الإسلام > القرآن > سور > سورة 96 العلق > الآية ١١ من سورة العلق
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١ من سورة العلق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أي فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله.
القول في تأويل قوله تعالى : أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) يقول تعالى ذكره: ( أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ) محمد ( عَلَى الْهُدَى ) يعني: على استقامة وسَدَاد في صلاته لربه.
قوله تعالى : أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوىأي أرأيت يا أبا جهل إن كان محمد على هذه الصفة ، أليس ناهيه عن التقوى والصلاة هالكا ؟
{ إِنْ كَانَ } العبد المصلي { عَلَى الْهُدَى } العلم بالحق والعمل به،
وكرر هذه اللفظة للتأكيد :أرأيت إن كان إلى الهدى يعني العبد المنهي وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - .
«أرأيت إن كان» المنهي «على الهدى».
أرأيت أعجب مِن طغيان هذا الرجل (وهو أبو جهل) الذي ينهى عبدًا لنا إذا صلَّى لربه (وهو محمد صلى الله عليه وسلم)؟
أرأيت إن كان المنهي عن الصلاة على الهدى فكيف ينهاه؟
أو إن كان آمرًا غيره بالتقوى أينهاه عن ذلك؟
أرأيت إن كذَّب هذا الناهي بما يُدعى إليه، وأعرض عنه، ألم يعلم بأن الله يرى كل ما يفعل؟
ليس الأمر كما يزعم أبو جهل، لئن لم يرجع هذا عن شقاقه وأذاه لنأخذنَّ بمقدَّم رأسه أخذًا عنيفًا، ويُطرح في النار، ناصيته ناصية كاذبة في مقالها، خاطئة في أفعالها.
فليُحْضِر هذا الطاغية أهل ناديه الذين يستنصر بهم، سندعو ملائكة العذاب.
ليس الأمر على ما يظن أبو جهل، إنه لن ينالك -أيها الرسول- بسوء، فلا تطعه فيما دعاك إليه مِن تَرْك الصلاة، واسجد لربك واقترب منه بالتحبب إليه بطاعته.
وقوله - سبحانه - : ( أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى .
أَوْ أَمَرَ بالتقوى ) خطاب آخر للنبى صلى الله عليه وسلم أى : أرأيت - أيها الرسول الكريم - إن صار هذا الإِنسان - الطاغى والكافر - على الهدى ، فاتبع الحق ، ودعا إلى البر والتقوى .
.
أما كان ذلك خيرا له من الإِصرار على الكفر .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ خطاب لمن؟
فيه وجهان الأول: أنه خطاب للنبي عليه السلام، والدليل عليه أن الأول وهو قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الذي ينهى * عَبْداً ﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم والثالث وهو قوله: ﴿ أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى ﴾ للنبي عليه الصلاة والسلام فلو جعلنا الوسط لغير النبي لخرج الكلام عن النظم الحسن، يقول الله تعالى يا محمد: أرأيت إن كان هذا الكافر، ولم يقل: لو كان إشارة إلى المستقبل كأنه يقول: أرأيت إن صار على الهدى، واشتغل بأمر نفسه، أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة، فلو اختار الدين والهدى والأمر بالتقوى، أما كان ذلك خيراً له من الكفر بالله والنهي عن خدمته وطاعته، كأنه تعالى يقول: تلهف عليه كيف فوت على نفسه المراتب العالية وقنع بالمراتب الدنيئة.
القول الثاني: أنه خطاب للكافر، لأن الله تعالى كالمشاهد للظالم والمظلوم، وكالمولى الذي قام بين يديه عبدان، وكالحاكم الذي حضر عنده المدعي، والمدعى عليه فخاطب هذا مرة، وهذا مرة.
فلما قال للنبي: ﴿ أَرَأَيْتَ الذي ينهى * عَبْداً إِذَا صلى ﴾ التفت بعد ذلك إلى الكافر، فقال: أرأيت يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمراً بالتقوى أتنهاه مع ذلك.
المسألة الثانية: هاهنا سؤال وهو أن المذكور في أول الآية.
هو الصلاة وهو قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الذي ينهى * عَبْداً إِذَا صلى ﴾ والمذكور هاهنا أمران، وهو قوله: ﴿ أَرَءيْتَ إِن كَانَ على الهدى ﴾ في فعل الصلاة، فلم ضم إليه شيئاً ثانياً، وهو قوله: ﴿ أَوْ أَمَرَ بالتقوى ﴾ ؟
جوابه: من وجوه: أحدها: أن الذي شق على أبي جهل من أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام هو هذان الأمران الصلاة والدعاء إلى الله، فلا جرم ذكرهما هاهنا.
وثانيها: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يوجد إلا في أحد أمرين، إما في إصلاح نفسه، وذلك بفعل الصلاة أو في إصلاح غيره، وذلك بالأمر بالتقوى.
وثالثها: أنه عليه السلام كان في صلاته على الهدى وآمراً بالتقوى، لأن كل من رآه وهو في الصلاة كان يرق قلبه.
فيميل إلى الإيمان، فكان فعل الصلاة دعوة بلسان الفعل، وهو أقوى من الدعوة بلسان القول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلاَّ ﴾ ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه ﴿ أَن رَّءاهُ ﴾ أن رأى نفسه.
يقال: في أفعال القلوب: رأيتني وعلمتني، وذلك بعض خصائصها.
ومعنى الرؤية: العلم، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين.
و ﴿ استغنى ﴾ هو المعفول الثاني ﴿ إِنَّ إلى رَبّكَ الرجعى ﴾ واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان، تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان.
والرجعى: مصدر كالبشرى بمعنى الرجوع.
وقيل: نزلت في أبي جهل.
وكذلك ﴿ أَرَءَيْتَ الذى ينهى (9) ﴾ وروي: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتزعم أن من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال مكة فضة وذهباً، لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك، فنزل جبريل فقال: إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة، فكفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء إبقاء عليهم.
وروي عنه لعنه الله أنه قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
قالوا: نعم.
قال: فوالذي يحلف به، لئن رأيته توطأت عنقه، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم، فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة ﴿ أَرءَيْتَ الذى ينهى (9) ﴾ ومعناه: أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله.
أو كان آمراً بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد، وكذلك إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح، كما نقول نحن ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى (14) ﴾ ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب ذلك.
وهذا وعيد.
فإن قلت: ما متعلق أرأيت؟
قلت: الذي ينهى مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين.
فإن قلت: فأين جواب الشرط؟
قلت: هو محذوف، تقديره: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى، ألم يعلم بأن الله يرى؟
وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: فكيف صحّ أن يكون ﴿ أَلَمْ يَعْلَم ﴾ جواباً للشرط؟
قلت: كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني؟
وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟
فإن قلت: فما أرأيت الثانية وتوسطها بين مفعول أرأيت؟
قلت: هي زائدة مكرّرة للتوكيد.
وعن الحسن أنه أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع لأبي جهل وخسوء له عن نهيه عن عبادة الله تعالى وأمره بعبادة اللات، ثم قال ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ﴾ عما هو فيه ﴿ لَنَسْفَعاً بالناصية ﴾ لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار.
والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدّة.
قال عمرو بن معديكرب: قَوْمٌ إذَا يَقَعُ الصَّرِيخُ رَأَيْتَهُمْ ** مِنْ بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أَوْ سَافِعِ وقرئ: ﴿ لنسفعنّ ﴾ بالنون المشدّدة.
وقرأ ابن مسعود: لأسفعا.
وكتبتها في المصحف بالألف على حكم الوقف، ولما علم أنها ناصية المذكور، اكتفى بلام العهد عن الإضافة ﴿ نَاصِيَةٍ ﴾ بدل من الناصية؛ وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة؛ لأنها وصفت فاستقلت بفائدة.
وقرئ: ﴿ ناصية ﴾ على: هي ناصية، وناصية بالنصب.
وكلاهما على الشتم.
ووصفها بالكذب والخطأ على الإسناد المجازي.
وهما في الحقيقة لصاحبها.
وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك: ناصية كاذب خاطئ.
والنادي: المجلس الذي ينتدى فيه القوم.
أي: يجتمعون.
والمراد: أهل النادي.
كما قال جرير: لَهُمْ مَجْلِسٌ صُهْبُ السِّبَالِ أَذِلَّةٌ وقال زهير: وَفِيهِمْ مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوهُهُمْ والمقامة: المجلس.
روى: أن أبا جهل مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فقال: ألم أنهك؟
فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: «أتهدّدني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً» ، فنزلت.
وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ سيدعى الزبانية ﴾ على البناء للمفعول، والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحدة، زبنية، كعفرية، من الزبن: وهو الدفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم أمسى؛ وأصله: زباني، فقيل: زبانية على التعويض؛ والمراد: ملائكة العذاب.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عياناً» ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع لأبي جهل ﴿ لاَ تُطِعْهُ ﴾ أي اثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ المكذبين ﴾ [القلم: 8] .
﴿ واسجد ﴾ ودم على سجودك، يريد: الصلاة ﴿ واقترب ﴾ وتقرّب إلى ربك.
وفي الحديث: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصّل كله» .
﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ عَبْدًا إذا صَلّى نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ قالَ: لَوْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا ساجِدًا لَوَطِئْتُ عُنُقَهُ، فَجاءَهُ ثُمَّ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: ما لَكَ؟
فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً.
فَنَزَلَتْ ولَفْظُ العَبْدِ وتَنْكِيرُهُ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ النَّهْيِ والدَّلالَةِ عَلى كَمالِ عُبُودِيَّةِ المَنهِيِّ.
﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى ﴾ ﴿ أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى ﴾ أرَأيْتَ تَكْرِيرٌ لِلْأوَّلِ وكَذا الَّذِي في قَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"
{أرأيت إِن كَانَ على الهدى} أي إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى ﴾ ﴿ أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ المَوْصُولِ ولِلثّانِي والثّالِثِ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ أوِ اسْمُ إشارَةٍ يُشارُ بِهِ إلَيْهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلثّالِثِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى ﴾ والأوَّلانِ مُتَوَجِّهانِ إلَيْهِ أيْضًا وهو مُقَدَّرٌ عِنْدَهُما، وتُرِكَ إظْهارُهُ اخْتِصارًا ونَظِيرُ ذَلِكَ أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ وفَدْتَ عَلَيْهِ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنِ اسْتَخْبَرْتَهُ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنْ تَوَسَّلْتَ إلَيْهِ، أما يُوجِبُ حَقِّي ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ الجُمَلَ لا يَصِحُّ إضْمارُها وإنَّما هو مِنَ الطَّلَبِ المَعْنَوِيِّ والحَذْفِ في غَيْرِ التَّنازُعِ، وجَوابُ الشَّرْطِ في الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ «ألَمْ يَعْلَمْ» عَلَيْهِ ويُقَدَّرْ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الصِّناعَةُ، وقِيلَ: يَدُلُّ عَلَيْهِ: ( أرَأيْتَ ) مُرادًا بِهِ ما سَيُذْكَرُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ويُقَدَّرُ كَذَلِكَ، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا نَظِيرُ ما مَرَّ آنِفًا، والضَّمائِرُ المُسْتَتِرَةُ في كانَ وما بَعْدُ مِنَ الأفْعالِ لِلنّاهِي والمُرادُ مِن: «أرَأيْتَ» أخْبِرْنِي؛ فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْعِلْمِ أُجْرِيَ الِاسْتِفْهامُ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها والِاسْتِفْهامُ الواقِعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الثّانِي هو مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ هُنا، وهَذا الإجْراءُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأئِمَّةِ يَكُونُ مَعَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ والرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ ولِلنُّحاةِ فِيهِ قَوْلانِ، والخِطابُ في الكُلِّ عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبًا مِمَّنْ لَهُ مُسْكَةٌ.
وقِيلَ: لِلْإنْسانِ كالخِطابِ في ﴿ إلى رَبِّكَ ﴾ .
وتَنْوِينُ «عَبْدًا» عَلى ما هو ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ لِلتَّنْكِيرِ، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ بِالظَّرْفِ يُشْعِرُ بِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ حالَ التَّلَبُّسِ بِها وفُصِلَ بَيْنَ الجُمَلِ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّشْنِيعِ والوَعِيدِ حَيْثُ أشْعَرَ أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مَقْصُودَةٌ عَلى حِيالِها فَشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلى النّاهِي أوَّلًا بِنَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، وأوْعَدَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ أوْ أيُّها الإنْسانُ عَمَّنْ يَنْهى عَنِ الصَّلاةِ بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَرى ويَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ.
وشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ ثانِيًا بِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ عَلى زَعْمِهِ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ أنَّهُ أمَرَ بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ أوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، فَقالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ إنْ كانَ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ كانَ أمْرًا بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى كَما يَزْعُمُ.
وشَنَّعَ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ ثالِثًا بِذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ وفِيما يَقُولُهُ تَعالى مُكَذِّبًا بِحَقِّيَّةِ الصَّلاةِ مُتَوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا عَنْ فِعْلِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ إنْ كَذَّبَ بِحَقِّيَّةِ ما نَهى عَنْهُ وأعْرَضَ عَنْ فِعْلِهِ عَلى ما نَقُولُهُ نَحْنُ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى شَنَّعَ وأوْعَدَ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِدُونِ تَعَرُّضٍ لِحالِ النّاهِي الزَّعْمِيِّ أوِ الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ وأوْعَدَ جَلَّ وعَلا عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الزَّعْمِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ عَزَّ وجَلَّ وأوْعَدَ عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الحَقِيقِيِّ وهَذا كالتَّرَقِّي في التَّشْنِيعِ.
والجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ تَقْيِيدِ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ بِما ذَكَرْنا حَيْثُ قالُوا: إنْ كانَ عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ أمْرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ كَما يَزْعُمُ أوْ كانَ مُكَذِّبًا لِلْحَقِّ ومُتَوَلِّيًا عَنِ الصَّوابِ كَما نَقُولُ، وذُكِرَ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ تَكْرارٌ لِلْأوَّلِ لِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ: أنَّهُ لَيْسَ عَلى الهُدى، وأُوضِحَ بِأنَّ إدْخالَ حَرْفِ الشَّرْطِ في الأوَّلِ لِإرْخاءِ العِنانِ صُورَةً والتَّهَكُّمِ حَقِيقَةً؛ إذْ لا يَكُونُ في النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى والأمْرِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ هُدًى البَتَّةَ، وفي الثّانِي لِذَلِكَ والتَّهَكُّمِ عَلى عَكْسِ الأوَّلِ؛ إذْ لا شَكَّ أنَّهُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَمَآلُهُما إلى واحِدٍ.
وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ في الجُمْلَةِ الأُولى بَصَرِيَّةٌ فَلا تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ، وفي الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ قَلْبِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى ما تَقَدَّمَ والمَفْعُولُ الثّانِي سَدَّ مَسَدَّهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها وهو في الأخِيرَةِ ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ ﴾ إلَخْ.
لِمَذْكُورٍ وفِيما قَبْلَها مَحْذُوفٌ دَلَّ هو عَلَيْهِ، ولَمْ تُعْطَفِ الأخِيرَةُ عَلى ما قَبْلَها لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها بِالوُقُوعِ في نَفْسِ الأمْرِ وبِاسْتِتْباعِ الوَعِيدِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ الجَوابُ، وأمّا قَبْلَها فَأمْرُ الشَّرْطِ فِيهِ لَيْسَ إلّا لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ وهو السِّرُّ في تَجْرِيدِهِ عَنِ الجَوابِ والإحالَةِ بِهِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَهُ، والخِطابُ في الكُلِّ لِمَن يَصْلُحُ لَهُ، والتَّنْوِينُ في «عَبْدًا» لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِعْظامِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ مِنهُ والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي إنْ كانَ عَلى الهُدى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى إلَخْ ما ذُكِرَ آنِفًا ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَرى ويَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ فَيُجازِيهِ بِها حَتّى اجْتَرَأ عَلى ما فَعَلَ.
وقِيلَ: إنَّ «أرَأيْتَ» في الجُمَلِ الثَّلاثِ مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأُولى المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ اكْتِفاءً عَنْهُ بِجَوابِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ إذْ عُلِمَ مِن ضَرُورَةِ التَّقابُلِ.
و«أرَأيْتَ» الثّانِيَةُ تَكْرارٌ لِلْأُولى، و«أرَأيْتَ» الثّالِثَةُ ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِلْقَرِينَةِ مُسْتَقِلَّةً؛ لِأنَّها تُقابِلُ الأُولى لِلتَّقابُلِ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنْ كانَ ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كَذَّبَ ﴾ إلَخْ.
وفي الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ مِن دُونِ العَطْفِ تَرْشِيحٌ لِلْكَلامِ المُبَكِّتِ وتَنْبِيهٌ عَلى حَقِّيَّةِ الشَّرْطِ، ولِهَذا صَرَّحَ بِجَوابِهِ لِيَتَمَحَّضَ وعِيدًا والخِطابُ عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا والكَلامُ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُنْصِفِ وإرْخاءِ العِنانِ، ولِذا قِيلَ: «عَبْدًا» ولَمْ يَقُلْ: نَبِيًّا مُجْتَبًى فَكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ عَنْ حالِ هَذا الَّذِي يَنْهى بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ المُجْتَبى عَنْ صَلاتِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى هُدًى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ آمِرًا بِالتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ كَما يَزْعُمُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ عَلى التَّكْذِيبِ لِلْحَقِّ والتَّوَلِّي عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ كَما تَقُولُ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ ﴾ إلَخْ.
وقِيلَ: ( أرَأيْتَ ) في الجُمْلَتَيْنِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ تَكْرارٌ لِلْأُولى والشَّرْطِيَّتانِ بِجَوابِهِما سادَّتانِ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْأُولى، و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي وجَوابُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ: أوَإنْ كَذَّبَ إلَخْ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسِيمٍ لِما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ.
والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ، وأُورِدَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ في تَجْوِيزِ الإتْيانِ بِالِاسْتِفْهامِ في جَزاءِ الشَّرْطِ مِن غَيْرِ الفاءِ وإنْ صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ وارْتَضاهُ الرَّضِيُّ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ ﴾ بَحْثًا لِأنَّ ظاهِرَ نَقْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ نَفْسِهِ في المُفَصَّلِ ونَقْلِ غَيْرِهِ وُجُوبُ الفاءِ إذا كانَ الجَزاءُ جُمْلَةً إنْشائِيَّةً والِاسْتِفْهامُ وإنْ لَمْ يَبْقَ عَلى الحَقِيقَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَلى ما في الكَشْفِ مِنَ الإنْشاءِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ وُقُوعَ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِغَيْرِ فاءٍ لا أعْلَمُ أحَدًا أجازَهُ بَلْ نَصُّوا عَلى وُجُوبِ الفاءِ في كُلِّ ما اقْتَضى طَلَبًا بِوَجْهٍ ما، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةٍ أوْ شِعْرٍ.
وقالَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: إنَّ جَعْلَ: هَلْ يَهْلَكُ جَزاءً مُشْكِلٌ لِعَدَمِ اقْتِرانِهِ بِالفاءِ، والِاقْتِرانُ بِها في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ.
واعْتُرِضَ أيْضًا جَعْلُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِ «أرَأيْتَ» بِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ، أوْ قَسَمِيَّةٌ كَما في الإرْشادِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ جَعْلَ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ والجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في مَوْقِعِ جَوابِ الشَّرْطِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ أوْ عَلى أنَّهُما لِدَلالَتِهِما عَلى ذَلِكَ جُعِلا كَأنَّهُما كَذَلِكَ لِسَدِّهِما مَسَدَّ المَفْعُولِ والجَوابُ وبِما ذُكِرَ صَرَّحَ الرَّضِيُّ والدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ في بابِ اسْمِ الإشارَةِ فَما قِيلَ مِن أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِ «أرَأيْتَ» لا يَكُونُ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً مُخالِفٌ لِما صَرَّحُوا بِأنَّهُ مُخْتارُ سِيبَوَيْهِ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولَمْ يَجْعَلُوا فِيما ذُكِرَ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا لِلْكافِرِ النّاهِي لِأنَّ السِّياقَ مُقْتَضٍ لِخُرُوجِ النّاهِي والمَنهِيِّ عَنْ مَوْرِدِ الخِطابِ.
واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ جَعْلَهُ لِلنَّبِيِّ وجَوَّزَ غَيْرُهُ جَعْلَهُ لِلْكافِرِ.
والمُرادُ تَصْوِيرُ الحالِ بِعُنْوانٍ كُلِّيٍّ وهو كَما تَرى.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ في «إنْ كانَ، وأمَرَ» لِلْعَبْدِ المُصَلِّي، والضَّمائِرُ في «كَذَّبَ وتَوَلّى، ويَعْلَمْ» لِلَّذِي يَنْهى.
وحاصِلُ المَعْنى عَلى ما قالَ الفَرّاءُ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي، والمَنهِيُّ عَلى الهُدى وآمِرٌ بِالتَّقْوى والنّاهِي مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَما أعْجَبَ مِن ذا.
والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: فَما أعْجَبَ مِن ذا بِقَرِينَةِ ( أرَأيْتَ ) فَإنَّهُ يُفِيدُ التَّعَجُّبَ، والرُّؤْيَةُ فِيهِ قِيلَ عِلْمِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ نَحْوَ هَذا الجَوابِ وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ، وأوْ تَقْسِيمِيَّةٌ بِمَعْنى الواوِ.
وقِيلَ: الخِطابُ في ( أرَأيْتَ ) الثّانِيَةِ لِلْكافِرِ وفي الثّانِيَةِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو عَزَّ وجَلَّ كالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَ الخَصْمانِ يُخاطِبُ هَذا مَرَّةً والآخَرَ أُخْرى، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا كافِرُ أخْبِرْنِي إنْ كانَتْ صَلاتُهُ هَدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ؟
وأخْبِرْنِي أيُّها الرَّسُولُ إنْ كانَ النّاهِي مُكَذِّبًا بِالحَقِّ مُتَوَلِّيًا عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُجازِيهِ.
وسَكَتَ هَذا القائِلُ عَنِ الخِطابِ في ( أرَأيْتَ ) الأوَّلِ فَقِيلَ: لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وقِيلَ: لِلْإنْسانِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالخِطابِ في الثّالِثِ.
وقَوْلُهُ: أتَنْهاهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ جَعَلَهُ مَفْعُولًا لِرَأيْتَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ أوْ كَما في سابِقِهِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الأمْرِ بِالتَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ النَّهْيَ عَلى ما قِيلَ كانَ عَنِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِها وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ أنْ يُذْكَرَ في الجُمْلَةِ الأُولى أيْضًا بِأنْ يُقالَ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى لَكِنَّهُ حُذِفَ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في الثّانِيَةِ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ ولَمْ يَعْكِسْ لِأنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى دَعْوَةٌ قَوْلِيَّةٌ، والصَّلاةُ دَعْوَةٌ فِعْلِيَّةٌ، والفِعْلُ أقْوى مِنَ القَوْلِ.
وإنَّما كانَتْ دَعْوَةً وأمْرًا لِأنَّ المُقْتَدى بِهِ إذا فَعَلَ فِعْلًا كانَ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: افْعَلُوا هَذا.
وقِيلَ: المَذْكُورُ أوَّلًا لَيْسَ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ بَلِ النَّهْيَ حِينَ الصَّلاةِ وهو مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ لَها أوْ لِغَيْرِها، وعامَّةُ أحْوالِ الصَّلاةِ لِما انْحَصَرَتْ في تَكْمِيلِ نَفْسِ المُصَلِّي بِالعِبادَةِ وتَكْمِيلِ غَيْرِهِ بِالدَّعْوَةِ فَنَهْيُهُ في تِلْكَ الحالَةِ يَكُونُ عَنِ الصَّلاةِ والدَّعْوَةِ مَعًا فَلِذا ذُكِرَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ انْتَهى.
فَلا تَغْفُلْ.
وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الخِطابِ في الكُلِّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ في بَيانِ مَعْنى ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ ﴾ إلَخْ أرَأيْتَ إنْ صارَ عَلى الهُدى واشْتَغَلَ بِأمْرِ نَفْسِهِ، أما كانَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ إذْ هو رَجُلٌ عاقِلٌ ذُو ثَرْوَةٍ، فَلَوِ اخْتارَ الرَّأْيَ الصّائِبَ والِاهْتِداءَ والأمْرَ بِالتَّقْوى أما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى والنَّهْيِ عَنْ خِدْمَتِهِ سُبْحانَهُ وطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ؟
كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَلَهَّفْ عَلَيْهِ كَيْفَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ المَراتِبَ العَلِيَّةَ وقَنِعَ بِالمَراتِبِ الرَّدِيَّةِ.
واعْتَبَرَ عِصامُ الدِّينَ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَوْبِيخًا عَلى تَفْوِيتِ ما يَنْفَعُ وما بَعْدَها تَوْبِيخًا عَلى كَسْبِ ما يَضُرُّ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( أرَأيْتَ الَّذِي ) إلَخِ اسْتِشْهادٌ لِطُغْيانِ الإنْسانِ أنْ رَآهُ مُسْتَغْنِيًا والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى الإبْصارِ؛ أيْ: أشاهَدْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى وعَرَفْتَ طُغْيانَ الإنْسانِ المُسْتَغْنِي وأنَّهُ لا يَكْفِي بِكُفْرانِهِ ويَتَجاوَزُ إلى تَكْلِيفِ العَبْدِ الَّذِي أُرْسِلَ لِلْمَنعِ عَنِ الكُفْرانِ بِالكُفْرانِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ عَلى فَوْتِ ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ بِفَوْتِ الهُدى والأمْرِ بِالتَّقْوى، يَعْنِي: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ فَوْزٍ إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ بِما كَسَبَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العَذابِ والبُعْدِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ؛ أيْ: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ عُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ ﴾ إلَخْ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى كَسْبِ حالِ الشَّقِيِّ وفَوْتِ حالِ السَّعِيدِ انْتَهى.
وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ، واللَّهُ تَعالى بِمُرادِهِ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ الآيَةَ وإنْ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَكِنَّ كُلَّ مَن نَهى عَنِ الصَّلاةِ ومَنَعَ مِنها فَهو شَرِيكُهُ في الوَعِيدِ ولا يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ المَنعُ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ والأوْقاتِ المَكْرُوهَةِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ عَنِ الصَّلاةِ نَفْسِها بَلْ عَنْ وصْفِها المُقارِنِ وأشْهَدَ الِاحْتِياطُ تَحاشِيَ بَعْضِهِمْ عَنِ النَّهْيِ مُطْلَقًا.
فَرُوِيَ «عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ رَأى في المُصَلّى أقْوامًا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ، فَقالَ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ألا تَنْهاهُمْ؟
فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أخْشى أنْ أدْخُلَ تَحْتَ وعِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ ﴿ عَبْدًا إذا صَلّى ﴾ وفي رِوايَةٍ: لا أُحِبُّ أنْ أنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، ولَكِنْ أُحَدِّثُهم بِما رَأيْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وقَدْ سَلَكَ نَحْوَ هَذا المَسْلَكِ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا يُوسُفَ قالَ لَهُ: أيَقُولُ المُصَلِّي حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؟
فَقالَ: يَقُولُ: رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ ويَسْجُدُ.
ولَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ، ويُقاسُ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ النَّهْيُ عَنْ غَيْرِها مِن أنْواعِ العِبادَةِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ النَّهْيِ القالِيِّ والنَّهْيِ الحالِيِّ، ومِنهُ أنْ يَشْغَلَ المَرْءُ المَرْءَ عَنْ ذَلِكَ وقَدِ ابْتُلِيَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: كَلَّا يعني: حقاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى يعني: الكافر ليعصي الله.
ويقال: يرفع منزلة نفسه أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى يعني: إن رأى نفسه مستغنياً عن الله تعالى، مثل أبي جهل وأصحابه، ومثل فرعون حيث ادعى الربوبية.
قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا أبو جعفر بن عوف، عن الأعمش، عن القاسم قال: قال عبد الله بن مسعود- : منهومان لا يشبعان، طالب العلم وطالب الدنيا، ولا يستويان أما طالب العلم، فيزداد رضا الله وأما طالب الدنيا، فيزداد في الطغيان ثم قال: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى.
ثم قال: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى يعني: المرجع إلى الله تعالى يوم القيامة، ويقال: معناه رجوع الخلائق كلهم بعد الموت إلى الله تعالى، فيحاسبون ويجازون، فريق في الجنة، وفريق فى السعير.
قوله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى وذلك أن النبيّ ، كان إذا صلى في المسجد، رفع صوته بالقراءة، فلغطوا ورموه بالحجارة، فخفض صوته في الصلاتين الظهر والعصر، إذا حضروا.
وأما صلاة المغرب، اشتغلوا بالعشاء وصلاة العشاء ناموا، وصلاة الفجر لم يقوموا، فرفع في هذا، فصار سنة إلى اليوم فنزل أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى ويقال: إن أبا جهل بن هشام قال: لئن رأيت محمداً يصلي، لأطانّ عنقه فنزل أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى يعني: ألم تر أن هذا الكافر، ينهى عبد الله عن الصلاة، وهو محمد .
ثم قال: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى يعني: محمدا ، إن كان على الإسلام أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى يعني: التوحيد.
ثم قال: أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يعني: إِنْ كَذَّبَ بالتوحيد وَتَوَلَّى عن الإسلام أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى أفعاله فيجازيه، وهذا جواب لجميع ما تقدم من قوله أَرَأَيْتَ ويقال في الآية إضمار وهو قوله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى يعني: بهذا الذي يصنع، ويؤذي محمدا ، أليس هو على ضلالة، أليس هو قد نهى عن الصلاة والخيرات أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى يعني: أرأيت أيها الناهي، إن كان المصلي على الهدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى يعني: بالتوحيد، واجتناب المعاصي، فينهاه عن ذلك.
<div class="verse-tafsir"
الفاعِل في نفسِه كما تقول: وجَدْتُنِي/ وَظَنَنْتُنِي، ثم حقَّرَ تعالى غِنَى هذا الإنسانِ وحالَه بقولهِ: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
أي: بالحَشْرِ والبعثِ يومَ القيامةِ، وفي هذا الخبرِ وعيدٌ للطاغينَ من الناسِ، ثم صرَّح بذكْرِ النَّاهِي لمحمّد ع، ولا خِلاَفَ أن الناهِيَ أبو جهلٍ، وأن العبد المصلّي هو محمّد ع.
وقوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى إكمال للتوبيخ والوعيد بحسب التوفيقات الثَّلاثِ، يَصْلُحُ مَعَ كلِّ وَاحدٍ منها، ت: وفي قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى مَا يُثِير الهِمَمَ الرَاكِدَةَ، وَيُسِيلُ العيونَ الجَامِدَةَ، ويَبْعَثُ على الحياء والمراقبةِ، قال الغزالي:
اعلمْ أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ على ضميرِكَ، ومشرفٌ على ظاهِرك وباطنِك، فَتَأَدَّبْ أيها المسكينُ ظَاهِراً وباطِناً بين يديه سبحانه واجتهدْ أن لا يَرَاكَ حيثُ نَهَاكَ وَلاَ يَفْقِدُكَ حَيْثُ أَمَرَكَ، ولاَ تَدَعْ عَنْكَ التفكرَ في قُرْبِ الأجلِ، وحلولِ الموتِ القاطِع للأملِ، وخروجِ الأمْرِ من الاختيَارِ، وحصولِ الحَسْرَةِ والنَّدَامةِ بطُولِ الاغترارِ، انتهى، ثم توعَّده تعالى لَئِنْ لم ينتَهِ لَيُؤْخَذَنَّ بناصيتهِ، فَيُجَرُّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلاً، تقول العربُ: سَفَعْتُ بِيَدِي ناصية الفَرَسِ، والرَّجُلِ إذا جذبتُها مُذَلَّلَةً، وقال بعض العلماء بالتفسير: معناه لتُحْرَقَنَّ، من قولهم: سَفَعَتْه النارُ، واكْتَفَى بذكرِ الناصيةِ لِدلالتِها على الوَجْهِ والرأْسِ، والناصيةُ مُقَدَّمُ شَعْرِ الرأسِ، ثم أبْدَل النكرةَ من المعرفة في قوله: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ ووصفَها بالكَذِبِ والخَطَإ من حيثُ هي صفاتٌ لصاحِبها.
قوله: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أي أهْلَ مَجْلَسِهِ، والنَّادِي والنَّدي: المجلسُ، ومنه دَارُ النَّدْوَةِ، وقال البخاري قال مجاهد: نادِيَه: عشيرتَه «١» .
وقوله: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ أي: / ملائِكَة العَذابِ، ثم قال- تعالى- لنبيه- عليه السلام-: كَلَّا لاَ تُطِعْهُ أي: لا تَلْتَفِتْ إلى نَهْيِهِ وكلامه واسْجُدْ لربك واقْتَرِبْ إليه بسجودِك، وفي الحديث: «أَقْرَبُ ما يكونُ العبدُ من رَبّه إذا سَجَدَ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ في السجودِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُم» ، ورَوَى ابنُ وهب عَنْ جماعةٍ من أهل العلم: أنّ قوله: وَاسْجُدْ: خطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم وَأَن قَوْلَه: وَاقْتَرِبْ: خطابٌ لأَبِي جَهْلٍ، أي: إن
تَجْتَرِىءُ حتى تَرَى كَيْفَ تَهْلَكُ، ت: والتأويلُ الأول أظهر يدل عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم:
«أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربه وهو ساجِدٌ» «١» وعنْ ربيعة بن كعب الأسلميِّ قال: كنت أبيت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم فآتيهِ بِوَضُوئِهِ وحَاجَتِه، فقال لي: سَلْ فقلتُ: أسألكَ مُرَافَقَتَكَ في الجنةِ، قالَ أوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟
قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَال: فأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» «٢» رواه الجماعة إلا البخاريَّ، ولفظُ الترمذي: «كُنْتُ أَبِيتُ عِنْدَ بَابِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فَأُعْطِيهِ وَضُوءَهُ، فَأَسْمَعُهُ الْهَوِيَّ مِنَ اللَّيْلِ يقول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه، وأَسْمَعُهُ الْهَوِيَّ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ» «٣» ، قال الترمذيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وليس لربيعةَ في الكتب الستَّةِ سوى هذا الحديثِ، انتهى من «السلاح» ، ورُوِيَ أن أبا جَهْلٍ جاءَ والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي، فَهمَّ بِأَنْ يَصِلَ إلَيْهِ، وَيَمْنَعَهُ مِنَ الصلاة، ثمّ كعّ وَوَلَّى نَاكِصاً على عَقِبَيْهِ مُتَّقِياً بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟
فَقَالَ: لَقَدْ عَرَضَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِنْ نَارٍ، وَهَوْلٌ وَأَجْنِحَةٌ، فيروى: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَوْ دَنَا مِنِّي لأَخَذَتْهُ المَلاَئِكَةُ عِيَاناً» «٤» ت: ولما لم يَنْتَهِ عَدُوُّ اللَّهِ أَخَذَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمْكَنَ مِنْهُ، وذَكَرَ الوائليُّ الحَافِظُ في كتابِ «الإبَانَةِ» له مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بن مغول عن نافِع عن ابن عمر قال: «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ بِجَنَبَاتِ بَدْرٍ إذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الأَرْضِ في عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ يُمْسِكُ طَرَفهَا أَسْوَدُ، فَقال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اسْقِنِي، فَقَالَ ابن عُمَرَ: لاَ أَدْرِي أَعَرَفَ اسمي، أَوْ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ لي الأَسْوَدُ: لاَ تَسْقِهِ فَإنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ اجتذبه، فَدَخَلَ الأرْضَ، قَالَ ابن عمر: فأتيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَأَخْبَرْتُه، فقال: «أَوَ قَدْ رَأَيْتَهُ؟
ذَلِكَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وهُوَ عَذَابُهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» انتهى من «التَّذْكِرَة» للقرطبيِّ، وقد ذَكَرْتُ هذهِ الحكايةَ عَن أبي عمر بن عبد البر بأتَّم مِنْ هَذا عِنْد قوله تعالى:
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً ...
[فصلت: ٢٧] الآية.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: حَقًّا.
وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ كَلا ﴾ لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى ﴾ يَعْنِي: أبا جَهْلٍ.
وكانَ إذا أصابَ مالًا أشِرَ وبَطَرَ في ثِيابِهِ، ومَراكِبِهِ، وطَعامِهِ.
﴿ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أنْ رَأى نَفْسَهُ اسْتَغْنى.
و " الرُّجْعى " المَرْجِعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ مَعْنى: أرَأيْتَ: تَعْجِيبُهُ المُخاطَبَ، وإنَّما كَرَّرَها لِلتَّأْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
والمُرادُ بِالنّاهِي هاهُنا: أبُو جَهْلٍ.
«قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟
قالُوا: نَعَمْ.
قالَ: فَبِالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ.
فَقِيلَ لَهُ: هاهُوَ ذاكَ يُصَلِّي.
فانْطَلَقَ لِيَطَأ عَلى رَقَبَتِهِ، فَما فَجَأهم إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ، ويَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَأتَوْهُ، فَقالُوا: مالَكَ ياأبا الحَكَمِ؟
فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ، وهَوْلًا وأجْنِحَةً.
وقالَ نَبِيُّ اللَّهِ : " والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا "، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا؟!
فانْصَرَفَ إلَيْهِ النَّبِيُّ فَزَبَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ ما بِها نادٍ أكْثَرُ مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ﴾ ﴿ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ دَعا نادِيَهُ لَأخَذَتْهُ زَبانِيَةُ اللَّهِ.» قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالعَبْدِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ .
وقِيلَ: كانَتِ الصَّلاةُ صَلاةَ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى ﴾ يَعْنِي المَنهِيَّ وهو النَّبِيُّ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ يَعْنِي: النّاهِي، وهو أبُو جَهْلٍ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، وهو كاذِبٌ مُتَوَلٍّ عَنِ الذِّكْرِ، فَأيُّ شَيْءٍ أعْجَبُ مِن هَذا؟!
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتَهُ مُصِيبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ ﴾ يَعْنِي: أبا جَهْلٍ ﴿ بِأنَّ اللَّهَ يَرى ﴾ ذَلِكَ فَيُجازِيهِ ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ ذَلِكَ ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ﴾ عَنْ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ وشَتْمِهِ وإيذائِهِ ﴿ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ﴾ السَّفْعُ: الأخْذُ، والنّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرَّأْسِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: سَفَعْتُ بِيَدِهِ، أيْ: أخَذْتُ بِها.
وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَ عَلَيْهِ وجَذَبْتَهُ جَذْبًا شَدِيدًا.
والمَعْنى: لَنَجُرَنَّ ناصِيَتَهُ إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ناصِيَةٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي بَدَلٌ، فَلِذَلِكَ جَرَّها.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: بِناصِيَةٍ صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ، كَما يُقالُ: نَهارُهُ صائِمٌ، ولَيْلُهُ قائِمٌ، أيْ: هو صائِمٌ في نَهارِهِ، قائِمٌ في لَيْلِهِ ﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ﴾ أيْ: أهْلَ نادِيهِ، وهم أهْلُ مَجْلِسِهِ فَلْيَسْتَنْصِرْهم ﴿ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ﴾ قالَ عَطاءٌ: هُمُ المَلائِكَةُ الغِلاظُ الشِّدادُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ.
وقالَ قَتادَةُ: الزَّبانِيَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الشُّرَطُ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ الكِسائِيُّ يَقُولُ: لَمْ أسْمَعْ لِلزَّبانِيَةِ بِواحِدٍ، ثُمَّ قالَ بِأخَرَةٍ: واحِدُ الزَّبانِيَةِ: زِبْنِيٌّ، فَلا أدْرِي أقِياسًا مِنهُ أوْ سَماعًا.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُ الزَّبانِيَةِ: زِبْنِيَةٌ، وهو كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِن إنْسٍ، أوْ جانٍّ.
يُقالُ: فُلانٌ زِبْنِيَةٌ عِفْرِيَةٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّبْنِ، وهو الدَّفْعُ، كَأنَّهم يَدْفَعُونَ أهْلَ النّارِ إلَيْها.
قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الزَّبْنُ: الدَّفْعُ.
يُقالُ: ناقَةٌ زَبُونٌ: إذا زَبَنَتْ حالِبَها، ودَفَعَتْهُ بِرِجْلِها.
وتَزابَنَ القَوْمُ: تَدارَؤُوا.
واشْتِقاقُ الزَّبانِيَةِ مِنَ الزَّبْنِ.
واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما عَلَيْهِ أبُو جَهْلٍ ﴿ لا تُطِعْهُ ﴾ في تَرْكِ الصَّلاةِ ﴿ واسْجُدْ ﴾ أيْ: صِلِّ لِلَّهِ ﴿ واقْتَرِبْ ﴾ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واقْتَرِبْ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ .
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: اسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّانِي: واقْتَرِبْ يا أبا جَهْلٍ تَهَدُّدًا لَهُ، رَواهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ بَعْضِ القُدَماءِ.
وهَذا يَشْرَحُهُ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَدَّمْناهُ.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: " «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ فَأكْثِرُوا الدُّعاءَ» " .
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ] وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ ﴾ ﴿ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ ﴿ كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى ﴾ ﴿ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى ﴾ ﴿ إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى ﴾ ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ ﴿ عَبْدًا إذا صَلّى ﴾ ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى ﴾ ﴿ أو أمَرَ بِالتَقْوى ﴾ ﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى ﴾ ﴿ كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ ﴾ ﴿ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ﴾ ﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ﴾ ﴿ سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ ﴾ ﴿ كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ ﴾ فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ ما لَمْ يَعْلَمْ، ﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ ﴾ هَذا وجْهٌ.
ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ ﴾ ، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ ، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا إنَّ الإنْسانَ ﴾ الآيَةُ..
نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟
ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟
فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ.
و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى ﴾ ، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى ﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ: قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ ﴾ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ.
وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها.
و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ ﴾ ، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿ واقْتَرِبْ ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
تعجيب آخر من حاللٍ مفروض وقوعُه، أي أتظنه ينهى أيضاً عبداً مُتمكناً من الهدى فتَعْجَبَ من نهيه.
والتقدير: أرأيته إن كان العبد على الهدى أينهاه عن الهدى، أو إن كان العبد آمراً بالتقوى أينهاه عن ذلك.
والمعنى: أن ذلك هو الظن به فيعجّب المخاطب من ذلك لأن من ينهى عن الصلاة وهي قربةٌ إلى الله فقد نهى عن الهدى، ويوشك أن ينهى عن أن يأمر أحدٌ بالتقوى.
وجواب الشرط محذوف وأتى بحرف الشرط الذي الغالب فيه عدم الجزم بوقوع فعل الشرط مُجاراة لحال الذي ينهى عبداً.
والرؤية هنا علمية، وحُذف مفعولا فعل الرؤية اختصاراً لدلالة ﴿ الذي ينهى ﴾ [العلق: 9] على المفعول الأول ودلالة ﴿ ينهى ﴾ على المفعول الثاني في الجملة قبلها.
و ﴿ على ﴾ للاستعلاء المجازي وهو شدّة التمكن من الهُدى بحيث يشبه تمكنَ المستعلِي على المكان كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [لقمان: 5].
فالضميرَاننِ المستتَران في فعلَي ﴿ كان على الهدى أو أمر بالتقوى ﴾ عائدان إلى ﴿ عبداً ﴾ وإن كانت الضمائر الحافّة به عائدة إلى ﴿ الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ [العلق: 9، 10] فإن السياق يرد كل ضمير إلى معاده كما في قول عباس بن مرداس: عُدنا ولولا نَحْنُ أحدقَ جمعُهم *** بالمسلمين وأحرَزوا ما جَمَّعوا والمفعول الثاني لفعل «رأيتَ» محذوف دل عليه قوله: ﴿ ألم يعلم بأن الله يرى ﴾ [العلق: 14] أو دل عليه قوله: ﴿ ينهى ﴾ المتقدم.
والتقدير: أرأيته.
وجواب: ﴿ إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ﴾ محذوف تقديره: أينهاه أيضاً.
وفُصِلت جملة: ﴿ أرأيت إن كان على الهدى ﴾ لوقوعها موقع التكرير لأن فيها تكريرَ التَّعجيب من أحوال عديدة لشخص واحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى ﴾ في (كَلّا) ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَدٌّ وتَكْذِيبٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى إلّا، وكَذَلِكَ " كُلًّا سَوْفَ يَعْلَمُونَ "، قالَهُ أبُو حاتِمٍ السِّجِسْتانِيُّ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ لَيَطْغى ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: الثّانِي: لَيَبْطَرُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: لَيَرْتَفِعُ مِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: لَيَتَجاوَزُهُ قَدْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ ﴾ قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى ﴾ أيْ عَنْ رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: اسْتَغْنى بِمالِهِ وثَرْوَتِهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
﴿ إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنْتَهى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: المَرْجِعُ في القِيامَةِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يُرْجِعُهُ اللَّهُ إلى النُّقْصانِ بَعْدَ الكَمالِ، وإلى المَوْتِ بَعْدَ الحَياةِ.
﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ ﴿ عَبْدًا إذا صَلّى ﴾ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: واَللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي بَيْنَ أظْهُرِكم لِأطَأنَّ رَقَبَتَهُ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ، ثُمَّ أتى رَسُولُ اللَّهِ وهو يُصَلِّي لِيَطَأ رَقَبَتَهُ، فَما فَجَأهُ مِنهُ الّا وهو يَنْكِصُ، أيْ يَرْجِعُ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: ما لَكَ؟
فَقالَ: إنْ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَواءٍ وأجْنِحَةٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا)» .
ورَوى الحَسَنُ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (إنَّ لِكُلِّ أمَةٍ فِرْعَوْنَ، وفِرْعَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ أبُو جَهْلٍ)» .
وكانَتِ الصَّلاةُ الَّتِي قَصَدَ فِيها أبُو جَهْلٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلاةَ الظُّهْرِ.
وَحَكى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أنَّ أوَّلَ صَلاةِ جَماعَةٍ جُمِعَتْ في الإسْلامِ، يُوشِكُ أنْ تَكُونَ الَّتِي أنْكَرَها أبُو جَهْلٍ، صَلّاها رَسُولُ اللَّهِ ومَعَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَرَّ بِهِ أبُو طالِبٍ ومَعَهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ فَقالَ: صِلْ جَناحَ ابْنِ عَمِّكَ، وانْصَرَفَ مَسْرُورًا يَقُولُ إنَّ عَلِيًّا وجَعْفَرًا ثِقَتِي عِنْدَ مُلِمِّ الزَّمانِ والكُرَبِ ∗∗∗ واَللَّهِ لا أخْذُلُ النَّبِيَّ ولا ∗∗∗ يَخْذُلُهُ مَن كانَ ذا حَسَبِ ∗∗∗ لا تَخْذُلا وانْصُرا ابْنَ عَمِّكُما ∗∗∗ أخِي لِأُمِّي مِن بَنِيهِمْ وأبِي فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ.
﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى ﴾ ﴿ أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أبا جَهْلٍ، ويَكُونُ فِيهِ إضْمارٌ، وتَقْدِيرُهُ: ألَمْ يَكُنْ خَيْرًا لَهُ.
الثّانِي: هو النَّبِيُّ كانَ عَلى الهُدى في نَفْسِهِ، وأمَرَ بِالتَّقْوى في طاعَةِ رَبِّهِ.
وَفي قَوْلِهِ (أرَأيْتَ) احْتِمالُ الوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ .
الثّانِي: خِطابٌ عامٌّ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، والمُرادُ بِهِ عَلى الوَجْهَيْنِ هِدايَتُهُ، ويَكُونُ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: هَكَذا كانَ يَفْعَلُ بِهِ.
﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَذَّبَ بِاَللَّهِ وتَوَلّى عَنْ طاعَتِهِ.
الثّانِي: كَذَّبَ بِالقُرْآنِ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وتَوَلّى عَنِ القَبُولِ.
﴿ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى ﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ألَمْ تَعْلَمْ يا مُحَمَّدُ أنَّ اللَّهَ يَرى أبا جَهْلٍ؟
الثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ يا أبا جَهْلٍ أنَّ اللَّهَ يَراكَ؟
وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَرى عَمَلَهُ ويَسْمَعُ قَوْلَهُ.
الثّانِي: يَراكَ في صَلاتِكَ حِينَ نَهاكَ أبُو جَهْلٍ عَنْها.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَرى ما هَمَّ بِهِ أبُو جَهْلٍ فَلا يُمَكِّنُهُ مِن رَسُولِهِ.
﴿ كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو عِنْدَ العَرَبِ أبْلَغُ في الِاسْتِذْلالِ والهَوانِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ جَزَزْنا نَواصِيَ فُرْسانِهِمْ ∗∗∗ وكانُوا يَظُنُّونَ أنْ لَنْ تُجَزّا الثّانِي: مَعْناهُ تَسْوِيدُ الوُجُوهِ وتَشْوِيهُ الخِلْقَةِ بِالسَّفْعَةِ السَّوْداءِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ سَفَعَتْهُ النّارُ أوِ الشَّمْسُ إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى حالَةِ تَشْوِيهٍ، وقالَ الشّاعِرُ أثافِيَّ سُفْعًا مُعَرَّسٍ مِرَجَلٍ ∗∗∗ ونُؤْيًا كَجِذَمِ الحَوْضِ لَمْ يَتَثَلَّمِ والنّاصِيَةُ شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِها عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُقالُ هَذِهِ ناصِيَةٌ مُبارَكَةٌ إشارَةً إلى جَمِيعِ الإنْسانِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ﴾ يَعْنِي: ناصِيَةُ أبِي جَهْلٍ كاذِبَةٌ في قَوْلِها، خاطِئَةٌ في فِعْلِها.
﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، والنّادِي مَجْلِسُ أهْلِ النَّدى والجُودِ ومَعْنى ﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ﴾ أيْ فَلْيَدْعُ أهْلَ نادِيهِ مِن عَشِيرَةٍ أوْ نُصَيْرٍ.
﴿ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ﴾ والزَّبانِيَةُ هُمُ المَلائِكَةُ مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، وهم أعْظَمُ المَلائِكَةِ خَلْقًا وأشَدُّهم بَطْشًا، والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، قالَ الشّاعِرُ: مَطاعِيمُ في القُصْوى مَطاعِينُ في الوَغى ∗∗∗ زَبانِيَةٌ غُلْبٌ عِظامٌ حُلُومُها ﴿ كَلا لا تُطِعْهُ ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: كَلّا لا تُطِعْ أبا جَهْلٍ في أمْرِهِ.
وَيَحْتَمِلُ نَهْيُهُ عَنْ طاعَتِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا تَقْبَلْ قَوْلَهُ إنْ داراكَ ولا رَأْيَهُ إنْ قارَبَكَ.
الثّانِي: لا تُجِبْهُ عَنْ قَوْلِهِ، ولا تَقابُلْهُ عَلى فِعْلِهِ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (اَللَّهُمَّ لا تُطِعْ فِينا مُسافِرًا - أيْ لا تُجِبْ دُعاءَهُ لِأنَّ المُسافِرَ يَدْعُو بِانْقِطاعِ المَطَرِ فَلَوْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ لَهَلَكَ النّاسُ -)» .
﴿ واسْجُدْ واقْتَرِبْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ مُصَلِّيًا، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: اسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ في صَلاتِكَ لِتَقْرُبَ مِن رَبِّكَ، فَإنَّ أقْرَبَ ما يَكُونُ العَبْدُ إلى اللَّهِ تَعالى إذا سَجَدَ لَهُ.
وَرَوى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَ في أبِي جَهْلٍ أرْبَعٌ وثَمانُونَ آيَةً، وأُنْزِلَ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِائَةٌ وأرْبَعُ آياتٍ، وأُنْزِلَ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ اثْنَتانِ وثَلاثُونَ آيَةً.
وَإذا كانَتْ هَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ فَقَدْ رُوِيَ في تَرْتِيبِ السُّوَرِ بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ أحادِيثُ، أوْفاها ما رَواهُ آدَمُ ابْنُ أبِي أُناسٍ عَنْ أبِي شَيْبَةَ شُعَيْبِ بْنِ زُرَيْقٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ هَذا ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ الأوَّلَ فالأوَّلَ، فَكانَ أوَّلَ ما نَزَلَ فِيما بَلَغْنا: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ثُمَّ ن والقَلَمِ، المُزَّمِّلُ، المُدَّثِّرُ، تَبَّتْ، إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، سَبِّحَ اسْمَ رَبِّكَ، اللَّيْلُ، الفَجْرُ، الضُّحى، ألَمْ نَشْرَحْ، العَصْرُ، العادِياتُ، الكَوْثَرُ، ألْهاكم، أرَأيْتَ، الكافِرُونَ، الفِيلُ، الفَلَقُ، الإخْلاصُ، النَّجْمُ، عَبَسَ، القَدْرُ، والشَّمْسِ، البُرُوجُ، التِّينُ، لِإيلافِ، القارِعَةُ، القِيامَةُ، الهُمَزَةُ، المُرْسَلاتُ، ق، البَلَدُ، الطّارِقُ، القَمَرُ، ص، الأعْرافُ، قُلْ أُوحِيَ، يس، الفَرْقانُ، المَلائِكَةُ، مَرْيَمُ، طه، الواقِعَةُ، الشُّعَراءُ، النَّمْلُ، القَصَصُ، بَنُو إسْرائِيلَ، يُونُسُ، هُودٌ، يُوسُفُ، الحِجْرُ، الأنْعامُ، الصّافّاتُ، لُقْمانُ، سَبَأٌ، الزُّمَرُ، المُؤْمِنُ، حم السَّجْدَةُ، عسق، الزُّخْرُفُ، الدُّخانُ، الجاثِيَةُ، الأحْقافُ، الذّارِياتُ، الغاشِيَةُ، الكَهْفُ، النَّحْلُ، نُوحٌ، إبْراهِيمُ، الأنْبِياءُ، قَدْ أفْلَحَ، السَّجْدَةُ، الطُّورُ، المُلْكُ، الحاقَّةُ، سَألَ سائِلٌ، النَّبَأُ، النّازِعاتُ، الِانْفِطارُ، الِانْشِقاقُ، الرُّومُ، العَنْكَبُوتُ، المُطَفِّفِينَ.
فَهَذِهِ خَمْسٌ وثَمانُونَ سُورَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وَكانَ فِيما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ البَقَرَةُ، ثُمَّ الأنْفالُ، آلُ عِمْرانَ، الأحْزابُ، المُمْتَحِنَةُ، النِّساءُ، الزَّلْزَلَةُ، الحَدِيدُ، سُورَةُ مُحَمَّدٍ، الرَّعْدُ، الرَّحْمَنُ، هَلْ أتى، الطَّلاقُ، لَمْ يَكُنْ، الحَشْرُ، النَّصْرُ، النُّورُ، الحَجُّ، المُنافِقُونَ، المُجادَلَةُ، الحُجُراتُ، التَّحْرِيمُ، الجُمُعَةُ، الصَّفُّ، الفَتْحُ، المائِدَةُ، بَراءَةٌ) .
فَهَذِهِ سَبْعٌ وعِشْرُونَ سُورَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
وَلَمْ تَكُنِ الفاتِحَةُ واَللَّهُ أعْلَمُ ضِمْنَ ما ذَكَرَهُ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُزُولِ السُّوَرِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، لَكِنْ وجَدْتُ هَذا الحَدِيثَ أوْفى وأشْفى فَذَكَرْتُهُ.
أخرج ابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: أول ما نزل من القرآن بمكة ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن الأنباري في المصاحف والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن أبي موسى الأشعري قال: كانت ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ أول سورة أنزلت على محمد.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب: حدثني محمد بن عباد بن جعفر المخزومي أنه سمع بعض علمائهم يقول: كان أول ما أنزل الله على نبيه ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ إلى ﴿ ما لم يعلم ﴾ فقالوا: هذا صدرها الذي أنزل يوم حراء، ثم أنزل الله آخرها بعد ذلك ما شاء الله.
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وصححه عن عائشة قالت: أول ما نزل من القرآن ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه والبيهقي من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: ﴿ اقرأ ﴾ قال: قلت: ما أنا بقارئ.
قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ.
قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإِنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ﴾ الآية، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني.
فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى- ابن عم خديجة- وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإِنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك.
فقال له روقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟
فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني أكون فيها جذعاً، يا ليتني أكون فيها حياً إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟
قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.
ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي» قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت: زملوني.
فأنزل الله: ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ﴾ [ المدثر: 1، 2، 3، 4، 5] فحمي الوحي وتتابع» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: أول سورة نزلت على محمد ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: أول ما نزل من القرآن ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ ثم ﴿ ن والقلم ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: أول شيء أنزل من القرآن خمس آيات ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ إلى قوله: ﴿ ما لم يعلم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير قال: أول ما نزل من القرآن ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ ثم ﴿ ن ﴾ .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن عائشة قالت: كان أول ما نزل عليه بعد ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ ﴿ ن والقلم ﴾ و ﴿ يا أيها المدثر ﴾ و ﴿ والضحى ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري وعمرو بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بحراء إذا أتاه ملك بنمط من ديباج فيه مكتوب ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ إلى ﴿ ما لم يعلم ﴾ .
وأخرج الحاكم من طريق عمرو بن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بحراء إذا أتاه ملك بنمط من ديباج فيه مكتوب ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ إلى ﴿ ما لم يعلم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن عبد الله بن شداد قال: «أتى جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اقرأ.
قال: وما أقرأ؟
فضمه، ثم قال يا محمد: اقرأ؟
قال: وما أقرأ؟
قال: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ حتى بلغ ﴿ ما لم يعلم ﴾ فجاء إلى خديجة فقال: يا خديجة ما أراه إلا قد عرض لي.
قالت: كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك، وما أتيت فاحشة قط.
فأتت خديجة ورقة، فأخبرته الخبر.
قال: لئن كنت صادقة إن زوجك لنبي، وليلقين من أمته شدة، ولئن أدركته لأؤمنن به.
قال: ثم أبطأ عليه جبريل فقالت خديجة: ما أرى ربك إلا قد قلاك.
فأنزل الله: ﴿ والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف هو وخديجة شهراً فوافق ذلك رمضان فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع السلام عليكم.
قالت: فظننت أنه فجأة الجن.
فقال: ابشروا فإن السلام خير، ثم رأى يوماً آخر جبريل على الشمس له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب.
قال: فهبت منه فانطلق يريد أهله فإذا هو بجبريل بينه وبين الباب.
قال: فكلمني حتى أنست منه ثم وعدني موعداً فجئت لموعده واحتبس عليّ جبريل فلما أراد أن يرجع إذا هو به وبميكائيل، فهبط جبريل إلى الأرض وميكائيل بين السماء والأرض، فأخذني جبريل فصلقني لحلاوة القفا وشق عن بطني فأخرج منه ما شاء الله ثم غسله في طست من ذهب ثم أعاد فيه ثم كفأني كما يكفأ الإِناء، ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم ثم قال لي: اقرأ باسم ربك الذي خلق ولم أقرأ كتاباً قط فأخذ بحلقي حتى أجهشت بالبكاء، ثم قال لي: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ إلى قوله: ﴿ ما لم يعلم ﴾ قال: فما نسيت شيئاً بعده.
ثم وزنني جبريل برجل فوازنته، ثم وزنني بأخر فوازنته، ثم وزنني بمائة.
فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة.
قال: ثم جئت إلى منزلي فلم يلقني حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة، فقالت: السلام عليك يا رسول الله .
وأخرج الطبراني عن ثوبان قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أعز الإِسلام بعمر بن الخطاب.
وقد ضرب أخته أول الليل وهي تقرأ ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ حتى ظن أنه قتلها، ثم قام من السحر فسمع صوتها تقرأ ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ فقال: والله ما هذا بشعر ولا همهمة.
فذهب حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد بلالاً على الباب، فدفع الباب.
فقال بلال: من هذا؟
فقال عمر بن الخطاب: فقال: حتى أستأذن لك على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال بلال: يا رسول الله عمر بالباب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يرد الله بعمر خيراً أدخله في الدين.
فقال لبلال: افتح، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضبعيه فهزه فقال: ما الذي تريد؟
وما الذي جئت له؟
فقال له عمر: اعرض عليّ الذي تدعو إليه.
قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فأسلم عمر مكانه وقال: اخرج» .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي علم بالقلم ﴾ قال: القلم نعمة من الله عظيمة، لولا القلم لم يقم دين، ولم يصلح عيش وفي قوله: ﴿ علم الإِنسان ما لم يعلم ﴾ قال: الخط.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: منهومان لا يشبعان: صاحب علم وصاحب دنيا، ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد رضا الرحمن ثم قرأ ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ [ فاطر: 28] وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان ثم قرأ ﴿ إن الإِنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ والله أعلم.
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن مردويه وابن المنذر وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل «عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن عنقه.
فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو فعل لأخذته الملائكة عياناً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه، وابن المنذر وابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟
ألم أنهك عن هذا؟
فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها رجل أكثر نادياً مني، فأنزل الله: ﴿ فليدع ناديه سندع الزبانية ﴾ قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله.
وأخرج ابن جرير والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه، فأنزل الله: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ حتى بلغ هذه الآية ﴿ لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية ﴾ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فقيل: ما يمنعك؟
فقال: قد اسودّ ما بيني وبينه.
قال ابن عباس: والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه.
وأخرج البزار والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن العباس بن عبد المطلب قال: كنت يوماً في المسجد فأقبل أبو جهل فقال: إن لله عليّ إن رأيت محمداً ساجداً أن أطأ على رقبته.
فخرجت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى دخلت عليه، فأخبرته بقول أبي جهل.
فخرج غضبان حتى جاء المسجد، فعجل أن يدخل الباب فاقتحم الحائط.
فقلت هذا يوم شرّ فاتزرت ثم تبعته، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ فلما بلغ شأن أبي جهل ﴿ كلا إن الإِنسان ليطغى ﴾ قال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد.
فقال أبو جهل: ألا ترون ما أرى؟
والله لقد سد أفق السماء عليّ.
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر السورة سجد.
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي «عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه إلا بين أظهركم؟
قالوا: نعم.
فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب.
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته.
قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟
قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار وهؤلاء أجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً» قال: وأنزل الله: ﴿ كلا إن الإِنسان ليطغى ﴾ إلى آخر السورة يعني أبا جهل ﴿ فليدع ناديه ﴾ يعني قومه ﴿ سندع الزبانية ﴾ يعني الملائكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ قال أبو جهل بن هشام: حيث رمى رسول الله بالسلا على ظهره وهو ساجد لله عز وجل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ قال: نزلت في عدوّ الله أبي جهل، وذلك أنه قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ﴾ قال: محمداً ﴿ أرأيت إن كذب وتولى ﴾ يعني بذلك أبا جهل ﴿ فليدع ناديه ﴾ قال: قومه وحيه ﴿ سندع الزبانية ﴾ قال: الزبانية في كلام العرب الشرط.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ قال: أبو جهل نهى محمداً إذا صلى ﴿ فليدع ناديه ﴾ قال: عشيرته ﴿ سندع الزبانية ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ لنسفعن ﴾ قال: لنأخذن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الحرث قال: الزبانية أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: ﴿ واسجد ﴾ أنت يا محمد ﴿ واقترب ﴾ أنت يا أبا جهل يتوعده.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر عن مجاهد قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ألا تسمعونه يقول ﴿ واسجد واقترب ﴾ .
وأخرج ابن سعد عن عثمان بن أبي العاصي قال: آخر كلام كلمني به رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ استعملني على الطائف أن قال: «خفف الصلاة عن الناس حتى وقت اقرأ باسم ربك الذي خلق وأشباهها من القرآن» .
وهو قوله تعالى: ﴿ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ﴾ يعني: العبد المسمى، وهو محمد - - (١) (١) قال بذلك الطبري في: "جامع البيان" 30/ 254، والماوردي في: "النكت والعيون" 6/ 307.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى * أَوْ أَمَرَ بالتقوى ﴾ أرأيت في الموضوع الذي قبله والذي بعده بمعنى: أخبرني؛ فكأنه سؤال يفتقر إلى جواب وفيها معنى التعجيب والتوقيف والخطاب فيها يحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل مخاطب من غير تعيين، وهي تتعدى إلى مفعولين وجاءت بعدها إن الشرطة في موضعين وهما قوله: ﴿ إِن كَانَ على الهدى ﴾ وقوله: ﴿ إِن كَذَّبَ وتولى ﴾ فيحتاج إلى كلام في مفعولي أرأيت في المواضع الثلاثة، وفي جواب الشرطين وفي الضمائر المتصلة بهذه الأفعال، وهي إن كان على الهدى، وأمر بالتقوى وكذب وتولى، على من تعود هذه الضمائر؟
فقال الزمخشري: إن قوله الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأولى وأن الجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد فهو زائدة لا تحتاج إلى مفعول وإن قوله: ألم يعلم بأن الله يرى هو جواب قوله: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى للذي نهى عن الصلاة وهو أبو جهل، وكذلك الضمير في قوله إن كذب وتولى وتقديره الكلام على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبداً إذا صلى، إن كان هذا الناهي على الهدى أو كذب وتولى؟
ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله من هداه وضلاله وتكذيبه ونهيه عن الصلاة وغير ذلك؟
فمقصود الآية تهديد له وزجر وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر فقال: إن الضمير في قوله: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: إن كذب وتولى للذي نهى عن الصلاة، وخالفه أيضاً في جعله أرأيت الثانية مكررة للتأكيد وقال: إنها في المواضع الثلاثة توقيف وأن جوابه في المواضع الثلاثة قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى ﴾ يصلح مع كل مع واحد منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اختصاراً.
وخالفهما أيضاً الغزنوي في الجواب فقال: إن جواب قوله: إن كان على الهدى محذوف فقال: إن تقديره إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أليس هو على الحق واتباعه واجب، والضمير على هذا يعود على العبد الذي صلى وفاقاً لابن عطية.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ اقرأ ﴾ بالألف: الأوقية والأعشى وحمزة في الوقف ﴿ رآه ﴾ ممالة مكسورة الراء: حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس والخزار وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والنقاش عن ابن ذكوان.
وقرأ أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش بفتح الراء وكسر الهمزة.روى ابن مجاهد وأبو عون غير قنبل مفتوحة الراء مقصورة على وزن" رعه ".
الوقوف: ﴿ الذي خلق ﴾ ه ج لاتباع صلة بلا عطف فإن الجملة الثانية مفسرة للأولى المبهمة، ولو جعل المعنى الذي خلق كل شيء ثم خص خلق الإنسان ازداد الوقف حسناً ﴿ علق ﴾ ه ج لأن ﴿ اقرأ ﴾ يصلح مستأنفاً وتكراراً للأول ﴿ الأكرم ﴾ ه لا ﴿ بالقلم ﴾ ه لا ﴿ يعلم ﴾ ه لا ﴿ ليطغى ﴾ ه لا ﴿ استغنى ﴾ ه ط ﴿ الرجعى ﴾ ه ط ﴿ ينهى ﴾ ه لا ﴿ صلى ﴾ ه ط ﴿ الهدى ﴾ ه لا ﴿ بالتقوى ﴾ ه ط ﴿ وتولى ﴾ ه ط ﴿ يرى ﴾ ه لا ﴿ خاطئة ﴾ ه لا ﴿ ناديه ﴾ ه لا ﴿ الزبانية ﴾ ه لا ﴿ كلا ﴾ ط على الردع ﴿ واقترب ﴾ ه.
التفسير: وقد مر في أوائل الكتاب أن أكثر المفسرين زعموا أن هذه السورة أول ما نزل من السماء.
وفي الباء وجهان: الأول إنها زائدة وزيف بأنه خلاف الأصل وبأن معناه حينئذ: اذكر اسم ربك فلا يحسن من النبي أن يقول: ما أنا بقارىء كما جاء في الحديث، وبأنه كتحصيل الحاصل لأنه لم يكن له شغل سوى ذكر الله.
والثاني وهو الأصح أنه نصب على الحال أي اقرأ القرآن مفتتحاً أو متلبساً باسم ربك وهو لغو.
والباء للآلة وقد مر وجهه في تفسير البسملة.
وكذا وجه من جعله متعلقاً بـ ﴿ قرأ ﴾ الثانية أي استعن باسم ربك واتخذه آلة في تحصيل هذا الذي عسر عليك.
وقيل: هي بمعنى اللام أي اجعل هذا الفعل واقعاً لله كقولك " بنيت الدار باسم الأمير".
" وصنفت الكتاب باسم الوزير".
فالعبادة صارت لله لم يكن للشيطان فيها نصيب.
وفي تخصيص الرب بالذكر في هذا الموضع معنيان: أحدهما ريبتك فلزمك القضاء والشكر فلا تتكاسل.
والثاني أن الشروع ملزم للإتمام وقد ربيتك منذ كذا فكيف أضيعك بعد هذا فلا تفزع.
ثم دل على كونه رباً بقوله ﴿ الذي خلق ﴾ أطلق الخلق أولاً ليتناول كل المخلوقات، ثم خص الإنسان بالذكر لشرفه أو لعجيب فطرته، أو لأن سوق الآية لأجله.
ويجوز أن يكون الأول متروك المفعول إشارة إلى أنه لا خالق سواه ولا يتصف بهذا الاسم غيره، وحينئذ يستدل به على إبطال مذهب المعتزلة في أن العبد خالق أفعال نفسه.
قال أهل العلم: إن الحكيم إذا أراد أمر استعمل فيه التدريج كما يحكى أن زفر حين بعثه أبو حنيفة إلى البصرة لتقرير مذهبه لم يلتفتوا إلى قوله وأبو عن قبوله، فرجع إلى أبي حنيفة وأخبره بذلك فقال: إنك لم تعرف طريق التبليغ لكن ارجع إليهم واذكر في المسألة أقاويل المتهم ثم بين ضعفها ثم قل بعد ذلك ههنا قول آخر واذكر قولي وحجتي، فإذا تمكن ذلك في قلبهم قل هذا قول أبي حنيفة فإنهم يقبلونه حينئذ.
والمقصود من الحكاية أن الله كان يقول لنبيه هؤلاء عبدة الأوثان والفطام من المألوف شديد، فلو خالفتهم أول مرة وصرحت عن محض الحق أبوا أن يقبلوه فاذكر لهم أولاً أنّهم المخلوقون من العلقة فلا يمكنهم الإنكار، ثم قل ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه، فإذا تأملوا أنصفوا أن من لم يخلق لم يكن إلهاً، والعلق جمع العلقة وإنما لم يقل علقة لأن الإنسان في معنى الجمع وفي تكرار اقرأ وجوه: اقرأ لنفسك ثم اقرأ للتبليغ أو اقرأ في خارج صلاتك، أو الأول للتعلم والثاني للتعليم وهذا قريب من الأول.
والأوجه أن يراد بالأول أوجد القراءة ويكون قوله ﴿ باسم ربك ﴾ متعلقاً بـ ﴿ اقرأ ﴾ الثاني كما مر في تفسير البسملة، قلت: ويمكن أن يكون الأول إشارة إلى كونه قارئاً بالقوة ولهذا رتب عليه خلق الإنسان من علق، والثاني إشارة إلى كونه قارئاً بالفعل ولهذا وصف نفسه بالأكرمية ورتب عليه تعليم الخط والعلم.
وفضائل الخط كثيرة حتى مدح بالرسائل والأشعار وكفاك في مدحه أنه حين عدد على الإنسان نعمة الخلق والتسوية وتعديل الأعضاء الظاهرة والباطنة وصف نفسه بالكرم قائلاً ﴿ ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك ﴾ وحيث من عليه بالخط والتعليم مدح ذاته بالأكرمية فقال متعرضاً ﴿ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ﴾ أي علم الإنسان بواسطة القلم أو علمه الكتابة بالقلم.
يروى أن سليمان سأل عفريتاً عن الكلام فقال: ريح لا يبقى.
قال: فماقيده؟
قال: الكتابة فإن القلم صياد يصيد العلوم يبكي تارةً ويضحك بركوعه يسجد الأنام وبحركته تبقى العلوم على ممر الليالي والأيام، وقوله ﴿ علم الإنسان ما لم يعلم ﴾ يجوز أن يكون بياناً للأول أي علمه بالقلم كقول القائل " أحسنت إليك ملكتك الأموال وليتك الولايات." ويحتمل أن يراد علم بالقلم وعلمه أيضاً غير ذلك.
وفي الآية إشارة إلى إثبات العلوم السمعية الموقوفة على النقل والكتابة بل إلى إثبات النبوة كما أن أول السورة يدل على الأوصاف الإلهية.
قوله ﴿ كلا ﴾ ذكر بعض العلماء أنه بمعنى حقاً لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يتوجه إليه الردع.
وقال صاحب الكشاف: إنه ردع لمن كفر بنعمة الله عليه وطغى وهذا معلوم من سياق الكلام وإن لم يذكر.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان أنه خلق من علقة وصار عالماً بعد أن كان جاهلاً وذلك لاستغراقه في حب المال والجاه فلا يتأمل في هذه الأحوال.
ومعنى ﴿ أن رآه ﴾ لأن رأى نفسه فحذف حرف الجر على القياس، وحذف النفس لخاصيتة فعل القلب وهي جواز الجمع بين ضميري الفاعل والمفعول فيه.
وأكثر المفسرين على أن المراد بالإنسان ههنا إنسان واحد هو أبو جهل.
ومنهم من يقول: خمس آيات من أول هذه السورة نزلت أولاً ثم نزل باقيها في أبي جهل بعد ذلك بزمان فضم إليها وقيل: نزلت فيه من قوله ﴿ أرأيت الذي ينهى ﴾ إلى آخر السورة والإنسان عام فإن قيل: لم قال في حق فرعون ﴿ إنه طغى ﴾ وفي حق أبي جهل ﴿ ليطغى ﴾ قلنا: إنما أخبر بذلك عن فرعون قبل أن يلقاه موسى وقبل أن يعرض عليه الأدلة، وأما هذه الآية فنزلت تسلية للنبي حين رد أبو جهل عليه أقبح الرد.
وأيضاًً إن فرعون مع كامل سلطتته ما كان يؤذي موسى إلا بالقول وأبو جهل مع قلة جاهه كان يقصد قتل النبي ، وفرعون كان قد أحسن إلى موسى أولاً وقال آخراً ﴿ آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وأما أبو جهل فكان يحسد النبي في صباه وقال في آخر عمره: بلغوا عني محمداً أني أموت ولا أجد أبغض إليّ منه.
وأيضاً إنهما وإن كانا رسولين لكن الحبيب في مقابلة الكليم كاليد في مقابلة العين، والعاقل يصون عينه فوق ما يصون يده بل يصون عينه باليد فلهذا كانت المبالغة ههنا أكثر.
واعلم أن المال ليس سبباً للطغيان على الإطلاق ولهذا ذهب جم غفير إلى أن الإنسان في الآية مخصوص وكيف لا وإنه لم يزد سليمان إلا تواضعاً وعبودية.
روي أنه كان يجالس المساكين ويقول: مسكين جالس مسكيناً.
وكان عبد الرحمن بن عوف من كبار الصحابة كثير المال، وقال " "نعم المال الصالح للرجل الصالح" " ولو أنصف العاقل وتأمل وجد نفسه في حال الغنى أشد افتقاراً إلى الله لأن الفقير لا يتمنى إلا سلامة نفسه والغني يتمنى سلامة نفسه وماله وأهله وجاهه: وقيل: السين في ﴿ استغنى ﴾ للطلب والمعنى أن الإنسان قد ينسى فضل الرب وعنايته في حالة أن رآه طلب الغنى فنال المنى بسبب الجهد والكد فينسب ذلك إلى كفاءته لا إلى عناية الله، ولم يدر أنه كم من باذل وسعة في الحرص والطلب لم يحصل إلا على خفي حنين، وأنه قد يرجع الغني آخر الأمر إلى حالة الفقر ليتحقق أن ذلك الغني لم يكن بفعله وكسبه، وإنما ذلك بحول الله وقوته.
وههنا نكتة وهي أن أول السورة دل على فضيلة العلم وبعدها دل على مذمة المال فكفى ذلك مرغباً في العلم ومنفراً عن الدنيا.
وفي قوله ﴿ إن إلى ربك ﴾ يا إنسان ﴿ الرجعى ﴾ أي الرجوع وعيد وتذكير كأنه قيل: مصيرك إلى الله وإلى حيث لا يدفع عنك المال والكسب فما هذه الحيلة والعصيان والكبر والطغيان؟
يروى أن أبا جهل قال لرسول الله : أتزعم أن من استغنى طغى فاعل لنا جبال مكة فضة وذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك فنزل جبرائيل فقال: يقول الله إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة فكف رسول الله عن الدعاء إبقاء عليهم.
وروي أن أبا جهل لعنه الله قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
قالوا: نعم قال: فوالذي يحلف به لئن رأيته توطأت عنقه فجاءه، وهو في الصلاة ثم نكص على عقبيه فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟
فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار فنزلت ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ أي أخبرني عمن ينهي بعض عباد الله وهذا خطاب للرسول على وجه التعجب، وفيه أنه كان يقول: " اللهم أعز الإسلام بعمر أو بأبي جهل بن هشام" ، وكأنه قال له: يا محمد كنت تظن أنه يعز به الإسلام وهو ينهى عن الصلاة التي هي أول أركان الإسلام وكان يلقب بأبي الحكم فقيل له: كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى العبد عن خدمة ربه ويأمر بعبادة الجماد؟
وفي تنكير العبد دلالة على التفخيم كأنه قال: هو عبد لا يكتنه كنه إخلاصه في العبودية ولا يوصف شرح أخلاقه بالكلية.
يروى أن يهودياً من فصحاء اليهود جاء إلى عمر في أيام خلافته وقال: أخبرني عن أخلاق رسولكم.
فقال عمر: اطلب من بلال فهو أعلم به مني.
ثم إن بلالاً دل على فاطمة عليها السلام وهي دلته على علي .
فلما سأل علياً قال: صف لي متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه.
فقال اليهودي: هذا لا يتيسر لي فقال علي : عجزت عن وصف الدنيا وقد حكم الله بقلته حيث قال ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ فكيف أصف أخلاق النبي وقد شهد الله بأنه عظيم في قوله ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ والحاصل أنه كأنه قال: ما أجهل من ينهى أشد الخلق عبودية عن الصلاة، والنهي عن الصلاة مذموم عند العقلاء.
"يروى أن علياً رأى في المصلى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد فقال: ما رأيت رسول الله يفعل ذلك فقيل له: ألا تنهاهم؟
فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ " فلم يصرح بالنهي.
وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حين قاله له أبو يوسف: أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي؟
فقال: يقول ربنا لك الحمد ويسجد ولم يصرح بالنهي عن الدعاء.
ويحتمل أن يراد بالتنكير الوحدة كأنه قيل: أيظن أبو جهل أنه لو لم يسجد محمد لي وهو عبد واحد لا أجد ساجداً غيره ولي من الملائكة المقربين ما لا يحصيه إلا الله.
وفيه تفخيم شأن النبي ، كان من شهرته بالعبودية لا يحتاج إلى سبق الذكر كقوله ﴿ أسرى بعبده ﴾ ﴿ أنزل على عبده ﴾ وعن الحسن أن الناهي أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وأما الخطاب في قوله ﴿ أرأيت إن كان على الهدى ﴾ فالأكثرون على أنه للنبي أيضاً ليكون على نسق واحد.
وقال في الكشاف: معناه أخبرني أن ذلك الناهي إن كان على طريق سديد فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى.
أو كان آمراً بالتقى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد.
أو كان على سيرة التكذيب والتولي عن الدين الصحيح كما نقول نحن ﴿ ألم يعلم بأن الله يرى ﴾ ويطلع على أحواله من هداه أو ضلاله فيجازيه على ذلك وهو وعيد.
فقوله ﴿ الذي ينهى ﴾ مفعول أول لـ ﴿ أرأيت ﴾ الأول و ﴿ أرأيت ﴾ الثاني مكرر للتأكيد ولطول الكلام، وقوله ﴿ إن كان على الهدى ﴾ مع ما عطف عليه مفعول ثانٍ له، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب الشرط الثاني وهو قوله ﴿ ألم يعلم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ أرأيت ﴾ الثالث أيضاً مكرراً والجواب بالحقيقة هو ما تدل عليه هذه الجملة الاستفهامية كأنه قيل: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أو كذب وتولى فإن الله مجازيه.
وقيل: إن جواب الشرط الأول شيء آخر يدل عليه سياق الكلام والمراد: أرأيت إن صار هذا الكافر على حالة الهدى أو أمر بالتقوى بدل النهي عن عبادة الله، أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة.
ففيه تعجيب من حاله أنه كيف فوت على نفسه مراتب الكمال والإكمال واختار بدلها طريقي الضلال والإضلال.
وقيل: الخطاب في ﴿ أرأيت ﴾ الثاني للكافر كأن الظالم والمظلوم عبدان قاما بين يدي مولاهما أو هما اللذان حضرا عند الحاكم أحدهما المدعي والآخر المبدعى عليه، فيخاطب هذا مرة وهذا مرة، فلما قال للنبي ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ التفت إلى الكافر وقال: أرأيت يا كافر إن كان صلاته هدى ودعاؤه إلى الدين أمراً بالتقوى أتنهاه مع ذلك؟
ثم إن كان الخطاب في ﴿ أرأيت ﴾ الثالث للنبي فالمعنى: أرأيت يا محمد إن كذب هذا الكافر بتلك الدلائل الواضحة وتولى عن خدمة خالقه ألم يعلم بعقله أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة حتى يصير زاجراً عنها؟
وإن كان الخطاب للكافر فالمراد إن كان محمد كاذباً أو متوالياً ألا يعلم أن خالقه يراه حتى ينتهي فلا يحتاج إلى نهيك؟
قالت العلماء: هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل إلا أن كل من ينهى عن طاعة الله فهو شريك في وعيد أبي جهل ولا يرد عليه المنع عن الصلاة في الدار المغصوبة وفي الأوقات المكروهة ومنع المولى عبده عن قيام الليل وصلاة التطوع وزوجته عن الاعتكاف، لأن ذلك لاستيفاء مصالح أخرى بإذن الله وحده، ثم ردع أبا جهل عن نهيه أو عن عدم علمه بإحاطة الله بجميع الكائنات أو عن عزمه على أن يقتل محمداً أو يطأ رقبته، فإن تلميذ محمد هو الذي يقتله ويطأ صدره، والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدة ومنه سفع النار للفحها كأنها تأخذ من الجسد بياضه وطراوته.
وقد كتب ﴿ لنسفعا ﴾ في المصحف بالألف على حكم الوقف لأن النون الخفيفة المؤكدة يوقف عليه بالألف، واللام في قوله ﴿ بالناصية ﴾ للعهد والمراد لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ثم إن هذا السفع إما أن يكون إلى نار الآخرة وهو ظاهر، وإما أن يكون في الدنيا كما روي أنه عاد إلى النهي فمكن الله المسلمين يوم بدر حتى جروه بالناصية.
يحكى أنه لما نزلت سورة الرحمن قال النبي : من يقرأوها على رؤساء قريش؟
فتثاقل القوم مخافة أذيتهم فقام ابن مسعود فقال: أنا.
فأجلسه النبي لما كان يعلم من صعفه ثم قال: من يقرأوها عليهم؟
فلم يقم إلا ابن مسعود فأجلسه ثم قال في الثالثة كذلك فلم يقم إلا هو فأذن له، فحين دخل عليهم وكانوا مجتمعين حول الكعبة قرأ السورة فقام أبو جهل فلطمه فانشق أذنه فأدماه فانصرف وعينه تدمع، فلما رآه النبي رق قلبه وأطرق رأسه مغموماً فإذا جبرائيل جاء ضاحكاً مستبشراً فقال: يا جبرائيل تضحك وابن مسعود يبكي، فقال: ستعلم فلما كان يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في الجهاد فقال : خذ رمحك والتمس في الجرحى من كان به رمق فاقتله فإنك تنال ثواب المجاهدين.
فأخذ يطالع القتلى فإذا أبو جهل مصروع فخاف أن يكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح على منخره من بعيد فطعنه.
ولعل هذا معنى قوله ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ ثم لما عرف عجزه لم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه فارتقى إليه بحيلة، فلما رآه أبو جهل قال: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعباً.
فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
ثم قال أبو جهل: بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إليّ منه في حال حياتي ولا أحد أبغض إليّ منه في حال مماتي فروي أنه لما سمع ذلك قال: فرعوني أشد من فرعون موسى فإنه قال " آمنت " وهوقد زاد عتواً.
ثم قال لابن مسعود: اقطع رأسي بسيفي هذا لأنه أحد وأقطع.
فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله.
قال أهل العلم: ولعل الحكيم إنما خلقه ضعيفاً لأجل أن لا يقوى على الحمل لوجوه منها: أنه كلب والكلب يجر.
والثاني ليشق أذنه فتقتص الأذن بالأذن.
والثالث تحقق الوعد المذكور في قوله ﴿ لنسفعا ﴾ فإن ابن مسعود لما لم يطقه شق أذنه وجعل الخيط فيه وجعل يجره إلى رسول الله وجبرائيل بين يديه يضحك ويقول: يا محمد أذن بأذن لكن الرأس ههنا مع الأذن.
والناصية شعر الجبهة، وقد يسمى مكان الشعر ناصية، وقد كنى ههنا عن الوجه والرأس بالناصية قالوا: السبب فيه أن أبا جهل كان مهتماً بترجيل الناصية وتطييبها فلقاه الله نقيض المقصود حين أعرض عن حكم المعبود.
ثم وصف الناصية بأنها ﴿ ناصية كاذبة خاطئة ﴾ كذب صاحبها وخطأه حين سمى النبي الصادق ساحراً كذاباً، أو حين زعم أنه أكثر أهل الوادي نادياً، والخاطىء أفظع من المخطىء ولهذا قال ﴿ لا يأكله إلا الخاطئون ﴾ فالخاطىء معاقب مأخوذ والمخطئ لا يكون مأخوذاً ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
وقوله ﴿ ناصية ﴾ بدل الكل من الأول، ووجه حسنها كونها موصوفة كما علم من قواعد النحو.
يروى أن رسول الله لما أغلظ في القول لأبي جهل وتلا عليه هذه الآيات قال: يا محمد بمن تهددني وإني أكثر هذا الوادي نادياً أي أهل مجلس، لأملأن عليك هذا الوادي خيلاً جرداً ورجالاً مرداً فزاد الله في تهديده قائلاً ﴿ فليدع ناديه سندع الزبانية ﴾ والزباني كل متمرد من جن وإنس ومثله " زبنية " بتخفيف الياء كعفريت وعفرية وأصله من الزبن الدفع، ولعل كسر الزاي لتغيير النسب، عن النبي : لو دعا نادية لأخذته الزبانية عياناً.
قال مقاتل: هم خزنة جهنم أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء.
قال قتادة: الزبانية الشرط بلغة العرب أي الحرس، وقيل: هي جمع لا واحد له.
ثم ردع أبا جهل عن قبائح أحواله وأفعاله بقوله ﴿ كلا ﴾ وشجع النبي بقوله ﴿ لا تطعه ﴾ ثم قال ﴿ واسجد واقترب ﴾ أي دم على سجودك وتقرب به إلى ربك ومنه قوله " "أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد" وقيل: صل وتوفر على عبادة الله فعلاً وإبلاغاً.
وقيل: اسجد يا محمد واقترب يا أبا جهل وضع قدمك عليه فإن الرجل ساجد مشغول بنفسه وهذا تهكم به وتعريض بأن الله وتعالى عاصم نبيه وحافظه والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ ﴾ : ذكر أهل التأويل أن الذي ينهى: أبو جهل - لعنه الله - ﴿ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ ﴾ : رسول الله ، وذلك أنه كان يصلي في الحجر، فكان ينهاه أبو جهل؛ فنزل: ﴿ أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ﴾ .
[و] جائز أن يجمع هذا كله في الوعيد الذي ذكره على أثر ذلك، وهو قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ﴾ ، كأنه قال: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، أرأيت الذي ينهى من كان على الهدى، أو أمر بالتقوى، وهو رسول الله كان ينهاه ذلك الكافر إذا صلى، وينهاه عن الهدى، وعن الأمر بالتقوى، أرأيت الذي كذب رسول الله ، وتولى عن طاعة الله ، ألم يعلم بأن الله يرى؟!
يدخل دميع ما ذكر في هذا الوعيد؛ فيكون [ذلك] جوابا لما تقدم من قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
وجائز أن يكون جواب قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ ﴾ مسكوتا عنه؛ ترك للفهم.
ثم قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ﴾ ، أي: ألم يعلم بأن الله يرى؛ فينتقم [منه] لرسول الله .
أو: ألم يعلم بأن الله يرى؛ فيدفعه عما هم برسول الله فهو وعيد.
ثم قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: قد علم بأن الله يرى جميع ما يقوله، ويفعله، ويهم به، لكنه فعل ذلك على المكابرة والعناد.
والثاني: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ﴾ على نفي العلم له بذلك؛ إذ لو علم بأن الله يرى، ويعلم ما يفعله من النهي عن الصلاة والمكر به، لكان لا يفعل ذلك به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ : أي: حقا لئن لم ينته عن صنيعه الذي يصنع برسول الله ﴿ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ ﴾ ، أي: لنأخذن بالناصية؛ كأنه عبارة عن الآخذ الشديد، والجر الشديد على الناصية.
ثم يحتمل أن يكون ذلك الوعيد له في الدنيا: أنه لو لم ينته عما ذكر: فإن كان في الدنيا فتكون السفع كناية عن العذاب، أي: لنعذبن.
وقيل: قد أخذ بناصيته يوم بدر، فألقي بين يدي رسول الله قتيلا.
وإن كان في الآخرة، فهو عن حقيقة أخذ الناصية؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً...
﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ...
﴾ .
وقال أهل العربية: ﴿ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ ﴾ ، أي: نقبض، وسفعت ناصيته، أي: قبضت، ويقال: سفعه بالعصا، أي: ضربه بها، ويقال: أسفع بيده، أي: خذ بيده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ : يحتمل ما ذكر من قوله: ﴿ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ كناية عن النفس.
ويحتمل أن يكون كناية عن الناصية التي تقدم ذكرها.
وقوله - عز وزجل -: ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ : أي: أبو جهل، ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ ، أي: أهل مجلسه في الإعانة له بما يهم برسول الله .
﴿ سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ ﴾ نحن في الدفع عنه؛ لنرى هل يقدر أن يفعل به ما هم به.
ثم يحتمل ذلك في الدنيا، وقد ذكر أنه قتل يوم بدر.
وجائز أن يكون ذلك الدفع من الزبانية في الآخرة، وسموا: زبانية للدفع، أي: يدفعون النار في النار.
وقيل: الزبانية: الشرط، والواحد: زبينة، والنادى: المجلس، يريد به: قومه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ ﴾ ، أي: لا تطع ذلك الكافر، وكان ما ذكر، لم يطعه حتى مات؛ فكان فيه إثبات الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب ﴾ أن يكون هذا خطابا للنبى - - أي: صل، واقترب إلى الله عز وجل .
ويحتمل أن يكن قوله: ﴿ وَٱسْجُدْ ﴾ خطابا للنبى - - أي: صل، وقوله: ﴿ وَٱقْتَرِب ﴾ خطابا لأبي جهل، أي: اقترب إلى محمد؛ حتى ترى على سبيل الوعيد؛ لما كان يقصد المكر بالنبى في حال الصلاة.
ثم على التأويل الظاهر الآية حجة لنا على أهل التشبيه؛ فإنه لم يفهم من قوله: ﴿ وَٱقْتَرِب ﴾ : القرب من حيث المكان، وقرب الذات، ولكنْ قرب المنزل والقدر، وكذلك ما ذكر في بعض الأخبار: " ﴿ ومن تقرَّب إليَّ شبرا، تقربت إليه ذراعا ﴾ " ، ونحو ذلك، لا يفهم منه قرب الذات، ولكن قرب المنزلة والقدر بالإجابة، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القرب: قرب المنزلة والقدر.
ثم في هذه السورة السجدة؛ لما روي عن أبي هريرة - - أن النبي صلى الله عليه سلم سجد فيها.
وروي عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنه قال: "سجد في ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ، و ﴿ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ - أبو بكر، وعمر، ومَن هو خير منهما".
وروي عن علي - - أنه قال: "في ﴿ ٱقْرَأْ ﴾ : من عزائم السجود".
و[روى] أبو عبيدة عن الله أنه سجد فيها، والله أعلم.
أرأيت إن كان هذا المنهى على هدى وبصيرة من ربه؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.Pw4mV"
صح في الأخبار أن النبي أول ما تمثل له الملك الذي يتلقى عنه الوحي قال له الملك: اقرأ.
قال رسول الله: فقلت: ما أنا بقارئ!
قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ!
فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ!
فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد فقال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ حتى بلغ ﴿ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .
قال الراوي: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة.
والحديث طويل، وفيه أن الوحي قد فتر فترة بعد ذلك حزن لها النبي حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال.
ولكن كان يمنعه تمثل الملك له وإخباره بأنه رسول الله حقًا.
وفي هذا دلالة على أن ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ هو أول خطاب إلهي وجه إلى النبي .
أما بقية السورة فهو متأخر النزول قطعًا، وما فيه من ذكر أحوال المكذبين يدل على أنه إنما نزل بعد شيوع خبر البعثة، وظهور أمر النبوة وتحرش قريش لايذائه عليه السلام.
ثم هذا لا ينافي أن أول سورة نزلت كاملة بعد ذلك هي أم الكتاب كما بيناه في تفسيرها.
ترى من سياق القصة التي قدمناها أن المتبادر من معنى الآية الأولى: كن قارئًا باسم الله، من قبيل الأمر التكويني.
فإن النبي لم يكن قارئًا ولا كاتبًا، ولذلك كرر القول مرارًا "ما أنا بقارئ"!
وبعد ذلك جاء الأمر الإلهي بأن يكون قارئًا، وإن لم يكن كاتبًا، فإنه سينزل عليه كتاب يقرؤه وإن كان لا يكتبه.
ولذلك وصف الرب بالذي خلق، أي الذي أوجد الكائنات.
فالمتصف بالصفات التي يظهر أثر المتصف بها في إبداع الكائنات التي لا يحيط بها الوصف، قادر أن يوجد فيك القراءة، وإن لم يسبق لك تعلمها، لأنك لم تكن تدري ما الكتاب، فكأن الله يقول: كن قارئًا بقدرتي وبإرادتي.
وإنما عبر بالاسم لأنه -كما سبق في سورة سبح- دال على ما تعرف به الذات.
وخلق القراءة يلفتك إلى الذات وصفاتها جميعًا، لأن القراءة علم في نفس حية، فهي تخطر ببالك من الله وجوده وعلمه وقدرته وإرادته.
أما إذا حملنا الأمر على التكليف، وقلنا إن المعنى إنك مأمور -إذا قرأت أن تقرأ باسم الله، وهو خلاف المتبادر- فيكون معنى ذلك هو ما بيناه في معنى "بسم الله الرحمن الرحيم" في تفسير الفاتحة، أي إذا قرأت فاقرأ دائمًا على أن تكون قراءتك عملًا تنفذه لله لا لغيره، فلو فرض أنه قرأ وجعل قراءته لله لا لأحد سواه، ولم يذكر الاسم، فهو قارئ باسم الله، وإنما طلبت التسمية باللسان لتكون منبهة للضمير في بداية كل عمل إلى أن يرجع إلى الله في ذلك العمل.
ويلاحظ أنه يعمل لاسمه لا لاسم غيره سبحانه.
والعلق: الدم الجامد، وهي حالة الجنين في الأيام الأولى لخلقه.
ومن كان قادرًا على أن يخلق من الدم الجامد إنسانًا -وهو الحي الناطق الذي يسود بعلمه على سائر المخلوقات الأرضية، ويسخر لخدمته- يقدر أن يجعل من الإنسان الكامل -مثل النبي - قارئًا وإن لم يسبق له تعلم القراءة.
جاء بهذه الآية بعد سابقتها ليزيد المعنى تأكيدًا.
كأنه يقول لمن كرر القول إنه ليس بقارئ: أيقن أنك قد صرت قارئًا بإذن ربك الذي أوجد الكائنات -وما القراءة إلا واحدة منها- والذي أنشأ الإنسان خلقًا كاملًا من دم جامد لا شكل فيه ولا صورة وإنما القراءة صفة عارضة على ذلك الإنسان الكامل فهي أولى بسهولة الإيجاد.
ولما كانت القراءة من الملكات التي لا تكسبها النفس إلا بالتكرار والتعود على ما جرت به العادة في الناس، ناب تكرار الأمر الإلهي عن تكرار المقروء في تصييرها ملكة للنبي ، فلهذا كرر الأمر بقوله: ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ﴾ .
وجملة وربك إلخ، استئنافية لبيان أن الله أكرم من كل من يرتجي منه الإعطاء، فيسير عليه أن يفيض عليك هذه النعمة -نعمة القراءة- من بحر كرمه.
ثم أراد أن يزيده اطمئنانًا بهذه الموهبة الجديدة فوصف مانحها بأنه "الذي علم بالقلم" أي أفهم الناس بواسطة القلم كما أفهمهم بواسطة اللسان.
والقلم آلة جامدة لا حياة فيها ولا من شأنها في ذاتها الإفهام.
فالذي جعل من الجماد الميت الصامت آلة للفهم والبيان، ألا يجعل منك قارئًا مبينًا، وتاليًا معلمًا، وأنت إنسان كامل؟
ثم أراد أن يقطع الشبهة من نفسه، ويبعد عنه استغراب أن يقرأ -ولم يكن قارئًا- فقال: ﴿ عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .
أي إن الذي صدر أمره بأن تكون قارئًا وأوجد فيك ملكة القراءة والتلاوة، وسيبلغك فيها مبلغًا لم يبلغه سواك، هو الذي علم الإنسان جميع ما هو متمتع به من العلم، وكان في بدء خلقه لا يعلم شيئًا.
فهل يستغرب من هذا المعلم الذي ابتدأ العلم للإنسان -ولم يكن يسبق له عالم بالمرة- أن يعلمك القراءة وعندك كثير من العلوم سواها، ونفسك مستعدة بها لقبول غيرها؟!
ثم إنه لا يوجد بيان أبرع، ولا دليل أقطع على فضل القراءة والكتابة والعلم بجميع أنواعه، من افتتاح الله كتابه وابتدائه الوحي بهذه الآيات الباهرات فإن لم يهتد المسلمون بهذا الهدى، ولم ينبههم النظر فيه إلى النهوض إلى تمزيق تلك الحجب التي حجبت عن أبصارهم نور العلم، وكسر تلك الأبواب التي غلقها عليهم رؤساؤهم وحبسوهم بها في ظلمات من الجهل وإن لم يسترشدوا بفاتحة هذا الكتاب المبين، ولم يستضيئوا بهذا الضياء الساطع..
فلا أرشدهم الله أبدًا!
هذه الآيات دلت على أن الله خلق العالم، وعلى أن لا ينسب الخلق إلى غيره -كما ترشد إليه الآية الأولى- وأنه خلق الإنسان الحي الناطق مما لا حياة فيه ولا نطق ولا شكل ولا صورة، وعلَّمه أفضل علم، وهو الكتابة، ووهبه العلم ولم يكن يعلم شيئًا.
فكل شيء للإنسان فهو منه ومن هباته.
فما أعجب ما يكون من الإنسان بعد ذلك من غفلته عن ذلك كله لمجرد أن يحس من الغنى عن غيره!
ولهذا ناسب أن يؤتى بعد تلك الآيات المتقدمات بما نزل بعدها بسنين كثيرة من قوله ﴿ كَلاَّ إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى ﴾ .
كلا كلمة زجر تفيد في الأغلب أن ما بعدها مخالف لأثر ما قبلها أي ما أسخف عقل الإنسان!
فإنه مع ظهور أمره، وشدة فقره في نفسه، وظهور أن الله مالك كل شيء عنده، يطغى ويخرج عن الحد الذي يجب عليه أن يقف عنده، فيستكبر عن الخشوع لربه، ويتطاول بالأذى على خلقه، وذلك (أن رآه استغنى)أي متى أحس من نفسه قدرة وثروة يعد نفسه بهما فوق من دونه من الناس، فلا يرى أنه معهم أعضاء جماعة واحدة، يحتاج كل إلى الآخر في استدامة الأمن واستكمال السعادة.
والاستغناء بهذا المعنى، وهو الرذيلة.
وهو المذكور في قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ﴾ في سورة الليل.
أما الغنى والقوة في أيدي الأتقياء، فما أعظم وسائل الخير، وأفضل أسباب السعادة الدنيوية والأخروية.
ولكن الأتقياء يرشدهم في تصريف ثروتهم وقوتهم العلم والدين الصحيحان، والأغلب من عامة الناس يصرفهم الهوى والشهوة، لهذا أطلق الإنسان باعتبار الأغلب من أفراده وهم الذين يستغنون بالمعنى السابق.
ولما كان المغرور يظن أنه في سوء عمله إنما يصنع ما هو من حقه، ضاعف له التأكيد، فقال: ﴿ لَيَطْغَى ﴾ .
أي أنه باستغنائه يخرج عن حده قطعًا.
ثم بيّن أنه واهم في طغيانه، كاذب في زعمه أنه ملك ناصية القوة والقدرة لأن ما في يده عارية، وليست نفسه بباقية، ولا لها من الله واقية - فقال ﴿ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾ أي المرجع.
أي إن المرجع إلى الله وحده دون غيره، فهو مالك ما تملكه، وهو الذي ينتزع روحك فتخرج من هذه الحياة الدنيا إلى حياة ينكشف عنك فيها غطاء الغرور، وتظهر ذُلَّك، وتحاسب على ما أتيته أيام عزك.
بعد ذلك جاء الله لنا بمثل من أمثلة الطغيان، وذكره على طريقة الاستغراب والتبشيع، ثم أعقب ذكره بالوعيد والتهديد، فقال: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾ .
كلمة أرأيت صارت تستعمل في معنى أخبرني، على أنها لا يقصد بها في مثل هذه الآية الاستخبار الحقيقي ولكن يقصد بها إنكار الحالة المستخبر عنها وتقبيحها، كما في قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ إلخ.
فكأنه يقول ما أسخف عقل هذا الذي يطغى به الكبر فينهى عبدًا من عبيد الله عن صلاته!
خصوصًا وهو في حالة أدائها.
أما قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴾ ، فمعناه أخبرني عن حاله إن كان ذلك الطاغي على الهدى وعلى صراط الحق، أو أمر بالتقوى مكان نهيه عن الصلاة: أفما كان ذلك خيرًا له وأفضل؟!
وقوله ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ أي نبئني عن حاله إن كذب وتولى أي كذب بما جاء به النبيون، أو كذب بثبوت الفضيلة وأصل الفرق بين الخير والشر والصالح والطالح.
(وتولى) أي أعرض عن العمل الطيب، أفلا يخشى أن تحل به قارعة، ويصيبه من عذاب الله ما لا قبل له باحتماله؟
فجواب كل من الشرطين محذوف كما رأيت في تفسير المعنى، وهو من الإيجاز المحمود بعد ما دل على المحذوف بقوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ ؟.
أي أجهل أن الله يطلع على أمره: فإن كان تقيًا على الهدى أحسن جزاءه وإن كذب وتولى لم يفلت من عقوبته!
ثم إن ما يطيل به المفسرون في المفعول الثاني لفعل أرأيت الأولى ومفعوليها في الثانية والثالثة، فهو مما لا معنى له، لأن القرآن قدوة في التعبير، وقد استعملها بمفعول واحد وبلا مفعول أصلًا بمعنى أخبرني.
والجملة المستخبر عن مضمونها تسد مسد المفاعيل.
﴿ كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ ﴾ : كلمة كلا صدع بالزجر جديد، أي لا يستمر به غروره وجهله وطغيانه.
فإني أقسم لئن لم ينته عن هذا الطغيان، وإن لم يكف عن نهي المصلي عن صلاته (لنسفعا بالناصية): أي لنأخذن بها.
والناصية شعر الجبهة، أو الجبهة نفسها.
قال المبرد: السفع الجذب بشدة، وسفع بناصية فرسه: جذبه!
قال عمرو بن معدي كرب: قومٌ إذا كثر الصياح رأيتهم ما بين ملجم مهره أو سافع والأخذ بالناصية هنا مثل في القهر والإذلال والتعذيب والنكال.
(ناصية كاذبة خاطئة): أعاد الناصية على طريق البدل مع وصفها بالوصفين التابعين لها لزيادة التشنيع بها وهي كاذبة لغرورها بقوتها مع أنها في قبضة خالقها فهي تزعم ما لا حقيقة له، وخاطئة لأنها طغت عن حدها، وعتت عن أمر ربها، وأساءت إلى الصالحين من قومها.
ونسبة الكذب والخطيئة إلى الناصية، مع أن الكاذب والمخطئ صاحبها، لأن الناصية مظهر الغرور والكبرياء كما هو معروف.
(فليدع ناديه) النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم، ويطلق على القوم أنفسهم.
أي فليجمع أمثاله ممن ينتدي معهم ليمنع المصلين المخلصين، ويؤذي أهل الحق الصادقين، فإن فعل فقد تعرّض لنهرنا وتنكيلنا ﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴾ : الزبانية في أصل اللغة: الشرط وأعوان الولاة.
قيل إنه جمع لا واحد له.
وقال أبو عبيدة: واحده زبنية بكسر فسكون كعفرية.
وقال الكسائي: واحدة زبني بالكسر كإنسي.
وقال عيسى بن عمر واحده زابن.
وقد تطلق العرب هذا الاسم على من اشتد بطشه، وإن لم يكن من أعوان الولاة.
قال: مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى زبانية غلب عظام حلومها أي سندعو له من جنودنا القوي المتين الذي لا قبل له بمغالبته فيهلكه في الدنيا أو يرديه في النار في الآخرة وهو صاغر.
﴿ كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ : كلا، زجر عن الإصغاء لقول الطاغي فلا تطع الطاغي إذا نهاك عن عبادة ربك، واسجد له واقترب: أي تقرب إليه بالعبادة، ولا تبعد عنه بتركها.
ذكر الصلاة في السورة لا يدل على أن بقيتها نزل بعد فرض الصلاة.
فقد كان للنبي وأصحابه صلاة قبل أن تفرض الصلوات الخمس المعروفة.
جاء في الخبر أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه.
فبلغ النبي فقال: لو فعل لأخذته الملائكة.
وفيه نزلت الآيات، ولا مناع من أن يكون في الآيات إشارة إليه، ولكنها عامة في كل وقت وزمن كما ترى.
والخطاب فيها موجه إلى من يخاطب لا إلى شخص النبي .
والله أعلم.