«يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٢٥

الحديث رقم ١٧٢٥ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من لبد رأسه عند الإحرام وحلق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٧٢٥ في صحيح البخاري

«يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».

بَابُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الْإِحْلَالِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٧٢٥

١٧٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٧٢٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالثَّالِثَةُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَطَاءٍ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِيُّ عَنْ ابْنِ خُثَيْمٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ . وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنِي ابْنُ خُثَيْمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ . وَقَالَ عَفَّانُ: أُرَاهُ عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ . وَقَالَ حَمَّادٌ: عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ) (١) - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُفْتُ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي: الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، كَذَا قَالَ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ أَصْلُ الْحَدِيثِ لَا خُصُوصُ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحَلْقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي ابْنُ خُثَيْمٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى طَرِيقِهِ مَوْصُولَةً.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَفَّانُ: أُرَاهُ عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) الْقَائِلُ أُرَاهُ هُوَ الْبُخَارِيُّ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ بِدُونِهَا. وَلَفْظُهُ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ وَلَمْ أَنْحَرْ. قَالَ: لَا حَرَجَ: فَانْحَرْ. وَجَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: فَارْمِ وَلَا حَرَجَ. وَزَعَمَ خَلَفٌ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ فِيهِ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ وَالْمُرَادُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى ابْنِ خُثَيْمٍ هَلْ شَيْخُهُ فِيهِ عَطَاءٌ أَوْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، كَمَا اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَطَاءٍ هَلْ شَيْخُهُ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْ جَابِرٌ، فَالَّذِي يَتَبَيَّنُ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ تَرْجِيحُ كَوْنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ كَوْنِهِ عَنْ عَطَاءٍ وَأَنَّ الَّذِي يُخَالِفُ ذَلِكَ شَاذٌّ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِإِيرَادِهِ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ. وَفِي رِوَايَةِ عَفَّانَ هَذِهِ الدِّلَالَةُ عَلَى تَعَدُّدِ السَّائِلِينَ عَنِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادٌ) يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ إِلَخْ. هَذِهِ الطَّرِيقُ وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ، والطَّحَاوِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ نَحْوَ سِيَاقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رَفِيعٍ، وَالطَّرِيقُ الرَّابِعَةُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْأَعْلَى) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَخَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اسْتَظْهَرَ بِهِ لِمَا وَقَعَ فِي طَرِيقِ عَطَاءٍ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْلًا آخَرَ. وَفِي طَرِيقِ عِكْرِمَةَ هَذِهِ زِيَادَةُ حُكْمِ الرَّمْيِ بَعْدَ الْمَسَاءِ فَإِنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ نَهَارًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ.

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي: بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ فِيهِ: لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ؛ لِأَنَّ بُلُوغَ الْهَدْيِ مَحِلَّهُ يَدُلُّ عَلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ فَلَوْ تَقَدَّمَ الْحَلْقُ عَلَيْهِ لَصَارَ مُتَحَلِّلًا قَبْلَ بُلُوغِ الْهَدْيِ مَحِلَّهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الذَّبْحِ عَلَى الْحَلْقِ، وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ فَهُوَ رُخْصَةٌ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَفَلَتْ) بِفَاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَهَا فَاءٌ، ثُمَّ لَامٌ خَفِيفَةٌ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ أَيْ: تَتَبَّعَتِ الْقَمْلَ مِنْهُ.

١٢٦ - بَاب مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَحَلَقَ

١٧٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَحَلَقَ) أَيْ: بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِحْلَالِ، قِيلَ: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ لَبَّدَ هَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ أَوْ لَا؟ فَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنِ الْجُمْهُورِ تَعَيُّنَ ذَلِكَ حَتَّى عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]» (وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ لَمْ يَحِلَّ) من إحرامه (حَتَّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ) بكسر الحاء، وهذا (١) موضع التَّرجمة لأنَّ بلوغ الهدي محلَّه يدلُّ على ذبح الهدي، فلو تقدَّم الحلق عليه لصار متحلِّلًا قبل بلوغ الهدي محلَّه، وهذا هو الأصل؛ وهو تقديم الذَّبح على الحلق، وأمَّا تأخيره فهو رخصةٌ، والله أعلم (٢).

(١٢٦) (بابُ مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ) بتشديد المُوحَّدة، أي: شعره (٣)؛ وهو أن يجعل فيه ما يمنعه من الانتتاف كالصَّمغ في الغاسول، ثمَّ يلطِّخ به رأسه (عِنْدَ الإِحْرَامِ وَحَلَقَ) أي: رأسه بعد ذلك عند الإحلال، والجمهور: على أنَّ من لبَّد رأسه وجب عليه الحلق كما فعل النَّبيُّ ، وبذلك أمر عمر بن الخطَّاب النَّاس، والصَّحيح عند الشَّافعيَّة أنَّه مُستحَبٌّ (٤).

١٧٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ) أمِّ المؤمنين ( أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا) من الحجِّ (بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ) بكسر اللَّام الأولى (أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ) التي مع حجَّتك، وقيل: «من» بمعنى: الباء، أي: بعمرتك، وضعَّفه ابن دقيق العيد من جهة أنَّه أقام حرفًا مقام حرفٍ، وهي طريقةٌ كوفيَّةٌ، وأُجيب بأنَّه ورد في قوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمر الله (قَالَ: إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي) بوضع القلادة في عنقه (فَلَا أَحِلُّ) بفتح الهمزة وكسر الحاء من إحرامي (حَتَّى أَنْحَرَ) الهدي يوم النَّحر.

وليس في هذا الحديث ذكر الحلق المذكور في التَّرجمة، فقيل: إنَّه معلومٌ من حاله (٥)

أنَّه في حجَّة الوداع حلق رأسه؛ كما سيأتي صريحًا إن شاء الله تعالى في أوَّل الباب التَّالي (١)، وقد سبق هذا الحديث في «باب التَّمتُّع والقران» [خ¦١٥٦٦] (٢)، وقد أخرجه الجماعة إلَّا التِّرمذيَّ.

(١٢٧) (بابُ الحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإِحْلَالِ) من الإحرام، وهو نسكٌ، لا استباحة محظورٍ للدُّعاء لفاعله بالرَّحمة كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦١٧٢٧] والدُّعاء ثوابٌ، والثَّواب إنَّما يكون على العبادات لا على المباحات (٣)، ولتفضيله أيضًا على التَّقصير؛ إذ المباحات لا تتفاضل، ولا تحلُّل للحجِّ والعمرة بدونه كسائر أركانهما، إلَّا لمن لا شعر برأسه، فيتحلَّل منهما بدونه، والحلق أفضل للرِّجال -كما سيأتي- (٤) فلا يُؤمَر به بعد نبات شعره، ولا يفدي عاجزٌ عن أخذه لجراحةٍ أو نحوها، بل يصبر إلى قدرته، ولا يسقط عنه، ويُستحَبُّ لمن لا شعر برأسه أن يُمِرَّ الموسى عليه تشبيهًا بالحالقين، وليس بفرضٍ عند الحنفيَّة، بل هو واجبٌ، وقيل: مُستحَبٌّ، وأقلُّ ما يجزئ عند الشَّافعيَّة: ثلاث شعراتٍ، وعند أبي حنيفة: ربع الرَّأس، وعند أبي يوسف: النِّصف، وعند أحمد: أكثرها، وعند المالكيَّة: (٥) جميع شعر رأسه، ويستوعبه بالتَّقصير من قرب أصله، قال العلَّامة الكمال بن الهمام: اتَّفق الأئمَّة الثَّلاثة -أبو حنيفة ومالكٌ والشَّافعيُّ- أنْ قال كلٌّ منهم بأنَّه (٦) يجزئ في الحلق القدر الذي قال: إنَّه يجزئ في الوضوء، ولا يصحُّ أن يكون هذا منهم بطريق القياس لأنَّه يكون قياسًا بلا جامعٍ

يظهر أثره؛ وذلك لأنَّ حكم الأصل على تقدير القياس وجوب المسح، ومحلُّه المسح، وحكم الفرع وجوب الحلق، ومحلُّه الحلق للتَّحلُّل، ولا يظنُّ أنَّ محلَّ الحكم الرَّأس؛ إذ لا يتَّحد الفرع والأصل؛ وذلك أنَّ الأصل والفرع هما محلَّا الحكم المُشبَّه به والمُشبَّه، والحكم هو الوجوب مثلًا، ولا قياس يُتصوَّر مع (١) اتِّحاد محلِّه؛ إذ لا اثنينيَّة، وحينئذٍ فحكم الأصل -وهو وجوب المسح- ليس فيه معنًى يوجب جواز قصره على الرُّبع، وإنَّما فيه نفس النَّصِّ الوارد فيه؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بناءً إمَّا على الإجمال والتحاق حديث المغيرة بيانًا، أو على عدمه، والمفاد بسبب الباء إلصاق اليد كلِّها بالرَّأس لأنَّ الفعل حينئذٍ يصير متعدِّيًا إلى الآلة بنفسه فيشملها، وتمام اليد يستوعب الرُّبع عادةً فيتعيَّن (٢) قدره، لا أنَّ فيه معنًى ظهر أثره في الاكتفاء بالرُّبع أو بالبعض مطلقًا، أو تعيَّن الكلُّ وهو متحقِّقٌ (٣) في وجوب حلقها عند التَّحلُّل من الإحرام ليتعدَّى الاكتفاء بالرُّبع من المسح إلى الحلق، وكذا الآخران، وإذا انتفت صحَّة القياس فالمرجع في كلٍّ من المسحة وحلق التَّحلُّل ما يفيده نصُّه (٤) الوارد فيه، والوارد في المسح دخلت فيه الباء على الرَّأس التي هي المحلُّ، فأوجب عند الشَّافعيِّ (٥) التَّبعيض، وعندنا وعند مالكٍ، لا بل الإلصاق، غير أنَّا لاحظنا تعدِّي الفعل للآلة، فيجب قدرها من الرَّأس، ولم يلاحظها مالكٌ رحمه الله تعالى، فاستوعب الكلَّ، أو جعلها صلةً كما في: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] في آية التَّيمُّم، فاقتضى وجوب استيعاب المسح، وأمَّا الوارد في الحلق فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] من غير باءٍ، ففيها: إشارةٌ إلى طلب تحليق الرُّؤوس أو تقصيرها، وليس فيها ما هو الموجب بطريق التَّبعيض على اختلافه عندنا وعند الشَّافعيِّ، وهو دخول الباء على المحلِّ، ومِنَ السُّنَّة فعلُه ؛ وهو الاستيعاب، فكان مقتضى الدَّليل في الحلق وجوب

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالثَّالِثَةُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَطَاءٍ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِيُّ عَنْ ابْنِ خُثَيْمٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ . وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنِي ابْنُ خُثَيْمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ . وَقَالَ عَفَّانُ: أُرَاهُ عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ . وَقَالَ حَمَّادٌ: عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ) (١) - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُفْتُ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي: الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، كَذَا قَالَ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ أَصْلُ الْحَدِيثِ لَا خُصُوصُ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحَلْقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي ابْنُ خُثَيْمٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى طَرِيقِهِ مَوْصُولَةً.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَفَّانُ: أُرَاهُ عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) الْقَائِلُ أُرَاهُ هُوَ الْبُخَارِيُّ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ بِدُونِهَا. وَلَفْظُهُ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ وَلَمْ أَنْحَرْ. قَالَ: لَا حَرَجَ: فَانْحَرْ. وَجَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: فَارْمِ وَلَا حَرَجَ. وَزَعَمَ خَلَفٌ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ فِيهِ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ وَالْمُرَادُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى ابْنِ خُثَيْمٍ هَلْ شَيْخُهُ فِيهِ عَطَاءٌ أَوْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، كَمَا اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَطَاءٍ هَلْ شَيْخُهُ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْ جَابِرٌ، فَالَّذِي يَتَبَيَّنُ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ تَرْجِيحُ كَوْنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ كَوْنِهِ عَنْ عَطَاءٍ وَأَنَّ الَّذِي يُخَالِفُ ذَلِكَ شَاذٌّ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِإِيرَادِهِ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ. وَفِي رِوَايَةِ عَفَّانَ هَذِهِ الدِّلَالَةُ عَلَى تَعَدُّدِ السَّائِلِينَ عَنِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادٌ) يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ إِلَخْ. هَذِهِ الطَّرِيقُ وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ، والطَّحَاوِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ نَحْوَ سِيَاقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رَفِيعٍ، وَالطَّرِيقُ الرَّابِعَةُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْأَعْلَى) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَخَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اسْتَظْهَرَ بِهِ لِمَا وَقَعَ فِي طَرِيقِ عَطَاءٍ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْلًا آخَرَ. وَفِي طَرِيقِ عِكْرِمَةَ هَذِهِ زِيَادَةُ حُكْمِ الرَّمْيِ بَعْدَ الْمَسَاءِ فَإِنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ نَهَارًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ.

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي: بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ فِيهِ: لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ؛ لِأَنَّ بُلُوغَ الْهَدْيِ مَحِلَّهُ يَدُلُّ عَلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ فَلَوْ تَقَدَّمَ الْحَلْقُ عَلَيْهِ لَصَارَ مُتَحَلِّلًا قَبْلَ بُلُوغِ الْهَدْيِ مَحِلَّهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الذَّبْحِ عَلَى الْحَلْقِ، وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ فَهُوَ رُخْصَةٌ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَفَلَتْ) بِفَاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَهَا فَاءٌ، ثُمَّ لَامٌ خَفِيفَةٌ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ أَيْ: تَتَبَّعَتِ الْقَمْلَ مِنْهُ.

١٢٦ - بَاب مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَحَلَقَ

١٧٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَحَلَقَ) أَيْ: بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِحْلَالِ، قِيلَ: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ لَبَّدَ هَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ أَوْ لَا؟ فَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنِ الْجُمْهُورِ تَعَيُّنَ ذَلِكَ حَتَّى عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]» (وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ لَمْ يَحِلَّ) من إحرامه (حَتَّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ) بكسر الحاء، وهذا (١) موضع التَّرجمة لأنَّ بلوغ الهدي محلَّه يدلُّ على ذبح الهدي، فلو تقدَّم الحلق عليه لصار متحلِّلًا قبل بلوغ الهدي محلَّه، وهذا هو الأصل؛ وهو تقديم الذَّبح على الحلق، وأمَّا تأخيره فهو رخصةٌ، والله أعلم (٢).

(١٢٦) (بابُ مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ) بتشديد المُوحَّدة، أي: شعره (٣)؛ وهو أن يجعل فيه ما يمنعه من الانتتاف كالصَّمغ في الغاسول، ثمَّ يلطِّخ به رأسه (عِنْدَ الإِحْرَامِ وَحَلَقَ) أي: رأسه بعد ذلك عند الإحلال، والجمهور: على أنَّ من لبَّد رأسه وجب عليه الحلق كما فعل النَّبيُّ ، وبذلك أمر عمر بن الخطَّاب النَّاس، والصَّحيح عند الشَّافعيَّة أنَّه مُستحَبٌّ (٤).

١٧٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ) أمِّ المؤمنين ( أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا) من الحجِّ (بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ) بكسر اللَّام الأولى (أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ) التي مع حجَّتك، وقيل: «من» بمعنى: الباء، أي: بعمرتك، وضعَّفه ابن دقيق العيد من جهة أنَّه أقام حرفًا مقام حرفٍ، وهي طريقةٌ كوفيَّةٌ، وأُجيب بأنَّه ورد في قوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمر الله (قَالَ: إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي) بوضع القلادة في عنقه (فَلَا أَحِلُّ) بفتح الهمزة وكسر الحاء من إحرامي (حَتَّى أَنْحَرَ) الهدي يوم النَّحر.

وليس في هذا الحديث ذكر الحلق المذكور في التَّرجمة، فقيل: إنَّه معلومٌ من حاله (٥)

أنَّه في حجَّة الوداع حلق رأسه؛ كما سيأتي صريحًا إن شاء الله تعالى في أوَّل الباب التَّالي (١)، وقد سبق هذا الحديث في «باب التَّمتُّع والقران» [خ¦١٥٦٦] (٢)، وقد أخرجه الجماعة إلَّا التِّرمذيَّ.

(١٢٧) (بابُ الحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإِحْلَالِ) من الإحرام، وهو نسكٌ، لا استباحة محظورٍ للدُّعاء لفاعله بالرَّحمة كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦١٧٢٧] والدُّعاء ثوابٌ، والثَّواب إنَّما يكون على العبادات لا على المباحات (٣)، ولتفضيله أيضًا على التَّقصير؛ إذ المباحات لا تتفاضل، ولا تحلُّل للحجِّ والعمرة بدونه كسائر أركانهما، إلَّا لمن لا شعر برأسه، فيتحلَّل منهما بدونه، والحلق أفضل للرِّجال -كما سيأتي- (٤) فلا يُؤمَر به بعد نبات شعره، ولا يفدي عاجزٌ عن أخذه لجراحةٍ أو نحوها، بل يصبر إلى قدرته، ولا يسقط عنه، ويُستحَبُّ لمن لا شعر برأسه أن يُمِرَّ الموسى عليه تشبيهًا بالحالقين، وليس بفرضٍ عند الحنفيَّة، بل هو واجبٌ، وقيل: مُستحَبٌّ، وأقلُّ ما يجزئ عند الشَّافعيَّة: ثلاث شعراتٍ، وعند أبي حنيفة: ربع الرَّأس، وعند أبي يوسف: النِّصف، وعند أحمد: أكثرها، وعند المالكيَّة: (٥) جميع شعر رأسه، ويستوعبه بالتَّقصير من قرب أصله، قال العلَّامة الكمال بن الهمام: اتَّفق الأئمَّة الثَّلاثة -أبو حنيفة ومالكٌ والشَّافعيُّ- أنْ قال كلٌّ منهم بأنَّه (٦) يجزئ في الحلق القدر الذي قال: إنَّه يجزئ في الوضوء، ولا يصحُّ أن يكون هذا منهم بطريق القياس لأنَّه يكون قياسًا بلا جامعٍ

يظهر أثره؛ وذلك لأنَّ حكم الأصل على تقدير القياس وجوب المسح، ومحلُّه المسح، وحكم الفرع وجوب الحلق، ومحلُّه الحلق للتَّحلُّل، ولا يظنُّ أنَّ محلَّ الحكم الرَّأس؛ إذ لا يتَّحد الفرع والأصل؛ وذلك أنَّ الأصل والفرع هما محلَّا الحكم المُشبَّه به والمُشبَّه، والحكم هو الوجوب مثلًا، ولا قياس يُتصوَّر مع (١) اتِّحاد محلِّه؛ إذ لا اثنينيَّة، وحينئذٍ فحكم الأصل -وهو وجوب المسح- ليس فيه معنًى يوجب جواز قصره على الرُّبع، وإنَّما فيه نفس النَّصِّ الوارد فيه؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بناءً إمَّا على الإجمال والتحاق حديث المغيرة بيانًا، أو على عدمه، والمفاد بسبب الباء إلصاق اليد كلِّها بالرَّأس لأنَّ الفعل حينئذٍ يصير متعدِّيًا إلى الآلة بنفسه فيشملها، وتمام اليد يستوعب الرُّبع عادةً فيتعيَّن (٢) قدره، لا أنَّ فيه معنًى ظهر أثره في الاكتفاء بالرُّبع أو بالبعض مطلقًا، أو تعيَّن الكلُّ وهو متحقِّقٌ (٣) في وجوب حلقها عند التَّحلُّل من الإحرام ليتعدَّى الاكتفاء بالرُّبع من المسح إلى الحلق، وكذا الآخران، وإذا انتفت صحَّة القياس فالمرجع في كلٍّ من المسحة وحلق التَّحلُّل ما يفيده نصُّه (٤) الوارد فيه، والوارد في المسح دخلت فيه الباء على الرَّأس التي هي المحلُّ، فأوجب عند الشَّافعيِّ (٥) التَّبعيض، وعندنا وعند مالكٍ، لا بل الإلصاق، غير أنَّا لاحظنا تعدِّي الفعل للآلة، فيجب قدرها من الرَّأس، ولم يلاحظها مالكٌ رحمه الله تعالى، فاستوعب الكلَّ، أو جعلها صلةً كما في: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] في آية التَّيمُّم، فاقتضى وجوب استيعاب المسح، وأمَّا الوارد في الحلق فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] من غير باءٍ، ففيها: إشارةٌ إلى طلب تحليق الرُّؤوس أو تقصيرها، وليس فيها ما هو الموجب بطريق التَّبعيض على اختلافه عندنا وعند الشَّافعيِّ، وهو دخول الباء على المحلِّ، ومِنَ السُّنَّة فعلُه ؛ وهو الاستيعاب، فكان مقتضى الدَّليل في الحلق وجوب

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل