«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٢٤

الحديث رقم ١٩٢٤ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا نوى بالنهار صوما.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن النبي ﷺ بعث رجلا ينادي في الناس يوم…

«أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: أَنْ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ، أَوْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ.»

سند حديث: ١٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ…

١٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ :

رواة الحديث

شرح حديث: «أن النبي ﷺ بعث رجلا ينادي في الناس يوم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً.

قَوْلُهُ في حديث أنس: (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَبِضَمِّهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَرَكَةِ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ فَيُنَاسِبُ الضَّمُّ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّسَحُّرِ، أَوِ الْبَرَكَةُ لِكَوْنِهِ يُقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ وَيُنَشِّطُ لَهُ وَيُخَفِّفُ الْمَشَقَّةَ فِيهِ فَيُنَاسِبُ الْفَتْحَ؛ لِأَنَّهُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ، وَقِيلَ: الْبَرَكَةُ مَا يُتَضَمَّنُ مِنَ الِاسْتِيقَاظِ وَالدُّعَاءِ فِي السَّحَرِ، وَالْأَوْلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهِيَ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ، وَمُدَافَعَةُ سُوءِ الْخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الْجُوعُ، وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ أَوْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْأَكْلِ، وَالتَّسَبُّبُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ، وَتَدَارُكُ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْبَرَكَةُ يَجُوزُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ السُّنَّةِ يُوجِبُ الْأَجْرَ وَزِيَادَتَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَقُوَّةِ الْبَدَنِ عَلَى الصَّوْمِ وَتَيْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِالصَّائِمِ. قَالَ وَمِمَّا يُعَلَّلُ بِهِ اسْتِحْبَابُ السُّحُورِ الْمُخَالَفَةُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأُجُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ. وَقَالَ أَيْضًا: وَقَعَ لِلْمُتَصَوِّفَةِ فِي مَسْأَلَةِ السُّحُورِ كَلَامٌ مِنْ جِهَةِ اعْتِبَارِ حُكْمِ الصَّوْمِ وَهِيَ كَسْرُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَالسُّحُورُ قَدْ يُبَايِنُ ذَلِكَ. قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ مَا زَادَ فِي الْمِقْدَارِ حَتَّى تَنْعَدِمَ هَذِهِ الْحِكْمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ كَالَّذِي صَنَعَهُ الْمُتْرَفُونَ مِنَ التَّأَنُّقِ فِي الْمَآكِلِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ.

(تَكْمِيلٌ): يَحْصُلُ السُّحُورُ بِأَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمَرْءُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِلَفْظِ: السُّحُورُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُرْسَلَةٍ: تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِلُقْمَةٍ.

٢١ - بَاب إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا

وَقَالَتْ أُمَّ الدَّرْدَاءِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا، وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ

١٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: إِنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ.

[الحديث ١٩٢٤ - طرفاه في: ٢٠٠٧، ٧٢٦٥]

قَوْلُهُ: (بَابٌ إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا) أَيْ: هَلْ يَصِحُّ مُطْلَقًا أَوْ لَا؟ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ جَوَازَ النَّفْلِ بِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَغْدُونَا أَحْيَانًا ضُحًى فَيَسْأَلُ الْغَدَاءَ، فَرُبَّمَا لَمْ يُوَافِقْهُ عِنْدَنَا فَيَقُولُ: إِذًا أَنَا صَائِمٌ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ سَأَلَ أَهْلَهُ الْغَدَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ: أَنَا صَائِمٌ، وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ حِينَ يَنْتَصِفُ النَّهَارُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ

الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا دَعَا بِالْغَدَاءِ فَلَا يَجِدُهُ، فَيَفْرِضُ عَلَيْهِ الصَّوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

قَوْلُهُ: (وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ) أَمَّا أَثَرُ أَبِي طَلْحَةَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا. صَامَ يَوْمَهُ ذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَفْعَلُهُ، وَلَفْظُ حُمَيْدٍ نَحْوُهُ وَزَادَ: وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ أَفْطَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ مُعَاذٍ. وَأَمَّا أَثَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ حَمْزَةَ (١)، عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَطُوفُ بِالسُّوقِ، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَقُولُ: عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَنَا صَائِمٌ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ آخَرَ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا طَلْحَةَ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.

وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ: كَانَ يُصْبِحُ حَتَّى يُظْهِرَ ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَصْبَحْتُ وَمَا أُرِيدُ الصَّوْمَ، وَمَا أَكَلْتُ مِنْ طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ مُنْذُ الْيَوْمَ، وَلَأَصُومَنَّ يَوْمِي هَذَا وَأَمَّا أَثَرُ حُذَيْفَةَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: مَنْ بَدَا لَهُ الصِّيَامُ بَعْدَ مَا تَزُولُ الشَّمْسُ فَلْيَصُمْ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: أَنَّ حُذَيْفَةَ بَدَا لَهُ فِي الصَّوْمِ بَعْدَ مَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَامَ وَقَدْ جَاءَ نَحْوُ مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ وَلَمْ يُسَمِّ النَّسَائِيُّ، عِكْرِمَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ صَوْمَ النَّافِلَةِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ فِي النَّهَارِ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَتَأَوَّلَهُ الْآخَرُونَ عَلَى أَنَّ سُؤَالَهُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ لِكَوْنِهِ كَانَ نَوَى الصَّوْمَ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ ضَعُفَ عَنْهُ وَأَرَادَ الْفِطْرَ لِذَلِكَ. قَالَ وَهُوَ تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ وَتَكَلُّفٌ بَعِيدٌ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَصْبَحَ يُرِيدُ الْإِفْطَارَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَصُومَ تَطَوُّعًا. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهُ أَنْ يَصُومَ مَتَى بَدَا لَهُ، فَذَكَرَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ، وَزَادَ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَأَبَا أَيُّوبَ وَغَيْرَهُمَا، وَسَاقَ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ إِلَيْهِمْ. قَالَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَصُومُ تَطَوُّعًا حَتَّى يُجْمِعَ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ يَتَسَحَّرَ وَقَالَ مَالِكٌ فِي النَّافِلَةِ: لَا يَصُومُ إِلَّا أَنْ يُبَيِّتَ، إِلَّا إِنْ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّبْيِيتِ وَقَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَصُومَ قَبْلَ مُنْتَصَفِ النَّهَارِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُجْزِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنَ الْجَوَازِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي مُعْظَمِ كُتُبِهِ التَّفْرِقَةُ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صِيَامُ التَّطَوُّعِ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ: عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ كَمَا سَيَأْتِي فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ.

قَوْلُهُ: (أنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى: قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ: أَذِّنْ فِي قَوْمِكَ وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ هِنْدُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ حَارِثَةَ الْأَسْلَمِيُّ لَهُ وَلِأَبِيهِ وَلِعَمِّهِ هِنْدِ بْنِ حَارِثَةَ صُحْبَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ هِنْدِ بْنِ أَسْمَاءَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ

إِلَى قَوْمِي مِنْ أَسْلَمَ فَقَالَ: مُرْ قَوْمَكَ أَنْ يَصُومُوا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ وَجَدْتَهُ مِنْهُمْ قَدْ أَكَلَ فِي أَوَّلِ يَوْمِهِ فَلْيَصُمْ آخِرَهُ وَرَوَى أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هِنْدٍ قَالَ: وَكَانَ هِنْدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَخُوهُ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ يَأْمُرُ قَوْمَهُ بِالصِّيَامِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ هِنْدٍ عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَهُ فَقَالَ: مُرْ قَوْمَكَ بِصِيَامِ هَذَا الْيَوْمِ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتَهُمْ قَدْ طَعِمُوا؟ قَالَ: فَلْيُتِمُّوا آخِرَ يَوْمِهِمْ قُلْتُ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ أَسْمَاءَ وَوَلَدِهِ هِنْدٍ أُرْسِلَا بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَلَى الْجَدِّ اسْمَ الْأَبِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ هِنْدٍ عَنْ جَدِّهِ أَسْمَاءَ فَتَتَّحِدُ الرِّوَايَتَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ سَلَمَةَ هَذَا عَلَى صِحَّةِ الصِّيَامِ لِمَنْ لَمْ يَنْوِهِ مِنَ اللَّيْلِ، سَوَاءٌ كَانَ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّوْمِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ مِنَ اللَّيْلِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ صِيَامَ عَاشُورَاءَ كَانَ وَاجِبًا، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ كَانَ فَرْضًا فَقَدْ نُسِخَ بِلَا رَيْبٍ، فَنُسِخَ حُكْمُهُ وَشَرَائِطُهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَمَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ وَمَنْ لَا يَشْتَرِطُ النِّيَّةَ مِنَ اللَّيْلِ لَا يُجِيزُ صِيَامَ مَنْ أَكَلَ مِنَ النَّهَارِ، وَصَرَّحَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ تَرْكَ التَّبْيِيتِ لِصَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنْ خَصَائِصِ عَاشُورَاءَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ حُكْمَهُ بَاقٍ فَالْأَمْرُ بِالْإِمْسَاكِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِجْزَاءَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ كَمَا يُؤْمَرُ مَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فِي رَمَضَانَ نَهَارًا وَكَمَا يُؤْمَرُ مَنْ أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ رَأَى الْهِلَالَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي أَمْرَهُمْ بِالْقَضَاءِ، بَلْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمِّهِ أَنَّ أَسْلَمَ أَتَتِ النَّبِيَّ فَقَالَ: صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَثْبُتَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَتَعَيَّنُ تَرْكُ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكِ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ كَمَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ.

وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ بِمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ لَفْظُ النَّسَائِيِّ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ: مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ وَاخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ الْمَوْقُوفَ بَعْدَ أَنْ أَطْنَبَ النَّسَائِيُّ فِي تَخْرِيجِ طُرُقِهِ، وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنِ الْبُخَارِيِّ تَرْجِيحَ وَقْفِهِ.

وَعَمِلَ بِظَاهِرِ الْإِسْنَادِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَصَحَّحُوا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، مِنْهُمُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ حَزْمٍ، وَرَوَى لَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ طَرِيقًا آخَرَ، وَقَالَ: رِجَالُهَا ثِقَاتٌ، وَأَبْعَدَ مَنْ خَصَّهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِصِيَامِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ تَفْرِقَةُ الطَّحَاوِيِّ بَيْنَ صَوْمِ الْفَرْضِ إِذَا كَانَ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَعَاشُورَاءَ فَتُجْزِئُ النِّيَّةُ فِي النَّهَارِ، أَوْ لَا فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَرَمَضَانَ، فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَبَيْنَ صَوْمِ التَّطَوُّعِ فَيُجْزِئُ فِي اللَّيْلِ وَفِي النَّهَارِ. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ كَلَامٌ غَثٌّ لَا أَصْلَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي رَمَضَانَ لِكُلِّ يَوْمٍ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ ; وَهُوَ كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ زُفَرُ (١): يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَاحْتَجَّ زُفَرُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُ صَوْمِ رَمَضَانَ لِتَعَيُّنِهِ، فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ مِعْيَارٌ لَهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ إِلَّا صَوْمٌ وَاحِدٌ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: يَلْزَمُ قَائِلَ هَذَا أَنْ يُصَحِّحَ صَوْمَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ إِذَا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ لِوُجُودِ الْإِمْسَاكِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، قَالَ: فَإِنِ الْتَزَمَهُ كَانَ مُسْتَشْنَعًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَلْزَمُهُ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِهَا إِلَّا قَدْرُهَا فَصَلَّى حِينَئِذٍ تَطَوُّعًا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنِ الْفَرْضِ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ حَزْمٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

مطلقًا نصًّا (١)، ويُحكَم بالصَّوم الشَّرعيِّ المثاب عليه من وقت النِّيَّة نصًّا، وقال مالكٌ: لا يصوم في النَّافلة إلَّا أن يبيِّت لقوله : «لا صيامَ لمن لم (٢) يبيِّت الصِّيام من اللَّيل»، ولحديث [خ¦١]: «الأعمال بالنِّيَّات»، فالإمساك أوَّل النَّهار عملٌ بلا نيَّةٍ، وقياسًا على الصَّلاة؛ إذ نفلها وفرضها في النِّيَّة سواءٌ.

١٩٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (٣) (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) (٤) «يزيد» من الزِّيادة، و «عبيد» مُصغَّرًا: مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) واسمُ الأكوع سنانُ بن عبد الله (: أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ رَجُلًا) هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلميُّ كما عند أحمد وابن أبي خيثمة (يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: أَنَّ) بفتح الهمزة وفي «اليونينيَّة»: بسكون النُّون مع فتح الهمزة (٥)، ولأبي ذرٍّ: «إِنَّ» بكسرها مع تشديد النُّون (٦) (مَنْ أَكَلَ فَلِْيُتِمَّ) بسكون اللَّام، ويجوز كسرها بلفظ الأمر للغائب، والميم مفتوحةٌ تخفيفًا، أي: ليمسك بقيَّة يومه حرمةً للوقت كما يمسك لو أصبح يوم الشَّكِّ مفطرًا، ثمَّ ثبت أنَّه من رمضان (أَوْ) قال: (فَلْيَصُمْ) شكٌّ من الرَّاوي (وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ) واستدلَّ به أبو حنيفة على (٧) أنَّ الفرض يجوز بنيَّةٍ (٨) من النَّهار لأنَّ صوم عاشوراء كان فرضًا، ورُدَّ بأنَّه إمساكٌ لا صومٌ، وبأنَّ عاشوراء لم يكن فرضًا عند الجمهور، وبأنَّه ليس فيه أنَّه لا قضاء عليهم، بل في أبي داود: أنَّهم أتمُّوا بقيَّة اليوم وقضَوه، واستدلَّ الجمهور لاشتراط النِّيَّة في صوم الفرض من اللَّيل بحديث حفصة عند أصحاب «السُّنن»: أنَّ النَّبيَّ قال: «من لم يبيِّت

الصِّيام من اللَّيل فلا صيام له» وهذا لفظ النَّسائيِّ، ولأبي داود والتِّرمذيِّ: «من لم يُجمِع الصِّيام قبل الفجر (١) فلا صيام له» واختُلِف في رفعه ووقفه، ورجَّح التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ الموقوف، وعمل بظاهر الإسناد جماعةٌ فصحَّحوا الحديث المذكور، منهم ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، وروى له الدَّارقُطنيُّ طريقًا أخرى، وقال: رجالها (٢) ثقاتٌ، وظاهره: العموم في الصَّوم نفلًا أو فرضًا، وهو محمولٌ على الفرض بقرينة حديث عائشة السَّابق، وهو قوله لها يومًا: «هل عندكم من غداءٍ؟» قالت: لا، قال: «فإنِّي إذًا أصوم (٣)» قالت: وقال لي يومًا آخر: «أعندكم شيءٌ؟» قلت: نعم، قال: «إذًا أفطرُ وإن كنت فرضت الصَّوم» رواه الدَّارقُطنيُّ وصحَّح إسناده، فلا تجزئ النِّيَّة مع طلوع الفجر لظاهر الحديث، ولا تختصُّ بالنِّصف الأخير من اللَّيل لإطلاقه، ولو شكَّ في تقدُّمها الفجر لم يصحَّ صومه لأنَّ الأصل عدم التَّقدُّم، ولا بدَّ من التَّبييت لكلِّ يومٍ لظاهر الحديث، ولأنَّ صوم كلِّ يومٍ عبادةٌ لتخلُّل اليومين ما يناقض الصَّوم كالصَّلاتين يتخلَّلهما السَّلام، وقال المالكيَّة: المشهورُ الاكتفاءُ بنيَّةٍ واحدةٍ في أوَّل ليلةٍ من رمضان لجميعه في حقِّ الحاضر الصَّحيح، وأمَّا المسافر والمريض فلا بدَّ لكلٍّ منهما من التَّبييت في كلِّ ليلةٍ، ولا بدَّ عند الشَّافعيَّة من كونها جازمةً مُعيَّنةً كالصَّلاة بخلاف الحنفيَّة فلم يشترطوا التَّعيين.

وهذا الحديث من الثُّلاثيَّات، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصِّيام» [خ¦٢٠٠٧] وفي «خبر الواحد» [خ¦٧٢٦٥]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّوم».

(٢٢) (بابُ الصَّائِمِ) حال كونه (يُصْبِحُ جُنُبًا) هل يصحُّ صومه أم لا؟

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَيْضا وَأما حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَأخْرجهُ أَبُو يعلى فِي مُسْنده عَنْهَا قَالَت: قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قرب إِلَيْنَا الْغذَاء الْمُبَارك يَعْنِي السّحُور وأولو آكله وَلَو حسوة فَإِنَّهَا اكلة بركَة وَهُوَ فصل بَين صومكم وَصَوْم النَّصَارَى " وَفِيه مقَال وَقَالَ الذَّهَبِيّ ميسرَة الْفجْر لَهُ صُحْبَة من أَعْرَاض الْبَصْرَة " قَالَ يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا " وَإِمَّا حَدِيث الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يسم فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن الْحَارِث يحدث عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " دخلت على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ يتسحر فَقَالَ إِنَّهَا بركَة أَعْطَاكُم الله إِيَّاهَا فَلَا تَدعُوهُ " وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات قَوْله " تسحرُوا " قد ذكرنَا أَنه أَمر ندب بِالْإِجْمَاع قَوْله " فِي السّحُور " قَالَ شَيخنَا رَحمَه الله روينَا بِفَتْح السِّين وَضمّهَا وَهُوَ بِالضَّمِّ الْفِعْل وبالفتح اسْم مَا يتسحر بِهِ كَالْوضُوءِ والسعوط والحنوط وَنَحْوهَا قَوْله " بركَة " قد ذكرُوا فِيهَا معَان الأول إِنَّه يُبَارك باليسير مِنْهُ بِحَيْثُ يحصل بِهِ الْإِعَانَة على الصَّوْم وَيدل عَلَيْهِ قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَلَو بجرعة مَاء وَلَو بتمرة " وَنَحْو ذَلِك وَيكون ذَلِك بالخاصية كَمَا بورك فِي الثَّرِيد وَالطَّعَام إِذا هدى فِي الْحَرَارَة واجتماع الْجَمَاعَة على الطَّعَام لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " اجْتَمعُوا على طَعَامكُمْ يُبَارك لكم فِيهِ " الثَّانِي يُرَاد بِالْبركَةِ نفي التبعة فِيهِ وَقد ذكر صَاحب الفردوس من حَدِيث أبي هُرَيْرَة " ثَلَاثَة لَا يُحَاسب عَلَيْهَا العَبْد اكلة السّحُور وَمَا أفطر عَلَيْهِ وَمَا أكل مَعَ الإخوان " الثَّالِث يُرَاد بِالْبركَةِ الْقُوَّة عَن الصّيام وَغَيره من أَعمال النَّهَار الرَّابِع يُرَاد بِالْبركَةِ الرُّخْصَة وَالصَّدَََقَة وَهُوَ الزِّيَادَة فِي الْأكل على الْأكل عِنْد الْإِفْطَار كَمَا كَانَ أَولا ثمَّ نسخ وَاصل الْبركَة فِي اللُّغَة الزِّيَادَة والنماء وَقَالَ عِيَاض قد تكون هَذِه الْبركَة مَا يتَّفق للمتسحر من ذكر أَو صَلَاة أَو اسْتِغْفَار وَغَيره من زيادات الْأَعْمَال الَّتِي لَوْلَا الْقيام للسحور لَكَانَ الْإِنْسَان نَائِما عَنْهَا وتاركاً لَهَا وتجديد النِّيَّة للصَّوْم ليخرج من الِاخْتِلَاف وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد هَذِه الْبركَة يجوز أَن تعودوا إِلَى الْأُمُور الأخروية فَإِن اتامة السّنة توجب الْأجر وزيادته وَيحْتَمل أَن تعود إِلَى الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة كقوة الْبدن على الصَّوْم وتيسيره من غير أضرار بالصائم قَالَ وَمِمَّا يُعلل بِهِ اسْتِحْبَاب السّحُور الْمُخَالفَة لأهل الْكتاب لِأَنَّهُ مُمْتَنع عِنْدهم وَهَذَا أحد الْوُجُوه الْمُقْتَضِيَة بِالزِّيَادَةِ فِي الأجور الأخروية

من طَرِيق عَمْرو بن أبي عمر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه كَانَ يصبح حَتَّى يظْهر ثمَّ يَقُول: وَالله لقد أَصبَحت وَمَا أُرِيد الصَّوْم، وَمَا أكلت من طَعَام وَلَا شراب مُنْذُ الْيَوْم، ولأصومن يومي هَذَا. قَوْله: (وَحُذَيْفَة) أَي: وَفعله حُذَيْفَة فوصل أَثَره عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة من طَرِيق سعيد بن عُبَيْدَة عَن أبي عبد الرحمان السّلمِيّ، قَالَ: (قَالَ حُذَيْفَة: من بدا لَهُ الصّيام بعد مَا تَزُول الشَّمْس فليصم) ، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: (أَن حُذَيْفَة بدا لَهُ فِي الصَّوْم بعد مَا زلات الشَّمْس، فصَام) .

وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن نوى الصَّوْم بعد طُلُوع الْفجْر الصَّادِق، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق: لَا يجوز صَوْم رَمَضَان إلَاّ بنية من اللَّيْل، وَهُوَ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة، وَقَالَ النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر: تجوز النِّيَّة فِي صَوْم رَمَضَان، وَالنّذر الْمعِين، وَصَوْم النَّفْل إِلَى مَا قبل الزَّوَال.

وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلفُوا فِيمَن أصبح يُرِيد الْإِفْطَار ثمَّ بدا لَهُ أَن يَصُوم تَطَوّعا، فَقَالَت طَائِفَة: لَهُ أَن يَصُوم مَتى مَا بدا لَهُ، فَذكر أَبَا الدَّرْدَاء وَأَبا طَلْحَة وَأَبا هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَأَبا أَيُّوب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ قَالَ: وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي نَقله ابْن الْمُنْذر عَن الشَّافِعِي من الْجَوَاز مُطلقًا، سَوَاء كَانَ قبل الزَّوَال أَو بعده هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ للشَّافِعِيّ، وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ فِي مُعظم كتبه التَّفْرِقَة. وَقَالَ مَالك فِي النَّافِلَة: لَا يَصُوم إلَاّ أَن يبيت إلَاّ أَن كَانَ يسْرد الصَّوْم فَلَا يحْتَاج إِلَى التبييت؛ وَلَكِن الْمَعْرُوف عَن مَالك وَاللَّيْث وَابْن أبي ذِئْب أَنه لَا يَصح صِيَام التَّطَوُّع إلَاّ بنية من اللَّيْل. وَقَالَ مُجَاهِد: الصَّائِم بِالْخِيَارِ مَا بَينه وَبَين نصف النَّهَار فَإِذا جَاوز ذَلِك فَإِنَّمَا بَقِي لَهُ بِقدر مَا بَقِي من النَّهَار، وَقَالَ الشّعبِيّ: من أَرَادَ الصَّوْم فَهُوَ مُخَيّر مَا بَينه وَبَين نصف النَّهَار، وَعَن الْحسن: إِذا تسحر الرجل فقد وَجب عَلَيْهِ الصَّوْم، فَإِن أفطر فَعَلَيهِ الْقَضَاء، وَإِن هم بِالصَّوْمِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ صَامَ وَإِن شَاءَ أفطر. وروى ابْن أبي شيبَة عَن الْمُعْتَمِر عَن حميد عَن أنس: (من حدث نَفسه بالصيام فَهُوَ بِالْخِيَارِ مَا لم يتكمل حَتَّى يَمْتَد النَّهَار) . وَقَالَ سُفْيَان بن سعيد وَأحمد بن حَنْبَل: من أصبح وَهُوَ يَنْوِي الْفطر إلَاّ أَنه لم يَأْكُل وَلم يشرب وَلَا وطىء فَلهُ أَن يَنْوِي الصَّوْم مَا لم تغب الشَّمْس، وَيصِح الصَّوْم.

٤٢٩١ - حدّثنا أبُو عاصِمٍ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَة بنِ الأكْوَع رَضِي الله عَنْهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعَثَ رَجُلاً يُنادهي فِي النَّاسَ يَوْمَ عاشورَاءَ أنَّ مَنْ أكَلَ فَلْيُتِمَّ أوْ فَلْيَصُمْ ومَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي جَوَاز نِيَّة الصَّوْم بِالنَّهَارِ لِأَن قَوْله: (فليتم) . وَقَوله: (فَلَا يَأْكُل) يدلان على جَوَاز النِّيَّة بِالصَّوْمِ فِي النَّهَار، وَلم يشْتَرط التَّبْيِين، وَهَذَا الحَدِيث من ثلاثيات البُخَارِيّ وَهُوَ خَامِس الثلاثيات لَهُ، وَأَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاك بن مخلد وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد بتصغير العَبْد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع، وَاسم الْأَكْوَع سِنَان بن عبيد الله. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مكي بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه فِي خبر الْوَاحِد عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع) وَفِي رِوَايَة يحيى الْقطَّان (عَن يزِيد بن أبي عبيد حَدثنَا سَلمَة بن الْأَكْوَع) كَمَا سَيَأْتِي فِي خبر الْوَاحِد. قَوْله: (بعث رجلا يُنَادي فِي النَّاس) وَفِي رِوَايَة يحيى: (قَالَ لرجل من أسلم: أذن فِي قَوْمك) . وَاسم هَذَا الرجل: هِنْد بن أَسمَاء بن حَارِثَة الْأَسْلَمِيّ، وَأخرج حَدِيثه أَحْمد وَابْن أبي حيثمة من طَرِيق ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي عبد الله بن أبي بكر (عَن خبيب بن هِنْد بن أَسمَاء الْأَسْلَمِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى قومِي من أسلم فَقَالَ: مُرقومك أَن يَصُومُوا هَذَا الْيَوْم، يَوْم عَاشُورَاء، فَمن وجدته مِنْهُم قد أكل فِي أول يَوْمه فليصم آخِره) . وَقد احْتج أَصْحَابنَا بِهَذَا الحَدِيث، وَبِحَدِيث الْبَاب على صِحَة الصّيام لمن لم ينوِ من اللَّيْل، سَوَاء كَانَ رَمَضَان أَو غَيره لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِالصَّوْمِ فِي أثْنَاء النَّهَار، فَدلَّ على أَن النِّيَّة لَا تشْتَرط من اللَّيْل، وَقَالَ بَعضهم: وَأجِيب بِأَن ذَلِك يتَوَقَّف على أَن صِيَام يَوْم عَاشُورَاء كَانَ وَاجِبا، وَالَّذِي يتَرَجَّح من أَقْوَال الْعلمَاء أَنه لم يكن فرضا. انْتهى. قلت: روى الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: كَانَ يَوْم عَاشُورَاء يَوْمًا

تصومه قُرَيْش من الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَصُومهُ، فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة صَامَهُ وَأمر بصيامه، فَلَمَّا فرض رَمَضَان. قَالَ: من شَاءَ صَامَهُ وَمن شَاءَ تَركه) . فَهَذَا الحَدِيث يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن صَوْم يَوْم عَاشُورَاء كَانَ فرضا، وَعَن عَائِشَة وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَجَابِر بن سَمُرَة: أَن صَوْم يَوْم عَاشُورَاء كَانَ فرضا قبل أَن يفْرض رَمَضَان، فَلَمَّا فرض رَمَضَان فَمن شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ ترك، ذكره ابْن شَدَّاد فِي أَحْكَامه. (وَعَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أرسل إِلَى قرى الْأَنْصَار الَّتِي حول الْمَدِينَة: من كَانَ أصبح صَائِما فليتم صَوْمه، وَمن كَانَ أصبح مُفطرا فليصم بَقِيَّة يَوْمه، وَمن لم يكن أكل فليصم) . مُتَّفق عَلَيْهِ، وَكَانَ صوما وَاجِبا متعنياً. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله: فَفِي هَذِه الأثار وجوب صَوْم عَاشُورَاء، وَفِي أمره، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، بصومه بَعْدَمَا أَصْبحُوا، وَأمره بالإمساك بعد مَا أكلُوا دَلِيل على وُجُوبه، إِذا لَا يَأْمر، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي النَّفْل بالإمساك إِلَى آخر النَّهَار بعد الْأكل، وَلَا بصومه لمن لم يصمه.

وَفِيه دَلِيل أَيْضا على أَن من كَانَ عَلَيْهِ صَوْم يَوْم بِعَيْنِه وَلم يكن نوى صَوْمه من اللَّيْل تجزيه النِّيَّة بعد مَا أصبح، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه كَانَ فرضا وَنسخ بِصَوْم رَمَضَان. فَإِن قلت: يُعَارض مَا ذكرْتُمْ حَدِيث مُعَاوِيَة (أَنه قَالَ على الْمِنْبَر: يَا أهل الْمَدِينَة: أَيْن عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول هَذَا يَوْم عَاشُورَاء، لم يكْتب الله عَلَيْكُم صايمه فَمن شَاءَ فليصم وَمن شَاءَ فليفطر، وَأَنا صَائِم) . قلت: بعد النّسخ لم يبْق مَكْتُوبًا علينا، وَلِأَن الْمُثبت أولى من النَّافِي، وَقَالَ الْقَائِل الْمَذْكُور: وَالَّذِي يتَرَجَّح من أَقْوَال الْعلمَاء أَنه، أَي: إِن صَوْم يَوْم عَاشُورَاء لم يكن فرضا، وعَلى تَقْدِير أَنه كَانَ فرضا فقد نسخ بِلَا ريب، فقد نسخ حكمه وشرائطه. انْتهى. قلت: هَذَا مُكَابَرَة فَلَا يتَرَجَّح من أَقْوَال الْعلمَاء إلَاّ إِن كَانَ فرضا، لما ذكرنَا من الدَّلَائِل، وَقَوله: فنسخ حكمه وشرائطه غير صَحِيح، أَلا ترى أَن التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس قد نسخ وَلم تنسخ سَائِر أَحْكَام الصَّلَاة وشرائطها؟ وَقَوله: وَأمره بالإمساك لَا يسْتَلْزم الْأَجْزَاء، لِأَن الْأَمر بالإمساك يحْتَمل أَن يكون لحُرْمَة الْوَقْت. قلت: الِاحْتِمَال إِذا كَانَ ناشئاً عَن غير دَلِيل لَا يعْتَبر بِهِ فبالاحتمال الْمُطلق لَا يثبت الحكم وَلَا يَنْفِي، ثمَّ اسْتدلَّ هَذَا الْقَائِل فِي قَوْله: الْأَمر بالإمساك لَا يسْتَلْزم الْأَجْزَاء بقوله: كَمَا يُؤمر من قدم من سفر فِي رَمَضَان نَهَارا، وكما يُؤمر من أفطر يَوْم الشَّك، ثمَّ رُؤِيَ الْهلَال، وكل ذَلِك لَا يُنَافِي أَمرهم بِالْقضَاءِ بل قد ورد ذَلِك صَرِيحًا فِي حَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق قَتَادَة عَن عبد الرَّحْمَن بن سَلمَة عَن عَمه: (إِن أم أسلم أَتَت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: صمتم يومكم هَذَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأتمُّوا بَقِيَّة يومكم واقضوه) . قلت: هَذَا الْقيَاس بَاطِل، لِأَن الرمضانية متعينة فِي الصُّورَة الأولى، ونفيت فِي الثَّانِيَة، فَكيف لَا يُؤمر بِالْقضَاءِ بِخِلَاف مَا نَحن فِيهِ.

والْحَدِيث الَّذِي قوَّى كَلَامه بِهِ غير صَحِيح من وُجُوه. الأول: إِن النَّسَائِيّ أخرجه وَلم يذكر واقضوه، وَقَالَ عبد الْحق فِي (الْأَحْكَام الْكُبْرَى) وَلَا يَصح هَذَا الحَدِيث فِي الْقَضَاء، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : لَفْظَة: واقضوا، مَوْضُوعه بِلَا شكّ. الثَّانِي: إِن الْبَيْهَقِيّ قَالَ عبد الرَّحْمَن: هَذَا مَجْهُول ومختلف فِي اسْم أَبِيه، وَلَا يدْرِي من عَمه، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: قيل عبد الرحمان بن مسلمة، كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد. وَقيل: ابْن سَلمَة، وَقيل: ابْن الْمنْهَال بن سَلمَة، وَرَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن عبد الرحمان بن الْمنْهَال بن سَلمَة الْخُزَاعِيّ عَن عَمه: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأسلم: صُومُوا الْيَوْم، قَالُوا: إِنَّا قد أكلنَا، قَالَ: صُومُوا بَقِيَّة يومكم، يَعْنِي عَاشُورَاء) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أخرجهَا ابْن حزم أَيْضا عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة (عَن عبد الرحمان بن مسلمة الْخُزَاعِيّ عَن عَمه، قَالَ: غدونا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَبِيحَة عَاشُورَاء، فَقَالَ لنا: أَصْبَحْتُم صياما؟ قُلْنَا: قد تغدينا يَا رَسُول الله! فَقَالَ: فصوموا بَقِيَّة يومكم، وَلم يَأْمُرهُم بِالْقضَاءِ) . الثَّالِث: أَن شُعْبَة قَالَ: كنت أنظر إِلَى فَم قَتَادَة، فَإِذا قَالَ: حدثن كتبت، وَإِذا قَالَ: عَن فلَان) أَو قَالَ: فلَان لم أكبه، وَهُوَ مُدَلّس دلّس عَن مجهولين، وَقَالَ الْكَرَابِيسِي وَغَيره: فَإِذا قَالَ المدلس: حَدثنَا، يكون حجَّة، وَإِذا قَالَ: فلَان قَالَ، أَو: عَن فلَان، لَا يكون حجَّة، فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ، فَإِذا كَانَت الرِّوَايَة، يَعْنِي عَن الثِّقَة الْمَعْرُوف بِالْحِفْظِ والضبط، لَا تكون حجَّة فَكيف تكون حجَّة؟ وَقد رَوَاهُ عَن مَجْهُول؟ وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: رِوَايَة: واقضوا، قَاطِعَة لحجة الْمُخَالف، وَنَصّ مَا يَقُوله الْجُمْهُور وجوب اعْتِبَار النِّيَّة من اللَّيْل، وَأَن نِيَّته من النَّهَار غير مُعْتَبرَة ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَيفَ يحْتَج بِمَا لَيْسَ بِحجَّة على خَصمه مَعَ علمه، ويعتقد أَنه يخفي، وَذكر مَا ذكرنَا من الْوُجُوه، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَاحْتج الْجُمْهُور

لاشْتِرَاط النِّيَّة فِي الصَّوْم من اللَّيْل بِمَا أخرجه أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث عبد الله بن عمر عَن أُخْته حَفْصَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من لم يبيت الصّيام من اللَّيْل فَلَا صِيَام لَهُ) ، لفظ النَّسَائِيّ، وَلأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: (من لم يجمع الصّيام قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ) ، وَاخْتلف فِي رَفعه وَوَقفه، وَرجح التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ الْمَوْقُوف بعد أَن أطنب فِي تَخْرِيج طرقه، وَحكى التِّرْمِذِيّ فِي الْعِلَل عَن البُخَارِيّ تَرْجِيح وَقفه، وَعمل بِظَاهِر الْإِسْنَاد جمَاعَة من الْأَئِمَّة فصححوا الحَدِيث الْمَذْكُور مِنْهُم ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحكم وَابْن حزم، وروى لَهُ الدَّارَقُطْنِيّ طَرِيقا أُخْرَى، وَقَالَ: رجالها ثِقَات، وَأبْعد من خصّه من الْحَنَفِيَّة بصيام الْقَضَاء وَالنّذر، وَأبْعد من ذَلِك تَفْرِقَة الطَّحَاوِيّ بَين صَوْم الْفَرْض إِذا كَانَ فِي يَوْم بِعَيْنِه كعاشوراء، فتجزي النِّيَّة فِي النَّهَار أَولا فِي يَوْم بِعَيْنِه كرمضان، فَلَا يَجْزِي، إلَاّ بنية من اللَّيْل، وَبَين صَوْم التَّطَوُّع فيجزي فِي اللَّيْل، وَفِي النَّهَار، وَقد تعقبه إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ كَلَام غث لَا أصل لَهُ. انْتهى. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حَفْصَة حَدِيث لَا نعرفه مَرْفُوعا إلَاّ من هَذَا الْوَجْه، يَعْنِي من الْوَجْه الَّذِي رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن ابْن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي بكر عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن حَفْصَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من لم يجمع الصيم قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ) ، وَفِي بعض النّسخ: تفرد بِهِ يحيى بن أَيُّوب، قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَوْله وَهُوَ أصح، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن الْأَزْهَر عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن ابْن شهَاب، وَقَالَ النَّسَائِيّ: وَرِوَايَة حَمْزَة الصَّوَاب عندنَا مَوْقُوف وَلم يَصح رَفعه، لِأَن يحيى بن أَيُّوب لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَحَدِيث ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ غير مَحْفُوظ. وَالله أعلم.

وَقَالَ شَيخنَا: وَأما الْمَوْقُوف الَّذِي ذكر التِّرْمِذِيّ أَنه أصح فقد رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) كَذَلِك عَن نَافِع عَن ان عمر قَوْله: وَمن طَرِيقه رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَوْله: وَقد جَاءَ من طرق مَوْقُوفا على حَفْصَة، رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن حَفْصَة، وَمن رِوَايَة يُونُس وَمعمر وَابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة بن عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن أَبِيه عَن حَفْصَة. وَمن رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة عَن حَفْصَة لم يذكر ابْن عمر، وَمن طَرِيق مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عَائِشَة وَحَفْصَة، رَضِي الله تعال عَنْهُمَا، قَوْلهمَا مُرْسلا.

وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عِنْد حَدِيث رَوَاهُ إِسْحَاق بن حَازِم عَن عبد الله ابْن أبي بكر عَن سَالم عَن أَبِيه عَن حَفْصَة مَرْفُوعا: (لَا صِيَام لمن لم ينومن اللَّيْل) ، وَرَوَاهُ يحيى بن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي بكر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن حَفْصَة مَرْفُوعا، قلت لَهُ: أَيهمَا أصح؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، لِأَن عبد الله بن أبي بكر أدْرك سالما وروى عَنهُ، وَلَا أَدْرِي سمع هَذَا الحَدِيث مِنْهُ أَو سَمعه من الزُّهْرِيّ عَن سَالم؟ وَقد رُوِيَ هَذَا عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة بن عبد الله بن عمر عَن حَفْصَة قَوْلهَا، وَهُوَ عِنْدِي أشبه. وَقَالَ أَبُو عمر: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث اضْطِرَاب. وَفِيه يحيى بن أَيُّوب الغافقي، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَالصَّوَاب فِي: مَوْقُوف، وَلذَلِك لم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَا يحْتَج بِهِ، وَذكره أَبُو الْفرج فِي الضُّعَفَاء والمتروكين. وَقَالَ أَحْمد هُوَ سيء الْحِفْظ وهم يردون الحَدِيث بِأَقَلّ من هَذَا، وَالْجرْح مقدم على التَّعْدِيل، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول الدَّارَقُطْنِيّ، وَهُوَ من الثِّقَات الرفعاء.

وَأما قَول هَذَا الْقَائِل: وَأبْعد من خصّه من الْحَنَفِيَّة بصيام الْقَضَاء وَالنّذر، فَكَلَام سَاقِط لَا طائل تَحْتَهُ، لِأَن من لم يخص هَذَا الحَدِيث بصيام الْقَضَاء وَالنّذر الْمُطلق، وَصَوْم الْكَفَّارَات يلْزم مِنْهُ النّسخ لمُطلق الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد، فَلَا يجوز ذَلِك، بَيَانه أَن قَوْله تَعَالَى: {} إِلَى قَوْله: {} (الْبَقَرَة: ٧٨١) مُبِيح للْأَكْل وَالشرب وَالْجِمَاع فِي ليَالِي رَمَضَان إِلَى طُلُوع الْفجْر، ثمَّ الْأَمر بالصيام عَنْهَا بعد طُلُوع الْفجْر مُتَأَخّر عَنهُ، لِأَن كلمة: ثمَّ، للتعقيب مَعَ التَّرَاخِي، فَكَانَ هَذَا أمرا بالصيام متراخياً عَن أول النَّهَار، وَالْأَمر بِالصَّوْمِ أَمر بِالنِّيَّةِ إِذْ لَا صَوْم شرعا بِدُونِ النِّيَّة، فَكَانَ أمرا بِالصَّوْمِ بنية مُتَأَخِّرَة عَن أول النَّهَار، وَقد أَتَى بِهِ، فَيخرج عَن الْعهْدَة.

وَفِيه: دلَالَة أَن الْإِمْسَاك فِي أول النَّهَار يَقع صوما، وُجدت فِيهِ النِّيَّة أَو لم تُوجد، لِأَن إتْمَام الشَّيْء يقتضى سَابِقَة وجود بعض شَيْء مِنْهُ، فَإِذا شرطنا النِّيَّة فِي أول اللَّيْل بِخَبَر الْوَاحِد يكون نسخا لمُطلق الْكتاب، فَلَا يجوز ذَلِك، فحينئذٍ يحمل ذَلِك على الصّيام

الْخَاص الْمعِين، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ، لِأَن مَشْرُوع الْوَقْت فِي هَذَا متنوع، فَيحْتَاج إِلَى التَّعْيِين بِالنِّيَّةِ، بِخِلَاف شهر رَمَضَان لِأَن الصَّوْم فِيهِ غير متنوع، فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّعْيِين، وَكَذَلِكَ النّذر الْمعِين فَهَذَا هُوَ السِّرّ الْخَفي فِي هَذَا التَّخْصِيص الَّذِي استبدعه من لَا وقُوف لَهُ على دقائق الْكَلَام، ومدارك اسْتِخْرَاج الْمعَانِي من النُّصُوص، وَلم يكتف الْمُدَّعِي بعد هَذَا الْكَلَام لبعد إِدْرَاكه حَتَّى ادّعى الأبعدية فِي تَفْرِقَة الطَّحَاوِيّ بَين صَوْم الْفَرْض وَصَوْم التَّطَوُّع، فَهَذِهِ دَعْوَى بَاطِلَة لِأَن حَامِل الطَّحَاوِيّ على هَذِه التَّفْرِقَة مَا رَوَاهُ مُسلم، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، (قَالَت: قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم: يَا عَائِشَة {هَل عنْدكُمْ شَيْء؟ قَالَت: فَقلت: لَا يَا رَسُول الله مَا عندنَا شَيْء} قَالَ: فَإِنِّي صَائِم) ، وبنحوه روى عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأبي طَلْحَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ إِن هَذَا الْقَائِل نقل عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ كلَاما لَا يُوجد أسمج مِنْهُ، لِأَن من يتعقب كَلَام أحد إِن لم يذكر وَجهه بِمَا يقبله الْعلمَاء، يكون كَلَامه هُوَ غثاء لَا أصل لَهُ، وَأجَاب بعض أَصْحَابنَا عَن الحَدِيث الْمَذْكُور، أَعنِي: حَدِيث حَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بعد التَّسْلِيم بِصِحَّتِهِ وسلامته عَن الِاضْطِرَاب بِأَنَّهُ مَحْمُول على نفي الْفَضِيلَة والكمال، كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إلَاّ فِي الْمَسْجِد) .

٢٢ - (بابُ الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّائِم حَال كَونه يصبح جنبا، هَل يَصح صَوْمه أم لَا؟ وَأطلق التَّرْجَمَة للْخلاف الْمَوْجُود فِيهِ.

٦٢٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عَن سُمَيٍّ مَوْلَى أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحارِثِ بنِ هِشامِ بنِ الْمُغِيرَةِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا بَكْرِ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ كُنتُ أنَا وَأبي حينَ دَخَلْنَا عَلَى عائِشَةَ وأمِّ سَلَمَةَ (ح) حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبَرَنِي أبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ أنَّ أباهُ عَبْدَ الرَّحْمانِ أخْبَرَ مَرْوَانَ أنَّ عائِشَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ أخْبَرَتاهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهْوَ جُنُبٌ مِنْ أهْلهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ ويَصُومُ وقالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ أُقْسِمُ بِاللَّه لَتُقَرِّعَنَّ بِها أبَا هُرَيْرَةَ ومَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى المَدِينَةِ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ فَكَرِهَ ذلِكَ عَبْدُ الرَّحْمانِ ثُمَّ قدِّرَ لَنا أنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الحُلَيفَةِ وكَانَتْ لأِبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أرْضٌ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ لأِبِي هُرَيْرَةَ إنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أمْرا ولَوْلَا مَرْوَانُ أقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أذْكُرْهُ لَكَ فذَكَرَ قَوْلَ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ كذلِكَ حدَّثني الْفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ وهوَ أعْلَمُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يُدْرِكهُ الْفجْر وَهُوَ جنب) .

ذكر رِجَاله وهم عشرَة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس، الثَّالِث: سمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد مر فِي الْأَذَان. الرَّابِع: أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن الْقرشِي، رَاهِب قُرَيْش، مر فِي الصَّلَاة. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم الْقرشِي المَخْزُومِي، ابْن عَم عِكْرِمَة بن أبي جهل بن هِشَام، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين. السَّادِس: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. السَّابِع: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة. الثَّامِن: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. التَّاسِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة. الْعَاشِر: أم الْمُؤمنِينَ أم سَلمَة هِنْد بنت أبي أُميَّة.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة

الْإِفْرَاد فِي موضِعين، وبصيغة التَّثْنِيَة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَبُو الْيَمَان وَشُعَيْب حمصيان والبقية كلهم مدنيون. وَفِيه: أَرْبَعَة من التَّابِعين وهم: أَبُو بكر وَأَبوهُ عبد الرَّحْمَن وَالزهْرِيّ ومروان.

ذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ: فِيهِ اخْتِلَاف كثير جدا على أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن وَغَيره، وَقد اخْتلف فِيهِ على الزُّهْرِيّ أَيْضا. فَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَحَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق عَنْهَا بِمَعْنَاهُ، وَقد اخْتلف فِيهِ على الشّعبِيّ أَيْضا، وَحَدِيث عَائِشَة وَأم سَلمَة فِيهِ قصَّة لم يذكرهَا التِّرْمِذِيّ، وَذكرهَا مُسلم من طَرِيق ابْن جريج، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن (عَن أبي بكر، قَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يقص، يَقُول فِي قصصه: من أدْركهُ الْفجْر حنبا فَلَا يصم. قَالَ: فَذكر ذَلِك أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْحَارِث لِأَبِيهِ، فَأنْكر ذَلِك، فَانْطَلق عبد الرَّحْمَن وَانْطَلَقت مَعَه حَتَّى دَخَلنَا على عَائِشَة وَأم سَلمَة، فَسَأَلَهُمَا عبد الرَّحْمَن عَن ذَلِك فكلتاهما قَالَت: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصبح جنبا من غير حلم ثمَّ يَصُوم. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلنَا على مَرْوَان، فَذكر ذَلِك لَهُ عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ مَرْوَان: عزمت عَلَيْهِ إلَاّ مَا ذهبت إِلَى أبي هُرَيْرَة فَرددت عَلَيْهِ مَا يَقُول، فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَة، وَأَبُو بكر حَاضر ذَلِك كُله، قَالَا: فَذكر ذَلِك لَهُ عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة لَهما: قالتاه لَك؟ قَالَ: نعم قَالَ: هما أعلم، ثمَّ رد أَبُو هُرَيْرَة مَا كَانَ يَقُول فِي ذَلِك إِلَى الْفضل بن عَبَّاس، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: سَمِعت ذَلِك من الْفضل، وَلم أسمعهُ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: فَرجع أَبُو هُرَيْرَة عَمَّا كَانَ يَقُول من ذَلِك) الحَدِيث، هَكَذَا ذكره مُسلم لم يرفع قَول أبي هُرَيْرَة، وَقد رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أدْركهُ الصُّبْح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ) . وَذكر الحَدِيث بِنَحْوِهِ، وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) ، وَقد رَوَاهُ البُخَارِيّ أخصر مِنْهُ من رِوَايَة ابْن شهَاب إِلَى قَوْله: (كَذَلِك حَدثنِي الْفضل بن عَبَّاس، وَهُوَ أعلم) ، وَفِي رِوَايَة للنسائي من رِوَايَة أبي عِيَاض عَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْحَارِث بن هِشَام، فَأَتَاهُ فَأخْبرهُ، قَالَ: هن أعلم يُرِيد أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يذكر أَبُو هُرَيْرَة فِي هَذِه الرِّوَايَة من حَدثهُ، وَهَكَذَا النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب عَن عمر بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده أَن عَائِشَة أخْبرته: لَيْسَ فِيهِ ذكر أم سَلمَة، وَفِيه: فَذهب عبد الرَّحْمَن فَأخْبرهُ، بذلك قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَهِيَ أعلم برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منا، إِنَّمَا كَانَ أُسَامَة بن زيد حَدثنِي ذَلِك، فَفِي هَذِه الرِّوَايَة أَن الْمخبر لأبي هُرَيْرَة أُسَامَة، وَقد تقدم أَنه الْفضل، وَفِي رِوَايَة للنسائي أخبرنيه مخبر، وَفِي رِوَايَة لَهُ: فَقَالَ: هَكَذَا كنت أَحسب، وَلم يحكه عَن أحد، وَفِي رِوَايَة للنسائي من رِوَايَة الحكم عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ: عَائِشَة إِذا أعلم برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلابْن حبَان من رِوَايَة عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه فَقَالَ هما أعلم يُرِيد عَائِشَة وَأم سَلمَة وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: هَكَذَا حَدثنِي الْفضل بن عَبَّاس وَهن أعلم. وَفِيه: أَيْضا من الِاخْتِلَاف مَا يَقْتَضِي أَن عبد الرَّحْمَن لم يشافه عَائِشَة، وَأم سَلمَة بالسؤال عَن ذَلِك، فَفِي النَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي عِيَاض، (عَن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، قَالَ: أَرْسلنِي مَرْوَان إِلَى عَائِشَة فأتيتها، فَلَقِيت غلامها ذكْوَان فأرسلته إِلَيْهَا فَسَأَلَهَا عَن ذَلِك. وَفِيه: (فأرسلني إِلَى أم سَلمَة فَلَقِيت غلامها نَافِعًا فأرسلته إِلَيْهَا فَسَأَلَهَا عَن ذَلِك) الحَدِيث، وَالْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا أَن عبد الرَّحْمَن شافهها بالسؤال أَكثر وَأَصَح، وَمَعَ هَذَا فَيجوز أَن يكون أرسل الْمولى أَولا ثمَّ أَتَى هُوَ فشافهته، أَو أَن الْمولى كَانَ وَاسِطَة فِي الدُّخُول عَلَيْهَا مَعَ عبد الرَّحْمَن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَحدثنَا أَبُو الْيَمَان) ، عطف على قَوْله: (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة) ، فَأخْرجهُ من طَرِيقين. وَأخرجه بَقِيَّة الْأَئِمَّة السِّتَّة خلا ابْن مَاجَه من طرق عديدة. قَوْله: (كنت أَنا وَأبي حَتَّى دَخَلنَا على عَائِشَة وَأم سَلمَة) ، هَكَذَا أوردهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الطَّرِيق من رِوَايَة مَالك مُخْتَصرا، ثمَّ ذكر الطَّرِيق الثَّانِي: عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الله، وَرُبمَا يظنّ ظان أَن سياقهما وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِنَّهُ يذكر لفظ مَالك بَعْدَمَا بَين، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر مَرْوَان وَلَا قصَّة أبي هُرَيْرَة، نعم قد رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن سمي مطولا، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن عبد ربه بن سعيد عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن

مُخْتَصرا، وَأخرجه مُسلم من هَذَا الْوَجْه، وَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى، قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن عبد ربه بن سعيد عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام (عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة زَوْجَتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهُمَا قَالَتَا: إِن كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ليُصبح جنبا من جماع غير احْتِلَام فِي رَمَضَان ثمَّ يَصُوم) . قَوْله: (إِن أَبَاهُ عبد الرَّحْمَن أخبر مَرْوَان) هُوَ مَرْوَان بن عبد الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن قصي الْقرشِي الْأمَوِي، أَبُو عبد الْملك، ولد بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ، وَقيل: بِأَرْبَع، وَلم يَصح لَهُ سَماع من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ مَالك: ولد يَوْم أحد، وَقيل: يَوْم الخَنْدَق، وَقيل: ولد بِمَكَّة، وَقيل: بِالطَّائِف وَلم ير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ خرج إِلَى الطَّائِف طفْلا لَا يعقل لما نفى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَاهُ الحكم، وَكَانَ مَعَ أَبِيه حَتَّى اسْتخْلف عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فردهما واستكتب عُثْمَان مَرْوَان وضمه إِلَيْهِ، وَاسْتَعْملهُ مُعَاوِيَة على الْمَدِينَة وَمَكَّة والطائف، ثمَّ عَزله عَن الْمَدِينَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين، وَلما مَاتَ مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَلم يعْهَد إِلَى أحد بَايع النَّاس بِالشَّام مَرْوَان بالخلافة، ثمَّ مَاتَ، وَكَانَت خِلَافَته تِسْعَة أشهر، مَاتَ فِي رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة سوى مُسلم. قَوْله: (كَانَ يُدْرِكهُ الْفجْر وَهُوَ جنب) أَي: وَالْحَال أَنه جنب من أَهله، ثمَّ يغْتَسل ويصوم، وَفِي رِوَايَة يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن (عَن عَائِشَة: كَانَ يُدْرِكهُ الْفجْر فِي رَمَضَان من غير حلم) ، وَسَيَأْتِي بعد بَابَيْنِ. وَفِي رِوَايَة للنسائي من طَرِيق عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن (عَن أَبِيه عَنْهَا: كَانَ يصبح جنبا من غير احْتِلَام ثمَّ يَصُوم ذَلِك الْيَوْم) . وَفِي لفظ لَهُ: (كَانَ يصبح جنبا مني فيصوم ويأمرني بالصيام) .

وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذَا فَائِدَتَانِ: أَحدهمَا: أَنه كَانَ يُجَامع فِي رَمَضَان وَيُؤَخر الْغسْل إِلَى بعد طُلُوع الْفجْر بَيَانا للْجُوَاز. وَالثَّانيَِة: أَن ذَلِك كَانَ من جماع لَا من احْتِلَام، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَحْتَلِم، إِذْ الِاحْتِلَام من الشَّيْطَان وَهُوَ مَعْصُوم مِنْهُ قيل فِي قَول عَائِشَة من غير احْتِلَام إِشَارَة إِلَى جَوَاز الِاحْتِلَام عَلَيْهِ وَإِلَّا لما كَانَ لاستثنائه معنى ورد بِأَن الِاحْتِلَام من الشَّيْطَان وَهُوَ مَعْصُوم عَنهُ، وَلَكِن الِاحْتِلَام يُطلق على الْإِنْزَال، وَقد يَقع الْإِنْزَال من غير رُؤْيَة شَيْء فِي الْمَنَام.

قَوْله: (فَقَالَ مَرْوَان لعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث: أقسم بِاللَّه لتقرعن بهَا أَبَا هُرَيْرَة) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عِكْرِمَة بن خَالِد (عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ مَرْوَان لعبد الرَّحْمَن: إلقَ أَبَا هُرَيْرَة فحدثه بِهَذَا، فَقَالَ: إِنَّه لجاري وَإِنِّي لأكْره أَن استقبله بِمَا يكره، فَقَالَ: أعزم عَلَيْك لتلقينه) ، وَمن طَرِيق عمر بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن لمروان: غفر الله لَك، إِنَّه لي صديق وَلَا أحب أَن أرد عَلَيْهِ) قَوْله: (وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يُفْتى أَن من أصبح جنبا أفطر ذَلِك الْيَوْم) ، على مَا رَوَاهُ مَالك عَن سمي (عَن أبي بكر أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَقُول: من أصبح جنبا أفطر ذَلِك الْيَوْم) ، وَفِي رِوَايَة للنسائي من طَرِيق المَقْبُري: (كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُفْتِي النَّاس: أَن من أصبح جنبا فَلَا يَصُوم ذَلِك الْيَوْم) ، وَإِلَيْهِ كَانَ يذهب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعُرْوَة بن الزبير وطاووس، وَلَكِن أَبَا هُرَيْرَة لم يثبت على قَوْله هَذَا حَيْثُ رد الْعلم بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة إِلَى عَائِشَة، فَقَالَ: عَائِشَة أعلم مني، أَو قَالَ: أعلم بِأَمْر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منِّي. وَقَالَ أَبُو عمر: روى عَن أبي هُرَيْرَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان الرُّجُوع عَن ذَلِك، وَحَكَاهُ الْحَازِمِي عَن سعيد بن الْمسيب، وَقَالَ الْخطابِيّ وَابْن الْمُنْذر: أحسن مَا سَمِعت من خبر أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه مَنْسُوخ، لِأَن الْجِمَاع كَانَ محرما على الصَّائِم بعد النّوم، فَلَمَّا أَبَاحَ الله تَعَالَى الْجِمَاع إِلَى طُلُوع الْفجْر جَازَ للْجنب إِذا أصبح قبل أَن يغْتَسل أَن يَصُوم لارْتِفَاع الْحَظْر، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُفْتِي بِمَا سَمعه من الْفضل على الْأَمر الأول وَلم يعلم بالنسخ، فَلَمَّا سمع خبر عَائِشَة وَأم سَلمَة رَجَعَ إِلَيْهِ. قَوْله: (لتفزعن) ، بِالْفَاءِ وَالزَّاي من الْفَزع وَهُوَ الْخَوْف، أَي: لتخيفنه بِهَذِهِ الْقِصَّة الَّتِي تخَالف فتواه، وَقد أكد هَذَا بِاللَّامِ وَالنُّون الْمُشَدّدَة، وَهَذَا كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: (تقرعن) ، من القرع بِالْقَافِ وَالرَّاء أَي لتقرعن أَبَا هُرَيْرَة بِهَذِهِ الْقِصَّة، يُقَال: قرعت بِكَذَا، سمْعَ فلَان: إِذا أعلمته إعلاما صَرِيحًا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى (لتعرفن) ، من التَّعْرِيف. قَوْله: (ومروان يَوْمئِذٍ على الْمَدِينَة) ، أَي: حَاكما عَلَيْهَا من جِهَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. قَوْله: (فكره ذَلِك عبد الرَّحْمَن) ، أَي: فكره عبد الرَّحْمَن فعل مَا قَالَه مَرْوَان من قرع أبي هُرَيْرَة وإفزاعه فِيمَا كَانَ يُفْتِي بِهِ. قَوْله: (ثمَّ قدر لنا) أَي: قَالَ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن: ثمَّ بعد ذَلِك قدر الله لنا الِاجْتِمَاع بِذِي الحليفة، وَهُوَ الْموضع الْمَعْرُوف، وَهُوَ مِيقَات أهل الْمَدِينَة وَكَانَ لأبي هُرَيْرَة هُنَالك أَي: فِي ذِي الحليفة أَرض، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة هُنَاكَ فِي ذَلِك الْوَقْت. فَإِن قلت: فَفِي رِوَايَة مَالك:

(فَقَالَ مَرْوَان لعبد الرَّحْمَن: أَقْسَمت عَلَيْك لتركبن دَابَّتي فَإِنَّهَا بِالْبَابِ، ولتذهبن إِلَى أبي هُرَيْرَة فَإِنَّهُ بأرضه بالعقيق، فلتخبرنه، فَركب عبد الرَّحْمَن وَركبت مَعَه) ، أَي: قَالَ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن: وَركبت مَعَ عبد الرَّحْمَن، فَهَذِهِ تخَالف رِوَايَة الْكتاب، فَإِن العقيق غير ذِي الحليفة، لِأَن العقيق وَاد بِظَاهِر الْمَدِينَة مسيل للْمَاء، وَهُوَ الَّذِي ورد ذكره فِي الحَدِيث أَنه وادٍ مبارك، وكل مسيل شقَّه مَاء السَّيْل فَهُوَ عقيق، وَالْجمع أعقة. قلت: لَا تخَالف بَين الرِّوَايَتَيْنِ من حَيْثُ إِن أَبَا هُرَيْرَة كَانَت لَهُ أَرض أَيْضا بالعقيق، فَالظَّاهِر أَن أَبَا بكر وأباه عبد الرَّحْمَن قصدا أَبَا هُرَيْرَة للاجتماع لَهُ امتثالاً لأمر مَرْوَان، فَأتيَا إِلَى العقيق بِنَاء على أَنه هُنَاكَ فَلم يجداه، فذهبا إِلَى ذِي الحليفة فوجداه هُنَاكَ. فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر: فَقَالَ مَرْوَان: عزمت عَلَيْكُمَا لما ذهبتما إِلَى أبي هُرَيْرَة، قَالَ: فلقينا أَبَا هُرَيْرَة عِنْد بَاب الْمَسْجِد قلت: الْجَواب الْحسن هُنَا أَن يُقَال: المُرَاد بِالْمَسْجِدِ مَسْجِد ذِي الحليفة، لأَنهم ذكرُوا أَن بِذِي الحليفة عدَّة آبار ومسجدان للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَن المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُنَا مَسْجِد أبي هُرَيْرَة بالعقيق لَا الْمَسْجِد النَّبَوِيّ. قلت: سُبْحَانَ الله مَا أبعد هَذَا من مَنْهَج الصَّوَاب، لِأَنَّهُ قَالَ أَولا فِي التَّوْفِيق بَين قَوْله: بِذِي الحليفة، وَقَوله: بالعقيق: يحْتَمل أَن يَكُونَا يَعْنِي: أَبَا بكر وأباه عبد الرَّحْمَن قصدا إِلَى العقيق بِنَاء على أَن أَبَا هُرَيْرَة فِيهَا فَلم يجداه، قَالَ: ثمَّ وجداه بِذِي الحليفة، وَكَانَ لَهُ بهَا أَيْضا أَرض، وَمعنى كَلَامه: أَنَّهُمَا لما لم يجداه بالعقيق ذَهَبا إِلَى ذِي الحليفة فوجداه هُنَاكَ عِنْد بَاب الْمَسْجِد، فَيلْزم من مُقْتَضى كَلَامه أَنهم عَادوا من ذِي الحليفة إِلَى العقيق ولاقياه فِيهَا عِنْد بَاب الْمَسْجِد، وَهَذَا كَلَام خَارج أَجْنَبِي عَن مُقْتَضى معنى التَّرْكِيب، لأَنهم لَو كَانُوا عَادوا من ذِي الحليفة إِلَى العقيق، كَيفَ كَانَ أَبُو بكر وَعبد الرَّحْمَن يَقُولَانِ: لَقينَا أَبَا هُرَيْرَة عِنْد بَاب الْمَسْجِد؟ وَالْحَال أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ مَعَهُمَا على مُقْتَضى كَلَامه؟ ثمَّ ذكر هَذَا الْقَائِل وَجها آخر أبعد من الأول، حَيْثُ قَالَ: أَو يجمع بِأَنَّهُمَا التقيا بالعقيق، فَذكر لَهُ عبد الرَّحْمَن الْقِصَّة مجملة، أَو لم يذكرهَا، بل شرع فِيهَا ثمَّ لم يتهيأ لَهُ ذكر تفصيلها وَسَمَاع جَوَاب أبي هُرَيْرَة إلَاّ بعد أَن رجعا إِلَى الْمَدِينَة، وأرادا دُخُول الْمَسْجِد النَّبَوِيّ. قلت: الَّذِي حمله على هَذَا التَّفْسِير تَفْسِيره الْمَسْجِد: بِمَسْجِد العقيق، وَلَو فسره بِمَسْجِد ذِي الحليفة لاستراح وأراح، على أَنا نقُول: من قَالَ: إِنَّه كَانَ لأبي هُرَيْرَة مَسْجِد بالعقيق، وَأما الْمَسْجِد الَّذِي بِذِي الحليفة فقد نَص عَلَيْهِ أهل السّير والإخباريون، وَلَا دلَالَة أصلا فِي الحَدِيث على هَذَا التَّوْجِيه الَّذِي ذكره، وَلَا قَالَ بِهِ أحد قبله. قَوْله: (إِنِّي ذَاكر أمرا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (إِنِّي أذكر لَك) ، بِصِيغَة الْمُضَارع. قَوْله: (لم أذكرهُ لَك) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (لم أذكر ذَلِك) . قَوْله: (كَذَلِك حَدثنِي الْفضل بن عَبَّاس) ، وَقد أحَال أَبُو هُرَيْرَة فِيهِ مرّة على الْفضل، وَمرَّة على أُسَامَة بن زيد فِيمَا رَوَاهُ عمر بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده، وَمرَّة قَالَ: أخبرنيه مخبر، وَمرَّة قَالَ: حَدثنِي فلَان وَفُلَان، فِيمَا رَوَاهُ ابْن حبَان عَن عبد الْملك بن أبي بكر عَن أَبِيه عَنهُ على مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: لَا وَرب هَذَا الْبَيْت، مَا أَنا قلت: من أدْرك الصُّبْح جنبا فَلَا يصم مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَرب الْكَعْبَة قَالَه. ثمَّ حَدَّثَنِيهِ الْفضل) . قَوْله: (وَهُوَ أعلم) أَي: الْفضل أعلم مني بِمَا روى، والعهدة عَلَيْهِ فِي ذَلِك لَا عَليّ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: بَيَان الحكم الَّذِي بوب الْبَاب لأَجله. وَفِيه: دُخُول الْفُقَهَاء على السُّلْطَان ومذاكرتهم لَهُ بِالْعلمِ. وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ مَرْوَان من الِاشْتِغَال بِالْعلمِ ومسائل الدّين، مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الدُّنْيَا، ومروان عِنْدهم أحد الْعلمَاء وَكَذَلِكَ ابْنه عبد الْملك. وَفِيه: مَا يدل على أَن الشَّيْء إِذا تنوزع فِيهِ رد إِلَى من يظنّ أَنه يُوجد عِنْده علم مِنْهُ، وَذَلِكَ أَن أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعلم النَّاس بِهَذَا الْمَعْنى بعده. وَفِيه: أَن من كَانَ عِنْده علم فِي شَيْء وَسمع بِخِلَافِهِ كَانَ عَلَيْهِ إِنْكَاره، من ثِقَة سمع ذَلِك أَو غَيره، حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ صِحَة خلاف مَا عِنْده. وَفِيه: أَن الْحجَّة القاطعة عِنْد الِاخْتِلَاف فِيمَا لَا نَص فِيهِ من الْكتاب وَسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: إِثْبَات الْحجَّة فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل وَأَن الْمَرْأَة فِي ذَلِك كَالرّجلِ سَوَاء، وَأَن طَرِيق الْإِخْبَار فِي هَذَا غير طَرِيق الشَّهَادَات. وَفِيه: طلب الْحجَّة وَطلب الدَّلِيل والبحث على الْعلم حَتَّى يَصح فِيهِ وَجه، أَلا ترى أَن مرواه لما أخبرهُ عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة بِمَا أخبرهُ بِهِ من هَذَا الحَدِيث، بعث إِلَى أبي هُرَيْرَة طَالبا

للحجة وباحثا عَن موقعها ليعرف من أَيْن قَالَ أَبُو هُرَيْرَة مَا قَالَه من ذَلِك؟ وَفِيه: اعْتِرَاف الْعَالم بِالْحَقِّ وإنصافه إِذا سمع الْحجَّة، وَهَكَذَا أهل الْعلم وَالدّين أولو إنصاف واعتراف. وَفِيه: دَلِيل على تَرْجِيح رِوَايَة صَاحب الْخَبَر إِذا عَارضه حَدِيث آخر، وترجيح مَا رَوَاهُ النِّسَاء مِمَّا يخْتَص بِهن إِذا خالفهن فِيهِ الرِّجَال، وَكَذَلِكَ الْأَمر فِيمَا يخْتَص بِالرِّجَالِ على مَا أحكمه الأصوليون فِي: بَاب التَّرْجِيح للآثار. وَفِيه: حسن الْأَدَب مَعَ الأكابر وَتَقْدِير الِاعْتِذَار قبل تَبْلِيغ مَا يظنّ الْمبلغ أَن الْمبلغ يكرههُ.

وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن أصبح جنبا وَهُوَ يُرِيد الصَّوْم: هَل يَصح صَوْمه أم لَا؟ على سَبْعَة أَقْوَال: الأول: أَن الصَّوْم صَحِيح مُطلقًا فرضا كَانَ أَو تَطَوّعا أخر الْغسْل عَن طُلُوع الْفجْر عمدا أَو لنوم أَو نِسْيَان، لعُمُوم الحَدِيث، وَبِه قَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأَبُو ذَر وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ أَبُو عمر: إِنَّه الَّذِي عَلَيْهِ جمَاعَة فُقَهَاء الْأَمْصَار بالعراق والحجاز أَئِمَّة الْفَتْوَى بالأمصار، مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وأصحابهم وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن علية وَأَبُو عُبَيْدَة وَدَاوُد وَابْن جرير الطَّبَرِيّ وَجَمَاعَة من أهل الحَدِيث. الثَّانِي: أَنه لَا يَصح صَوْم من أصبح جنبا مُطلقًا، وَبِه قَالَ الْفضل بن عَبَّاس وَأُسَامَة بن زيد وَأَبُو هُرَيْرَة، ثمَّ رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَة عَنهُ كَمَا ذَكرْنَاهُ. الثَّالِث: التَّفْرِقَة بَين أَن يُؤَخر الْغسْل عَالما بجنابته أم لَا، فَإِن علم وأخره عمدا لم يَصح وإلَاّ صَحَّ، رُوِيَ ذَلِك عَن طَاوُوس وَعُرْوَة بن الزبير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَقَالَ صَاحب (الْإِكْمَال) : وَمثله عَن أبي هُرَيْرَة. الرَّابِع: التَّفْرِقَة بَين الْفَرْض وَالنَّفْل فَلَا يجْزِيه فِي الْفَرْض ويجزيه فِي النَّفْل، رُوِيَ ذَلِك عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَيْضا، حَكَاهُ صَاحب (الْإِكْمَال) عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَحكى أَبُو عمر عَن الْحسن بن حَيّ أَنه: كَانَ يسْتَحبّ لمن أصبح جنبا فِي رَمَضَان أَن يَقْضِيه، وَكَانَ يَقُول: يَصُوم الرجل تَطَوّعا وَإِن أصبح جنبا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ. الْخَامِس: أَن يتم صَوْمه ذَلِك الْيَوْم ويقضيه. رُوِيَ ذَلِك عَن سَالم بن عبد الله وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَيْضا وَعَطَاء بن أبي رَبَاح. السَّادِس: أَنه يسْتَحبّ الْقَضَاء فِي الْفَرْض دون النَّفْل، حَكَاهُ فِي (الاستذكار) عَن الْحسن بن صَالح بن حَيّ. السَّابِع: أَنه لَا يبطل صَوْمه إلَاّ أَن تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس قبل أَن يغْتَسل وَيُصلي، فَيبْطل صَوْمه، قَالَه ابْن حزم بِنَاء على مذْهبه فِي أَن الْمعْصِيَة عمدا تبطل الصَّوْم.

فَإِن قلت: حَدِيث الْفضل فِيهِ: أَن من أصبح جنبا فَلَا يَصُوم، وَحَدِيث عَائِشَة وَأم سَلمَة فِيهِ حِكَايَة فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يصبح جنبا ثمَّ يَصُوم، فَهَلا جمعتم بَين الْحَدِيثين بِحمْل حَدِيثهمَا على أَنه من الخصائص، وَحَدِيث الْفضل لغيره من الْأمة؟ وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي حديثيهما أَنه أخر الْغسْل عَن طُلُوع الْفجْر عمدا، فَلَعَلَّهُ نَام عَن ذَلِك. قلت: الأَصْل عدم التَّخْصِيص، وَمَعَ ذَلِك فَفِي الحَدِيث التَّصْرِيح بِعَدَمِ الْخُصُوص، فروى مَالك عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن معمر عَن أبي يُونُس، مولى عَائِشَة، (عَن عَائِشَة: أَن رجلا قَالَ لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ وَاقِف على الْبَاب وَأَنا أسمع: يَا رَسُول الله {إِنِّي أصبح جنبا، وَأَنا أُرِيد الصّيام} فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَأَنا أصبح جنبا وَأَنا أُرِيد الصّيام، فأغتسل وَأَصُوم، فَقَالَ لَهُ الرجل: يَا رَسُول الله إِنَّك لست مثلنَا، قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر، فَغَضب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ: إِنِّي أَرْجُو أَن أكون أخشاكم لله، وَأعْلمكُمْ بِمَا اتقِي) . وَمن طَرِيق مَالك أخرجه أَبُو دَاوُد، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بِنَحْوِهِ.

وَقَالَ هَمَّامٌ وابْنُ عَبْدِ الله بنِ عُمرَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ كانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يأمُرُ بالْفِطْرِ والأوَّلُ أسْندُ همام هُوَ ابْن مُنَبّه الصَّنْعَانِيّ، وَقد مر فِي: بَاب حسن إِسْلَام الْمَرْء، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَحْمد وَابْن حبَان من طَرِيق معمر عَنهُ بِلَفْظ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا نُودي للصَّلَاة صَلَاة الصُّبْح أحدكُم جنب فَلَا يصم يَوْمئِذٍ) . قَوْله: (وَابْن عبد الله) ، بِالرَّفْع عطف على همام، وَكَانَ لعبد الله بنُون سِتَّة. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِابْن عبد الله هُنَا هُوَ سَالم لِأَنَّهُ يروي عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: الْجَزْم بِأَنَّهُ سَالم بن عبد الله غير صَحِيح، لِأَن فِيهِ اخْتِلَافا، فَقيل: هُوَ عبد الله بن عمر، وَقيل: هُوَ عبيد الله بن عبد الله بِالتَّكْبِيرِ والتصغير. فِي اسْم الابْن، وَلأَجل هَذَا الِاخْتِلَاف لم يسمه البُخَارِيّ صَرِيحًا، وَأما تَعْلِيق

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً.

قَوْلُهُ في حديث أنس: (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَبِضَمِّهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَرَكَةِ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ فَيُنَاسِبُ الضَّمُّ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّسَحُّرِ، أَوِ الْبَرَكَةُ لِكَوْنِهِ يُقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ وَيُنَشِّطُ لَهُ وَيُخَفِّفُ الْمَشَقَّةَ فِيهِ فَيُنَاسِبُ الْفَتْحَ؛ لِأَنَّهُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ، وَقِيلَ: الْبَرَكَةُ مَا يُتَضَمَّنُ مِنَ الِاسْتِيقَاظِ وَالدُّعَاءِ فِي السَّحَرِ، وَالْأَوْلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهِيَ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ، وَمُدَافَعَةُ سُوءِ الْخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الْجُوعُ، وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ أَوْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْأَكْلِ، وَالتَّسَبُّبُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ، وَتَدَارُكُ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْبَرَكَةُ يَجُوزُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ السُّنَّةِ يُوجِبُ الْأَجْرَ وَزِيَادَتَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَقُوَّةِ الْبَدَنِ عَلَى الصَّوْمِ وَتَيْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِالصَّائِمِ. قَالَ وَمِمَّا يُعَلَّلُ بِهِ اسْتِحْبَابُ السُّحُورِ الْمُخَالَفَةُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأُجُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ. وَقَالَ أَيْضًا: وَقَعَ لِلْمُتَصَوِّفَةِ فِي مَسْأَلَةِ السُّحُورِ كَلَامٌ مِنْ جِهَةِ اعْتِبَارِ حُكْمِ الصَّوْمِ وَهِيَ كَسْرُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَالسُّحُورُ قَدْ يُبَايِنُ ذَلِكَ. قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ مَا زَادَ فِي الْمِقْدَارِ حَتَّى تَنْعَدِمَ هَذِهِ الْحِكْمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ كَالَّذِي صَنَعَهُ الْمُتْرَفُونَ مِنَ التَّأَنُّقِ فِي الْمَآكِلِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ.

(تَكْمِيلٌ): يَحْصُلُ السُّحُورُ بِأَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمَرْءُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِلَفْظِ: السُّحُورُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُرْسَلَةٍ: تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِلُقْمَةٍ.

٢١ - بَاب إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا

وَقَالَتْ أُمَّ الدَّرْدَاءِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا، وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ

١٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: إِنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ.

[الحديث ١٩٢٤ - طرفاه في: ٢٠٠٧، ٧٢٦٥]

قَوْلُهُ: (بَابٌ إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا) أَيْ: هَلْ يَصِحُّ مُطْلَقًا أَوْ لَا؟ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ جَوَازَ النَّفْلِ بِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَغْدُونَا أَحْيَانًا ضُحًى فَيَسْأَلُ الْغَدَاءَ، فَرُبَّمَا لَمْ يُوَافِقْهُ عِنْدَنَا فَيَقُولُ: إِذًا أَنَا صَائِمٌ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ سَأَلَ أَهْلَهُ الْغَدَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ: أَنَا صَائِمٌ، وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ حِينَ يَنْتَصِفُ النَّهَارُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ

الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا دَعَا بِالْغَدَاءِ فَلَا يَجِدُهُ، فَيَفْرِضُ عَلَيْهِ الصَّوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

قَوْلُهُ: (وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ) أَمَّا أَثَرُ أَبِي طَلْحَةَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا. صَامَ يَوْمَهُ ذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَفْعَلُهُ، وَلَفْظُ حُمَيْدٍ نَحْوُهُ وَزَادَ: وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ أَفْطَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ مُعَاذٍ. وَأَمَّا أَثَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ حَمْزَةَ (١)، عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَطُوفُ بِالسُّوقِ، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَقُولُ: عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَنَا صَائِمٌ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ آخَرَ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا طَلْحَةَ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.

وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ: كَانَ يُصْبِحُ حَتَّى يُظْهِرَ ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَصْبَحْتُ وَمَا أُرِيدُ الصَّوْمَ، وَمَا أَكَلْتُ مِنْ طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ مُنْذُ الْيَوْمَ، وَلَأَصُومَنَّ يَوْمِي هَذَا وَأَمَّا أَثَرُ حُذَيْفَةَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: مَنْ بَدَا لَهُ الصِّيَامُ بَعْدَ مَا تَزُولُ الشَّمْسُ فَلْيَصُمْ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: أَنَّ حُذَيْفَةَ بَدَا لَهُ فِي الصَّوْمِ بَعْدَ مَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَامَ وَقَدْ جَاءَ نَحْوُ مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ وَلَمْ يُسَمِّ النَّسَائِيُّ، عِكْرِمَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ صَوْمَ النَّافِلَةِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ فِي النَّهَارِ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَتَأَوَّلَهُ الْآخَرُونَ عَلَى أَنَّ سُؤَالَهُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ لِكَوْنِهِ كَانَ نَوَى الصَّوْمَ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ ضَعُفَ عَنْهُ وَأَرَادَ الْفِطْرَ لِذَلِكَ. قَالَ وَهُوَ تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ وَتَكَلُّفٌ بَعِيدٌ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَصْبَحَ يُرِيدُ الْإِفْطَارَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَصُومَ تَطَوُّعًا. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهُ أَنْ يَصُومَ مَتَى بَدَا لَهُ، فَذَكَرَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ، وَزَادَ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَأَبَا أَيُّوبَ وَغَيْرَهُمَا، وَسَاقَ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ إِلَيْهِمْ. قَالَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَصُومُ تَطَوُّعًا حَتَّى يُجْمِعَ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ يَتَسَحَّرَ وَقَالَ مَالِكٌ فِي النَّافِلَةِ: لَا يَصُومُ إِلَّا أَنْ يُبَيِّتَ، إِلَّا إِنْ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّبْيِيتِ وَقَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَصُومَ قَبْلَ مُنْتَصَفِ النَّهَارِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُجْزِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنَ الْجَوَازِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي مُعْظَمِ كُتُبِهِ التَّفْرِقَةُ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صِيَامُ التَّطَوُّعِ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ: عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ كَمَا سَيَأْتِي فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ.

قَوْلُهُ: (أنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى: قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ: أَذِّنْ فِي قَوْمِكَ وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ هِنْدُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ حَارِثَةَ الْأَسْلَمِيُّ لَهُ وَلِأَبِيهِ وَلِعَمِّهِ هِنْدِ بْنِ حَارِثَةَ صُحْبَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ هِنْدِ بْنِ أَسْمَاءَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ

إِلَى قَوْمِي مِنْ أَسْلَمَ فَقَالَ: مُرْ قَوْمَكَ أَنْ يَصُومُوا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ وَجَدْتَهُ مِنْهُمْ قَدْ أَكَلَ فِي أَوَّلِ يَوْمِهِ فَلْيَصُمْ آخِرَهُ وَرَوَى أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هِنْدٍ قَالَ: وَكَانَ هِنْدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَخُوهُ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ يَأْمُرُ قَوْمَهُ بِالصِّيَامِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ هِنْدٍ عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَهُ فَقَالَ: مُرْ قَوْمَكَ بِصِيَامِ هَذَا الْيَوْمِ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتَهُمْ قَدْ طَعِمُوا؟ قَالَ: فَلْيُتِمُّوا آخِرَ يَوْمِهِمْ قُلْتُ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ أَسْمَاءَ وَوَلَدِهِ هِنْدٍ أُرْسِلَا بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَلَى الْجَدِّ اسْمَ الْأَبِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ هِنْدٍ عَنْ جَدِّهِ أَسْمَاءَ فَتَتَّحِدُ الرِّوَايَتَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ سَلَمَةَ هَذَا عَلَى صِحَّةِ الصِّيَامِ لِمَنْ لَمْ يَنْوِهِ مِنَ اللَّيْلِ، سَوَاءٌ كَانَ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّوْمِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ مِنَ اللَّيْلِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ صِيَامَ عَاشُورَاءَ كَانَ وَاجِبًا، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ كَانَ فَرْضًا فَقَدْ نُسِخَ بِلَا رَيْبٍ، فَنُسِخَ حُكْمُهُ وَشَرَائِطُهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَمَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ وَمَنْ لَا يَشْتَرِطُ النِّيَّةَ مِنَ اللَّيْلِ لَا يُجِيزُ صِيَامَ مَنْ أَكَلَ مِنَ النَّهَارِ، وَصَرَّحَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ تَرْكَ التَّبْيِيتِ لِصَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنْ خَصَائِصِ عَاشُورَاءَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ حُكْمَهُ بَاقٍ فَالْأَمْرُ بِالْإِمْسَاكِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِجْزَاءَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ كَمَا يُؤْمَرُ مَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فِي رَمَضَانَ نَهَارًا وَكَمَا يُؤْمَرُ مَنْ أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ رَأَى الْهِلَالَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي أَمْرَهُمْ بِالْقَضَاءِ، بَلْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمِّهِ أَنَّ أَسْلَمَ أَتَتِ النَّبِيَّ فَقَالَ: صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَثْبُتَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَتَعَيَّنُ تَرْكُ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكِ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ كَمَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ.

وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ بِمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ لَفْظُ النَّسَائِيِّ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ: مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ وَاخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ الْمَوْقُوفَ بَعْدَ أَنْ أَطْنَبَ النَّسَائِيُّ فِي تَخْرِيجِ طُرُقِهِ، وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنِ الْبُخَارِيِّ تَرْجِيحَ وَقْفِهِ.

وَعَمِلَ بِظَاهِرِ الْإِسْنَادِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَصَحَّحُوا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، مِنْهُمُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ حَزْمٍ، وَرَوَى لَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ طَرِيقًا آخَرَ، وَقَالَ: رِجَالُهَا ثِقَاتٌ، وَأَبْعَدَ مَنْ خَصَّهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِصِيَامِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ تَفْرِقَةُ الطَّحَاوِيِّ بَيْنَ صَوْمِ الْفَرْضِ إِذَا كَانَ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَعَاشُورَاءَ فَتُجْزِئُ النِّيَّةُ فِي النَّهَارِ، أَوْ لَا فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَرَمَضَانَ، فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَبَيْنَ صَوْمِ التَّطَوُّعِ فَيُجْزِئُ فِي اللَّيْلِ وَفِي النَّهَارِ. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ كَلَامٌ غَثٌّ لَا أَصْلَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي رَمَضَانَ لِكُلِّ يَوْمٍ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ ; وَهُوَ كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ زُفَرُ (١): يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَاحْتَجَّ زُفَرُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُ صَوْمِ رَمَضَانَ لِتَعَيُّنِهِ، فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ مِعْيَارٌ لَهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ إِلَّا صَوْمٌ وَاحِدٌ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: يَلْزَمُ قَائِلَ هَذَا أَنْ يُصَحِّحَ صَوْمَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ إِذَا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ لِوُجُودِ الْإِمْسَاكِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، قَالَ: فَإِنِ الْتَزَمَهُ كَانَ مُسْتَشْنَعًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَلْزَمُهُ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِهَا إِلَّا قَدْرُهَا فَصَلَّى حِينَئِذٍ تَطَوُّعًا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنِ الْفَرْضِ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ حَزْمٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

مطلقًا نصًّا (١)، ويُحكَم بالصَّوم الشَّرعيِّ المثاب عليه من وقت النِّيَّة نصًّا، وقال مالكٌ: لا يصوم في النَّافلة إلَّا أن يبيِّت لقوله : «لا صيامَ لمن لم (٢) يبيِّت الصِّيام من اللَّيل»، ولحديث [خ¦١]: «الأعمال بالنِّيَّات»، فالإمساك أوَّل النَّهار عملٌ بلا نيَّةٍ، وقياسًا على الصَّلاة؛ إذ نفلها وفرضها في النِّيَّة سواءٌ.

١٩٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (٣) (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) (٤) «يزيد» من الزِّيادة، و «عبيد» مُصغَّرًا: مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) واسمُ الأكوع سنانُ بن عبد الله (: أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ رَجُلًا) هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلميُّ كما عند أحمد وابن أبي خيثمة (يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: أَنَّ) بفتح الهمزة وفي «اليونينيَّة»: بسكون النُّون مع فتح الهمزة (٥)، ولأبي ذرٍّ: «إِنَّ» بكسرها مع تشديد النُّون (٦) (مَنْ أَكَلَ فَلِْيُتِمَّ) بسكون اللَّام، ويجوز كسرها بلفظ الأمر للغائب، والميم مفتوحةٌ تخفيفًا، أي: ليمسك بقيَّة يومه حرمةً للوقت كما يمسك لو أصبح يوم الشَّكِّ مفطرًا، ثمَّ ثبت أنَّه من رمضان (أَوْ) قال: (فَلْيَصُمْ) شكٌّ من الرَّاوي (وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ) واستدلَّ به أبو حنيفة على (٧) أنَّ الفرض يجوز بنيَّةٍ (٨) من النَّهار لأنَّ صوم عاشوراء كان فرضًا، ورُدَّ بأنَّه إمساكٌ لا صومٌ، وبأنَّ عاشوراء لم يكن فرضًا عند الجمهور، وبأنَّه ليس فيه أنَّه لا قضاء عليهم، بل في أبي داود: أنَّهم أتمُّوا بقيَّة اليوم وقضَوه، واستدلَّ الجمهور لاشتراط النِّيَّة في صوم الفرض من اللَّيل بحديث حفصة عند أصحاب «السُّنن»: أنَّ النَّبيَّ قال: «من لم يبيِّت

الصِّيام من اللَّيل فلا صيام له» وهذا لفظ النَّسائيِّ، ولأبي داود والتِّرمذيِّ: «من لم يُجمِع الصِّيام قبل الفجر (١) فلا صيام له» واختُلِف في رفعه ووقفه، ورجَّح التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ الموقوف، وعمل بظاهر الإسناد جماعةٌ فصحَّحوا الحديث المذكور، منهم ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، وروى له الدَّارقُطنيُّ طريقًا أخرى، وقال: رجالها (٢) ثقاتٌ، وظاهره: العموم في الصَّوم نفلًا أو فرضًا، وهو محمولٌ على الفرض بقرينة حديث عائشة السَّابق، وهو قوله لها يومًا: «هل عندكم من غداءٍ؟» قالت: لا، قال: «فإنِّي إذًا أصوم (٣)» قالت: وقال لي يومًا آخر: «أعندكم شيءٌ؟» قلت: نعم، قال: «إذًا أفطرُ وإن كنت فرضت الصَّوم» رواه الدَّارقُطنيُّ وصحَّح إسناده، فلا تجزئ النِّيَّة مع طلوع الفجر لظاهر الحديث، ولا تختصُّ بالنِّصف الأخير من اللَّيل لإطلاقه، ولو شكَّ في تقدُّمها الفجر لم يصحَّ صومه لأنَّ الأصل عدم التَّقدُّم، ولا بدَّ من التَّبييت لكلِّ يومٍ لظاهر الحديث، ولأنَّ صوم كلِّ يومٍ عبادةٌ لتخلُّل اليومين ما يناقض الصَّوم كالصَّلاتين يتخلَّلهما السَّلام، وقال المالكيَّة: المشهورُ الاكتفاءُ بنيَّةٍ واحدةٍ في أوَّل ليلةٍ من رمضان لجميعه في حقِّ الحاضر الصَّحيح، وأمَّا المسافر والمريض فلا بدَّ لكلٍّ منهما من التَّبييت في كلِّ ليلةٍ، ولا بدَّ عند الشَّافعيَّة من كونها جازمةً مُعيَّنةً كالصَّلاة بخلاف الحنفيَّة فلم يشترطوا التَّعيين.

وهذا الحديث من الثُّلاثيَّات، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصِّيام» [خ¦٢٠٠٧] وفي «خبر الواحد» [خ¦٧٢٦٥]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّوم».

(٢٢) (بابُ الصَّائِمِ) حال كونه (يُصْبِحُ جُنُبًا) هل يصحُّ صومه أم لا؟

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَيْضا وَأما حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَأخْرجهُ أَبُو يعلى فِي مُسْنده عَنْهَا قَالَت: قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قرب إِلَيْنَا الْغذَاء الْمُبَارك يَعْنِي السّحُور وأولو آكله وَلَو حسوة فَإِنَّهَا اكلة بركَة وَهُوَ فصل بَين صومكم وَصَوْم النَّصَارَى " وَفِيه مقَال وَقَالَ الذَّهَبِيّ ميسرَة الْفجْر لَهُ صُحْبَة من أَعْرَاض الْبَصْرَة " قَالَ يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا " وَإِمَّا حَدِيث الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يسم فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن الْحَارِث يحدث عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " دخلت على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ يتسحر فَقَالَ إِنَّهَا بركَة أَعْطَاكُم الله إِيَّاهَا فَلَا تَدعُوهُ " وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات قَوْله " تسحرُوا " قد ذكرنَا أَنه أَمر ندب بِالْإِجْمَاع قَوْله " فِي السّحُور " قَالَ شَيخنَا رَحمَه الله روينَا بِفَتْح السِّين وَضمّهَا وَهُوَ بِالضَّمِّ الْفِعْل وبالفتح اسْم مَا يتسحر بِهِ كَالْوضُوءِ والسعوط والحنوط وَنَحْوهَا قَوْله " بركَة " قد ذكرُوا فِيهَا معَان الأول إِنَّه يُبَارك باليسير مِنْهُ بِحَيْثُ يحصل بِهِ الْإِعَانَة على الصَّوْم وَيدل عَلَيْهِ قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَلَو بجرعة مَاء وَلَو بتمرة " وَنَحْو ذَلِك وَيكون ذَلِك بالخاصية كَمَا بورك فِي الثَّرِيد وَالطَّعَام إِذا هدى فِي الْحَرَارَة واجتماع الْجَمَاعَة على الطَّعَام لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " اجْتَمعُوا على طَعَامكُمْ يُبَارك لكم فِيهِ " الثَّانِي يُرَاد بِالْبركَةِ نفي التبعة فِيهِ وَقد ذكر صَاحب الفردوس من حَدِيث أبي هُرَيْرَة " ثَلَاثَة لَا يُحَاسب عَلَيْهَا العَبْد اكلة السّحُور وَمَا أفطر عَلَيْهِ وَمَا أكل مَعَ الإخوان " الثَّالِث يُرَاد بِالْبركَةِ الْقُوَّة عَن الصّيام وَغَيره من أَعمال النَّهَار الرَّابِع يُرَاد بِالْبركَةِ الرُّخْصَة وَالصَّدَََقَة وَهُوَ الزِّيَادَة فِي الْأكل على الْأكل عِنْد الْإِفْطَار كَمَا كَانَ أَولا ثمَّ نسخ وَاصل الْبركَة فِي اللُّغَة الزِّيَادَة والنماء وَقَالَ عِيَاض قد تكون هَذِه الْبركَة مَا يتَّفق للمتسحر من ذكر أَو صَلَاة أَو اسْتِغْفَار وَغَيره من زيادات الْأَعْمَال الَّتِي لَوْلَا الْقيام للسحور لَكَانَ الْإِنْسَان نَائِما عَنْهَا وتاركاً لَهَا وتجديد النِّيَّة للصَّوْم ليخرج من الِاخْتِلَاف وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد هَذِه الْبركَة يجوز أَن تعودوا إِلَى الْأُمُور الأخروية فَإِن اتامة السّنة توجب الْأجر وزيادته وَيحْتَمل أَن تعود إِلَى الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة كقوة الْبدن على الصَّوْم وتيسيره من غير أضرار بالصائم قَالَ وَمِمَّا يُعلل بِهِ اسْتِحْبَاب السّحُور الْمُخَالفَة لأهل الْكتاب لِأَنَّهُ مُمْتَنع عِنْدهم وَهَذَا أحد الْوُجُوه الْمُقْتَضِيَة بِالزِّيَادَةِ فِي الأجور الأخروية

من طَرِيق عَمْرو بن أبي عمر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه كَانَ يصبح حَتَّى يظْهر ثمَّ يَقُول: وَالله لقد أَصبَحت وَمَا أُرِيد الصَّوْم، وَمَا أكلت من طَعَام وَلَا شراب مُنْذُ الْيَوْم، ولأصومن يومي هَذَا. قَوْله: (وَحُذَيْفَة) أَي: وَفعله حُذَيْفَة فوصل أَثَره عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة من طَرِيق سعيد بن عُبَيْدَة عَن أبي عبد الرحمان السّلمِيّ، قَالَ: (قَالَ حُذَيْفَة: من بدا لَهُ الصّيام بعد مَا تَزُول الشَّمْس فليصم) ، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: (أَن حُذَيْفَة بدا لَهُ فِي الصَّوْم بعد مَا زلات الشَّمْس، فصَام) .

وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن نوى الصَّوْم بعد طُلُوع الْفجْر الصَّادِق، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق: لَا يجوز صَوْم رَمَضَان إلَاّ بنية من اللَّيْل، وَهُوَ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة، وَقَالَ النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر: تجوز النِّيَّة فِي صَوْم رَمَضَان، وَالنّذر الْمعِين، وَصَوْم النَّفْل إِلَى مَا قبل الزَّوَال.

وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلفُوا فِيمَن أصبح يُرِيد الْإِفْطَار ثمَّ بدا لَهُ أَن يَصُوم تَطَوّعا، فَقَالَت طَائِفَة: لَهُ أَن يَصُوم مَتى مَا بدا لَهُ، فَذكر أَبَا الدَّرْدَاء وَأَبا طَلْحَة وَأَبا هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَأَبا أَيُّوب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ قَالَ: وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي نَقله ابْن الْمُنْذر عَن الشَّافِعِي من الْجَوَاز مُطلقًا، سَوَاء كَانَ قبل الزَّوَال أَو بعده هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ للشَّافِعِيّ، وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ فِي مُعظم كتبه التَّفْرِقَة. وَقَالَ مَالك فِي النَّافِلَة: لَا يَصُوم إلَاّ أَن يبيت إلَاّ أَن كَانَ يسْرد الصَّوْم فَلَا يحْتَاج إِلَى التبييت؛ وَلَكِن الْمَعْرُوف عَن مَالك وَاللَّيْث وَابْن أبي ذِئْب أَنه لَا يَصح صِيَام التَّطَوُّع إلَاّ بنية من اللَّيْل. وَقَالَ مُجَاهِد: الصَّائِم بِالْخِيَارِ مَا بَينه وَبَين نصف النَّهَار فَإِذا جَاوز ذَلِك فَإِنَّمَا بَقِي لَهُ بِقدر مَا بَقِي من النَّهَار، وَقَالَ الشّعبِيّ: من أَرَادَ الصَّوْم فَهُوَ مُخَيّر مَا بَينه وَبَين نصف النَّهَار، وَعَن الْحسن: إِذا تسحر الرجل فقد وَجب عَلَيْهِ الصَّوْم، فَإِن أفطر فَعَلَيهِ الْقَضَاء، وَإِن هم بِالصَّوْمِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ صَامَ وَإِن شَاءَ أفطر. وروى ابْن أبي شيبَة عَن الْمُعْتَمِر عَن حميد عَن أنس: (من حدث نَفسه بالصيام فَهُوَ بِالْخِيَارِ مَا لم يتكمل حَتَّى يَمْتَد النَّهَار) . وَقَالَ سُفْيَان بن سعيد وَأحمد بن حَنْبَل: من أصبح وَهُوَ يَنْوِي الْفطر إلَاّ أَنه لم يَأْكُل وَلم يشرب وَلَا وطىء فَلهُ أَن يَنْوِي الصَّوْم مَا لم تغب الشَّمْس، وَيصِح الصَّوْم.

٤٢٩١ - حدّثنا أبُو عاصِمٍ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَة بنِ الأكْوَع رَضِي الله عَنْهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعَثَ رَجُلاً يُنادهي فِي النَّاسَ يَوْمَ عاشورَاءَ أنَّ مَنْ أكَلَ فَلْيُتِمَّ أوْ فَلْيَصُمْ ومَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي جَوَاز نِيَّة الصَّوْم بِالنَّهَارِ لِأَن قَوْله: (فليتم) . وَقَوله: (فَلَا يَأْكُل) يدلان على جَوَاز النِّيَّة بِالصَّوْمِ فِي النَّهَار، وَلم يشْتَرط التَّبْيِين، وَهَذَا الحَدِيث من ثلاثيات البُخَارِيّ وَهُوَ خَامِس الثلاثيات لَهُ، وَأَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاك بن مخلد وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد بتصغير العَبْد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع، وَاسم الْأَكْوَع سِنَان بن عبيد الله. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مكي بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه فِي خبر الْوَاحِد عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع) وَفِي رِوَايَة يحيى الْقطَّان (عَن يزِيد بن أبي عبيد حَدثنَا سَلمَة بن الْأَكْوَع) كَمَا سَيَأْتِي فِي خبر الْوَاحِد. قَوْله: (بعث رجلا يُنَادي فِي النَّاس) وَفِي رِوَايَة يحيى: (قَالَ لرجل من أسلم: أذن فِي قَوْمك) . وَاسم هَذَا الرجل: هِنْد بن أَسمَاء بن حَارِثَة الْأَسْلَمِيّ، وَأخرج حَدِيثه أَحْمد وَابْن أبي حيثمة من طَرِيق ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي عبد الله بن أبي بكر (عَن خبيب بن هِنْد بن أَسمَاء الْأَسْلَمِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى قومِي من أسلم فَقَالَ: مُرقومك أَن يَصُومُوا هَذَا الْيَوْم، يَوْم عَاشُورَاء، فَمن وجدته مِنْهُم قد أكل فِي أول يَوْمه فليصم آخِره) . وَقد احْتج أَصْحَابنَا بِهَذَا الحَدِيث، وَبِحَدِيث الْبَاب على صِحَة الصّيام لمن لم ينوِ من اللَّيْل، سَوَاء كَانَ رَمَضَان أَو غَيره لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِالصَّوْمِ فِي أثْنَاء النَّهَار، فَدلَّ على أَن النِّيَّة لَا تشْتَرط من اللَّيْل، وَقَالَ بَعضهم: وَأجِيب بِأَن ذَلِك يتَوَقَّف على أَن صِيَام يَوْم عَاشُورَاء كَانَ وَاجِبا، وَالَّذِي يتَرَجَّح من أَقْوَال الْعلمَاء أَنه لم يكن فرضا. انْتهى. قلت: روى الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: كَانَ يَوْم عَاشُورَاء يَوْمًا

تصومه قُرَيْش من الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَصُومهُ، فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة صَامَهُ وَأمر بصيامه، فَلَمَّا فرض رَمَضَان. قَالَ: من شَاءَ صَامَهُ وَمن شَاءَ تَركه) . فَهَذَا الحَدِيث يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن صَوْم يَوْم عَاشُورَاء كَانَ فرضا، وَعَن عَائِشَة وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَجَابِر بن سَمُرَة: أَن صَوْم يَوْم عَاشُورَاء كَانَ فرضا قبل أَن يفْرض رَمَضَان، فَلَمَّا فرض رَمَضَان فَمن شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ ترك، ذكره ابْن شَدَّاد فِي أَحْكَامه. (وَعَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أرسل إِلَى قرى الْأَنْصَار الَّتِي حول الْمَدِينَة: من كَانَ أصبح صَائِما فليتم صَوْمه، وَمن كَانَ أصبح مُفطرا فليصم بَقِيَّة يَوْمه، وَمن لم يكن أكل فليصم) . مُتَّفق عَلَيْهِ، وَكَانَ صوما وَاجِبا متعنياً. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله: فَفِي هَذِه الأثار وجوب صَوْم عَاشُورَاء، وَفِي أمره، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، بصومه بَعْدَمَا أَصْبحُوا، وَأمره بالإمساك بعد مَا أكلُوا دَلِيل على وُجُوبه، إِذا لَا يَأْمر، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي النَّفْل بالإمساك إِلَى آخر النَّهَار بعد الْأكل، وَلَا بصومه لمن لم يصمه.

وَفِيه دَلِيل أَيْضا على أَن من كَانَ عَلَيْهِ صَوْم يَوْم بِعَيْنِه وَلم يكن نوى صَوْمه من اللَّيْل تجزيه النِّيَّة بعد مَا أصبح، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه كَانَ فرضا وَنسخ بِصَوْم رَمَضَان. فَإِن قلت: يُعَارض مَا ذكرْتُمْ حَدِيث مُعَاوِيَة (أَنه قَالَ على الْمِنْبَر: يَا أهل الْمَدِينَة: أَيْن عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول هَذَا يَوْم عَاشُورَاء، لم يكْتب الله عَلَيْكُم صايمه فَمن شَاءَ فليصم وَمن شَاءَ فليفطر، وَأَنا صَائِم) . قلت: بعد النّسخ لم يبْق مَكْتُوبًا علينا، وَلِأَن الْمُثبت أولى من النَّافِي، وَقَالَ الْقَائِل الْمَذْكُور: وَالَّذِي يتَرَجَّح من أَقْوَال الْعلمَاء أَنه، أَي: إِن صَوْم يَوْم عَاشُورَاء لم يكن فرضا، وعَلى تَقْدِير أَنه كَانَ فرضا فقد نسخ بِلَا ريب، فقد نسخ حكمه وشرائطه. انْتهى. قلت: هَذَا مُكَابَرَة فَلَا يتَرَجَّح من أَقْوَال الْعلمَاء إلَاّ إِن كَانَ فرضا، لما ذكرنَا من الدَّلَائِل، وَقَوله: فنسخ حكمه وشرائطه غير صَحِيح، أَلا ترى أَن التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس قد نسخ وَلم تنسخ سَائِر أَحْكَام الصَّلَاة وشرائطها؟ وَقَوله: وَأمره بالإمساك لَا يسْتَلْزم الْأَجْزَاء، لِأَن الْأَمر بالإمساك يحْتَمل أَن يكون لحُرْمَة الْوَقْت. قلت: الِاحْتِمَال إِذا كَانَ ناشئاً عَن غير دَلِيل لَا يعْتَبر بِهِ فبالاحتمال الْمُطلق لَا يثبت الحكم وَلَا يَنْفِي، ثمَّ اسْتدلَّ هَذَا الْقَائِل فِي قَوْله: الْأَمر بالإمساك لَا يسْتَلْزم الْأَجْزَاء بقوله: كَمَا يُؤمر من قدم من سفر فِي رَمَضَان نَهَارا، وكما يُؤمر من أفطر يَوْم الشَّك، ثمَّ رُؤِيَ الْهلَال، وكل ذَلِك لَا يُنَافِي أَمرهم بِالْقضَاءِ بل قد ورد ذَلِك صَرِيحًا فِي حَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق قَتَادَة عَن عبد الرَّحْمَن بن سَلمَة عَن عَمه: (إِن أم أسلم أَتَت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: صمتم يومكم هَذَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأتمُّوا بَقِيَّة يومكم واقضوه) . قلت: هَذَا الْقيَاس بَاطِل، لِأَن الرمضانية متعينة فِي الصُّورَة الأولى، ونفيت فِي الثَّانِيَة، فَكيف لَا يُؤمر بِالْقضَاءِ بِخِلَاف مَا نَحن فِيهِ.

والْحَدِيث الَّذِي قوَّى كَلَامه بِهِ غير صَحِيح من وُجُوه. الأول: إِن النَّسَائِيّ أخرجه وَلم يذكر واقضوه، وَقَالَ عبد الْحق فِي (الْأَحْكَام الْكُبْرَى) وَلَا يَصح هَذَا الحَدِيث فِي الْقَضَاء، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : لَفْظَة: واقضوا، مَوْضُوعه بِلَا شكّ. الثَّانِي: إِن الْبَيْهَقِيّ قَالَ عبد الرَّحْمَن: هَذَا مَجْهُول ومختلف فِي اسْم أَبِيه، وَلَا يدْرِي من عَمه، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: قيل عبد الرحمان بن مسلمة، كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد. وَقيل: ابْن سَلمَة، وَقيل: ابْن الْمنْهَال بن سَلمَة، وَرَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن عبد الرحمان بن الْمنْهَال بن سَلمَة الْخُزَاعِيّ عَن عَمه: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأسلم: صُومُوا الْيَوْم، قَالُوا: إِنَّا قد أكلنَا، قَالَ: صُومُوا بَقِيَّة يومكم، يَعْنِي عَاشُورَاء) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أخرجهَا ابْن حزم أَيْضا عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة (عَن عبد الرحمان بن مسلمة الْخُزَاعِيّ عَن عَمه، قَالَ: غدونا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَبِيحَة عَاشُورَاء، فَقَالَ لنا: أَصْبَحْتُم صياما؟ قُلْنَا: قد تغدينا يَا رَسُول الله! فَقَالَ: فصوموا بَقِيَّة يومكم، وَلم يَأْمُرهُم بِالْقضَاءِ) . الثَّالِث: أَن شُعْبَة قَالَ: كنت أنظر إِلَى فَم قَتَادَة، فَإِذا قَالَ: حدثن كتبت، وَإِذا قَالَ: عَن فلَان) أَو قَالَ: فلَان لم أكبه، وَهُوَ مُدَلّس دلّس عَن مجهولين، وَقَالَ الْكَرَابِيسِي وَغَيره: فَإِذا قَالَ المدلس: حَدثنَا، يكون حجَّة، وَإِذا قَالَ: فلَان قَالَ، أَو: عَن فلَان، لَا يكون حجَّة، فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ، فَإِذا كَانَت الرِّوَايَة، يَعْنِي عَن الثِّقَة الْمَعْرُوف بِالْحِفْظِ والضبط، لَا تكون حجَّة فَكيف تكون حجَّة؟ وَقد رَوَاهُ عَن مَجْهُول؟ وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: رِوَايَة: واقضوا، قَاطِعَة لحجة الْمُخَالف، وَنَصّ مَا يَقُوله الْجُمْهُور وجوب اعْتِبَار النِّيَّة من اللَّيْل، وَأَن نِيَّته من النَّهَار غير مُعْتَبرَة ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَيفَ يحْتَج بِمَا لَيْسَ بِحجَّة على خَصمه مَعَ علمه، ويعتقد أَنه يخفي، وَذكر مَا ذكرنَا من الْوُجُوه، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَاحْتج الْجُمْهُور

لاشْتِرَاط النِّيَّة فِي الصَّوْم من اللَّيْل بِمَا أخرجه أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث عبد الله بن عمر عَن أُخْته حَفْصَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من لم يبيت الصّيام من اللَّيْل فَلَا صِيَام لَهُ) ، لفظ النَّسَائِيّ، وَلأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: (من لم يجمع الصّيام قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ) ، وَاخْتلف فِي رَفعه وَوَقفه، وَرجح التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ الْمَوْقُوف بعد أَن أطنب فِي تَخْرِيج طرقه، وَحكى التِّرْمِذِيّ فِي الْعِلَل عَن البُخَارِيّ تَرْجِيح وَقفه، وَعمل بِظَاهِر الْإِسْنَاد جمَاعَة من الْأَئِمَّة فصححوا الحَدِيث الْمَذْكُور مِنْهُم ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحكم وَابْن حزم، وروى لَهُ الدَّارَقُطْنِيّ طَرِيقا أُخْرَى، وَقَالَ: رجالها ثِقَات، وَأبْعد من خصّه من الْحَنَفِيَّة بصيام الْقَضَاء وَالنّذر، وَأبْعد من ذَلِك تَفْرِقَة الطَّحَاوِيّ بَين صَوْم الْفَرْض إِذا كَانَ فِي يَوْم بِعَيْنِه كعاشوراء، فتجزي النِّيَّة فِي النَّهَار أَولا فِي يَوْم بِعَيْنِه كرمضان، فَلَا يَجْزِي، إلَاّ بنية من اللَّيْل، وَبَين صَوْم التَّطَوُّع فيجزي فِي اللَّيْل، وَفِي النَّهَار، وَقد تعقبه إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ كَلَام غث لَا أصل لَهُ. انْتهى. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حَفْصَة حَدِيث لَا نعرفه مَرْفُوعا إلَاّ من هَذَا الْوَجْه، يَعْنِي من الْوَجْه الَّذِي رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن ابْن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي بكر عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن حَفْصَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من لم يجمع الصيم قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ) ، وَفِي بعض النّسخ: تفرد بِهِ يحيى بن أَيُّوب، قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَوْله وَهُوَ أصح، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن الْأَزْهَر عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن ابْن شهَاب، وَقَالَ النَّسَائِيّ: وَرِوَايَة حَمْزَة الصَّوَاب عندنَا مَوْقُوف وَلم يَصح رَفعه، لِأَن يحيى بن أَيُّوب لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَحَدِيث ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ غير مَحْفُوظ. وَالله أعلم.

وَقَالَ شَيخنَا: وَأما الْمَوْقُوف الَّذِي ذكر التِّرْمِذِيّ أَنه أصح فقد رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) كَذَلِك عَن نَافِع عَن ان عمر قَوْله: وَمن طَرِيقه رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَوْله: وَقد جَاءَ من طرق مَوْقُوفا على حَفْصَة، رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن حَفْصَة، وَمن رِوَايَة يُونُس وَمعمر وَابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة بن عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن أَبِيه عَن حَفْصَة. وَمن رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة عَن حَفْصَة لم يذكر ابْن عمر، وَمن طَرِيق مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عَائِشَة وَحَفْصَة، رَضِي الله تعال عَنْهُمَا، قَوْلهمَا مُرْسلا.

وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عِنْد حَدِيث رَوَاهُ إِسْحَاق بن حَازِم عَن عبد الله ابْن أبي بكر عَن سَالم عَن أَبِيه عَن حَفْصَة مَرْفُوعا: (لَا صِيَام لمن لم ينومن اللَّيْل) ، وَرَوَاهُ يحيى بن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي بكر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن حَفْصَة مَرْفُوعا، قلت لَهُ: أَيهمَا أصح؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، لِأَن عبد الله بن أبي بكر أدْرك سالما وروى عَنهُ، وَلَا أَدْرِي سمع هَذَا الحَدِيث مِنْهُ أَو سَمعه من الزُّهْرِيّ عَن سَالم؟ وَقد رُوِيَ هَذَا عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة بن عبد الله بن عمر عَن حَفْصَة قَوْلهَا، وَهُوَ عِنْدِي أشبه. وَقَالَ أَبُو عمر: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث اضْطِرَاب. وَفِيه يحيى بن أَيُّوب الغافقي، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَالصَّوَاب فِي: مَوْقُوف، وَلذَلِك لم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَا يحْتَج بِهِ، وَذكره أَبُو الْفرج فِي الضُّعَفَاء والمتروكين. وَقَالَ أَحْمد هُوَ سيء الْحِفْظ وهم يردون الحَدِيث بِأَقَلّ من هَذَا، وَالْجرْح مقدم على التَّعْدِيل، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول الدَّارَقُطْنِيّ، وَهُوَ من الثِّقَات الرفعاء.

وَأما قَول هَذَا الْقَائِل: وَأبْعد من خصّه من الْحَنَفِيَّة بصيام الْقَضَاء وَالنّذر، فَكَلَام سَاقِط لَا طائل تَحْتَهُ، لِأَن من لم يخص هَذَا الحَدِيث بصيام الْقَضَاء وَالنّذر الْمُطلق، وَصَوْم الْكَفَّارَات يلْزم مِنْهُ النّسخ لمُطلق الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد، فَلَا يجوز ذَلِك، بَيَانه أَن قَوْله تَعَالَى: {} إِلَى قَوْله: {} (الْبَقَرَة: ٧٨١) مُبِيح للْأَكْل وَالشرب وَالْجِمَاع فِي ليَالِي رَمَضَان إِلَى طُلُوع الْفجْر، ثمَّ الْأَمر بالصيام عَنْهَا بعد طُلُوع الْفجْر مُتَأَخّر عَنهُ، لِأَن كلمة: ثمَّ، للتعقيب مَعَ التَّرَاخِي، فَكَانَ هَذَا أمرا بالصيام متراخياً عَن أول النَّهَار، وَالْأَمر بِالصَّوْمِ أَمر بِالنِّيَّةِ إِذْ لَا صَوْم شرعا بِدُونِ النِّيَّة، فَكَانَ أمرا بِالصَّوْمِ بنية مُتَأَخِّرَة عَن أول النَّهَار، وَقد أَتَى بِهِ، فَيخرج عَن الْعهْدَة.

وَفِيه: دلَالَة أَن الْإِمْسَاك فِي أول النَّهَار يَقع صوما، وُجدت فِيهِ النِّيَّة أَو لم تُوجد، لِأَن إتْمَام الشَّيْء يقتضى سَابِقَة وجود بعض شَيْء مِنْهُ، فَإِذا شرطنا النِّيَّة فِي أول اللَّيْل بِخَبَر الْوَاحِد يكون نسخا لمُطلق الْكتاب، فَلَا يجوز ذَلِك، فحينئذٍ يحمل ذَلِك على الصّيام

الْخَاص الْمعِين، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ، لِأَن مَشْرُوع الْوَقْت فِي هَذَا متنوع، فَيحْتَاج إِلَى التَّعْيِين بِالنِّيَّةِ، بِخِلَاف شهر رَمَضَان لِأَن الصَّوْم فِيهِ غير متنوع، فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّعْيِين، وَكَذَلِكَ النّذر الْمعِين فَهَذَا هُوَ السِّرّ الْخَفي فِي هَذَا التَّخْصِيص الَّذِي استبدعه من لَا وقُوف لَهُ على دقائق الْكَلَام، ومدارك اسْتِخْرَاج الْمعَانِي من النُّصُوص، وَلم يكتف الْمُدَّعِي بعد هَذَا الْكَلَام لبعد إِدْرَاكه حَتَّى ادّعى الأبعدية فِي تَفْرِقَة الطَّحَاوِيّ بَين صَوْم الْفَرْض وَصَوْم التَّطَوُّع، فَهَذِهِ دَعْوَى بَاطِلَة لِأَن حَامِل الطَّحَاوِيّ على هَذِه التَّفْرِقَة مَا رَوَاهُ مُسلم، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، (قَالَت: قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم: يَا عَائِشَة {هَل عنْدكُمْ شَيْء؟ قَالَت: فَقلت: لَا يَا رَسُول الله مَا عندنَا شَيْء} قَالَ: فَإِنِّي صَائِم) ، وبنحوه روى عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأبي طَلْحَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ إِن هَذَا الْقَائِل نقل عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ كلَاما لَا يُوجد أسمج مِنْهُ، لِأَن من يتعقب كَلَام أحد إِن لم يذكر وَجهه بِمَا يقبله الْعلمَاء، يكون كَلَامه هُوَ غثاء لَا أصل لَهُ، وَأجَاب بعض أَصْحَابنَا عَن الحَدِيث الْمَذْكُور، أَعنِي: حَدِيث حَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بعد التَّسْلِيم بِصِحَّتِهِ وسلامته عَن الِاضْطِرَاب بِأَنَّهُ مَحْمُول على نفي الْفَضِيلَة والكمال، كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إلَاّ فِي الْمَسْجِد) .

٢٢ - (بابُ الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّائِم حَال كَونه يصبح جنبا، هَل يَصح صَوْمه أم لَا؟ وَأطلق التَّرْجَمَة للْخلاف الْمَوْجُود فِيهِ.

٦٢٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عَن سُمَيٍّ مَوْلَى أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحارِثِ بنِ هِشامِ بنِ الْمُغِيرَةِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا بَكْرِ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ كُنتُ أنَا وَأبي حينَ دَخَلْنَا عَلَى عائِشَةَ وأمِّ سَلَمَةَ (ح) حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبَرَنِي أبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ أنَّ أباهُ عَبْدَ الرَّحْمانِ أخْبَرَ مَرْوَانَ أنَّ عائِشَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ أخْبَرَتاهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهْوَ جُنُبٌ مِنْ أهْلهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ ويَصُومُ وقالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ أُقْسِمُ بِاللَّه لَتُقَرِّعَنَّ بِها أبَا هُرَيْرَةَ ومَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى المَدِينَةِ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ فَكَرِهَ ذلِكَ عَبْدُ الرَّحْمانِ ثُمَّ قدِّرَ لَنا أنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الحُلَيفَةِ وكَانَتْ لأِبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أرْضٌ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ لأِبِي هُرَيْرَةَ إنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أمْرا ولَوْلَا مَرْوَانُ أقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أذْكُرْهُ لَكَ فذَكَرَ قَوْلَ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ كذلِكَ حدَّثني الْفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ وهوَ أعْلَمُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يُدْرِكهُ الْفجْر وَهُوَ جنب) .

ذكر رِجَاله وهم عشرَة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس، الثَّالِث: سمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد مر فِي الْأَذَان. الرَّابِع: أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن الْقرشِي، رَاهِب قُرَيْش، مر فِي الصَّلَاة. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم الْقرشِي المَخْزُومِي، ابْن عَم عِكْرِمَة بن أبي جهل بن هِشَام، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين. السَّادِس: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. السَّابِع: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة. الثَّامِن: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. التَّاسِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة. الْعَاشِر: أم الْمُؤمنِينَ أم سَلمَة هِنْد بنت أبي أُميَّة.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة

الْإِفْرَاد فِي موضِعين، وبصيغة التَّثْنِيَة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَبُو الْيَمَان وَشُعَيْب حمصيان والبقية كلهم مدنيون. وَفِيه: أَرْبَعَة من التَّابِعين وهم: أَبُو بكر وَأَبوهُ عبد الرَّحْمَن وَالزهْرِيّ ومروان.

ذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ: فِيهِ اخْتِلَاف كثير جدا على أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن وَغَيره، وَقد اخْتلف فِيهِ على الزُّهْرِيّ أَيْضا. فَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَحَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق عَنْهَا بِمَعْنَاهُ، وَقد اخْتلف فِيهِ على الشّعبِيّ أَيْضا، وَحَدِيث عَائِشَة وَأم سَلمَة فِيهِ قصَّة لم يذكرهَا التِّرْمِذِيّ، وَذكرهَا مُسلم من طَرِيق ابْن جريج، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن (عَن أبي بكر، قَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يقص، يَقُول فِي قصصه: من أدْركهُ الْفجْر حنبا فَلَا يصم. قَالَ: فَذكر ذَلِك أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْحَارِث لِأَبِيهِ، فَأنْكر ذَلِك، فَانْطَلق عبد الرَّحْمَن وَانْطَلَقت مَعَه حَتَّى دَخَلنَا على عَائِشَة وَأم سَلمَة، فَسَأَلَهُمَا عبد الرَّحْمَن عَن ذَلِك فكلتاهما قَالَت: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصبح جنبا من غير حلم ثمَّ يَصُوم. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلنَا على مَرْوَان، فَذكر ذَلِك لَهُ عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ مَرْوَان: عزمت عَلَيْهِ إلَاّ مَا ذهبت إِلَى أبي هُرَيْرَة فَرددت عَلَيْهِ مَا يَقُول، فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَة، وَأَبُو بكر حَاضر ذَلِك كُله، قَالَا: فَذكر ذَلِك لَهُ عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة لَهما: قالتاه لَك؟ قَالَ: نعم قَالَ: هما أعلم، ثمَّ رد أَبُو هُرَيْرَة مَا كَانَ يَقُول فِي ذَلِك إِلَى الْفضل بن عَبَّاس، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: سَمِعت ذَلِك من الْفضل، وَلم أسمعهُ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: فَرجع أَبُو هُرَيْرَة عَمَّا كَانَ يَقُول من ذَلِك) الحَدِيث، هَكَذَا ذكره مُسلم لم يرفع قَول أبي هُرَيْرَة، وَقد رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أدْركهُ الصُّبْح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ) . وَذكر الحَدِيث بِنَحْوِهِ، وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) ، وَقد رَوَاهُ البُخَارِيّ أخصر مِنْهُ من رِوَايَة ابْن شهَاب إِلَى قَوْله: (كَذَلِك حَدثنِي الْفضل بن عَبَّاس، وَهُوَ أعلم) ، وَفِي رِوَايَة للنسائي من رِوَايَة أبي عِيَاض عَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْحَارِث بن هِشَام، فَأَتَاهُ فَأخْبرهُ، قَالَ: هن أعلم يُرِيد أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يذكر أَبُو هُرَيْرَة فِي هَذِه الرِّوَايَة من حَدثهُ، وَهَكَذَا النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب عَن عمر بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده أَن عَائِشَة أخْبرته: لَيْسَ فِيهِ ذكر أم سَلمَة، وَفِيه: فَذهب عبد الرَّحْمَن فَأخْبرهُ، بذلك قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَهِيَ أعلم برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منا، إِنَّمَا كَانَ أُسَامَة بن زيد حَدثنِي ذَلِك، فَفِي هَذِه الرِّوَايَة أَن الْمخبر لأبي هُرَيْرَة أُسَامَة، وَقد تقدم أَنه الْفضل، وَفِي رِوَايَة للنسائي أخبرنيه مخبر، وَفِي رِوَايَة لَهُ: فَقَالَ: هَكَذَا كنت أَحسب، وَلم يحكه عَن أحد، وَفِي رِوَايَة للنسائي من رِوَايَة الحكم عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ: عَائِشَة إِذا أعلم برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلابْن حبَان من رِوَايَة عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه فَقَالَ هما أعلم يُرِيد عَائِشَة وَأم سَلمَة وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: هَكَذَا حَدثنِي الْفضل بن عَبَّاس وَهن أعلم. وَفِيه: أَيْضا من الِاخْتِلَاف مَا يَقْتَضِي أَن عبد الرَّحْمَن لم يشافه عَائِشَة، وَأم سَلمَة بالسؤال عَن ذَلِك، فَفِي النَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي عِيَاض، (عَن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، قَالَ: أَرْسلنِي مَرْوَان إِلَى عَائِشَة فأتيتها، فَلَقِيت غلامها ذكْوَان فأرسلته إِلَيْهَا فَسَأَلَهَا عَن ذَلِك. وَفِيه: (فأرسلني إِلَى أم سَلمَة فَلَقِيت غلامها نَافِعًا فأرسلته إِلَيْهَا فَسَأَلَهَا عَن ذَلِك) الحَدِيث، وَالْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا أَن عبد الرَّحْمَن شافهها بالسؤال أَكثر وَأَصَح، وَمَعَ هَذَا فَيجوز أَن يكون أرسل الْمولى أَولا ثمَّ أَتَى هُوَ فشافهته، أَو أَن الْمولى كَانَ وَاسِطَة فِي الدُّخُول عَلَيْهَا مَعَ عبد الرَّحْمَن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَحدثنَا أَبُو الْيَمَان) ، عطف على قَوْله: (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة) ، فَأخْرجهُ من طَرِيقين. وَأخرجه بَقِيَّة الْأَئِمَّة السِّتَّة خلا ابْن مَاجَه من طرق عديدة. قَوْله: (كنت أَنا وَأبي حَتَّى دَخَلنَا على عَائِشَة وَأم سَلمَة) ، هَكَذَا أوردهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الطَّرِيق من رِوَايَة مَالك مُخْتَصرا، ثمَّ ذكر الطَّرِيق الثَّانِي: عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الله، وَرُبمَا يظنّ ظان أَن سياقهما وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِنَّهُ يذكر لفظ مَالك بَعْدَمَا بَين، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر مَرْوَان وَلَا قصَّة أبي هُرَيْرَة، نعم قد رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن سمي مطولا، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن عبد ربه بن سعيد عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن

مُخْتَصرا، وَأخرجه مُسلم من هَذَا الْوَجْه، وَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى، قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن عبد ربه بن سعيد عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام (عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة زَوْجَتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهُمَا قَالَتَا: إِن كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ليُصبح جنبا من جماع غير احْتِلَام فِي رَمَضَان ثمَّ يَصُوم) . قَوْله: (إِن أَبَاهُ عبد الرَّحْمَن أخبر مَرْوَان) هُوَ مَرْوَان بن عبد الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن قصي الْقرشِي الْأمَوِي، أَبُو عبد الْملك، ولد بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ، وَقيل: بِأَرْبَع، وَلم يَصح لَهُ سَماع من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ مَالك: ولد يَوْم أحد، وَقيل: يَوْم الخَنْدَق، وَقيل: ولد بِمَكَّة، وَقيل: بِالطَّائِف وَلم ير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ خرج إِلَى الطَّائِف طفْلا لَا يعقل لما نفى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَاهُ الحكم، وَكَانَ مَعَ أَبِيه حَتَّى اسْتخْلف عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فردهما واستكتب عُثْمَان مَرْوَان وضمه إِلَيْهِ، وَاسْتَعْملهُ مُعَاوِيَة على الْمَدِينَة وَمَكَّة والطائف، ثمَّ عَزله عَن الْمَدِينَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين، وَلما مَاتَ مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَلم يعْهَد إِلَى أحد بَايع النَّاس بِالشَّام مَرْوَان بالخلافة، ثمَّ مَاتَ، وَكَانَت خِلَافَته تِسْعَة أشهر، مَاتَ فِي رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة سوى مُسلم. قَوْله: (كَانَ يُدْرِكهُ الْفجْر وَهُوَ جنب) أَي: وَالْحَال أَنه جنب من أَهله، ثمَّ يغْتَسل ويصوم، وَفِي رِوَايَة يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن (عَن عَائِشَة: كَانَ يُدْرِكهُ الْفجْر فِي رَمَضَان من غير حلم) ، وَسَيَأْتِي بعد بَابَيْنِ. وَفِي رِوَايَة للنسائي من طَرِيق عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن (عَن أَبِيه عَنْهَا: كَانَ يصبح جنبا من غير احْتِلَام ثمَّ يَصُوم ذَلِك الْيَوْم) . وَفِي لفظ لَهُ: (كَانَ يصبح جنبا مني فيصوم ويأمرني بالصيام) .

وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذَا فَائِدَتَانِ: أَحدهمَا: أَنه كَانَ يُجَامع فِي رَمَضَان وَيُؤَخر الْغسْل إِلَى بعد طُلُوع الْفجْر بَيَانا للْجُوَاز. وَالثَّانيَِة: أَن ذَلِك كَانَ من جماع لَا من احْتِلَام، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَحْتَلِم، إِذْ الِاحْتِلَام من الشَّيْطَان وَهُوَ مَعْصُوم مِنْهُ قيل فِي قَول عَائِشَة من غير احْتِلَام إِشَارَة إِلَى جَوَاز الِاحْتِلَام عَلَيْهِ وَإِلَّا لما كَانَ لاستثنائه معنى ورد بِأَن الِاحْتِلَام من الشَّيْطَان وَهُوَ مَعْصُوم عَنهُ، وَلَكِن الِاحْتِلَام يُطلق على الْإِنْزَال، وَقد يَقع الْإِنْزَال من غير رُؤْيَة شَيْء فِي الْمَنَام.

قَوْله: (فَقَالَ مَرْوَان لعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث: أقسم بِاللَّه لتقرعن بهَا أَبَا هُرَيْرَة) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عِكْرِمَة بن خَالِد (عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ مَرْوَان لعبد الرَّحْمَن: إلقَ أَبَا هُرَيْرَة فحدثه بِهَذَا، فَقَالَ: إِنَّه لجاري وَإِنِّي لأكْره أَن استقبله بِمَا يكره، فَقَالَ: أعزم عَلَيْك لتلقينه) ، وَمن طَرِيق عمر بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن لمروان: غفر الله لَك، إِنَّه لي صديق وَلَا أحب أَن أرد عَلَيْهِ) قَوْله: (وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يُفْتى أَن من أصبح جنبا أفطر ذَلِك الْيَوْم) ، على مَا رَوَاهُ مَالك عَن سمي (عَن أبي بكر أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَقُول: من أصبح جنبا أفطر ذَلِك الْيَوْم) ، وَفِي رِوَايَة للنسائي من طَرِيق المَقْبُري: (كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُفْتِي النَّاس: أَن من أصبح جنبا فَلَا يَصُوم ذَلِك الْيَوْم) ، وَإِلَيْهِ كَانَ يذهب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعُرْوَة بن الزبير وطاووس، وَلَكِن أَبَا هُرَيْرَة لم يثبت على قَوْله هَذَا حَيْثُ رد الْعلم بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة إِلَى عَائِشَة، فَقَالَ: عَائِشَة أعلم مني، أَو قَالَ: أعلم بِأَمْر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منِّي. وَقَالَ أَبُو عمر: روى عَن أبي هُرَيْرَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان الرُّجُوع عَن ذَلِك، وَحَكَاهُ الْحَازِمِي عَن سعيد بن الْمسيب، وَقَالَ الْخطابِيّ وَابْن الْمُنْذر: أحسن مَا سَمِعت من خبر أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه مَنْسُوخ، لِأَن الْجِمَاع كَانَ محرما على الصَّائِم بعد النّوم، فَلَمَّا أَبَاحَ الله تَعَالَى الْجِمَاع إِلَى طُلُوع الْفجْر جَازَ للْجنب إِذا أصبح قبل أَن يغْتَسل أَن يَصُوم لارْتِفَاع الْحَظْر، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُفْتِي بِمَا سَمعه من الْفضل على الْأَمر الأول وَلم يعلم بالنسخ، فَلَمَّا سمع خبر عَائِشَة وَأم سَلمَة رَجَعَ إِلَيْهِ. قَوْله: (لتفزعن) ، بِالْفَاءِ وَالزَّاي من الْفَزع وَهُوَ الْخَوْف، أَي: لتخيفنه بِهَذِهِ الْقِصَّة الَّتِي تخَالف فتواه، وَقد أكد هَذَا بِاللَّامِ وَالنُّون الْمُشَدّدَة، وَهَذَا كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: (تقرعن) ، من القرع بِالْقَافِ وَالرَّاء أَي لتقرعن أَبَا هُرَيْرَة بِهَذِهِ الْقِصَّة، يُقَال: قرعت بِكَذَا، سمْعَ فلَان: إِذا أعلمته إعلاما صَرِيحًا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى (لتعرفن) ، من التَّعْرِيف. قَوْله: (ومروان يَوْمئِذٍ على الْمَدِينَة) ، أَي: حَاكما عَلَيْهَا من جِهَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. قَوْله: (فكره ذَلِك عبد الرَّحْمَن) ، أَي: فكره عبد الرَّحْمَن فعل مَا قَالَه مَرْوَان من قرع أبي هُرَيْرَة وإفزاعه فِيمَا كَانَ يُفْتِي بِهِ. قَوْله: (ثمَّ قدر لنا) أَي: قَالَ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن: ثمَّ بعد ذَلِك قدر الله لنا الِاجْتِمَاع بِذِي الحليفة، وَهُوَ الْموضع الْمَعْرُوف، وَهُوَ مِيقَات أهل الْمَدِينَة وَكَانَ لأبي هُرَيْرَة هُنَالك أَي: فِي ذِي الحليفة أَرض، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة هُنَاكَ فِي ذَلِك الْوَقْت. فَإِن قلت: فَفِي رِوَايَة مَالك:

(فَقَالَ مَرْوَان لعبد الرَّحْمَن: أَقْسَمت عَلَيْك لتركبن دَابَّتي فَإِنَّهَا بِالْبَابِ، ولتذهبن إِلَى أبي هُرَيْرَة فَإِنَّهُ بأرضه بالعقيق، فلتخبرنه، فَركب عبد الرَّحْمَن وَركبت مَعَه) ، أَي: قَالَ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن: وَركبت مَعَ عبد الرَّحْمَن، فَهَذِهِ تخَالف رِوَايَة الْكتاب، فَإِن العقيق غير ذِي الحليفة، لِأَن العقيق وَاد بِظَاهِر الْمَدِينَة مسيل للْمَاء، وَهُوَ الَّذِي ورد ذكره فِي الحَدِيث أَنه وادٍ مبارك، وكل مسيل شقَّه مَاء السَّيْل فَهُوَ عقيق، وَالْجمع أعقة. قلت: لَا تخَالف بَين الرِّوَايَتَيْنِ من حَيْثُ إِن أَبَا هُرَيْرَة كَانَت لَهُ أَرض أَيْضا بالعقيق، فَالظَّاهِر أَن أَبَا بكر وأباه عبد الرَّحْمَن قصدا أَبَا هُرَيْرَة للاجتماع لَهُ امتثالاً لأمر مَرْوَان، فَأتيَا إِلَى العقيق بِنَاء على أَنه هُنَاكَ فَلم يجداه، فذهبا إِلَى ذِي الحليفة فوجداه هُنَاكَ. فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر: فَقَالَ مَرْوَان: عزمت عَلَيْكُمَا لما ذهبتما إِلَى أبي هُرَيْرَة، قَالَ: فلقينا أَبَا هُرَيْرَة عِنْد بَاب الْمَسْجِد قلت: الْجَواب الْحسن هُنَا أَن يُقَال: المُرَاد بِالْمَسْجِدِ مَسْجِد ذِي الحليفة، لأَنهم ذكرُوا أَن بِذِي الحليفة عدَّة آبار ومسجدان للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَن المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُنَا مَسْجِد أبي هُرَيْرَة بالعقيق لَا الْمَسْجِد النَّبَوِيّ. قلت: سُبْحَانَ الله مَا أبعد هَذَا من مَنْهَج الصَّوَاب، لِأَنَّهُ قَالَ أَولا فِي التَّوْفِيق بَين قَوْله: بِذِي الحليفة، وَقَوله: بالعقيق: يحْتَمل أَن يَكُونَا يَعْنِي: أَبَا بكر وأباه عبد الرَّحْمَن قصدا إِلَى العقيق بِنَاء على أَن أَبَا هُرَيْرَة فِيهَا فَلم يجداه، قَالَ: ثمَّ وجداه بِذِي الحليفة، وَكَانَ لَهُ بهَا أَيْضا أَرض، وَمعنى كَلَامه: أَنَّهُمَا لما لم يجداه بالعقيق ذَهَبا إِلَى ذِي الحليفة فوجداه هُنَاكَ عِنْد بَاب الْمَسْجِد، فَيلْزم من مُقْتَضى كَلَامه أَنهم عَادوا من ذِي الحليفة إِلَى العقيق ولاقياه فِيهَا عِنْد بَاب الْمَسْجِد، وَهَذَا كَلَام خَارج أَجْنَبِي عَن مُقْتَضى معنى التَّرْكِيب، لأَنهم لَو كَانُوا عَادوا من ذِي الحليفة إِلَى العقيق، كَيفَ كَانَ أَبُو بكر وَعبد الرَّحْمَن يَقُولَانِ: لَقينَا أَبَا هُرَيْرَة عِنْد بَاب الْمَسْجِد؟ وَالْحَال أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ مَعَهُمَا على مُقْتَضى كَلَامه؟ ثمَّ ذكر هَذَا الْقَائِل وَجها آخر أبعد من الأول، حَيْثُ قَالَ: أَو يجمع بِأَنَّهُمَا التقيا بالعقيق، فَذكر لَهُ عبد الرَّحْمَن الْقِصَّة مجملة، أَو لم يذكرهَا، بل شرع فِيهَا ثمَّ لم يتهيأ لَهُ ذكر تفصيلها وَسَمَاع جَوَاب أبي هُرَيْرَة إلَاّ بعد أَن رجعا إِلَى الْمَدِينَة، وأرادا دُخُول الْمَسْجِد النَّبَوِيّ. قلت: الَّذِي حمله على هَذَا التَّفْسِير تَفْسِيره الْمَسْجِد: بِمَسْجِد العقيق، وَلَو فسره بِمَسْجِد ذِي الحليفة لاستراح وأراح، على أَنا نقُول: من قَالَ: إِنَّه كَانَ لأبي هُرَيْرَة مَسْجِد بالعقيق، وَأما الْمَسْجِد الَّذِي بِذِي الحليفة فقد نَص عَلَيْهِ أهل السّير والإخباريون، وَلَا دلَالَة أصلا فِي الحَدِيث على هَذَا التَّوْجِيه الَّذِي ذكره، وَلَا قَالَ بِهِ أحد قبله. قَوْله: (إِنِّي ذَاكر أمرا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (إِنِّي أذكر لَك) ، بِصِيغَة الْمُضَارع. قَوْله: (لم أذكرهُ لَك) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (لم أذكر ذَلِك) . قَوْله: (كَذَلِك حَدثنِي الْفضل بن عَبَّاس) ، وَقد أحَال أَبُو هُرَيْرَة فِيهِ مرّة على الْفضل، وَمرَّة على أُسَامَة بن زيد فِيمَا رَوَاهُ عمر بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده، وَمرَّة قَالَ: أخبرنيه مخبر، وَمرَّة قَالَ: حَدثنِي فلَان وَفُلَان، فِيمَا رَوَاهُ ابْن حبَان عَن عبد الْملك بن أبي بكر عَن أَبِيه عَنهُ على مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: لَا وَرب هَذَا الْبَيْت، مَا أَنا قلت: من أدْرك الصُّبْح جنبا فَلَا يصم مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَرب الْكَعْبَة قَالَه. ثمَّ حَدَّثَنِيهِ الْفضل) . قَوْله: (وَهُوَ أعلم) أَي: الْفضل أعلم مني بِمَا روى، والعهدة عَلَيْهِ فِي ذَلِك لَا عَليّ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: بَيَان الحكم الَّذِي بوب الْبَاب لأَجله. وَفِيه: دُخُول الْفُقَهَاء على السُّلْطَان ومذاكرتهم لَهُ بِالْعلمِ. وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ مَرْوَان من الِاشْتِغَال بِالْعلمِ ومسائل الدّين، مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الدُّنْيَا، ومروان عِنْدهم أحد الْعلمَاء وَكَذَلِكَ ابْنه عبد الْملك. وَفِيه: مَا يدل على أَن الشَّيْء إِذا تنوزع فِيهِ رد إِلَى من يظنّ أَنه يُوجد عِنْده علم مِنْهُ، وَذَلِكَ أَن أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعلم النَّاس بِهَذَا الْمَعْنى بعده. وَفِيه: أَن من كَانَ عِنْده علم فِي شَيْء وَسمع بِخِلَافِهِ كَانَ عَلَيْهِ إِنْكَاره، من ثِقَة سمع ذَلِك أَو غَيره، حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ صِحَة خلاف مَا عِنْده. وَفِيه: أَن الْحجَّة القاطعة عِنْد الِاخْتِلَاف فِيمَا لَا نَص فِيهِ من الْكتاب وَسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: إِثْبَات الْحجَّة فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل وَأَن الْمَرْأَة فِي ذَلِك كَالرّجلِ سَوَاء، وَأَن طَرِيق الْإِخْبَار فِي هَذَا غير طَرِيق الشَّهَادَات. وَفِيه: طلب الْحجَّة وَطلب الدَّلِيل والبحث على الْعلم حَتَّى يَصح فِيهِ وَجه، أَلا ترى أَن مرواه لما أخبرهُ عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة بِمَا أخبرهُ بِهِ من هَذَا الحَدِيث، بعث إِلَى أبي هُرَيْرَة طَالبا

للحجة وباحثا عَن موقعها ليعرف من أَيْن قَالَ أَبُو هُرَيْرَة مَا قَالَه من ذَلِك؟ وَفِيه: اعْتِرَاف الْعَالم بِالْحَقِّ وإنصافه إِذا سمع الْحجَّة، وَهَكَذَا أهل الْعلم وَالدّين أولو إنصاف واعتراف. وَفِيه: دَلِيل على تَرْجِيح رِوَايَة صَاحب الْخَبَر إِذا عَارضه حَدِيث آخر، وترجيح مَا رَوَاهُ النِّسَاء مِمَّا يخْتَص بِهن إِذا خالفهن فِيهِ الرِّجَال، وَكَذَلِكَ الْأَمر فِيمَا يخْتَص بِالرِّجَالِ على مَا أحكمه الأصوليون فِي: بَاب التَّرْجِيح للآثار. وَفِيه: حسن الْأَدَب مَعَ الأكابر وَتَقْدِير الِاعْتِذَار قبل تَبْلِيغ مَا يظنّ الْمبلغ أَن الْمبلغ يكرههُ.

وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن أصبح جنبا وَهُوَ يُرِيد الصَّوْم: هَل يَصح صَوْمه أم لَا؟ على سَبْعَة أَقْوَال: الأول: أَن الصَّوْم صَحِيح مُطلقًا فرضا كَانَ أَو تَطَوّعا أخر الْغسْل عَن طُلُوع الْفجْر عمدا أَو لنوم أَو نِسْيَان، لعُمُوم الحَدِيث، وَبِه قَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأَبُو ذَر وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ أَبُو عمر: إِنَّه الَّذِي عَلَيْهِ جمَاعَة فُقَهَاء الْأَمْصَار بالعراق والحجاز أَئِمَّة الْفَتْوَى بالأمصار، مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وأصحابهم وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن علية وَأَبُو عُبَيْدَة وَدَاوُد وَابْن جرير الطَّبَرِيّ وَجَمَاعَة من أهل الحَدِيث. الثَّانِي: أَنه لَا يَصح صَوْم من أصبح جنبا مُطلقًا، وَبِه قَالَ الْفضل بن عَبَّاس وَأُسَامَة بن زيد وَأَبُو هُرَيْرَة، ثمَّ رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَة عَنهُ كَمَا ذَكرْنَاهُ. الثَّالِث: التَّفْرِقَة بَين أَن يُؤَخر الْغسْل عَالما بجنابته أم لَا، فَإِن علم وأخره عمدا لم يَصح وإلَاّ صَحَّ، رُوِيَ ذَلِك عَن طَاوُوس وَعُرْوَة بن الزبير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَقَالَ صَاحب (الْإِكْمَال) : وَمثله عَن أبي هُرَيْرَة. الرَّابِع: التَّفْرِقَة بَين الْفَرْض وَالنَّفْل فَلَا يجْزِيه فِي الْفَرْض ويجزيه فِي النَّفْل، رُوِيَ ذَلِك عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَيْضا، حَكَاهُ صَاحب (الْإِكْمَال) عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَحكى أَبُو عمر عَن الْحسن بن حَيّ أَنه: كَانَ يسْتَحبّ لمن أصبح جنبا فِي رَمَضَان أَن يَقْضِيه، وَكَانَ يَقُول: يَصُوم الرجل تَطَوّعا وَإِن أصبح جنبا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ. الْخَامِس: أَن يتم صَوْمه ذَلِك الْيَوْم ويقضيه. رُوِيَ ذَلِك عَن سَالم بن عبد الله وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَيْضا وَعَطَاء بن أبي رَبَاح. السَّادِس: أَنه يسْتَحبّ الْقَضَاء فِي الْفَرْض دون النَّفْل، حَكَاهُ فِي (الاستذكار) عَن الْحسن بن صَالح بن حَيّ. السَّابِع: أَنه لَا يبطل صَوْمه إلَاّ أَن تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس قبل أَن يغْتَسل وَيُصلي، فَيبْطل صَوْمه، قَالَه ابْن حزم بِنَاء على مذْهبه فِي أَن الْمعْصِيَة عمدا تبطل الصَّوْم.

فَإِن قلت: حَدِيث الْفضل فِيهِ: أَن من أصبح جنبا فَلَا يَصُوم، وَحَدِيث عَائِشَة وَأم سَلمَة فِيهِ حِكَايَة فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يصبح جنبا ثمَّ يَصُوم، فَهَلا جمعتم بَين الْحَدِيثين بِحمْل حَدِيثهمَا على أَنه من الخصائص، وَحَدِيث الْفضل لغيره من الْأمة؟ وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي حديثيهما أَنه أخر الْغسْل عَن طُلُوع الْفجْر عمدا، فَلَعَلَّهُ نَام عَن ذَلِك. قلت: الأَصْل عدم التَّخْصِيص، وَمَعَ ذَلِك فَفِي الحَدِيث التَّصْرِيح بِعَدَمِ الْخُصُوص، فروى مَالك عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن معمر عَن أبي يُونُس، مولى عَائِشَة، (عَن عَائِشَة: أَن رجلا قَالَ لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ وَاقِف على الْبَاب وَأَنا أسمع: يَا رَسُول الله {إِنِّي أصبح جنبا، وَأَنا أُرِيد الصّيام} فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَأَنا أصبح جنبا وَأَنا أُرِيد الصّيام، فأغتسل وَأَصُوم، فَقَالَ لَهُ الرجل: يَا رَسُول الله إِنَّك لست مثلنَا، قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر، فَغَضب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ: إِنِّي أَرْجُو أَن أكون أخشاكم لله، وَأعْلمكُمْ بِمَا اتقِي) . وَمن طَرِيق مَالك أخرجه أَبُو دَاوُد، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بِنَحْوِهِ.

وَقَالَ هَمَّامٌ وابْنُ عَبْدِ الله بنِ عُمرَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ كانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يأمُرُ بالْفِطْرِ والأوَّلُ أسْندُ همام هُوَ ابْن مُنَبّه الصَّنْعَانِيّ، وَقد مر فِي: بَاب حسن إِسْلَام الْمَرْء، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَحْمد وَابْن حبَان من طَرِيق معمر عَنهُ بِلَفْظ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا نُودي للصَّلَاة صَلَاة الصُّبْح أحدكُم جنب فَلَا يصم يَوْمئِذٍ) . قَوْله: (وَابْن عبد الله) ، بِالرَّفْع عطف على همام، وَكَانَ لعبد الله بنُون سِتَّة. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِابْن عبد الله هُنَا هُوَ سَالم لِأَنَّهُ يروي عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: الْجَزْم بِأَنَّهُ سَالم بن عبد الله غير صَحِيح، لِأَن فِيهِ اخْتِلَافا، فَقيل: هُوَ عبد الله بن عمر، وَقيل: هُوَ عبيد الله بن عبد الله بِالتَّكْبِيرِ والتصغير. فِي اسْم الابْن، وَلأَجل هَذَا الِاخْتِلَاف لم يسمه البُخَارِيّ صَرِيحًا، وَأما تَعْلِيق

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله