«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٤٦

الحديث رقم ١٩٤٦ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر ليس من البر الصوم في السفر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٤٦ في صحيح البخاري

«كَانَ رَسُولُ اللهِ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا، فَقَالُوا: صَائِمٌ فَقَالَ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ.»

بَابٌ: لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٩٤٦

١٩٤٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٤٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَدِيثِ عُمَرَ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي رَمَضَانَ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ الْفَتْحِ الْحَدِيثَ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى بَدْرٍ؛ لِأَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَسْلَمَ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهِيَةَ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُصِبْهُ مِنْهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ.

٣٦ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ

١٩٤٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ قَوْلِهِ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَأَنَّ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ مُجَرَّدًا فَقَدِ اخْتَصَرَ الْقِصَّةَ، وَبِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنِ اعْتِبَارِ شِدَّةِ الْمَشَقَّةِ يُجْمَعُ بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَالَّذِي قَبْلَهُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّوْمَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ، وَالْفِطْرُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمَشَقَّةَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ عَنِ الْفَرْضِ، بَلْ مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي الْحَضَرِ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَلِقَوْلِهِ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَمُقَابَلَةُ الْبِرِّ الْإِثْمُ، وَإِذَا كَانَ آثِمًا بِصَوْمِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قَالُوا: ظَاهِرُهُ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ أَوْ فَالْوَاجِبُ عِدَّةٌ، وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ: فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ، وَمُقَابِلُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ أَوِ الْمَشَقَّةَ الشَّدِيدَةَ، حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ.

وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: الْفِطْرُ أَفْضَلُ عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مُخَيَّرٌ مُطْلَقًا، وَقَالَ آخَرُونَ: أَفْضَلُهُمَا أَيْسَرُهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الصِّيَامُ أَيْسَرَ كَمَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالصَّوْمُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ أَفْضَلَ لِمَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَتَضَرَّرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ظُنَّ بِهِ الْإِعْرَاضُ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَسَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ.

وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي طُعْمَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ جِبَالِ عَرَفَةَ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ رَغِبَ عَنِ الرُّخْصَةِ لِقَوْلِهِ : مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي وَكَذَلِكَ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُجْبَ أَوِ الرِّيَاءَ إِذَا صَامَ فِي السَّفَرِ فَقَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ أَفْضَلَ لَهُ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِذَا سَافَرْتَ فَلَا تَصُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَصُمْ قَالَ أَصْحَابُكَ: اكْفُوا الصَّائِمَ، ارْفَعُوا لِلصَّائِمِ، وَقَامُوا بِأَمْرِكَ، وَقَالُوا: فُلَانٌ صَائِمٌ، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَذْهَبَ أَجْرُكَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُ ذَلِكَ.

وَسَيَأْتِي

فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ مُؤَرَّقٍ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوُ هَذَا مَرْفُوعًا، حَيْثُ قَالَ لِلْمُفْطِرِينَ حَيْثُ خَدَمُوا الصُّيَّامَ: ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ الصَّوْمَ أَيْضًا بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْآخِرِ فَالْآخِرُ مِنْ فِعْلِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ صَوْمَهُ فِي السَّفَرِ مَنْسُوخٌ، وَتُعُقِّبَ أَوَّلًا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُدْرَجَةٌ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَبِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إِلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ مِنْ أَنَّهُ أَفْطَرَ بَعْدَ أَنْ صَامَ وَنَسَبَ مَنْ صَامَ إِلَى الْعِصْيَانِ، وَلَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ صَامَ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي السَّفَرِ وَلَفْظُهُ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ فَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطَرُوا، فَكَانَتْ عَزِيمَةً فَأَفْطَرْنَا.

ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ الْجَوَابُ عَنْ نِسْبَتِهِ الصَّائِمِينَ إِلَى الْعِصْيَانِ؛ لِأَنَّهُ عَزَمَ عَلَيْهِمْ فَخَالَفُوا، وَهُوَ شَاهِدٌ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الْفِطْرِ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: لَقَدْ أَمَرْتُ غُلَامِي أَنْ يَصُومَ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: فَأَيْنَ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فَقَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ وَنَحْنُ نَرْتَحِلُ جِيَاعًا وَنَنْزِلُ عَلَى غَيْرِ شِبَعٍ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَنَرْتَحِلُ شِبَاعًا وَنَنْزِلُ عَلَى شِبَعٍ، فَأَشَارَ أَنَسٌ إِلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْفِطْرُ أَفْضَلَ مِنَ الصَّوْمِ.

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا أَيْضًا وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَمَعَ وَقْفِهِ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا، حَيْثُ يَكُونُ الْفِطْرُ أَوْلَى مِنَ الصَّوْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ فَسَلَكَ الْمُجِيزُونَ فِيهِ طُرُقًا: فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ فَيُقْصَرُ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَلِذَا قَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ وَلَفْظُهُ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَنَحْنُ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ قَدْ دَخَلَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ كَضَجْعَةِ الْوَجِعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا لِصَاحِبِكُمْ، أَيُّ وَجَعٍ بِهِ؟ فَقَالُوا: لَيْسَ بِهِ وَجَعٌ، وَلَكِنَّهُ صَائِمٌ، وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ حِينَئِذٍ: لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَكَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحَالِ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: أُخِذَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ كَرَاهَةَ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ هُوَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ مِمَّنْ يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَوْ يُؤَدِّي بِهِ إِلَى تَرْكِ مَا هُوَ أَوْلَى مِنَ الصَّوْمِ مِنْ وُجُوهِ الْقُرَبِ، فَيُنَزَّلُ قَوْلُهُ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ. قَالَ: وَالْمَانِعُونَ فِي السَّفَرِ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَالْعِبْرَةَ بِعُمُومِهِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ دَلَالَةِ السَّبَبِ وَالسِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَعَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ، وَبَيْنَ مُجَرَّدِ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ، فَإِنَّ بَيْنَ الْعَامَّيْنِ فَرْقًا وَاضِحًا، وَمَنْ أَجْرَاهُمَا مُجْرًى وَاحِدًا لَمْ يُصِبْ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِهِ كَنُزُولِ آيَةِ السَّرِقَةِ فِي قِصَّةِ سَرِقَةِ رِدَاءِ صَفْوَانَ، وَأَمَّا السِّيَاقُ وَالْقَرَائِنُ الدَّالَّةُ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ فَهِيَ الْمُرْشِدَةُ لِبَيَانِ الْمُجْمَلَاتِ وَتَعْيِينِ

الْمُحْتَمَلَاتِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: هَذِهِ الْقِصَّةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ مَنِ اتَّفَقَ لَهُ مِثْلُ مَا اتَّفَقَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنَّهُ يُسَاوِيهِ فِي الْحُكْمِ; وَأَمَّا مَنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ فَهُوَ فِي جَوَازِ الصَّوْمِ عَلَى أَصْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ نَفْيَ الْبِرِّ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ أَبَى قَبُولَ الرُّخْصَةِ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ يَبْلُغَ رَجُلٌ هَذَا بِنَفْسِهِ فِي فَرِيضَةِ صَوْمٍ وَلَا نَافِلَةٍ، وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَهُوَ صَحِيحٌ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الْمَفْرُوضِ الَّذِي مَنْ خَالَفَهُ أَثِمَ، وَجَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْبِرِّ هُنَا الْبِرُّ الْكَامِلُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْبِرِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ إِخْرَاجَ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ عَنْ أَنْ يَكُونَ بِرًّا؛ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ قَدْ يَكُونُ أَبَرَّ مِنَ الصَّوْمِ إِذَا كَانَ لِلتَّقَوِّي عَلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ مَثَلًا، قَالَ: وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِخْرَاجَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَسْكَنَةِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْمِسْكِينَ الْكَامِلَ الْمَسْكَنَةِ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَسْأَلَ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ) عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي: ابْنَ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو. . . إِلَخْ) أَدْخَلَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَابِرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِيثِهِ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَهُ، قَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا خَطَأٌ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ الْفِرْيَابِيِّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ قَالَ: ذِكْرُ تَسْمِيَةِ هَذَا الرَّجُلِ الْمُبْهَمِ، فَسَاقَ طَرِيقَ شُعْبَةَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، يَعْنِي: إِدْخَالَ رَجُلٍ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَجَابِرٍ، وَتَعَقَّبَهُ الْمِزِّيُّ فَقَالَ: ظَنَّ النَّسَائِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخَ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَيْخَ يَحْيَى هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ وَشَيْخَ شُعْبَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ اهـ.

وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي نَظَرِي أَنَّ الصَّوَابَ مَعَ النَّسَائِيِّ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا لَمَّا رَوَى الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ شُعْبَةُ كَانَ بَلَغَنِي هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَلَمَّا سَأَلْتُهُ لَمْ يَحْفَظْهُ اهـ. وَالضَّمِيرُ فِي سَأَلْتُ يَرْجِعُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخِ يَحْيَى؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ لَمْ يَلْقَ يَحْيَى فَدَلَّ عَلَى أَنَّ شُعْبَةَ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُهُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَقِيَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخَ يَحْيَى سَأَلَهُ عَنْهَا فَلَمْ يَحْفَظْهَا. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ نَسَبَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ فِيهِ ابْنُ ثَوْبَانَ فَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْمِزِّيُّ، لَكِنْ جَزَمَ أَبُو حَاتِمٍ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُهُ فِي الْعِلَلِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ فَقَدْ وَهَمَ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ اهـ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ، وَجُلُّ الرُّوَاةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ لَمْ يَزِيدُوا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَا يَذْكُرُونَ جَدَّهُ وَلَا جَدَّ جَدِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَفَرٍ) تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهَا غَزْوَةُ الْفَتْحِ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ سَافَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي رَمَضَانَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ الْمَذْكُورَةِ: فَشَقَّ عَلَى رَجُلٍ الصَّوْمُ فَجَعَلَتْ رَاحِلَتُهُ تَهِيمُ بِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُفْطِرَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلافٍ، ولا في غزوة بدرٍ لأنَّ أبا الدَّرداء لم يكن حينئذٍ أسلم (فِي يَوْمٍ حَارٍّ) ولـ «مسلمٍ»: في حرٍّ شديدٍ (حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ وَابْنِ رَوَاحَةَ) عبد الله، وهذا ممَّا (١) يؤيِّد أنَّ هذه السَّفرة لم تكن في (٢) غزوة الفتح لأنَّ الذين استمرُّوا على الصِّيام من الصَّحابة كانوا جماعةً، وفي هذا أنَّه (٣) ابن رواحة وحده، ومطابقة هذا الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الصَّوم والإفطار لو لم يكونا مباحين في السَّفر لَمَا صام النَّبيُّ وابن رواحة وأفطر الصَّحابة.

ورواته (٤) كلُّهم شاميُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وقد دخل الشَّام، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّوم».

(٣٦) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) بشيءٍ له ظلٌّ (وَاشْتَدَّ الحَرُّ) جملةٌ فعليَّةٌ حاليَّةٌ: (لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ).

١٩٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة (الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم من «عَمْرٍو»، وفتح الحاء من «الحَسن»، وجدُّه أبو طالبٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ( قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ فِي سَفَرٍ) في غزوة الفتح كما في «التِّرمذيِّ» (فَرَأَى زِحَامًا) بكسر الزَّاي: اسمٌ للزَّحمة، والمراد هنا: الوصف لمحذوفٍ، أي:

فرأى قومًا مزدحمين (١) (وَرَجُلًا) قيل: هو أبو إسرائيل العامريُّ، واسمه قيسٌ، وعزاه مُغلطاي لمبهمات الخطيب، ونُوزِع في نسبة ذلك للخطيب (قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) أي: جُعِل عليه شيءٌ يظلِّله من الشَّمس لما حصل له من شدَّة العطش وحرارة الصَّوم، وقوله: «ظُلِّل» بضمِّ الظَّاء مبنيًّا للمفعول، والجملة حاليَّةٌ (فَقَالَ) : (مَا هَذَا؟) وللنَّسائيِّ: «ما بال صاحبكم هذا؟» (فَقَالُوا) أي: من حضر من الصَّحابة، ولابن عساكر: «قالوا» بإسقاط الفاء: (صَائِمٌ، فَقَالَ) : (لَيْسَ مِنَ البِرِّ) بكسر الباء، أي: ليس من الطَّاعة والعبادة (الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ) إذا بلغ بالصَّائم هذا المبلغ من المشقَّة، ولا تمسُّك بهذا الحديث لبعض الظَّاهريَّة القائلين بأنَّه لا ينعقد الصَّوم في السَّفر لأنَّه عامٌّ خرج على سببٍ، فإن قيل بقصره عليه لم (٢) تقم به حجَّةٌ، وإن لم يُقْلَ بقصره عليه حُمِل على مَنْ حاله مثل حال الرَّجل وبلغ به ذلك المبلغ، وحديث: صومه حتَّى بلغ الكَدِيد [خ¦١٩٤٤] وحديث: «فمنَّا الصَّائم، ومنَّا المفطر» يردُّ عليهم، وقول الزَّركشيِّ وتبعه صاحب «جمع العدَّة لفهم العمدة»: «من» -في قوله: «ليس من البرِّ» - زائدةٌ لتأكيد النَّفي، وقيل: للتَّبعيض، وليس بشيءٍ، تعقَّبه البدر (٣) الدَّمامينيُّ فقال: هذا عجيبٌ لأنَّه أجاز ما المانعُ منه قائمٌ ومَنَعَ ما لا مانع منه، وذلك أنَّ من شروط زيادة «من» أن يكون مجرورها نكرةً، وهو في الحديث معرفةٌ، وهذا هو المذهب المُعوَّل عليه، وهو مذهب البصريِّين خلافًا للأخفش والكوفيِّين، وأمَّا كونها للتَّبعيض فلا يظهر لمنعه وجهٌ؛ إذ المعنى: أنَّ الصَّوم في السَّفر ليس معدودًا من أنواع البرِّ، وأمَّا رواية: «ليس من امبر امصيام في امسفر» -بإبدال اللَّام ميمًا في لغة أهل اليمن- فهي في «مُسنَد الإمام أحمد» لا في «البخاريِّ». وحديث الباب رواه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَدِيثِ عُمَرَ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي رَمَضَانَ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ الْفَتْحِ الْحَدِيثَ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى بَدْرٍ؛ لِأَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَسْلَمَ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهِيَةَ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُصِبْهُ مِنْهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ.

٣٦ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ

١٩٤٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ قَوْلِهِ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَأَنَّ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ مُجَرَّدًا فَقَدِ اخْتَصَرَ الْقِصَّةَ، وَبِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنِ اعْتِبَارِ شِدَّةِ الْمَشَقَّةِ يُجْمَعُ بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَالَّذِي قَبْلَهُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّوْمَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ، وَالْفِطْرُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمَشَقَّةَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ عَنِ الْفَرْضِ، بَلْ مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي الْحَضَرِ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَلِقَوْلِهِ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَمُقَابَلَةُ الْبِرِّ الْإِثْمُ، وَإِذَا كَانَ آثِمًا بِصَوْمِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قَالُوا: ظَاهِرُهُ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ أَوْ فَالْوَاجِبُ عِدَّةٌ، وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ: فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ، وَمُقَابِلُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ أَوِ الْمَشَقَّةَ الشَّدِيدَةَ، حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ.

وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: الْفِطْرُ أَفْضَلُ عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مُخَيَّرٌ مُطْلَقًا، وَقَالَ آخَرُونَ: أَفْضَلُهُمَا أَيْسَرُهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الصِّيَامُ أَيْسَرَ كَمَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالصَّوْمُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ أَفْضَلَ لِمَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَتَضَرَّرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ظُنَّ بِهِ الْإِعْرَاضُ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَسَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ.

وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي طُعْمَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ جِبَالِ عَرَفَةَ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ رَغِبَ عَنِ الرُّخْصَةِ لِقَوْلِهِ : مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي وَكَذَلِكَ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُجْبَ أَوِ الرِّيَاءَ إِذَا صَامَ فِي السَّفَرِ فَقَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ أَفْضَلَ لَهُ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِذَا سَافَرْتَ فَلَا تَصُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَصُمْ قَالَ أَصْحَابُكَ: اكْفُوا الصَّائِمَ، ارْفَعُوا لِلصَّائِمِ، وَقَامُوا بِأَمْرِكَ، وَقَالُوا: فُلَانٌ صَائِمٌ، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَذْهَبَ أَجْرُكَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُ ذَلِكَ.

وَسَيَأْتِي

فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ مُؤَرَّقٍ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوُ هَذَا مَرْفُوعًا، حَيْثُ قَالَ لِلْمُفْطِرِينَ حَيْثُ خَدَمُوا الصُّيَّامَ: ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ الصَّوْمَ أَيْضًا بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْآخِرِ فَالْآخِرُ مِنْ فِعْلِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ صَوْمَهُ فِي السَّفَرِ مَنْسُوخٌ، وَتُعُقِّبَ أَوَّلًا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُدْرَجَةٌ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَبِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إِلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ مِنْ أَنَّهُ أَفْطَرَ بَعْدَ أَنْ صَامَ وَنَسَبَ مَنْ صَامَ إِلَى الْعِصْيَانِ، وَلَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ صَامَ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي السَّفَرِ وَلَفْظُهُ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ فَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطَرُوا، فَكَانَتْ عَزِيمَةً فَأَفْطَرْنَا.

ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ الْجَوَابُ عَنْ نِسْبَتِهِ الصَّائِمِينَ إِلَى الْعِصْيَانِ؛ لِأَنَّهُ عَزَمَ عَلَيْهِمْ فَخَالَفُوا، وَهُوَ شَاهِدٌ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الْفِطْرِ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: لَقَدْ أَمَرْتُ غُلَامِي أَنْ يَصُومَ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: فَأَيْنَ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فَقَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ وَنَحْنُ نَرْتَحِلُ جِيَاعًا وَنَنْزِلُ عَلَى غَيْرِ شِبَعٍ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَنَرْتَحِلُ شِبَاعًا وَنَنْزِلُ عَلَى شِبَعٍ، فَأَشَارَ أَنَسٌ إِلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْفِطْرُ أَفْضَلَ مِنَ الصَّوْمِ.

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا أَيْضًا وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَمَعَ وَقْفِهِ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا، حَيْثُ يَكُونُ الْفِطْرُ أَوْلَى مِنَ الصَّوْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ فَسَلَكَ الْمُجِيزُونَ فِيهِ طُرُقًا: فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ فَيُقْصَرُ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَلِذَا قَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ وَلَفْظُهُ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَنَحْنُ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ قَدْ دَخَلَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ كَضَجْعَةِ الْوَجِعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا لِصَاحِبِكُمْ، أَيُّ وَجَعٍ بِهِ؟ فَقَالُوا: لَيْسَ بِهِ وَجَعٌ، وَلَكِنَّهُ صَائِمٌ، وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ حِينَئِذٍ: لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَكَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحَالِ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: أُخِذَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ كَرَاهَةَ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ هُوَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ مِمَّنْ يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَوْ يُؤَدِّي بِهِ إِلَى تَرْكِ مَا هُوَ أَوْلَى مِنَ الصَّوْمِ مِنْ وُجُوهِ الْقُرَبِ، فَيُنَزَّلُ قَوْلُهُ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ. قَالَ: وَالْمَانِعُونَ فِي السَّفَرِ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَالْعِبْرَةَ بِعُمُومِهِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ دَلَالَةِ السَّبَبِ وَالسِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَعَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ، وَبَيْنَ مُجَرَّدِ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ، فَإِنَّ بَيْنَ الْعَامَّيْنِ فَرْقًا وَاضِحًا، وَمَنْ أَجْرَاهُمَا مُجْرًى وَاحِدًا لَمْ يُصِبْ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِهِ كَنُزُولِ آيَةِ السَّرِقَةِ فِي قِصَّةِ سَرِقَةِ رِدَاءِ صَفْوَانَ، وَأَمَّا السِّيَاقُ وَالْقَرَائِنُ الدَّالَّةُ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ فَهِيَ الْمُرْشِدَةُ لِبَيَانِ الْمُجْمَلَاتِ وَتَعْيِينِ

الْمُحْتَمَلَاتِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: هَذِهِ الْقِصَّةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ مَنِ اتَّفَقَ لَهُ مِثْلُ مَا اتَّفَقَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنَّهُ يُسَاوِيهِ فِي الْحُكْمِ; وَأَمَّا مَنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ فَهُوَ فِي جَوَازِ الصَّوْمِ عَلَى أَصْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ نَفْيَ الْبِرِّ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ أَبَى قَبُولَ الرُّخْصَةِ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ يَبْلُغَ رَجُلٌ هَذَا بِنَفْسِهِ فِي فَرِيضَةِ صَوْمٍ وَلَا نَافِلَةٍ، وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَهُوَ صَحِيحٌ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الْمَفْرُوضِ الَّذِي مَنْ خَالَفَهُ أَثِمَ، وَجَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْبِرِّ هُنَا الْبِرُّ الْكَامِلُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْبِرِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ إِخْرَاجَ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ عَنْ أَنْ يَكُونَ بِرًّا؛ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ قَدْ يَكُونُ أَبَرَّ مِنَ الصَّوْمِ إِذَا كَانَ لِلتَّقَوِّي عَلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ مَثَلًا، قَالَ: وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِخْرَاجَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَسْكَنَةِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْمِسْكِينَ الْكَامِلَ الْمَسْكَنَةِ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَسْأَلَ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ) عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي: ابْنَ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو. . . إِلَخْ) أَدْخَلَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَابِرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِيثِهِ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَهُ، قَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا خَطَأٌ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ الْفِرْيَابِيِّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ قَالَ: ذِكْرُ تَسْمِيَةِ هَذَا الرَّجُلِ الْمُبْهَمِ، فَسَاقَ طَرِيقَ شُعْبَةَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، يَعْنِي: إِدْخَالَ رَجُلٍ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَجَابِرٍ، وَتَعَقَّبَهُ الْمِزِّيُّ فَقَالَ: ظَنَّ النَّسَائِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخَ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَيْخَ يَحْيَى هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ وَشَيْخَ شُعْبَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ اهـ.

وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي نَظَرِي أَنَّ الصَّوَابَ مَعَ النَّسَائِيِّ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا لَمَّا رَوَى الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ شُعْبَةُ كَانَ بَلَغَنِي هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَلَمَّا سَأَلْتُهُ لَمْ يَحْفَظْهُ اهـ. وَالضَّمِيرُ فِي سَأَلْتُ يَرْجِعُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخِ يَحْيَى؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ لَمْ يَلْقَ يَحْيَى فَدَلَّ عَلَى أَنَّ شُعْبَةَ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُهُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَقِيَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخَ يَحْيَى سَأَلَهُ عَنْهَا فَلَمْ يَحْفَظْهَا. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ نَسَبَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ فِيهِ ابْنُ ثَوْبَانَ فَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْمِزِّيُّ، لَكِنْ جَزَمَ أَبُو حَاتِمٍ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُهُ فِي الْعِلَلِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ فَقَدْ وَهَمَ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ اهـ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ، وَجُلُّ الرُّوَاةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ لَمْ يَزِيدُوا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَا يَذْكُرُونَ جَدَّهُ وَلَا جَدَّ جَدِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَفَرٍ) تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهَا غَزْوَةُ الْفَتْحِ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ سَافَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي رَمَضَانَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ الْمَذْكُورَةِ: فَشَقَّ عَلَى رَجُلٍ الصَّوْمُ فَجَعَلَتْ رَاحِلَتُهُ تَهِيمُ بِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُفْطِرَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلافٍ، ولا في غزوة بدرٍ لأنَّ أبا الدَّرداء لم يكن حينئذٍ أسلم (فِي يَوْمٍ حَارٍّ) ولـ «مسلمٍ»: في حرٍّ شديدٍ (حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ وَابْنِ رَوَاحَةَ) عبد الله، وهذا ممَّا (١) يؤيِّد أنَّ هذه السَّفرة لم تكن في (٢) غزوة الفتح لأنَّ الذين استمرُّوا على الصِّيام من الصَّحابة كانوا جماعةً، وفي هذا أنَّه (٣) ابن رواحة وحده، ومطابقة هذا الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الصَّوم والإفطار لو لم يكونا مباحين في السَّفر لَمَا صام النَّبيُّ وابن رواحة وأفطر الصَّحابة.

ورواته (٤) كلُّهم شاميُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وقد دخل الشَّام، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّوم».

(٣٦) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) بشيءٍ له ظلٌّ (وَاشْتَدَّ الحَرُّ) جملةٌ فعليَّةٌ حاليَّةٌ: (لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ).

١٩٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة (الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم من «عَمْرٍو»، وفتح الحاء من «الحَسن»، وجدُّه أبو طالبٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ( قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ فِي سَفَرٍ) في غزوة الفتح كما في «التِّرمذيِّ» (فَرَأَى زِحَامًا) بكسر الزَّاي: اسمٌ للزَّحمة، والمراد هنا: الوصف لمحذوفٍ، أي:

فرأى قومًا مزدحمين (١) (وَرَجُلًا) قيل: هو أبو إسرائيل العامريُّ، واسمه قيسٌ، وعزاه مُغلطاي لمبهمات الخطيب، ونُوزِع في نسبة ذلك للخطيب (قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) أي: جُعِل عليه شيءٌ يظلِّله من الشَّمس لما حصل له من شدَّة العطش وحرارة الصَّوم، وقوله: «ظُلِّل» بضمِّ الظَّاء مبنيًّا للمفعول، والجملة حاليَّةٌ (فَقَالَ) : (مَا هَذَا؟) وللنَّسائيِّ: «ما بال صاحبكم هذا؟» (فَقَالُوا) أي: من حضر من الصَّحابة، ولابن عساكر: «قالوا» بإسقاط الفاء: (صَائِمٌ، فَقَالَ) : (لَيْسَ مِنَ البِرِّ) بكسر الباء، أي: ليس من الطَّاعة والعبادة (الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ) إذا بلغ بالصَّائم هذا المبلغ من المشقَّة، ولا تمسُّك بهذا الحديث لبعض الظَّاهريَّة القائلين بأنَّه لا ينعقد الصَّوم في السَّفر لأنَّه عامٌّ خرج على سببٍ، فإن قيل بقصره عليه لم (٢) تقم به حجَّةٌ، وإن لم يُقْلَ بقصره عليه حُمِل على مَنْ حاله مثل حال الرَّجل وبلغ به ذلك المبلغ، وحديث: صومه حتَّى بلغ الكَدِيد [خ¦١٩٤٤] وحديث: «فمنَّا الصَّائم، ومنَّا المفطر» يردُّ عليهم، وقول الزَّركشيِّ وتبعه صاحب «جمع العدَّة لفهم العمدة»: «من» -في قوله: «ليس من البرِّ» - زائدةٌ لتأكيد النَّفي، وقيل: للتَّبعيض، وليس بشيءٍ، تعقَّبه البدر (٣) الدَّمامينيُّ فقال: هذا عجيبٌ لأنَّه أجاز ما المانعُ منه قائمٌ ومَنَعَ ما لا مانع منه، وذلك أنَّ من شروط زيادة «من» أن يكون مجرورها نكرةً، وهو في الحديث معرفةٌ، وهذا هو المذهب المُعوَّل عليه، وهو مذهب البصريِّين خلافًا للأخفش والكوفيِّين، وأمَّا كونها للتَّبعيض فلا يظهر لمنعه وجهٌ؛ إذ المعنى: أنَّ الصَّوم في السَّفر ليس معدودًا من أنواع البرِّ، وأمَّا رواية: «ليس من امبر امصيام في امسفر» -بإبدال اللَّام ميمًا في لغة أهل اليمن- فهي في «مُسنَد الإمام أحمد» لا في «البخاريِّ». وحديث الباب رواه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر