الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٣٦
الحديث رقم ٢٥٣٦ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب بيع الولاء وهبته.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٥٣٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولا يشهد، فأخرجه سيِّده بالحرِّيَّة إلى وجود هذه الأحكام من عدمها، فلمَّا شَابَهَ حكمَ النَّسب نيط بالمُعتَق؛ فلذلك جاء [خ¦١٤٩٣]: «إنَّما الولاء لمن أَعْتَقَ»، وأُلحِق برتبة النَّسب فنُهِي عن بيعه وعن هبته، وأجاز بعض السَّلف نقله، ولعلَّهم لم يبلغهم الحديث.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «العتق»، وأبو داود في «الفرائض» والنَّسائيُّ.
٢٥٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّدٍ الكوفيُّ الثِّقة الحافظ الشَّهير إلَّا أنَّه كان له أوهامٌ، لكن وثَّقه يحيى بن معينٍ وابن عبد البرِّ والعجليُّ (١) وجماعةٌ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد بن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء، بعدها طاءٌ مُهمَلةٌ- الكوفيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر بن عبد الله السُّلميِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فَاشْتَرَطَ (٢) أَهْلُهَا وَلَاءَهَا) أن يكون لهم (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الوَرِقَ) بفتح الواو وكسر الرَّاء: الدَّراهم المضروبة، وللتِّرمذيِّ: «وإنَّما الولاء لمن أعطى الثَّمن»، قالت عائشة (٣): (فَأَعْتَقْتُهَا، فَدَعَاهَا النَّبِيُّ ﷺ) أي: دعا بريرة (فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا) (٤) مغيثٍ؛ لأنَّه كان عبدًا على الأصحِّ (فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) ومراد المؤلِّف من هذا الحديث -كما قاله في «فتح الباري» -: أصله «فإنَّما الولاء لمن أعتق» وهو وإن كان لم يسقه هنا بهذا اللَّفظ؛ فكأنَّه أشار إليه كعادته، ووجه الدَّلالة منه حصره في المعتِق،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يجوز، روى ذَلِك عَن زيد بن ثَابت، وَابْن عمر، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَابْن أبي ليلى وَالنَّخَعِيّ، وَبِه قَالَ مَالك وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ والكوفيون: لَا يُبَاع فِي دين وَلَا فِي غَيره إلَاّ فِي دين قبل التَّدْبِير، وَيُبَاع بعد الْمَوْت إِذا أغرقه الدّين، وَكَانَ التَّدْبِير قبل الدّين أَو بعده، وَعَن أبي حنيفَة: لَا يُبَاع فِي الدّين، وَلَكِن يستسعى للْغُرَمَاء، فَإِذا أدّى مَا لَهُم عتق، وَقَالَ ابْن التِّين: وَلم يخْتَلف قَول مَالك وَأَصْحَابه: أَن من دبر عَبده وَلَا دين عَلَيْهِ أَنه لَا يجوز بَيْعه وَلَا هِبته وَلَا نقض تَدْبيره مَا دَامَ حَيا، خلافًا للشَّافِعِيّ. وَفِي (التَّوْضِيح) يخرج الْمُدبر بعد موت سَيّده من ثلثه. وَقَالَ دَاوُد: يخرج من جَمِيع المَال، فَإِن لم يحملهُ الثُّلُث رق مَا لم يحملهُ الثُّلُث مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يسْعَى فِي فكاك رقبته، فَإِن مَاتَ سَيّده وَعَلِيهِ دين سعى للْغُرَمَاء، وَيخرج حَيا.
٠١ - (بابُ بَيْعِ الوَلاءِ وَهِبَتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْوَلَاء وهبته: هَل يجوز أم لَا؟ وَحَدِيث الْبَاب يدل على أَنه لَا يجوز، وَالْوَلَاء بِفَتْح الْوَاو، وبالمد هُوَ حق إِرْث الْمُعْتق من الْعَتِيق، وَهَذَا يُسمى: وَلَاء الْعتَاقَة، وَسَببه الْعتْق لَا الْإِعْتَاق، لِأَنَّهُ إِذا ورث قَرِيبه يعْتق عَلَيْهِ، وَيكون وَلَاؤُه لَهُ وَلَو كَانَ سَببه الْإِعْتَاق لما ثَبت لَهُ الْوَلَاء، لِأَنَّهُ لم يُوجد الْإِعْتَاق.
٥٣٥٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخْبرني عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَقول نَهى رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ بَيْعِ الوَلاءِ وعنْ هِبَتِهِ.
(الحَدِيث ٥٣٥٢ طرفه فِي: ٦٥٧٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين الْإِبْهَام الَّذِي فِيهَا. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْعتْق عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفَرَائِض عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْملك قَوْله: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، إِلَى آخِره يَعْنِي وَلَاء الْعتْق وَهُوَ مَا إِذا مَاتَ الْمُعْتق وَرثهُ مُعْتقه أَو وَرَثَة مُعْتقه. وَكَانَت الْعَرَب تبيعه وتهبه، فَنهى عَنهُ الشَّارِع لِأَن الْوَلَاء كالنسب، فَلَا يَزُول بالإزالة. وفقهاء الْحجاز وَالْعراق مجمعون على أَنه: لَا يجوز بيع الْوَلَاء وَلَا هِبته، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر. وَفِيه قَول ثَان: روى أَن مَيْمُونَة بنت الْحَارِث وهبت وَلَاء مواليها من الْعَبَّاس، وَأَن عُرْوَة ابْتَاعَ وَلَاء طهْمَان لوَرَثَة مُصعب بن الزبير، وَذكر عبد الرَّزَّاق عَن عَطاء أَنه: يجوز للسَّيِّد أَن يَأْذَن لعَبْدِهِ أَن يوالي من شَاءَ، وَهَذَا هُوَ هبة الْوَلَاء، وَصَحَّ من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُورث، صَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَخَالفهُ الْبَيْهَقِيّ فأعله، وَذكره ابْن بطال من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: الْوَلَاء لحْمَة كالنسب، وَأوردهُ ابْن التِّين بِزِيَادَة، بِلَفْظ: لَا يحل بَيْعه وَلَا هِبته، ثمَّ قَالَ: وَعَلِيهِ جَمَاهِير أهل الْعلم، وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَنه: لَا يجوز تَحْويل النّسَب، وَقد نسخ الله تَعَالَى الْمَوَارِيث بالتبني بقوله: {ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ} إِلَى قَوْله: {ومواليكم} (الْأَحْزَاب: ٥) . وَلعن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من انتسب إِلَى غير أَبِيه، فَكَانَ حكم الْوَلَاء كَحكم النّسَب فِي ذَلِك، فَكَمَا لَا يجوز بيع النّسَب وَلَا هِبته، كَذَلِك الْوَلَاء، وَلَا نَقله وَلَا تحويله، وَإنَّهُ للْمُعْتق كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٦٣٥٢ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتِ اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فاشْتَرَطَ أهْلُهَا وَلاءَها فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أعْتِقِيها فإنَّ الوَلاءَ لِمَنْ أعْطَى الوَرِقَ فأعْتَقْتُها فَدَعاها النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخَيَّرَها منْ زَوْجِها فقالَتْ لَوْ أعْطَانِي كَذَا وكذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ فاخْتارَتْ نَفْسَها..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَإِن الْوَلَاء لمن أعْطى الْوَرق) فَهَذَا يدل على أَن الْوَلَاء لَا ينْقل، فَإِذا لم يجز نَقله لَا يجوز بَيْعه وَلَا هِبته.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب البيع وَالشِّرَاء مَعَ النِّسَاء أخرجه من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَمن رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عَائِشَة ساومت، وَفِي: بَاب، إِذا اشْترط شُرُوطًا فِي البيع لَا يحل، من رِوَايَة
مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. وَأخرجه هُنَا عَن عُثْمَان عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن مُحَمَّد بن جرير وَفِيه أَيْضا عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الْوَلَاء عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الطَّلَاق وَفِي الْفَرَائِض عَن قُتَيْبَة عَن جرير بِهِ، وَذكر قصَّة التَّخْيِير فِي الْبيُوع وَفِي الطَّلَاق دون الْفَرَائِض.
