«جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: لَقَدْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٩٤

الحديث رقم ١٥٩٤ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كسوة الكعبة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة، فقال…

«جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ عُمَرُ ، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا، قَالَ: هُمَا الْمَرْآنِ أَقْتَدِي بِهِمَا».

سند حديث: ١٥٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ…

١٥٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة، فقال…

روى أبي وائل شقيق بن سلمة أنه جلس مع شيبة الحَجَبي على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس على هذا الكرسي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر: لقد هممت ألا أترك في الكعبة ذهبًا ولا فضَّةً إلا قسمته، أي قسمتُ ذلك المال، فقال له شيبة: إن صاحبيك النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه لم يفعلا ذلك، قال عمر: هما أي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الرجلان الكاملان لا أخرج عنهما بل أقتدي بهما. وترك ما كان مريدًا له، وهذا من تمام اقتدائه بالسنة، وتعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم وخليفته رضي الله عنه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • اقتداء عمر رضي الله عنه بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنهما.
  • ترك النبي صلى الله عليه وسلم الفاضل من مال الكعبة وعدم تقسيمه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة، فقال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ الْحَبَشَةَ إِذَا خَرَّبُوهُ لَمْ يُعْمَرْ بَعْدَ ذَلِكَ.

٤٨ - بَاب كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ

١٥٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي الْكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ عُمَرُ فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ. قُلْتُ إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا. قَالَ: هُمَا الْمَرآن أَقْتَدِي بِهِمَا

[الحديث ١٥٩٤ - طرفه في: ٧٢٧٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ) أَيْ حُكْمُهَا فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ فِي الطَّرِيقَيْنِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْأُولَى مَعَ نُزُولِهَا لِتَصْرِيحِ سُفْيَانَ بِالتَّحْدِث فِيهَا، وَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ وَاصِلٍ، بَلْ رَوَاهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ) هُوَ ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ الْعَبْدَرِيُّ الْحَجَبِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ نِسْبَةً إِلَى حَجَبِ الْكَعْبَةِ، يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى الْكُرْسِيِّ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ: بَعَثَ مَعِيَ رَجُلٌ بِدَرَاهِمَ هَدِيَّةً إِلَى الْبَيْتِ، فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ وَشَيْبَةُ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ، فَنَاوَلْتُهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: لَكَ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: لَا وَلَوْ كَانَتْ لِي لَمْ آتِكَ بِهَا، قَالَ: أَمَا إِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، فَقَدْ جَلَسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَجْلِسَكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ. فَذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (فِيهَا) أَيِ الْكَعْبَةِ.

قَوْلُهُ: (صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ) أَيْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: غَلِطَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ حِلْيَةُ الْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْكَنْزَ الَّذِي بِهَا، وَهُوَ مَا كَانَ يُهْدَى إِلَيْهَا فَيُدَّخَرَ مَا يَزِيدُ عَنِ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَمُحْبَسَةٌ عَلَيْهَا كَالْقَنَادِيلِ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا فِي غَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُهْدُونَ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمَالَ تَعْظِيمًا لَهَا، فَيَجْتَمِعُ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (إِلَّا قَسَمْتُهُ) أَيِ الْمَالَ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ قَبِيصَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: إِلَّا قَسَمْتُهَا. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الِاعْتِصَامِ: إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أُقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمُحَارِبِيِّ الْمَذْكُورَةِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ الْمَذْكُورَةِ: قُلْتُ: مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ. قَالَ لِمَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاكَ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَكَذَا الْمُحَارِبِيُّ: قَالَ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَأَى مَكَانَهُ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا أَحْوَجُ مِنْكَ إِلَى الْمَالِ فَلَمْ يُحَرِّكَاهُ.

قَوْلُهُ: (هُمَا الْمَرْءَانِ) تَثْنِيَةُ مَرْءٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، وَالرَّاءُ سَاكِنَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، بَعْدَهَا هَمْزَةٌ؛ أَيِ الرَّجُلَانِ.

قَوْلُهُ: (أَقْتَدِي بِهِمَا) فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ تَكْرِيرُ قَوْلِهِ: الْمَرْءَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ فِي الِاعْتِصَامِ: يُقْتَدَى بِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالْمُحَارِبِيِّ فَقَامَ كَمَا هُوَ وَخَرَجَ. وَدَارَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ بَيْنَ عُمَرَ أَيْضًا وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فَيُنْفِقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قَدْ سَبَقَكَ صَاحِبَاكَ، فَلَوْ كَانَ فَضْلًا لَفَعَلَاهُ. لَفْظُ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: فَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللَّهِ مَا ذَاكَ لَكَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: أَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ عُمَرُ لِكَثْرَتِهِ إِنْفَاقَهُ فِي مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ،

ثُمَّ لَمَّا ذُكِّرَ بِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَمْسَكَ، وَإِنَّمَا تَرَكَا ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ مَا جُعِلَ فِي الْكَعْبَةِ وَسُبِّلَ لَهَا يَجْرِي مَجْرَى الْأَوْقَافِ، فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيمُ الْإِسْلَامِ وَتَرْهِيبُ الْعَدُوِّ.

قُلْتُ: أَمَّا التَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ مِنَ الْحَدِيثِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهُ لِذَلِكَ رِعَايَةً لِقُلُوبِ قُرَيْشٍ كَمَا تَرَكَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ وَلَفْظُهُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، الْحَدِيثَ. فَهَذَا التَّعْلِيلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَحَكَى الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ أَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا يَوْمَ الْفَتْحِ سِتِّينَ أُوقِيَّةً، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اسْتَعَنْتَ بِهَا عَلَى حَرْبِكَ فَلَمْ يُحَرِّكْهُ، وَعَلَى هَذَا فَإِنْفَاقُهُ جَائِزٌ كَمَا جَازَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ بِنَاؤُهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ لِزَوَالِ سَبَبِ الِامْتِنَاعِ، وَلَوْلَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

لَأَمْكَنَ أَنْ يُحْمَلَ الْإِنْفَاقُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فَيَرْجِعَ إِلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ التَّحْبِيسِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ عِمَارَةَ الْكَعْبَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاسْتَدَلَّ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ قَنَادِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ عُمْدَةٌ فِي مَالِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ مَا يُهْدَى إِلَيْهَا أَوْ يُنْذَرُ لَهَا، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْكَعْبَةِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَعْلِيقُ قَنَادِيلِهَا فِيهَا، حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي ذَلِكَ: أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ تَعْظِيمًا كَمَا فِي الْمُصْحَفِ، وَالْآخَرُ الْمَنْعُ إِذْ لَمْ يُنْقَلْ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ، فَهَذَا مُشْكِلٌ، لِأَنَّ لِلْكَعْبَةِ مِنَ التَّعْظِيمِ مَا لَيْسَ لِبَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ بِدَلِيلِ تَجْوِيزِ سَتْرِهَا بِالْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَفِي جَوَازِ سَتْرِ الْمَسَاجِدِ بِذَلِكَ خِلَافٌ. ثُمَّ تُمُسِّكَ لِلْجَوَازِ بِمَا وَقَعَ فِي أَيَّامِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ تَذْهِيبِهِ سُقُوفَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، قَالَ: وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَا أَزَالَهُ فِي خِلَافَتِهِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِلْجَوَازِ بِأَنَّ تَحْرِيمَ اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَوَانِي الْمُعَدَّةِ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا، قَالَ: وَلَيْسَ فِي تَحْلِيَةِ الْمَسَاجِدِ بِالْقَنَادِيلِ الذَّهَبِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَنْ كَتَبَ الْقُرْآنَ بِالذَّهَبِ فَقَدْ أَحْسَنَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الذَّهَبِ إِلَّا تَحْرِيمُهُ عَلَى الْأُمَّةِ فِيمَا يُنْسَبُ لِلذَّهَبِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحِلِّ مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الْإِسْرَافِ.

انْتَهَى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ تَجْوِيزَ سَتْرِ الْكَعْبَةِ بِالدِّيبَاجِ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا التَّحْلِيَةُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ فِعْلِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَالْوَلِيدُ لَا حُجَّةَ فِي فِعْلِهِ، وَتَرْكُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ النَّكِيرَ أَوِ الْإِزَالَةَ يَحْتَمِلُ عِدَّةَ مَعَانٍ، فَلَعَلَّهُ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِنْكَارِ خَوْفًا مِنْ سَطْوَةِ الْوَلِيدِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُزِلْهَا لِأَنَّهُ لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْوَلِيدُ جَعَلَ فِي الْكَعْبَةِ صَفَائِحَ، فَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ تَرْكَهَا أَوْلَى، لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ، فَكَأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّى قَلْعُهُ إِلَى إِزْعَاجِ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَتَرَكَهُ، وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ لَا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ لِلْجَوَازِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْحَرَامَ مِنَ الذَّهَبِ إِنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. . .

إِلَخْ، هُوَ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَاسْتِعْمَالَ قَنَادِيلِ الذَّهَبِ هُوَ تَعْلِيقُهَا لِلزِّينَةِ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهَا لِلْإِيقَادِ فَمُمْكِنٌ عَلَى بُعْدٍ، وَتَمَسُّكُهُ بِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ يُشْكِلُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْغَزَالِيَّ قَيَّدَهُ بِمَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الْإِسْرَافِ، وَالْقِنْدِيلُ الْوَاحِدُ مِنَ الذَّهَبِ يَكْتُبُ تَحْلِيَةَ عِدَّةِ مَصَاحِفَ، وَقَدْ أَنْكَرَ السُّبْكِيُّ عَلَى الرَّافِعِيِّ تَمَسُّكَهُ فِي الْمَنْعِ بِكَوْنِ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ السَّلَفِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ تَمَسَّكَ بِذَلِكَ مَضْمُومًا إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ فَلَمَّا اسْتَعْمَلَ السَّلَفُ الْحَرِيرَ فِي الْكَعْبَةِ دُونَ الذَّهَبِ - مَعَ عِنَايَتِهِمْ بِهَا وَتَعْظِيمِهَا - دَلَّ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ عِنْدَهُمْ عَلَى عُمُومِ النَّهْيِ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ، وَالْقَنَادِيلُ مِنَ الْأَوَانِي بِلَا شَكٍّ، وَاسْتِعْمَالُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ لِكِسْوَةِ الْكَعْبَةِ ذِكْرٌ، يَعْنِي فَلَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ:

مَعْنَى التَّرْجَمَةِ صَحِيحٌ، وَوَجْهُهَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْمُلُوكَ فِي كُلِّ زَمَانٍ كَانُوا يَتَفَاخَرُونَ بِكِسْوَةِ الْكَعْبَةِ بِرَفِيعِ الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ بِالذَّهَبِ وَغَيْرِهِ كَمَا يَتَفَاخَرُونَ بِتَسْبِيلِ الْأَمْوَالِ لَهَا، فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا رَأَى قِسْمَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ صَوَابًا كَانَ حُكْمُ الْكِسْوَةِ حُكْمَ الْمَالِ تَجُوزُ قِسْمَتُهَا، بَلْ مَا فَضَلَ مِنْ كِسْوَتِهَا أَوْلَى بِالْقِسْمَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ كِسْوَةَ الْكَعْبَةِ مَشْرُوعٌ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تُقْصَدُ بِالْمَالِ يُوضَعُ فِيهَا عَلَى مَعْنَى الزِّينَةِ إِعْظَامًا لَهَا فَالْكِسْوَةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ، وَيَكُونُ هُنَاكَ طَرِيقٌ مُوَافِقَةً لِلتَّرْجَمَةِ، إِمَّا لِخَلَلِ شَرْطِهَا، وَإِمَّا لِتَبَحُّرِ النَّاظِرِ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ، فَالْمَالُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكِسْوَةُ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا - فَذَكَرَ نَحْوَ مَا قَالَ ابنُ بَطَّالٍ وَزَادَ - فَأَرَادَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وأنْ رَأَى عُمَرُ جَوَازَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَصَالِحِ.

وَأَمَّا التَّرْكُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ شَيْبَةُ فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَنْعِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ جَوَازُ قِسْمَةِ الْكِسْوَةِ الْعَتِيقَةِ، إِذْ فِي بَقَائِهَا تَعْرِيضٌ لِإِتْلَافِهَا، وَلَا جَمَالَ فِي كِسْوَةٍ عَتِيقَةٍ مَطْوِيَّةٍ، قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ رَأْيِ عُمَرَ أَنَّ صَرْفَ الْمَالِ فِي الْمَصَالِحِ آكَدُ مِنْ صَرْفِهِ فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ، لَكِنَّ الْكِسْوَةَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ أَهَمُّ. قَالَ: وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ بَطَّالٍ بِالتَّرْكِ عَلَى إِيجَابِ بَقَاءِ الْأَحْبَاسِ لَا يَتِمُّ إِلَّا إِنْ كَانَ الْقَصْدُ بِمَالِ الْكَعْبَةِ إِقَامَتَهَا وَحِفْظَ أُصُولِهَا إِذَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ مِنْهُ مَنْفَعَةَ أَهْلِ الْكَعْبَةِ وَسَدَنَتِهَا أَوْ إِرْصَادَهُ لِمَصَالِحِ الْحَرَمِ أَوْ لِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ تَحْبِيسٌ لَا نَظِيرَ لَهُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ حَدِيثِ شَيْبَةَ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِسْوَةِ، إِلَّا أَنَّ الْفَاكِهِيَّ رَوَى فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ شَيْبَةُ الْحَجَبِيُّ، فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ تَجْتَمِعُ عِنْدنَا فَتَكْثُرُ، فَنَنْزِعُهَا وَنَحْفِرُ بِئَارًا فَنُعَمِّقُهَا وَنَدْفِنُهَا؛ لِكَيْلا تَلْبَسَهَا الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ، قَالَتْ: بِئْسَمَا صَنَعْتَ، وَلَكِنْ بِعْهَا فَاجْعَلْ ثَمَنَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الْمَسَاكِينِ، فَإِنَّهَا إِذَا نُزِعَتْ عَنْهَا لَمْ يَضُرَّ مَنْ لَبِسَهَا مِنْ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ، فَكَانَ شَيْبَةُ يَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْيَمَنِ فَتُبَاعَ لَهُ فَيَضَعَهَا حَيْثُ أَمَرَتْهُ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ، وَإِسْنَادُ الْفَاكِهِيِّ سَالِمٌ مِنْهُ.

وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خَيْثَمٍ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ يَقْسِمُ مَا سَقَطَ مِنْ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْزِعُ كِسْوَةَ الْبَيْتِ كُلَّ سَنَةٍ فَيَقْسِمُهَا عَلَى الْحَاجِّ. فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

(فَصْلٌ) فِي مَعْرِفَةِ بَدْءِ كِسْوَةِ الْبَيْتِ: رَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ سَبِّ أَسْعَدَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ الْوَصَائِلَ. وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ تُبَّعًا أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ الْوَصَائِلَ فَسُتِرَتْ بِهَا. قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا أَنَّ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ إِسْمَاعِيلَ . وَحَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ بَعْضِ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ عَدْنَانَ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ أَنْصَابَ الْحَرَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ، أَوْ كُسِيَتْ فِي زَمَنِهِ. وَحَكَى الْبَلَاذِرِيُّ أَنَّ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الْأَنْطَاعَ عَدْنَانَ بْنَ أُدٍّ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ: كُسِيَ الْبَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأَنْطَاعَ، ثُمَّ كَسَاهُ رَسُولُ اللَّهِ الِثِيَابَ الْيَمَانِيَّةَ، ثُمَّ كَسَاهُ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ الْقَبَاطِيَّ، ثُمَّ كَسَاهُ الْحَجَّاجُ الدِّيبَاجَ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ

بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَتَتِ امْرَأَةٌ تُجَمِّرُ الْكَعْبَةَ فَاحْتَرَقَتْ ثِيَابُهَا وَكَانَتْ كِسْوَةَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَسَاهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ حَسَنٍ، هُوَ ابْنُ صَالِحٍ، عَنْ لَيْثٍ هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، قَالَ: كَانَتْ كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ الْمُسُوحَ وَالْأَنْطَاعَ. لَيْثٌ ضَعِيفٌ، وَالْحَدِيثُ مُعْضَلٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَجُوزٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَتْ: أُصِيبَ ابْنُ عَفَّانَ وَأَنَا بِنْتُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، قَالَتْ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْبَيْتَ وَمَا عَلَيْهِ كِسْوَةٌ إِلَّا مَا يَكْسُوهُ النَّاسُ الْكِسَاءَ الْأَحْمَرَ يُطْرَحُ عَلَيْهِ وَالثَّوْبَ الْأَبْيَضَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُكْسَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ، يَعْنِي لَمْ يُجَدَّدْ لَهُ كِسْوَةٌ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْسُو بَدَنَهُ الْقَبَاطِيَّ وَالْحِبَرَاتِ يَوْمَ يُقَلِّدُهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ نَزَعَهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ فَنَاطَهَا عَلَى الْكَعْبَةِ. زَادَ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ أَيْضًا. فَلَمَّا كَسَتِ الْأُمَرَاءُ الْكَعْبَةَ جَلَّلَهَا الْقَبَاطِيَّ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ مُطْلَقًا لِلنَّاسِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَنَكْسُوَ الْكَعْبَةَ؟ قَالَتِ: الْأُمَرَاءُ يَكْفُونَكُمْ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الْأَسْلَمِيِّ، هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَإِبْرَاهِيمُ ضَعِيفٌ.

وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ عَنْهُ، عَنْ هِشَامٍ، وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ قَالَ: كَسَاهَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيبَاجَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ أَبِي فَرْوَةَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أُخْبِرْتُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْسُوهَا الْقَبَاطِيَّ، وَأَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَسَاهَا الْقَبَاطِيَّ وَالْحِبَرَاتِ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ. وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: أَصَابَ، مَا نَعْلَمُ لَهَا مِنْ كِسْوَةٍ أَوْفَقَ مِنْهُ. وَرَوَى أَبُو عَرُوبَةَ فِي الْأَوَائِلُ لَهُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ لَبَّسَ الْكَعْبَةَ الْقَبَاطِيَّ النَّبِيُّ . وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ جَسْرَةَ قَالَ: أَصَابَ خَالِدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ لَطِيمَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِيهَا نَمَطٌ مِنْ دِيبَاجٍ، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ فَنِيطَ عَلَيْهَا، فَعَلَى هَذَا هُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ الدِّيبَاجَ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُؤْتَلِفِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ الدِّيبَاجَ نَتِيلَةُ بِنْتُ جَنَابٍ وَالِدَةُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَتْ أَضَلَّتِ الْعَبَّاسَ صَغِيرًا، فَنَذَرَتْ إِنْ وَجَدَتْهُ أَنْ تَكْسُوَ الْكَعْبَةَ الدِّيبَاجَ. وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّهَا أَضَلَّتِ ابْنَهَا ضِرَارَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ شَقِيقَ الْعَبَّاسِ، فَنَذَرَتْ إِنْ وَجَدَتْهُ أَنْ تَكْسُوَ الْبَيْتَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ، فَكَسَتِ الْكَعْبَةَ ثِيَابًا بِيضًا. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ.

وَحَكَى الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ وَالْقَبَاطِيَّ وَالْحِبَرَاتِ، فَكَانَتْ تُكْسَى الدِّيبَاجَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَالْقَبَاطِيَّ فِي آخِرِ رَمَضَانَ، فَحَصَّلْنَا فِي أَوَّلِ مَنْ كَسَاهَا مُطْلَقًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: إِسْمَاعِيلُ، وَعَدْنَانُ، وَتُبَّعٌ، وَهُوَ أَسْعَدُ الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَسَاهَا الْأَنْطَاعَ وَالْوَصَائِلَ، لِأَنَّ الْأَزْرَقِيَّ حَكَى فِي كِتَابِ مَكَّةَ أَي تُبَّعًا أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوَ الْكَعْبَةَ، فَكَسَاهَا الْأَنْطَاعَ، ثُمَّ أُرِيَ أَنْ يَكْسُوَهَا فَكَسَاهَا الْوَصَائِلَ، وَهِيَ ثِيَابٌ حِبَرَةٌ مِنْ عَصَبِ الْيَمَنِ، ثُمَّ كَسَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ - إِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً - بِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا مُطْلَقًا، وَأَمَّا تُبَّعٌ فَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا مَا ذُكِرَ، وَأَمَّا عَدْنَانُ، فَلَعَلَّهُ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا بَعْدَ إِسْمَاعِيلَ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ مَا يُشْعِرُ أَنَّهَا كَانَتْ تُكْسَى فِي رَمَضَانَ، وَحَصَّلْنَا فِي أَوَّلِ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ: خَالِدٌ أَوْ نَتِيلَةُ أَوْ مُعَاوِيَةُ أَوْ يَزِيدُ أَوِ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَوِ الْحَجَّاجُ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا بِأَنَّ كِسْوَةَ خَالِدٍ وَنَتِيلَةَ لَمْ تَشْمَلْهَا كُلَّهَا، وَإِنَّمَا كَانَ فِيمَا كَسَاهَا شَيْءٌ مِنَ الدِّيبَاجِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَلَعَلَّهُ كَسَاهَا فِي آخِرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

معاوية الدِّيباج الخُسْروانيَّ، وكساها المأمون الدِّيباج الأحمر يوم التَّروية، والقباطيَّ يوم هلال رجبٍ، والدِّيباج الأبيض يوم سبعٍ وعشرين من رمضان للفطر، وهكذا كانت تُكسَى في زمن المتوكِّل العباسيِّ، ولمَّا كان زمن النَّاصر العباسيِّ كُسِيت السَّواد من الحرير، فهي تُكسَى ذلك من ذلك الزَّمان وإلى الآن إلَّا أنَّه في سنة ثلاثٍ وأربعين وستِّ مئةٍ قُطِعت من ريحٍ شديدٍ، فكُسِيت ثيابًا من القطن سودًا، وقد ذكر بعضهم حكمةً حسنةً في سواد كسوة الكعبة، فقال: كأنَّه يشير إلى أنَّه فقد أناسًا كانوا حوله، فلبس السَّواد حزنًا عليهم، ولم تزل الملوك تتداول كسوتها إلى أن وقف عليها الصَّالح إسماعيل بن النَّاصر محمَّد بن قلاوون في سنة نيِّفٍ وخمسين وسبع مئةٍ قريةً تُسمَّى بيسوس بضواحي (١) القاهرة في طرف القليوبيَّة ممَّا يلي القاهرة، وأوَّل من كساها من ملوك التُّرك بعد انقضاء الخلافة من بغداد الظَّاهر بيبرس الصَّالحيُّ صاحب مصر.

١٥٩٤ - وبالسَّند (٢) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحَجَبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهُجَيميُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ) الأسديُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ) بن عثمان الحَجَبيِّ -بالحاء المهملة والجيم المفتوحتين- العبدريِّ صاحب مفتاح الكعبة، الصَّحابيِّ.

قال المؤلِّف (١): «ح» (وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة وفتح الصَّاد المهملة ابن عقبة السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا المَجْلِسَ) على هذا الكرسيِّ (عُمَرُ) بن الخطَّاب ( فَقَالَ) عمر : (لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أدَعَ) أي (٢): لا أترك (فِيهَا) أي: في الكعبة (صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ) ذهبًا ولا فضَّةً (إِلَّا قَسَمْتُهُ) بالتَّذكير باعتبار المال، وفي رواية عمر بن شبَّة (٣) في «كتاب مكَّة» عن قبيصة المذكور: «إلَّا قسمتها» وزاد المؤلِّف في «الاعتصام»: «بين المسلمين» [خ¦٧٢٧٥] قال الزَّركشيُّ وغيره: وظنَّ بعضهم أنَّه حليُّ الكعبة، وغلَّطه صاحب «المفهم» بأنَّ ذلك مُحْبَسٌ عليها كقناديلها ونحو ذلك، فلا يجوز صرفه في غيرها، وإنَّما هو الكنز الذي بها وهو ما كان يُهدَى إليها خارجًا عمَّا كانت تحتاج إليه ممَّا يُنفَق فيه، وكانوا يطرحونه في صندوقٍ في البيت، فأراد عمر أن يقسمه بين المسلمين، فقال شيبة: (قُلْتُ) له: (إِنَّ صَاحِبَيْكَ) النَّبيُّ وأبو بكرٍ (لَمْ يَفْعَلَا) ذلك (قَالَ) عمر: (هُمَا) أي: النَّبيُّ وأبو بكرٍ (المَرْءَانِ) الرَّجلان الكاملان لا أخرج عنهما، بل (أَقْتَدِي بِهِمَا) وقد كان لمَّا افتتح مكَّة تَرَكَه رعايةً لقلوب قريشٍ، ثمَّ بقي على ذلك إلى زمن الصِّدِّيق وعمر ، ووقع عند مسلمٍ من حديث عائشة في بناء الكعبة: «لولا أنَّ قومك حديثو عهدٍ بكفرٍ لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله»، وحكى الفاكهيُّ: أنَّه وجد فيها يوم الفتح ستِّين أوقيةً، وعلى هذا فإنفاقه جائزٌ كما جاز لابن الزُّبير بناؤها على القواعد لزوال سبب الامتناع، ولولا قوله في الحديث: «في سبيل الله» لأمكن أن يُحمَل الإنفاق على ما يتعلَّق بها، فيرجع إلى أنَّ حكمه حكم التَّحبيس، ويحتمل أن يُحمَل قوله: «في سبيل الله» على ذلك لأنَّ عمارة الكعبة تصدق على سبيل الله، وليس لكسوة الكعبة في هذا الحديث ذكرٌ، فمن ثمَّ استُشكِل سوق هذا الحديث لهذه التَّرجمة، وأُجيب بأنَّ مقصوده تنبيهٌ على أنَّ (٤) حكمَ الكسوة حكمُ المال بها، فيجوز قسمتها

على أهل الحاجة استنباطًا من رأي عمر قسمة الذَّهب والفضَّة الكائنين بها، وقِيلَ: لأنَّ الكعبة لم تزل مُعظَّمةً تُقصَد بالهدايا تعظيمًا لها، فالكسوة من باب التَّعظيم لها، واختُلِف في الكسوة: هل يجوز التَّصرُّف فيها بالبيع ونحوه؟ فقال أبو (١) الفضل بن عبدان من أصحابنا: لا يجوز قطع شيءٍ من أستار (٢) الكعبة ولا نقله ولا بيعه ولا شراؤه ولا وضعه بين أوراق المصحف، ومن حمل من ذلك شيئًا لزمه ردُّه، وأقرَّه الرَّافعيُّ عليه، قال ابن فرحون من المالكيَّة: وهذا على وجه الاستحسان منه، والنُّصوص تخالفه (٣)، قال الباجيُّ: وقد استحسن (٤) مالكٌ شراء كسوة الكعبة، وقال ابن الصَّلاح: أمر ذلك إلى الإمام، يصرفه في بعض (٥) مصارف بيت المال بيعًا وعطاءً، واحتجَّ بما رواه الأزرقيُّ في «تاريخ مكَّة»: أنَّ عمر بن الخطَّاب كان ينزع كسوة الكعبة كلَّ سنةٍ فيقسمها على الحاجِّ، قال النَّوويُّ: وهو حسنٌ متعيِّنٌ لئلَّا تتلف بالبلى، وبه قال ابن عبَّاسٍ وعائشة وأمُّ سلمة، وجوَّزوا لمن أخذها لبسها ولو حائضًا وجنبًا، ونبَّه في «المهمَّات» على أنَّ ما قاله النَّوويُّ هنا مخالفٌ لما وافق عليه الرَّافعيُّ في آخر الوقف من تصحيح أنَّها تُباع إذا لم يبق فيها جمالٌ، ويُصرَف ثمنها في مصالح المسجد، ثمَّ قال: واعلم أنَّ للمسألة أحوالًا:

أحدها: أن تُوقَف على الكعبة وحكمها ما مرَّ، وخطَّأه غيرُه بأنَّ الذي مرَّ محلُّه فيما إذا كساها الإمام من بيت المال، أمَّا إذا وُقِفت فلا يتعقَّل عالمٌ جواز صرفها في مصالح غير الكعبة.

ثانيها: أن يملِّكها مالكها للكعبة، فلِقيِّمها أن يفعل فيها ما يراه من تعليقها عليها أو بيعها وصرف ثمنها إلى مصالحها.

ثالثها: أن يُوقَف شيءٌ على أن يُؤخَذ ريعه وتُكسَى به الكعبة كما في عصرنا، فإنَّ الإمام قد وقف على ذلك بلادًا، قال: وقد تلخَّص لي في هذه المسألة: أنَّه إن شرط (٦) الواقف شيئًا من

بيعٍ وإعطاءٍ لأحدٍ أو غير ذلك فلا كلام، وإن لم يشترط (١) شيئًا (٢) نُظِر: إن لم يقف النَّاظر تلك فله بيعها وصرف ثمنها في كسوةٍ أخرى، وإن وقفها فيأتي فيها ما مرَّ من الخلاف في البيع، نعم بقي قسمٌ آخر: وهو الواقع اليوم في هذا الوقف، وهو أنَّ الواقف لم يشرط (٣) شيئًا من ذلك، وشرط تجديدها كلَّ سنةٍ، مع علمه بأنَّ بني شيبة كانوا يأخذونها كلَّ سنةٍ لمَّا كانت تُكسَى من بيت المال، فهل يجوز لهم أخذها الآن أو تُباع ويُصرَف ثمنها إلى كسوةٍ أخرى؟ فيه نظرٌ، والمُتجَّه الأوَّل.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا (٤) المؤلِّف في «الاعتصام» [خ¦٧٢٧٥]، وأبو داود في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه.

(٤٩) (بَابُ هَدْمِ الكَعْبَةِ) في آخر الزَّمان (قَالَتْ عَائِشَةُ ) ولغير أبي ذرٍّ: «وقالت عائشة»: (قَالَ النَّبِيُّ : يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ) بفتح الجيم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: لا بالمهملة والمُوحَّدة. انتهى. قلت: ثبت في «اليونينيَّة» في رواية أبي ذرٍّ: «حَبَشٌ» بالحاء المهملة والمُوحَّدة المفتوحتين (فَيُخْسَفُ بِهِمْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح السِّين المهملة، وهذا طرفٌ من حديثٍ وصله في أوائل «البيوع» ولفظه: «يغزو جيش الكعبة، حتَّى إذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسَف بأوَّلهم وآخرهم ثمَّ يُبعَثون على نيَّاتهم» [خ¦٢١١٨] والبيداء: المفازة التي لا شيء فيها، وهي في هذا الحديث: اسم موضعٍ مخصوصٍ بين مكَّة والمدينة، وقوله: «ثمَّ يبعثون على نيَّاتهم» أي: يُخسَف بالكلِّ بشؤم الأشرار، ثمَّ يُعامَل كلٌّ منهم في الحشر بحسب نيَّته وقصده، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَرَادَ البُخَارِيّ بِالْأولِ من تقدم ذكرهم قبل شُعْبَة، وَإِنَّمَا قَالَ: أَكثر، لِاتِّفَاق أُولَئِكَ على اللَّفْظ الْمَذْكُور، وانفراد شُعْبَة بِمَا يخالفهم، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن ظاهرهما التَّعَارُض، لِأَن الأول يدل على أَن الْبَيْت يحجّ بعد أَشْرَاط السَّاعَة. وَالثَّانِي: يدل على أَنه لَا يحجّ، وَيُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَن يُقَال: لَا يلْزم من حج النَّاس بعد خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج أَن يمْتَنع الْحَج فِي وَقت مَا عِنْد قرب ظُهُور السَّاعَة، وَالَّذِي يظْهر، وَالله أعلم، أَن يكون المُرَاد بقوله: (ليحجن الْبَيْت) أَي: مَكَان الْبَيْت، وَيدل على ذَلِك مَا رُوِيَ أَن الْحَبَشَة إِذا خربوه لم يعمر بعد ذَلِك على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقَالَ التَّيْمِيّ: قَالَ البُخَارِيّ: وَالْأول أَكثر، يَعْنِي: الْبَيْت يحجّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

سَمِعَ قَتَادةُ عَبْدَ الله وعَبْدُ الله أبَا سَعِيدٍ

وَفِي بعض النّسخ قَالَ أَبُو عبد الله أَي: البُخَارِيّ نَفسه، سمع قَتَادَة عبد الله بن أبي عُتَيّة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن قَتَادَة لما كَانَ مدلسا صرح بِأَن عنعنته مقرونة بِالسَّمَاعِ. قَوْله: (وَعبد الله) أَي: سمع عبد الله بن أبي عتبَة أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ.

٨٤ - (بابُ كِسْوَةِ الكَعْبَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم التصوف فِي كسْوَة الْكَعْبَة.

٤٩٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ قَالَ حدَّثنا سُفيَانُ قَالَ حَدثنَا واصِلٌ الأحْدَبُ عنْ أبِي وَائِلٍ قَالَ جِئتُ إِلَيّ شَيْبَةَ (ح) وحدَّثنا قَبيصَةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ وَاصِلٍ عنْ أبي وَائِلٍ قَالَ جلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فقالَ لَقَدْ جَلَسَ هاذا المَجْلِسَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فقالَ لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ لَا أدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ ولَا بَيْضَاءَ إلَاّ قَسَمْتُهُ قُلْتُ أنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلا قالَ هُمَا المَرْآنِ أقْتَدِي بِهِمَا.

(الحَدِيث ٤٩٥١ طرفه فِي: ٥٧٢٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من وُجُوه:

الأول: أَنه مَعْلُوم أَن الْمُلُوك فِي كل زمَان كَانُوا يتفاخرون بكسوة الْكَعْبَة برفيع الثِّيَاب المنسوجة بِالذَّهَب وَغَيره، كَمَا يتفاخرون بتسبيل الْأَمْوَال لَهَا، فَأَرَادَ البُخَارِيّ أَن عمر بن الْخطاب لما رأى قسْمَة الذَّهَب وَالْفِضَّة صَوَابا، كَانَ حُكْم الْكسْوَة حُكم المالِ يجوز قسمتهَا، بل مَا فضل من كسوتها أولى بِالْقِسْمَةِ.

الثَّانِي: أَنه يحْتَمل أَن يكون مَقْصُود البُخَارِيّ التَّنْبِيه على أَن كسْوَة الْكَعْبَة مَشْرُوعَة، وَالْحجّة فِيهَا أَنَّهَا لم تزل تقصد بِالْمَالِ فَيُوضَع فِيهَا على معنى الزِّينَة إعظاما لَهَا، فالكسوة من هَذَا الْقَبِيل.

الثَّالِث: أَنه يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ مَا فِي بعض طرق الحَدِيث كعادته، وَيكون هُنَاكَ طَرِيق مُوَافقَة للتَّرْجَمَة وَتَركه إِيَّاه إِمَّا لخلل شَرطه وَإِمَّا لتبحر النَّاظر فِيهِ.

الرَّابِع: أَنه يحْتَمل أَن يكون أَخذه من قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا أخرج حَتَّى أقسم مَال الْكَعْبَة، فَالْمَال يُطلق على كل مَا يتمول بِهِ، فَيدْخل فِيهِ الْكسْوَة.

الْخَامِس: أَنه لَعَلَّ الْكَعْبَة كَانَت مكسوة وَقت جُلُوس عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَحَيْثُ لم يُنكره وقررها دلّ على جَوَازهَا، والترجمة يحْتَمل أَن يُقَال فِيهَا: بَاب فِي مَشْرُوعِيَّة الْكسْوَة كَمَا ذكرنَا.

السَّادِس: أَنه يحْتَمل أَن يكون الحَدِيث مُخْتَصرا طوى فِيهِ ذكر الْكسْوَة.

فَمن هَذِه الْوُجُوه يتَوَجَّه الرَّد على الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي قَوْله: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب لكسوة الْكَعْبَة ذكرٌ، يَعْنِي فَلَا يُطَابق التَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله: وهم: ثَمَانِيَة: الأول: عبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي. الثَّانِي: خَالِد بن الْحَارِث أَبُو عبد الله الحَجبي. الثَّالِث: سُفْيَان الثَّوْريّ فِي الطَّرِيقَيْنِ. الرَّابِع: وأصل بن حَيَّان الأحدب الْأَسدي. الْخَامِس: أَبُو وَائِل شَقِيق ابْن سَلمَة. السَّادِس: شيبَة بن عُثْمَان الحَجبي، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم المفتوحتين، الْعَبدَرِي، أسلم يَوْم الْفَتْح وَأعْطى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ وَلابْن عَمه عُثْمَان بن طَلْحَة مِفْتَاح الْكَعْبَة، وَقَالَ: خذوها يَا بني أبي طَلْحَة خالدة تالدة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، لَا يَأْخُذ مِنْكُم

إِلَّا ظَالِم، وَهُوَ الْآن فِي يَد بني شيبَة، مَاتَ سنة تسع وَخمسين. السَّابِع: قبيصَة بن عقبَة أَبُو عَامر السوَائِي. الثَّامِن: عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه فِي الطَّرِيق الأول من أَفْرَاده، وَقدمه مَعَ أَنه نَازل لتصريح سُفْيَان فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ، وَأَنه بَصرِي. وَفِيه: أَن خَالِدا أَيْضا من أَفْرَاده، وَأَنه أَيْضا بَصرِي وسُفْيَان وواصل وَأَبُو وَائِل كوفيون، وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي شَيْخه قبيصَة وَهُوَ أَيْضا من أَفْرَاده، وَهُوَ كُوفِي. وَفِيه: صحابيان شيبَة وَعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَهَذَا الحَدِيث جعله الْحميدِي وَأَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وقبلهما الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند شيبَة، وَذكره الْمزي أَيْضا فِي مُسْند شيبَة، وَذكره غَيرهم فِي مُسْند عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن عَمْرو بن الْعَبَّاس. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على الْكُرْسِيّ) ، الْكُرْسِيّ وَاحِد الكراسي، وَرُبمَا قَالُوا: كرْسِي بِكَسْر الْكَاف، قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْكُرْسِيّ: مَا يجلس عَلَيْهِ وَلَا يفضل عَن الْقَاعِد، وَلَيْسَت الْيَاء فِيهِ للنسبة، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضُوع على هَيْئَة النِّسْبَة كَمَا فِي زفني وقلطي وبختي وبردي. قَوْله: (أَن لَا أدع) أَي: أَن لَا أترك. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي الْكَعْبَة. قَوْله: (صفراء وَلَا بَيْضَاء) أَي: ذَهَبا وَلَا فضَّة، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: غلط من ظن أَن المُرَاد بذلك حلية الْكَعْبَة، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْكَنْز الَّذِي بهَا، وَهُوَ مَا كَانَ يهدى إِلَيْهَا فيدخر مَا يزِيد عَن الْحَاجة. وَأما الْحلِيّ فمحبّسة عَلَيْهَا كالقناديل، فَلَا يجوز صرفهَا إِلَى غَيرهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يهْدُونَ إِلَى الْكَعْبَة تَعْظِيمًا لَهَا فيجتمع فِيهَا. قَوْله: (إلَاّ قسمته) ، ذكر الضَّمِير بِاعْتِبَار المَال، وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن شيبَة فِي (كتاب مَكَّة) : عَن قبيصَة شيخ البُخَارِيّ فِيهِ: (إِلَّا قسمتهَا) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان عِنْد البُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام (إلَاّ قسمتهَا بَين الْمُسلمين) . وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه: (لَا أخرج حَتَّى أقسم مَال الْكَعْبَة بَين فُقَرَاء الْمُسلمين) . قَوْله: (قلت: إِن صاحبيك لم يفعلا) . الْقَائِل هُوَ شيبَة، وَأَرَادَ بالصاحبين، النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي: (قلت: مَا أَنْت بفاعل! قَالَ: لِمَ؟ قلت: لَمْ يَفْعَله صاحباك) . وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه، (قَالَ: ولِمَ ذَاك؟ قلت: لِأَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قد رأى مَكَانَهُ وَأَبُو بكر، وهما أحْوج مِنْك إِلَى المَال، فَلم يحركاه) . قَوْله: (قَالَ: هما المرآن) أَي: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هما أَي: النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مرآن يَعْنِي: رجلَيْنِ كَامِلين فِي الْمُرُوءَة. قَوْله: (أقتدي بهما) أَي: بالمرأين الْمَذْكُورين، وهما النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَعْنَاهُ لَا أفعل مَا لم يفعلا، وَلَا أتعرض لما لم يتعرضا، وبمثل هَذِه الْقَضِيَّة وَقع بَين أبي بن كَعْب وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وروى عبد الرَّزَّاق من طَرِيق الْحسن (عَن عمر: أَرَادَ أَن يَأْخُذ كنز الْكَعْبَة فينفقه فِي سَبِيل الله، فَقَالَ لَهُ أبي بن كَعْب: قد سَبَقَك صاحباك، فَلَو كَانَ فضلا لفعلاً) . وَفِي لفظ: (فَقَالَ لَهُ أبي بن كَعْب: وَالله مَا ذَاك لَك؟ قَالَ: ولِمَ؟ قَالَ: أقره رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ عمر لكثرته إِنْفَاقه فِي سَبِيل الله وَفِي مَنَافِع الْمُسلمين، ثمَّ لما ذكر بِأَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يتَعَرَّض لَهُ أمسك.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: التَّنْبِيه على مَشْرُوعِيَّة الْكسْوَة. وَفِيه: مَا يدل من قَول عمر أَن صرف المَال فِي الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين آكِد من صرفه فِي كسْوَة الْكَعْبَة، لَكِن الْكسْوَة فِي هَذِه الْأمة أهم، لِأَن الْأُمُور المتقادمة تتأكد حرمتهَا فِي النُّفُوس، وَقد صَار ترك الْكسْوَة فِي الْعرف عضا فِي الْإِسْلَام، وإضعافا لقلوب الْمُسلمين. وَقَالَ ابْن بطال: مَا جعل فِي الْكَعْبَة وسبل لَهَا يجْرِي مجْرى الْأَوْقَاف، فَلَا يجوز تَغْيِيره من وَجهه، وَفِي ذَلِك تَعْظِيم الْإِسْلَام، وترهيب لِلْعَدو. وَفِي (شرح التَّهْذِيب) : قَالَ صَاحب (التَّلْخِيص) : لَا يجوز بيع أَسْتَار الْكَعْبَة المشرفة، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْفضل بن عبد، لِأَنَّهُ لَا يجوز قطع أستارها وَلَا قطع شَيْء من ذَلِك، وَلَا يجوز نَقله، وَلَا بَيْعه وَلَا شِرَاؤُهُ. قَالَ: وَمن عمل شَيْئا من ذَلِك كَمَا يَفْعَله الْعَامَّة، يشترونه من بني شيبَة، لزمَه رده وَوَافَقَهُ على ذَلِك الرَّافِعِيّ، وَقَالَ ابْن الصّلاح: الْأَمر فِيهَا إِلَى الإِمَام يصرفهُ فِي مصارف بَيت المَال بيعا وَعَطَاء، وَاحْتج بِمَا ذكره الْأَزْرَقِيّ: أَن عمر كَانَ ينْزع كسْوَة الْبَيْت كل سنة، فَيقسمهَا على الْحَاج، وَعند الْأَزْرَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، أَنَّهُمَا قَالَا: وَلَا بَأْس أَن يلبس كسوتها من صَارَت

إِلَيْهِ من حَائِض وجنب وَغَيرهمَا، وَكَذَا قالته أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَذكر ابْن أبي شيبَة عَن ابْن أبي ليلى، وَسُئِلَ عَن رجل سرق من الْكَعْبَة، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ قطع؟ وَيُقَال: الظَّاهِر جَوَاز قسْمَة الْكسْوَة العتيقة إِذْ بَقَاؤُهَا تَعْرِيض لفسادها بِخِلَاف النَّقْدَيْنِ.

٩٤ - (بابُ هَدْمِ الكَعْبَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر هدم الْكَعْبَة فِي آخر الزَّمَان.

قالَتْ عَائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ

هَذَا طرف من حَدِيث ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي أَوَائِل الْبيُوع من طَرِيق نَافِع بن جُبَير عَن عَائِشَة بِلَفْظ: (يَغْزُو جَيش الْكَعْبَة حَتَّى إِذا كَانُوا ببيداء من الأَرْض خسف بأولهم وَآخرهمْ، ثمَّ يبعثون على نياتهم) وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

قَوْله: (قَالَت عَائِشَة) ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِغَيْر وَاو، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَالَت، بِالْوَاو، ومطابقة هَذَا الْمُعَلق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن غَزْو الْكَعْبَة فِي هَذَا مُقَدّمَة لهدمها، لِأَن غزوها يَقع مرَّتَيْنِ، فَفِي الأولى: هلاكهم، وَفِي الثَّانِيَة: هدمها، ومقدمة الشَّيْء تَابِعَة لَهُ. فَافْهَم.

٥٩٥١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ الأخْنَسِ قَالَ حدَّثني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كأنِّي بِهِ أسْوَدَ أفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَرا حَجَرا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَليّ بن يحيى بن كثير أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الصَّيْرَفِي. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: عبيد الله بتصغير عبد بن الْأَخْنَس، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح النُّون وَفِي آخِره سين مُهْملَة: أَبُو مَالك النَّخعِيّ. الرَّابِع: عبد الله بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم وَفتح اللَّام: هُوَ عبد الله ابْن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة، واسْمه زُهَيْر التَّيْمِيّ الْأَحول، القَاضِي على عهد ابْن الزبير. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه وَيحيى بصريان وَعبيد الله بن الْأَخْنَس كُوفِي وَابْن أبي مليكَة مكي.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَأَنِّي بِهِ) ، الْكَلَام فِي الضَّمِير فِي لفظ: بِهِ، يحْتَمل ثَلَاثَة أوجه: الأول: أَن يعود إِلَى الْبَيْت، والقرينة الحالية تدل عَلَيْهِ، أَي: كَأَنِّي ملتبس بِهِ. الثَّانِي: أَن يعود إِلَى القالع بِالْقَرِينَةِ الحالية أَيْضا. الثَّالِث: مَا قَالَه الطَّيِّبِيّ، وَهُوَ أَنه ضمير مُبْهَم يفسره مَا بعده على أَنه تَمْيِيز، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فقضاهن سبع سموات} (فصلت: ٢١) . فَإِن ضمير: هن، هُوَ الْمُبْهم الْمُفَسّر: بِسبع سموات، وَهُوَ تَمْيِيز، وَهَذِه الْأَوْجه صَحِيحَة مَاشِيَة على قَاعِدَة الْعَرَبيَّة، فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير حذف، كَمَا قَالَ بَعضهم، وَالَّذِي يظْهر أَن فِي الحَدِيث شَيْئا حذف، ثمَّ أكد كَلَامه بقوله: وَيحْتَمل أَن يكون هُوَ مَا وَقع فِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي (غَرِيب الحَدِيث) لأبي عُبَيْدَة من طَرِيق أبي الْعَالِيَة: (عَن عَليّ، قَالَ: استكثروا من الطّواف بِهَذَا الْبَيْت، قبل أَن يُحَال بَيْنكُم وَبَينه، فَكَأَنِّي بِرَجُل من الْحَبَشَة أصلع أَو قَالَ: أصمع حمش السَّاقَيْن، قَاعد عَلَيْهَا وَهِي تهدم) . وَرَوَاهُ الفاكهي من هَذَا الْوَجْه، وَلَفظه: أصعل، بدل: أصلع، وَقَالَ: قَائِما عَلَيْهَا يَهْدِمهَا بمسحاته، وَرَوَاهُ يحيى الْحمانِي فِي مُسْنده من وَجه آخر عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا. انْتهى. قلت: إِنَّمَا يقدر الْحَذف فِي مَوضِع يحْتَاج إِلَيْهِ للضَّرُورَة، وَلَا ضَرُورَة هَهُنَا، ودعواه الظُّهُور غير ظَاهِرَة لِأَنَّهُ لَا وَجه فِي تَقْدِير مَحْذُوف لَا حَاجَة إِلَيْهِ بِمَا جَاءَ فِي أثر عَن صَحَابِيّ، وَلَا يُقَال الْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، لأَنا نقُول: هَذَا إِنَّمَا يكون عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ، فَلَا احْتِيَاج هَهُنَا إِلَى ذَلِك. قَوْله: (أسود) ، مَرْفُوع، وَفِي رَفعه وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (يقلعها) ، وَالْجُمْلَة حَال بِدُونِ الْوَاو، وَهَذَا على تَقْدِير أَن يكون الضَّمِير فِي: بِهِ، للبيت، وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون ارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، على أَن يكون الضَّمِير للقالع، وَالتَّقْدِير: كَأَنِّي بالقالع هُوَ أسود. وَقَوله: (أفحج) ، خبر بعد خبر، وَيجوز

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ الْحَبَشَةَ إِذَا خَرَّبُوهُ لَمْ يُعْمَرْ بَعْدَ ذَلِكَ.

٤٨ - بَاب كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ

١٥٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي الْكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ عُمَرُ فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ. قُلْتُ إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا. قَالَ: هُمَا الْمَرآن أَقْتَدِي بِهِمَا

[الحديث ١٥٩٤ - طرفه في: ٧٢٧٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ) أَيْ حُكْمُهَا فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ فِي الطَّرِيقَيْنِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْأُولَى مَعَ نُزُولِهَا لِتَصْرِيحِ سُفْيَانَ بِالتَّحْدِث فِيهَا، وَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ وَاصِلٍ، بَلْ رَوَاهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ) هُوَ ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ الْعَبْدَرِيُّ الْحَجَبِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ نِسْبَةً إِلَى حَجَبِ الْكَعْبَةِ، يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى الْكُرْسِيِّ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ: بَعَثَ مَعِيَ رَجُلٌ بِدَرَاهِمَ هَدِيَّةً إِلَى الْبَيْتِ، فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ وَشَيْبَةُ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ، فَنَاوَلْتُهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: لَكَ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: لَا وَلَوْ كَانَتْ لِي لَمْ آتِكَ بِهَا، قَالَ: أَمَا إِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، فَقَدْ جَلَسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَجْلِسَكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ. فَذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (فِيهَا) أَيِ الْكَعْبَةِ.

قَوْلُهُ: (صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ) أَيْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: غَلِطَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ حِلْيَةُ الْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْكَنْزَ الَّذِي بِهَا، وَهُوَ مَا كَانَ يُهْدَى إِلَيْهَا فَيُدَّخَرَ مَا يَزِيدُ عَنِ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَمُحْبَسَةٌ عَلَيْهَا كَالْقَنَادِيلِ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا فِي غَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُهْدُونَ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمَالَ تَعْظِيمًا لَهَا، فَيَجْتَمِعُ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (إِلَّا قَسَمْتُهُ) أَيِ الْمَالَ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ قَبِيصَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: إِلَّا قَسَمْتُهَا. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الِاعْتِصَامِ: إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أُقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمُحَارِبِيِّ الْمَذْكُورَةِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ الْمَذْكُورَةِ: قُلْتُ: مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ. قَالَ لِمَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاكَ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَكَذَا الْمُحَارِبِيُّ: قَالَ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَأَى مَكَانَهُ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا أَحْوَجُ مِنْكَ إِلَى الْمَالِ فَلَمْ يُحَرِّكَاهُ.

قَوْلُهُ: (هُمَا الْمَرْءَانِ) تَثْنِيَةُ مَرْءٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، وَالرَّاءُ سَاكِنَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، بَعْدَهَا هَمْزَةٌ؛ أَيِ الرَّجُلَانِ.

قَوْلُهُ: (أَقْتَدِي بِهِمَا) فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ تَكْرِيرُ قَوْلِهِ: الْمَرْءَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ فِي الِاعْتِصَامِ: يُقْتَدَى بِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالْمُحَارِبِيِّ فَقَامَ كَمَا هُوَ وَخَرَجَ. وَدَارَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ بَيْنَ عُمَرَ أَيْضًا وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فَيُنْفِقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قَدْ سَبَقَكَ صَاحِبَاكَ، فَلَوْ كَانَ فَضْلًا لَفَعَلَاهُ. لَفْظُ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: فَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللَّهِ مَا ذَاكَ لَكَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: أَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ عُمَرُ لِكَثْرَتِهِ إِنْفَاقَهُ فِي مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ،

ثُمَّ لَمَّا ذُكِّرَ بِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَمْسَكَ، وَإِنَّمَا تَرَكَا ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ مَا جُعِلَ فِي الْكَعْبَةِ وَسُبِّلَ لَهَا يَجْرِي مَجْرَى الْأَوْقَافِ، فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيمُ الْإِسْلَامِ وَتَرْهِيبُ الْعَدُوِّ.

قُلْتُ: أَمَّا التَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ مِنَ الْحَدِيثِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهُ لِذَلِكَ رِعَايَةً لِقُلُوبِ قُرَيْشٍ كَمَا تَرَكَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ وَلَفْظُهُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، الْحَدِيثَ. فَهَذَا التَّعْلِيلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَحَكَى الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ أَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا يَوْمَ الْفَتْحِ سِتِّينَ أُوقِيَّةً، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اسْتَعَنْتَ بِهَا عَلَى حَرْبِكَ فَلَمْ يُحَرِّكْهُ، وَعَلَى هَذَا فَإِنْفَاقُهُ جَائِزٌ كَمَا جَازَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ بِنَاؤُهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ لِزَوَالِ سَبَبِ الِامْتِنَاعِ، وَلَوْلَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

لَأَمْكَنَ أَنْ يُحْمَلَ الْإِنْفَاقُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فَيَرْجِعَ إِلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ التَّحْبِيسِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ عِمَارَةَ الْكَعْبَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاسْتَدَلَّ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ قَنَادِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ عُمْدَةٌ فِي مَالِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ مَا يُهْدَى إِلَيْهَا أَوْ يُنْذَرُ لَهَا، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْكَعْبَةِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَعْلِيقُ قَنَادِيلِهَا فِيهَا، حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي ذَلِكَ: أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ تَعْظِيمًا كَمَا فِي الْمُصْحَفِ، وَالْآخَرُ الْمَنْعُ إِذْ لَمْ يُنْقَلْ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ، فَهَذَا مُشْكِلٌ، لِأَنَّ لِلْكَعْبَةِ مِنَ التَّعْظِيمِ مَا لَيْسَ لِبَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ بِدَلِيلِ تَجْوِيزِ سَتْرِهَا بِالْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَفِي جَوَازِ سَتْرِ الْمَسَاجِدِ بِذَلِكَ خِلَافٌ. ثُمَّ تُمُسِّكَ لِلْجَوَازِ بِمَا وَقَعَ فِي أَيَّامِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ تَذْهِيبِهِ سُقُوفَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، قَالَ: وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَا أَزَالَهُ فِي خِلَافَتِهِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِلْجَوَازِ بِأَنَّ تَحْرِيمَ اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَوَانِي الْمُعَدَّةِ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا، قَالَ: وَلَيْسَ فِي تَحْلِيَةِ الْمَسَاجِدِ بِالْقَنَادِيلِ الذَّهَبِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَنْ كَتَبَ الْقُرْآنَ بِالذَّهَبِ فَقَدْ أَحْسَنَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الذَّهَبِ إِلَّا تَحْرِيمُهُ عَلَى الْأُمَّةِ فِيمَا يُنْسَبُ لِلذَّهَبِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحِلِّ مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الْإِسْرَافِ.

انْتَهَى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ تَجْوِيزَ سَتْرِ الْكَعْبَةِ بِالدِّيبَاجِ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا التَّحْلِيَةُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ فِعْلِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَالْوَلِيدُ لَا حُجَّةَ فِي فِعْلِهِ، وَتَرْكُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ النَّكِيرَ أَوِ الْإِزَالَةَ يَحْتَمِلُ عِدَّةَ مَعَانٍ، فَلَعَلَّهُ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِنْكَارِ خَوْفًا مِنْ سَطْوَةِ الْوَلِيدِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُزِلْهَا لِأَنَّهُ لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْوَلِيدُ جَعَلَ فِي الْكَعْبَةِ صَفَائِحَ، فَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ تَرْكَهَا أَوْلَى، لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ، فَكَأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّى قَلْعُهُ إِلَى إِزْعَاجِ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَتَرَكَهُ، وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ لَا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ لِلْجَوَازِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْحَرَامَ مِنَ الذَّهَبِ إِنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. . .

إِلَخْ، هُوَ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَاسْتِعْمَالَ قَنَادِيلِ الذَّهَبِ هُوَ تَعْلِيقُهَا لِلزِّينَةِ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهَا لِلْإِيقَادِ فَمُمْكِنٌ عَلَى بُعْدٍ، وَتَمَسُّكُهُ بِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ يُشْكِلُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْغَزَالِيَّ قَيَّدَهُ بِمَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الْإِسْرَافِ، وَالْقِنْدِيلُ الْوَاحِدُ مِنَ الذَّهَبِ يَكْتُبُ تَحْلِيَةَ عِدَّةِ مَصَاحِفَ، وَقَدْ أَنْكَرَ السُّبْكِيُّ عَلَى الرَّافِعِيِّ تَمَسُّكَهُ فِي الْمَنْعِ بِكَوْنِ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ السَّلَفِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ تَمَسَّكَ بِذَلِكَ مَضْمُومًا إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ فَلَمَّا اسْتَعْمَلَ السَّلَفُ الْحَرِيرَ فِي الْكَعْبَةِ دُونَ الذَّهَبِ - مَعَ عِنَايَتِهِمْ بِهَا وَتَعْظِيمِهَا - دَلَّ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ عِنْدَهُمْ عَلَى عُمُومِ النَّهْيِ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ، وَالْقَنَادِيلُ مِنَ الْأَوَانِي بِلَا شَكٍّ، وَاسْتِعْمَالُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ لِكِسْوَةِ الْكَعْبَةِ ذِكْرٌ، يَعْنِي فَلَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ:

مَعْنَى التَّرْجَمَةِ صَحِيحٌ، وَوَجْهُهَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْمُلُوكَ فِي كُلِّ زَمَانٍ كَانُوا يَتَفَاخَرُونَ بِكِسْوَةِ الْكَعْبَةِ بِرَفِيعِ الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ بِالذَّهَبِ وَغَيْرِهِ كَمَا يَتَفَاخَرُونَ بِتَسْبِيلِ الْأَمْوَالِ لَهَا، فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا رَأَى قِسْمَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ صَوَابًا كَانَ حُكْمُ الْكِسْوَةِ حُكْمَ الْمَالِ تَجُوزُ قِسْمَتُهَا، بَلْ مَا فَضَلَ مِنْ كِسْوَتِهَا أَوْلَى بِالْقِسْمَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ كِسْوَةَ الْكَعْبَةِ مَشْرُوعٌ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تُقْصَدُ بِالْمَالِ يُوضَعُ فِيهَا عَلَى مَعْنَى الزِّينَةِ إِعْظَامًا لَهَا فَالْكِسْوَةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ، وَيَكُونُ هُنَاكَ طَرِيقٌ مُوَافِقَةً لِلتَّرْجَمَةِ، إِمَّا لِخَلَلِ شَرْطِهَا، وَإِمَّا لِتَبَحُّرِ النَّاظِرِ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ، فَالْمَالُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكِسْوَةُ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا - فَذَكَرَ نَحْوَ مَا قَالَ ابنُ بَطَّالٍ وَزَادَ - فَأَرَادَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وأنْ رَأَى عُمَرُ جَوَازَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَصَالِحِ.

وَأَمَّا التَّرْكُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ شَيْبَةُ فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَنْعِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ جَوَازُ قِسْمَةِ الْكِسْوَةِ الْعَتِيقَةِ، إِذْ فِي بَقَائِهَا تَعْرِيضٌ لِإِتْلَافِهَا، وَلَا جَمَالَ فِي كِسْوَةٍ عَتِيقَةٍ مَطْوِيَّةٍ، قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ رَأْيِ عُمَرَ أَنَّ صَرْفَ الْمَالِ فِي الْمَصَالِحِ آكَدُ مِنْ صَرْفِهِ فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ، لَكِنَّ الْكِسْوَةَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ أَهَمُّ. قَالَ: وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ بَطَّالٍ بِالتَّرْكِ عَلَى إِيجَابِ بَقَاءِ الْأَحْبَاسِ لَا يَتِمُّ إِلَّا إِنْ كَانَ الْقَصْدُ بِمَالِ الْكَعْبَةِ إِقَامَتَهَا وَحِفْظَ أُصُولِهَا إِذَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ مِنْهُ مَنْفَعَةَ أَهْلِ الْكَعْبَةِ وَسَدَنَتِهَا أَوْ إِرْصَادَهُ لِمَصَالِحِ الْحَرَمِ أَوْ لِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ تَحْبِيسٌ لَا نَظِيرَ لَهُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ حَدِيثِ شَيْبَةَ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِسْوَةِ، إِلَّا أَنَّ الْفَاكِهِيَّ رَوَى فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ شَيْبَةُ الْحَجَبِيُّ، فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ تَجْتَمِعُ عِنْدنَا فَتَكْثُرُ، فَنَنْزِعُهَا وَنَحْفِرُ بِئَارًا فَنُعَمِّقُهَا وَنَدْفِنُهَا؛ لِكَيْلا تَلْبَسَهَا الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ، قَالَتْ: بِئْسَمَا صَنَعْتَ، وَلَكِنْ بِعْهَا فَاجْعَلْ ثَمَنَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الْمَسَاكِينِ، فَإِنَّهَا إِذَا نُزِعَتْ عَنْهَا لَمْ يَضُرَّ مَنْ لَبِسَهَا مِنْ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ، فَكَانَ شَيْبَةُ يَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْيَمَنِ فَتُبَاعَ لَهُ فَيَضَعَهَا حَيْثُ أَمَرَتْهُ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ، وَإِسْنَادُ الْفَاكِهِيِّ سَالِمٌ مِنْهُ.

وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خَيْثَمٍ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ يَقْسِمُ مَا سَقَطَ مِنْ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْزِعُ كِسْوَةَ الْبَيْتِ كُلَّ سَنَةٍ فَيَقْسِمُهَا عَلَى الْحَاجِّ. فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

(فَصْلٌ) فِي مَعْرِفَةِ بَدْءِ كِسْوَةِ الْبَيْتِ: رَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ سَبِّ أَسْعَدَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ الْوَصَائِلَ. وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ تُبَّعًا أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ الْوَصَائِلَ فَسُتِرَتْ بِهَا. قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا أَنَّ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ إِسْمَاعِيلَ . وَحَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ بَعْضِ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ عَدْنَانَ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ أَنْصَابَ الْحَرَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ، أَوْ كُسِيَتْ فِي زَمَنِهِ. وَحَكَى الْبَلَاذِرِيُّ أَنَّ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الْأَنْطَاعَ عَدْنَانَ بْنَ أُدٍّ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ: كُسِيَ الْبَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأَنْطَاعَ، ثُمَّ كَسَاهُ رَسُولُ اللَّهِ الِثِيَابَ الْيَمَانِيَّةَ، ثُمَّ كَسَاهُ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ الْقَبَاطِيَّ، ثُمَّ كَسَاهُ الْحَجَّاجُ الدِّيبَاجَ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ

بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَتَتِ امْرَأَةٌ تُجَمِّرُ الْكَعْبَةَ فَاحْتَرَقَتْ ثِيَابُهَا وَكَانَتْ كِسْوَةَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَسَاهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ حَسَنٍ، هُوَ ابْنُ صَالِحٍ، عَنْ لَيْثٍ هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، قَالَ: كَانَتْ كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ الْمُسُوحَ وَالْأَنْطَاعَ. لَيْثٌ ضَعِيفٌ، وَالْحَدِيثُ مُعْضَلٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَجُوزٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَتْ: أُصِيبَ ابْنُ عَفَّانَ وَأَنَا بِنْتُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، قَالَتْ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْبَيْتَ وَمَا عَلَيْهِ كِسْوَةٌ إِلَّا مَا يَكْسُوهُ النَّاسُ الْكِسَاءَ الْأَحْمَرَ يُطْرَحُ عَلَيْهِ وَالثَّوْبَ الْأَبْيَضَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُكْسَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ، يَعْنِي لَمْ يُجَدَّدْ لَهُ كِسْوَةٌ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْسُو بَدَنَهُ الْقَبَاطِيَّ وَالْحِبَرَاتِ يَوْمَ يُقَلِّدُهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ نَزَعَهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ فَنَاطَهَا عَلَى الْكَعْبَةِ. زَادَ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ أَيْضًا. فَلَمَّا كَسَتِ الْأُمَرَاءُ الْكَعْبَةَ جَلَّلَهَا الْقَبَاطِيَّ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ مُطْلَقًا لِلنَّاسِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَنَكْسُوَ الْكَعْبَةَ؟ قَالَتِ: الْأُمَرَاءُ يَكْفُونَكُمْ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الْأَسْلَمِيِّ، هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَإِبْرَاهِيمُ ضَعِيفٌ.

وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ عَنْهُ، عَنْ هِشَامٍ، وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ قَالَ: كَسَاهَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيبَاجَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ أَبِي فَرْوَةَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أُخْبِرْتُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْسُوهَا الْقَبَاطِيَّ، وَأَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَسَاهَا الْقَبَاطِيَّ وَالْحِبَرَاتِ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ. وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: أَصَابَ، مَا نَعْلَمُ لَهَا مِنْ كِسْوَةٍ أَوْفَقَ مِنْهُ. وَرَوَى أَبُو عَرُوبَةَ فِي الْأَوَائِلُ لَهُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ لَبَّسَ الْكَعْبَةَ الْقَبَاطِيَّ النَّبِيُّ . وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ جَسْرَةَ قَالَ: أَصَابَ خَالِدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ لَطِيمَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِيهَا نَمَطٌ مِنْ دِيبَاجٍ، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ فَنِيطَ عَلَيْهَا، فَعَلَى هَذَا هُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ الدِّيبَاجَ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُؤْتَلِفِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ الدِّيبَاجَ نَتِيلَةُ بِنْتُ جَنَابٍ وَالِدَةُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَتْ أَضَلَّتِ الْعَبَّاسَ صَغِيرًا، فَنَذَرَتْ إِنْ وَجَدَتْهُ أَنْ تَكْسُوَ الْكَعْبَةَ الدِّيبَاجَ. وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّهَا أَضَلَّتِ ابْنَهَا ضِرَارَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ شَقِيقَ الْعَبَّاسِ، فَنَذَرَتْ إِنْ وَجَدَتْهُ أَنْ تَكْسُوَ الْبَيْتَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ، فَكَسَتِ الْكَعْبَةَ ثِيَابًا بِيضًا. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ.

وَحَكَى الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ وَالْقَبَاطِيَّ وَالْحِبَرَاتِ، فَكَانَتْ تُكْسَى الدِّيبَاجَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَالْقَبَاطِيَّ فِي آخِرِ رَمَضَانَ، فَحَصَّلْنَا فِي أَوَّلِ مَنْ كَسَاهَا مُطْلَقًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: إِسْمَاعِيلُ، وَعَدْنَانُ، وَتُبَّعٌ، وَهُوَ أَسْعَدُ الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَسَاهَا الْأَنْطَاعَ وَالْوَصَائِلَ، لِأَنَّ الْأَزْرَقِيَّ حَكَى فِي كِتَابِ مَكَّةَ أَي تُبَّعًا أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوَ الْكَعْبَةَ، فَكَسَاهَا الْأَنْطَاعَ، ثُمَّ أُرِيَ أَنْ يَكْسُوَهَا فَكَسَاهَا الْوَصَائِلَ، وَهِيَ ثِيَابٌ حِبَرَةٌ مِنْ عَصَبِ الْيَمَنِ، ثُمَّ كَسَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ - إِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً - بِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا مُطْلَقًا، وَأَمَّا تُبَّعٌ فَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا مَا ذُكِرَ، وَأَمَّا عَدْنَانُ، فَلَعَلَّهُ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا بَعْدَ إِسْمَاعِيلَ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ مَا يُشْعِرُ أَنَّهَا كَانَتْ تُكْسَى فِي رَمَضَانَ، وَحَصَّلْنَا فِي أَوَّلِ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ: خَالِدٌ أَوْ نَتِيلَةُ أَوْ مُعَاوِيَةُ أَوْ يَزِيدُ أَوِ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَوِ الْحَجَّاجُ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا بِأَنَّ كِسْوَةَ خَالِدٍ وَنَتِيلَةَ لَمْ تَشْمَلْهَا كُلَّهَا، وَإِنَّمَا كَانَ فِيمَا كَسَاهَا شَيْءٌ مِنَ الدِّيبَاجِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَلَعَلَّهُ كَسَاهَا فِي آخِرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

معاوية الدِّيباج الخُسْروانيَّ، وكساها المأمون الدِّيباج الأحمر يوم التَّروية، والقباطيَّ يوم هلال رجبٍ، والدِّيباج الأبيض يوم سبعٍ وعشرين من رمضان للفطر، وهكذا كانت تُكسَى في زمن المتوكِّل العباسيِّ، ولمَّا كان زمن النَّاصر العباسيِّ كُسِيت السَّواد من الحرير، فهي تُكسَى ذلك من ذلك الزَّمان وإلى الآن إلَّا أنَّه في سنة ثلاثٍ وأربعين وستِّ مئةٍ قُطِعت من ريحٍ شديدٍ، فكُسِيت ثيابًا من القطن سودًا، وقد ذكر بعضهم حكمةً حسنةً في سواد كسوة الكعبة، فقال: كأنَّه يشير إلى أنَّه فقد أناسًا كانوا حوله، فلبس السَّواد حزنًا عليهم، ولم تزل الملوك تتداول كسوتها إلى أن وقف عليها الصَّالح إسماعيل بن النَّاصر محمَّد بن قلاوون في سنة نيِّفٍ وخمسين وسبع مئةٍ قريةً تُسمَّى بيسوس بضواحي (١) القاهرة في طرف القليوبيَّة ممَّا يلي القاهرة، وأوَّل من كساها من ملوك التُّرك بعد انقضاء الخلافة من بغداد الظَّاهر بيبرس الصَّالحيُّ صاحب مصر.

١٥٩٤ - وبالسَّند (٢) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحَجَبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهُجَيميُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ) الأسديُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ) بن عثمان الحَجَبيِّ -بالحاء المهملة والجيم المفتوحتين- العبدريِّ صاحب مفتاح الكعبة، الصَّحابيِّ.

قال المؤلِّف (١): «ح» (وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة وفتح الصَّاد المهملة ابن عقبة السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا المَجْلِسَ) على هذا الكرسيِّ (عُمَرُ) بن الخطَّاب ( فَقَالَ) عمر : (لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أدَعَ) أي (٢): لا أترك (فِيهَا) أي: في الكعبة (صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ) ذهبًا ولا فضَّةً (إِلَّا قَسَمْتُهُ) بالتَّذكير باعتبار المال، وفي رواية عمر بن شبَّة (٣) في «كتاب مكَّة» عن قبيصة المذكور: «إلَّا قسمتها» وزاد المؤلِّف في «الاعتصام»: «بين المسلمين» [خ¦٧٢٧٥] قال الزَّركشيُّ وغيره: وظنَّ بعضهم أنَّه حليُّ الكعبة، وغلَّطه صاحب «المفهم» بأنَّ ذلك مُحْبَسٌ عليها كقناديلها ونحو ذلك، فلا يجوز صرفه في غيرها، وإنَّما هو الكنز الذي بها وهو ما كان يُهدَى إليها خارجًا عمَّا كانت تحتاج إليه ممَّا يُنفَق فيه، وكانوا يطرحونه في صندوقٍ في البيت، فأراد عمر أن يقسمه بين المسلمين، فقال شيبة: (قُلْتُ) له: (إِنَّ صَاحِبَيْكَ) النَّبيُّ وأبو بكرٍ (لَمْ يَفْعَلَا) ذلك (قَالَ) عمر: (هُمَا) أي: النَّبيُّ وأبو بكرٍ (المَرْءَانِ) الرَّجلان الكاملان لا أخرج عنهما، بل (أَقْتَدِي بِهِمَا) وقد كان لمَّا افتتح مكَّة تَرَكَه رعايةً لقلوب قريشٍ، ثمَّ بقي على ذلك إلى زمن الصِّدِّيق وعمر ، ووقع عند مسلمٍ من حديث عائشة في بناء الكعبة: «لولا أنَّ قومك حديثو عهدٍ بكفرٍ لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله»، وحكى الفاكهيُّ: أنَّه وجد فيها يوم الفتح ستِّين أوقيةً، وعلى هذا فإنفاقه جائزٌ كما جاز لابن الزُّبير بناؤها على القواعد لزوال سبب الامتناع، ولولا قوله في الحديث: «في سبيل الله» لأمكن أن يُحمَل الإنفاق على ما يتعلَّق بها، فيرجع إلى أنَّ حكمه حكم التَّحبيس، ويحتمل أن يُحمَل قوله: «في سبيل الله» على ذلك لأنَّ عمارة الكعبة تصدق على سبيل الله، وليس لكسوة الكعبة في هذا الحديث ذكرٌ، فمن ثمَّ استُشكِل سوق هذا الحديث لهذه التَّرجمة، وأُجيب بأنَّ مقصوده تنبيهٌ على أنَّ (٤) حكمَ الكسوة حكمُ المال بها، فيجوز قسمتها

على أهل الحاجة استنباطًا من رأي عمر قسمة الذَّهب والفضَّة الكائنين بها، وقِيلَ: لأنَّ الكعبة لم تزل مُعظَّمةً تُقصَد بالهدايا تعظيمًا لها، فالكسوة من باب التَّعظيم لها، واختُلِف في الكسوة: هل يجوز التَّصرُّف فيها بالبيع ونحوه؟ فقال أبو (١) الفضل بن عبدان من أصحابنا: لا يجوز قطع شيءٍ من أستار (٢) الكعبة ولا نقله ولا بيعه ولا شراؤه ولا وضعه بين أوراق المصحف، ومن حمل من ذلك شيئًا لزمه ردُّه، وأقرَّه الرَّافعيُّ عليه، قال ابن فرحون من المالكيَّة: وهذا على وجه الاستحسان منه، والنُّصوص تخالفه (٣)، قال الباجيُّ: وقد استحسن (٤) مالكٌ شراء كسوة الكعبة، وقال ابن الصَّلاح: أمر ذلك إلى الإمام، يصرفه في بعض (٥) مصارف بيت المال بيعًا وعطاءً، واحتجَّ بما رواه الأزرقيُّ في «تاريخ مكَّة»: أنَّ عمر بن الخطَّاب كان ينزع كسوة الكعبة كلَّ سنةٍ فيقسمها على الحاجِّ، قال النَّوويُّ: وهو حسنٌ متعيِّنٌ لئلَّا تتلف بالبلى، وبه قال ابن عبَّاسٍ وعائشة وأمُّ سلمة، وجوَّزوا لمن أخذها لبسها ولو حائضًا وجنبًا، ونبَّه في «المهمَّات» على أنَّ ما قاله النَّوويُّ هنا مخالفٌ لما وافق عليه الرَّافعيُّ في آخر الوقف من تصحيح أنَّها تُباع إذا لم يبق فيها جمالٌ، ويُصرَف ثمنها في مصالح المسجد، ثمَّ قال: واعلم أنَّ للمسألة أحوالًا:

أحدها: أن تُوقَف على الكعبة وحكمها ما مرَّ، وخطَّأه غيرُه بأنَّ الذي مرَّ محلُّه فيما إذا كساها الإمام من بيت المال، أمَّا إذا وُقِفت فلا يتعقَّل عالمٌ جواز صرفها في مصالح غير الكعبة.

ثانيها: أن يملِّكها مالكها للكعبة، فلِقيِّمها أن يفعل فيها ما يراه من تعليقها عليها أو بيعها وصرف ثمنها إلى مصالحها.

ثالثها: أن يُوقَف شيءٌ على أن يُؤخَذ ريعه وتُكسَى به الكعبة كما في عصرنا، فإنَّ الإمام قد وقف على ذلك بلادًا، قال: وقد تلخَّص لي في هذه المسألة: أنَّه إن شرط (٦) الواقف شيئًا من

بيعٍ وإعطاءٍ لأحدٍ أو غير ذلك فلا كلام، وإن لم يشترط (١) شيئًا (٢) نُظِر: إن لم يقف النَّاظر تلك فله بيعها وصرف ثمنها في كسوةٍ أخرى، وإن وقفها فيأتي فيها ما مرَّ من الخلاف في البيع، نعم بقي قسمٌ آخر: وهو الواقع اليوم في هذا الوقف، وهو أنَّ الواقف لم يشرط (٣) شيئًا من ذلك، وشرط تجديدها كلَّ سنةٍ، مع علمه بأنَّ بني شيبة كانوا يأخذونها كلَّ سنةٍ لمَّا كانت تُكسَى من بيت المال، فهل يجوز لهم أخذها الآن أو تُباع ويُصرَف ثمنها إلى كسوةٍ أخرى؟ فيه نظرٌ، والمُتجَّه الأوَّل.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا (٤) المؤلِّف في «الاعتصام» [خ¦٧٢٧٥]، وأبو داود في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه.

(٤٩) (بَابُ هَدْمِ الكَعْبَةِ) في آخر الزَّمان (قَالَتْ عَائِشَةُ ) ولغير أبي ذرٍّ: «وقالت عائشة»: (قَالَ النَّبِيُّ : يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ) بفتح الجيم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: لا بالمهملة والمُوحَّدة. انتهى. قلت: ثبت في «اليونينيَّة» في رواية أبي ذرٍّ: «حَبَشٌ» بالحاء المهملة والمُوحَّدة المفتوحتين (فَيُخْسَفُ بِهِمْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح السِّين المهملة، وهذا طرفٌ من حديثٍ وصله في أوائل «البيوع» ولفظه: «يغزو جيش الكعبة، حتَّى إذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسَف بأوَّلهم وآخرهم ثمَّ يُبعَثون على نيَّاتهم» [خ¦٢١١٨] والبيداء: المفازة التي لا شيء فيها، وهي في هذا الحديث: اسم موضعٍ مخصوصٍ بين مكَّة والمدينة، وقوله: «ثمَّ يبعثون على نيَّاتهم» أي: يُخسَف بالكلِّ بشؤم الأشرار، ثمَّ يُعامَل كلٌّ منهم في الحشر بحسب نيَّته وقصده، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَرَادَ البُخَارِيّ بِالْأولِ من تقدم ذكرهم قبل شُعْبَة، وَإِنَّمَا قَالَ: أَكثر، لِاتِّفَاق أُولَئِكَ على اللَّفْظ الْمَذْكُور، وانفراد شُعْبَة بِمَا يخالفهم، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن ظاهرهما التَّعَارُض، لِأَن الأول يدل على أَن الْبَيْت يحجّ بعد أَشْرَاط السَّاعَة. وَالثَّانِي: يدل على أَنه لَا يحجّ، وَيُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَن يُقَال: لَا يلْزم من حج النَّاس بعد خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج أَن يمْتَنع الْحَج فِي وَقت مَا عِنْد قرب ظُهُور السَّاعَة، وَالَّذِي يظْهر، وَالله أعلم، أَن يكون المُرَاد بقوله: (ليحجن الْبَيْت) أَي: مَكَان الْبَيْت، وَيدل على ذَلِك مَا رُوِيَ أَن الْحَبَشَة إِذا خربوه لم يعمر بعد ذَلِك على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقَالَ التَّيْمِيّ: قَالَ البُخَارِيّ: وَالْأول أَكثر، يَعْنِي: الْبَيْت يحجّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

سَمِعَ قَتَادةُ عَبْدَ الله وعَبْدُ الله أبَا سَعِيدٍ

وَفِي بعض النّسخ قَالَ أَبُو عبد الله أَي: البُخَارِيّ نَفسه، سمع قَتَادَة عبد الله بن أبي عُتَيّة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن قَتَادَة لما كَانَ مدلسا صرح بِأَن عنعنته مقرونة بِالسَّمَاعِ. قَوْله: (وَعبد الله) أَي: سمع عبد الله بن أبي عتبَة أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ.

٨٤ - (بابُ كِسْوَةِ الكَعْبَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم التصوف فِي كسْوَة الْكَعْبَة.

٤٩٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ قَالَ حدَّثنا سُفيَانُ قَالَ حَدثنَا واصِلٌ الأحْدَبُ عنْ أبِي وَائِلٍ قَالَ جِئتُ إِلَيّ شَيْبَةَ (ح) وحدَّثنا قَبيصَةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ وَاصِلٍ عنْ أبي وَائِلٍ قَالَ جلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فقالَ لَقَدْ جَلَسَ هاذا المَجْلِسَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فقالَ لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ لَا أدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ ولَا بَيْضَاءَ إلَاّ قَسَمْتُهُ قُلْتُ أنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلا قالَ هُمَا المَرْآنِ أقْتَدِي بِهِمَا.

(الحَدِيث ٤٩٥١ طرفه فِي: ٥٧٢٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من وُجُوه:

الأول: أَنه مَعْلُوم أَن الْمُلُوك فِي كل زمَان كَانُوا يتفاخرون بكسوة الْكَعْبَة برفيع الثِّيَاب المنسوجة بِالذَّهَب وَغَيره، كَمَا يتفاخرون بتسبيل الْأَمْوَال لَهَا، فَأَرَادَ البُخَارِيّ أَن عمر بن الْخطاب لما رأى قسْمَة الذَّهَب وَالْفِضَّة صَوَابا، كَانَ حُكْم الْكسْوَة حُكم المالِ يجوز قسمتهَا، بل مَا فضل من كسوتها أولى بِالْقِسْمَةِ.

الثَّانِي: أَنه يحْتَمل أَن يكون مَقْصُود البُخَارِيّ التَّنْبِيه على أَن كسْوَة الْكَعْبَة مَشْرُوعَة، وَالْحجّة فِيهَا أَنَّهَا لم تزل تقصد بِالْمَالِ فَيُوضَع فِيهَا على معنى الزِّينَة إعظاما لَهَا، فالكسوة من هَذَا الْقَبِيل.

الثَّالِث: أَنه يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ مَا فِي بعض طرق الحَدِيث كعادته، وَيكون هُنَاكَ طَرِيق مُوَافقَة للتَّرْجَمَة وَتَركه إِيَّاه إِمَّا لخلل شَرطه وَإِمَّا لتبحر النَّاظر فِيهِ.

الرَّابِع: أَنه يحْتَمل أَن يكون أَخذه من قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا أخرج حَتَّى أقسم مَال الْكَعْبَة، فَالْمَال يُطلق على كل مَا يتمول بِهِ، فَيدْخل فِيهِ الْكسْوَة.

الْخَامِس: أَنه لَعَلَّ الْكَعْبَة كَانَت مكسوة وَقت جُلُوس عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَحَيْثُ لم يُنكره وقررها دلّ على جَوَازهَا، والترجمة يحْتَمل أَن يُقَال فِيهَا: بَاب فِي مَشْرُوعِيَّة الْكسْوَة كَمَا ذكرنَا.

السَّادِس: أَنه يحْتَمل أَن يكون الحَدِيث مُخْتَصرا طوى فِيهِ ذكر الْكسْوَة.

فَمن هَذِه الْوُجُوه يتَوَجَّه الرَّد على الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي قَوْله: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب لكسوة الْكَعْبَة ذكرٌ، يَعْنِي فَلَا يُطَابق التَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله: وهم: ثَمَانِيَة: الأول: عبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي. الثَّانِي: خَالِد بن الْحَارِث أَبُو عبد الله الحَجبي. الثَّالِث: سُفْيَان الثَّوْريّ فِي الطَّرِيقَيْنِ. الرَّابِع: وأصل بن حَيَّان الأحدب الْأَسدي. الْخَامِس: أَبُو وَائِل شَقِيق ابْن سَلمَة. السَّادِس: شيبَة بن عُثْمَان الحَجبي، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم المفتوحتين، الْعَبدَرِي، أسلم يَوْم الْفَتْح وَأعْطى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ وَلابْن عَمه عُثْمَان بن طَلْحَة مِفْتَاح الْكَعْبَة، وَقَالَ: خذوها يَا بني أبي طَلْحَة خالدة تالدة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، لَا يَأْخُذ مِنْكُم

إِلَّا ظَالِم، وَهُوَ الْآن فِي يَد بني شيبَة، مَاتَ سنة تسع وَخمسين. السَّابِع: قبيصَة بن عقبَة أَبُو عَامر السوَائِي. الثَّامِن: عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه فِي الطَّرِيق الأول من أَفْرَاده، وَقدمه مَعَ أَنه نَازل لتصريح سُفْيَان فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ، وَأَنه بَصرِي. وَفِيه: أَن خَالِدا أَيْضا من أَفْرَاده، وَأَنه أَيْضا بَصرِي وسُفْيَان وواصل وَأَبُو وَائِل كوفيون، وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي شَيْخه قبيصَة وَهُوَ أَيْضا من أَفْرَاده، وَهُوَ كُوفِي. وَفِيه: صحابيان شيبَة وَعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَهَذَا الحَدِيث جعله الْحميدِي وَأَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وقبلهما الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند شيبَة، وَذكره الْمزي أَيْضا فِي مُسْند شيبَة، وَذكره غَيرهم فِي مُسْند عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن عَمْرو بن الْعَبَّاس. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على الْكُرْسِيّ) ، الْكُرْسِيّ وَاحِد الكراسي، وَرُبمَا قَالُوا: كرْسِي بِكَسْر الْكَاف، قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْكُرْسِيّ: مَا يجلس عَلَيْهِ وَلَا يفضل عَن الْقَاعِد، وَلَيْسَت الْيَاء فِيهِ للنسبة، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضُوع على هَيْئَة النِّسْبَة كَمَا فِي زفني وقلطي وبختي وبردي. قَوْله: (أَن لَا أدع) أَي: أَن لَا أترك. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي الْكَعْبَة. قَوْله: (صفراء وَلَا بَيْضَاء) أَي: ذَهَبا وَلَا فضَّة، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: غلط من ظن أَن المُرَاد بذلك حلية الْكَعْبَة، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْكَنْز الَّذِي بهَا، وَهُوَ مَا كَانَ يهدى إِلَيْهَا فيدخر مَا يزِيد عَن الْحَاجة. وَأما الْحلِيّ فمحبّسة عَلَيْهَا كالقناديل، فَلَا يجوز صرفهَا إِلَى غَيرهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يهْدُونَ إِلَى الْكَعْبَة تَعْظِيمًا لَهَا فيجتمع فِيهَا. قَوْله: (إلَاّ قسمته) ، ذكر الضَّمِير بِاعْتِبَار المَال، وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن شيبَة فِي (كتاب مَكَّة) : عَن قبيصَة شيخ البُخَارِيّ فِيهِ: (إِلَّا قسمتهَا) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان عِنْد البُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام (إلَاّ قسمتهَا بَين الْمُسلمين) . وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه: (لَا أخرج حَتَّى أقسم مَال الْكَعْبَة بَين فُقَرَاء الْمُسلمين) . قَوْله: (قلت: إِن صاحبيك لم يفعلا) . الْقَائِل هُوَ شيبَة، وَأَرَادَ بالصاحبين، النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي: (قلت: مَا أَنْت بفاعل! قَالَ: لِمَ؟ قلت: لَمْ يَفْعَله صاحباك) . وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه، (قَالَ: ولِمَ ذَاك؟ قلت: لِأَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قد رأى مَكَانَهُ وَأَبُو بكر، وهما أحْوج مِنْك إِلَى المَال، فَلم يحركاه) . قَوْله: (قَالَ: هما المرآن) أَي: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هما أَي: النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مرآن يَعْنِي: رجلَيْنِ كَامِلين فِي الْمُرُوءَة. قَوْله: (أقتدي بهما) أَي: بالمرأين الْمَذْكُورين، وهما النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَعْنَاهُ لَا أفعل مَا لم يفعلا، وَلَا أتعرض لما لم يتعرضا، وبمثل هَذِه الْقَضِيَّة وَقع بَين أبي بن كَعْب وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وروى عبد الرَّزَّاق من طَرِيق الْحسن (عَن عمر: أَرَادَ أَن يَأْخُذ كنز الْكَعْبَة فينفقه فِي سَبِيل الله، فَقَالَ لَهُ أبي بن كَعْب: قد سَبَقَك صاحباك، فَلَو كَانَ فضلا لفعلاً) . وَفِي لفظ: (فَقَالَ لَهُ أبي بن كَعْب: وَالله مَا ذَاك لَك؟ قَالَ: ولِمَ؟ قَالَ: أقره رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ عمر لكثرته إِنْفَاقه فِي سَبِيل الله وَفِي مَنَافِع الْمُسلمين، ثمَّ لما ذكر بِأَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يتَعَرَّض لَهُ أمسك.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: التَّنْبِيه على مَشْرُوعِيَّة الْكسْوَة. وَفِيه: مَا يدل من قَول عمر أَن صرف المَال فِي الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين آكِد من صرفه فِي كسْوَة الْكَعْبَة، لَكِن الْكسْوَة فِي هَذِه الْأمة أهم، لِأَن الْأُمُور المتقادمة تتأكد حرمتهَا فِي النُّفُوس، وَقد صَار ترك الْكسْوَة فِي الْعرف عضا فِي الْإِسْلَام، وإضعافا لقلوب الْمُسلمين. وَقَالَ ابْن بطال: مَا جعل فِي الْكَعْبَة وسبل لَهَا يجْرِي مجْرى الْأَوْقَاف، فَلَا يجوز تَغْيِيره من وَجهه، وَفِي ذَلِك تَعْظِيم الْإِسْلَام، وترهيب لِلْعَدو. وَفِي (شرح التَّهْذِيب) : قَالَ صَاحب (التَّلْخِيص) : لَا يجوز بيع أَسْتَار الْكَعْبَة المشرفة، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْفضل بن عبد، لِأَنَّهُ لَا يجوز قطع أستارها وَلَا قطع شَيْء من ذَلِك، وَلَا يجوز نَقله، وَلَا بَيْعه وَلَا شِرَاؤُهُ. قَالَ: وَمن عمل شَيْئا من ذَلِك كَمَا يَفْعَله الْعَامَّة، يشترونه من بني شيبَة، لزمَه رده وَوَافَقَهُ على ذَلِك الرَّافِعِيّ، وَقَالَ ابْن الصّلاح: الْأَمر فِيهَا إِلَى الإِمَام يصرفهُ فِي مصارف بَيت المَال بيعا وَعَطَاء، وَاحْتج بِمَا ذكره الْأَزْرَقِيّ: أَن عمر كَانَ ينْزع كسْوَة الْبَيْت كل سنة، فَيقسمهَا على الْحَاج، وَعند الْأَزْرَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، أَنَّهُمَا قَالَا: وَلَا بَأْس أَن يلبس كسوتها من صَارَت

إِلَيْهِ من حَائِض وجنب وَغَيرهمَا، وَكَذَا قالته أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَذكر ابْن أبي شيبَة عَن ابْن أبي ليلى، وَسُئِلَ عَن رجل سرق من الْكَعْبَة، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ قطع؟ وَيُقَال: الظَّاهِر جَوَاز قسْمَة الْكسْوَة العتيقة إِذْ بَقَاؤُهَا تَعْرِيض لفسادها بِخِلَاف النَّقْدَيْنِ.

٩٤ - (بابُ هَدْمِ الكَعْبَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر هدم الْكَعْبَة فِي آخر الزَّمَان.

قالَتْ عَائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ

هَذَا طرف من حَدِيث ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي أَوَائِل الْبيُوع من طَرِيق نَافِع بن جُبَير عَن عَائِشَة بِلَفْظ: (يَغْزُو جَيش الْكَعْبَة حَتَّى إِذا كَانُوا ببيداء من الأَرْض خسف بأولهم وَآخرهمْ، ثمَّ يبعثون على نياتهم) وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

قَوْله: (قَالَت عَائِشَة) ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِغَيْر وَاو، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَالَت، بِالْوَاو، ومطابقة هَذَا الْمُعَلق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن غَزْو الْكَعْبَة فِي هَذَا مُقَدّمَة لهدمها، لِأَن غزوها يَقع مرَّتَيْنِ، فَفِي الأولى: هلاكهم، وَفِي الثَّانِيَة: هدمها، ومقدمة الشَّيْء تَابِعَة لَهُ. فَافْهَم.

٥٩٥١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ الأخْنَسِ قَالَ حدَّثني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كأنِّي بِهِ أسْوَدَ أفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَرا حَجَرا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَليّ بن يحيى بن كثير أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الصَّيْرَفِي. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: عبيد الله بتصغير عبد بن الْأَخْنَس، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح النُّون وَفِي آخِره سين مُهْملَة: أَبُو مَالك النَّخعِيّ. الرَّابِع: عبد الله بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم وَفتح اللَّام: هُوَ عبد الله ابْن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة، واسْمه زُهَيْر التَّيْمِيّ الْأَحول، القَاضِي على عهد ابْن الزبير. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه وَيحيى بصريان وَعبيد الله بن الْأَخْنَس كُوفِي وَابْن أبي مليكَة مكي.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَأَنِّي بِهِ) ، الْكَلَام فِي الضَّمِير فِي لفظ: بِهِ، يحْتَمل ثَلَاثَة أوجه: الأول: أَن يعود إِلَى الْبَيْت، والقرينة الحالية تدل عَلَيْهِ، أَي: كَأَنِّي ملتبس بِهِ. الثَّانِي: أَن يعود إِلَى القالع بِالْقَرِينَةِ الحالية أَيْضا. الثَّالِث: مَا قَالَه الطَّيِّبِيّ، وَهُوَ أَنه ضمير مُبْهَم يفسره مَا بعده على أَنه تَمْيِيز، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فقضاهن سبع سموات} (فصلت: ٢١) . فَإِن ضمير: هن، هُوَ الْمُبْهم الْمُفَسّر: بِسبع سموات، وَهُوَ تَمْيِيز، وَهَذِه الْأَوْجه صَحِيحَة مَاشِيَة على قَاعِدَة الْعَرَبيَّة، فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير حذف، كَمَا قَالَ بَعضهم، وَالَّذِي يظْهر أَن فِي الحَدِيث شَيْئا حذف، ثمَّ أكد كَلَامه بقوله: وَيحْتَمل أَن يكون هُوَ مَا وَقع فِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي (غَرِيب الحَدِيث) لأبي عُبَيْدَة من طَرِيق أبي الْعَالِيَة: (عَن عَليّ، قَالَ: استكثروا من الطّواف بِهَذَا الْبَيْت، قبل أَن يُحَال بَيْنكُم وَبَينه، فَكَأَنِّي بِرَجُل من الْحَبَشَة أصلع أَو قَالَ: أصمع حمش السَّاقَيْن، قَاعد عَلَيْهَا وَهِي تهدم) . وَرَوَاهُ الفاكهي من هَذَا الْوَجْه، وَلَفظه: أصعل، بدل: أصلع، وَقَالَ: قَائِما عَلَيْهَا يَهْدِمهَا بمسحاته، وَرَوَاهُ يحيى الْحمانِي فِي مُسْنده من وَجه آخر عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا. انْتهى. قلت: إِنَّمَا يقدر الْحَذف فِي مَوضِع يحْتَاج إِلَيْهِ للضَّرُورَة، وَلَا ضَرُورَة هَهُنَا، ودعواه الظُّهُور غير ظَاهِرَة لِأَنَّهُ لَا وَجه فِي تَقْدِير مَحْذُوف لَا حَاجَة إِلَيْهِ بِمَا جَاءَ فِي أثر عَن صَحَابِيّ، وَلَا يُقَال الْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، لأَنا نقُول: هَذَا إِنَّمَا يكون عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ، فَلَا احْتِيَاج هَهُنَا إِلَى ذَلِك. قَوْله: (أسود) ، مَرْفُوع، وَفِي رَفعه وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (يقلعها) ، وَالْجُمْلَة حَال بِدُونِ الْوَاو، وَهَذَا على تَقْدِير أَن يكون الضَّمِير فِي: بِهِ، للبيت، وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون ارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، على أَن يكون الضَّمِير للقالع، وَالتَّقْدِير: كَأَنِّي بالقالع هُوَ أسود. وَقَوله: (أفحج) ، خبر بعد خبر، وَيجوز

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله