الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة أربع وتسعين > ترجمة عروة بن الزبير
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة أربع وتسعين
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ الْعَبَادِلَةِ، وَمُعَاوِيَةَ، وَالْمُغِيرَةِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّهِ أَسْمَاءَ، وَخَالَتِهِ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَخَلْقٌ مِمَّنْ سِوَاهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ عُرْوَةُ ثِقَةً، كَثِيرَ الْحَدِيثِ، عَالِمًا مَأْمُونًا ثَبَتًا.
وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: مَدَّنِيٌّ، تَابِعِيٌّ، رَجُلٌ صَالِحٌ، لَمْ يَدْخُلْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفِتَنِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ فَقِيهًا، عَالِمًا، حَافِظًا، ثَبَتًا، حُجَّةً، عَالِمًا بِالسِّيَرِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْمَغَازِيَ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الْمَعْدُودِينَ، وَلَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَهُ، وَكَانَ أَرْوَى النَّاسِ لِلشِّعْرِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: الْعِلْمُ لِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ: لِذِي حَسَبٍ يُزَيِّنُهُ بِهِ، أَوْ ذِي دِينٍ يَسُوسُ بِهِ دِينَهُ، أَوْ مُخْتَلِطٍ بِسُلْطَانٍ يُتْحِفُهُ بِعِلْمِهِ. وَقَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَشْرَطَ لِهَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ إِلَّا عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَكَانَ عُرْوَةُ يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ رُبْعَ الْقُرْآنِ، وَيَقُومُ بِهِ فِي اللَّيْلِ. وَكَانَ أَيَّامَ الرُّطَبِ يَثْلِمُ حَائِطَهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لِلنَّاسِ، فَيَدْخُلُونَ فَيَأْكُلُونَ وَيَحْمِلُونَ، فَإِذَا ذَهَبَ الرُّطَبُ أَعَادَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ عُرْوَةُ بَحْرًا لَا يُنْزَفُ، وَقَالَ مَرَّةً: كَانَ بَحْرًا لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْ عُرْوَةَ، وَمَا أَعْلَمُهُ يَعْلَمُ شَيْئًا أَجْهَلُهُ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُنْتَهَى إِلَى قَوْلِهِمْ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى الْوَلِيدِ بِدِمَشْقَ، فَلَمَّا رَجَعَ أَصَابَتْهُ فِي رِجْلِهِ الْأَكِلَةُ، فَأَرَادُوا قَطْعَهَا، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَشْرَبَ شَيْئًا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ، حَتَّى لَا يَحِسَّ بِالْأَلَمِ، وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ قَطْعِهَا،
فَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَشْرَبُ شَيْئًا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ حَتَّى لَا يَعْرِفَ رَبَّهُ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنْ هَلُمُّوا فَاقْطَعُوهَا. فَقَطَعُوهَا مِنْ رُكْبَتِهِ وَهُوَ صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَطَعُوهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَشْعُرْ لِشُغْلِهِ بِالصَّلَاةِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَقَعَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الَّتِي قُطِعَتْ فِيهَا رِجْلُهُ وَلَدٌ لَهُ يُسَمَّى مُحَمَّدًا كَانَ أَحَبَّ أَوْلَادِهِ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَزَّوْهُ فِيهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، كَانُوا سَبْعَةً فَأَخَذْتَ وَاحِدًا، وَأَبْقَيْتَ سِتَّةً، وَكُنَّ أَطْرَافًا أَرْبَعًا، فَأَخَذْتَ وَاحِدَةً، وَأَبْقَيْتَ ثَلَاثًا، فَلَئِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ فَلَقَدْ أَعْطَيْتَ، وَلَئِنْ كُنْتَ قَدِ ابْتَلَيْتَ فَلَقَدْ عَافَيْتَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا رَأَى الْمَقْطُوعَةَ فِي الطَّسْتِ، قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ أَنِّي مَا مَشَيْتُ بِهَا إِلَى مَعْصِيَةٍ قَطُّ.
قِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ فِي حَيَاةِ عُمَرَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ عُمَرَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ مِائَةٍ. وَقِيلَ: إِحْدَى وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: إِحْدَى وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.