الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٤٥
الحديث رقم ١٤٤٥ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب على كل مسلم صدقة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
يخبر صلى الله عليه وسلم أن لله عز وجل علينا صدقة كل يوم، فإذا لم يجد مالاً يعمل بيديه ليحصل على المال فينفع نفسه ويتصدق منه، فإن لم يستطع فيعين صاحب حاجة مظلومًا كان أو عاجزًا، فإن لم يستطع فيأمر بمعروف أو ينكر منكرًا، فإن لم يستطع فيكف نفسه عن الشر.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَفْضَحُهُ.
وَمَعْنَى تَعْفُو أَثَرَهُ تَمْحُو خَطَايَاهُ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْخَبَرَ جَاءَ عَلَى التَّمْثِيلِ لَا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ كَائِنٍ، قَالَ: وَقِيلَ: هُوَ تَمْثِيلٌ لِنَمَاءِ الْمَالِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْبُخْلِ بِضِدِّهِ. وَقِيلَ: تَمْثِيلٌ لِكَثْرَةِ الْجُودِ وَالْبُخْلِ، وَأَنَّ الْمُعْطِيَ إِذَا أَعْطَى انْبَسَطَتْ يَدَاهُ بِالْعَطَاءِ وَتَعَوَّدَ ذَلِكَ، وَإِذَا أَمْسَكَ صَارَ ذَلِكَ عَادَةً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَيَّدَ الْمُشَبَّهَ بِهِ بِالْحَدِيدِ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْقَبْضَ وَالشِّدَّةَ مِنْ جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ، وَأَوْقَعَ الْمُتَصَدِّقَ مَوْقِعَ السَّخِيِّ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَخِيلِ إِشْعَارًا بِأَنَّ السَّخَاءَ هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعَ وَنَدَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ لَا مَا يَتَعَانَاهُ الْمُسْرِفُونَ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ)، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَهَذَا يُوهِمُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ طَاوُسٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ فَسَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَهُمَا: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْتُهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي هذا الْحَدِيثِ وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَإِنَّهَا لَا تَزْدَادُ عَلَيْهِ إِلَّا اسْتِحْكَامًا وَهَذَا بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاوُسٍ) ذَكَرَهُ فِي اللِّبَاسِ أَيْضًا تَعْلِيقًا بِلَفْظِ: وَقَالَ حَنْظَلَةُ: سَمِعْتُ طَاوُسًا، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ عَنْ حَنْظَلَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ) هُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ، وَابْنُ هُرْمُزَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، وَلَمْ تَقَعْ لي رِوَايَةُ اللَّيْثِ مَوْصُولَةٌ إِلَى الْآنَ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِسَنَدِهِ.
٢٩ - بَاب صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الْآيَةَ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿حَمِيدٌ﴾ هَكَذَا أَوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مُقْتَصِرًا عَلَى الْآيَةِ بِغَيْرِ حَدِيثٍ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قَالَ: مِنَ التِّجَارَةِ الْحَلَالِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قَالَ: مِنَ التِّجَارَةِ، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ قَالَ: مِنَ الثِّمَارِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ الْهُذَلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ قَالَ: يَعْنِي مِنَ الْحَبِّ وَالتَّمْرِ، كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يُقَيِّدِ الْكَسْبَ فِي التَّرْجَمَةِ بِالطَّيِّبِ كَمَا فِي الْآيَةِ اسْتِغْنَاءً عَنْ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ: بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ.
٣٠ - بَاب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ
١٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ،
قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ؟ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُعْمِلْ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: نَصَبَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ عَلَمًا عَلَى الْخَبَرِ مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضِ مَا فِيهِ إِيجَازًا.
قَوْلُهُ: (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) أَيْ: ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَأَكِّدِ أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالْعِبَارَةُ صَالِحَةٌ لِلْإِيجَابِ وَالِاسْتِحْبَابِ، كَقَوْلِهِ ﵊: عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ خِصَالٍ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ اتِّفَاقًا، وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِهِ تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِكُلِّ يَوْمٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الصُّلْحِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، وَالسُّلَامَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ: الْمَفْصِلُ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمَائَةِ مَفْصِلٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) كَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ لَفْظِ الصَّدَقَةِ الْعَطِيَّةَ، فَسَأَلُوا عَمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ بِإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهَلْ تَلْتَحِقُ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ الَّتِي تُحْسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْفَرْضِ الَّذِي أَخَلَّ بِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا غَيْرُهَا لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهَا شُرِعَتْ بِسَبَبِ عِتْقِ الْمَفَاصِلِ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (الْمَلْهُوفُ) أَيِ: الْمُسْتَغِيثُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا أَوْ عَاجِزًا.
قَوْلُهُ: (فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ) فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ: فَلْيَأْمُرْ بِالْخَيْرِ أَوْ بِالْمَعْرُوفِ. زَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ: وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلْيُمْسِكْ) فِي رِوَايَتِهِ فِي الْأَدَبِ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ كَذَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ أَصَحُّ سِيَاقًا، فَظَاهِرُ سِيَاقِ الْبَابِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِمْسَاكَ عَنِ الشَّرِّ رُتْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْإِمْسَاكُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْأَخِيرَةُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْخَصْلَةِ مِنَ الْخَيْرِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَدَبِ: فَإِنَّهُ - أَيِ الْإِمْسَاكُ - لَهُ، أَيْ: لِلْمُمْسِكِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْمُمْسِكِ عَنِ الشَّرِّ إِذَا نَوَى بِالْإِمْسَاكِ الْقُرْبَةَ، بِخِلَافِ مَحْضِ التَّرْكِ، وَالْإِمْسَاكُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالسُّلَامَةِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ شَرُّهُ لَا يَتَعَدَّى نَفْسَهُ فَقَدْ تَصَدَّقَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ مَنَعَهَا مِنَ الْإِثْمِ، قَالَ: وَلَيْسَ مَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَرْتِيبًا، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِيضَاحِ لِمَا يَفْعَلُهُ مَنْ عَجَزَ عَنْ خَصْلَةٍ مِنَ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ خَصْلَةً أُخْرَى، فَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِيَدِهِ فَيَتَصَدَّقَ، وَأَنْ يُغِيثَ الْمَلْهُوفَ، وَأَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُمْسِكَ عَنِ الشَّرِّ فَلْيَفْعَلِ الْجَمِيعَ، وَمَقْصُودُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَعْمَالَ الْخَيْرِ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَجْرِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْقَاصِرَةِ، وَمُحَصَّلُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَهِيَ إِمَّا بِالْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمَالُ إِمَّا حَاصِلٌ أَوْ مُكْتَسَبٌ، وَغَيْرُ الْمَالِ إِمَّا فِعْلٌ، وَهُوَ الْإِغَاثَةُ، وَإِمَّا تَرْكٌ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ.
انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ: تَرْتِيبُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَدَبَ إِلَى الصَّدَقَةِ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا نَدَبَ إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْهَا أَوْ يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ الْعَمَلُ وَالِانْتِفَاعُ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَهُوَ الْإِغَاثَةُ، وَعِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في هذا الباب حديثًا على عادته فيما لم يجد على شرطه، والله أعلم.
(٣٠) (بابٌ) بالتَّنوين (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به (فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ).
١٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي بُرْدة، عامرٍ (عَنْ جَدِّهِ) جدِّ سعيد أبي موسى الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أي: على سبيل الاستحباب المتأكِّد، ولا حقَّ في المال سوى الزَّكاة إلَّا على سبيل النَّدب ومكارم الأخلاق، كما قاله الجمهور (فَقَالُوا (١): يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به (٢)؟ (قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ) بالنَّصب، صفةٌ لـ «ذا الحاجة» المنصوب على المفعوليَّة، و «الملهوف» شاملٌ للمظلوم والعاجز (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟) أي: فإن لم يقدر؟ (قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ) وعند المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٢٢] من وجهٍ آخر عن شعبة: «فليأمر بالخير أو بالمعروف»، وزاد أبو داود الطَّيالسيُّ في «مُسنَده» عن شعبة (٣): «وينهى عن المنكر» (وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا) بتأنيث الضَّمير، باعتبار الخصلة التي هي الإمساك (لَهُ) أي: للممسك (صَدَقَةٌ) والحاصل: أنَّ الصَّدقة تكون بمالٍ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْخَبيث مِنْهُ تنفقون} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ: كسب الْمُسلم لَا يكون خبيثا، وَلَكِن لَا يتَصَدَّق بالحشف وَالدِّرْهَم الزيف وَمَا لَا خير فِيهِ، وَقَالَ أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (أُتِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بضب فَلم يَأْكُلهُ، وَلم ينْه عَنهُ. قلت: يَا رَسُول الله نطعمه الْمَسَاكِين؟ قَالَ: لَا تطعموهم مِمَّا لَا تَأْكُلُونَ) . وَقَالَ عُبَيْدَة: سَأَلت عليا عَن قَوْله: {انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَكَذَا قَالَ السّديّ قَالَ عُبَيْدَة وَسَأَلَهُ عَن قَوْله (وَمِمَّا أخرجنَا لكم من الأَرْض) قَالَ من قَالَ: من الْحبّ وَالثَّمَر كل شَيْء عَلَيْهِ زَكَاة، وَقَالَ مُجَاهِد: من النّخل، وَلَا تيمموا، قَالَ الطَّبَرِيّ: لَا تقصدوا وتعمدوا، وَفِي قِرَاءَة عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا تَمُوتُوا من أممت، وَالْمعْنَى وَاحِد، وَإِن اخْتلفت الْأَلْفَاظ. وَقَالَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ: عَن ابْن سِيرِين عَن عُبَيْدَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أنزلت هَذِه الْآيَة فِي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، كَانَ الرجل يعمد إِلَى التَّمْر فيصرمه فيعزل الْجيد نَاحيَة، فَإِذا جَاءَ صَاحب الصَّدَقَة أعطَاهُ من الرَّدِيء، فَقَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ ابْن زيد: الْخَبيث هُنَا هُوَ الْحَرَام. وَقَالَ الثَّوْريّ: عَن السّديّ عَن أبي مَالك، واسْمه عزوان عَن الْبَراء: {ولستم بآخذيه إِلَّا أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . يَقُول: لَو كَانَ لرجل على رجل دين فَأعْطَاهُ ذَلِك لم يَأْخُذهُ إلَاّ أَن يرى أَنه قد نَقصه من حَقه، رَوَاهُ ابْن جرير، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: عَن ابْن عَبَّاس: {ولستم بآخذيه إلَاّ أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . يَقُول: لَو كَانَ لكم على أحد حق فجاءكم بِحَق دون حقكم لم تأخذوه بِحِسَاب الْجيد حَتَّى تنقصوه، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْله: {إلَاّ أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . فَكيف ترْضونَ لي مَا لَا ترْضونَ لأنفسكم، وحقي عَلَيْكُم من أطيب أَمْوَالكُم وأنفسها؟) . رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير، وَزَاد قَوْله تَعَالَى: {لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون} (آل عمرَان: ٢٩) . قَوْله: {وَاعْلَمُوا أَن الله غَنِي حميد} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . أَي: وَإِن أَمركُم بالصدقات وبالطيب مِنْهَا فَهُوَ غَنِي عَنْهَا، حميد فِي جَمِيع أَفعاله وأقواله وشرعه وَقدره لَا إلاه إلاص هُوَ وَلَا رب سواهُ.
٠٣ - (بابٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٌ صَدَقَةٌ فَمَنْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ على كل مُسلم صَدَقَة. قَوْله: (فَمن لم يجد) من التَّرْجَمَة أَي: فَمن لم يقدر على الصَّدَقَة فليعمل بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوف اسْم جَامع لكل مَا عرف من طَاعَة الله عز وَجل، والتقرب إِلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس، وكل مَا ندب إِلَيْهِ الشَّرْع وَنهى عَنهُ من المحسنات والمقبحات.
٥٤٤١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فقالُوا يَا نَبِيَّ الله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنفَعُ نَفْسَهُ وَيَتصَدَّقُ قَالُوا فإنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ قالُوا فإنْ لَمْ يَجِدْ قالَ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ ولْيُمْسِكْ عنِ الشَّرِّ فإنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ.
(الحَدِيث ٥٤٤١ طرفه فِي ٢٢٠٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة للجزء الأول بِعَيْنِه وللجزء الثَّانِي فِي قَوْله: (فليعمل بِالْمَعْرُوفِ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: سعيد بن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه عَامر. الرَّابِع: أَبوهُ أَبُو بردة عَامر. الْخَامِس: جد سعيد وَهُوَ: أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشعْبَة واسطي والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه عَن جده.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على كل مُسلم صَدَقَة) قَالَ بَعضهم: أَي على سَبِيل الِاسْتِحْبَاب المتأكد. قلت: كلمة: على، تنَافِي هَذَا الْمَعْنى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهره الْوُجُوب، لَكِن خففه، عز وَجل، حَيْثُ جعل مَا خَفِي من المندوبات مسْقطًا لَهُ لطفا مِنْهُ وتفضلاً، قلت: يُمكن أَن يحمل ظَاهر الْوُجُوب على كل مُسلم رأى مُحْتَاجا عَاجِزا عَن التكسب، وَقد أشرف على الْهَلَاك فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق عَلَيْهِ إحْيَاء لَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أطلق الصَّدَقَة هُنَا وَبَينهَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، بقوله: (فِي كل يَوْم) ، وَهَذَا أخرجه مُسلم
عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (كل سلامي من النَّاس عَلَيْهِ صَدَقَة كل يَوْم تطلع فِيهِ الشَّمْس) الحَدِيث، وَرُوِيَ عَن أبي ذَر مَرْفُوعا: (يصبح على كل سلامي على أحدكُم صَدَقَة) . والسلامي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللَّام: الْمفصل، وَله فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (خلق الله كل إِنْسَان من بني آدم على سِتِّينَ وثلاثمائة مفصل) . قَوْله: (يَا نَبِي الله فَمن لم يجد؟) أَي: فَمن لم يقدر على الصَّدَقَة، فكأنهم فَهموا من الصَّدَقَة الْعَطِيَّة، فَلذَلِك قَالُوا: فَمن لم يجد، فَبين لَهُم أَن المُرَاد بِالصَّدَقَةِ مَا هُوَ أَعم من ذَلِك وَلَو بإغاثة الملهوف وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ. قَوْله: (يعْمل بِيَدِهِ) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (يعتمل بيدَيْهِ) ، من الإعتمال من بَاب الافتعال. وَفِيه معنى التَّكَلُّف. قَوْله: (يعين) من أعَان إِعَانَة. قَوْله: (الملهوف) بِالنّصب لِأَنَّهُ صفة: ذَا الْحَاجة، وانتصاب هَذَا على المفعولية، والملهوف يُطلق على المتحسر والمضطر وعَلى الْمَظْلُوم، وتلهف على الشَّيْء تحسر. قَوْله: (فليعمل بِالْمَعْرُوفِ) وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْأَدَب: (قَالُوا فَإِن لم يفعل؟ قَالَ: فليمسك عَن الشَّرّ) . وَإِذا أمسك شَره عَن غَيره فَكَأَنَّهُ قد تصدق عَلَيْهِ لأمنه مِنْهُ، فَإِن كَانَ شرا لَا يعدو نَفسه فقد تصدق على نَفسه، بِأَن منعهَا من الْإِثْم. قَوْله: (فَإِنَّهَا) تَأْنِيث الضَّمِير فِيهِ إِمَّا بِاعْتِبَار الفعلة الَّتِي هِيَ الْإِمْسَاك، أَو بِاعْتِبَار الْخَبَر، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَدَب: فَإِنَّهُ، أَي: فَإِن الْإِمْسَاك. قَوْله: (لَهُ) أَي: للممسك.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن الشَّفَقَة على خلق الله تَعَالَى لَا بُد مِنْهَا، وَهِي إِمَّا بِالْمَالِ أَو بِغَيْرِهِ، وَالْمَال إِمَّا حَاصِل أَو مَقْدُور التَّحْصِيل لَهُ والغير، إِمَّا فعل، وَهُوَ: الْإِعَانَة، أَو ترك وَهُوَ: الْإِمْسَاك، وأعمال الْخَيْر إِذا حسنت النيات فِيهَا تنزل منزلَة الصَّدقَات فِي الأجور وَلَا سِيمَا فِي حق من لَا يقدر على الصَّدَقَة، وَيفهم مِنْهُ أَن الصَّدَقَة فِي حق الْقَادِر عَلَيْهَا أفضل من سَائِر الْأَعْمَال القاصرة على فاعلها، وَأجر الْفَرْض أَكثر من النَّفْل، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن الرب، عز وَجل: (وَمَا تقرب إِلَى عَبدِي بِشَيْء أحب إِلَيّ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ) . قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، عَن بعض الْعلمَاء: ثَوَاب الْفَرْض يزِيد على ثَوَاب النَّافِلَة بسبعين دَرَجَة.
وَاعْلَم أَنه لَا تَرْتِيب فِيمَا تضمنه الحَدِيث الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا هُوَ للإيضاح لما يَفْعَله من عجز عَن خصْلَة من الْخِصَال الْمَذْكُورَة، فَإِنَّهُ يُمكنهُ خصْلَة أُخْرَى، فَمن أمكنه أَن يعْمل بِيَدِهِ فَيتَصَدَّق، وَأَن يغيث الملهوف وَأَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر ويمسك عَن الشَّرّ فَلْيفْعَل الْجَمِيع.
وَفِيه: فضل التكسب لما فِيهِ من الْإِعَانَة وَتَقْدِيم النَّفس على الْغَيْر، وَالله أعلم.
١٣ - (بابٌ قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَمَنْ أعْطَى شَاة)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قدر كم يُعْطي من الزَّكَاة، وَكم يُعْطي من الصَّدَقَة؟ وَإِنَّمَا لم يبين الكمية فِيهَا إعتمادا على سبق الأفهام إِلَيْهِ، لِأَن عَادَته قد جرت بِمثل ذَلِك فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، أما الكمية فِي قدر مَا يُعْطي من الزَّكَاة فقد علمت فِي أَبْوَاب الزَّكَاة فِي كل صنف من الْأَصْنَاف، وَقد أَشَارَ فِي الْكتاب إِلَى أَكْثَرهَا على مَا يَجِيء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد علم أَيْضا أَن التنقيص فِيهَا من الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّارِع لَا يجوز، وَأما الكمية فِي الصَّدَقَة فَغير مقدرَة لِأَن الْمُتَصَدّق محسن، وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ. قَوْله: (كم يعْطى) على بِنَاء الْمَجْهُول، وَيجوز أَن يكون على بِنَاء الْمَعْلُوم أَي: مِقْدَار كم يُعْطي الْمُزَكي فِي زَكَاته، وَكم يُعْطي الْمُتَصَدّق فِي صدقته. وَقَالَ بَعضهم: وَحذف مفعول يُعطي اختصارا لكَوْنهم ثَمَانِيَة أَصْنَاف، وَأَشَارَ بذلك إِلَى الرَّد على من كره أَن يدْفع إِلَى شخص وَاحِد قدر النّصاب، وَهُوَ محكي عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: لَيْت شعري كم من لَيْلَة سهر هَذَا الْقَائِل حَتَّى سطر هَذَا الْكَلَام الَّذِي تمجه الأسماع، وَحذف الْمَفْعُول هُنَا كَمَا فِي قَوْلهم: فلَان يعْطى وَيمْنَع، وَكَيف يدل ذَلِك على الرَّد على أبي حنيفَة، رَحمَه الله تَعَالَى، وَلَكِن هَذَا يطرد فِي الصَّدَقَة وَلَا يطرد فِي الزَّكَاة على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَالصَّدَََقَة) من عطف الْعَام على الْخَاص، قيل: لَو اقْتصر على الزَّكَاة لأوهم أَن غَيرهَا بِخِلَافِهَا. قلت: لَا يشك أحد أَن حكم الصَّدَقَة غير حكم الزَّكَاة إِذا ذكرت فِي مُقَابلَة الزَّكَاة، وَأما إِذا أطلق لفظ الصَّدَقَة فَتكون شَامِلَة لَهما. قَوْله: (وَمن أعْطى شَاة) ، عطف على قَوْله: (قدر كم يُعْطي؟) أَي: وَفِي بَيَان حكم من أعْطى شَاة فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى أَنه إِذا أعْطى شَاة فِي الزَّكَاة، إِنَّمَا تجوز إِذا كَانَت كَامِلَة، لِأَن الشَّارِع نَص على كَمَال الشَّاة فِي مَوضِع تُؤْخَذ مِنْهُ الشَّاة، فَإِذا أعْطى جزأ مِنْهَا لَا يجوز، وَأما فِي الصَّدَقَة فَيجوز أَن يُعْطي الشَّاة كلهَا وَيجوز أَن يُعْطي جزأ مِنْهَا، على مَا يَأْتِي بَيَان ذَلِك فِي حَدِيث الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٦٤٤١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا أبُو شِهَابٍ عنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عنْ أُمِّ عطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ بُعِثَ إلَي نُسَيْبَةَ الأنْصَارِيَّةَ بِشَاةٍ فأرْسَلَتْ إلَى عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا مِنْها فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْتُ لَا إلَاّ مَا أرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ فَقَالَ هاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن لَهَا جزآن: أَحدهمَا: مِقْدَار كم يُعْطي؟ وَالْآخر: وَمن أعْطى شَاة؟ فمطابقته للجزء الأول فِي إرْسَال نسيبة إِلَى عَائِشَة من تِلْكَ الشَّاة الَّتِي أرسلها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهَا من الصَّدَقَة، على مَا صرح بِهِ مُسلم على مَا نذكرهُ فِي مَوْضِعه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهُوَ مِقْدَار مِنْهَا. ومطابقته للجزء الثَّانِي فِي إرْسَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهَا من الصَّدَقَة بِشَاة كَامِلَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن يُونُس، وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس أَبُو عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي. الثَّانِي: أَبُو شهَاب، واسْمه: عبد ربه بن نَافِع الحناط، بالنُّون: صَاحب الطَّعَام. الثَّالِث: خَالِد بن مهْرَان الْحذاء. الرَّابِع: حَفْصَة بنت أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: أم عَطِيَّة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، وَاسْمهَا: نسيبة، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مرت فِي: بَاب التَّيَمُّن فِي الْوضُوء.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه كُوفِي وَأَن أَبَا شهَاب مدائني وَأَن خَالِدا بَصرِي وَأَن حَفْصَة وَأم عَطِيَّة مدنيتان. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: أَن شَيْخه ذكر بنسبته إِلَى جده.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي الْهِبَة عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بعث إِلَى نسيبة الْأَنْصَارِيَّة) بعث، على صِيغَة الْمَجْهُول، والباعث هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا فِي (صَحِيح مُسلم) قَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب، قَالَ: حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن خَالِد عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، قَالَت: بعث إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِشَاة من الصَّدَقَة، فَبعثت إِلَى عَائِشَة مِنْهَا بِشَيْء، فَلَمَّا جَاءَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى عَائِشَة، فَقَالَ: هَل عنْدكُمْ شَيْء؟ فَقَالَت: لَا إلَاّ أَن نسيبة بعثت إِلَيْنَا من الشَّاة الَّتِي بعثتم بهَا إِلَيْهَا. قَالَ: إِنَّهَا بلغت محلهَا) . وَكَانَ مُقْتَضى هَذَا أَن يَقُول فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: بعث إِلَيّ، بِلَفْظ ضمير الْمُتَكَلّم الْمَجْرُور، لَكِن وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر، إِمَّا على سَبِيل الإلتفات، وَإِمَّا على سَبِيل التَّجْرِيد من نَفسهَا شخصا اسْمه نسيبة. قَوْله: (إِلَى نسيبة) ، بِالْفَتْح فِي آخِره لِأَنَّهُ غير منصرف للعلمية والتأنيث، وَقَوله: (الْأَنْصَارِيَّة) ، بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ صفته. قَوْله: (فَأرْسلت) ، يحْتَمل أَن يكون متكلما، وَأَن يكون غَائِبا وَكِلَاهُمَا صَحِيح، لَكِن الرِّوَايَة بالغيبة. (مِنْهَا) أَي: من تِلْكَ الشَّاة. قَوْله: (عنْدكُمْ شَيْء؟) أَي: هَل عنْدكُمْ شَيْء كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (هَات) أَصله: هَاتِي، لِأَنَّهُ أَمر للمؤنث، وَلَكِن حذفت الْيَاء مِنْهُ تَخْفِيفًا. قَالَ الْخَلِيل: أصل: هَات، آتٍ من آتى يُؤْتِي، فقلبت الْألف هَاء. قَوْله: (فقد بلغت محلهَا) ، بِكَسْر الْحَاء أَي: مَوضِع الْحُلُول والاستقرار، يَعْنِي أَنه قد حصل الْمَقْصُود مِنْهَا من ثَوَاب التَّصَدُّق، ثمَّ صَارَت ملكا لمن وصلت إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا مثل قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بَرِيرَة: (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَهُوَ لنا هَدِيَّة) .
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَفْضَحُهُ.
وَمَعْنَى تَعْفُو أَثَرَهُ تَمْحُو خَطَايَاهُ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْخَبَرَ جَاءَ عَلَى التَّمْثِيلِ لَا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ كَائِنٍ، قَالَ: وَقِيلَ: هُوَ تَمْثِيلٌ لِنَمَاءِ الْمَالِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْبُخْلِ بِضِدِّهِ. وَقِيلَ: تَمْثِيلٌ لِكَثْرَةِ الْجُودِ وَالْبُخْلِ، وَأَنَّ الْمُعْطِيَ إِذَا أَعْطَى انْبَسَطَتْ يَدَاهُ بِالْعَطَاءِ وَتَعَوَّدَ ذَلِكَ، وَإِذَا أَمْسَكَ صَارَ ذَلِكَ عَادَةً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَيَّدَ الْمُشَبَّهَ بِهِ بِالْحَدِيدِ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْقَبْضَ وَالشِّدَّةَ مِنْ جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ، وَأَوْقَعَ الْمُتَصَدِّقَ مَوْقِعَ السَّخِيِّ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَخِيلِ إِشْعَارًا بِأَنَّ السَّخَاءَ هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعَ وَنَدَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ لَا مَا يَتَعَانَاهُ الْمُسْرِفُونَ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ)، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَهَذَا يُوهِمُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ طَاوُسٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ فَسَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَهُمَا: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْتُهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي هذا الْحَدِيثِ وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَإِنَّهَا لَا تَزْدَادُ عَلَيْهِ إِلَّا اسْتِحْكَامًا وَهَذَا بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاوُسٍ) ذَكَرَهُ فِي اللِّبَاسِ أَيْضًا تَعْلِيقًا بِلَفْظِ: وَقَالَ حَنْظَلَةُ: سَمِعْتُ طَاوُسًا، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ عَنْ حَنْظَلَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ) هُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ، وَابْنُ هُرْمُزَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، وَلَمْ تَقَعْ لي رِوَايَةُ اللَّيْثِ مَوْصُولَةٌ إِلَى الْآنَ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِسَنَدِهِ.
٢٩ - بَاب صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الْآيَةَ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿حَمِيدٌ﴾ هَكَذَا أَوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مُقْتَصِرًا عَلَى الْآيَةِ بِغَيْرِ حَدِيثٍ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قَالَ: مِنَ التِّجَارَةِ الْحَلَالِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قَالَ: مِنَ التِّجَارَةِ، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ قَالَ: مِنَ الثِّمَارِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ الْهُذَلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ قَالَ: يَعْنِي مِنَ الْحَبِّ وَالتَّمْرِ، كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يُقَيِّدِ الْكَسْبَ فِي التَّرْجَمَةِ بِالطَّيِّبِ كَمَا فِي الْآيَةِ اسْتِغْنَاءً عَنْ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ: بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ.
٣٠ - بَاب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ
١٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ،
قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ؟ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُعْمِلْ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: نَصَبَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ عَلَمًا عَلَى الْخَبَرِ مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضِ مَا فِيهِ إِيجَازًا.
قَوْلُهُ: (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) أَيْ: ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَأَكِّدِ أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالْعِبَارَةُ صَالِحَةٌ لِلْإِيجَابِ وَالِاسْتِحْبَابِ، كَقَوْلِهِ ﵊: عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ خِصَالٍ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ اتِّفَاقًا، وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِهِ تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِكُلِّ يَوْمٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الصُّلْحِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، وَالسُّلَامَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ: الْمَفْصِلُ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمَائَةِ مَفْصِلٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) كَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ لَفْظِ الصَّدَقَةِ الْعَطِيَّةَ، فَسَأَلُوا عَمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ بِإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهَلْ تَلْتَحِقُ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ الَّتِي تُحْسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْفَرْضِ الَّذِي أَخَلَّ بِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا غَيْرُهَا لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهَا شُرِعَتْ بِسَبَبِ عِتْقِ الْمَفَاصِلِ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (الْمَلْهُوفُ) أَيِ: الْمُسْتَغِيثُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا أَوْ عَاجِزًا.
قَوْلُهُ: (فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ) فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ: فَلْيَأْمُرْ بِالْخَيْرِ أَوْ بِالْمَعْرُوفِ. زَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ: وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلْيُمْسِكْ) فِي رِوَايَتِهِ فِي الْأَدَبِ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ كَذَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ أَصَحُّ سِيَاقًا، فَظَاهِرُ سِيَاقِ الْبَابِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِمْسَاكَ عَنِ الشَّرِّ رُتْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْإِمْسَاكُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْأَخِيرَةُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْخَصْلَةِ مِنَ الْخَيْرِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَدَبِ: فَإِنَّهُ - أَيِ الْإِمْسَاكُ - لَهُ، أَيْ: لِلْمُمْسِكِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْمُمْسِكِ عَنِ الشَّرِّ إِذَا نَوَى بِالْإِمْسَاكِ الْقُرْبَةَ، بِخِلَافِ مَحْضِ التَّرْكِ، وَالْإِمْسَاكُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالسُّلَامَةِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ شَرُّهُ لَا يَتَعَدَّى نَفْسَهُ فَقَدْ تَصَدَّقَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ مَنَعَهَا مِنَ الْإِثْمِ، قَالَ: وَلَيْسَ مَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَرْتِيبًا، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِيضَاحِ لِمَا يَفْعَلُهُ مَنْ عَجَزَ عَنْ خَصْلَةٍ مِنَ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ خَصْلَةً أُخْرَى، فَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِيَدِهِ فَيَتَصَدَّقَ، وَأَنْ يُغِيثَ الْمَلْهُوفَ، وَأَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُمْسِكَ عَنِ الشَّرِّ فَلْيَفْعَلِ الْجَمِيعَ، وَمَقْصُودُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَعْمَالَ الْخَيْرِ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَجْرِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْقَاصِرَةِ، وَمُحَصَّلُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَهِيَ إِمَّا بِالْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمَالُ إِمَّا حَاصِلٌ أَوْ مُكْتَسَبٌ، وَغَيْرُ الْمَالِ إِمَّا فِعْلٌ، وَهُوَ الْإِغَاثَةُ، وَإِمَّا تَرْكٌ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ.
انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ: تَرْتِيبُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَدَبَ إِلَى الصَّدَقَةِ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا نَدَبَ إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْهَا أَوْ يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ الْعَمَلُ وَالِانْتِفَاعُ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَهُوَ الْإِغَاثَةُ، وَعِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في هذا الباب حديثًا على عادته فيما لم يجد على شرطه، والله أعلم.
(٣٠) (بابٌ) بالتَّنوين (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به (فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ).
١٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي بُرْدة، عامرٍ (عَنْ جَدِّهِ) جدِّ سعيد أبي موسى الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أي: على سبيل الاستحباب المتأكِّد، ولا حقَّ في المال سوى الزَّكاة إلَّا على سبيل النَّدب ومكارم الأخلاق، كما قاله الجمهور (فَقَالُوا (١): يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به (٢)؟ (قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ) بالنَّصب، صفةٌ لـ «ذا الحاجة» المنصوب على المفعوليَّة، و «الملهوف» شاملٌ للمظلوم والعاجز (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟) أي: فإن لم يقدر؟ (قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ) وعند المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٢٢] من وجهٍ آخر عن شعبة: «فليأمر بالخير أو بالمعروف»، وزاد أبو داود الطَّيالسيُّ في «مُسنَده» عن شعبة (٣): «وينهى عن المنكر» (وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا) بتأنيث الضَّمير، باعتبار الخصلة التي هي الإمساك (لَهُ) أي: للممسك (صَدَقَةٌ) والحاصل: أنَّ الصَّدقة تكون بمالٍ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْخَبيث مِنْهُ تنفقون} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ: كسب الْمُسلم لَا يكون خبيثا، وَلَكِن لَا يتَصَدَّق بالحشف وَالدِّرْهَم الزيف وَمَا لَا خير فِيهِ، وَقَالَ أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (أُتِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بضب فَلم يَأْكُلهُ، وَلم ينْه عَنهُ. قلت: يَا رَسُول الله نطعمه الْمَسَاكِين؟ قَالَ: لَا تطعموهم مِمَّا لَا تَأْكُلُونَ) . وَقَالَ عُبَيْدَة: سَأَلت عليا عَن قَوْله: {انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَكَذَا قَالَ السّديّ قَالَ عُبَيْدَة وَسَأَلَهُ عَن قَوْله (وَمِمَّا أخرجنَا لكم من الأَرْض) قَالَ من قَالَ: من الْحبّ وَالثَّمَر كل شَيْء عَلَيْهِ زَكَاة، وَقَالَ مُجَاهِد: من النّخل، وَلَا تيمموا، قَالَ الطَّبَرِيّ: لَا تقصدوا وتعمدوا، وَفِي قِرَاءَة عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا تَمُوتُوا من أممت، وَالْمعْنَى وَاحِد، وَإِن اخْتلفت الْأَلْفَاظ. وَقَالَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ: عَن ابْن سِيرِين عَن عُبَيْدَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أنزلت هَذِه الْآيَة فِي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، كَانَ الرجل يعمد إِلَى التَّمْر فيصرمه فيعزل الْجيد نَاحيَة، فَإِذا جَاءَ صَاحب الصَّدَقَة أعطَاهُ من الرَّدِيء، فَقَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ ابْن زيد: الْخَبيث هُنَا هُوَ الْحَرَام. وَقَالَ الثَّوْريّ: عَن السّديّ عَن أبي مَالك، واسْمه عزوان عَن الْبَراء: {ولستم بآخذيه إِلَّا أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . يَقُول: لَو كَانَ لرجل على رجل دين فَأعْطَاهُ ذَلِك لم يَأْخُذهُ إلَاّ أَن يرى أَنه قد نَقصه من حَقه، رَوَاهُ ابْن جرير، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: عَن ابْن عَبَّاس: {ولستم بآخذيه إلَاّ أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . يَقُول: لَو كَانَ لكم على أحد حق فجاءكم بِحَق دون حقكم لم تأخذوه بِحِسَاب الْجيد حَتَّى تنقصوه، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْله: {إلَاّ أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . فَكيف ترْضونَ لي مَا لَا ترْضونَ لأنفسكم، وحقي عَلَيْكُم من أطيب أَمْوَالكُم وأنفسها؟) . رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير، وَزَاد قَوْله تَعَالَى: {لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون} (آل عمرَان: ٢٩) . قَوْله: {وَاعْلَمُوا أَن الله غَنِي حميد} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . أَي: وَإِن أَمركُم بالصدقات وبالطيب مِنْهَا فَهُوَ غَنِي عَنْهَا، حميد فِي جَمِيع أَفعاله وأقواله وشرعه وَقدره لَا إلاه إلاص هُوَ وَلَا رب سواهُ.
٠٣ - (بابٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٌ صَدَقَةٌ فَمَنْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ على كل مُسلم صَدَقَة. قَوْله: (فَمن لم يجد) من التَّرْجَمَة أَي: فَمن لم يقدر على الصَّدَقَة فليعمل بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوف اسْم جَامع لكل مَا عرف من طَاعَة الله عز وَجل، والتقرب إِلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس، وكل مَا ندب إِلَيْهِ الشَّرْع وَنهى عَنهُ من المحسنات والمقبحات.
٥٤٤١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فقالُوا يَا نَبِيَّ الله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنفَعُ نَفْسَهُ وَيَتصَدَّقُ قَالُوا فإنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ قالُوا فإنْ لَمْ يَجِدْ قالَ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ ولْيُمْسِكْ عنِ الشَّرِّ فإنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ.
(الحَدِيث ٥٤٤١ طرفه فِي ٢٢٠٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة للجزء الأول بِعَيْنِه وللجزء الثَّانِي فِي قَوْله: (فليعمل بِالْمَعْرُوفِ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: سعيد بن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه عَامر. الرَّابِع: أَبوهُ أَبُو بردة عَامر. الْخَامِس: جد سعيد وَهُوَ: أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشعْبَة واسطي والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه عَن جده.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على كل مُسلم صَدَقَة) قَالَ بَعضهم: أَي على سَبِيل الِاسْتِحْبَاب المتأكد. قلت: كلمة: على، تنَافِي هَذَا الْمَعْنى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهره الْوُجُوب، لَكِن خففه، عز وَجل، حَيْثُ جعل مَا خَفِي من المندوبات مسْقطًا لَهُ لطفا مِنْهُ وتفضلاً، قلت: يُمكن أَن يحمل ظَاهر الْوُجُوب على كل مُسلم رأى مُحْتَاجا عَاجِزا عَن التكسب، وَقد أشرف على الْهَلَاك فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق عَلَيْهِ إحْيَاء لَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أطلق الصَّدَقَة هُنَا وَبَينهَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، بقوله: (فِي كل يَوْم) ، وَهَذَا أخرجه مُسلم
عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (كل سلامي من النَّاس عَلَيْهِ صَدَقَة كل يَوْم تطلع فِيهِ الشَّمْس) الحَدِيث، وَرُوِيَ عَن أبي ذَر مَرْفُوعا: (يصبح على كل سلامي على أحدكُم صَدَقَة) . والسلامي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللَّام: الْمفصل، وَله فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (خلق الله كل إِنْسَان من بني آدم على سِتِّينَ وثلاثمائة مفصل) . قَوْله: (يَا نَبِي الله فَمن لم يجد؟) أَي: فَمن لم يقدر على الصَّدَقَة، فكأنهم فَهموا من الصَّدَقَة الْعَطِيَّة، فَلذَلِك قَالُوا: فَمن لم يجد، فَبين لَهُم أَن المُرَاد بِالصَّدَقَةِ مَا هُوَ أَعم من ذَلِك وَلَو بإغاثة الملهوف وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ. قَوْله: (يعْمل بِيَدِهِ) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (يعتمل بيدَيْهِ) ، من الإعتمال من بَاب الافتعال. وَفِيه معنى التَّكَلُّف. قَوْله: (يعين) من أعَان إِعَانَة. قَوْله: (الملهوف) بِالنّصب لِأَنَّهُ صفة: ذَا الْحَاجة، وانتصاب هَذَا على المفعولية، والملهوف يُطلق على المتحسر والمضطر وعَلى الْمَظْلُوم، وتلهف على الشَّيْء تحسر. قَوْله: (فليعمل بِالْمَعْرُوفِ) وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْأَدَب: (قَالُوا فَإِن لم يفعل؟ قَالَ: فليمسك عَن الشَّرّ) . وَإِذا أمسك شَره عَن غَيره فَكَأَنَّهُ قد تصدق عَلَيْهِ لأمنه مِنْهُ، فَإِن كَانَ شرا لَا يعدو نَفسه فقد تصدق على نَفسه، بِأَن منعهَا من الْإِثْم. قَوْله: (فَإِنَّهَا) تَأْنِيث الضَّمِير فِيهِ إِمَّا بِاعْتِبَار الفعلة الَّتِي هِيَ الْإِمْسَاك، أَو بِاعْتِبَار الْخَبَر، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَدَب: فَإِنَّهُ، أَي: فَإِن الْإِمْسَاك. قَوْله: (لَهُ) أَي: للممسك.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن الشَّفَقَة على خلق الله تَعَالَى لَا بُد مِنْهَا، وَهِي إِمَّا بِالْمَالِ أَو بِغَيْرِهِ، وَالْمَال إِمَّا حَاصِل أَو مَقْدُور التَّحْصِيل لَهُ والغير، إِمَّا فعل، وَهُوَ: الْإِعَانَة، أَو ترك وَهُوَ: الْإِمْسَاك، وأعمال الْخَيْر إِذا حسنت النيات فِيهَا تنزل منزلَة الصَّدقَات فِي الأجور وَلَا سِيمَا فِي حق من لَا يقدر على الصَّدَقَة، وَيفهم مِنْهُ أَن الصَّدَقَة فِي حق الْقَادِر عَلَيْهَا أفضل من سَائِر الْأَعْمَال القاصرة على فاعلها، وَأجر الْفَرْض أَكثر من النَّفْل، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن الرب، عز وَجل: (وَمَا تقرب إِلَى عَبدِي بِشَيْء أحب إِلَيّ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ) . قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، عَن بعض الْعلمَاء: ثَوَاب الْفَرْض يزِيد على ثَوَاب النَّافِلَة بسبعين دَرَجَة.
وَاعْلَم أَنه لَا تَرْتِيب فِيمَا تضمنه الحَدِيث الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا هُوَ للإيضاح لما يَفْعَله من عجز عَن خصْلَة من الْخِصَال الْمَذْكُورَة، فَإِنَّهُ يُمكنهُ خصْلَة أُخْرَى، فَمن أمكنه أَن يعْمل بِيَدِهِ فَيتَصَدَّق، وَأَن يغيث الملهوف وَأَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر ويمسك عَن الشَّرّ فَلْيفْعَل الْجَمِيع.
وَفِيه: فضل التكسب لما فِيهِ من الْإِعَانَة وَتَقْدِيم النَّفس على الْغَيْر، وَالله أعلم.
١٣ - (بابٌ قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَمَنْ أعْطَى شَاة)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قدر كم يُعْطي من الزَّكَاة، وَكم يُعْطي من الصَّدَقَة؟ وَإِنَّمَا لم يبين الكمية فِيهَا إعتمادا على سبق الأفهام إِلَيْهِ، لِأَن عَادَته قد جرت بِمثل ذَلِك فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، أما الكمية فِي قدر مَا يُعْطي من الزَّكَاة فقد علمت فِي أَبْوَاب الزَّكَاة فِي كل صنف من الْأَصْنَاف، وَقد أَشَارَ فِي الْكتاب إِلَى أَكْثَرهَا على مَا يَجِيء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد علم أَيْضا أَن التنقيص فِيهَا من الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّارِع لَا يجوز، وَأما الكمية فِي الصَّدَقَة فَغير مقدرَة لِأَن الْمُتَصَدّق محسن، وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ. قَوْله: (كم يعْطى) على بِنَاء الْمَجْهُول، وَيجوز أَن يكون على بِنَاء الْمَعْلُوم أَي: مِقْدَار كم يُعْطي الْمُزَكي فِي زَكَاته، وَكم يُعْطي الْمُتَصَدّق فِي صدقته. وَقَالَ بَعضهم: وَحذف مفعول يُعطي اختصارا لكَوْنهم ثَمَانِيَة أَصْنَاف، وَأَشَارَ بذلك إِلَى الرَّد على من كره أَن يدْفع إِلَى شخص وَاحِد قدر النّصاب، وَهُوَ محكي عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: لَيْت شعري كم من لَيْلَة سهر هَذَا الْقَائِل حَتَّى سطر هَذَا الْكَلَام الَّذِي تمجه الأسماع، وَحذف الْمَفْعُول هُنَا كَمَا فِي قَوْلهم: فلَان يعْطى وَيمْنَع، وَكَيف يدل ذَلِك على الرَّد على أبي حنيفَة، رَحمَه الله تَعَالَى، وَلَكِن هَذَا يطرد فِي الصَّدَقَة وَلَا يطرد فِي الزَّكَاة على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَالصَّدَََقَة) من عطف الْعَام على الْخَاص، قيل: لَو اقْتصر على الزَّكَاة لأوهم أَن غَيرهَا بِخِلَافِهَا. قلت: لَا يشك أحد أَن حكم الصَّدَقَة غير حكم الزَّكَاة إِذا ذكرت فِي مُقَابلَة الزَّكَاة، وَأما إِذا أطلق لفظ الصَّدَقَة فَتكون شَامِلَة لَهما. قَوْله: (وَمن أعْطى شَاة) ، عطف على قَوْله: (قدر كم يُعْطي؟) أَي: وَفِي بَيَان حكم من أعْطى شَاة فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى أَنه إِذا أعْطى شَاة فِي الزَّكَاة، إِنَّمَا تجوز إِذا كَانَت كَامِلَة، لِأَن الشَّارِع نَص على كَمَال الشَّاة فِي مَوضِع تُؤْخَذ مِنْهُ الشَّاة، فَإِذا أعْطى جزأ مِنْهَا لَا يجوز، وَأما فِي الصَّدَقَة فَيجوز أَن يُعْطي الشَّاة كلهَا وَيجوز أَن يُعْطي جزأ مِنْهَا، على مَا يَأْتِي بَيَان ذَلِك فِي حَدِيث الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٦٤٤١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا أبُو شِهَابٍ عنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عنْ أُمِّ عطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ بُعِثَ إلَي نُسَيْبَةَ الأنْصَارِيَّةَ بِشَاةٍ فأرْسَلَتْ إلَى عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا مِنْها فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْتُ لَا إلَاّ مَا أرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ فَقَالَ هاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن لَهَا جزآن: أَحدهمَا: مِقْدَار كم يُعْطي؟ وَالْآخر: وَمن أعْطى شَاة؟ فمطابقته للجزء الأول فِي إرْسَال نسيبة إِلَى عَائِشَة من تِلْكَ الشَّاة الَّتِي أرسلها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهَا من الصَّدَقَة، على مَا صرح بِهِ مُسلم على مَا نذكرهُ فِي مَوْضِعه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهُوَ مِقْدَار مِنْهَا. ومطابقته للجزء الثَّانِي فِي إرْسَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهَا من الصَّدَقَة بِشَاة كَامِلَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن يُونُس، وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس أَبُو عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي. الثَّانِي: أَبُو شهَاب، واسْمه: عبد ربه بن نَافِع الحناط، بالنُّون: صَاحب الطَّعَام. الثَّالِث: خَالِد بن مهْرَان الْحذاء. الرَّابِع: حَفْصَة بنت أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: أم عَطِيَّة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، وَاسْمهَا: نسيبة، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مرت فِي: بَاب التَّيَمُّن فِي الْوضُوء.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه كُوفِي وَأَن أَبَا شهَاب مدائني وَأَن خَالِدا بَصرِي وَأَن حَفْصَة وَأم عَطِيَّة مدنيتان. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: أَن شَيْخه ذكر بنسبته إِلَى جده.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي الْهِبَة عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بعث إِلَى نسيبة الْأَنْصَارِيَّة) بعث، على صِيغَة الْمَجْهُول، والباعث هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا فِي (صَحِيح مُسلم) قَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب، قَالَ: حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن خَالِد عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، قَالَت: بعث إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِشَاة من الصَّدَقَة، فَبعثت إِلَى عَائِشَة مِنْهَا بِشَيْء، فَلَمَّا جَاءَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى عَائِشَة، فَقَالَ: هَل عنْدكُمْ شَيْء؟ فَقَالَت: لَا إلَاّ أَن نسيبة بعثت إِلَيْنَا من الشَّاة الَّتِي بعثتم بهَا إِلَيْهَا. قَالَ: إِنَّهَا بلغت محلهَا) . وَكَانَ مُقْتَضى هَذَا أَن يَقُول فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: بعث إِلَيّ، بِلَفْظ ضمير الْمُتَكَلّم الْمَجْرُور، لَكِن وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر، إِمَّا على سَبِيل الإلتفات، وَإِمَّا على سَبِيل التَّجْرِيد من نَفسهَا شخصا اسْمه نسيبة. قَوْله: (إِلَى نسيبة) ، بِالْفَتْح فِي آخِره لِأَنَّهُ غير منصرف للعلمية والتأنيث، وَقَوله: (الْأَنْصَارِيَّة) ، بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ صفته. قَوْله: (فَأرْسلت) ، يحْتَمل أَن يكون متكلما، وَأَن يكون غَائِبا وَكِلَاهُمَا صَحِيح، لَكِن الرِّوَايَة بالغيبة. (مِنْهَا) أَي: من تِلْكَ الشَّاة. قَوْله: (عنْدكُمْ شَيْء؟) أَي: هَل عنْدكُمْ شَيْء كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (هَات) أَصله: هَاتِي، لِأَنَّهُ أَمر للمؤنث، وَلَكِن حذفت الْيَاء مِنْهُ تَخْفِيفًا. قَالَ الْخَلِيل: أصل: هَات، آتٍ من آتى يُؤْتِي، فقلبت الْألف هَاء. قَوْله: (فقد بلغت محلهَا) ، بِكَسْر الْحَاء أَي: مَوضِع الْحُلُول والاستقرار، يَعْنِي أَنه قد حصل الْمَقْصُود مِنْهَا من ثَوَاب التَّصَدُّق، ثمَّ صَارَت ملكا لمن وصلت إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا مثل قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بَرِيرَة: (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَهُوَ لنا هَدِيَّة) .