«أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ: اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٦٢

الحديث رقم ٢٠٦٢ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الخروج في التجارة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٠٦٢ في صحيح البخاري

«أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ: اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا، فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، ائْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: قَدْ رَجَعَ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: تَأْتِينِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ؟ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ». يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ.

إسناد حديث البخاري رقم ٢٠٦٢

٢٠٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ : أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٠٦٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْقُطْبِ فَقَرَأْتُ بِخَطِّهِ: لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ الشُّرَّاحِ مُنَاسَبَةَ التَّرْجَمَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَيُنْظَرُ.

(تَنْبِيهٌ): أَبُو الْمُنْهَالِ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرُ أَبِي الْمُنْهَالِ صَاحِبِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ فِي حَدِيثِ الْمَوَاقِيتِ، وَاسْمُ هَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُطْعِمٍ وَاسْمُ صَاحِبِ أَبِي بَرْزَةَ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الطَّرِيقَ الثَّانِيَةَ بِنُزُولِ رَجُلٍ لِأَجْلِ زِيَادَةِ عَامِرِ بْنِ مُصْعَبٍ مَعَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي الْمُنْهَالِ الْمَذْكُورِ، وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ.

قَوْلُهُ: (نَسِيئًا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ نَسَاءً بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ وَمَدَّةٍ.

٩ - باب الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ، وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾

٢٠٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ - وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا - فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى. فَفَرَغَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: قَدْ رَجَعَ. فَدَعَاهُ فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: تَأْتِينِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ. فَانْطَلَقَ إِلَى مَجالِسِ الْأَنْصَارِ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا، أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ عَلَيَّ هذا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ؟ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ. يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى التِجَارَةٍ.

[الحديث ٢٠٦٢ - طرفاه في: ٦٢٤٥، ٧٣٥٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ، وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ إِبَاحَةٌ بَعْدَ حَظْرٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ إِجَازَةُ الْحَرَكَاتِ فِي التِّجَارَةِ وَلَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً خِلَافًا لِمَنْ يَتَنَطَّعُ وَلَا يَحْضُرُ السُّوقَ - كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (إنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ) زَادَ بِشْرُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَانِ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ.

قَوْلُهُ: (فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ بِذَلِكَ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نُؤْمَرُ بِكَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الرَّفْعِ، وَيَقْوَى ذَلِكَ إِذَا سَاقَهُ مَسَاقَ الِاسْتِدْلَالِ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْكَبِيرَ الْقَدْرِ الشَّدِيدَ اللُّزُومِ لِرَسُولِ اللَّهِ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْضُ أَمْرِهِ وَيَسْمَعُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْبَلُ الْخَبَرَ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ. وَسَتَأْتِي فَوَائِدُهُ مُسْتَوْفَاةً فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ قَبِلَ عُمَرُ خَبَرَ الضِّحَاكِ بْنِ سُفْيَانَ وَحْدَهُ فِي الدِّيَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ أَخَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ؟

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠]) إطلاقٌ لِما حُظِر عليهم، واحتجَّ به من (١) جعل الأمر بعد الحظر للإباحة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢] والابتغاء من فضل الله هو طلب الرزق، وسقط لابن عساكر وأبي ذرٍّ «﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾».

٢٠٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، ابن الفرج البِيكنديُّ -بكسر الموحَّدة- وسقط في رواية ابن عساكر وأبي ذرٍّ لفظ «ابن سَلَام» قال (٢): (أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، ومَخْلَد: بفتح الميم وسكون المعجَمة وفتح اللَّام، الحرَّانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين فيهما مصغَّرين، ابن قتادة، أبو عاصم، قاصُّ (٣) أهل مكَّة، قال مسلمٌ: وُلِد في زمنه (٤) ، وقال البخاريُّ: رأى النَّبيَّ (أَنَّ أَبَا مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيَّ) (اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ) زاد بُسْر (٥) بن سعيدٍ عن أبي سعيدٍ في «الاستئذان» [خ¦٦٢٤٥]: أنَّه استأذن ثلاثًا (فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (وَكَأَنَّهُ) أي: عمر (كَانَ

مَشْغُولًا) بأمرٍ من أمور المسلمين (فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ) من شغله (فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ) أبي موسى الأشعريِّ؟ (ائْذَنُوا لَهُ) بالدُّخول (قِيلَ: قَدْ رَجَعَ) أي: أبو موسى، فبعث عمر وراءه، فحضر (فَدَعَاهُ) فقال: لمَ رجعت؟ (فَقَالَ) أي: أبو موسى: (كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ) أي: بالرُّجوع حين لم يُؤذَن للمستأذِن، قال في رواية (١) «الاستئذان» المذكورة: فأخبرت عمر عن النَّبيِّ بذلك (فَقَالَ) أي: عمر: (تَأْتِينِي) بدون لام التَّأكيد في أوَّله، وهو خبرٌ أُريد به الأمر، وفي نسخة: «تَأْتِني» بحذف التَّحتيَّة الَّتي بعد الفوقيَّة (عَلَى ذَلِكَ) أي: على الأمر بالرُّجوع (بِالبَيِّنَةِ؟) زاد مالك في «موطَّئه»: فقال عمر لأبي موسى: أما إنِّي لم أتَّهمك، ولكن خشيتُ أن يتقوَّل النَّاسُ على رسول الله ، وحينئذٍ (٢) فلا دلالة في طلبه البيِّنة على أنَّه لا يحتجُّ بخبر الواحد، بل أراد سدَّ الباب خوفًا من غير أبي موسى أن يختلق كذبًا على رسول الله عند الرَّغبة والرَّهبة (فَانْطَلَقَ) أي: أبو موسى (إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ) بتوحيد «مجلس»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إلى مجالس الأنصار» (فَسَأَلَهُمْ) عن ذلك (فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا) الذي أنكره عمر (إِلَّا أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيُّ) أشاروا إلى أنَّه حديثٌ مشهورٌ بينهم، حتَّى إنَّ أصغرهم سمعه من النَّبيِّ (فَذَهَبَ) أي (٣): أبو موسى (بِأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) إلى عمر فأخبره أبو سعيد بذلك (فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ عَلَيَّ) ولأبوي ذرٍّ والوقت عن الحَمُّويي: «أَخَفيَ هذا عليَّ» (مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ؟) والهمزة في «أَخَفي» للاستفهام، وياء «عليَّ» مشدَّدة (أَلْهَانِي) أي: أشغلني (٤) (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، يَعْنِي) عمر بذلك: (الخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ (٥)) ولابن عساكر عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إلى التِّجارة» بالتَّعريف، أي: شغله ذلك عن ملازمة رسول الله في بعض الأوقات، حتَّى حضر من هو أصغر منِّي ما لم أحضره من العلم، وفيه: أنَّ طلب الدُّنيا يمنع من استفادة العلم، وقد كان احتياج عمر (٦) إلى السُّوق؛ لأجل الكسب لعياله والتعفُّف عن الناس.

وهذا موضع التَّرجمة، وفي ذلك ردٌّ على من يتنطَّع في التِّجارة فلا يحضر الأسواق ويتحرَّج منها، لكن يحتمل أنَّ تحرُّج (١) من يتحرَّج لغلبة المنكرات في الأسواق في هذه الأزمنة، بخلاف الصَّدر الأول، وفي الحديث: أنَّ قول الصحابي: «كُنَّا نؤمر بكذا» له حكم الرَّفع.

وهذ الحديث أخرجه أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٣]، ومسلمٌ في «الاستئذان»، وأبو داود في «الأدب».

(١٠) (باب التِّجَارَةِ فِي البَحْرِ) أي: باب إباحة ركوب البحر للتِّجارة، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي بعض النُّسخ: «وغيرِه» (وَقَالَ مَطَرٌ) هو ابن طَهْمان أبو رجاءٍ الورَّاق البصريُّ، ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ: (لَا بَأْسَ بِهِ) أي: بركوب البحر (وَ) يقولُ: (مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ) أي: ركوبَ البحر (فِي القُرْآنِ إِلَّا بِحَقٍّ) ولابن عساكر: «وما ذكر الله» بإسقاط الضَّمير المنصوب، وفي نسخة بالفرع: «إلا بالحقِّ» ووقع في رواية الحَمُّويي: «وقال مُطرِّف» بدل «مطر»، قال الحافظ ابن حجرٍ وغيره: إنَّه تصحيفٌ (ثُمَّ تَلَا) مطرٌ: (﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾) وهذه آية النحل، ولأبي ذرٍّ: «﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾» [فاطر: ١٢] بتقديم ﴿فِيهِ﴾ على ﴿مَوَاخِرَ﴾ وهذه آية سورة فاطرٍ (﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤]) من سعة رزقه تركبونها للتِّجارة، ووجه حمل مطرٍ ذلك على الإباحة أنَّها سيقت في مقام الامتنان؛ لأنَّ الله تعالى جعل البحر لعباده لابتغاء فضله من نعمه التي عدَّدها (٢) لهم، وأراهم في ذلك عظيم قدرته، وسخَّر الرِّياح باختلافها لحملهم (٣) وتردُّدهم، وهذا من عظيم آياته (٤)،

وهذا يردُّ على من منع ركوب البحر في إبَّان ركوده (١)، وهذا (٢) قولٌ يروى عن عمر ، ولمَّا كتب إلى عمرو بن العاص يسأله عن البحر، فقال: خلقٌ عظيمٌ، يركبه خلقٌ ضعيفٌ، دودٌ (٣) على عودٍ، فكتب إليه عمر أنْ لا يركبه أحدٌ طول حياته، فلمَّا كان بعد عمر لم يزل يُركَب حتى كان عمر بن عبد العزيز، فاتَّبع فيه رأي عمر ، وكان مَنْعُ عمر لشدَّة شفقته على المسلمين، وأمَّا إذا كان إبَّان (٤) هيجانه وارتجاجه فلا يجوز ركوبه؛ لأنَّه تعرُّض للهلاك، وقد نهى الله عباده عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قال البخاريُّ: (وَالفُلْكُ) في الآية: هي (السُّفُنُ) بضمِّ السِّين والفاء، جمع سفينة، وسُمِّيت سفينةً؛ لأنَّها تسفن وجه الماء، أي: تقشره، فعيلةٌ بمعنى: فاعلةٍ، والجمع: سفائن وسُفُنٌ وسَفينٌ، وقوله: (الوَاحِدُ وَالجَمْعُ) (٥) وسقطت الواو من قوله «والفلك» لأبي ذرٍّ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «والجميع» (سَوَاءٌ) يعني: في الفلك، بدليل قوله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] فذكره في الإفراد والجمع بلفظٍ واحدٍ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِرْيابيُّ في «تفسيره» وعبد بن حميدٍ من وجهٍ آخرَ: (تَمْخَرُ) بفتح التاء وسكون الميم وفتح الخاء المعجمة، أي: تشقُّ (السُّفُنُ الرِّيحَ) برفع «السُّفن» على الفاعليَّة، ونصب «الرِّيح» على المفعوليَّة، كذا في فرع «اليونينيَّة»، قال عياضٌ: وهو رواية الأَصيليِّ، وهو الصَّواب، ويدلُّ له (٦) قوله تعالى: ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] إذ جعل الفعل للسُّفن، وقال الخليل: مخرت السَّفينة الرِّيح إذا استقبلته، وقال أبو عبيدٍ وغيره: هو شقُّها الماء، وعلى هذا فـ «السَّفينة» رفعٌ على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «من الرِّيح»، وفي نسخة -قال عياض:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْقُطْبِ فَقَرَأْتُ بِخَطِّهِ: لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ الشُّرَّاحِ مُنَاسَبَةَ التَّرْجَمَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَيُنْظَرُ.

(تَنْبِيهٌ): أَبُو الْمُنْهَالِ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرُ أَبِي الْمُنْهَالِ صَاحِبِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ فِي حَدِيثِ الْمَوَاقِيتِ، وَاسْمُ هَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُطْعِمٍ وَاسْمُ صَاحِبِ أَبِي بَرْزَةَ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الطَّرِيقَ الثَّانِيَةَ بِنُزُولِ رَجُلٍ لِأَجْلِ زِيَادَةِ عَامِرِ بْنِ مُصْعَبٍ مَعَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي الْمُنْهَالِ الْمَذْكُورِ، وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ.

قَوْلُهُ: (نَسِيئًا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ نَسَاءً بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ وَمَدَّةٍ.

٩ - باب الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ، وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾

٢٠٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ - وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا - فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى. فَفَرَغَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: قَدْ رَجَعَ. فَدَعَاهُ فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: تَأْتِينِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ. فَانْطَلَقَ إِلَى مَجالِسِ الْأَنْصَارِ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا، أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ عَلَيَّ هذا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ؟ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ. يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى التِجَارَةٍ.

[الحديث ٢٠٦٢ - طرفاه في: ٦٢٤٥، ٧٣٥٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ، وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ إِبَاحَةٌ بَعْدَ حَظْرٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ إِجَازَةُ الْحَرَكَاتِ فِي التِّجَارَةِ وَلَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً خِلَافًا لِمَنْ يَتَنَطَّعُ وَلَا يَحْضُرُ السُّوقَ - كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (إنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ) زَادَ بِشْرُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَانِ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ.

قَوْلُهُ: (فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ بِذَلِكَ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نُؤْمَرُ بِكَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الرَّفْعِ، وَيَقْوَى ذَلِكَ إِذَا سَاقَهُ مَسَاقَ الِاسْتِدْلَالِ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْكَبِيرَ الْقَدْرِ الشَّدِيدَ اللُّزُومِ لِرَسُولِ اللَّهِ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْضُ أَمْرِهِ وَيَسْمَعُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْبَلُ الْخَبَرَ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ. وَسَتَأْتِي فَوَائِدُهُ مُسْتَوْفَاةً فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ قَبِلَ عُمَرُ خَبَرَ الضِّحَاكِ بْنِ سُفْيَانَ وَحْدَهُ فِي الدِّيَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ أَخَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ؟

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠]) إطلاقٌ لِما حُظِر عليهم، واحتجَّ به من (١) جعل الأمر بعد الحظر للإباحة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢] والابتغاء من فضل الله هو طلب الرزق، وسقط لابن عساكر وأبي ذرٍّ «﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾».

٢٠٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، ابن الفرج البِيكنديُّ -بكسر الموحَّدة- وسقط في رواية ابن عساكر وأبي ذرٍّ لفظ «ابن سَلَام» قال (٢): (أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، ومَخْلَد: بفتح الميم وسكون المعجَمة وفتح اللَّام، الحرَّانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين فيهما مصغَّرين، ابن قتادة، أبو عاصم، قاصُّ (٣) أهل مكَّة، قال مسلمٌ: وُلِد في زمنه (٤) ، وقال البخاريُّ: رأى النَّبيَّ (أَنَّ أَبَا مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيَّ) (اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ) زاد بُسْر (٥) بن سعيدٍ عن أبي سعيدٍ في «الاستئذان» [خ¦٦٢٤٥]: أنَّه استأذن ثلاثًا (فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (وَكَأَنَّهُ) أي: عمر (كَانَ

مَشْغُولًا) بأمرٍ من أمور المسلمين (فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ) من شغله (فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ) أبي موسى الأشعريِّ؟ (ائْذَنُوا لَهُ) بالدُّخول (قِيلَ: قَدْ رَجَعَ) أي: أبو موسى، فبعث عمر وراءه، فحضر (فَدَعَاهُ) فقال: لمَ رجعت؟ (فَقَالَ) أي: أبو موسى: (كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ) أي: بالرُّجوع حين لم يُؤذَن للمستأذِن، قال في رواية (١) «الاستئذان» المذكورة: فأخبرت عمر عن النَّبيِّ بذلك (فَقَالَ) أي: عمر: (تَأْتِينِي) بدون لام التَّأكيد في أوَّله، وهو خبرٌ أُريد به الأمر، وفي نسخة: «تَأْتِني» بحذف التَّحتيَّة الَّتي بعد الفوقيَّة (عَلَى ذَلِكَ) أي: على الأمر بالرُّجوع (بِالبَيِّنَةِ؟) زاد مالك في «موطَّئه»: فقال عمر لأبي موسى: أما إنِّي لم أتَّهمك، ولكن خشيتُ أن يتقوَّل النَّاسُ على رسول الله ، وحينئذٍ (٢) فلا دلالة في طلبه البيِّنة على أنَّه لا يحتجُّ بخبر الواحد، بل أراد سدَّ الباب خوفًا من غير أبي موسى أن يختلق كذبًا على رسول الله عند الرَّغبة والرَّهبة (فَانْطَلَقَ) أي: أبو موسى (إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ) بتوحيد «مجلس»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إلى مجالس الأنصار» (فَسَأَلَهُمْ) عن ذلك (فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا) الذي أنكره عمر (إِلَّا أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيُّ) أشاروا إلى أنَّه حديثٌ مشهورٌ بينهم، حتَّى إنَّ أصغرهم سمعه من النَّبيِّ (فَذَهَبَ) أي (٣): أبو موسى (بِأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) إلى عمر فأخبره أبو سعيد بذلك (فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ عَلَيَّ) ولأبوي ذرٍّ والوقت عن الحَمُّويي: «أَخَفيَ هذا عليَّ» (مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ؟) والهمزة في «أَخَفي» للاستفهام، وياء «عليَّ» مشدَّدة (أَلْهَانِي) أي: أشغلني (٤) (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، يَعْنِي) عمر بذلك: (الخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ (٥)) ولابن عساكر عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إلى التِّجارة» بالتَّعريف، أي: شغله ذلك عن ملازمة رسول الله في بعض الأوقات، حتَّى حضر من هو أصغر منِّي ما لم أحضره من العلم، وفيه: أنَّ طلب الدُّنيا يمنع من استفادة العلم، وقد كان احتياج عمر (٦) إلى السُّوق؛ لأجل الكسب لعياله والتعفُّف عن الناس.

وهذا موضع التَّرجمة، وفي ذلك ردٌّ على من يتنطَّع في التِّجارة فلا يحضر الأسواق ويتحرَّج منها، لكن يحتمل أنَّ تحرُّج (١) من يتحرَّج لغلبة المنكرات في الأسواق في هذه الأزمنة، بخلاف الصَّدر الأول، وفي الحديث: أنَّ قول الصحابي: «كُنَّا نؤمر بكذا» له حكم الرَّفع.

وهذ الحديث أخرجه أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٣]، ومسلمٌ في «الاستئذان»، وأبو داود في «الأدب».

(١٠) (باب التِّجَارَةِ فِي البَحْرِ) أي: باب إباحة ركوب البحر للتِّجارة، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي بعض النُّسخ: «وغيرِه» (وَقَالَ مَطَرٌ) هو ابن طَهْمان أبو رجاءٍ الورَّاق البصريُّ، ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ: (لَا بَأْسَ بِهِ) أي: بركوب البحر (وَ) يقولُ: (مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ) أي: ركوبَ البحر (فِي القُرْآنِ إِلَّا بِحَقٍّ) ولابن عساكر: «وما ذكر الله» بإسقاط الضَّمير المنصوب، وفي نسخة بالفرع: «إلا بالحقِّ» ووقع في رواية الحَمُّويي: «وقال مُطرِّف» بدل «مطر»، قال الحافظ ابن حجرٍ وغيره: إنَّه تصحيفٌ (ثُمَّ تَلَا) مطرٌ: (﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾) وهذه آية النحل، ولأبي ذرٍّ: «﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾» [فاطر: ١٢] بتقديم ﴿فِيهِ﴾ على ﴿مَوَاخِرَ﴾ وهذه آية سورة فاطرٍ (﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤]) من سعة رزقه تركبونها للتِّجارة، ووجه حمل مطرٍ ذلك على الإباحة أنَّها سيقت في مقام الامتنان؛ لأنَّ الله تعالى جعل البحر لعباده لابتغاء فضله من نعمه التي عدَّدها (٢) لهم، وأراهم في ذلك عظيم قدرته، وسخَّر الرِّياح باختلافها لحملهم (٣) وتردُّدهم، وهذا من عظيم آياته (٤)،

وهذا يردُّ على من منع ركوب البحر في إبَّان ركوده (١)، وهذا (٢) قولٌ يروى عن عمر ، ولمَّا كتب إلى عمرو بن العاص يسأله عن البحر، فقال: خلقٌ عظيمٌ، يركبه خلقٌ ضعيفٌ، دودٌ (٣) على عودٍ، فكتب إليه عمر أنْ لا يركبه أحدٌ طول حياته، فلمَّا كان بعد عمر لم يزل يُركَب حتى كان عمر بن عبد العزيز، فاتَّبع فيه رأي عمر ، وكان مَنْعُ عمر لشدَّة شفقته على المسلمين، وأمَّا إذا كان إبَّان (٤) هيجانه وارتجاجه فلا يجوز ركوبه؛ لأنَّه تعرُّض للهلاك، وقد نهى الله عباده عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قال البخاريُّ: (وَالفُلْكُ) في الآية: هي (السُّفُنُ) بضمِّ السِّين والفاء، جمع سفينة، وسُمِّيت سفينةً؛ لأنَّها تسفن وجه الماء، أي: تقشره، فعيلةٌ بمعنى: فاعلةٍ، والجمع: سفائن وسُفُنٌ وسَفينٌ، وقوله: (الوَاحِدُ وَالجَمْعُ) (٥) وسقطت الواو من قوله «والفلك» لأبي ذرٍّ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «والجميع» (سَوَاءٌ) يعني: في الفلك، بدليل قوله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] فذكره في الإفراد والجمع بلفظٍ واحدٍ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِرْيابيُّ في «تفسيره» وعبد بن حميدٍ من وجهٍ آخرَ: (تَمْخَرُ) بفتح التاء وسكون الميم وفتح الخاء المعجمة، أي: تشقُّ (السُّفُنُ الرِّيحَ) برفع «السُّفن» على الفاعليَّة، ونصب «الرِّيح» على المفعوليَّة، كذا في فرع «اليونينيَّة»، قال عياضٌ: وهو رواية الأَصيليِّ، وهو الصَّواب، ويدلُّ له (٦) قوله تعالى: ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] إذ جعل الفعل للسُّفن، وقال الخليل: مخرت السَّفينة الرِّيح إذا استقبلته، وقال أبو عبيدٍ وغيره: هو شقُّها الماء، وعلى هذا فـ «السَّفينة» رفعٌ على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «من الرِّيح»، وفي نسخة -قال عياض:

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله