«بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمَّا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٧٧

الحديث رقم ١٩٧٧ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب حق الأهل في الصوم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٧٧ في صحيح البخاري

«بَلَغَ النَّبِيَّ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ، فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، قَالَ: إِنِّي لَأَقْوَى لِذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ، قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى، قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ، قَالَ النَّبِيُّ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، مَرَّتَيْنِ.»

بَابُ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ

إسناد حديث البخاري رقم ١٩٧٧

١٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : سَمِعْتُ عَطَاءً : أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٧٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

صِيَامُ دَاوُدَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْأَفْضَلِيَّةِ مُطْلَقًا، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ: أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الصَّوْمِ مُفَضولَةً، وَسَأَذْكُرُ بَسْطَ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٥٧ - بَاب حَقِّ الْأَهْلِ فِي الصَّوْمِ

رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ

١٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، سَمِعْتُ عَطَاءً أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، يقول: بَلَغَ النَّبِيَّ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنيكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا. قَالَ: إِنِّي لَأَقْوَى لِذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ . قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى. قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ. قَالَ النَّبِيُّ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ. مَرَّتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ حَقِّ الْأَهْلِ فِي الصَّوْمِ رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ يَعْنِي: حَدِيثَ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي قِصَّةِ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَفِيهَا قَوْلُ سَلْمَانَ، لِأَبِي الدَّرْدَاءِ وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) الْفَلَّاسُ، وَأَبُو عَاصِمٍ هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ النَّبِيلُ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ الَّذِينَ أَكْثَرَ عَنْهُمْ، وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ مَا فَاتَهُ مِنْهُ كَمَا فِي هَذَا الْمَوْضِع، وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ النُّزُولَ مِنْ طَرِيقِهِ هَذِهِ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ فِيهَا بِسَمَاعِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَهُ مِنْ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ يَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ بَعْدَ بَابٍ.

قَوْلُهُ: (بَلَغَ النَّبِيَّ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ) سَبَقَتْ تَسْمِيَةُ الَّذِي بَلَّغَ النَّبِيَّ ذَلِكَ وَأَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (وَتُصَلِّي) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَتُصَلِّي اللَّيْلَ، فَلَا تَفْعَلْ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ، والْكُشْمِيهَنِيِّ: لِعَيْنِكَ بِالْإِفْرَادِ.

قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ حَظًّا) كَذَا فِيهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةَ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَقًّا بِالْقَافِ، وَعِنْدَهُ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنَ الزِّيَادَةِ وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ التِّسْعَةِ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي لَأَقْوَى لِذَلِكَ) أَيْ: لِسَرْدِ الصِّيَامِ دَائِمًا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: إِنِّي أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: وَكَيْفَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَكَيْفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: وَإِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِفْ وَلَمْ أَرَهَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَهَا مُنَاسَبَةٌ بِالْمَقَامِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ خَشْيَةُ أَنْ يَعْجِزَ عَنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ فَيَكُونَ كَمَنْ وَعَدَ فَأَخْلَفَ، كَمَا أَنَّ فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى إِشَارَةٌ إِلَى حِكْمَةِ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مُحَصَّلُ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتَعَبَّدْ عَبْدَهُ بِالصَّوْمِ خَاصَّةً، بَلْ تَعَبَّدَهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَلَوِ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ لَقَصَّرَ فِي غَيْرِهِ، فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَادُ فِيهِ لِيَسْتَبْقِيَ بَعْضَ الْقُوَّةِ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي دَاوُدَ : وَكَانَ لَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَقَوَّى بِالْفِطْرِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَطَاءٌ) أَيْ: بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ. . . إِلَخْ) أَيْ أنَّ عَطَاءً لَمْ يَحْفَظْ كَيْفَ جَاءَ ذِكْرُ صِيَامِ الْأَبَدِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ حَفِظَ أَنَّ فِيهَا أَنَّهُ

قَالَ: لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَحْدَهَا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ: لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ.

قَوْلُهُ: (لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ مَرَّتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: قَالَ عَطَاءٌ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى كَرَاهِيَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: اسْتُدِلَّ عَلَى كَرَاهَتِهِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ أَوْجُهٍ: نَهْيُهُ عَنِ الزِّيَادَةِ، وَأَمْرُهُ بِأَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ، وَقَوْلُهُ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَدُعَاؤُهُ عَلَى مَنْ صَامَ الْأَبَدَ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا صَامَ النَّفْيُ، أَيْ: مَا صَامَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ: لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ أَوْ مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ وَهُوَ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى بِالنَّفْيِ أَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ أَجْرَ الصَّوْمِ لِمُخَالَفَتِهِ، وَلَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ. وَإِلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ مُطْلَقًا ذَهَبَ إِسْحَاقُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: يَحْرُمُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا يَصُومُ الدَّهْرَ، فَأَتَاهُ فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ وَجَعَلَ يَقُولُ: كُلْ يَا دَهْرِيُّ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي نُعَيْمٍ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: لَوْ رَأَى هَذَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ لَرَجَمُوهُ.

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ: مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ، وَعَقَدَ بِيَدِهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَضِيقُ عَلَيْهِ حَصْرًا لَهُ فِيهَا؛ لِتَشْدِيدِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَحَمْلِهِ عَلَيْهَا وَرَغْبَتِهِ عَنْ سُنَّة نَبِيِّهِ وَاعْتِقَادِهِ أَنَّ غَيْرَ سُنَّتِهِ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ فَيَكُونُ حَرَامًا.

وَإِلَى الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا ذَهَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ: قَوْلُهُ: لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الدُّعَاءَ فَيَا وَيْحَ مَنْ أَصَابَهُ دُعَاءُ النَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْخَبَرَ فَيَا وَيْحَ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ، وَإِذَا لَمْ يَصُمْ شَرْعًا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ الثَّوَابُ لِوُجُوبِ صِدْقِ قَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَفَى عَنْهُ الصَّوْمَ، وَقَدْ نَفَى عَنْهُ الْفَضْلَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ الْفَضْلَ فِيمَا نَفَاهُ النَّبِيُّ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ صِيَامِ الدَّهْرِ، وَحَمَلُوا أَخْبَارَ النَّهْيِ عَلَى مَنْ صَامَهُ حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ يُدْخِلُ فِيهِ مَا حَرُمَ صَوْمُهُ كَالْعِيدَيْنِ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ: لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ وَهُوَ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ مَا أُجِرَ وَلَا أَثِمَ، وَمَنْ صَامَ الْأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ لَا يُقَالُ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ صَوْمَ الدَّهْرِ إِلَّا الْأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ يَكُونُ قَدْ فَعَلَ مُسْتَحَبًّا وَحَرَامًا، وَأَيْضًا فَإِنَّ أَيَّامَ التَّحْرِيمِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالشَّرْعِ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلصَّوْمِ شَرْعًا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ اللَّيْلِ وَأَيَّامِ الْحَيْضِ، فَلَمْ تَدْخُلْ فِي السُّؤَالِ عِنْدَ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَهَا، وَلَا يَصْلُحُ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ: لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهَا.

وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اسْتِحْبَابِ صِيَامِ الدَّهْرِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفَوِّتْ فِيهِ حَقًّا، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، قَالَ السُّبْكِيُّ: أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا كَرَاهَةَ صَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ فَوَّتَ حَقًّا، وَلَمْ يُوَضِّحُوا هَلِ الْمُرَادُ الْحَقُّ الْوَاجِبُ أَوِ الْمَنْدُوبُ، وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقًّا وَاجِبًا حَرُمَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقًّا مَنْدُوبًا أَوْلَى مِنَ الصِّيَامِ كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ يَقُومُ مَقَامَهُ فَلَا، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فَتَرْجَمَ ذِكْرُ الْعِلَّةِ الَّتِي بِهَا زَجَرَ النَّبِيُّ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ: إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكُ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي مَضَى؛ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ فَحَمَلُوا قَوْلَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ: فِي حَقِّكَ فَيُلْتَحَقُ بِهِ مَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ يُدْخِلُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ مَشَقَّةً أَوْ يُفَوِّتُ حَقًّا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْهَ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو، عَنِ السَّرْدِ، فَلَوْ كَانَ السَّرْدُ مُمْتَنِعًا لَبَيَّنَهُ لَهُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ

عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سُؤَالَ حَمْزَةَ إِنَّمَا كَانَ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ لَا عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سَرْدِ الصِّيَامِ صَوْمُ الدَّهْرِ فَقَدْ قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: إِنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَيُقَالُ: لَا يُفْطِرُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ الدَّهْرَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ السَّرْدِ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ فَلَا يُدْخِلُهَا، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ أَيْ: ضَيَّقَتْ عَنْهُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ حَكَاهُ الْأَثْرَمُ، عَنْ مُسَدِّدٍ. وَحَكَى رَدَّهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: سَأَلْتُ الْمُزَنِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ضُيِّقَتْ عَنْهُ فَلَا يَدْخُلُهَا، وَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ مَنِ ازْدَادَ لِلَّهِ عَمَلًا وَطَاعَةً ازْدَادَ عِنْدَ اللَّهِ رِفْعَةً وَعَلَتْهُ كَرَامَةٌ، وَرَجَّحَ هَذَا التَّأْوِيلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ فَقَالُوا: لَهُ مُنَاسَبَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّائِمَ لَمَّا ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَالِكَ الشَّهَوَاتِ بِالصَّوْمِ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ فَلَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا مَكَانٌ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ طُرُقَهَا بِالْعِبَادَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ إِذَا ازْدَادَ الْعَبْدُ مِنْهُ ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ تَقَرُّبًا، بَلْ رُبَّ عَمَلٍ صَالِحٍ إِذَا ازْدَادَ مِنْهُ ازْدَادَ بُعْدًا كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَالْأَوْلَى إِجْرَاءُ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَمْلُهُ عَلَى مَنْ فَوَّتَ حَقًّا وَاجِبًا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْوَعِيدُ، وَلَا يُخَالِفُ الْقَاعِدَةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُزَنِيُّ.

وَمِنْ حَجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ: فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ وَقَوْلُهُ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ. قَالُوا: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ أَفْضَلُ مِمَّا شُبِّهَ بِهِ وَأَنَّهُ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْأَمْرِ الْمُقَدَّرِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْبَابِهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ حُصُولُ الثَّوَابِ عَلَى تَقْدِيرِ مَشْرُوعِيَّةِ صِيَامِ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَجُوزُ لَهُ صِيَامُ جَمِيعِ السَّنَةِ، فَلَا يَدُلُّ التَّشْبِيهُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ لِصَوْمِ الدَّهْرِ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ هَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَوْ صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ أَفْضَلُ، فَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا فَيَكُونُ أَكْثَرَ أَجْرًا، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ أَجْرًا كَانَ أَكْثَرَ ثَوَابًا، وَبَذْلِكَ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ أَوَّلًا، وَقَيَّدَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَصُومَ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا، وَأَنْ لَا يَرْغَبَ عَنِ السُّنَّةِ بِأَنْ يَجْعَلَ الصَّوْمَ حِجْرًا عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ فَالصَّوْمُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، فَالِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ زِيَادَةٌ فِي الْفَضْلِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ مُتَعَارِضَةُ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، وَمِقْدَارُ كُلٍّ مِنْهَا فِي الْحَثِّ وَالْمَنْعِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، فَزِيَادَةُ الْأَجْرِ بِزِيَادَةِ الْعَمَلِ فِي شَيْءٍ يُعَارِضُهُ اقْتِضَاءُ الْعَادَةِ التَّقْصِيرَ فِي حُقُوقٍ أُخْرَى يُعَارِضُهَا الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ، وَمِقْدَارُ الْفَائِتِ مِنْ ذَلِكَ مَعَ مِقْدَارِ الْحَاصِلِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، فَالْأَوْلَى التَّفْوِيضُ إِلَى حُكْمِ الشَّارِعِ وَلِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ صِيَامَ دَاوُدَ أَفْضَلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ بَلْ صَرِيحُهُ، وَيَتَرَجَّحُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا بِأَنَّ صِيَامَ الدَّهْرِ قَدْ يُفَوِّتُ بَعْضَ الْحُقُوقِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبِأَنَّ مَنِ اعْتَادَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَشُقُّ عَلَيْهِ، بَلْ تَضْعُفُ شَهْوَتُهُ عَنِ الْأَكْلِ، وَتَقِلُّ حَاجَتُهُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ نَهَارًا، وَيَأْلَفُ تَنَاوَلَهُ فِي اللَّيْلِ بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ لَهُ طَبْعٌ زَائِدٌ، بِخِلَافِ مِنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ فِطْرٍ إِلَى صَوْمٍ وَمِنْ صَوْمٍ إِلَى فِطْرٍ، وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ أَشُقُّ الصِّيَامِ، وَيَأْمَنُ مَعَ ذَلِكَ غَالِبًا مِنْ تَفْوِيتِ الْحُقُوقِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي حَقِّ دَاوُدَ وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى؛ لِأَنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْفِرَارِ ضَعْفَ الْجَسَدِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ سَرْدَ الصَّوْمِ يُنْهِكُهُ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَتُقِلُّ الصِّيَامَ.

فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضْعِفَنِي عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَالْقِرَاءَةُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٩٧٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) الباهليُّ الصَّيرفيُّ الفلَّاس البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك بن مخلدٍ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيِّ (١) قال: (سَمِعْتُ عَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ المكِّيَّ (أَنَّ أَبَا العَبَّاسِ) السَّائب الأعمى (الشَّاعِرَ) (٢) المكِّيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ) يَقُولُ: (بَلَغَ النَّبِيَّ ) أي: من أبيه عمرو بن العاص (أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ) بضمِّ الرَّاء، أي: أصوم متتابعًا ولا أفطر (وَأُصَلِّي اللَّيْلَ) كلَّه (فَإِمَّا أَرْسَلَ) (إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ) من غير إرسالٍ (فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وفتح المُوحَّدة (أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي) أي (٣): اللَّيل (وَلَا تَنَامُ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِعَيْنِكَ) بالإفراد، ولغير السَّرخسيِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «لعينيك» بالتَّثنية (عَلَيْكَ حَظًّا) بالظَّاء المعجمة (٤) بدل القاف، أي: نصيبًا من (٥) النَّوم (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا) بالظَّاء المعجمة أيضًا، وحقُّ النَّفسِ الرِّفقُ بها، والأهلِ في الكسب والقيام بنفقتهم، ولا يُدئِب نفسه بحيث يضعف (٦) عن القيام بما يجب عليه

من ذلك (قَالَ) عبد الله: يا رسول الله (١) (إِنِّي لأَقْوَى لِذَلِكَ) أي: لسرد الصَّوم دائمًا، ولابن عساكر: «إنِّي لأقوى ذلك» كذا في «اليونينيَّة» (٢) بإسقاط حرف الجرِّ، وفي نسخةٍ: «على ذلك» (قَالَ) : (فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ قَالَ) عبد الله: يا رسول الله (وَكَيْفَ؟) أي: صيام داود كما في مسلم (قَالَ) : (كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ) أي: لا يهرب (إِذَا لَاقَى) العدوَّ، أشار به إلى أنَّ الصَّوم على هذا الوجه لا يُنهِك البدن بحيث يضعف عن لقاء العدوِّ، بل يُستعان بفطر يومٍ على صيام يومٍ، فلا يضعف عن الجهاد وغيره من الحقوق (قَالَ) عبد الله: (مَنْ لِي بِهَذِهِ) الخصلة (٣) الأخيرة؛ وهي عدم الفرار؟ أي: من يتكفَّل لي بها (يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ بالإسناد السَّابق: (لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ) بفتحاتٍ (صِيَامَ الأَبَدِ) أي: لا أحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصَّة إلَّا أنِّي أحفظ أنَّه (قَالَ النَّبِيُّ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، مَرَّتَيْنِ) استدلَّ به من قال: بكراهة صوم الدَّهر لأنَّ قوله: «لا صام» يحتمل الدُّعاء، ويحتمل الخبر، قال ابن العربيِّ: إن كان معناه: الدُّعاء فيا ويح من أصابه دعاء النَّبيِّ ، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النَّبيُّ أنَّه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا فلم يُكتَب له ثوابٌ لوجوب صدق قوله لأنَّه نفى عنه الصَّوم وقد نفى عنه الفضل كما تقدَّم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه ، وأُجيب بأجوبةٍ:

أحدها: أنَّه محمولٌ على حقيقته: بأن يصوم معه العيد والتَّشريق، قال النَّوويُّ: وبهذا أجابت عائشة. انتهى. وهو اختيار ابن المنذر وطائفةٍ، وتُعقِّب بأنَّه قال جوابًا لمن سأله عن صوم الدَّهر: «لا صام ولا أفطر»، وهو يؤذن بأنَّه ما (٤) أُجِرَ ولا أثم، ومن صام الأيَّام المُحرَّمة لا يُقال فيه ذلك لأنَّه عند من أجاز صوم الدَّهر إلَّا الأيَّام المُحرَّمة يكون قد فعل مُستَحبًّا وحرامًا، وأيضًا فإنَّ الأيَّام المُحرَّمة مستثناةٌ في الشَّرع غير قابلةٍ للصَّوم شرعًا، فهي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

صِيَامُ دَاوُدَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْأَفْضَلِيَّةِ مُطْلَقًا، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ: أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الصَّوْمِ مُفَضولَةً، وَسَأَذْكُرُ بَسْطَ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٥٧ - بَاب حَقِّ الْأَهْلِ فِي الصَّوْمِ

رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ

١٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، سَمِعْتُ عَطَاءً أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، يقول: بَلَغَ النَّبِيَّ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنيكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا. قَالَ: إِنِّي لَأَقْوَى لِذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ . قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى. قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ. قَالَ النَّبِيُّ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ. مَرَّتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ حَقِّ الْأَهْلِ فِي الصَّوْمِ رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ يَعْنِي: حَدِيثَ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي قِصَّةِ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَفِيهَا قَوْلُ سَلْمَانَ، لِأَبِي الدَّرْدَاءِ وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) الْفَلَّاسُ، وَأَبُو عَاصِمٍ هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ النَّبِيلُ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ الَّذِينَ أَكْثَرَ عَنْهُمْ، وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ مَا فَاتَهُ مِنْهُ كَمَا فِي هَذَا الْمَوْضِع، وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ النُّزُولَ مِنْ طَرِيقِهِ هَذِهِ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ فِيهَا بِسَمَاعِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَهُ مِنْ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ يَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ بَعْدَ بَابٍ.

قَوْلُهُ: (بَلَغَ النَّبِيَّ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ) سَبَقَتْ تَسْمِيَةُ الَّذِي بَلَّغَ النَّبِيَّ ذَلِكَ وَأَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (وَتُصَلِّي) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَتُصَلِّي اللَّيْلَ، فَلَا تَفْعَلْ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ، والْكُشْمِيهَنِيِّ: لِعَيْنِكَ بِالْإِفْرَادِ.

قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ حَظًّا) كَذَا فِيهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةَ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَقًّا بِالْقَافِ، وَعِنْدَهُ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنَ الزِّيَادَةِ وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ التِّسْعَةِ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي لَأَقْوَى لِذَلِكَ) أَيْ: لِسَرْدِ الصِّيَامِ دَائِمًا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: إِنِّي أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: وَكَيْفَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَكَيْفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: وَإِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِفْ وَلَمْ أَرَهَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَهَا مُنَاسَبَةٌ بِالْمَقَامِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ خَشْيَةُ أَنْ يَعْجِزَ عَنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ فَيَكُونَ كَمَنْ وَعَدَ فَأَخْلَفَ، كَمَا أَنَّ فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى إِشَارَةٌ إِلَى حِكْمَةِ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مُحَصَّلُ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتَعَبَّدْ عَبْدَهُ بِالصَّوْمِ خَاصَّةً، بَلْ تَعَبَّدَهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَلَوِ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ لَقَصَّرَ فِي غَيْرِهِ، فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَادُ فِيهِ لِيَسْتَبْقِيَ بَعْضَ الْقُوَّةِ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي دَاوُدَ : وَكَانَ لَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَقَوَّى بِالْفِطْرِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَطَاءٌ) أَيْ: بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ. . . إِلَخْ) أَيْ أنَّ عَطَاءً لَمْ يَحْفَظْ كَيْفَ جَاءَ ذِكْرُ صِيَامِ الْأَبَدِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ حَفِظَ أَنَّ فِيهَا أَنَّهُ

قَالَ: لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَحْدَهَا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ: لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ.

قَوْلُهُ: (لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ مَرَّتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: قَالَ عَطَاءٌ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى كَرَاهِيَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: اسْتُدِلَّ عَلَى كَرَاهَتِهِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ أَوْجُهٍ: نَهْيُهُ عَنِ الزِّيَادَةِ، وَأَمْرُهُ بِأَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ، وَقَوْلُهُ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَدُعَاؤُهُ عَلَى مَنْ صَامَ الْأَبَدَ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا صَامَ النَّفْيُ، أَيْ: مَا صَامَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ: لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ أَوْ مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ وَهُوَ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى بِالنَّفْيِ أَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ أَجْرَ الصَّوْمِ لِمُخَالَفَتِهِ، وَلَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ. وَإِلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ مُطْلَقًا ذَهَبَ إِسْحَاقُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: يَحْرُمُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا يَصُومُ الدَّهْرَ، فَأَتَاهُ فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ وَجَعَلَ يَقُولُ: كُلْ يَا دَهْرِيُّ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي نُعَيْمٍ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: لَوْ رَأَى هَذَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ لَرَجَمُوهُ.

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ: مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ، وَعَقَدَ بِيَدِهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَضِيقُ عَلَيْهِ حَصْرًا لَهُ فِيهَا؛ لِتَشْدِيدِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَحَمْلِهِ عَلَيْهَا وَرَغْبَتِهِ عَنْ سُنَّة نَبِيِّهِ وَاعْتِقَادِهِ أَنَّ غَيْرَ سُنَّتِهِ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ فَيَكُونُ حَرَامًا.

وَإِلَى الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا ذَهَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ: قَوْلُهُ: لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الدُّعَاءَ فَيَا وَيْحَ مَنْ أَصَابَهُ دُعَاءُ النَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْخَبَرَ فَيَا وَيْحَ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ، وَإِذَا لَمْ يَصُمْ شَرْعًا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ الثَّوَابُ لِوُجُوبِ صِدْقِ قَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَفَى عَنْهُ الصَّوْمَ، وَقَدْ نَفَى عَنْهُ الْفَضْلَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ الْفَضْلَ فِيمَا نَفَاهُ النَّبِيُّ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ صِيَامِ الدَّهْرِ، وَحَمَلُوا أَخْبَارَ النَّهْيِ عَلَى مَنْ صَامَهُ حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ يُدْخِلُ فِيهِ مَا حَرُمَ صَوْمُهُ كَالْعِيدَيْنِ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ: لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ وَهُوَ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ مَا أُجِرَ وَلَا أَثِمَ، وَمَنْ صَامَ الْأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ لَا يُقَالُ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ صَوْمَ الدَّهْرِ إِلَّا الْأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ يَكُونُ قَدْ فَعَلَ مُسْتَحَبًّا وَحَرَامًا، وَأَيْضًا فَإِنَّ أَيَّامَ التَّحْرِيمِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالشَّرْعِ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلصَّوْمِ شَرْعًا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ اللَّيْلِ وَأَيَّامِ الْحَيْضِ، فَلَمْ تَدْخُلْ فِي السُّؤَالِ عِنْدَ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَهَا، وَلَا يَصْلُحُ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ: لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهَا.

وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اسْتِحْبَابِ صِيَامِ الدَّهْرِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفَوِّتْ فِيهِ حَقًّا، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، قَالَ السُّبْكِيُّ: أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا كَرَاهَةَ صَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ فَوَّتَ حَقًّا، وَلَمْ يُوَضِّحُوا هَلِ الْمُرَادُ الْحَقُّ الْوَاجِبُ أَوِ الْمَنْدُوبُ، وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقًّا وَاجِبًا حَرُمَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقًّا مَنْدُوبًا أَوْلَى مِنَ الصِّيَامِ كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ يَقُومُ مَقَامَهُ فَلَا، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فَتَرْجَمَ ذِكْرُ الْعِلَّةِ الَّتِي بِهَا زَجَرَ النَّبِيُّ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ: إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكُ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي مَضَى؛ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ فَحَمَلُوا قَوْلَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ: فِي حَقِّكَ فَيُلْتَحَقُ بِهِ مَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ يُدْخِلُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ مَشَقَّةً أَوْ يُفَوِّتُ حَقًّا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْهَ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو، عَنِ السَّرْدِ، فَلَوْ كَانَ السَّرْدُ مُمْتَنِعًا لَبَيَّنَهُ لَهُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ

عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سُؤَالَ حَمْزَةَ إِنَّمَا كَانَ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ لَا عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سَرْدِ الصِّيَامِ صَوْمُ الدَّهْرِ فَقَدْ قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: إِنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَيُقَالُ: لَا يُفْطِرُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ الدَّهْرَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ السَّرْدِ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ فَلَا يُدْخِلُهَا، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ أَيْ: ضَيَّقَتْ عَنْهُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ حَكَاهُ الْأَثْرَمُ، عَنْ مُسَدِّدٍ. وَحَكَى رَدَّهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: سَأَلْتُ الْمُزَنِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ضُيِّقَتْ عَنْهُ فَلَا يَدْخُلُهَا، وَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ مَنِ ازْدَادَ لِلَّهِ عَمَلًا وَطَاعَةً ازْدَادَ عِنْدَ اللَّهِ رِفْعَةً وَعَلَتْهُ كَرَامَةٌ، وَرَجَّحَ هَذَا التَّأْوِيلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ فَقَالُوا: لَهُ مُنَاسَبَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّائِمَ لَمَّا ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَالِكَ الشَّهَوَاتِ بِالصَّوْمِ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ فَلَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا مَكَانٌ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ طُرُقَهَا بِالْعِبَادَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ إِذَا ازْدَادَ الْعَبْدُ مِنْهُ ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ تَقَرُّبًا، بَلْ رُبَّ عَمَلٍ صَالِحٍ إِذَا ازْدَادَ مِنْهُ ازْدَادَ بُعْدًا كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَالْأَوْلَى إِجْرَاءُ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَمْلُهُ عَلَى مَنْ فَوَّتَ حَقًّا وَاجِبًا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْوَعِيدُ، وَلَا يُخَالِفُ الْقَاعِدَةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُزَنِيُّ.

وَمِنْ حَجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ: فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ وَقَوْلُهُ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ. قَالُوا: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ أَفْضَلُ مِمَّا شُبِّهَ بِهِ وَأَنَّهُ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْأَمْرِ الْمُقَدَّرِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْبَابِهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ حُصُولُ الثَّوَابِ عَلَى تَقْدِيرِ مَشْرُوعِيَّةِ صِيَامِ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَجُوزُ لَهُ صِيَامُ جَمِيعِ السَّنَةِ، فَلَا يَدُلُّ التَّشْبِيهُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ لِصَوْمِ الدَّهْرِ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ هَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَوْ صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ أَفْضَلُ، فَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا فَيَكُونُ أَكْثَرَ أَجْرًا، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ أَجْرًا كَانَ أَكْثَرَ ثَوَابًا، وَبَذْلِكَ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ أَوَّلًا، وَقَيَّدَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَصُومَ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا، وَأَنْ لَا يَرْغَبَ عَنِ السُّنَّةِ بِأَنْ يَجْعَلَ الصَّوْمَ حِجْرًا عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ فَالصَّوْمُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، فَالِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ زِيَادَةٌ فِي الْفَضْلِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ مُتَعَارِضَةُ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، وَمِقْدَارُ كُلٍّ مِنْهَا فِي الْحَثِّ وَالْمَنْعِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، فَزِيَادَةُ الْأَجْرِ بِزِيَادَةِ الْعَمَلِ فِي شَيْءٍ يُعَارِضُهُ اقْتِضَاءُ الْعَادَةِ التَّقْصِيرَ فِي حُقُوقٍ أُخْرَى يُعَارِضُهَا الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ، وَمِقْدَارُ الْفَائِتِ مِنْ ذَلِكَ مَعَ مِقْدَارِ الْحَاصِلِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، فَالْأَوْلَى التَّفْوِيضُ إِلَى حُكْمِ الشَّارِعِ وَلِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ صِيَامَ دَاوُدَ أَفْضَلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ بَلْ صَرِيحُهُ، وَيَتَرَجَّحُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا بِأَنَّ صِيَامَ الدَّهْرِ قَدْ يُفَوِّتُ بَعْضَ الْحُقُوقِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبِأَنَّ مَنِ اعْتَادَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَشُقُّ عَلَيْهِ، بَلْ تَضْعُفُ شَهْوَتُهُ عَنِ الْأَكْلِ، وَتَقِلُّ حَاجَتُهُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ نَهَارًا، وَيَأْلَفُ تَنَاوَلَهُ فِي اللَّيْلِ بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ لَهُ طَبْعٌ زَائِدٌ، بِخِلَافِ مِنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ فِطْرٍ إِلَى صَوْمٍ وَمِنْ صَوْمٍ إِلَى فِطْرٍ، وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ أَشُقُّ الصِّيَامِ، وَيَأْمَنُ مَعَ ذَلِكَ غَالِبًا مِنْ تَفْوِيتِ الْحُقُوقِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي حَقِّ دَاوُدَ وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى؛ لِأَنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْفِرَارِ ضَعْفَ الْجَسَدِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ سَرْدَ الصَّوْمِ يُنْهِكُهُ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَتُقِلُّ الصِّيَامَ.

فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضْعِفَنِي عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَالْقِرَاءَةُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٩٧٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) الباهليُّ الصَّيرفيُّ الفلَّاس البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك بن مخلدٍ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيِّ (١) قال: (سَمِعْتُ عَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ المكِّيَّ (أَنَّ أَبَا العَبَّاسِ) السَّائب الأعمى (الشَّاعِرَ) (٢) المكِّيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ) يَقُولُ: (بَلَغَ النَّبِيَّ ) أي: من أبيه عمرو بن العاص (أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ) بضمِّ الرَّاء، أي: أصوم متتابعًا ولا أفطر (وَأُصَلِّي اللَّيْلَ) كلَّه (فَإِمَّا أَرْسَلَ) (إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ) من غير إرسالٍ (فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وفتح المُوحَّدة (أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي) أي (٣): اللَّيل (وَلَا تَنَامُ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِعَيْنِكَ) بالإفراد، ولغير السَّرخسيِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «لعينيك» بالتَّثنية (عَلَيْكَ حَظًّا) بالظَّاء المعجمة (٤) بدل القاف، أي: نصيبًا من (٥) النَّوم (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا) بالظَّاء المعجمة أيضًا، وحقُّ النَّفسِ الرِّفقُ بها، والأهلِ في الكسب والقيام بنفقتهم، ولا يُدئِب نفسه بحيث يضعف (٦) عن القيام بما يجب عليه

من ذلك (قَالَ) عبد الله: يا رسول الله (١) (إِنِّي لأَقْوَى لِذَلِكَ) أي: لسرد الصَّوم دائمًا، ولابن عساكر: «إنِّي لأقوى ذلك» كذا في «اليونينيَّة» (٢) بإسقاط حرف الجرِّ، وفي نسخةٍ: «على ذلك» (قَالَ) : (فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ قَالَ) عبد الله: يا رسول الله (وَكَيْفَ؟) أي: صيام داود كما في مسلم (قَالَ) : (كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ) أي: لا يهرب (إِذَا لَاقَى) العدوَّ، أشار به إلى أنَّ الصَّوم على هذا الوجه لا يُنهِك البدن بحيث يضعف عن لقاء العدوِّ، بل يُستعان بفطر يومٍ على صيام يومٍ، فلا يضعف عن الجهاد وغيره من الحقوق (قَالَ) عبد الله: (مَنْ لِي بِهَذِهِ) الخصلة (٣) الأخيرة؛ وهي عدم الفرار؟ أي: من يتكفَّل لي بها (يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ بالإسناد السَّابق: (لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ) بفتحاتٍ (صِيَامَ الأَبَدِ) أي: لا أحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصَّة إلَّا أنِّي أحفظ أنَّه (قَالَ النَّبِيُّ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، مَرَّتَيْنِ) استدلَّ به من قال: بكراهة صوم الدَّهر لأنَّ قوله: «لا صام» يحتمل الدُّعاء، ويحتمل الخبر، قال ابن العربيِّ: إن كان معناه: الدُّعاء فيا ويح من أصابه دعاء النَّبيِّ ، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النَّبيُّ أنَّه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا فلم يُكتَب له ثوابٌ لوجوب صدق قوله لأنَّه نفى عنه الصَّوم وقد نفى عنه الفضل كما تقدَّم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه ، وأُجيب بأجوبةٍ:

أحدها: أنَّه محمولٌ على حقيقته: بأن يصوم معه العيد والتَّشريق، قال النَّوويُّ: وبهذا أجابت عائشة. انتهى. وهو اختيار ابن المنذر وطائفةٍ، وتُعقِّب بأنَّه قال جوابًا لمن سأله عن صوم الدَّهر: «لا صام ولا أفطر»، وهو يؤذن بأنَّه ما (٤) أُجِرَ ولا أثم، ومن صام الأيَّام المُحرَّمة لا يُقال فيه ذلك لأنَّه عند من أجاز صوم الدَّهر إلَّا الأيَّام المُحرَّمة يكون قد فعل مُستَحبًّا وحرامًا، وأيضًا فإنَّ الأيَّام المُحرَّمة مستثناةٌ في الشَّرع غير قابلةٍ للصَّوم شرعًا، فهي

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله