًا عنيفًا، ويُطرح في النار، ناصيته ناصية كاذبة في مقالها، خاطئة في أفعالها.

فليُحْضِر هذا الطاغية أهل ناديه الذين يستنصر بهم، سندعو ملائكة العذاب.

ليس الأمر على ما يظن أبو جهل، إنه لن ينالك -أيها الرسول- بسوء، فلا تطعه فيما دعاك إليه مِن تَرْك الصلاة، واسجد لربك واقترب منه بالتحبب إليه بطاعته.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي عن أبي جهل لعنه الله أنه قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟

قالوا: نعم، قال: فوالذي يحلف به لئن رأيته لأطأن عنقه، ثم إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فنكص على عقبيه، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟

فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.

وعن الحسن أن أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة.

واعلم أن ظاهر الآية أن المراد في هذه الآية هو الإنسان المتقدم ذكره، فلذلك قالوا: إنه ورد في أبي جهل، وذكروا ما كان منه من التوعد لمحمد عليه الصلاة والسلام حين رآه يصلي، ولا يمتنع أن يكون نزولها في أبي جهل، ثم يعم في الكل، لكن ما بعده يقتضي أنه في رجل بعينه.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ خطاب مع الرسول على سبيل التعجب، ووجه التعجب فيه أمور أحدها: أنه عليه السلام قال: «اللهم أعز الإسلام إما بأبي جهل بن هشام أو بعمر»، فكأنه تعالى قال له: كنت تظن أنه يعز به الإسلام، أمثله يعز به الإسلام، وهو: ينهى عبداً إذا صلى.

وثانيها: أنه كان يلقب بأبي الحكم، فكأنه تعالى يقول: كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى العبد عن خدمة ربه، أيوصف بالحكمة من يمنع عن طاعة الرحمن ويسجد للأوثان!.

وثالثها: أن ذلك الأحمق يأمر وينهى، ويعتقد أنه يجب على الغير طاعته، مع أنه ليس بخالق ولا رب، ثم إنه ينهى عن طاعة الرب والخالق، ألا يكون هذا غاية الحماقة.

المسألة الثالثة: قال: ﴿ ينهى عَبْداً ﴾ ولم يقل: ينهاك، وفيه فوائد أحدها: أن التنكير في عبداً يدل على كونه كاملاً في العبودية، كأنه يقول: إنه عبد لا يفي العالم بشرح بيانه وصفة إخلاصه في عبوديته يروى: في هذا المعنى أن يهودياً من فصحاء اليهود جاء إلى عمر في أيام خلافته فقال: أخبرني عن أخلاق رسولكم، فقال عمر: اطلبه من بلال فهو أعلم به مني.

ثم إن بلالاً دله على فاطمة ثم فاطمة دلته على علي عليه السلام، فلما سأل علياً عنه قال: صف لي متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه، فقال الرجل: هذا لا يتيسر لي، فقال علي: عجزت عن وصف متاع الدنيا وقد شهد الله على قلته حيث قال: ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ  ﴾ فكيف أصف أخلاق النبي وقد شهد الله تعالى بأنه عظيم حيث قال: ﴿ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ  ﴾ فكأنه تعالى قال: ينهى أشد الخلق عبودية عن العبودية وذلك عين الجهل والحمق.

وثانيها: أن هذا أبلغ في الذم لأن المعنى أن هذا دأبه وعادته فينهى كل من يرى.

وثالثها: أن هذا تخويف لكل من نهى عن الصلاة، روى عن علي عليه السلام أنه رأى في المصلى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم؟

فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الذي ينهى * عَبْداً إِذَا صلى ﴾ فلم يصرح بالنهي عن الصلاة، وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حيث قال له أبو يوسف: أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي؟

قال: يقول ربنا لك الحمد ويسجد ولم يصرح بالنهي.

ورابعها: أيظن أبو جهل أنه لو لم يسجد محمد لي لا أجد ساجداً غيره، إن محمد عبد واحد، ولي من الملائكة المقربين مالا يحصيهم إلا أنا وهم دائماً في الصلاة والتسبيح.

وخامسها: أنه تفخيم لشأن النبي عليه السلام يقول: إنه مع التنكير معرف، نظيره الكناية في سورة القدر حملت على القرآن ولم يسبق له ذكر.

﴿ أسرى بِعَبْدِهِ  ﴾ ﴿ أَنْزَلَ على عَبْدِهِ  ﴾ ﴿ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عبدُ الله  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن عباس ومجاهد: هي أول سورة نزلت وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم.

محل ﴿ باسم رَبّكَ ﴾ النصب على الحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربك، قل: بسم الله، ثم اقرأ.

فإن قلت: كيف قال: ﴿ خَلَقَ ﴾ فلم يذكر له مفعولاً، ثم قال: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ ؟

قلت: هو على وجهين: إما أن لا يقدّر له مفعول وأن يراد أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه.

وإما أن يقدّر ويراد خلق كل شيء، فيتناول كل مخلوق، لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض.

وقوله: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق؛ لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض.

ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، كما قال: ﴿ الرحمن عَلَّمَ القرءان خَلَقَ الإنسان ﴾ [الرحمن: 1- 2- 3] فقيل: ﴿ الذى خَلَقَ ﴾ مبهماً، ثم فسره بقوله: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ تفخيماً لخلق الإنسان.

ودلالة على عجيب فطرته.

فإن قلت: لم قال ﴿ مِنْ عَلَقٍ ﴾ على الجمع، وإنما خلق من علقة، كقوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ﴾ ؟

[غافر: 67] قلت: لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾ [العصر: 2] .

﴿ الأكرم ﴾ الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهي وإطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم، حيث قال: الأكرم ﴿ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم (4) عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ فدلّ على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلاّ هو، وما دوّنت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلاّ بالكتابة؛ ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا؛ ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره ودليل إلاّ أمر القلم والخط، لكفى به.

ولبعضهم في صفة القلم: وَرَوَاقِمُ رُقْشٍ كَمِثْلِ أَرَاقِم ** قُطْفِ الْخُطَا نَيَّالَةٍ أَقْصَى المُدَى سُودِ الْقَوَائِمِ مَا يَجِدُّ مِسِيرُهَا ** إلاَّ إذَا لَعِبَتْ بِهَا بِيضُ المُدَى وقرأ ابن الزبير: ﴿ علم الخط بالقلم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لِمَن كَفَرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِطُغْيانِهِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

﴿ إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى ﴾ ﴿ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى ﴾ أنْ رَأى نَفْسَهُ، واسْتَغْنى مَفْعُولُهُ الثّانِي لِأنَّهُ بِمَعْنى عَلِمَ ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ ومَفْعُولُهُ ضَمِيرَيْنِ لِواحِدٍ.

﴿ إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى ﴾ الخِطابُ لِلْإنْسانِ عَلى الِالتِفاتِ تَهْدِيدًا وتَحْذِيرًا مِن عاقِبَةِ الطُّغْيانِ، والرُّجْعى مَصْدَرٌ كالبُشْرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)

{أرأيت الذى ينهى عَبْداً إِذَا صلى} أي أرأيت أبا جهل ينهى محمدا عن الصلاة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ ﴿ عَبْدًا إذا صَلّى ﴾ ذِكْرٌ لِبَعْضِ آثارِ الطُّغْيانِ ووَعِيدٌ عَلَيْها.

ولَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في أنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والنّاهِيَ هو اللَّعِينُ أبُو جَهْلٍ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ أبا جَهْلٍ حَلَفَ بِاللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي لَيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَيُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو يُصَلِّي لِيَفْعَلَ فَما فَجَأهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ: لَهُ: ما لَكَ؟

فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا».

وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ كَلا إنَّ الإنْسانَ ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ».

وقَوْلُ الحَسَنِ هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ كانَ يَنْهى سَلْمانَ عَنِ الصَّلاةِ لا يَكادُ يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ إسْلامَ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ بِالمَدَنِيَّةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ كَما أنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ.

نَعَمْ حُكْمُ الآيَةِ عامٌّ فَإنْ كانَ ما حُكِيَ عَنْ أُمَيَّةَ واقِعًا فَحُكْمُها شامِلٌ لَهُ، والصَّلاةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ كانَتْ عَلى ما حَكى أبُو حَيّانَ صَلاةَ الظُّهْرِ، وحَكى أيْضًا أنَّها كانَتْ تُصَلّى جَماعَةً وهي أوَّلُ جَماعَةٍ أُقِيمَتْ في الإسْلامِ وأنَّهُ كانَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَمَرَّ أبُو طالِبٍ ومَعَهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ فَقالَ لَهُ: يا بُنَيَّ صِلْ جَناحَ ابْنِ عَمِّكَ، وانْصَرَفَ مَسْرُورًا وأنْشَأ يَقُولُ: إنَّ عَلِيًّا وجَعْفَرًا ثِقَتِي عِنْدَ مُلِمِّ الزَّمانِ والكَرْبِ واللَّهِ لا أخْذُلُ النَّبِيَّ ولا ∗∗∗ يَخْذُلُهُ مَن يَكُونُ مِن حَسَبِي لا تَخْذُلا وانْصُرا ابْنَ عَمِّكُما ∗∗∗ أخِي لِأُمِّي مِن بِينَهِمْ وأبِي وفِي هَذا نَظَرٌ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ بِلا خِلافٍ، وادَّعى ابْنُ حَزْمٍ الإجْماعَ عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وجَزَمَ ابْنُ فارِسٍ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَها بِسَنَةٍ وثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: بِسَنَةٍ وخَمْسَةِ أشْهُرٍ، ومَوْتُ أبِي طالِبٍ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِنَحْوِ ثَلاثِ سِنِينَ؛ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ وفاةِ خَدِيجَةَ بِثَلاثَةٍ، وقِيلَ: بِخَمْسَةِ أيّامٍ، وكانَتْ وفاتُها بَعْدَ البِعْثَةِ بِعَشْرِ سِنِينَ عَلى الصَّحِيحِ، فَأبُو طالِبٍ عَلى هَذا لَمْ يُدْرِكْ فَرْضِيَّةَ الصَّلاةِ.

نَعَمْ حَكى القاضِي عِياضٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ورَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ والقُرْطُبِيُّ أنَّ الإسْراءَ كانَ بَعْدَ البَعْثِ بِخَمْسِ سِنِينَ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ فَلْيُراجَعْ.

والنَّهْيُ قِيلَ: بِمَعْنى المَنعِ وعُبِّرَ بِهِ إشارَةً إلى عَدَمِ اقْتِدارِ اللَّعِينِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ أنَّهُ حَصَلَ مِنهُ نَهْيٌ لَفْظِيٌّ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «قالَ: كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا؟

ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا...

الحَدِيثَ».

والتَّعْبِيرُ بِما يُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ لِنَوْعِ غَرابَةٍ.

والرُّؤْيَةُ قِيلَ قَلْبِيَّةٌ، وكَذا في <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي تسع عشرة آية مكية قوله تبارك وتعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ يقول: اقرأ القرآن بأمر ربك، وهذه أول سورة نزلت من القرآن، وذلك أن النبيّ  ، لما بلغ أربعين سنة، كان يسمع صوتاً يناديه يا محمد، ولا يرى شخصه، وكان يخشى على نفسه الجنون، حتى رأى جبريل  يوماً في صورته، فغشي عليه، فحمل إلى بيت خديجة.

فقالوا لها تزوجت مجنوناً، فلما أفاق أخبر بذلك خديجة، فجاءت إلى ورقة بن نوفل، وكان يقرأ الإنجيل ويفسره.

ثم جاءت إلى عداس، وكان راهباً، فقال لها: إن له نبأ وشأناً، يظهر أمره.

فخرج النبيّ  يوماً إلى الوادي، فجاء جبريل-  - بهذه السورة، وأمره بأن يتوضأ ويصلي ركعتين، فلما رجع أعلم بذلك خديجة، وعلمها الصلاة وذلك قوله: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم: 6] يعني: علموهم وأدبوهم.

وروى معمر عن الزهري أنه قال: أخبرني عروة عن عائشة-  ا- أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله  من الوحي، الرؤيا الصالحة الصادقة، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

ثم حُبِّب الخلاءُ إليه.

يعني: العزلة وكان يأتي حراء، ويمكث هناك، ثم يرجع إلى خديجة.

فجاءه الملك، وهو على حراء فقال له: اقرأ فقال له رسول الله  : ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني ثانية، حتى بلغ مني الجهد.

ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني ثالثة، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فرجع ترجف بوادره، وقد أخذته الرّعدة، حتى دخل على خديجة، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فذلك قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ يعني: اقرأ بعون الله ووحيه إليك، ويقال معناه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ كقوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ يعني: اذكر ربك الذي خلق الخلائق.

ثم قال عز وجل: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ يعني: ابن آدم من دم عبيط، وقال في آية أخرى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (20) [المرسلات: 20] وقال في آية أخرى: خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: 5] وهذه الآيات يصدّق بعضها بعضاً، لأن أول الخلق مِّن تُرَابٍ، ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثم من مضغة.

كما بين الجملة في موضع آخر.

ثم قال عز وجل: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ يعني: اقرأ يا محمد-  - وربك يعينك ويفهمك، وإن كنت غير قارئ الْأَكْرَمُ يعني: ربك المتجاوز عن جهل العباد، ويقال: اقْرَأْ وقد تم الكلام، ثم استأنف فقال وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ يعني: الكريم ويقال الأكرم يعني: المكرم الذي يكرم من يشاء بالإسلام.

ثم قال: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ علم الكتابة، والخط بالقلم عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ يعني: علم آدم  أسماء كل شيء، يعني: ألهمه ويقال عَلَّمَ الْإِنْسانَ يعني: محمدا  ما لَمْ يَعْلَمْ يعني: القرآن كقوله مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: 52] ويقال: علم الإنسان ما لم يعلم، يعني: علم بني آدم ما لم يعلموا كقوله: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النحل: 78] .

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ العَلَقِ وَتُسَمّى: سُورَةَ القَلَمِ، وسُورَةَ العَلَقِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَهِيَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.

وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ في أوَّلِ الوَحْيِ خَمْسُ آياتٍ مِنها، ثُمَّ نَزَلَ باقِيها في أبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في الحَرْفَيْنِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ والباءُ زائِدَةٌ.

وَقالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: اذْكُرِ اسْمَهُ مُسْتَفْتِحًا بِهِ قِراءَتَكَ.

وإنَّما قالَ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ الخالِقُ دُونَ أصْنامِهِمْ.

والإنْسانُ هاهُنا: ابْنُ آدَمَ.

والعَلَقُ: جَمْعُ عَلَقَةٍ، وقَدْ بَيَّنّاها في سُورَةِ " الحَجِّ " قالَ الفَرّاءُ: لَمّا كانَ الإنْسانُ في مَعْنى الجَمْعِ جَمَعَ العَلَقَ مَعَ مُشاكَلَةِ رُؤُوسِ الآياتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: الأكْرَمُ: الَّذِي لا يُوازِيهِ كَرَمٌ، ولا يُعادِلُهُ في الكَرَمِ نَظِيرٌ.

وقَدْ يَكُونُ الأكْرَمُ بِمَعْنى الكَرِيمِ، كَما جاءَ الأعَزُّ والأطْوَلُ بِمَعْنى العَزِيزِ والطَّوِيلِ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الكَرِيمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيْ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ مِنَ الخَطِّ، والصَّنائِعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي لظهور أنه في غرض لا اتصال له بالكلام الذي قبله.

وحرف ﴿ كلاّ ﴾ ردع وإبطال، وليس في الجملة التي قبله ما يحتمل الإِبطال والردع، فوجود ﴿ كلا ﴾ في أول الجملة دليل على أن المقصود بالردع هو ما تضمنه قوله: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ الآية.

وحقُّ ﴿ كلاّ ﴾ أن تقع بعد كلام لإِبطاله والزجر عن مضمونه، فوقوعها هنا في أول الكلام يقتضي أن معنى الكلام الآتي بعدها حقيق بالإِبطال وبردع قائله، فابتدئ الكلام بحرف الردع للإِبطال، ومن هذا القبيل أن يفتتح الكلام بحرف نفي ليس بعده ما يصلح لأن يَلي الحرف كما في قول امرئ القيس: فلا وأبيككِ ابْنة العَامِر يّ لا يدَّعي القومُ أنّي أفِرّ رَوى مسلم عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: «قال أبو جهل: هل يَعْفِرُ محمد وجهه (أي يسجد في الصلاة) بين أظهركم؟

فقيل: نعم، فقال: واللاتتِ والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطَأنَّ على رقبته فأتَى رسولَ الله وهو يصلي زعَم لِيطأ على رقبته فما فجأهم منه إلا وهو يَنْكص على عقبيه ويتّقي بيده.

فقيل له: ما لك يا أبا الحَكم؟

قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهَوْلاً وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دَنا مني لاختطفته الملائكة عُضْواً عضواً قال: فأنزل الله، لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه: ﴿ إن الإنسان ليطغى ﴾ الآيات اه.

وقال الطبري: ذكر أن آية ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ وما بعدها نزلت في أبي جهل بن هشام وذلك أنه قال فيما بلغنا: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن رقبته.

فجعل الطبري ما أنزل في أبي جهل مبدوءاً بقوله: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ .

ووجه الجمع بين الروايتين: أن النازل في أبي جهل بعضه مقصود وهو ما أوّله ﴿ أرأيت الذي ينهى ﴾ الخ، وبعضه تمهيد وتوطئة وهو: ﴿ إن الإنسان ليطغى ﴾ إلى ﴿ الرجعى ﴾ .

واختلفوا في أن هذه الآيات إلى آخر السورة نزلت عقب الخمس الآيات الماضية وجعلوا مما يناكده ذِكر الصلاة فيها.

وفيما روي في سبب نزولها من قول أبي جهل بناءً على أن الصلاة فُرضت ليلة الإِسراء وكانَ الإِسراء بعد البعثة بسنين، فقال بعضهم: إنها نزلت بعد الآيات الخمس الأولى من هذه السورة، ونزل بينهن قرآن آخر ثم نزلت هذه الآيات، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاقها، وقال بعض آخر: ليست هذه السورة أول ما أنزل من القرآن.

وأنا لا أرى مناكدة تفضي إلى هذه الحيرة والذي يستخلص من مختلف الروايات في بدء الوحي وما عَقبه من الحوادث أن الوحي فتَر بعد نزول الآيات الخمس الأوائل من هذه السورة وتلك الفترة الأولى التي ذكرناها في أول سورة الضحى، وهناك فترة للوحي هذه ذكرها ابن إسحاق بعد أن ذكر ابتداء نزول القرآن وذلك يؤذن بأنها حصلت عقب نزول الآيات الخمس الأول ولكن أقوالهم اختلفت في مدة الفترة.

وقال السهيلي: كانت المدة سنتين، وفيه بعد.

وليس تحديد مدتها بالأمر المهم ولكن الذي يهم هو أنا نوقن بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مدة فترة الوحي يرى جبريل ويتلقى منه وحياً ليس من القرآن.

وقال السهيلي في «الروض الأنُف»: ذكر الحربي أن الصلاة قبل الإِسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس (أي العصر) وصلاة قبل طلوعها (أي الصبح)، وقال يحيى بن سلام مثله، وقال: كان الإِسراء وفرض الصلوات الخمس قبل الهجرة بعام اه.

فالوجه أن تكون الصلاة التي كان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم صلاة غير الصلوات الخمس بل كانت هيئة غير مضبوطة بكيفية وفيها سجود لقول الله تعالى: ﴿ واسجد واقترب ﴾ [العلق: 19] يؤديها في المسجد الحرام أو غيره بمرأى من المشركين فعظم ذلك على أبي جهل ونهاه عنها.

فالوجه أن تكون هذه الآيات إلى بقية السورة قد نزلت بعد فترة قصيرة من نزول أول السورة حدثت فيها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفشا فيها خبر بدء الوحي ونزول القرآن، جرياً على أن الأصل في الآيات المتعاقبة في القراءة أن تكون قد تعاقبت في النزول إلا ما ثبت تأخره بدليل بيِّن، وجرياً على الصحيح الذي لا ينبغي الالتفات إلى خلافه من أن هذه السورة هي أول سورة نزلت.

فموقع قوله: ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ موقع المقدمة لما يَرد بعده من قوله: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ إلى قوله: ﴿ لا تطعه ﴾ [العلق: 19] لأن مضمونه كلمة شاملة لمضمون: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فليدع ناديه ﴾ [العلق: 17].

والمعنى: أن ما قاله أبو جهل ناشئ عن طغيانه بسبب غناه كشأن الإِنسان.

والتعريف في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس، أي من طبع الإنسان أن يطغى إذا أحسّ من نفسه الاستغناء، واللام مفيدة الاستغراق العرفي، أي أغلب الناس في ذلك الزمان إلا من عصمه خُلقه أو دينه.

وتأكيد الخبر بحرف التأكيد ولام الابتداء لقصد زيادة تحقيقه لغرابته حتى كأنه مما يتوقع أن يشك السامع فيه.

والطغيان: التعاظم والكبر.

والاستغناء: شدة الغنى، فالسين والتاء فيه للمبالغة في حصول الفعل مثل استجاب واستقر.

و ﴿ وَأنْ رآه ﴾ متعلق ب«يطغى» بحذف لام التعليل لأن حذف الجار مع (أنْ) كثير شائع، والتقدير: إنّ الإِنسان ليطغى لرؤيته نفسه مستغنياً.

وعلة هذا الخُلق أن الاستغناء تحدث صاحبَه نفسُه بأنه غير محتاج إلى غيره وأن غيره محتاج فيرى نفسه أعظم من أهل الحاجة ولا يزال ذلك التوهم يربو في نفسه حتى يصير خلقاً حيث لا وازع يزعه من دين أو تفكير صحيح فيطغى على الناس لشعوره بأنه لا يخاف بأسهم لأن له ما يدفع به الاعتداء من لأمةِ سلاححٍ وخدممٍ وأعوان وعُفاة ومنتفعين بماله من شركاء وعمال وأُجراء فهو في عزة عند نفسه.

فقد بينت هذه الآية حقيقةً نفسية عظيمة من الأخلاق وعلم النفس.

ونبهت على الحذر من تغلغلها في النفس.

وضمير ﴿ رآه ﴾ المستتر المرفوع على الفاعلية وضميرُه البارز المنصوب على المفعولية كلاهما عائد إلى الإِنسان، أي أن رأى نفسه استغنى.

ولا يجتمع ضميران متحدا المعاد: أحدهما فاعل، والآخر مفعول في كلام العرب، إلا إذا كان العامل من باب ظن وأخواتها كما في هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿ قال أرأيتك هذا الذي كرمت عليَّ ﴾ في سورة الإسراء (62).

قال الفراء: والعرب تطرح النفس من هذا الجنس (أي جنس أفعال الظن والحسبان) تقول: رأيتُني وحسبتُني، ومتى تَراك خارجاً، ومتى تظُنك خارجاً، وألحقت (رأى) البصرية ب (رأى) القلبية عند كثير من النحاة كما في قول قطري بن الفجاءة: فلقد أراني للرِّمَاح دَريئة *** من عن يميني مرة وأمامي ومن النادر قول النّمر بن تَوْلَب: قد بِتُّ أحْرُسُنِي وَحْدِي وَيَمْنَعُنِي *** صوتُ السباع به يضبَحْن والْهامِ وقرأ الجميع أن رآه} بألف بعد الهمزة، وروى ابن مجاهد عن قنبل أنه قرأه عن ابن كثير «رأه» بدون ألف بعد الهمزة، قال ابن مجاهد: هذا غلط ولا يعبأ بكلام ابن مجاهد بعد أن جزم بأنه رواه عن قنبل، لكن هذا لم يروه غير ابن مجاهد عن قنبل فيكون وجهاً غريباً عن قنبل.

وأُلحق بهذه الأفعال: فعل فقَدَ وفعل عَدِم إذا استعملا في الدعاء نحو قول القائل: فقَدْتُني وعَدِمْتُني.

وجملة: ﴿ إن إلى ربك الرجعى ﴾ معترضة بين المقدمة والمقصد والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم أي مرجع الطاغي إلى الله، وهذا موعظة وتهديد على سبيل التعريض لمن يسمعه من الطغاة، وتعليم للنبيء صلى الله عليه وسلم وتثبيت له، أي لا يحزنك طغيان الطاغي فإن مرجعه إليّ، ومرجع الطاغي إلى العذاب قال تعالى: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مئاباً ﴾ [النبأ: 21، 22] وهي موعظة للطاغي بأن غناه لا يدفع عنه الموت، والموت: رجوع إلى الله كقوله: ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ﴾ [الانشقاق: 6].

وفيه معنى آخر وهو أن استغناءه غير حقيقي لأنه مفتقر إلى الله في أهم أموره ولا يدري ماذا يصيِّره إليه ربُّه من العواقب فلا يَزْدَهِ بغنًى زائف في هذه الحياة فيكون: ﴿ الرجعى ﴾ مستعملاً في مجازه، وهو الاحتياج إلى المرجوع إليه، وتأكيد الخبر ب (إن) مراعى فيه المعنى التعريضي لأن معظم الطغاة ينسون هذه الحقيقة بحيث يُنزَّلون منزلة من ينكرها.

و ﴿ الرجعى ﴾ : بضم الراء مصدر رجع على زنة فُعلى مثل البُشرى.

وتقديم ﴿ إلى ربك ﴾ على ﴿ الرجعى ﴾ للاهتمام بذلك.

وجملة: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ إلى آخرها هي المقصود من الردع الذي أفاده حرف ﴿ كلاّ ﴾ ، فهذه الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً متصلاً باستئناف جملة: ﴿ إن الإنسان ليطغى ﴾ .

و ﴿ الذي ينهى ﴾ اتفقوا على أنه أريد به أبو جهل إذ قال قولاً يريد به نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في المسجد الحرام فقال في ناديه: لئن رأيت محمداً يصلي في الكعبة لأطَأنَّ على عنقه.

فإنه أراد بقوله ذلك أن يبلُغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو تهديد يتضمن النهي عن أن يصلي في المسجد الحرام ولم يروَ أنه نهاه مشافهة.

و ﴿ أرأيت ﴾ كلمة تعجيب من حاللٍ، تُقال للذي يُعْلَم أنه رأى حالاً عجيبة.

والرؤية علمية، أي أعلمت الذي ينهى عبداً والمستفهم عنه هو ذلك العلم، والمفعول الثاني ل«رأيت» محذوف دل عليه قوله في آخر الجمل ﴿ ألم يعلم بأن الله يرى ﴾ [العلق: 14].

والاستفهام مستعمل في التعجيب لأن الحالة العجيبة من شأنها أن يستفهم عن وقوعها استفهام تحقيق وتثبيت لِنَبئها إذ لا يكاد يصدق به، فاستعمال الاستفهام في التعجيب مجاز مرسل في التركيب.

ومجيء الاستفهام في التعجيب كثير نحو ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ [الغاشية: 1].

والرؤية علمية، والمعنى: أعجب ما حصل لك من العلم قال الذي ينهى عبداً إذا صلى.

ويجوز أن تكون الرؤية بصرية لأنها حكاية أمر وقع في الخارج والخطاب في ﴿ أرأيت ﴾ لغير معيّن.

والمراد بالعبد النبي صلى الله عليه وسلم وإطلاق العبد هنا على معنى الواحد من عباد الله أيّ شَخْصصٍ كما في قوله تعالى: ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ﴾ [الإسراء: 5]، أي رجالاً.

وعدل عن التعبير عنه بضمير الخطاب لأن التعجيب من نفس النهي عن الصلاة بقطع النظر عن خصوصية المصلّي.

فشموله لنهيه عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أوقع، وصيغة المضارع في قوله: ﴿ ينهى ﴾ لاستحضار الحالة العجيبة وإلا فإن نهيه قد مضى.

والمنهي عنه محذوف يغني عنه تعليق الظرف بفعل ﴿ ينهى ﴾ أي نهاه عن صلاته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ العَلَقِ قَوْلُهُ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ رُوِيَ عَنْ عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ  أوَّلَ ما أتاهُ بِنَمَطٍ فَغَطَّهُ فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: واَللَّهِ ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّهُ ثُمَّ قالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: واَللَّهِ ما أنا بِقارِئٍ فَغَطَّهُ غَطًّا شَدِيدًا ثُمَّ قالَ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ » أيِ اسْتَفْتِحْ قِراءَتَكَ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وإنَّما قالَ الَّذِي خَلَقَ لِأنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَعْبُدُ آلِهَةً لَيْسَ فِيهِمْ خالِقٌ غَيْرُهُ تَعالى، فَمَيَّزَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ لِيَزُولَ عَنْهُ الِالتِباسُ.

«رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ثُمَّ بَعْدَها ﴿ ن والقَلَمِ ﴾ ثُمَّ بَعْدَها ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ثُمَّ بَعْدَها ﴿ والضُّحى ﴾ » .

﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ ﴾ يُرِيدُ بِالإنْسانِ جِنْسَ النّاسِ كُلِّهِمْ، خُلِقُوا مِن عَلَقٍ بَعْدَ النُّطْفَةِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، والعَلَقَةُ قِطْعَةٌ مِن دَمٍ رَطْبٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعْلَقُ لِرُطُوبَتِها بِما تَمُرُّ عَلَيْهِ، فَإذا جَفَّتْ لَمْ تَكُنْ عَلَقَةً، قالَ الشّاعِرُ تَرَكْناهُ يَخِرُّ عَلى يَدَيْهِ يَمُجُّ عَلَيْهِما عَلَقَ الوَتِينِ وَيَحْتَمِلُ مُرادُهُ بِذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُبَيِّنَ قَدْرَ نِعْمَتِهِ عَلى الإنْسانِ بِأنَّ خَلَقَهُ مِن عَلَقَةٍ مَهِيئَةٍ حَتّى صارَ بَشَرًا سَوِيًّا وعاقِلًا مُتَمَيِّزًا.

الثّانِي: أنَّهُ كَما نُقِلَ الإنْسانُ مِن حالٍ إلى حالٍ حَتّى اسْتَكْمَلَ، كَذَلِكَ نَقْلُكَ مِنَ الجَهالَةِ إلى النُّبُوَّةِ حَتّى تَسْتَكْمِلَ مَحَلَّها.

﴿ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ أيِ الكَرِيمُ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: اقْرَأْ بِأنَّ رَبَّكَ هو الأكْرَمُ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما تَقَدَّمَ مِن نِعَمِهِ دَلَّ بِها عَلى نِعْمَةِ كَرَمِهِ.

قالَ إبْراهِيمُ بْنُ عِيسى اليَشْكَرِيُّ: مِن كَرَمِهِ أنْ يَرْزُقَ عَبْدَهُ وهو يَعْبُدُ غَيْرَهُ.

﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيْ عَلِّمِ الكاتِبَ أنْ يَكْتُبَ بِالقَلَمِ، وسُمِّيَ قَلَمًا لَأنَّهُ يُقَلَّمُ أيْ يُقْطَعُ، ومِنهُ تَقْلِيمُ الظُّفْرِ.

وَرَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعَةَ أشْياءَ بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ لِسائِرِ الخَلْقِ: كُنْ، فَكانَ، القَلَمَ والعَرْشَ وجَنَّةَ عَدْنٍ وآدَمَ.

وَفِيمَن عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن كَتَبَ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

الثّانِي: إدْرِيسُ وهو أوَّلُ مَن كَتَبَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ كُلَّ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ لِأنَّهُ ما عَلِمَ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ لَهُ، وجَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في خَلْقِهِ وبَيْنَ نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في تَعْلِيمِهِ اسْتِكْمالًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِ.

﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الخَطُّ بِالقَلَمِ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: عَلَّمَهُ كُلَّ صُنْعِهِ عَلِمَها فَتَعَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: عَلَّمَهُ مِن حالِهِ في ابْتِداءِ خَلْقِهِ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى خَلْقِهِ وأنْ يَنْقُلَهُ مِن بَعْدُ عَلى إرادَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

(قوله تعالى) (١) يعني: أبا جهل (٢)  - يصلي لأطأن على رقبته، فأنزل الله هذه الآيات (٣) (١) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢) قال ابن عطية: ولم يختلف أحد من المفسرين في أن الناهي أبو جهل، وأن العبد المصلي: محمد -  -.

"المحرر الوجيز" 5/ 502.

قال ابن حجر: وإنما شدد الأمر في حق أبي جهك دون غيره مما بلغ أذاه ما بلغه أبو جهل، وذلك لأن أبا جهل زاد في التهديد وبدعوى أهل طاعته، وبإرادة وطء العنق الشريف، وفي ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة لو فعل ذلك.

"فتح الباري" 8/ 724.

(٣) أخرجه سلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفَّرُ محمد وجهه بين أظهركم؟

قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، ولأعفّرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله -  - وهو يصلي -زعم- ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئَهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟

فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار، وهولاً، وأجنحة بيديه، فقال رسول الله -  -: "لودنا مني لاختطفته الملائكة عُضواً عُضواً".

قال: فأنزل الله عز وجل -لا تدري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه-: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ وذكر تمام السورة.

4/ 2154، ح: 38: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: باب 6.

كما أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 2/ 370، والنسائي في تفسيره: 2/ 534 - 535، ح: 703: سورة اقرأ باسم ربك.

وعزاه المزي في "تحفة الأشراف" للنسائي الكبرى 10/ 92 ح 13436 كتاب الملائكة كلاهما بهذا الإسناد.

"جامع البيان" 30/ 253، و"النكت والعيون" 6/ 306، و"معالم التنزيل" 4/ 508، و"زاد المسير" 8/ 279، و"التفسير الكبير" 32/ 20، و"لباب التأويل" 4/ 294، و"الصحيح المسند" 235، و"لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 232، و"الكشف والبيان" 13/ 122 أ، و"الدر المنثور" 8/ 565 وعزاه إلى ابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، و"دلائل النبوة" 1/ 189.

وممن قال أنها نزلت في أبي جهل: مجاهد، وقتادة، وابن عباس.

"جامع البيان" 30/ 254، وعزاه الوادعي صاحب "الصحيح المسند" إلى ابن عباس بسند صحيح 236 بنحوه.

وفيه فأنزل الله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴾ إلى قوله: ﴿ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ .

قال ابن عاشور -بعد ما ذكر رواية أبي هريرة في نزول ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴾ -: ورواه ابن عباس في نزول ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴾ لأن كلاهما في أبي جهل.

ووجه الجمع بين الروايتين أن النازل في أبي جهل بعضه مقصود، وهو ما أوله: == ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴾ الخ وبعضه تمهيد وتوطئة، وهو ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴾ إلى (الرجعى).

"التحرير والتنوير" 5/ 446 - 447 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى ﴾ نزل هذا وما بعده إلى آخر السورة في أبي جهل بعد نزول صدرها بمدة، وذلك أنه كان يغطى بكثرة ماله ويبالغ في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، وكلا هنا يحتمل أن تكون زجراً لأبي جهل أو بمعنى حقاً أو استفتاحاً ﴿ أَن رَّآهُ استغنى ﴾ في موضع المفعول من أجله، أي يطغى من أجل غناه.

والرؤية هنا بمعنى العلم، بدليل إعمال الفعل في الضمير، ولا يكون ذلك إلا في أفعال القلوب، والمعنى رأى نفسه استغنى واستغنى هو المفعول الثاني ﴿ إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى ﴾ هذا تهديد لأبي جهل وأمثاله ﴿ أَرَأَيْتَ الذي ينهى * عَبْداً إِذَا صلى ﴾ اتفق المفسرون أن العبد الذي صلى هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الذي نهاه أبو جهل لعنه الله، وسبب الآية «أن أبا جهل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في المسجد الحرام فهم أن يصل إليه ويمنعه من الصلاة» وروي أنه قال: «لئن رأيته يصلي، لأطأنّ عنقه، فجاءه وهو يصلي ثم انصرف عنه مرعوباً فقيل له: ما هذا؟

فقال: لقد اعترض بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً» .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ﴾ : ذكر أهل التأويل أن هذه السورة أول سورة نزلت على رسول الله  ، وأول وحي أوحي إليه.

وقيل: غير هذه هي الأولى.

ثم الإشكال أنه أمره بأن يقرأ باسم ربك الذي خلق، وحق هذا ونحوه إذا قيل له: اقرأ، أو افعل: ألا يقول مثل ما قيل له: اقرأ أو افعل؛ لأنه أمر في الظاهر إنما يكون عليه الائتمار بذلك، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ، و [، ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ  ﴾ ] وكذلك على هذا قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ...

 ﴾ وأمثال ذلك، يجب ألا يقول هو مثل ما قيل: له: ﴿ قُلْ ﴾ ، أو: ﴿ ٱقْرَأْ ﴾ ، ولكن يقول: "يا أيها الكافرون"، ويقول: "هو الله أحد"، "أعوذ برب الفلق"، "أعذوب برب الناس"، هذا هو وجه الكلام ومعناه.

وجوابه أنه يحتمل وجوها: أحدها: [أنه] أريد بهذا أن يكون قرآنا يقرأ هكذا في حق القراءة يبقى، ويثبت في المصاحف إلى آخر الدهر؛ ليعلم كيف قيل لرسول الله؟

وكيف أوحي إليه؟

وأنه لم يترك مما قيل له حرفا واحدا؛ ليكون حجة لرسالته وآية لنبوته، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون كذلك على خلاف المفهوم من كلام الناس؛ لئلا يكون المفهوم من وحي السماء والمنزل منها كخطاب بعض بعضا، ولكن خلاف [المفهوم] منه.

والثاني: أن يكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، خطاب جبريل -  - رسول الله  به، وأمره أن يقرأ، ثم يأمر رسول الله  غيره بذلك، وذلك الغير يقول لآخر كذلك؛ فيكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ﴾ يحتمل أن يريد به [أي]: افتتح القراءة باسم ربك على ما جعل افتتاح كل شيء باسم الرب -  - لينال بركة ذلك فيه.

والثاني: أن يكون ما ذكر على اثر اسم ربه، وهو تفسير اسم ربه؛ حيث قال: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ ؛ فيكون هذا تفسيرا لما ذكر من اسم ربه.

أو يكون قوله: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ كما يقال: "أسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت"، وذلك الاسم مكتوم بين أسمائه.

ثم قوله: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ يخرج إضافته إليه مخرج التعظيم لرسول الله  ، وخصوصيته له؛ على ما ذكرنا إن إضافة خاصية الأشياء إلى الله -  - تخرج مخرج تعظيم ذلك الخاص، من ذلك قوله: [ ﴿ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ  ﴾ ] و ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ  ﴾ ، ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ ، ونحو ذلك من إافة خاصية الأشياء إليه؛ وإضاضفة كلية الاشياء إلى الله -  - تخرج مخرج تعظيم الرب والمحمدة له، نحو قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، و ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، و ﴿ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ .

ثم لا يجوز إضافة الخاص الذي لا خصوصية ظهرت له إلى الله -  - لا يجوز أن يقال: يا رب زيد، ويا رب عمرو، ونحو ذلك؛ إنما يجوز ذلك فيمن ظهرت له خصوصية [و] فضل من الأنبياء والرسل والملائكة، عليهم السلام، والبقاع والأمكنة التي ظهرت لها خصوصية وفضل؛ ليكون ذلك تعظيما لها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ : العلق: الدم الجامد، [ثم قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ ] أراد به كل إنسان، و ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ كذلك؛ ليعلم أن الاسم الفرد [إذا دخله] لام التعريف أريد به العموم، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ  ﴾ .

ثم في الآية دلالة على إبطال قول من يدعي طهارة النطفة؛ بعلة أن الإنسان خلق منها؛ فإنه أخبر أنه خلق الإنسان من علق، نسب خلق الإنسان إليه، ولا شك أن العلق نجس، ثم أخبر أنه خلق الإنسان منه؛ فعلى ذلك جائز أن تكون النطفة التي منها يخلق الإنسان نجسة، وذلك غير مستحيل.

ثم أضاف [خلقه مرة أخرى إلى] الأحوال التي قلب منها، حيث قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، وأضاف هاهنا إلى حالة واحدة، وهي العلقة التي ذكر، وإن لم يكن الإنسان في الحقيقة مخلوقا من العلقة والنطفة والتراب الذي ذكر؛ لأن هذه [الأسماء] أسامي هذه الأشياء باعتبار خاصيات فيها، وتلك الخاصيات تنعدم باعتراض حال أخرى عليها، وإنما يخلق الإنسان من المضغة وإنما خلق الإنسان منه، ونسبه إلى ما ذكر؛ لما أن الإنسان هو المقصود من [خلق ذلك، وهو النهاية التي ينتهي إليها، فذكر بالذي ينتهي إليه من] الغاية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ﴾ : ذكر ﴿ ٱلأَكْرَمُ ﴾ ؛ ليعلم أن اختياره واصطفاءه لرسالته ونبوته، وتعليم القرآن ابتداء إحسان من [إليه] وتفضل عليه، لا بحق له عليه؛ إذا ذكر في موضع المنة والفضل والكرم؛ إذ الأكرم هو الوصف لغاية الكرم؛ كلأعلم وصف بإحاطة العلم وكماله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .

جعل الله -  - القلم سببا به يحفظ، وبه يثبت، وبه يوصل إلى حفظ ما يحخاف فوته ونسيانه من أمر دينهم ودنياهم، ما لو لم يكن القلم، لم يستقم أمر دينهم ولا دنياهم.

ثم قوله: ﴿ عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ﴾ ، أي: علم الخط والكتابة بالقلم.

وكذا ذكر في حرف ابن مسعود وأبي وحفصة -  م -: (علم الخط بالقلم).

ثم أضاف التعليم بالقلم إلى نفسه.

وكذلك قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ ؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون أضاف ذلك إلى نفسه؛ لما يخلق منهم فعل تعلمهم.

ويحتمل إضافته إليه؛ للأسباب التي جعلها لهم في التعليم، [والله أعلم].

ثم ذلك التعليم بالقلم لأمته، لا لرسول الله  ؛ لأنه علم أياه بلا كناية ولا خط؛ حيث قال: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ ، ثم في تعليم رسول الله  بلا قلم ولا كتابة آية عظيمة لرسالته، حيث جعله بحال يحفظ بقلبه بلا إثبات، ولا كتابة، ولا خط يخطه.

ثم قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ يحتلم رسول الله  ؛ لقوله: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ  ﴾ .

ويحتمل [قوله]: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ : كل إنسان؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً  ﴾ .

وقوله - عز جل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ : طغى بالغنى، أي: تكبر، وافتخر بما رأى نفسه غنية، وعلى هذا ما روي في الخبر [من] التعوذ من غنى يطغي، وفقر ينسي؛ لأن الغنى يحمل على التكبر والافتخار، والطغيان هو المجاوزة عن الحد والتعدي فيه، والفقر المنسي: هو المجهد الذي ينسي غيره من النعم، أعني: ينسي غير المال من صحة البدن والعقل والعلم ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ ، ليس هذا وصف ذلك الكافر بعينه على ما ذكره أهل التأويل -: أبي جهل لعنه الله - ولكن كل كافر يطغى؛ إن رأى نفسه غنية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ ﴾ : أي: المرجع كذا قال أبو عبيد.

وقال غيره: الرجوع.

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ ﴾ ، أي: المرجع للكل إلى ما أعد لهم: أعد للكافر النار، وللمؤمن الجنة؛ على ما ذكر في الآية.

وجائز أن يكون إخبارا عن رجوع الكل إليه.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ﴾ ، أريد به إنسان دون إنسان؛ إذ لم يطغ كل إنسان، ولا يخلف يقع في خبر الله  ؛ فكأن المراد منه: البعض؛ ليعلم أن الفهم بظاهر الخطاب والعموم ليس بواجب، ولكن على حسب قيام الدليل على المراد منهز وفيه أن المراد منه قد يكون مبينا مقرونا به، وقد يكون مطلوبا غير مقرون به.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

عبدنا محمدًا  إذا صلَّى عند الكعبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.vLEq0"

مزيد من التفاسير لسورة العلق

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله