«لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ ﵁، عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2468

الحديث رقم 2468 من كتاب «كتاب المظالم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لم أزل حريصا على أن أسأل عمر ﵁، عن المرأتين…

«لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ ﵁، عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ لَهُمَا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ، فَتَبَرَّزَ، حَتَّى جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، اللَّتَانِ قَالَ لَهُمَا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾ فَقَالَ: وَاعَجَبِي لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الْحَدِيثَ يَسُوقُهُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الْأَنْصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ، فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي فَرَاجَعَتْنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ. فَأَفْزَعَنِي، فَقُلْتُ: خَابَتْ مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَيْ حَفْصَةُ، أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ، أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ فَتَهْلِكِينَ، لَا تَسْتَكْثِرِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ وَلَا تَهْجُرِيهِ، وَاسْأَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُرِيدُ عَائِشَةَ وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا أَنَّ

⦗١٣٤⦘

غَسَّانَ تُنْعِلُ النِّعَالَ لِغَزْوِنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ، فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ، قَالَ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ، أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ، أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هُوَ ذَا فِي الْمَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ الْمِنْبَرَ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الْغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي، قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِيءٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَتَبَسَّمَ أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ، غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي، فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ: مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا، مِنْ شِدَّةِ مَوْجَدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللهُ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَلَّا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

⦗١٣٥⦘

وَسَلَّمَ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَظِيمًا﴾ قُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ.»

سند حديث: ٢٤٦٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ…

٢٤٦٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لم أزل حريصا على أن أسأل عمر ﵁، عن المرأتين…

كان عبد الله بن عباس رضي الله عنه حريصًا على أن يسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قول الله عز وجل: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] من هما المرأتان المقصودتان بالآية؟ وإن تتوبا أي من التعاون والتظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحج عبد الله بن عباس مع عمر بن الخطاب، فتنّحى عن الطريق المسلوكة إلى طريق لا تُسلك غالبًا ليقضي حاجته، وتنّحى عبد الله ومعه إناء صغير، فقضى عمر حاجته ثم جاء، فسَكَبَ له ابن عباس من الإناء ماءً فتوضأ، ثم سأله عن المرأتين المقصودتين في الآية، فتعجب عمر من ابن عباس كيف خفي عليه هذا الأمر مع شهرته بينهم بعلم التفسير، أو أنه تعجب من جهة حرصه على سؤاله عما لا يتنبه له إلا الحريص على العلم من تفسير ما أبهم في القرآن، ثم ذكر له أن المقصودتين بالآية هما عائشة وحفصة، و حكى عمر قصة نزول الآية، فذكر أنه كان له جارٌ من الأنصار هو أوس بن خولي بن عبد الله الأنصاري، وكانوا يسكنون في بني أمية بن زيد في القُرى التي بالقرب من المدينة، وكانا يتناوبان في النزول إلى المدينة، ويخبر بعضهم بعضًا بما نزل من الوحي وبالأحداث الكائنة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قريش لهم قوة وتحكم على نسائهم بحسب العادة والطبع، فلما جاؤوا إلى المدينة وجدوا أن نساء الأنصار يغلبن رجالهم، فليس لهم شدة وطأة عليهم، فأخذ نساء قريش يتعلمن سيرة الأنصاريات وطريقتهن في التعامل مع أزواجهن، وفي يومٍ رفع عمر صوته على زوجته، فردت عليه الجواب، فاستنكر منها ردها عليه، فقالت: مالك تستنكر ردي عليك؟ والله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليردنّ عليه الكلام، ويهجرنه طوال اليوم إلى الليل، فخاف عمر من قولها، وقال: خسرت من تفعل منهن هذا الفعل العظيم من الرد على النبي عليه الصلاة والسلام وهجرانه، فلبس ثيابه كلها، ثم ذهب إلى ابنته حفصة، وسألها: هل تُغضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم كله إلى الليل؟ قالت: نعم، قال: خابت وخسرت من تفعل ذلك منكن، وهل تأمن من تفعل ذلك أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلك، ثم أمرها ألا تطلب الكثير من النبي صلى الله عليه وسلم، وألا تراجعه وترد عليه القول، وألا تهجره ولو هجرها النبي عليه الصلاة والسلام، ومتى أرادت شيئًا من الضروريات أمرها أن تسأله، وألا تغتر بكون عائشة تفعل شيئًا من الهجران والرد، فلا يؤاخذها بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فإنها تُدِلُّ بجمالها ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم لها، فلا تغتري أنتِ بذلك لاحتمال ألا تكوني عنده في تلك المنزلة.
وكنا نقول إن قبيلة غسان تُعِدُّ العُدة لتغزو المسلمين، فنزل جاره الأنصاري يوم نوبته إلى المدينة فسمع اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زوجاته، فرجع في العشاء، فضرب باب عمر ضربًا شديدًا وقال: هل هو نائم؟ فخاف عمر من شدة الضرب وخرج إليه، فقال: حدث شيءٌ عظيمٌ، قال عمر: هل جاءت غسان؟ قال: بل أعظم من ذلك، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ويحتمل أن يكون قد جزم بذلك لوقوع إشاعة من بعض أهل النفاق لما حصل الاعتزال، فتناقله الناس، ولم تجر عادته بالاعتزال فظنوا أنه طلقهن، فقال عمر: خابت وخسرت حفصة، وخصها بالذكر لمكانتها منه؛ لكونها ابنته، ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك، وقال: كنت أظن وأعتقد بقرب وقوع ذلك؛ لأن المراجعة قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة، فلبس عمر ثيابه وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم الفجر، ودخل عليه الصلاة والسلام غرفة اعتزل فيها نساءه، فدخل عمر على حفصة فوجدها تبكي، فقال: ما الذي يبكيك؟ ألم أكن أحذرك من أن تغاضبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تراجعيه أو تهجريه، ثم استفهمها عما سمعه من طلاق النبي عليه الصلاة والسلام لهن، فقالت: لا أعلم، ها هو في الغرفة المرتفعة، فخرج عمر من بيت حفصة، وجاء إلى المنبر فوجد جماعة حوله يبكي بعضهم، فجلس معهم قليلًا ثم غلب عليه ما يجد من شغل قلبه بما بلغه من تطليقه عليه الصلاة والسلام نساءه، ومن جملتهن بنته، وفي ذلك من المشقة ما لا يخفى، فقال لغلام النبي عليه الصلاة والسلام: استأذن لي من النبي لأدخل عليه، فدخل الغلام وخرج، فأخبره أنه ذكر له استئذانه عليه، فصمت النبي عليه الصلاة والسلام، فرجع عمر إلى المنبر وفعل مثل ذلك ثلاث مرات، فلما أراد أن ينصرف، فاجأه الغلام بأن النبي عليه الصلاة والسلام أذن له بالدخول.
فدخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فوجده راقدًا على نسيج من حصير، ليس بينه وبين الحصير شيء، وقد أثَّر الحصير في جنبه الشريفة عليه الصلاة والسلام، وكان متكئًا على وسادة محشوة بجلد مدبوغ، فسلم عليه عمر وسأله وهو قائم: هل طلقت نساءك؟ فرفع عليه الصلاة والسلام نظره وقال: لا، فقال وهو قائم لم يجلس بعد: هل أجلس؟ وكان يتأمل هل يعود صلى الله عليه وسلم إلى الرضا أو هل أقول قولًا أطيِّب به قلبه وأسكن غضبه، وقال: لو رأيتني وكنا معشر قريش نقوى على نسائنا، فلما جئنا المدينة إذا نسائهم يَغْلِبْنهم، فذكر له ما حدث بينه وبين امرأته، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر قوله لحفصة من ألا تغتر بكون عائشة أجمل منها وأحَبَّ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فتبسم عليه الصلاة والسلام مرةً أخرى، فلما رآه عمر تبسم واستأنس جلس، ورفع بصره إلى سقف بيت النبي صلى الله عليه وسلم فما وجد غير ثلاثة جلود، فلما رأى عمر ذلك قال: ادع الله أن يوسع على أمتك، فإن فارس والروم وُسِّع عليهم، وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، وكان عليه الصلاة والسلام متكئًا فجلس وقال: أأنت في شك يا ابن الخطاب في أن التوسع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا، إن فارس والروم قوم قُدمت لهم طيباتهم في الدنيا فلا يجدون أي نعيم في الآخرة، فقال عمر: استغفر لي يا رسول الله عن جراءتي بهذا القول في حضرتك.
فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وهو أنه صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت حفصة بذلك فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اكتمي علي، فأفشت حفصة إلى عائشة فغضبت عائشة حتى حلف النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقربها شهرًا، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: لن أدخل على نسائي لمدة شهر، من شدة غضبه عليهن حين عاتبه الله بقوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} [التحريم: 1].
والذي في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فتواطأت عائشة وحفصة على أن أيتهما دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير، إني أجد منك ريح مغافير، أي رائحة كريهة، فقال: لا ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش ولن أعود له، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في الشيئين معًا، فلما مضى تسع وعشرون ليلة، دخل عليه الصلاة والسلام على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: لقد أقسمتَ ألا تدخل علينا لمدة شهر، وقد أكملنا اليوم تسعة وعشرون يومًا، كنت أعدُّها عدًّا، فأخبرها عليه الصلاة والسلام أن هذا الشهر تسعة وعشرون يومًا، فنزلت آية التخيير، وبدأ عليه الصلاة والسلام بسؤال عائشة أولًا، فقال لها: سأذكر لكِ أمرًا، وليس عليك أن تسألي أبويك وتستشيرهم ولا تستعجلي بالرد، فقالت: إني أعلم أن أبواي لن يأمراني بفراقك، ثم قال عليه الصلاة والسلام: إن الله عز وجل قال: {يا أيها النبي قل لأزواجك} [الأحزاب: 28] إلى قوله {عظيما} [النساء: 27]، فقالت: وهل اسأل واستشير أبواي في هذا؟ واختارت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم خيّر عليه الصلاة والسلام باقي نساءه، فقلن مثل ما قالت عائشة، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز اليمين شهرًا ألا يدخل على امرأته، ولا يكون بذلك موليًا، لأنه ليس من الإيلاء المعروف في اصطلاح الفقهاء ولا له حكمه، وهو مختصٌ بالحلف عن الامتناع عن وطء الزوجة.
  • جواز دق الباب وضربه عند الحاجة.
  • جواز دخول الآباء على البنات بغير إذن أزواجهن والتفتيش عن الأحوال.
  • مشروعية التناوب في العلم والاشتغال به.
  • الحرص على طلب العلم.
  • قبول خبر الواحد والعمل بمراسيل الصحابة.
  • كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يخبر بعضهم بعضًا بما يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعلون ذلك كالمسند، إذ ليس في الصحابة من يكذب ولا غير ثقة.
  • فضل عائشة رضي الله تعالى عنها.
  • إتيان المحدث بالحديث على وجهه بلا اختصار فيه فائدة، لأنه قد كان يكتفي حين سأله ابن عباس عن المرأتين بما كان يخبره منه أنهما عائشة وحفصة.
  • مشروعية موعظة الرجل ابنته وإصلاح خلقها لزوجها.
  • الحزن والبكاء لأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يكرهه والاهتمام بما يهمه.
  • أن السكوت يحكم به، كما حكم عمر رضي الله تعالى عنه بسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صرفه إياه.
  • جواز تكرار الاستئذان.
  • للسلطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف المستأذِن عليه.
  • تقلله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وصبره على مضض ذلك.
  • يُسأل السلطان عن فعله إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته.
  • قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله تعالى عنه: لا، ردًا لما أخبر به الأنصاري من طلاق نسائه، ولم يخبر عمرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بما أخبر به الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ولا شكاه: لعلمه أنه لم يقصد الإخبار بخلاف القصة، وإنما هو وهم جرى عليه.
  • لا يجوز لأحدٍ أن يسخط حاله ولا ما قسم الله له ولا سابق قضائه، لأنه يخاف عليه ضعف يقينه.
  • الاستغفار من السخط وقلة الرضى.
  • جواز أن تعاقب المرأة على إفشاء سر زوجها، وعلى التحيل عليه بالأذى، وبالتوبيخ لها بالقول، كما وبخ الله تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم على تظاهرهما وإفشاء سره، وعاتبهن بالإيلاء والاعتزال والهجران كما قال تعالى: {واهجروهن في المضاجع} (النساء: 43).
  • الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا.
  • المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها أو ذوي الرأي من أهلها في أمر نفسها التي هي أحق بها من وليها، كعائشة رضي الله تعالى عنها.
  • الدليل لجواز ذكر العمل الصالح بلا رياء وتسميع، وهي في قول عبد الله بن عباس: فحججت معه، أي: مع عمر.
  • جواز الاستعانة في الوضوء، إذ هو الظاهر من قوله: فتوضأ.
  • ضحكه صلى الله عليه وسلم التبسم إكرامًا لمن يضحك إليه، وقال جرير: ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم.
  • جواز التخيير للمرأة، وجماهير العلماء على أن من خيّر زوجته فاختارته لم يكن ذلك طلاقًا، ولا يقع به فرقة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «لم أزل حريصا على أن أسأل عمر ﵁، عن المرأتين…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٤٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبدُ الله، المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (١)، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) بالمُثلَّثة وضمِّ العين وفتح المُوحَّدة في العبد الأوَّل، المدنيُّ مولى بني (٢) نوفلٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵁ عَنِ المَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ) ﷿ (لَهُمَا (٣): ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ

قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فَحَجَجْتُ مَعَهُ) ولابن مردويه في رواية يزيد بن رومان عن ابن عبَّاسٍ: أردت أن أسأل عمر فكنت أهابه، حتَّى حججنا معه، فلمَّا قضينا حجَّنا (فَعَدَلَ) عن الطَّريق المسلوكة إلى طريقٍ لا تُسلَك غالبًا ليقضي حاجته (وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ) بكسر الهمزة: إناءٌ صغيرٌ من جلدٍ يُتَّخَذ للماء كالسَّطيحة (فَتَبَرَّزَ) أي: خرج إلى الفضاء لقضاء الحاجة (١) (حَتَّى) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ» (جَاءَ) أي: من البراز (فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ) ماءً (مِنَ الإِدَاوَةِ، فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ) له عقب وضوئه: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَانِ قَالَ لَهُمَا) ولأبي ذرٍّ: «قال الله ﷿ لهما»: (﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾) أي: من التَّعاون والتَّظاهر (٢) على رسول الله ﷺ (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْقُلُوبُكُمَا﴾ فقال» أي: عمر: (وَا عَجَبِي لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ!) بكسر المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «واعجبًا» بالتَّنوين نحو: يا رجلًا، وفي نسخةٍ مُقابَلةٍ على «اليونينيَّة» أيضًا بالألف في آخره من غير تنوينٍ، نحو: وازيدا (٣)، قال الكِرمانيُّ: يُندَب على التَّعجُّب، وهو إمَّا تعجُّبٌ من ابن عبَّاسٍ كيف خفي عليه هذا الأمر (٤) مع شهرته بينهم بعلم التَّفسير، وإمَّا من جهة حرصه على سؤاله عمَّا لا يتنبَّه له إلَّا الحريص على العلم من تفسير ما أُبهِم في (٥) القرآن، وقال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: «وا» في قوله: «وا عجبًا» اسم فعل إذا نُوِّن «عجبًا» بمعنى: أعجب، ومثله: «وي»، وجيء بعده بقوله: «عجبًا» توكيدًا، وإذا لم يُنوَّن فالأصل فيه: «وا عجبي»، فأُبدِلت (٦) المُثنَّاة التَّحتيَّة ألفًا، وفيه استعمال «وا» في غير النُّدبة كما هو رأي المبرِّد، قال الزَّمخشريُّ: قاله تعجُّبًا (٧)، كأنَّه كره ما سأله عنه (عَائِشَةُ

وَحَفْصَةُ) هما المرأتان اللَّتان قال الله تعالى لهما: ﴿تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾.

(ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ) ﵁ (الحَدِيثَ) حال كونه (يَسُوقُهُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ) هو عتبان بن مالك بن عمرٍو العجلانيُّ الخزرجيُّ، كما عند ابن بشكوال، والصَّحيح أنَّه أوس بن خوليِّ بن عبد الله بن الحارث الأنصاريُّ، كما سمَّاه ابن سعدٍ من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة في حديثٍ، ولفظه: فكان عمر مواخيًا أوس بن خوليٍّ لا يسمع شيئًا إلَّا حدَّثه، ولا يسمع عمر شيئًا إلَّا حدَّثه، فهذا هو المعتمد، ولا يلزم من كونه ﷺ آخى بين عِتْبان وبين عمر أن يتجاورا، فالأخذ بالنَّصِّ مُقدَّمٌ على الأخذ بالاستنباط، وقوله: «وجارٌ» بالرَّفع عطفًا على الضَّمير المرفوع المتَّصل الذي في «كنت» بدون فاصلٍ على مذهب الكوفيِّين وهو قليلٌ، وفي (١) روايةٍ (٢) في «باب التَّناوب» في «كتاب العلم» [خ¦٨٩]: «كنت أنا وجارٌ لي» وهذا على مذهب البصريِّين؛ لأنَّ عندهم لا يصحُّ العطف بدون إظهار «أنا»، حتَّى لا يلزم عطف الاسم على الفعل، والكوفيُّون لا يشترطون ذلك، وجوَّز الزَّركشيُّ والبرماويُّ النَّصب، وقال الكِرمانيُّ: إنَّه الصَّحيح عطفًا على الضَّمير في قوله: «إنِّي»، قال في «المصابيح»: لكنَّ الشَّأن في الرِّواية وأيضًا فالظَّاهر أنَّ قوله: (فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ) بضمِّ الهمزة، خبر «كان»، وجملة «كان» ومعموليها خبر «إنَّ»، فإذا جعلت «جارًا» معطوفًا على اسم «إنَّ» لم يصحَّ كون الجملة المذكورة

خبرًا لها إلَّا بتكلُّف حذفٍ لا داعيَ له. انتهى. وقوله: «في بني أميَّة» في موضع جرٍّ، صفةٌ لسابقه، أي: وجارٌ لي من الأنصار كائنين في بني أميَّة بن زيدٍ (وَهْيَ) أي: أمكنتهم (مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ) القرى التي بقربها وأدناها منها على أربعة أميالٍ، وأقصاها من جهة نجدٍ ثمانيةٌ (وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَنْزِلُ) هُوَ (يَوْمًا وَ) أنا (أَنْزِلُ يَوْمًا) والفاء تفسيريَّةٌ للتَّناوب المذكور (فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأَمْرِ) أي: الوحي؛ إذ اللَّام للأمر المعهود عندهم (١)، أو الأوامر الشَّرعيَّة (وَغَيْرِهِ) من الحوادث الكائنة عنده ﷺ (وَإِذَا نَزَلَ) أي: جاري (فَعَلَ مِثْلَهُ) أي: مثل الذي أفعله معه من الإخبار بأمر الوحي وغيره (وَكُنَّا -مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- نَغْلِبُ النِّسَاءَ) أي: نحكم عليهنَّ (٢) ولا يحكمن علينا (فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ) أي (٣): المدينة (إِذَا هُمْ) أي: فاجأناهم (قَوْمٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إذْ هم» -بسكون الذَّال- «قومٌ» (تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ) فليس لهم شدَّة وطأةٍ عليهنَّ (فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا) أي: أخذن (٤) (يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ) بالدَّال المُهمَلة، أي: من سيرتهنَّ وطريقتهنَّ، كذا وجدته في جميع ما وقفت عليه من الأصول المُعتمَدة، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه بالرَّاء، قال: وهو العقل (فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي) أي: رفعت صوتي عليها (فَرَاجَعَتْنِي) ردَّت عليَّ الجواب (فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي) أي: تراددني في القول (فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟! فَوَاللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ) بسكون العين (وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ) بجرِّ «اللَّيل» بـ «حتَّى»، وفي رواية عُبَيد بن حُنَينٍ عند المؤلِّف في «تفسير سورة التَّحريم» [خ¦٤٩١٣]: وإنَّ ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتَّى يظلَّ يومه غضبان (فَأَفْزَعَنِي) كلامها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأفزعتني» أي:

المرأة (فَقُلْتُ: خَابَتْ) بتاء التَّأنيث السَّاكنة، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «خاب» (مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ) ذلك (بِعَظِيمٍ) أي: بأمرٍ عظيمٍ، وفي نسخةٍ: «لَعظيم» بلامٍ مفتوحةٍ بدل المُوحَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «جاءت» من المجيء «مَنْ فعل منهنَّ بعظيمٍ» (ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) أي: لبستها جميعًا (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) يعني: ابنته (فَقُلْتُ: أَيْ حَفْصَةُ (١)) أي: يا حَفْصَةُ (أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟) بالجرِّ (فَقَالَتْ: نَعَمْ) إنَّا لَنراجعه (فَقُلْتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ) أي: مَنْ غاضبته (أَفَتَأْمَنُ) التي (٢) تغاضبه منكنَّ (أَنْ يَغْضَبَ اللهُ) عليها (لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ فَتَهْلِكِينَ) بكسر اللَّام، وفي آخره نونٌ، قال أبو عليٍّ الصَّدفيُّ (٣): والصَّواب: «أفتأمنين»، وفي آخره: «فَتَهْلَكي» أي: بحذف النُّون، كذا قال، وليس بخطأٍ لإمكان توجيهه، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: القياس فيه حذف النُّون، فتأويله: فأنت تهلكين، وقال في «المصابيح»: بكسر اللَّام وفتح الكاف، وفاعله ضمير الأوَّل (لَا تَسْتَكْثِرِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: لا تطلبي منه الكثير (وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ) أي: لا ترادديه في الكلام (وَلَا تَهْجُرِيهِ) ولو هجرك (وَاسْأَلِينِي) بسكون السِّين وبعدها همزةٌ مفتوحةٌ، ولأبي ذرٍّ: «وسَليني» بفتح السِّين وإسقاط الهمزة (مَا بَدَا لَكِ) أي: ظهر لك من الضَّرورات (وَلَا يَغُرَّنَّكِ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (أَنْ كَانَتْ) بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، أي: بأن كانت (جَارَتُكِ) أي: ضرَّتُك، والعرب تطلق على الضَّرَّة جارةً، لتجاورهما المعنويِّ، ولكونهما عند شخصٍ واحدٍ وإن لم يكن حسِّيًّا (هِيَ أَوْضَأَ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبعد الضَّاد المعجمة المفتوحة همزةٌ، من الوضاءة، أي: ولا يغرنَّك كون ضرَّتك أجمل وأنظف (مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) ولغير أبي ذرٍّ: «أوضأَ وأحبَّ» بالنَّصب فيهما، خبر «كان» ومعطوفًا عليه (يُرِيدُ) عمر ﵁ بجارتها الموصوفة بالوضاءة (عَائِشَةَ) ﵂، والمعنى: لا تغترِّي بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه، فلا يؤاخذها بذلك،

فإنَّها تُدِلُّ بجمالها ومحبَّة النَّبيِّ ﷺ فيها، فلا تغترِّي أنت بذلك لاحتمال ألَّا تكوني عنده في تلك المنزلة، فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها.

(وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا) وفي نسخةٍ عليها علامة السُّقوط في «اليونينيَّة» (١): «حُدِّثنا» بإسقاط المُثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ الحاء وكسر الدَّال المُهمَلة (٢) المُشدَّدة (أَنَّ غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السِّين المهملة وبعد الألف نونٌ: رهطًا من قحطان، نزلوا حين تفرَّقوا من مأرب بماءٍ يُقال له: غسَّان، فسُمُّوا بذلك، وسكنوا بطرف الشَّام (تُنْعِلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وبعد النُّون السَّاكنة عينٌ مُهمَلةٌ مكسورةٌ، الدَّوابَّ (النِّعَالَ) بكسر النُّون، وفيه حذف أحد المفعولين للعلم به، وللحَمُّويي والمُستملي: «تَنْتَعل (٣)» بمُثنَّاتين فوقيتيَّن مفتوحتين (٤)، بينهما نونٌ ساكنةٌ، وفي «باب موعظة الرَّجل ابنته» من «النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: تُنْعِلُ الخيلَ (لِغَزْوِنَا) معشرَ المسلمين (فَنَزَلَ صَاحِبِي) الأنصاريُّ المُسمَّى عِتْبان بن مالكٍ على النَّبيِّ ﷺ (يَوْمَ نَوْبَتِهِ) فسمع اعتزال رسول الله ﷺ عن زوجاته (فَرَجَعَ) إلى العوالي (عِشَاءً) نُصِب على الظَّرفيَّة (٥)، أي: في عشاءٍ، فجاء (٦) إليَّ (فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ؟) بهمزة الاستفهام على سبيل الاستخبار، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «أَثَمَّ هو» بفتح المُثلَّثة، أي: في البيت وذلك لبطء إجابتهم له، فظنَّ أنَّه خرج من البيت، قال عمر ﵁: (فَفَزِعْتُ) بكسر الزَّاي، أي: خفت لأجل الضَّرب الشَّديد (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟) وفي رواية عُبيد بن حنينٍ [خ¦٤٩١٣]: جاء الغسَّانيُّ، واسمه -كما في «تاريخ ابن أبي خيثمة» و «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ- جبلة بن الأيهم (قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ) وعند ابن سعدٍ من حديث عائشة: فقال الأنصاريُّ: أعظم من ذلك،

ما أرى رسول الله ﷺ إلَّا قد طلَّق نساءه، فوقع «طلَّق» مقرونًا بالظَّنِّ، وفي جميع الطُّرق عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثورٍ [خ¦٥١٩١]: «طَلَّقَ» بالجزم، فيحتمل أن يكون الجزم وقع من إشاعة بعض أهل النِّفاق فتناقله النَّاس، وأصله ما وقع من اعتزاله ﷺ بذلك ولم تجر عادته بذلك، فظنُّوا أنَّه طلقهنَّ (قَالَ) أي: عمر: (قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ) خصَّها بالذِّكر لمكانتها منه لكونها ابنته، ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك (كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ) بكسر الشِّين (أَنْ يَكُونَ) أي: يقرب كونه لأنَّ المُراجَعة قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة (فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) أي: لبستُها (فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً) بفتح الميم وسكون الشِّين المعجمة وضمِّ الرَّاء وفتح المُوحَّدة: غرفةً (لَهُ، فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ؟) أي: من أن تغاضبي رسول الله ﷺ، أو تراجعيه، أو تهجريه، زاد في رواية سِمَاك بن الوليد عند مسلمٍ: لقد علمت أنَّ رسول الله ﷺ لا يحبُّك ولولا أنا لَطلَّقك، فبكت أشدَّ البكاء، وذلك لما اجتمع عندها من الحزن على فراق النَّبيِّ ﷺ، ولما تتوقَّعه من شدَّة غضب أبيها، وقد قال لها فيما أخرجه ابن مردويه: والله إن كان طلَّقك لا أكلِّمك أبدًا، ثمَّ استفهمها عمَّا سمعه، فقال: (أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هُوَ ذَا فِي المَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ) من بيت حفصة (فَجِئْتُ المِنْبَرَ فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ) لم يُسمَّوا (يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ) أي: من شغل قلبه بما بلغه من تطليقه ﵊ نساءه، ومن جملتهنَّ حفصة بنته، وفي ذلك من المشقَّة ما لا يخفى (فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ) ﷺ (فِيهَا) وفي نسخةٍ: «التي فيه»، وفي الفرع علامة السُّقوط على قوله: «هو فيها»، ثمَّ كُتِب بالهامش: «الذي (١) فيه» بالتَّذكير، وإسقاط: «هو»، وصحَّح على ذلك (٢) (فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ) اسمه رَبَاحٌ بفتح الرَّاء والمُوحَّدة (٣) المُخفَّفة وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، وسقط لفظ «له» في رواية أبي ذرٍّ (اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ) ﵊ (فَصَمَتَ) قال عمر ﵁: (فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ،

ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ) ولأبي ذرٍّ: «فجئت، فقلت للغلام» أي: استأذنْ لعمر، فذكر مثله (فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ) حال كوني (مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الغُلَامُ) فاجأني (يَدْعُونِي، قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: في الدُّخول (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) ﷺ (فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ) بكسر الرَّاء والإضافة، ما رُمِل، أي: نُسِج من حصيرٍ وغيره (لَيْسَ بَيْنَهُ) ﵊ (وَبَيْنَهُ) أي: الحصير (فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ) الشَّريف وهو (مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ) بفتحتين: جلدٍ مدبوغٍ (حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ) أي: أطلقَّتَ (نِسَاءَكَ؟) فهمزة الاستفهام مُقدَّرةٌ (فَرَفَعَ) ﵊ (بَصَرَهُ) الشَّريف (إِلَيَّ فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ) أي: أتبصَّر، هل يعود ﷺ إلى الرِّضا أو هل أقول قولًا أُطيِّب به قلبه وأُسكِّن غضبه: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي) بفتح التَّاء (وَكُنَّا -مَعْشَرَ قُرَيْشٍ-) بسكون العين (نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ) أي: السَّابق من القصَّة (فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ) ولغير أبي ذرٍّ وكريمة: «فتبسَّم رسول الله» (١) (ﷺ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأُ مِنْكِ وَأَحَبُّ) بالرَّفع فيهما لأبي ذرٍّ، ولغيره: «أوضأَ وأحبَّ» بنصبهما خبر «كان» ومعطوفًا عليه (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -يُرِيدُ: عَائِشَةَ- فَتَبَسَّمَ) ﵊ (أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي) أي: نظرتُ (فِي بَيْتِهِ، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ البَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ) بفتح الهمزة والهاء، جمع إهابٍ: جلدٍ قبل أن يُدبَغ، أو مطلقًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثلاثٍ» بغير هاءٍ (فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ) ليوسِّع (فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ) فالفاء عطفٌ على محذوفٍ، فكرَّر لفظ الأمر الذي هو بمعنى الدُّعاء للتَّأكيد، قاله الكِرمانيُّ (فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، وَكَانَ) ﵊ (مُتَّكِئًا) فجلس (٢) (فَقَالَ: أَوَ فِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟) بفتح الهمزة والواو للإنكار

التَّوبيخيِّ، أي: أأنت (١) في شكٍّ في أنَّ التَّوسُّع في الآخرة خيرٌ من التَّوسُّع في الدُّنيا؟ (أُولَئِكَ) فارس والرُّوم (قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي) أي: عن جراءتي بهذا القول في حضرتك، أو عن (٢) اعتقادي أنَّ التَّجمُّلات الدُّنيويَّة مرغوبٌ فيها، قال عمر ﵁: (فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ) وهو أنَّه ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت حفصة بذلك، فقال لها النَّبيُّ ﷺ: «اكتمي عليَّ، وقد حرَّمت مارية على نفسي»، فأفشت (٣) حفصة إلى عائشة، فغضبت عائشة حتَّى حلف النَّبيُّ ﷺ أنَّه لا يقربها شهرًا، وهو معنى قوله (وَكَانَ قَدْ قَالَ) ﵊: (مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ) أي: نسائه (شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ) بفتح الميم وسكون الواو وكسر الجيم، وفتحها في الفرع كأصله، مصدرٌ ميميٌّ، أي: غضبِه (عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى عاتبه الله» أي: بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] والذي في «الصَّحيحين» [خ¦٤٩١٢]: أنَّه ﷺ كان يشرب عسلًا عند زينب ابنة جحشٍ ويمكث عندها، فتواطأت عائشة وحفصة (٤) على (٥) أنَّ أيَّتهما دخل عليها فلتقل له: أكلتَ مغافير، إنِّي أجد منك ريح مغافير، فقال: «لا، ولكنِّي كنت أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحشٍ، ولن أعود له، وقد حلفتُ، لا تُخبري بذلك أحدًا»، فقد اختُلِف في الذي حرَّمه على نفسه وعُوتِب على تحريمه، كما اختُلِف في سبب حلفه، والأوَّل رواه جماعةٌ يأتي ذكرهم -إن شاء الله تعالى- في «تفسير سورة التَّحريم» [خ¦٤٩١٣] وعند ابن مردويه عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية بيتَ حفصة، فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي (٦) دون نسائك، فحلف لها لا يقربها،

وقال: «هي حرامٌ»، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في الشَّيئين معًا، ووقع عند ابن مردويه في رواية يزيد بن رومان عن عائشة ما يجمع القولين، وفيه: أنَّ حفصة أُهدِيت لها عُكَّةٌ فيها عسلٌ، وكان رسول الله ﷺ إذا دخل عليها حبسته حتَّى تُلعقه أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجاريةٍ عندها حبشيَّةٍ يُقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فانظري ما تصنع، فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكنَّ فقلن: إنَّا نجد منك ريح مغافير، فقال: «هو عسلٌ، والله لا أطعمه أبدًا»، فلمَّا كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها (١)، فأذن لها فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت فوجدت الباب مُغلَقًا، فخرج ووجهه يقطر وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: «أُشْهِدُكِ أنَّها حرامٌ، انظري، لا تخبري بهذا امرأةً، وهي عندك أمانةٌ»، فلمَّا خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أُبشِّرك أنَّ رسول الله ﷺ قد حرَّم أَمَتَه، فنزلت، أي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].

(فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) ليلةً (دَخَلَ) ﵊ (عَلَى عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَلَّا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) باللَّام، وللحَمُّويي والمُستملي: «بتسعٍ» بالمُوحَّدة بدل اللَّام (أَعُدُّهَا عَدًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الشَّهْرُ) الذي آليت فيه (٢) (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ) وُجِد (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) وفي روايةٍ: «تسعًا وعشرين» بالنَّصب خبر «كان» النَّاقصة (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ) الآتية (فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال»: (إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أي: لا بأس عليك في عدم التَّعجيل، أو «لا» زائدةٌ، أي: ليس عليك التَّعجيل والاستئمار (قَالَتْ: قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِه) ولأبي ذرٍّ: «بفراقك» (ثُمَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٤٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبدُ الله، المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (١)، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) بالمُثلَّثة وضمِّ العين وفتح المُوحَّدة في العبد الأوَّل، المدنيُّ مولى بني (٢) نوفلٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵁ عَنِ المَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ) ﷿ (لَهُمَا (٣): ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ

قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فَحَجَجْتُ مَعَهُ) ولابن مردويه في رواية يزيد بن رومان عن ابن عبَّاسٍ: أردت أن أسأل عمر فكنت أهابه، حتَّى حججنا معه، فلمَّا قضينا حجَّنا (فَعَدَلَ) عن الطَّريق المسلوكة إلى طريقٍ لا تُسلَك غالبًا ليقضي حاجته (وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ) بكسر الهمزة: إناءٌ صغيرٌ من جلدٍ يُتَّخَذ للماء كالسَّطيحة (فَتَبَرَّزَ) أي: خرج إلى الفضاء لقضاء الحاجة (١) (حَتَّى) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ» (جَاءَ) أي: من البراز (فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ) ماءً (مِنَ الإِدَاوَةِ، فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ) له عقب وضوئه: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَانِ قَالَ لَهُمَا) ولأبي ذرٍّ: «قال الله ﷿ لهما»: (﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾) أي: من التَّعاون والتَّظاهر (٢) على رسول الله ﷺ (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْقُلُوبُكُمَا﴾ فقال» أي: عمر: (وَا عَجَبِي لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ!) بكسر المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «واعجبًا» بالتَّنوين نحو: يا رجلًا، وفي نسخةٍ مُقابَلةٍ على «اليونينيَّة» أيضًا بالألف في آخره من غير تنوينٍ، نحو: وازيدا (٣)، قال الكِرمانيُّ: يُندَب على التَّعجُّب، وهو إمَّا تعجُّبٌ من ابن عبَّاسٍ كيف خفي عليه هذا الأمر (٤) مع شهرته بينهم بعلم التَّفسير، وإمَّا من جهة حرصه على سؤاله عمَّا لا يتنبَّه له إلَّا الحريص على العلم من تفسير ما أُبهِم في (٥) القرآن، وقال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: «وا» في قوله: «وا عجبًا» اسم فعل إذا نُوِّن «عجبًا» بمعنى: أعجب، ومثله: «وي»، وجيء بعده بقوله: «عجبًا» توكيدًا، وإذا لم يُنوَّن فالأصل فيه: «وا عجبي»، فأُبدِلت (٦) المُثنَّاة التَّحتيَّة ألفًا، وفيه استعمال «وا» في غير النُّدبة كما هو رأي المبرِّد، قال الزَّمخشريُّ: قاله تعجُّبًا (٧)، كأنَّه كره ما سأله عنه (عَائِشَةُ

وَحَفْصَةُ) هما المرأتان اللَّتان قال الله تعالى لهما: ﴿تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾.

(ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ) ﵁ (الحَدِيثَ) حال كونه (يَسُوقُهُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ) هو عتبان بن مالك بن عمرٍو العجلانيُّ الخزرجيُّ، كما عند ابن بشكوال، والصَّحيح أنَّه أوس بن خوليِّ بن عبد الله بن الحارث الأنصاريُّ، كما سمَّاه ابن سعدٍ من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة في حديثٍ، ولفظه: فكان عمر مواخيًا أوس بن خوليٍّ لا يسمع شيئًا إلَّا حدَّثه، ولا يسمع عمر شيئًا إلَّا حدَّثه، فهذا هو المعتمد، ولا يلزم من كونه ﷺ آخى بين عِتْبان وبين عمر أن يتجاورا، فالأخذ بالنَّصِّ مُقدَّمٌ على الأخذ بالاستنباط، وقوله: «وجارٌ» بالرَّفع عطفًا على الضَّمير المرفوع المتَّصل الذي في «كنت» بدون فاصلٍ على مذهب الكوفيِّين وهو قليلٌ، وفي (١) روايةٍ (٢) في «باب التَّناوب» في «كتاب العلم» [خ¦٨٩]: «كنت أنا وجارٌ لي» وهذا على مذهب البصريِّين؛ لأنَّ عندهم لا يصحُّ العطف بدون إظهار «أنا»، حتَّى لا يلزم عطف الاسم على الفعل، والكوفيُّون لا يشترطون ذلك، وجوَّز الزَّركشيُّ والبرماويُّ النَّصب، وقال الكِرمانيُّ: إنَّه الصَّحيح عطفًا على الضَّمير في قوله: «إنِّي»، قال في «المصابيح»: لكنَّ الشَّأن في الرِّواية وأيضًا فالظَّاهر أنَّ قوله: (فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ) بضمِّ الهمزة، خبر «كان»، وجملة «كان» ومعموليها خبر «إنَّ»، فإذا جعلت «جارًا» معطوفًا على اسم «إنَّ» لم يصحَّ كون الجملة المذكورة

خبرًا لها إلَّا بتكلُّف حذفٍ لا داعيَ له. انتهى. وقوله: «في بني أميَّة» في موضع جرٍّ، صفةٌ لسابقه، أي: وجارٌ لي من الأنصار كائنين في بني أميَّة بن زيدٍ (وَهْيَ) أي: أمكنتهم (مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ) القرى التي بقربها وأدناها منها على أربعة أميالٍ، وأقصاها من جهة نجدٍ ثمانيةٌ (وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَنْزِلُ) هُوَ (يَوْمًا وَ) أنا (أَنْزِلُ يَوْمًا) والفاء تفسيريَّةٌ للتَّناوب المذكور (فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأَمْرِ) أي: الوحي؛ إذ اللَّام للأمر المعهود عندهم (١)، أو الأوامر الشَّرعيَّة (وَغَيْرِهِ) من الحوادث الكائنة عنده ﷺ (وَإِذَا نَزَلَ) أي: جاري (فَعَلَ مِثْلَهُ) أي: مثل الذي أفعله معه من الإخبار بأمر الوحي وغيره (وَكُنَّا -مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- نَغْلِبُ النِّسَاءَ) أي: نحكم عليهنَّ (٢) ولا يحكمن علينا (فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ) أي (٣): المدينة (إِذَا هُمْ) أي: فاجأناهم (قَوْمٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إذْ هم» -بسكون الذَّال- «قومٌ» (تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ) فليس لهم شدَّة وطأةٍ عليهنَّ (فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا) أي: أخذن (٤) (يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ) بالدَّال المُهمَلة، أي: من سيرتهنَّ وطريقتهنَّ، كذا وجدته في جميع ما وقفت عليه من الأصول المُعتمَدة، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه بالرَّاء، قال: وهو العقل (فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي) أي: رفعت صوتي عليها (فَرَاجَعَتْنِي) ردَّت عليَّ الجواب (فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي) أي: تراددني في القول (فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟! فَوَاللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ) بسكون العين (وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ) بجرِّ «اللَّيل» بـ «حتَّى»، وفي رواية عُبَيد بن حُنَينٍ عند المؤلِّف في «تفسير سورة التَّحريم» [خ¦٤٩١٣]: وإنَّ ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتَّى يظلَّ يومه غضبان (فَأَفْزَعَنِي) كلامها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأفزعتني» أي:

المرأة (فَقُلْتُ: خَابَتْ) بتاء التَّأنيث السَّاكنة، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «خاب» (مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ) ذلك (بِعَظِيمٍ) أي: بأمرٍ عظيمٍ، وفي نسخةٍ: «لَعظيم» بلامٍ مفتوحةٍ بدل المُوحَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «جاءت» من المجيء «مَنْ فعل منهنَّ بعظيمٍ» (ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) أي: لبستها جميعًا (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) يعني: ابنته (فَقُلْتُ: أَيْ حَفْصَةُ (١)) أي: يا حَفْصَةُ (أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟) بالجرِّ (فَقَالَتْ: نَعَمْ) إنَّا لَنراجعه (فَقُلْتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ) أي: مَنْ غاضبته (أَفَتَأْمَنُ) التي (٢) تغاضبه منكنَّ (أَنْ يَغْضَبَ اللهُ) عليها (لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ فَتَهْلِكِينَ) بكسر اللَّام، وفي آخره نونٌ، قال أبو عليٍّ الصَّدفيُّ (٣): والصَّواب: «أفتأمنين»، وفي آخره: «فَتَهْلَكي» أي: بحذف النُّون، كذا قال، وليس بخطأٍ لإمكان توجيهه، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: القياس فيه حذف النُّون، فتأويله: فأنت تهلكين، وقال في «المصابيح»: بكسر اللَّام وفتح الكاف، وفاعله ضمير الأوَّل (لَا تَسْتَكْثِرِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: لا تطلبي منه الكثير (وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ) أي: لا ترادديه في الكلام (وَلَا تَهْجُرِيهِ) ولو هجرك (وَاسْأَلِينِي) بسكون السِّين وبعدها همزةٌ مفتوحةٌ، ولأبي ذرٍّ: «وسَليني» بفتح السِّين وإسقاط الهمزة (مَا بَدَا لَكِ) أي: ظهر لك من الضَّرورات (وَلَا يَغُرَّنَّكِ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (أَنْ كَانَتْ) بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، أي: بأن كانت (جَارَتُكِ) أي: ضرَّتُك، والعرب تطلق على الضَّرَّة جارةً، لتجاورهما المعنويِّ، ولكونهما عند شخصٍ واحدٍ وإن لم يكن حسِّيًّا (هِيَ أَوْضَأَ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبعد الضَّاد المعجمة المفتوحة همزةٌ، من الوضاءة، أي: ولا يغرنَّك كون ضرَّتك أجمل وأنظف (مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) ولغير أبي ذرٍّ: «أوضأَ وأحبَّ» بالنَّصب فيهما، خبر «كان» ومعطوفًا عليه (يُرِيدُ) عمر ﵁ بجارتها الموصوفة بالوضاءة (عَائِشَةَ) ﵂، والمعنى: لا تغترِّي بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه، فلا يؤاخذها بذلك،

فإنَّها تُدِلُّ بجمالها ومحبَّة النَّبيِّ ﷺ فيها، فلا تغترِّي أنت بذلك لاحتمال ألَّا تكوني عنده في تلك المنزلة، فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها.

(وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا) وفي نسخةٍ عليها علامة السُّقوط في «اليونينيَّة» (١): «حُدِّثنا» بإسقاط المُثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ الحاء وكسر الدَّال المُهمَلة (٢) المُشدَّدة (أَنَّ غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السِّين المهملة وبعد الألف نونٌ: رهطًا من قحطان، نزلوا حين تفرَّقوا من مأرب بماءٍ يُقال له: غسَّان، فسُمُّوا بذلك، وسكنوا بطرف الشَّام (تُنْعِلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وبعد النُّون السَّاكنة عينٌ مُهمَلةٌ مكسورةٌ، الدَّوابَّ (النِّعَالَ) بكسر النُّون، وفيه حذف أحد المفعولين للعلم به، وللحَمُّويي والمُستملي: «تَنْتَعل (٣)» بمُثنَّاتين فوقيتيَّن مفتوحتين (٤)، بينهما نونٌ ساكنةٌ، وفي «باب موعظة الرَّجل ابنته» من «النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: تُنْعِلُ الخيلَ (لِغَزْوِنَا) معشرَ المسلمين (فَنَزَلَ صَاحِبِي) الأنصاريُّ المُسمَّى عِتْبان بن مالكٍ على النَّبيِّ ﷺ (يَوْمَ نَوْبَتِهِ) فسمع اعتزال رسول الله ﷺ عن زوجاته (فَرَجَعَ) إلى العوالي (عِشَاءً) نُصِب على الظَّرفيَّة (٥)، أي: في عشاءٍ، فجاء (٦) إليَّ (فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ؟) بهمزة الاستفهام على سبيل الاستخبار، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «أَثَمَّ هو» بفتح المُثلَّثة، أي: في البيت وذلك لبطء إجابتهم له، فظنَّ أنَّه خرج من البيت، قال عمر ﵁: (فَفَزِعْتُ) بكسر الزَّاي، أي: خفت لأجل الضَّرب الشَّديد (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟) وفي رواية عُبيد بن حنينٍ [خ¦٤٩١٣]: جاء الغسَّانيُّ، واسمه -كما في «تاريخ ابن أبي خيثمة» و «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ- جبلة بن الأيهم (قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ) وعند ابن سعدٍ من حديث عائشة: فقال الأنصاريُّ: أعظم من ذلك،

ما أرى رسول الله ﷺ إلَّا قد طلَّق نساءه، فوقع «طلَّق» مقرونًا بالظَّنِّ، وفي جميع الطُّرق عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثورٍ [خ¦٥١٩١]: «طَلَّقَ» بالجزم، فيحتمل أن يكون الجزم وقع من إشاعة بعض أهل النِّفاق فتناقله النَّاس، وأصله ما وقع من اعتزاله ﷺ بذلك ولم تجر عادته بذلك، فظنُّوا أنَّه طلقهنَّ (قَالَ) أي: عمر: (قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ) خصَّها بالذِّكر لمكانتها منه لكونها ابنته، ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك (كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ) بكسر الشِّين (أَنْ يَكُونَ) أي: يقرب كونه لأنَّ المُراجَعة قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة (فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) أي: لبستُها (فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً) بفتح الميم وسكون الشِّين المعجمة وضمِّ الرَّاء وفتح المُوحَّدة: غرفةً (لَهُ، فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ؟) أي: من أن تغاضبي رسول الله ﷺ، أو تراجعيه، أو تهجريه، زاد في رواية سِمَاك بن الوليد عند مسلمٍ: لقد علمت أنَّ رسول الله ﷺ لا يحبُّك ولولا أنا لَطلَّقك، فبكت أشدَّ البكاء، وذلك لما اجتمع عندها من الحزن على فراق النَّبيِّ ﷺ، ولما تتوقَّعه من شدَّة غضب أبيها، وقد قال لها فيما أخرجه ابن مردويه: والله إن كان طلَّقك لا أكلِّمك أبدًا، ثمَّ استفهمها عمَّا سمعه، فقال: (أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هُوَ ذَا فِي المَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ) من بيت حفصة (فَجِئْتُ المِنْبَرَ فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ) لم يُسمَّوا (يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ) أي: من شغل قلبه بما بلغه من تطليقه ﵊ نساءه، ومن جملتهنَّ حفصة بنته، وفي ذلك من المشقَّة ما لا يخفى (فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ) ﷺ (فِيهَا) وفي نسخةٍ: «التي فيه»، وفي الفرع علامة السُّقوط على قوله: «هو فيها»، ثمَّ كُتِب بالهامش: «الذي (١) فيه» بالتَّذكير، وإسقاط: «هو»، وصحَّح على ذلك (٢) (فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ) اسمه رَبَاحٌ بفتح الرَّاء والمُوحَّدة (٣) المُخفَّفة وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، وسقط لفظ «له» في رواية أبي ذرٍّ (اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ) ﵊ (فَصَمَتَ) قال عمر ﵁: (فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ،

ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ) ولأبي ذرٍّ: «فجئت، فقلت للغلام» أي: استأذنْ لعمر، فذكر مثله (فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ) حال كوني (مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الغُلَامُ) فاجأني (يَدْعُونِي، قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: في الدُّخول (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) ﷺ (فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ) بكسر الرَّاء والإضافة، ما رُمِل، أي: نُسِج من حصيرٍ وغيره (لَيْسَ بَيْنَهُ) ﵊ (وَبَيْنَهُ) أي: الحصير (فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ) الشَّريف وهو (مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ) بفتحتين: جلدٍ مدبوغٍ (حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ) أي: أطلقَّتَ (نِسَاءَكَ؟) فهمزة الاستفهام مُقدَّرةٌ (فَرَفَعَ) ﵊ (بَصَرَهُ) الشَّريف (إِلَيَّ فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ) أي: أتبصَّر، هل يعود ﷺ إلى الرِّضا أو هل أقول قولًا أُطيِّب به قلبه وأُسكِّن غضبه: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي) بفتح التَّاء (وَكُنَّا -مَعْشَرَ قُرَيْشٍ-) بسكون العين (نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ) أي: السَّابق من القصَّة (فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ) ولغير أبي ذرٍّ وكريمة: «فتبسَّم رسول الله» (١) (ﷺ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأُ مِنْكِ وَأَحَبُّ) بالرَّفع فيهما لأبي ذرٍّ، ولغيره: «أوضأَ وأحبَّ» بنصبهما خبر «كان» ومعطوفًا عليه (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -يُرِيدُ: عَائِشَةَ- فَتَبَسَّمَ) ﵊ (أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي) أي: نظرتُ (فِي بَيْتِهِ، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ البَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ) بفتح الهمزة والهاء، جمع إهابٍ: جلدٍ قبل أن يُدبَغ، أو مطلقًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثلاثٍ» بغير هاءٍ (فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ) ليوسِّع (فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ) فالفاء عطفٌ على محذوفٍ، فكرَّر لفظ الأمر الذي هو بمعنى الدُّعاء للتَّأكيد، قاله الكِرمانيُّ (فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، وَكَانَ) ﵊ (مُتَّكِئًا) فجلس (٢) (فَقَالَ: أَوَ فِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟) بفتح الهمزة والواو للإنكار

التَّوبيخيِّ، أي: أأنت (١) في شكٍّ في أنَّ التَّوسُّع في الآخرة خيرٌ من التَّوسُّع في الدُّنيا؟ (أُولَئِكَ) فارس والرُّوم (قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي) أي: عن جراءتي بهذا القول في حضرتك، أو عن (٢) اعتقادي أنَّ التَّجمُّلات الدُّنيويَّة مرغوبٌ فيها، قال عمر ﵁: (فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ) وهو أنَّه ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت حفصة بذلك، فقال لها النَّبيُّ ﷺ: «اكتمي عليَّ، وقد حرَّمت مارية على نفسي»، فأفشت (٣) حفصة إلى عائشة، فغضبت عائشة حتَّى حلف النَّبيُّ ﷺ أنَّه لا يقربها شهرًا، وهو معنى قوله (وَكَانَ قَدْ قَالَ) ﵊: (مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ) أي: نسائه (شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ) بفتح الميم وسكون الواو وكسر الجيم، وفتحها في الفرع كأصله، مصدرٌ ميميٌّ، أي: غضبِه (عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى عاتبه الله» أي: بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] والذي في «الصَّحيحين» [خ¦٤٩١٢]: أنَّه ﷺ كان يشرب عسلًا عند زينب ابنة جحشٍ ويمكث عندها، فتواطأت عائشة وحفصة (٤) على (٥) أنَّ أيَّتهما دخل عليها فلتقل له: أكلتَ مغافير، إنِّي أجد منك ريح مغافير، فقال: «لا، ولكنِّي كنت أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحشٍ، ولن أعود له، وقد حلفتُ، لا تُخبري بذلك أحدًا»، فقد اختُلِف في الذي حرَّمه على نفسه وعُوتِب على تحريمه، كما اختُلِف في سبب حلفه، والأوَّل رواه جماعةٌ يأتي ذكرهم -إن شاء الله تعالى- في «تفسير سورة التَّحريم» [خ¦٤٩١٣] وعند ابن مردويه عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية بيتَ حفصة، فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي (٦) دون نسائك، فحلف لها لا يقربها،

وقال: «هي حرامٌ»، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في الشَّيئين معًا، ووقع عند ابن مردويه في رواية يزيد بن رومان عن عائشة ما يجمع القولين، وفيه: أنَّ حفصة أُهدِيت لها عُكَّةٌ فيها عسلٌ، وكان رسول الله ﷺ إذا دخل عليها حبسته حتَّى تُلعقه أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجاريةٍ عندها حبشيَّةٍ يُقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فانظري ما تصنع، فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكنَّ فقلن: إنَّا نجد منك ريح مغافير، فقال: «هو عسلٌ، والله لا أطعمه أبدًا»، فلمَّا كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها (١)، فأذن لها فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت فوجدت الباب مُغلَقًا، فخرج ووجهه يقطر وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: «أُشْهِدُكِ أنَّها حرامٌ، انظري، لا تخبري بهذا امرأةً، وهي عندك أمانةٌ»، فلمَّا خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أُبشِّرك أنَّ رسول الله ﷺ قد حرَّم أَمَتَه، فنزلت، أي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].

(فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) ليلةً (دَخَلَ) ﵊ (عَلَى عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَلَّا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) باللَّام، وللحَمُّويي والمُستملي: «بتسعٍ» بالمُوحَّدة بدل اللَّام (أَعُدُّهَا عَدًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الشَّهْرُ) الذي آليت فيه (٢) (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ) وُجِد (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) وفي روايةٍ: «تسعًا وعشرين» بالنَّصب خبر «كان» النَّاقصة (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ) الآتية (فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال»: (إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أي: لا بأس عليك في عدم التَّعجيل، أو «لا» زائدةٌ، أي: ليس عليك التَّعجيل والاستئمار (قَالَتْ: قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِه) ولأبي ذرٍّ: «بفراقك» (ثُمَّ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.7 / 29.5
الإضاءة 64%
البدر بعد 6 يوم
سبحان الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56