«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٠٦

الحديث رقم ١١٠٦ من كتاب «أبواب تقصير الصلاة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١١٠٦ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ» ١١٠٧ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. ١١٠٨ - وَعَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ. وَتَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ وَحَرْبٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَنَسٍ: جَمَعَ النَّبِيُّ .

بَابٌ: هَلْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ

إسناد حديث البخاري رقم ١١٠٦

١١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١١٠٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّوُا الْغَدَاةَ. وَنَحْوُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ صَاحِبُ الْهُدَى: لَمْ يُحْفَظْ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ صَلَّى سُنَّةَ الصَّلَاةِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا فِي السَّفَرِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ. قُلْتُ: وَيَرِدُ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ النَّبِيِّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا فَلَمْ أَرَهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ، لَكِنِ التِّرْمِذِيُّ اسْتَغْرَبَهُ وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رَآهُ حَسَنًا، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى سُنَّةِ الزَّوَالِ لَا عَلَى الرَّاتِبَةِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ) هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى إِنَّمَا نَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَتَرِدُ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي أَنَّهُ صَلَّى الضُّحَى وَأَمَرَ بِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا جُمْلَةً، فَلَا يَرِدُ عَلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى شَيْءٌ مِنْهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ صَلَّاهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُسَافِرِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ) قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابَيْنِ مَوْصُولًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، وَلَكِنْ لَفْظُ الرِّوَايَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، وَرِوَايَةُ يُونُسَ هَذِهِ وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (يُومِئُ بِرَأْسِهِ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يُسَبِّحُ أَيْ يُصَلِّي إِيمَاءً، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ هُنَاكَ ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالْمَرْفُوعِ، وَهَذَا ذُكِرَ مَرْفُوعًا ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالْمَوْقُوفِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْحُجَّةَ قَائِمَةٌ بِالْمَرْفُوعِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْعَمَلَ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَيْهِ نَسْخٌ وَلَا مُعَارِضٌ وَلَا رَاجِحٌ، وَقَدِ اشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ عَلَى أَنْوَاعٍ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ سِوَى الرَّاتِبَةِ الَّتِي بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ، فَالْأَوَّلُ لِمَا قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ، وَالثَّانِي لِمَا لَهُ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ مِنَ النَّوَافِلِ كَالضُّحَى، وَالثَّالِثُ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَالرَّابِعُ لِمُطْلَقِ النَّوَافِلِ. وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ بَطَّالٍ بَيْنَ مَا اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ يَمْنَعُ التَّنَفُّلَ عَلَى الْأَرْضِ وَيَقُولُ بِهِ عَلَى الدَّابَّةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: لَعَلَّ النَّبِيَّ كَانَ يُصَلِّي الرَّوَاتِبَ فِي رَحْلِهِ وَلَا يَرَاهُ ابْنُ عُمَرَ، أَوْ لَعَلَّهُ تَرَكَهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ اهـ. وَمَا جَمَعْنَا بِهِ تَبَعًا لِلْبُخَارِيِّ فِيمَا يَظْهَرُ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣ - بَاب الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ

١١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ.

١١٠٧ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.

١١٠٨ - وَعَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ.

وَتَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ وَحَرْبٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ حَفْصٍ عَنْ أَنَسٍ: جَمَعَ النَّبِيُّ .

[الحديث ١١٠٨ - طرفه في ١١١٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) أَوْرَدَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا جَدَّ السَّيْرَ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ سَائِرًا، وَحَدِيثَ أَنَسٍ وَهُوَ مُطْلَقٌ. وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ مُطْلَقَةً إِشَارَةً إِلَى الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى جَوَازَ الْجَمْعِ بِالسَّفَرِ سَوَاءٌ كَانَ سَائِرًا أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ سَيْرُهُ مُجِدًّا أَمْ لَا، وَهَذَا مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ بِالْإِطْلَاقِ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَشْهَبُ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ مُطْلَقًا إِلَّا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ النَّوَوِيِّ أَنَّ الصَّاحِبَيْنِ خَالَفَهُ شَيْخُهُمَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّرُوجِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَجَابُوا عَمَّا وَرَدَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ جَمْعٌ صُورِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ مَثَلًا إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. وَتَعَقَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ، فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ أَعْظَمَ ضِيقًا مِنَ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ أَوَائِلَ الْأَوْقَاتِ وَأَوَاخِرَهَا مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ أَكْثَرُ الخَاصَّةِ فَضْلًا عَنِ الْعَامَّةِ.

وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَخْبَارَ جَاءَتْ صَرِيحَةً بِالْجَمْعِ فِي وَقْتِ إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ لَفْظِ الْجَمْعِ، وَمِمَّا يَرُدُّ الْحَمْلَ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ جَمْعُ التَّقْدِيمِ الْآتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ بَابِ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ الْجَمْعُ بِمَنْ يَجِدُّ فِي السَّيْرِ. قَالَهُ اللَّيْثُ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْمُسَافِرِ دُونَ النَّازِلِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِمَنْ لَهُ عُذْرٌ حُكِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَقِيلَ يَجُوزُ جَمْعُ التَّأْخِيرِ دُونَ التَّقْدِيمِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ.

(تَنْبِيهٌ): أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي أَبْوَابِ التَّقْصِيرِ أَبْوَابَ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ تَقْصِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ، ثُمَّ أَبْوَابَ صَلَاةِ الْمَعْذُورِ قَاعِدًا لِأَنَّهُ تَقْصِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ صُوَرِ الْأَفْعَالِ، وَيُجْمِعُ الْجَمِيعُ الرُّخْصَةَ لِلْمَعْذُورِ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أَيِ اشْتَدَّ. قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَسْرَعَ، كَذَا قَالَ: وَكَأَنَّهُ نَسَبَ الْإِسْرَاعَ إِلَى السَّيْرِ تَوَسُّعًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِهِ.

قَوْلُهُ: (عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِضَافَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى ظَهْرٍ بِالتَّنْوِينِ يَسِيرُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ بِتَحْتَانِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّهْرُ فِي قَوْلِهِ: ظَهْرَ سَيْرٍ لِلتَّأْكِيدِ؛ كَقَوْلِهِ: الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَلَفْظُ الظَّهْرِ يَقَعُ فِي مِثْلِ هَذَا اتِّسَاعًا لِلْكَلَامِ كَأَنَّ السَّيْرَ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى ظَهْرٍ قَوِيٍّ مِنَ الْمَطِيِّ مَثَلًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: حَصَلَ لِلسَّيْرِ ظَهْرٌ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ مَا دَامَ سَائِرًا فَكَأَنَّهُ رَاكِبُ ظَهْرٍ. قُلْتُ: وَفِيهِ جِنَاسُ التَّحْرِيفِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالظَّهْرِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ، وَأَمَّا جَمْعُ التَّقْدِيمِ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ بَابٍ.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ حُسَيْنٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ حُسَيْنٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ حَفْصٍ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَّقَهُ عَنْ حُسَيْنٍ لَا بِقَيْدٍ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَلَيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَحَرْبٌ) أَيِ ابْنُ شَدَّادٍ (عَنْ يَحْيَى) هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ (عَنْ حَفْصٍ) أَيْ تَابِعًا حُسَيْنًا، فَأَمَّا مُتَابَعَةٌ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ فَوَصَلَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تأخيرها عن وقتها، ولا تَجمَعُ المتحيِّرة تقديمًا، والأفضل تأخير الأولى إلى الثَّانية للسائر وقت الأولى ولمن بات بمزدلفة، وتقديمُ الثَّانية إلى الأولى للنَّازل في وقتها والواقف بعرفة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وإلى جواز الجمع ذهب كثيرٌ من الصَّحابة والتَّابعين، ومن الفقهاء: الثَّوريُّ والشَّافعيُّ وأحمد وإسحاق وأشهب، ومنعه قومٌ مطلقًا إلَّا بعرفة فيجمع بين الظُّهر والعصر، ومزدلفة فيجمع بين المغرب والعشاء، وهو قول الحسن والنَّخعيِّ وأبي حنيفة وصاحبيه، وقال المالكيَّة: يختصُّ بمن يَجِدُّ في السَّير، وبه قال اللَّيث، وقيل: يختصُّ بالسَّائر دون النَّازل، وهو قول ابن حبيب، وقيل: يختصُّ بمن له عُذرٌ، وحُكي عن الأوزاعيِّ، وقيل: يجوز جمع التَّأخير دون التَّقديم، وهو مرويٌّ عن مالكٍ وأحمد، واختاره ابن حزمٍ.

١١٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المَدِينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: سَمِعْتُ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (الزُّهْرِيَّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) جمع تأخيرٍ (إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أي: اشتدَّ أو عزم وترك الهُوينى، ونسبةُ «السَّير» إلى الفعل مجازٌ، وإنَّما اقتصر ابن عمر على ذكر «المغرب والعشاء» دون جمع الظُّهر والعصر لأنَّ الواقعَ له جمعُ المغرب والعشاء، وهو ما سُئِل عنه فأجاب به حين استُصرخ على امرأته صفيَّة بنت أبي (١) عبيد فاستعجل، فجمع بينهما جمع تأخيرٍ كما سبق في «باب يصلِّي المغرب ثلاثًا» [خ¦١٠٩١].

والحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا النَّسائيُّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّوُا الْغَدَاةَ. وَنَحْوُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ صَاحِبُ الْهُدَى: لَمْ يُحْفَظْ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ صَلَّى سُنَّةَ الصَّلَاةِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا فِي السَّفَرِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ. قُلْتُ: وَيَرِدُ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ النَّبِيِّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا فَلَمْ أَرَهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ، لَكِنِ التِّرْمِذِيُّ اسْتَغْرَبَهُ وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رَآهُ حَسَنًا، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى سُنَّةِ الزَّوَالِ لَا عَلَى الرَّاتِبَةِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ) هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى إِنَّمَا نَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَتَرِدُ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي أَنَّهُ صَلَّى الضُّحَى وَأَمَرَ بِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا جُمْلَةً، فَلَا يَرِدُ عَلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى شَيْءٌ مِنْهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ صَلَّاهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُسَافِرِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ) قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابَيْنِ مَوْصُولًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، وَلَكِنْ لَفْظُ الرِّوَايَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، وَرِوَايَةُ يُونُسَ هَذِهِ وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (يُومِئُ بِرَأْسِهِ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يُسَبِّحُ أَيْ يُصَلِّي إِيمَاءً، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ هُنَاكَ ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالْمَرْفُوعِ، وَهَذَا ذُكِرَ مَرْفُوعًا ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالْمَوْقُوفِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْحُجَّةَ قَائِمَةٌ بِالْمَرْفُوعِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْعَمَلَ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَيْهِ نَسْخٌ وَلَا مُعَارِضٌ وَلَا رَاجِحٌ، وَقَدِ اشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ عَلَى أَنْوَاعٍ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ سِوَى الرَّاتِبَةِ الَّتِي بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ، فَالْأَوَّلُ لِمَا قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ، وَالثَّانِي لِمَا لَهُ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ مِنَ النَّوَافِلِ كَالضُّحَى، وَالثَّالِثُ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَالرَّابِعُ لِمُطْلَقِ النَّوَافِلِ. وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ بَطَّالٍ بَيْنَ مَا اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ يَمْنَعُ التَّنَفُّلَ عَلَى الْأَرْضِ وَيَقُولُ بِهِ عَلَى الدَّابَّةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: لَعَلَّ النَّبِيَّ كَانَ يُصَلِّي الرَّوَاتِبَ فِي رَحْلِهِ وَلَا يَرَاهُ ابْنُ عُمَرَ، أَوْ لَعَلَّهُ تَرَكَهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ اهـ. وَمَا جَمَعْنَا بِهِ تَبَعًا لِلْبُخَارِيِّ فِيمَا يَظْهَرُ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣ - بَاب الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ

١١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ.

١١٠٧ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.

١١٠٨ - وَعَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ.

وَتَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ وَحَرْبٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ حَفْصٍ عَنْ أَنَسٍ: جَمَعَ النَّبِيُّ .

[الحديث ١١٠٨ - طرفه في ١١١٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) أَوْرَدَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا جَدَّ السَّيْرَ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ سَائِرًا، وَحَدِيثَ أَنَسٍ وَهُوَ مُطْلَقٌ. وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ مُطْلَقَةً إِشَارَةً إِلَى الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى جَوَازَ الْجَمْعِ بِالسَّفَرِ سَوَاءٌ كَانَ سَائِرًا أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ سَيْرُهُ مُجِدًّا أَمْ لَا، وَهَذَا مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ بِالْإِطْلَاقِ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَشْهَبُ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ مُطْلَقًا إِلَّا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ النَّوَوِيِّ أَنَّ الصَّاحِبَيْنِ خَالَفَهُ شَيْخُهُمَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّرُوجِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَجَابُوا عَمَّا وَرَدَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ جَمْعٌ صُورِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ مَثَلًا إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. وَتَعَقَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ، فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ أَعْظَمَ ضِيقًا مِنَ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ أَوَائِلَ الْأَوْقَاتِ وَأَوَاخِرَهَا مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ أَكْثَرُ الخَاصَّةِ فَضْلًا عَنِ الْعَامَّةِ.

وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَخْبَارَ جَاءَتْ صَرِيحَةً بِالْجَمْعِ فِي وَقْتِ إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ لَفْظِ الْجَمْعِ، وَمِمَّا يَرُدُّ الْحَمْلَ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ جَمْعُ التَّقْدِيمِ الْآتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ بَابِ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ الْجَمْعُ بِمَنْ يَجِدُّ فِي السَّيْرِ. قَالَهُ اللَّيْثُ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْمُسَافِرِ دُونَ النَّازِلِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِمَنْ لَهُ عُذْرٌ حُكِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَقِيلَ يَجُوزُ جَمْعُ التَّأْخِيرِ دُونَ التَّقْدِيمِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ.

(تَنْبِيهٌ): أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي أَبْوَابِ التَّقْصِيرِ أَبْوَابَ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ تَقْصِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ، ثُمَّ أَبْوَابَ صَلَاةِ الْمَعْذُورِ قَاعِدًا لِأَنَّهُ تَقْصِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ صُوَرِ الْأَفْعَالِ، وَيُجْمِعُ الْجَمِيعُ الرُّخْصَةَ لِلْمَعْذُورِ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أَيِ اشْتَدَّ. قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَسْرَعَ، كَذَا قَالَ: وَكَأَنَّهُ نَسَبَ الْإِسْرَاعَ إِلَى السَّيْرِ تَوَسُّعًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِهِ.

قَوْلُهُ: (عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِضَافَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى ظَهْرٍ بِالتَّنْوِينِ يَسِيرُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ بِتَحْتَانِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّهْرُ فِي قَوْلِهِ: ظَهْرَ سَيْرٍ لِلتَّأْكِيدِ؛ كَقَوْلِهِ: الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَلَفْظُ الظَّهْرِ يَقَعُ فِي مِثْلِ هَذَا اتِّسَاعًا لِلْكَلَامِ كَأَنَّ السَّيْرَ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى ظَهْرٍ قَوِيٍّ مِنَ الْمَطِيِّ مَثَلًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: حَصَلَ لِلسَّيْرِ ظَهْرٌ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ مَا دَامَ سَائِرًا فَكَأَنَّهُ رَاكِبُ ظَهْرٍ. قُلْتُ: وَفِيهِ جِنَاسُ التَّحْرِيفِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالظَّهْرِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ، وَأَمَّا جَمْعُ التَّقْدِيمِ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ بَابٍ.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ حُسَيْنٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ حُسَيْنٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ حَفْصٍ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَّقَهُ عَنْ حُسَيْنٍ لَا بِقَيْدٍ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَلَيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَحَرْبٌ) أَيِ ابْنُ شَدَّادٍ (عَنْ يَحْيَى) هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ (عَنْ حَفْصٍ) أَيْ تَابِعًا حُسَيْنًا، فَأَمَّا مُتَابَعَةٌ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ فَوَصَلَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تأخيرها عن وقتها، ولا تَجمَعُ المتحيِّرة تقديمًا، والأفضل تأخير الأولى إلى الثَّانية للسائر وقت الأولى ولمن بات بمزدلفة، وتقديمُ الثَّانية إلى الأولى للنَّازل في وقتها والواقف بعرفة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وإلى جواز الجمع ذهب كثيرٌ من الصَّحابة والتَّابعين، ومن الفقهاء: الثَّوريُّ والشَّافعيُّ وأحمد وإسحاق وأشهب، ومنعه قومٌ مطلقًا إلَّا بعرفة فيجمع بين الظُّهر والعصر، ومزدلفة فيجمع بين المغرب والعشاء، وهو قول الحسن والنَّخعيِّ وأبي حنيفة وصاحبيه، وقال المالكيَّة: يختصُّ بمن يَجِدُّ في السَّير، وبه قال اللَّيث، وقيل: يختصُّ بالسَّائر دون النَّازل، وهو قول ابن حبيب، وقيل: يختصُّ بمن له عُذرٌ، وحُكي عن الأوزاعيِّ، وقيل: يجوز جمع التَّأخير دون التَّقديم، وهو مرويٌّ عن مالكٍ وأحمد، واختاره ابن حزمٍ.

١١٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المَدِينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: سَمِعْتُ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (الزُّهْرِيَّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) جمع تأخيرٍ (إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أي: اشتدَّ أو عزم وترك الهُوينى، ونسبةُ «السَّير» إلى الفعل مجازٌ، وإنَّما اقتصر ابن عمر على ذكر «المغرب والعشاء» دون جمع الظُّهر والعصر لأنَّ الواقعَ له جمعُ المغرب والعشاء، وهو ما سُئِل عنه فأجاب به حين استُصرخ على امرأته صفيَّة بنت أبي (١) عبيد فاستعجل، فجمع بينهما جمع تأخيرٍ كما سبق في «باب يصلِّي المغرب ثلاثًا» [خ¦١٠٩١].

والحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا النَّسائيُّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله