الإسلام > القرآن > سور > سورة 97 القدر > الآية ٤ من سورة القدر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 39 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤ من سورة القدر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ) أي : يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها ، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة ، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحلق الذكر ، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيما له .
وأما الروح فقيل : المراد به هاهنا جبريل عليه السلام ، فيكون من باب عطف الخاص على العام .
وقيل : هم ضرب من الملائكة .
كما تقدم في سورة " النبأ " .
والله أعلم .
وقوله : ( من كل أمر ) قال مجاهد : سلام هي من كل أمر .
وقال سعيد بن منصور : حدثنا عيسى بن يونس ، حدثنا الأعمش عن مجاهد في قوله : ( سلام هي ) قال : هي سالمة ، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا أو يعمل فيها أذى .
وقال قتادة وغيره : تقضى فيها الأمور ، وتقدر الآجال والأرزاق ، كما قال تعالى : ( فيها يفرق كل أمر حكيم )
وقوله: ( تَنـزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: تنـزل الملائكة وجبريل معهم، وهو الروح في ليلة القدر ( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) يعني بإذن ربهم، من كلّ أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل وغير ذلك.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) قال: يقضى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها.
فعلى هذا القول منتهى الخبر، وموضع الوقف من كلّ أمر.
وقال آخرون: ( تَنـزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلَّموا عليه.
* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن يحيى بن زياد الفرّاء، قال: ثني أبو بكر بن عياش، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: " من كل امرئ سلام " وهذه القراءة من قرأ بها وجَّه معنى من كلّ امرئ: من كلّ ملَك؛ كان معناه عنده: تنـزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ ملك يسلم على المؤمنين والمؤمنات؛ ولا أرى القراءة بها جائزة، لإجماع الحجة من القرّاء على خلافها، وأنها خلاف لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحف من مصاحف المسلمين في قوله " أمر " ياء، وإذا قُرِئت: ( مِنْ كُلّ امْرِئ ) لحقتها همزة، تصير في الخطّ ياء.
والصواب من القول في ذلك: القول الأوّل الذي ذكرناه قبل، على ما تأوّله قتادة.
قوله تعالى : تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمرقوله تعالى : تنزل الملائكة أي تهبط من كل سماء ، ومن سدرة المنتهى ; ومسكن جبريل على وسطها .
فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على دعاء الناس ، إلى وقت طلوع الفجر ; فذلك قوله تعالى : تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهمأي جبريل - عليه السلام - .
وحكى القشيري : أن الروح صنف من الملائكة ، جعلوا حفظة على سائرهم ، وأن الملائكة لا يرونهم ، كما لا نرى نحن الملائكة .وقال مقاتل : هم أشرف الملائكة .
وأقربهم من الله تعالى .
وقيل : إنهم جند من جند الله - عز وجل - من غير الملائكة .
رواه مجاهد عن ابن عباس مرفوعا ; ذكره الماوردي وحكى القشيري : قيل هم صنف من خلق الله يأكلون الطعام ، ولهم أيد وأرجل ; وليسوا ملائكة .
وقيل : الروح خلق عظيم يقوم صفا ، والملائكة كلهم صفا .
وقيل : الروح الرحمة ينزل بها جبريل - عليه السلام - مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها ; دليله : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ، أي بالرحمة .
فيها أي في ليلة القدر .
بإذن ربهم أي بأمره .من كل أمر أمر بكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل ; قاله ابن عباس ; كقوله تعالى : يحفظونه من أمر الله أي بأمر الله .
وقراءة العامة تنزل بفتح التاء ; إلا أن البزي شدد التاء .
وقرأ طلحة بن مصرف وابن السميقع ، بضم التاء على الفعل المجهول .
وقرأ علي وابن عباس وعكرمة والكلبي ( من كل امرئ ) .وروي عن ابن عباس أن معناه : من كل ملك ; وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة ، فيسلمون على كل امرئ مسلم .
( فمن ) بمعنى على .
وعن أنس قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة ، يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى .
{ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا } أي: يكثر نزولهم فيها { مِنْ كُلِّ أَمْر}
وله - عز وجل - : ( تنزل الملائكة والروح ) يعني جبريل - عليه السلام - معهم ، ( فيها ) أي في ليلة القدر ، ( بإذن ربهم من كل أمر ) أي بكل أمر من الخير والبركة ، كقوله : " يحفظونه من أمر الله " ( الرعد - 11 ) أي بأمر الله .
«تنزَّل الملائكة» بحذف إحدى التاءين من الأصل «والروح» أي جبريل «فيها» في الليلة «بإذن ربهم» بأمره «من كل أمر» قضاه الله فيها لتلك السنة إلى قابل ومن سببيه بمعنى الباء.
يكثر نزول الملائكة وجبريل عليه السلام فيها، بإذن ربهم من كل أمر قضاه في تلك السنة.
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك مزية أخرى لهذه الليلة المباركة فقال : ( تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ) .أى : ومن مزايا وفضائل هذه الليلة أيضا ، أن الملائكة - وعلى رأسهم الروح الأمين جبريل - ينزلون فيها أفواجا إلى الأرض ، بأمره - تعالى - وإذنه ، وهم جميعا إنما ينزلونمن أجل أمر من الأمور التى يريد إبلاغها إلى عباده ، وأصل " تنزل " تتنزل ، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا ، ونزول الملائكة إلى الأرض ، من أجل نشر البركات التى تحفهم ، فنزولهم فى تلك الليلة يدل على شرفها ، وعلى رحمة الله - تعالى - بعباده .والروح : هو جبريل ، وذكره بخصوصه بعد ذكر الملائكة ، من باب ذكر الخاص بعد العام ، لمزيد الفضل ، واختصاصه بأمور لا يشاركه فيها غيره .وقوله - سبحانه - ( بِإِذْنِ رَبِّهِم ) متعلق بقوله : ( تنزل ) ، والباء للسببية ، أى : يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم فى النزول .قال الجمل ما ملخصه .
وقوله : ( مِّن كُلِّ أَمْرٍ ) يجوز فى " من " وجهان : أحدهما أنها بمعنى اللام ، وتتعلق بتنزل ، تنزل من أجل كل أمر قضى إلى العام القابل .والثانى : أنها بمعنى الباء ، أى : تنزل بكل أمر قضاه الله - تعالى - فيها من موت وحياة ورزق .وليس المراد أن تقدير الله لا يحدث إلا فى تلك الليلة بل المراد إظهار تلك المقادير لملائكته .
قوله تعالى: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن نظر الملائكة على الأرواح، ونظر البشر على الأشباح، ثم إن الملائكة لما رأوا روحك محلاً للصفات الذميمة من الشهوة والغضب ما قبلوك.
فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويفسك الدماء، وأبواك لما رأوا قبح صورتك في أول الأمر حين كنت منياً وعلقة ما قبلوك أيضاً، بل أظهروا النفرة، واستقذروا ذلك المني والعلقة، وغسلوا ثيابهم عنه، ثم كم احتالوا للإسقاط والإبطال، ثم إنه تعالى لما أعطاك الصورة الحسنة فالأبوان لما رأوا تلك الصورة الحسنة قبلوك ومالوا إليك، فكذا الملائكة لما رأوا في روحك الصورة الحسنة وهي معرفة الله وطاعته أحبوك فنزلوا إليك معتذرين عما قالوه أولاً، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة ﴾ فإذا نزلوا إليك رأوا روحك في ظلمة ليل البدن، وظلمة القوى الجسمانية فحينئذ يعتذرون عما تقدم: ﴿ ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ .
المسألة الثانية: أن قوله تعالى: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة ﴾ يقتضي ظاهره نزول كل الملائكة، ثم الملائكة لهم كثرة عظيمة لا تحتمل كلهم الأرض، فلهذا السبب اختلفوا فقال بعضهم: إنها تنزل بأسرها إلى السماء الدنيا، فإن قيل الإشكال بعد باق لأن السماء مملوءة بحيث لا يوجد فيها موضع إهاب إلا وفيه ملك، فكيف تسع الجميع سماء واحدة؟
قلنا: يقضي بعموم الكتاب على خبر الواحد، كيف والمروي إنهم ينزلون فوجاً فوجاً فمن نازل وصاعد كأهل الحج فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة بالكلية لكن الناس بين داخل وخارج، ولهذا السبب مدت إلى غاية طلوع الفجر فلذلك ذكر بلفظ: ﴿ تُنَزَّلَ ﴾ الذي يفيد المرة بعد المرة.
والقول الثاني: وهو اختيار الأكثرين أنهم ينزلون إلى الأرض وهو الأوجه، لأن الغرض هو الترغيب في إحياء هذه الليلة، ولأنه دلت الأحاديث على أن الملائكة ينزلون في سائر الأيام إلى مجالس الذكر والدين، فلأن يحصل ذلك في هذه الليلة مع علو شأنها أولى، ولأن النزول المطلق لا يفيد إلا النزول من السماء إلى الأرض، ثم اختلف من قال: ينزلون إلى الأرض على وجوه: أحدها: قال بعضهم: ينزلون ليروا عبادة البشر وحدهم واجتهادهم في الطاعة.
وثانيها: أن الملائكة قالوا: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ ﴾ فهذا يدل على أنهم كانوا مأمورين بذلك النزول فلا يدل على غاية المحبة.
وأما هذه الآية وهو قوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ فإنها تدل على أنهم استأذنوا أولاً فأذنوا، وذلك يدل على غاية المحبة، لأنهم كانوا يرغبون إلينا ويتمنون لقاءنا.
لكن كانوا ينتظرون الإذن، فإن قيل قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون ﴾ ينافي قوله: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة ﴾ قلنا نصرف الحالتين إلى زمانين مختلفين.
وثالثها: أنه تعالى وعد في الآخرة أن الملائكة: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴾ فهاهنا في الدنيا إن اشتغلت بعبادتي نزلت الملائكة عليك حتى يدخلوا عليك للتسلم والزيارة، روى عن علي عليه السلام: أنهم ينزلون ليسلموا علينا وليشفعوا لنا فمن أصابته التسليمة غفر له ذنبه.
ورابعها: أن الله تعالى جعل فضيلة هذه الليلة في الاشتغال بطاعته في الأرض فهم ينزلون إلى الأرض لتصير طاعاتهم أكثر ثواباً، كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعته هناك أكثر ثواباً، وكل ذلك ترغيب للإنسان في الطاعة.
وخامسها: أن الإنسان يأتي بالطاعات والخيرات عند حضور الأكابر من العلماء والزهاد أحسن مما يكون في الخلوة، فالله تعالى أنزل الملائكة المقربين حتى أن المكلف يعلم أنه إنما يأتي بالطاعات في حضور أولئك العلماء العباد الزهاد فيكون أتم وعن النقصان أبعد.
وسادسها: أن من الناس من خص لفظ الملائكة ببعض فرق الملائكة، عن كعب أن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة مما يلي الجنة، فهي على حد هواء الدنيا وهواء الآخرة، وساقها في الجنة وأغصانها تحت الكرسي فيها ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله يعبدون الله ومقام جبريل في وسطها، ليس فيها ملك إلا وقد أعطى الرأفة والرحمة للمؤمنين ينزلون مع جبريل ليلة القدر، فلا تبقى بقعة من الأرض إلا وعليها ملك ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، وجبريل لا يدع أحداً من الناس إلا صافحهم، وعلامة ذلك من اقشعر جلده ورق قلبه ودمعت عيناه، فإن ذلك من مصافحة جبريل عليه السلام، من قال فيها ثلاث مرات: لا إله إلا الله غفر له بواحدة، ونجاه من النار بواحدة، وأدخله الجنة بواحدة، وأول من يصعد جبريل حتى يصير أمام الشمس فيبسط جناحين أخضرين لا ينشرهما إلا تلك الساعة من تلك الليلة ثم يدعو ملكاً ملكاً، فيصعد الكل ويجتمع نور الملائكة ونور جناح جبريل عليه السلام، فيقيم جبريل ومن معه من الملائكة بين الشمس وسماء الدنيا يومهم ذلك مشغولين بالدعاء والرحمة والاستغفار للمؤمنين، ولمن صام رمضان احتساباً، فإذا أمسوا دخلوا سماء الدنيا فيجلسون حلقاً حلقاً فتجمع إليهم ملائكة السماء فيسألونهم عن رجل رجل وعن امرأة امرأة، حتى يقولوا: ما فعل فلان وكيف وجدتموه؟
فيقولون: وجدناه عام أول متعبداً، وفي هذا العام مبتدعاً، وفلان كان عام أول مبتدعاً، وهذا العام متعبداً، فيكفون عن الدعاء للأول، ويشتغلون بالدعاء للثاني، ووجدنا فلاناً تالياً، وفلاناً راكعاً، وفلاناً ساجداً، فهم كذلك يومهم وليلتهم حتى يصعدوا السماء الثانية وهكذا يفعلون في كل سماء حتى ينتهوا إلى السدرة.
فتقول لهم السدرة: يا سكاني حدثوني عن الناس فإن لي عليكم حقاً، وإني أحب من أحب الله، فذكر كعب أنهم يعدون لها الرجل والمرأة بأسمائهم وأسماء آبائهم، ثم يصل ذلك الخبر إلى الجنة، فتقول الجنة: اللهم عجلهم إلي، والملائكة، وأهل السدرة يقولون: آمين آمين، إذا عرفت هذا فنقول، كلما كان الجمع أعظم، كان نزول الرحمة هناك أكثر، ولذلك فإن أعظم الجموع في موثق الحج، لا جرم كان نزول الرحمة هناك أكثر، فكذا في ليلة القدر يحصل مجمع الملائكة المقربين، فلا جرم كان نزل الرحمة أكثر.
المسألة الثالثة: ذكروا في الروح أقوالاً أحدها: أنه ملك عظيم، لو التقم السموات والأرضين كان ذلك له لقمة واحدة.
وثانيها: طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا ليلة القدر، كالزهاد الذين لا نراهم إلا يوم العيد.
وثالثها: خلق من خلق الله يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة، ولا من الإنس، ولعلهم خدم أهل الجنة.
ورابعها: يحتمل أنه عيسى عليه السلام لأنه اسمه، ثم إنه ينزل في مواقفة الملائك ليطلع على أمة محمد.
وخامسها: أنه القرآن: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ﴾ .
وسادسها: الرحمة قرئ: ﴿ لا تيأسوا من روح الله ﴾ بالرفع كأنه تعالى، يقول: الملائكة ينزلون رحمتي تنزل في أثرهم فيجدون سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
وسابعها: الروح أشرف الملائكة.
وثامنها: عن أبي نجيح الروح هم الحفظة والكرام الكاتبون فصاحب اليمين يكتب إتيانه بالواجب، وصاحب الشمال يكتب تركه للقبيح، والأصح أن الروح هاهنا جبريل.
وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه كأنه تعالى يقول الملائكة في كفة والروح في كفة.
أما قوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ فقد ذكرنا أن هذا يدل على أنهم كانوا مشتاقين إلينا، فإن قيل: كيف يرغبون إلينا مع علمهم بكثرة معاصينا؟
قلنا: إنهم لا يقفون على تفصيل المعاصي روي أنهم يطالعون اللوح، فيرون فيه طاعة المكلف مفصلة، فإذا وصلوا إلى معاصيه أرخى الستر فلا ترونها، فحينئذ يقول: سبحان من أظهر الجميل، وستر على القبيح، ثم قد ذكرنا فوائد في نزولهم ونذكر الآن فوائد أخرى وحاصلها أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات أشياء ما رأوها في عالم السموات أحدها: أن الأغنياء يجيئون بالطعام من بيوتهم فيجعلونه ضيافة للفقراء والفقراء يأكلون طعام الأغنياء ويعبدون الله، وهذا نوع من الطاعة لا يوجد في السموات.
وثانيها: أنهم يسمعون أنين العصاة وهذا لا يوجد في السموات.
وثالثها: أنه تعالى قال: لأنين المذنبين أحب إلي من زجل المسبحين فقالوا: تعالوا نذهب إلى الأرض فنسمع صوتاً هو أحب إلى ربنا من صوت تسبيحنا، وكيف لا يكون أحب وزجل المسبحين إظهار لكمال حال المطيعين، وأنين العصاة إظهار لغفارية رب الأرض والسموات (وهذه هي المسألة الأولى).
المسألة الثانية: هذه الآية دالة على عصمة الملائكة ونظيرها قوله: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول ﴾ وفيها دقيقة وهي أنه تعالى لم يقل: مأذونين بل قال: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ وهو إشارة إلى أنهم لا يتصرفون تصرفاً ما إلا بإذنه، ومن ذلك قول الرجل لامرأته إن خرجت إلا بإذني، فإنه يعتبر الإذن في كل خرجة.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ رَّبُّهُمْ ﴾ يفيد تعظيماً للملائكة وتحقيراً للعصاة، كأنه تعالى قال: كانوا لي فكنت لهم، ونظيره في حقنا: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ وقال لمحمد عليه السلام: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ ﴾ ونظيره ما روي أن داود لما مرض مرض الموت قال: إلهي كن لسليمان كما كنت لي، فنزل الوحي وقال: قل لسليمان فليكن لي كما كنت لي، وروي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه فقد الضيف أياماً فخرج بالسفرة ليلتمس ضيفاً فإذا بخيمة، فنادى أتريدون الضيف؟
فقيل: نعم، فقال للمضيف: أيوجد عندك إدام لبن أو عسل؟
فرفع الرجل صخرتين فضرب إحداهما بالأخرى فانشقا فخرج من إحداهما اللبن ومن الأخرى العسل، فتعجب إبراهيم وقال: إلهي أنا خليلك ولم أجد مثل ذلك الإكرام، فماله؟
فنزل الوحي يا خليلي كان لنا فكنا له.
أما قوله تعالى: ﴿ مّن كُلّ أَمْرٍ ﴾ فمعناه تنزل الملائكة والروح فيها من أجل كل أمر، والمعنى أن كل واحد منهم إنما نزل لمهم آخر، ثم ذكروا فيه وجوهاً أحدها: أنهم كانوا في أشغال كثيرة فبعضهم للركوع وبعضهم للسجود، وبعضهم بالدعاء، وكذا القول في التفكر والتعليم، وإبلاغ الوحي، وبعضهم لإدراك فضيلة الليلة أو ليسلموا على المؤمنين.
وثانيها: وهو قول الأكثرين من أجل كل أمر قدر في تلك السنة من خير أو شر، وفيه إشارة إلى أن نزولهم إنما كان عبادة، فكأنهم قالوا: ما نزلنا إلى الأرض لهوى أنفسنا، لكن لأجل كل أمر فيه مصلحة المكلفين، وعم لفظ الأمر ليعم خير الدنيا والآخرة بياناً منه أنهم ينزلون بما هو صلاح المكلف في دينه ودنياه كأن السائل يقول: من أين جئت؟
فيقول: مالك وهذا الفضول، ولكن قل: لأي أمر جئت لأنه حظك.
وثالثها: قرأ بعضهم: ﴿ مِن كُلّ امرئ ﴾ أي من أجل كل إنسان، وروي أنهم لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه، قيل: أليس أنه قد روي أنه تقسم الآجال والأرزاق ليلة النصف من شعبان، والآن تقولون: إن ذلك يكون ليلة القدر؟
قلنا: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يقدر المقادير في ليلة البراءة، فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها» وقيل: يقدر ليلة البراءة الآجال والأرزاق، وليلة القدر يقدر الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة، وقيل: يقدر في ليلة القدر ما يتعلق به إعزاز الدين، وما فيه النفع العظيم للمسلمين، وأما ليلة البراءة فيكتب فيها أسماء من يموت ويسلم إلى ملك الموت.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ القَدْرِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها خَمْسُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ فَخَّمَهُ بِإضْمارِهِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ شَهادَةٍ لَهُ بِالنَّباهَةِ المُغْنِيَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ كَما عَظَّمَهُ بِأنْ أسْنَدَ نُزُلَهُ إلَيْهِ، وعَظَّمَ الوَقْتَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ ﴾ ﴿ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ ﴾ وإنْزالُهُ فِيها بِأنِ ابْتَدَأ بِإنْزالِهِ فِيها، أوْ أنْزَلَهُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا عَلى السَّفَرَةِ، ثُمَّ كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُنْزِلُهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ نُجُومًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.
وقِيلَ: المَعْنى أنْزَلْناهُ في فَضْلِها وهي في أوْتارِ العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ، ولَعَلَّها السّابِعَةُ مِنها.
والدّاعِي إلى إخْفائِها أنْ يُحْيِيَ مَن يُرِيدُها لَيالِيَ كَثِيرَةً، وتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ لِشَرَفِها أوْ لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ فِيها لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ وذِكْرُ الألِفِ إمّا لِلتَّكْثِيرِ، أوْ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَكَرَ إسْرائِيلِيًّا يَلْبَسُ السِّلاحَ في سَبِيلِ اللَّهِ ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ المُؤْمِنُونَ وتَقاصَرَتْ إلَيْهِمْ أعْمالُهُمْ، فَأُعْطُوا لَيْلَةَ القَدْرِ هي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ ذَلِكَ الغازِي.
<div class="verse-tafsir"
{تَنَزَّلُ الملائكة} إلى السماء الدنيا أو إلى الأرض {والروح} جبريل أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة أو الرجمة {فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ} أي تنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل وعليه وقف
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَناطِ فَضْلِها عَلى تِلْكَ المُدَّةِ المَدِيدَةِ، فَضَمِيرُ «فِيها» لِلَّيْلَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِألْفِ شَهْرٍ، والضَّمِيرَ لَها ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الضَّمِيرِ لِلْمَلائِكَةِ عَلى أنَّ «الرُّوحُ» مُبْتَدَأٌ لا مَعْطُوفٌ عَلى «المَلائِكَةُ، وفِيها» خَبَرُهُ لا مُتَعَلِّقٌ بِ «تَنَزَّلُ» والجُمْلَةُ حالٌ مِن «المَلائِكَةُ».
وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
والرُّوحُ عِنْدَ الجُمْهُورِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ شَرَفِهِ مَعَ أنَّهُ النّازِلُ بِالذِّكْرِ.
وقِيلَ: مَلَكٌ عَظِيمٌ لَوِ التَقَمَ السَّماواتِ والأرْضَ كانَ ذَلِكَ لَهُ لُقْمَةً واحِدَةً، وذُكِرَ في التَّيْسِيرِ مِن وصْفِهِ ما يُبْهِرُ العُقُولَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ.
وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ: الرُّوحُ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ إلّا تِلْكَ اللَّيْلَةَ كالزُّهّادِ الَّذِينَ لا نَراهم إلّا يَوْمَ العِيدِ أوِ الجُمْعَةِ.
وقِيلَ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ كالمَلائِكَةِ الحَفَظَةِ عَلَيْنا.
وقِيلَ: خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى يَأْكُلُونَ ويَلْبَسُونَ لَيْسُوا مِنَ المَلائِكَةِ ولا مِنَ الإنْسِ، ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ، وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ، ولَعَلَّهم عَلى ما قِيلَ خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ.
وقِيلَ: هو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ لِمُطالَعَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ ولِيَزُورَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَنْزِلُونَ لِزِيارَةِ أهْلِيهِمْ.
وقِيلَ: الرَّحْمَةُ كَما قُرِئَ: «لا تَيْأسُوا مِن رُوحِ اللَّهِ» بِالضَّمِّ وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ، والظّاهِرُ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الأخْبارُ أنَّ التَّنَزُّلَ إلى الأرْضِ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْدُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ فِيهِ، وقِيلَ: يَنْزِلُونَ إلَيْها لِلتَّسْلِيمِ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَضِيلَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ في الِاشْتِغالِ بِطاعَتِهِ في الأرْضِ فَهم يَنْزِلُونَ إلَيْها لِتَصِيرَ طاعاتُهم أكْثَرَ ثَوابًا كَما أنَّ الرَّجُلَ مِنّا يَذْهَبُ إلى مَكَّةَ لِتَصِيرَ طاعَتُهُ كَذَلِكَ فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ بِذَلِكَ تَرْغِيبَ الإنْسانِ في الطّاعَةِ.
وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَنَزُّلُهم لِإدْراكِها؛ إذْ لَيْسَ في السَّماءِ لَيْلٌ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَ لا مُبَيِّنَةٌ لِمَناطِ الفَضْلِ وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى.
وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وقِيلَ: المُرادُ تَنَزُّلُهم إلى السَّماءِ الدُّنْيا وهو خِلافُ المُتَبادِرِ، وأنْزَلُ مِنهُ بِكَثِيرٍ كَوْنُ المُرادِ بِتَنَزُّلِهِمْ تَنَزُّلَهم عَنْ مَراتِبِهِمُ العَلِيَّةِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِاللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقِ بِمُطالَعَةِ جَلالِهِ عَزَّ وجَلَّ لِيُسَلِّمُوا عَلى المُؤْمِنِينَ.
واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَمِيعُهُمْ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ لَهم كَثْرَةً عَظِيمَةً لا تَتَحَمَّلُها الأرْضُ وكَذا السَّماءُ الدُّنْيا؛ لِأنَّها قَبْلَ نُزُولِهِمْ مَمْلُوءَةٌ؛ ««أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ؛ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ أوْ قائِمٌ»».
وأُجِيبَ بِأنَّهم يَنْزِلُونَ فَوْجًا فَوْجًا، فَمِن نازَلٍ وصاعِدٍ كالحُجّاجِ فَإنَّهم عَلى كَثْرَتِهِمْ يَدْخُلُونَ الكَعْبَةَ مَثَلًا بِأسْرِهِمْ لَكِنْ لا عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ بَلْ هم بَيْنَ داخِلٍ وخارِجٍ.
وفي التَّعْبِيرِ بِ «تَنَزَّلُ» المُفِيدِ لِلتَّدْرِيجِ دُونَ نَزَلَ رَمْزٌ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهم لِكَوْنِهِمْ أنْوارًا لا تَزاحُمَ بَيْنَهُمْ، فالنُّورُ إذا مَلَأ حُجْرَةً مَثَلًا لا يَمْنَعُ مِن إدْخالِ ألْفِ نُورٍ عَلَيْهِ، وهو كَما تَرى.
ومِنَ النّاسِ مَنَّ خَصَّ المَلائِكَةَ بِبَعْضِ فِرَقِهِمْ وهم سُكّانُ سِدْرَةِ المُنْتَهى أوْ بَعْضٌ مِنهم.
وفِي الغُنْيَةِ لِلْقُطْبِ الرَّبّانِيِّ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إذا كانَ لَيْلَةَ القَدْرِ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْزِلَ إلى الأرْضِ ومَعَهُ سُكّانُ سِدْرَةِ المُنْتَهى سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ومَعَهم ألْوِيَةٌ مِن نُورٍ فَإذا هَبَطُوا إلى الأرْضِ رَكَزَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِواءَهُ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ألْوِيَتَهم في أرْبَعَةِ مَواطِنَ عِنْدَ الكَعْبَةِ وقَبْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ ومَسْجِدِ طُورِ سَيْناءَ، ثُمَّ يَقُولُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: تَفَرَّقُوا؛ فَيَتَفَرَّقُونَ ولا يَبْقى دارٌ ولا حَجَرٌ ولا بَيْتٌ ولا سَفِينَةٌ فِيها مُؤْمِنٌ أوْ مُؤْمِنَةٌ إلّا دَخَلَتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ أوْ خَمْرٌ أوْ جُنُبٌ مِن حَرامٍ أوْ صُورَةُ تَماثِيلَ، فَيُسَبِّحُونَ ويُقَدِّسُونَ ويُهَلِّلُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى إذا كانَ وقْتُ الفَجْرِ ثُمَّ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ فَيَسْتَقْبِلُهم سُكّانُ سَماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مِن أيْنَ أقْبَلْتُمْ؟
فَيَقُولُونَ: كُنّا في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ القَدْرِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَيَقُولُ سُكّانُ السَّماءِ الدُّنْيا: ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِحَوائِجِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟
فَيَقُولُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى غَفَرَ لِصالِحِهِمْ وشَفَّعَهم في طالِحِهِمْ.
فَتَرْفَعُ مَلائِكَةُ سَماءِ الدُّنْيا أصْواتَهم بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والثَّناءِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ شُكْرًا لِما أعْطى اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ مِنَ المَغْفِرَةِ والرِّضْوانِ، ثُمَّ تُشَيِّعُهم مَلائِكَةُ السَّماءِ الدُّنْيا إلى الثّانِيَةِ كَذَلِكَ وهَكَذا إلى السّابِعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا سُكّانَ السَّماواتِ ارْجِعُوا.
فَيَرْجِعُ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ إلى مَواضِعِهِمْ، فَإذا وصَلُوا إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى يَقُولُ لَهم سُكّانُها: أيْنَ كُنْتُمْ؟
فَيُجِيبُونَهم مِثْلَ ما أجابُوا أهْلَ السَّماواتِ، فَيَرْفَعُ سُكّانُ سِدْرَةِ المُنْتَهى أصْواتَهم بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والثَّناءِ فَتَسْمَعُ جَنَّةُ المَأْوى ثُمَّ جَنَّةُ النَّعِيمِ وجَنَّةُ عَدْنٍ والفِرْدَوْسُ، ويَسْمَعُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ فَيَرْفَعُ العَرْشُ صَوْتَهُ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والثَّناءِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ شُكْرًا لِما أعْطى هَذِهِ الأُمَّةَ.
ويَقُولُ: إلَهِي بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ غَفَرْتَ البارِحَةَ لِصالِحِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَفَّعْتَ صالِحَها.
فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: صَدَقْتَ يا عَرْشِي، ولِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدِي مِنَ الكَرامَةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
وفِي رِوايَةٍ عَنْ كَعْبٍ: نُزُولُ جَمِيعِ مَلائِكَةِ سِدْرَةِ المُنْتَهى مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى، وأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَدَعُ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا صافَحَهُ.
وفِي رِوايَةٍ: لا يَدَعُ مُؤْمِنًا ولا مُؤْمِنَةَ إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ إلّا مُدْمِنَ الخَمْرِ وآكِلَ لَحْمِ الخِنْزِيرِ والمُتَضَمِّخَ بِالزَّعْفَرانِ، وإنَّ عَلامَةَ مُصافَحَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ اقْشِعْرارُ الجِلْدِ ورِقَّةُ القَلْبِ ودَمْعُ العَيْنَيْنِ.
ورُوِيَ في نُزُولِهِ مَعَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعُرُوجِهِ مَعَهم غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضًا مِن ذَلِكَ الإمامُ وغَيْرُهُ.
ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى صِحَّةَ الأخْبارِ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُقَسِّمُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ما يَنْزِلُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى يَسْتَغْرِقُ أحْياءَ المُؤْمِنِينَ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، بَقِيَ مِنَ الرَّحْمَةِ كَثِيرٌ.
فَما أصْنَعُ بِهِ؟
فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: قَسِّمْ عَلى أمْواتِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
فَيُقَسِّمُ حَتّى يَسْتَغْرِقَهم فَيَقُولُ: يا رَبِّ، بَقِيَ مِنَ الرَّحْمَةِ كَثِيرٌ.
فَما أصْنَعُ بِهِ؟
فَيَقُولُ سُبْحانَهُ وتَعالى: قَسِّمْهُ عَلى الكُفّارِ، فَيُقَسِّمُهُ عَلَيْهِمْ، فَمَن أصابَهُ مِنهم شَيْءٌ مِن تِلْكَ الرَّحْمَةِ ماتَ عَلى الإيمانِ.
﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ «تَنَزَّلُ» أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ أيْ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِتَعْظِيمِ أمْرِ تَنَزُّلِهِمْ.
وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أنَّهم يَرْغَبُونَ في أهْلِ الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويَشْتاقُونَ إلَيْهِمْ فَيَسْتَأْذِنُونَ فَيُؤْذَنُ لَهُمْ، وفِيهِ نَوْعُ تَرْغِيبٍ في الِاجْتِهادِ في الطّاعَةِ.
واسْتُشْكِلَ أمْرُ هَذِهِ الرَّغْبَةِ مَعَ كَثْرَةِ المَعاصِي، وأُجِيبَ بِأنَّهم غَيْرُ واقِفِينَ عَلى تَفاصِيلِها أوْ لَمْ يَعْتَبِرُوها مانِعَةً مِن ذَلِكَ لِأنَّهم يَرَوْنَ مِن أنْواعِ الطّاعاتِ ما لا يَرَوْنَهُ في السَّماءِ، أوْ لِيَسْمَعُوا أنِينَ العُصاةِ التّائِبِينَ.
فَفِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««لَأنِينُ المُذْنِبِينَ أحَبُّ إلَيَّ مِن زَجَلِ المُسَبِّحِينَ»».
أوْ لِيَجْتَمِعُوا مَعَ مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم مُناسَبَةٌ مِنَ الصَّدِّيقِينَ أداءً لِمَراسِمِ المَحَبَّةِ؛ فَإنَّ أرْواحَ الصَّدِّيقِينَ المُتَجَرِّدَةَ عَنْ جَلابِيبِ الأبْدانِ لَمْ تَزَلْ تَزُورُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مَواضِعِهِمْ بِعُرُوجِها إلَيْهِمْ، فَناسَبَ أنْ تَزُورَهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في زَواياهُمْ، وإنِ اقْتَضى ذَلِكَ الِاجْتِماعَ مَعَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسُوا كَذَلِكَ فَإنَّهُ أمْرٌ تَبَعِيٌّ.
ولِأجْلِ عَيْنٍ ألْفُ عَيْنٍ تُكْرَمُ.
﴿ مِن كُلِّ أمْرٍ ﴾ أيْ: مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ تَعَلَّقَ بِهِ التَّقْدِيرُ في تِلْكَ السَّنَةِ إلى قابِلٍ، وأظْهَرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم.
قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، فَمِن بِمَعْنى اللّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ «تَنَزَّلُ».
قالَ عِصامُ الدِّينَ: فَإنْ قُلْتَ: المُقَدَّراتُ لا تُفْعَلُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَلْ في تَمامِ السَّنَةِ فَلِماذا تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيها لِأجْلِ تِلْكَ الأُمُورِ؟
قُلْتُ: لَعَلَّ تَنَزُّلَهم لِتَعْيِينِ إنْفاذِ تِلْكَ الأُمُورِ لَهم وتَنَزُّلُهم لِأجْلِ كُلِّ أمْرٍ لَيْسَ عَلى مَعْنى تَنَزُّلِ كُلِّ واحِدٍ لِأجْلِ كُلِّ أمْرٍ، ولا تَنَزُّلِ كُلِّ واحِدٍ لِأمْرٍ بَلْ عَلى مَعْنى تَنَزُّلِ الجَمِيعِ لِأجْلِ جَمِيعِ الأُمُورِ حَتّى يَكُونَ في الكَلامِ تَقْسِيمُ العِلَلِ عَلى المَعْلُولاتِ، انْتَهى.
وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَنَزُّلُهم لِإعْدادِ القَوابِلِ لِقَبُولِ ما أُمِرُوا بِهِ، وأشارَ بِما ذَكَرَهُ مِنَ التَّقْسِيمِ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُ الواحِدِ مِنهم لِعِدَّةِ أُمُورٍ، وقَوْلُهُمْ: مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ تَعَلُّقٌ إلَخْ.
قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ البَحْثِ فَتَذَكَّرْ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: «مِن» بِمَعْنى الباءِ أيْ تَنَزَّلُ بِكُلِّ أمْرٍ، فَقِيلَ: أيْ مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، وقِيلَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ.
وجُعِلَتِ الباءُ عَلَيْهِ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَرْجِعُ المَعْنى إلى نَحْوِ ما مَرَّ.
ومِنهم مَن جَعَلَها لِلْمُلابَسَةِ والمُرادُ بِمُلابَسَتِهِمْ لَهُ مُلابَسَتُهم لِلْأمْرِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وهم مَأْمُورُونَ بِكُلِّ أمْرٍ يَكُونُ في السَّنَةِ، وكَوْنُهم يَتَنَزَّلُونَ وهم كَذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي فِعْلَهم جَمِيعَ ما أُمِرُوا بِهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والظّاهِرُ عَلى ما قالُوا أنَّ المُرادَ بِالمَلائِكَةِ المُدَبِّراتُ؛ إذْ غَيْرُهم لا تَعَلُّقَ لَهُ في الأُمُورِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها التَّقْدِيرُ لِيَتَنَزَّلُوا لِأجْلِها عَلى المَعْنى السّابِقِ وهو خِلافُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ مِن عَدَمِ اخْتِصاصِهِمْ بِالمُدَبِّراتِ فَتَدَبَّرْ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قِيلَ إنَّ: ﴿ مِن كُلِّ أمْرٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
بيان أولُ لشيءٍ من الإِبهام الذي في قوله: ﴿ وما أدراك ما ليلة القدر ﴾ [القدر: 2] مثلُ البيان في قوله: ﴿ وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام ﴾ [البلد: 12، 14] الآية.
فلذلك فصلت الجملة لأنها استئناف بياني، أو لأنها كعطف البيان.
وتفضيلها بالخَيْر على ألف شهر.
إنما هو بتضعيف فضل ما يحصل فيها من الأعمال الصالحة واستجابة الدعاء ووفرة ثواب الصدقات والبركة للأمة فيها، لأن تفاضل الأيام لا يكون بمقادير أزمنتها ولا بما يحدث فيها من حَر أو برد، أو مطر، ولا بطولها أو بقصرها، فإن تلك الأحوال غير معتدّ بها عند الله تعالى ولكن الله يعبأ بما يحصل من الصلاح للناس أفراداً وجماعات وما يعين على الحق والخير ونشر الدين.
وقد قال في فضل الناس: ﴿ إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم ﴾ [الحجرات: 13] فكذلك فضل الأزمان إنما يقاس بما يحصل فيها لأنها ظروف للأعمال وليست لها صفات ذاتية يمكن أن تتفاضل بها كتفاضل الناس ففضلها بما أعدّه الله لها من التفضيل كتفضيل ثلث الليل الأخير للقربات وعدد الألف يظهر أنه مستعمل في وفرة التكثير كقوله: «واحد كألف» وعليه جاء قوله تعالى: ﴿ يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ﴾ [البقرة: 96] وإنما جعل تمييز عدد الكثرة هنا بالشهر للرعي على الفاصلة التي هي بحرف الراء.
وفي «الموطإ»: «قال مالك إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمارَ أمته أن لا يبلغُوا من العمَل مثلَ ما بلغ غيرهم في طول العُمر فأعطاه الله ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ اه.
وإظهار لفظ ﴿ لَيْلَةُ القدر ﴾ في مقام الإِضمار للاهتمام، وقد تكرر هذا اللفظ ثلاث مرات والمرات الثلاث ينتهي عندها التكرير غالباً كقوله تعالى: ﴿ وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ﴾ [آل عمران: 78].
وقول عديّ: لا أرى الموتَ يسبق الموتَ شيءٌ *** نَغَّص الموتُ ذا الغنى والفقيرا ومما ينبغي التنبه له ما وقع في «جامع الترمذي» بسنده إلى القاسم بن الفضل الحُدَّاني عن يوسف بن سَعد قال: «قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: سَّوَدتَ وجوهَ المؤمنين، أوْ يا مُسوِّد وجوهِ المؤمنين فقال: لا تؤنبني رَحمك الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ [الكوثر: 1] يا محمّد يعني نهراً في الجنة، ونزلت: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ [القدر: 1 3] يملكها بنو أمية يا محمدُ قال القاسم: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا يَزيدُ يومٌ ولا ينقص».
قال أبو عيسى الترمذي، هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقد قيل عن القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازِن نعرفه والقاسم بن الفضل ثقة ويُوسف بن سَعْد رجل مجهول اه.
قال ابن كثير في «تفسيره» ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن كذا قال، وعيسى بن مازن غير معروف، وهذا يقتضي اضطراباً في هذا الحديث، أي لاضطرابهم في الذي يروي عنه القاسم بن الفضل، وعلى كل احتمال فهو مجهول.
وأقول: وأيضاً ليس في سنده ما يفيد أن يوسف بن سعد سمع ذلك من الحسن رضي الله عنه.
وفي «تفسير الطبري» عن عيسى بن مازن أنه قال: قلت للحسن: يا مسود وجوه المؤمنين إلى آخر الحديث.
وعيسى بن مازن غير معروف أصلاً فإذا فرضنا توثيق يوسف بن سعد فليس في روايته ما يقتضي أنه سمعه بل يجوز أن يكون أراد ذكر قصة تُروى عن الحسن.
واتفق حذاق العلماء على أنه حديث منكر صرح بذلك ابن كثير وذكره عن شيخه المزي، وأقول: هو مختل المعنى وسمات الوضع لائحة عليه وهو من وضع أهل النحَل المخالفةِ للجماعة فالاحتجاجُ به لا يليق أن يصدر مثله عن الحسن مع فرط علمه وفطنته، وأيَّة ملازمة بين ما زعموه من رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين دفع الحسن التأنيب عن نفسه، ولا شك أن هذا الخبر من وضع دُعاة العباسيين على أنه مخالف للواقع لأن المدة التي بين تسليم الحسن الخلافة إلى معاوية وبين بيعة السفاح وهو أول خلفاء العباسية ألف شهر واثنان وتسعون شهراً أو أكثر بشهر أو بشهرين فما نُسب إلى القاسم الحُدَّاني من قوله: فعددناها فوجدناها الخ كذب لا محالة.
والحاصل أن هذا الخبر الذي أخرجه الترمذي منكر كما قاله المِزِّي.
قال ابن عرفة وفي قوله: ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ المحسن المسمّى تَشابه الأطراف وهو إعادة لفظ القافية في الجملة التي تليها كقوله تعالى: ﴿ كمشكاة فيها مصباح المصباحُ في زجاجة الزجاجةُ كأنها كوكب دري ﴾ [النور: 35] اه.
يريد بالقافية ما يشمل القرينة في الأسجاع والفواصلَ في الآي، ومثاله في الشعر قول ليلى الأخيلية: إذا نزل الحجاج أرضاً مريضة *** تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها *** غلامٌ إذا هز القناة سقاها الخ <div class="verse-tafsir"
(قوله) (١) ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ﴾ .
يعني جبريل في قول ابن عباس (٢) (٣) (٤) (٥) وذكرنا ما قيل في تفسير الروح عند قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ﴾ (٦) وقوله: ﴿ فِيهَا ﴾ .
أي في ليلة القدر.
قال المفسرون (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) ﴿ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ قال مقاتل: يعني بكل أمر قدره الله وقضاه فيما يكون في تلك السنة (١٢) وهذا كقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ (مِنْ أَمْرِ) (١٣) (١٤) وهذا القول اختيار الزجاج (١٥) يدل على ذلك قوله (تعالى) (١٦) (١٧) قال ابن عباس (في رواية عطاء: سلام) (١٨) (١٩) وقال (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (١) ساقط من (ع).
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٥) حكاه عن أكثر المفسرين الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 130 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 287، والخازن في "لباب التأويل" 4/ 397، والشوكاني == في "فتح القدير" 5/ 472، وقال به أيضًا سعيد بن جبير في "النكت والعيون" 6/ 313.
وإليه ذهب الطبري: "جامع البيان" 30/ 260، السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 496، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 512، و"المحرر الوجيز" 5/ 505، و"الكشاف" 5/ 225.
(٦) سورة النبأ: 38.
(٧) ممن قال بمعنى ذلك: ابن عباس، وعلي، وعكرمة.
"جامع البيان" 30/ 260، و"الكشف والبيان" 13/ 130 ب، حمل هذا المعنى القراءة عنهم: (من كل امرئ) فتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كل امرئ مسلم.
"النكت والعيون" 6/ 314، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 134، و"مجاز القرآن" 2/ 305.
(٨) ساقط من (أ).
(٩) وهذا مروي عن انس قال: قال النبي - -: (إذا كان ليلة القدر، نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى).
ذكر ذلك الثعلبي عن أنس في "الكشف والبيان" 13/ 130 أ - ب، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 134، وانظر أيضًا: "زاد المسير" 8/ 187 عن أنس، و"الدر المنثور" 8/ 583 مفصلاً، وعزا تخريجه إلى البيهقي عن أنس.
وقال ابن كثير: وروى البيهقي في كتاب: فضائل الأوقات عن علي أثراً غريباً في نزول الملائكة ومرورهم على المصلين ليلة القدر، وحصول البركة للمصلين.
"تفسير القرآن العظيم" 4/ 568.
(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١١) قال بنحو ذلك الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 130 ب.
(١٢) راجع حاشية: 9 من ص 894، وهذا القول قد حكاه عن أكثر المفسرين كل من: الطبري؛ "جامع البيان" 30/ 260، ابن الجوزي؛ "زاد المسير" 8/ 287، الفخر؛ "التفسير الكبير" 32/ 36، القرطبي إلى ابن عباس في "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 133، و"لباب التأويل" 4/ 398 من غير عزو.
(١٣) (مر): بياض في (أ).
(١٤) ومما جاء في تفسير آية الرعد: (..
لها قولان: أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، تقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه، وهو معنى ابن عباس قال: هم الملائكة، وهم من أمر الله.
والثاني: أن هذا على إضمار، أي ذلك الحفظ من أمر الله؛ أي مما أمر الله به.
وهناك قول ثالث: وهو أن معنى الآية يحفظون بأمر الله).
(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 347.
(١٦) ساقط من (أ).
(١٧) ﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ .
(١٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٩) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد وردت رواية عن عطاء بمثله في "معالم التنزيل" 4/ 512، و"فتح القدير" 5/ 472.
(٢٠) في (أ): (قال).
(٢١) ورد قوله في "جامع البيان" 30/ 260، و"النكت والعيون" 6/ 314، و"معالم التنزيل" 4/ 512، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 134، و"فتح القدير" 5/ 472.
(٢٢) في (أ): (زيادان).
(٢٣) ورد قوله في "الكشف والبيان" 13/ 131 أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 506، و"البحر المحيط" 8/ 497.
(٢٤) "معاني القرآن" 3/ 280.
(٢٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢٦) في (أ): (آت).
<div class="verse-tafsir"
تنزل الملائكة وينزل جبريل فيها بإذن ربهم سبحانه بكلّ أمر قضا الله في تلك السنة رزقًا كان أو موتًا أو ولادة أو غير ذلك مما يقدره الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.go2g6"