الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٧٢
الحديث رقم ١٧٧٢ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الادلاج من المحصب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﷽
بَابُ الْعُمْرَةِ
وُجُوبُ الْعُمْرَةِ وَفَضْلُهَا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللهِ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ﴾.
١٧٧٢ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ : وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أن طافت طواف الإفاضة يوم النَّحر (لَيْلَةَ النَّفْرِ) من منًى (فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي) بضمِّ الهمزة: ما أظنُّ نفسي (إِلَّا حَابِسَتَكُمْ) عن الرِّحلة إلى المدينة لانتظار طهري وطوافي للوداع، فظنَّت أنَّ طواف الوداع لا يسقط عن الحائض، قال الزَّمخشريُّ في «الفائق»: مفعولا «أُرَى» (١): الضَّمير والمستثنى، وإلَّا لغوٌ، قال الأشرف: يمكن (٢) ألَّا يجعل الاستثناء لغوًا، والمعنى: ما أُراني على حالةٍ أو صفةٍ إلَّا على حالة أو صفة كوني حابستكم، وتعقَّبه الطِّيبيُّ فقال: لم يُرِد باللَّغو أنَّ «إلَّا» زائدةٌ، بل أنَّ (٣) المستثنى معمول الفعل المذكور ولذلك (٤) سُمِّي مُفرَّغًا (٥) (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَقْرَى حَلْقَى) بفتح أوَّلهما من غير تنوينٍ، وجوَّزه أهل اللُّغة (أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ) طواف الإفاضة؟ (قِيلَ: نَعَمْ) طافت (قَالَ: فَانْفِرِي) بكسر الفاء، أي: ارحلي.
ورواة هذا الحديث إلى عائشة كوفيُّون، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
١٧٧٢ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي (٦): المؤلِّف: (وَزَادَنِي) في الحديث المذكور (مُحَمَّدٌ) وفي رواية ابن السَّكن: «محمَّد بن سلام» وقال الغسَّانيُّ: هو ابن يحيى الذُّهليُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ) بضمِّ الميم وكسر الضَّاد المعجمة ابن المُوَرِّع -بضمِّ الميم وفتح الواو وكسر الرَّاء المُشدَّدة ثمَّ عينٍ
مهملةٍ- الهمدانيُّ الياميُّ الكوفيُّ، قال النَّسائيُّ: ليس به بأسٌ، وقال أحمد: كان مغفلًا ولم يكن من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتمٍ: ليس بمتينٍ يُكتَب حديثه، وقال أبو زرعة: صدوق الحديث، وقد أخرج له المؤلِّف حديثين بصورة التَّعليق الموصول (١) عن بعض شيوخه عنه؛ أحدهما هذا، والآخر في «البيوع» [خ¦٥١/ ١٢ - ٤٠٤٥] وعلَّق له غيرهما، وروى له مسلمٌ حديثًا واحدًا في «كتاب الأحكام»: عن خالدٍ الحذَّاء مقرونًا بغيره، وروى له التِّرمذيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ) بالنُّون ونصب «الحجَّ» (فَلَمَّا قَدِمْنَا) مكَّة (أَمَرَنَا) ﷺ (أَنْ نَحِلَّ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أي: من إحرامنا (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ) يوم (النَّفْرِ) من منًى (حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) ﵂ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: حَلْقَى عَقْرَى) في السَّابقة [خ¦١٧٧١]: تقديم المُؤخَّر (مَا أُرَاهَا) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظنُّ صفيَّة (إِلَّا حَابِسَتَكُمْ، ثُمَّ قال: كُنْتِ طُفْتِ) بحذف همزة الاستفهام (يَوْمَ النَّحْرِ) طواف الإفاضة؟ (قَالَتْ) صفيَّة: (نَعَمْ) طفت (قَالَ): (فَانْفِرِي) بكسر الفاء: ارحلي، قالت عائشة: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمْ أَكُنْ حَلَلْتُ) أي: حين قدمت مكَّة لأنِّي لم أكن تمتَّعت، بل كنت قارنةً (قَالَ) لها ﵊: (فَاعْتَمِرِي مِنَ التَّنْعِيمِ) وإنَّما أمرها بالاعتمار لتطييب قلبها حيث أرادت أن تكون (٢) لها عمرةٌ مستقلَّةٌ كسائر أمَّهات المؤمنين (فَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، قالت عائشة: (فَلَقِينَاهُ) أي: النَّبيَّ ﷺ بعد ما قضيت العمرة ورجعنا إلى المنزل، حال كونه (مُدَّلِجًا) بتشديد الدَّال، أي: سائرًا من آخر اللَّيل إلى مكَّة لطواف الوداع (فَقَالَ) ﵊ لها: (مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) بنصب: «مكانَ» على الظَّرفيَّة، وفي بعض النُّسخ: «مكانُ» بالرَّفع خبر «موعدُك»، والمراد: موضع المنزلة، أي: أنَّه ﷺ لمَّا لقيها قال لعائشة: موضع المنزلة كذا وكذا؛ يعني: تكون الملاقاة هناك، حتَّى إذا عاد ﷺ من طوافه يجتمع بها هناك للرَّحيل.
((٢٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذرٍّ، وثبتت لغيره (بَابُ العَُمُْرَةِ) بضمِّ العين مع ضمِّ الميم وإسكانها وبفتح العين وإسكان الميم، وهي في اللُّغة: الزِّيارة، وقِيل: القصد إلى مكانٍ عامرٍ، وفي الشَّرع: قصد الكعبة للنُّسك بشروطٍ مخصوصةٍ (وُجُوبِ العُمْرَةِ وَفَضْلِهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «باب وجوب العمرة وفضلها» ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أبواب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها (١)» وسقط عنده عن غيره (٢) «أبواب العمرة»، وللأَصيليِّ وكريمة: «باب العمرة وفضلها» حسب (٣)، وسقط لابن عساكر «باب العمرة».
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄) ممَّا وصله ابن خزيمة والدَّارقطنيُّ والحاكم: (لَيْسَ) من خلق الله (٤) (أَحَدٌ) من المُكلَّفين (إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) واجبتان مع الاستطاعة (٥).
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄) ممَّا وصله إمامنا الشَّافعيُّ وسعيد بن منصورٍ، كلاهما عن سفيان بن عُيَيْنَةَ عن عمرو بن دينارٍ، سمعت طاوسًا يقول: سمعت ابن عبَّاسٍ يقول: والله (إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللهِ) ﷿ (﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) الضَّمير الأوَّل في قوله: «إنَّها (٦) لقرينتها»
للعمرة، والثَّاني: لفريضة الحجِّ، والأصل: لقَرينتُه؛ أي (١): لَقرينةُ الحجِّ، لكن (٢) قُصِد التَّشاكل فأُخرِج على هذا الوجه بالتَّأويل، فوجوب العمرة من عطفها على الحجِّ الواجب، وأيضًا إذا كان الإتمام واجبًا كان الابتداء واجبًا، وأيضًا معنى ﴿وَأَتِمُّواْ﴾: أقيموا، وقال الشَّافعيُّ فيما قرأته في «المعرفة» للبيهقيِّ: والذي هو أشبهُ بظاهر القرآن وأَوْلى بأهل العلم عندي، وأسأل الله التَّوفيق أن تكون العمرةُ واجبةً بأنَّ الله تعالى قرنها مع الحجِّ (٣)، فقال تعالى: (﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾) وأنَّ رسول الله ﷺ اعتمر قبل أن يحجَّ، وأنَّ رسول الله ﷺ سنَّ إحرامها والخروج منها بطوافٍ وسعيٍ وحِلَاقٍ (٤) وميقاتٍ، وفي الحجِّ زيادةُ عملٍ على العمرة، وظاهر القرآن أولى إذا لم تكن دلالةٌ. انتهى. وقول التِّرمذيِّ عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: العمرة سنَّةٌ، لا نعلم أحدًا رخَّص في تركها، وليس فيها شيءٌ ثابتٌ بأنَّها تطوُّعٌ، لا يريد به أنَّها ليست واجبةً؛ بدليل قوله: لا نعلم أحدًا رخَّص في تركها لأنَّ السُّنَّة التي يُراد بها خلاف الواجب يُرخَّص في تركها قطعًا، والسُّنَّة تُطلَق ويُراد بها: الطَّريقة، قاله الزَّين العراقيُّ. ومذهب الحنابلة: الوجوب كالحجِّ، ذكره الأصحاب، قال الزَّركشيُّ منهم: جزم به جمهور الأصحاب، وعنه: أنَّها سنَّةٌ، والمشهور عن المالكيَّة: أنَّ العمرة تطوُّعٌ، وهو قول الحنفيَّة. لنا: ما سبق، وحديث زيد ابن ثابتٍ عند الحاكم والدَّارقطنيِّ قال: قال رسول الله ﷺ: «الحجُّ والعمرة فريضتان»، لكن قال الحاكم: الصَّحيح عن زيد بن ثابتٍ من قوله. انتهى. وفيه: إسماعيل بن مسلمٍ ضعَّفوه، وأخرج الدَّارقطنيُّ عن عمر بن الخطَّاب ﵁: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وأن تقيم الصَّلاة، وتؤتي الزَّكاة، وأن تحجَّ وتعتمر، قال الدَّارقطنيُّ: إسناده صحيحٌ، وحديثٌ (٥) عن
عائشة عند ابن ماجه والبيهقيِّ وغيرهما بأسانيد صحيحةٍ: قالت: قلت: يا رسول الله؛ هل على النِّساء جهادٌ؟ قال: «نعم، جهادٌ لا قتال فيه: الحجُّ والعمرة»، وروى التِّرمذيُّ وصحَّحه: أنَّ أبا رَزِينٍ لَقِيط بن عامرٍ العُقَيليَّ أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجَّ ولا العمرة ولا الظَّعن؟ قال: «حجَّ عن أبيك واعتمر»، واحتجَّ القائلون بالسُّنِّيَّة: بحديث (١): «بني الإسلام على خمسٍ» [خ¦٨]، فذكر الحجَّ دون العمرة، وأجابوا عن ثبوتها في حديث الدَّارقطنيِّ بأنَّها شاذَّةٌ، وبحديث الحجَّاج بن أرطاة عن محمَّد بن المنكدر عن جابرٍ عند التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ- قال: سُئِل رسول الله ﷺ عن العمرة: أواجبةٌ هي؟ قال: «لا، وإن تعتمر فهو أفضل»، لكن قال في «شرح المُهذَّب»: اتَّفق الحفَّاظ على أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، ولا يغترَّ بقول التِّرمذيِّ فيه: حسنٌ صحيحٌ، وقال العلَّامة الكمال ابن الهمام في «فتح القدير»: إنَّه لا ينزل عن كونه حسنًا، والحسن حجَّةٌ اتِّفاقًا، وإن قال الدَّارقطنيُّ: الحجَّاج بن أرطاة لا يُحتَجُّ به فقد اتَّفقت الرِّوايات عن التِّرمذيِّ على تحسين حديثه هذا، وقد رواه ابن جريجٍ عن محمَّد بن المنكدر عن جابرٍ، وأخرجه الطَّبرانيُّ في «الصَّغير» والدَّارقطنيُّ بطريقٍ آخر عن جابرٍ، فيه يحيى بن أيُّوب وضعَّفه، وروى عبد الباقي ابن قانعٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الحجُّ جهادٌ والعمرة تطوُّعٌ»، وهو أيضًا حجَّةٌ، وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁: الحجُّ فريضةٌ والعمرة تطوُّعٌ، وكفى بعبد الله قدوةً، وتعدُّد طرق حديث التِّرمذيِّ الذي اتَّفقت الرِّوايات على تحسينه ترفعه إلى درجة الصَّحيح، كما أنَّ تعدُّد طرق الضَّعيف ترفعه إلى الحسن، فقام ركن المعارضة، والافتراض لا يثبت مع المعارضة لأنَّ المعارضة تمنعه من إثبات مقتضاه، ولا يخفى أنَّ المراد من قول الشَّافعيِّ: الفرض الظَّنِّيُّ هو الوجوب عندنا، ومقتضى ما ذكرناه: ألَّا يثبت مقتضى ما رويناه أيضًا للاشتراك في موجب المعارضة، فحاصل التَّقرير حينئذِ: تعارض
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أن طافت طواف الإفاضة يوم النَّحر (لَيْلَةَ النَّفْرِ) من منًى (فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي) بضمِّ الهمزة: ما أظنُّ نفسي (إِلَّا حَابِسَتَكُمْ) عن الرِّحلة إلى المدينة لانتظار طهري وطوافي للوداع، فظنَّت أنَّ طواف الوداع لا يسقط عن الحائض، قال الزَّمخشريُّ في «الفائق»: مفعولا «أُرَى» (١): الضَّمير والمستثنى، وإلَّا لغوٌ، قال الأشرف: يمكن (٢) ألَّا يجعل الاستثناء لغوًا، والمعنى: ما أُراني على حالةٍ أو صفةٍ إلَّا على حالة أو صفة كوني حابستكم، وتعقَّبه الطِّيبيُّ فقال: لم يُرِد باللَّغو أنَّ «إلَّا» زائدةٌ، بل أنَّ (٣) المستثنى معمول الفعل المذكور ولذلك (٤) سُمِّي مُفرَّغًا (٥) (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَقْرَى حَلْقَى) بفتح أوَّلهما من غير تنوينٍ، وجوَّزه أهل اللُّغة (أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ) طواف الإفاضة؟ (قِيلَ: نَعَمْ) طافت (قَالَ: فَانْفِرِي) بكسر الفاء، أي: ارحلي.
ورواة هذا الحديث إلى عائشة كوفيُّون، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
١٧٧٢ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي (٦): المؤلِّف: (وَزَادَنِي) في الحديث المذكور (مُحَمَّدٌ) وفي رواية ابن السَّكن: «محمَّد بن سلام» وقال الغسَّانيُّ: هو ابن يحيى الذُّهليُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ) بضمِّ الميم وكسر الضَّاد المعجمة ابن المُوَرِّع -بضمِّ الميم وفتح الواو وكسر الرَّاء المُشدَّدة ثمَّ عينٍ
مهملةٍ- الهمدانيُّ الياميُّ الكوفيُّ، قال النَّسائيُّ: ليس به بأسٌ، وقال أحمد: كان مغفلًا ولم يكن من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتمٍ: ليس بمتينٍ يُكتَب حديثه، وقال أبو زرعة: صدوق الحديث، وقد أخرج له المؤلِّف حديثين بصورة التَّعليق الموصول (١) عن بعض شيوخه عنه؛ أحدهما هذا، والآخر في «البيوع» [خ¦٥١/ ١٢ - ٤٠٤٥] وعلَّق له غيرهما، وروى له مسلمٌ حديثًا واحدًا في «كتاب الأحكام»: عن خالدٍ الحذَّاء مقرونًا بغيره، وروى له التِّرمذيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ) بالنُّون ونصب «الحجَّ» (فَلَمَّا قَدِمْنَا) مكَّة (أَمَرَنَا) ﷺ (أَنْ نَحِلَّ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أي: من إحرامنا (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ) يوم (النَّفْرِ) من منًى (حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) ﵂ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: حَلْقَى عَقْرَى) في السَّابقة [خ¦١٧٧١]: تقديم المُؤخَّر (مَا أُرَاهَا) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظنُّ صفيَّة (إِلَّا حَابِسَتَكُمْ، ثُمَّ قال: كُنْتِ طُفْتِ) بحذف همزة الاستفهام (يَوْمَ النَّحْرِ) طواف الإفاضة؟ (قَالَتْ) صفيَّة: (نَعَمْ) طفت (قَالَ): (فَانْفِرِي) بكسر الفاء: ارحلي، قالت عائشة: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمْ أَكُنْ حَلَلْتُ) أي: حين قدمت مكَّة لأنِّي لم أكن تمتَّعت، بل كنت قارنةً (قَالَ) لها ﵊: (فَاعْتَمِرِي مِنَ التَّنْعِيمِ) وإنَّما أمرها بالاعتمار لتطييب قلبها حيث أرادت أن تكون (٢) لها عمرةٌ مستقلَّةٌ كسائر أمَّهات المؤمنين (فَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، قالت عائشة: (فَلَقِينَاهُ) أي: النَّبيَّ ﷺ بعد ما قضيت العمرة ورجعنا إلى المنزل، حال كونه (مُدَّلِجًا) بتشديد الدَّال، أي: سائرًا من آخر اللَّيل إلى مكَّة لطواف الوداع (فَقَالَ) ﵊ لها: (مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) بنصب: «مكانَ» على الظَّرفيَّة، وفي بعض النُّسخ: «مكانُ» بالرَّفع خبر «موعدُك»، والمراد: موضع المنزلة، أي: أنَّه ﷺ لمَّا لقيها قال لعائشة: موضع المنزلة كذا وكذا؛ يعني: تكون الملاقاة هناك، حتَّى إذا عاد ﷺ من طوافه يجتمع بها هناك للرَّحيل.
((٢٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذرٍّ، وثبتت لغيره (بَابُ العَُمُْرَةِ) بضمِّ العين مع ضمِّ الميم وإسكانها وبفتح العين وإسكان الميم، وهي في اللُّغة: الزِّيارة، وقِيل: القصد إلى مكانٍ عامرٍ، وفي الشَّرع: قصد الكعبة للنُّسك بشروطٍ مخصوصةٍ (وُجُوبِ العُمْرَةِ وَفَضْلِهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «باب وجوب العمرة وفضلها» ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أبواب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها (١)» وسقط عنده عن غيره (٢) «أبواب العمرة»، وللأَصيليِّ وكريمة: «باب العمرة وفضلها» حسب (٣)، وسقط لابن عساكر «باب العمرة».
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄) ممَّا وصله ابن خزيمة والدَّارقطنيُّ والحاكم: (لَيْسَ) من خلق الله (٤) (أَحَدٌ) من المُكلَّفين (إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) واجبتان مع الاستطاعة (٥).
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄) ممَّا وصله إمامنا الشَّافعيُّ وسعيد بن منصورٍ، كلاهما عن سفيان بن عُيَيْنَةَ عن عمرو بن دينارٍ، سمعت طاوسًا يقول: سمعت ابن عبَّاسٍ يقول: والله (إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللهِ) ﷿ (﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) الضَّمير الأوَّل في قوله: «إنَّها (٦) لقرينتها»
للعمرة، والثَّاني: لفريضة الحجِّ، والأصل: لقَرينتُه؛ أي (١): لَقرينةُ الحجِّ، لكن (٢) قُصِد التَّشاكل فأُخرِج على هذا الوجه بالتَّأويل، فوجوب العمرة من عطفها على الحجِّ الواجب، وأيضًا إذا كان الإتمام واجبًا كان الابتداء واجبًا، وأيضًا معنى ﴿وَأَتِمُّواْ﴾: أقيموا، وقال الشَّافعيُّ فيما قرأته في «المعرفة» للبيهقيِّ: والذي هو أشبهُ بظاهر القرآن وأَوْلى بأهل العلم عندي، وأسأل الله التَّوفيق أن تكون العمرةُ واجبةً بأنَّ الله تعالى قرنها مع الحجِّ (٣)، فقال تعالى: (﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾) وأنَّ رسول الله ﷺ اعتمر قبل أن يحجَّ، وأنَّ رسول الله ﷺ سنَّ إحرامها والخروج منها بطوافٍ وسعيٍ وحِلَاقٍ (٤) وميقاتٍ، وفي الحجِّ زيادةُ عملٍ على العمرة، وظاهر القرآن أولى إذا لم تكن دلالةٌ. انتهى. وقول التِّرمذيِّ عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: العمرة سنَّةٌ، لا نعلم أحدًا رخَّص في تركها، وليس فيها شيءٌ ثابتٌ بأنَّها تطوُّعٌ، لا يريد به أنَّها ليست واجبةً؛ بدليل قوله: لا نعلم أحدًا رخَّص في تركها لأنَّ السُّنَّة التي يُراد بها خلاف الواجب يُرخَّص في تركها قطعًا، والسُّنَّة تُطلَق ويُراد بها: الطَّريقة، قاله الزَّين العراقيُّ. ومذهب الحنابلة: الوجوب كالحجِّ، ذكره الأصحاب، قال الزَّركشيُّ منهم: جزم به جمهور الأصحاب، وعنه: أنَّها سنَّةٌ، والمشهور عن المالكيَّة: أنَّ العمرة تطوُّعٌ، وهو قول الحنفيَّة. لنا: ما سبق، وحديث زيد ابن ثابتٍ عند الحاكم والدَّارقطنيِّ قال: قال رسول الله ﷺ: «الحجُّ والعمرة فريضتان»، لكن قال الحاكم: الصَّحيح عن زيد بن ثابتٍ من قوله. انتهى. وفيه: إسماعيل بن مسلمٍ ضعَّفوه، وأخرج الدَّارقطنيُّ عن عمر بن الخطَّاب ﵁: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وأن تقيم الصَّلاة، وتؤتي الزَّكاة، وأن تحجَّ وتعتمر، قال الدَّارقطنيُّ: إسناده صحيحٌ، وحديثٌ (٥) عن
عائشة عند ابن ماجه والبيهقيِّ وغيرهما بأسانيد صحيحةٍ: قالت: قلت: يا رسول الله؛ هل على النِّساء جهادٌ؟ قال: «نعم، جهادٌ لا قتال فيه: الحجُّ والعمرة»، وروى التِّرمذيُّ وصحَّحه: أنَّ أبا رَزِينٍ لَقِيط بن عامرٍ العُقَيليَّ أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجَّ ولا العمرة ولا الظَّعن؟ قال: «حجَّ عن أبيك واعتمر»، واحتجَّ القائلون بالسُّنِّيَّة: بحديث (١): «بني الإسلام على خمسٍ» [خ¦٨]، فذكر الحجَّ دون العمرة، وأجابوا عن ثبوتها في حديث الدَّارقطنيِّ بأنَّها شاذَّةٌ، وبحديث الحجَّاج بن أرطاة عن محمَّد بن المنكدر عن جابرٍ عند التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ- قال: سُئِل رسول الله ﷺ عن العمرة: أواجبةٌ هي؟ قال: «لا، وإن تعتمر فهو أفضل»، لكن قال في «شرح المُهذَّب»: اتَّفق الحفَّاظ على أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، ولا يغترَّ بقول التِّرمذيِّ فيه: حسنٌ صحيحٌ، وقال العلَّامة الكمال ابن الهمام في «فتح القدير»: إنَّه لا ينزل عن كونه حسنًا، والحسن حجَّةٌ اتِّفاقًا، وإن قال الدَّارقطنيُّ: الحجَّاج بن أرطاة لا يُحتَجُّ به فقد اتَّفقت الرِّوايات عن التِّرمذيِّ على تحسين حديثه هذا، وقد رواه ابن جريجٍ عن محمَّد بن المنكدر عن جابرٍ، وأخرجه الطَّبرانيُّ في «الصَّغير» والدَّارقطنيُّ بطريقٍ آخر عن جابرٍ، فيه يحيى بن أيُّوب وضعَّفه، وروى عبد الباقي ابن قانعٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الحجُّ جهادٌ والعمرة تطوُّعٌ»، وهو أيضًا حجَّةٌ، وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁: الحجُّ فريضةٌ والعمرة تطوُّعٌ، وكفى بعبد الله قدوةً، وتعدُّد طرق حديث التِّرمذيِّ الذي اتَّفقت الرِّوايات على تحسينه ترفعه إلى درجة الصَّحيح، كما أنَّ تعدُّد طرق الضَّعيف ترفعه إلى الحسن، فقام ركن المعارضة، والافتراض لا يثبت مع المعارضة لأنَّ المعارضة تمنعه من إثبات مقتضاه، ولا يخفى أنَّ المراد من قول الشَّافعيِّ: الفرض الظَّنِّيُّ هو الوجوب عندنا، ومقتضى ما ذكرناه: ألَّا يثبت مقتضى ما رويناه أيضًا للاشتراك في موجب المعارضة، فحاصل التَّقرير حينئذِ: تعارض