الإسلام > الطهارة > التيمم > حد البعد عن الماء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةحَدُّ البُعدِ عن الماءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ البُعدِ عن الماءِ الذي يُبيحُ التَّيممَ.
فذهَبَ الحَنفيةُ في المُختارِ عندَهم إلى أنَّه مِيلٌ (١)، وهو ما يُساوي أربَعةَ آلافِ ذِراعٍ؛ فإنْ زادَ على ذلك لم يَلزمْه طَلبُه، وقالوا: إنْ لم يَكنْ بحَضرتِه أحدٌ يُخبرُه بقُربِ الماءِ ولا غلَبَ على ظَنِّه أيضًا قُربُ الماءِ لا يَجبُ عليه الطَّلبُ ولو كانَ أقَلَّ من مِيلٍ (٢).
وحَدَّه المالِكيةُ بمِيلَين لكنَّهم قالوا: إنَّ لهذه المَسألةِ -وهي مَسألةُ طَلبِ الماءِ في كلِّ حالةٍ- ثَلاثَ صُورٍ:
الأُولى: أنْ يَكونَ الماءُ المَطلوبُ للوُضوءِ مُحقَّقَ العَدمِ في المَكانِ المَطلوبِ منه أو مَظنونَ العَدمِ، فلا يَجبُ على المُكلَّفِ طَلبُه مُطلقًا، سَواءٌ كانَ الماءُ على بُعدِ مِيلَين أو لا، وسَواءٌ كانَ فيه مَشقةٌ أو لا.
الثانيةُ: أنْ يَكونَ الماءُ المَطلوبُ مُحقَّقَ الوُجودِ أو مَظنونَه أو مَشكوكَه فيَلزمُه طَلبُه بشَرطَين:
الأولُ: أنْ يَكونَ بُعدُه أقَلَّ من مِيلَين.
(١) الميلُ بالمَقايسِ العَصريةِ يُعادلُ ١٦٨٠ مترًا (المقاديرُ الشَّرعيةُ والأَحكامُ الفِقهيةُ المُتعلقةُ بها للكردي ص ٣٠٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (١/ ١٧٧)، و «رد المحتار» (١/ ٣٩٦).
والثاني: ألَّا تَحصُلَ مَشقةٌ في الطَّلبِ.
الثالِثةُ: أنْ يَكونَ الماءُ المُطلوبُ مُحقَّقَ الوُجودِ أو مَظنونَه أو مَشكوكَه، وكانَ البُعدُ مِيلَين فأكثَرَ أو كانَ في طلَبِه مِشقةٌ أو فَواتُ رُفقةٍ، ولو كانَ على أقَلَّ من مِيلَين فلا يَجبُ عليه طَلبُه (١).
وحَدَّه الشافِعيةُ بأربَعمِئةِ ذِراعٍ، وهو حَدُّ الغَوثِ، وهو مِقدارُ رَميةِ سَهمٍ، وذلك في حالةِ تَوهُّمِه للماءِ أو ظَنِّه أو شَكِّه فيه؛ فإنْ لم يَجدْ ماءً وتَيقَّنَ فَقْدَ الماءِ حَولَه تَيممَ بلا طَلبٍ، أمَّا إذا تَيقَّنَ وُجودَ الماءِ حَولَه طلَبَه في حَدِّ القُربِ (وهو سِتةُ آلافِ خُطوةٍ) ولا يُطلبُ الماءُ سَواءٌ في حَدِّ القُربِ أو الغَوثِ إلا إذا أمِنَ على نَفسِه ومالِه وانقِطاعِه عن الرُّفقةِ (٢).
أمَّا عن الحَنابِلةِ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وصِفةُ الطَّلبِ أنْ يَطلبَه في رَحلِه ثم إنْ رأى خُضرةً أو شَيئًا يَدلُّ على الماءِ قصَدَه فاستَبرأَه، وإنْ كانَ بقُربِه رَبوةٌ أو شَيءٌ قائِمٌ أتاه وأتى عندَه، وإنْ لم يَكنْ نظَرَ أَمامَه ووَراءَه وعن يَمينِه ويَسارِه وإنْ كانَت له رُفقةٌ يَدلُّ عليهم طَلبٌ منهم، ومَن وجَدَ مَنْ له خِبرةٌ بالمَكانِ سألَه عن مِياهِه؛ فإنْ لم يَجدْ فهو عادِمٌ، وإنْ دُلَّ على ماءٍ لزِمَه قَصدُه إنْ كانَ قَريبًا ما لم يَخَفْ على نَفسِه أو مالِه أو يَخشَ فَواتَ رُفقتِه ولم يَفُتِ الوَقتُ، قالَ: وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ (٣).
(١) حاشية الدسوقي على «الشرح الكبير» (١/ ١٥٣)، و «بلغة السالك» (١/ ١٢٩، ١٣١)، و «الفواكه الدواني» (١/ ١٥٤)، و «الخلاصة الفقهية» (١/ ٣٦).
(٢) «مغني المحتاج» (١/ ٨٨)، و «كفاية الأخيار» ص (٩٤، ٩٥)، و «الأوسط» (٢/ ٣٥).
(٣) «المغني» (١/ ٣٠٧)، و «الأوسط» (٢/ ٣٥).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب ما يفسد الماء)
(باب ما يفسد الماء)
قال الشافعي رضي الله عنه: " إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ نُقْطَةُ خمرٍ أَوْ بولٍ أَوْ دمٍ أَوْ أَيِّ نجاسةٍ كَانَتْ مِمَّا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فَسَدَ الْمَاءُ، وَلَا تُجْزِئُ بِهِ الطَّهَارَةُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَضَرْبٌ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فَمِثْلُ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَالْغَائِطِ، فَتَوَقِّي يَسِيرِهِ وَكَثِيرِهِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ يدركه الطرف فإن كان مما يدركها الطَّرْفُ، فَقَدْ نَجُسَ مِمَّا حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ النَّجَاسَةُ الْمُرِيبَةُ قَلَّتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثُرَتْ وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ حَصَلَتْ فِي مَاءٍ قَدْرُهُ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب ما تكون به الطهارة من الماء
(باب ما تكونُ به الطَّهارةُ من الماء )
التَّقديرُ: هذا باب ما تكون به الطهارةُ من الماء ، فحذَف المبتدأَ للعِلْم به، وقوله " ما تكونُ به " ، أي تحصُل وتحدُث، وهى ها هنا تامَّةٌ غيرُ محتاجةٍ إلى خَبَرٍ، ومتى كانت تامَّةً كانت بمعنى الحدَثِ والحصُولِ، تقول: كان الأمرُ، أي حدَث ووَقَع؛ قال اللهُ تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} : أي: إن وُجِدَ ذو عُسْرَة. وقال الشاعر :
إذَا كان الشِّتَاءُ فأدْفِئُونِى ... فإنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ
أي إذا جاء الشتاءُ وحَدَث .
وفى نُسْخةٍ مَقْروءَة علَى ابنِ عَقِيلٍ : (باب ما تجُوز به الطهارةُ من الماء) ومعناهما مُتَقارِبٌ.
والطَّهارةُ في اللغة: النَّزاهةُ عن الأقْذار، وفى الشَّرْعِ: رَفْعُ ما يمنَعُ الصلاة مِن حَدَثٍ أو نجاسةٍ بالماءِ، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتُّرابِ. فعند إطْلاقِ لفظِ الطهارة في لَفْظِ
الشارِع أو كلام الفقهاء ينصرفُ إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ دون اللغوى وكذلك كلُّ مالَه موضوعٌ شَرْعىٌّ ولُغَوىٌّ، إنما ينْصرِف المُطْلَقُ منه إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ كالوضوء، والصلاة، والصَّوْمِ، والزَّكاةِ، والحَجّ، ونحوه، لأنَّ الظَّاهرَ مِن صاحبِ الشرع التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه.
والطُّهور - بضَمِّ الطَّاء -: المصدرُ، قالَه الْيَزِيدِىّ
والطَّهُور - بالفَتْح - من الأسماء المتعَدِّيَة، وهو الذي يُطَهِّرُ غيرَه، مثلُ الغَسُول الذي يُغَسَّل به.
وقال بعضُ الحنفيَّة: هو من الأسماء اللَّازمة، بمعنى الطاهر سَواء؛ لأن العَرَبَ لا تُفرَّق بين الفاعل والفَعُول في التَّعَدِّى واللُّزُوم، فما كان فاعِلُه لازمًا كان فَعُولُه لازما، بدليلِ قاعِد وقَعُود، ونائم ونَؤُوم، وضارِب وضَرُوب.
ارجع إلى التيمم للاطلاع على جميع المسائل.