قَوْله: (بَرِيرَة) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى، وَكَانَت وليدة لبني هِلَال، كَذَا فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن عُرْوَة، قَوْله: (لم أعْطى الْوَرق) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء، وَهِي الدَّرَاهِم المضروبة، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعْطى الثّمن أَو لمن مَعَه النِّعْمَة. قَوْله: (فَخَيرهَا من زَوجهَا) لِأَن زَوجهَا كَانَ عبدا على الْأَصَح، وَإِذا كَانَ زوج الْأمة حرا خيرت عندنَا أَيْضا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا تخير، وروى مُسلم عَن عَائِشَة أَن زَوجهَا كَانَ عبدا فَخَيرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وروى البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا عَنْهَا أَن زوج بَرِيرَة كَانَ حرا حِين أعتقت، وَالْعَمَل بِهَذَا أولى لثُبُوت الْحُرِّيَّة لاتفاقهم أَنه كَانَ قتل عبدا. ونقول بِمُوجب الْحَدِيثين جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ، وَلَا فرق فِي هَذَا بَين القنة وَأم الْوَلَد والمدبرة وَالْمُكَاتبَة، وَزفر يخالفنا فِي الْكِتَابَة.
١١ - (بابٌ إذَا أُسِرَ أخُو الرَّجُلِ أوْ عَمُّهُ هَلْ يُفادَى إذَا كانَ مُشْرِكاً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أسر أَخُو الرجل أَو عَمه هَل يفادى؟ من فاداه يفاديه مفاداة: إِذا أعْطى فداءه، وأنقذه. وَقيل: المفاداة أَن يَفتكَّ الْأَسير بأسير مثله، وَفِي (الْمغرب) : فدَاه من الْأسر فدَاء: استنقذه مِنْهُ بِمَال، والفدية اسْم ذَلِك المَال، والمفاداة بَين اثْنَيْنِ. وَقَالَ الْمبرد: المفاداة أَن تدفع رجلا وَتَأْخُذ رجلا وَالْفِدَاء أَن تشتريه. وَقيل: هما بِمَعْنى قلت: يفادى هُنَا بِمَعْنى: أَن يُعْطي مَالا ويستنقذ الْأَسير. قَوْله: (إِذا كَانَ) ، أَي: أَخُوهُ أَو عَمه مُشْركًا من أهل دَار الْحَرْب، وَإِنَّمَا قَالَ البُخَارِيّ: هَل يفادى؟ بالاستفهام على سَبِيل الاستخبار، وَلم يبين حكم الْمَسْأَلَة. وَاقْتصر على ذكر أخي الرجل وَعَمه من بَين سَائِر ذَوي رَحمَه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ترك بَيَان حكم الْمَسْأَلَة لأجل الْخلاف فِيهِ على مَا نبينه، وَأما اقْتِصَاره على الْأَخ وَالْعم فَلِأَنَّهُ استنبط من حَدِيث الْبَاب أَن الْأَخ وَالْعم لَا يعتقان على من ملكهمَا، وَكَذَلِكَ ابْن الْعم، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد ملك من عَمه الْعَبَّاس وَمن ابْن عَمه عقيل بِالْغَنِيمَةِ الَّتِي لَهُ فِيهَا نصيب، وَكَذَلِكَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد ملك من أَخِيه عقيل وَعَمه الْعَبَّاس وَلم يعتقا عَلَيْهِ.
وَأما بَيَان الِاخْتِلَاف فِيمَن يعْتق على الرجل إِذا ملكه، فَذهب مَالك إِلَى أَنه لَا يعْتق عَلَيْهِ إلَاّ أهل الْفَرَائِض فِي كتاب الله تَعَالَى، وهم: الْوَلَد ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَولد الْوَلَد، وَإِن سفلوا، وَأَبوهُ وأجداده وجداته من قبل الْأَب وَالأُم وَإِن بعدوا، وَإِخْوَته لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب أَو لأم، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي إلَاّ فِي الْأُخوة: فَإِنَّهُم لَا يعتقون، وحجته فِيهِ: أَن عقيلاً كَانَ أَخا عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلم يعْتق عَلَيْهِ بِمَا ملك من نَفسه من الْغَنِيمَة مِنْهُ. وَعند الْحَنَفِيَّة: كل من ملك ذَا رحم محرم مِنْهُ عتق عَلَيْهِ، وَذُو الرَّحِم الْمحرم كل شَخْصَيْنِ يدليان إِلَى أصل وَاحِد بِغَيْر وَاسِطَة: كالأخوين، أَو أَحدهمَا بِوَاسِطَة، وَالْآخر بواسطتين، كالعم وَابْن الْعم، وَلَا يعْتق ذُو رحم غير محرم كبني الْأَعْمَام والأخوال وَبني العمات والخالات، وَلَا محرم غير ذِي رحم كالمحرمات بالصهرية، أَو الرَّضَاع إِجْمَاعًا، وَيَقُول الْحَنَفِيَّة قَالَ أَحْمد وَعنهُ كَقَوْل الشَّافِعِي. وَفِي (حاوي) الْحَنَابِلَة: وَمن ملك ذَا رحم محرم عتق عَلَيْهِ، وَعنهُ: لَا يعْتق إلَاّ عَمُود النّسَب. وَحجَّة الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة من حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب، قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ مُوسَى فِي مَوضِع آخر: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب فِيمَا يحْسب حَمَّاد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عبد الله بن مُعَاوِيَة الجُمَحِي الْبَصْرِيّ حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) . وَقَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا حجاج وَأَبُو دَاوُد، قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ ابْن مَاجَه: حَدثنَا عقبَة بن مكرم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، قَالَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة وَعَاصِم عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ البُخَارِيّ بترجمة هَذَا الْبَاب
إِلَى تَضْعِيف حَدِيث سَمُرَة هَذَا، واستنكره ابْن الْمَدِينِيّ، وَرجح التِّرْمِذِيّ إرْسَاله، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا يَصح. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَتفرد بِهِ حَمَّاد، وَكَانَ يشك فِي وَصله، وَغَيره يرويهِ عَن قَتَادَة عَن الْحسن. قَوْله: وَعَن قَتَادَة عَن عمر قَوْله: مُنْقَطِعًا، أخرج ذَلِك النَّسَائِيّ. قلت: مَا وَجه دلَالَة هَذِه التَّرْجَمَة على ضعف هَذَا الحَدِيث؟ فَمَا هَذِه الدّلَالَة؟ هَل هِيَ لفظية أَو عقلية؟ والْحَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من طَرِيق أَحْمد بن حَنْبَل عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم الْأَحول وَقَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة مَرْفُوعا، وَسكت عَنهُ، ثمَّ أخرجه عَن ضَمرَة بن ربيعَة عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: (من ملك ذَا رحم فَهُوَ حر) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، والمحفوط: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، وَصَححهُ أَيْضا ابْن حزم وَابْن الْقطَّان، وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا خبر صَحِيح تقوم بِهِ الْحجَّة كل من رُوَاته ثِقَات. انْتهى. وَلَئِن سلمنَا مَا قَالُوا، فَمَا يقلون فِي حَدِيث ضَمرَة ابْن ربيعَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَهَذَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي الِاحْتِجَاج؟ فَإِن قلت: قَالُوا: تفرد بِهِ ضَمرَة. قلت: لَيْسَ انْفِرَاده بِهِ دَلِيلا على أَنه غير مَحْفُوظ وَلَا يُوجب ذَلِك عِلّة فِيهِ، لِأَنَّهُ من الثِّقَات المأمونين لم يكن بِالشَّام رجل يُشبههُ، كَذَا قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة مَأْمُونا لم يكن هُنَاكَ أفضل مِنْهُ، وَقَالَ ابْن يُونُس: كَانَ فَقِيه أهل فلسطين فِي زَمَانه. والْحَدِيث إِذا انْفَرد بِهِ مثل هَذَا كَانَ صَحِيحا، وَلَا يضرّهُ تفرده.
وقالَ أنَسٌ قَالَ العَبَّاسُ لِلْنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فأدَّيْتُ نَفْسِي وفاديْتُ عَقيلاً
هَذَا التَّعْلِيق جُزْء من حَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْقِسْمَة، وَتَعْلِيق القنو فِي الْمَسْجِد. أخرجه هُنَاكَ فَقَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، قَالَ: أُتِي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمَال من الْبَحْرين ... الحَدِيث، وَفِيه: جَاءَهُ الْعَبَّاس فَقَالَ: يَا رَسُول الله {أَعْطِنِي، فَإِنِّي فاديت نَفسِي وفاديت عقيلاً ... إِلَى آخِره. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ مَوْصُولا، فَقَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الطّيب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله، حَدثنَا مُحَمَّد بن عِصَام حَدثنَا حَفْص بن عبد الله حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ... إِلَى آخِره وعباس عَم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما أسر فِي وقْعَة بدر فَأدى نَفسه بِمِائَة أُوقِيَّة من ذهب، قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) : وَهَذِه الْمِائَة عَن نَفسه وَعَن بني أَخِيه عقيل وَنَوْفَل، وروى هِشَام بن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ: فدى الْعَبَّاس نَفسه بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ من كل وَاحِد من الأسرى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أضعفوها على الْعَبَّاس، فَقَالَ: تَرَكتنِي فَقِيرا مَا عِشْت أسأَل الله. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَأَيْنَ المَال الَّذِي تركته عِنْد أم الْفضل) ، وَذكره فَقَالَ: يَا ابْن أخي من أعلمك؟ فوَاللَّه مَا كَانَ عندنَا ثَالِث. فَقَالَ: (أَخْبرنِي الله) ، فَقَالَ أشهد أَنَّك لصَادِق وَمَا علمت أَنَّك رَسُول الله قبل الْيَوْم، وَأسلم وَأمر إبني إخيه، فَأَسْلمَا. قَالَ ابْن عَبَّاس: وَفِيه نزل: {يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى أَن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ} (الْأَنْفَال: ٠٧) . الْآيَة، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عَن يزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة عَن الزُّهْرِيّ عَن جمَاعَة، سماهم. قَالُوا: بعثت قُرَيْش إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي فدَاء أسرائهم، ففدى كل قوم أسيرهم بِمَا رَضوا، وَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول الله قد كنت مُسلما. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الله أعلم بِإِسْلَامِك، فَإِن يكن كَمَا تَقول فَالله يجْزِيك، وَأما ظاهرك فقد كَانَ علينا فافتدِ نَفسك وَابْني أَخِيك نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَعقيل بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب، وَحَلِيفك عتبَة بن عَمْرو أخي بني الْحَارِث بن فهر) قَالَ: مَا ذَاك عِنْدِي يَا رَسُول الله} قَالَ: (فإين المَال الَّذِي دَفَنته أَنْت وَأم الْفضل؟ قَالَ: فَقلت لَهَا: إِن أصبت فِي سَفَرِي هَذَا فَهَذَا المَال الَّذِي دَفَنته لبني الْفضل وَعبد الله وَقثم) قَالَ: وَالله إِنِّي لأعْلم أَنَّك رَسُول الله إِن هَذَا شَيْء مَا علمه أحد غَيْرِي وَغير أم الْفضل، فَاحْسبْ لي يَا رَسُول الله مَا أصبْتُم مني عشْرين أُوقِيَّة من مَال كَانَ معي. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا، ذَاك شَيْء أَعْطَانَا الله مِنْك، ففدى نَفسه وَابْني أَخَوَيْهِ وَحَلِيفه، فَأنْزل الله عزوجل فِيهِ: {يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى ... } (الْأَنْفَال: ٠٧) . الْآيَة قَالَ الْعَبَّاس: فَأَعْطَانِي الله مَكَان الْعشْرين أُوقِيَّة فِي الْإِسْلَام عشْرين عبدا، كلهم فِي يَده مَال يضْرب بِهِ مَعَ مَا أَرْجُو من مغْفرَة الله، عز وَجل.
وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي أسر الْعَبَّاس، فَقيل: ملك من الْمَلَائِكَة، وَقيل: أسره أَبُو الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو وأخو بني سَلمَة الْأنْصَارِيّ وَكَانَ الْعَبَّاس جسيماً وَأَبُو الْيُسْر مجموعاً، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَيفَ أسرت الْعَبَّاس؟) فَقَالَ: أعانني عَلَيْهِ رجل مَا رَأَيْته قطّ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أعانك عَلَيْهِ ملك كريم) . وَقيل
أسره عبيد الله بن أَوْس الْأنْصَارِيّ من بني ظفر وَسمي: بمقرن، قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَإِنَّمَا سمي بِهِ لِأَنَّهُ قرن بَين الْعَبَّاس وَنَوْفَل وَعقيل بجبل، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لقد أعانك عَلَيْهِم ملك كريم) ، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق وَلما أسر الْعَبَّاس بَات رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ساهراً تِلْكَ اللَّيْلَة، فَقيل لَهُ: مَالك لَا تنام؟ فَقَالَ: (يَمْنعنِي أَمر الْعَبَّاس) ، وَكَانَ موثقًا بالقيد، فأطلقوه فَنَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وكانَ عَلِيٌّ لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي أصابَ مِنْ أخِيهِ عَقِيلٍ ومِنْ عَمِّهِ عَبَّاسٍ
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ ذكره فِي معرض الِاسْتِدْلَال على أَنه لَا يعْتق الْأَخ وَلَا الْعم بِمُجَرَّد الْملك، إِذْ لَو عتقا لعتق الْعَبَّاس وَعقيل على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي حِصَّته من الْغَنِيمَة، وَأجِيب: بِأَن الْكَافِر لَا يملك بِالْغَنِيمَةِ ابْتِدَاء، بل يتَخَيَّر فِيهِ بَين الْقَتْل والاسترقاق وَالْفِدَاء، فَلَا يلْزم الْعتْق بِمُجَرَّد الْغَنِيمَة.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولا يشهد، فأخرجه سيِّده بالحرِّيَّة إلى وجود هذه الأحكام من عدمها، فلمَّا شَابَهَ حكمَ النَّسب نيط بالمُعتَق؛ فلذلك جاء [خ¦١٤٩٣]: «إنَّما الولاء لمن أَعْتَقَ»، وأُلحِق برتبة النَّسب فنُهِي عن بيعه وعن هبته، وأجاز بعض السَّلف نقله، ولعلَّهم لم يبلغهم الحديث.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «العتق»، وأبو داود في «الفرائض» والنَّسائيُّ.
٢٥٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّدٍ الكوفيُّ الثِّقة الحافظ الشَّهير إلَّا أنَّه كان له أوهامٌ، لكن وثَّقه يحيى بن معينٍ وابن عبد البرِّ والعجليُّ (١) وجماعةٌ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد بن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء، بعدها طاءٌ مُهمَلةٌ- الكوفيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر بن عبد الله السُّلميِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فَاشْتَرَطَ (٢) أَهْلُهَا وَلَاءَهَا) أن يكون لهم (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الوَرِقَ) بفتح الواو وكسر الرَّاء: الدَّراهم المضروبة، وللتِّرمذيِّ: «وإنَّما الولاء لمن أعطى الثَّمن»، قالت عائشة (٣): (فَأَعْتَقْتُهَا، فَدَعَاهَا النَّبِيُّ ﷺ) أي: دعا بريرة (فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا) (٤) مغيثٍ؛ لأنَّه كان عبدًا على الأصحِّ (فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) ومراد المؤلِّف من هذا الحديث -كما قاله في «فتح الباري» -: أصله «فإنَّما الولاء لمن أعتق» وهو وإن كان لم يسقه هنا بهذا اللَّفظ؛ فكأنَّه أشار إليه كعادته، ووجه الدَّلالة منه حصره في المعتِق،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يجوز، روى ذَلِك عَن زيد بن ثَابت، وَابْن عمر، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَابْن أبي ليلى وَالنَّخَعِيّ، وَبِه قَالَ مَالك وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ والكوفيون: لَا يُبَاع فِي دين وَلَا فِي غَيره إلَاّ فِي دين قبل التَّدْبِير، وَيُبَاع بعد الْمَوْت إِذا أغرقه الدّين، وَكَانَ التَّدْبِير قبل الدّين أَو بعده، وَعَن أبي حنيفَة: لَا يُبَاع فِي الدّين، وَلَكِن يستسعى للْغُرَمَاء، فَإِذا أدّى مَا لَهُم عتق، وَقَالَ ابْن التِّين: وَلم يخْتَلف قَول مَالك وَأَصْحَابه: أَن من دبر عَبده وَلَا دين عَلَيْهِ أَنه لَا يجوز بَيْعه وَلَا هِبته وَلَا نقض تَدْبيره مَا دَامَ حَيا، خلافًا للشَّافِعِيّ. وَفِي (التَّوْضِيح) يخرج الْمُدبر بعد موت سَيّده من ثلثه. وَقَالَ دَاوُد: يخرج من جَمِيع المَال، فَإِن لم يحملهُ الثُّلُث رق مَا لم يحملهُ الثُّلُث مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يسْعَى فِي فكاك رقبته، فَإِن مَاتَ سَيّده وَعَلِيهِ دين سعى للْغُرَمَاء، وَيخرج حَيا.
٠١ - (بابُ بَيْعِ الوَلاءِ وَهِبَتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْوَلَاء وهبته: هَل يجوز أم لَا؟ وَحَدِيث الْبَاب يدل على أَنه لَا يجوز، وَالْوَلَاء بِفَتْح الْوَاو، وبالمد هُوَ حق إِرْث الْمُعْتق من الْعَتِيق، وَهَذَا يُسمى: وَلَاء الْعتَاقَة، وَسَببه الْعتْق لَا الْإِعْتَاق، لِأَنَّهُ إِذا ورث قَرِيبه يعْتق عَلَيْهِ، وَيكون وَلَاؤُه لَهُ وَلَو كَانَ سَببه الْإِعْتَاق لما ثَبت لَهُ الْوَلَاء، لِأَنَّهُ لم يُوجد الْإِعْتَاق.
٥٣٥٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخْبرني عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَقول نَهى رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ بَيْعِ الوَلاءِ وعنْ هِبَتِهِ.
(الحَدِيث ٥٣٥٢ طرفه فِي: ٦٥٧٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين الْإِبْهَام الَّذِي فِيهَا. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْعتْق عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفَرَائِض عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْملك قَوْله: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، إِلَى آخِره يَعْنِي وَلَاء الْعتْق وَهُوَ مَا إِذا مَاتَ الْمُعْتق وَرثهُ مُعْتقه أَو وَرَثَة مُعْتقه. وَكَانَت الْعَرَب تبيعه وتهبه، فَنهى عَنهُ الشَّارِع لِأَن الْوَلَاء كالنسب، فَلَا يَزُول بالإزالة. وفقهاء الْحجاز وَالْعراق مجمعون على أَنه: لَا يجوز بيع الْوَلَاء وَلَا هِبته، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر. وَفِيه قَول ثَان: روى أَن مَيْمُونَة بنت الْحَارِث وهبت وَلَاء مواليها من الْعَبَّاس، وَأَن عُرْوَة ابْتَاعَ وَلَاء طهْمَان لوَرَثَة مُصعب بن الزبير، وَذكر عبد الرَّزَّاق عَن عَطاء أَنه: يجوز للسَّيِّد أَن يَأْذَن لعَبْدِهِ أَن يوالي من شَاءَ، وَهَذَا هُوَ هبة الْوَلَاء، وَصَحَّ من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُورث، صَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَخَالفهُ الْبَيْهَقِيّ فأعله، وَذكره ابْن بطال من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: الْوَلَاء لحْمَة كالنسب، وَأوردهُ ابْن التِّين بِزِيَادَة، بِلَفْظ: لَا يحل بَيْعه وَلَا هِبته، ثمَّ قَالَ: وَعَلِيهِ جَمَاهِير أهل الْعلم، وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَنه: لَا يجوز تَحْويل النّسَب، وَقد نسخ الله تَعَالَى الْمَوَارِيث بالتبني بقوله: {ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ} إِلَى قَوْله: {ومواليكم} (الْأَحْزَاب: ٥) . وَلعن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من انتسب إِلَى غير أَبِيه، فَكَانَ حكم الْوَلَاء كَحكم النّسَب فِي ذَلِك، فَكَمَا لَا يجوز بيع النّسَب وَلَا هِبته، كَذَلِك الْوَلَاء، وَلَا نَقله وَلَا تحويله، وَإنَّهُ للْمُعْتق كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٦٣٥٢ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتِ اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فاشْتَرَطَ أهْلُهَا وَلاءَها فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أعْتِقِيها فإنَّ الوَلاءَ لِمَنْ أعْطَى الوَرِقَ فأعْتَقْتُها فَدَعاها النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخَيَّرَها منْ زَوْجِها فقالَتْ لَوْ أعْطَانِي كَذَا وكذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ فاخْتارَتْ نَفْسَها..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَإِن الْوَلَاء لمن أعْطى الْوَرق) فَهَذَا يدل على أَن الْوَلَاء لَا ينْقل، فَإِذا لم يجز نَقله لَا يجوز بَيْعه وَلَا هِبته.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب البيع وَالشِّرَاء مَعَ النِّسَاء أخرجه من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَمن رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عَائِشَة ساومت، وَفِي: بَاب، إِذا اشْترط شُرُوطًا فِي البيع لَا يحل، من رِوَايَة
مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. وَأخرجه هُنَا عَن عُثْمَان عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن مُحَمَّد بن جرير وَفِيه أَيْضا عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الْوَلَاء عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الطَّلَاق وَفِي الْفَرَائِض عَن قُتَيْبَة عَن جرير بِهِ، وَذكر قصَّة التَّخْيِير فِي الْبيُوع وَفِي الطَّلَاق دون الْفَرَائِض.
قَوْله: (بَرِيرَة) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى، وَكَانَت وليدة لبني هِلَال، كَذَا فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن عُرْوَة، قَوْله: (لم أعْطى الْوَرق) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء، وَهِي الدَّرَاهِم المضروبة، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعْطى الثّمن أَو لمن مَعَه النِّعْمَة. قَوْله: (فَخَيرهَا من زَوجهَا) لِأَن زَوجهَا كَانَ عبدا على الْأَصَح، وَإِذا كَانَ زوج الْأمة حرا خيرت عندنَا أَيْضا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا تخير، وروى مُسلم عَن عَائِشَة أَن زَوجهَا كَانَ عبدا فَخَيرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وروى البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا عَنْهَا أَن زوج بَرِيرَة كَانَ حرا حِين أعتقت، وَالْعَمَل بِهَذَا أولى لثُبُوت الْحُرِّيَّة لاتفاقهم أَنه كَانَ قتل عبدا. ونقول بِمُوجب الْحَدِيثين جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ، وَلَا فرق فِي هَذَا بَين القنة وَأم الْوَلَد والمدبرة وَالْمُكَاتبَة، وَزفر يخالفنا فِي الْكِتَابَة.
١١ - (بابٌ إذَا أُسِرَ أخُو الرَّجُلِ أوْ عَمُّهُ هَلْ يُفادَى إذَا كانَ مُشْرِكاً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أسر أَخُو الرجل أَو عَمه هَل يفادى؟ من فاداه يفاديه مفاداة: إِذا أعْطى فداءه، وأنقذه. وَقيل: المفاداة أَن يَفتكَّ الْأَسير بأسير مثله، وَفِي (الْمغرب) : فدَاه من الْأسر فدَاء: استنقذه مِنْهُ بِمَال، والفدية اسْم ذَلِك المَال، والمفاداة بَين اثْنَيْنِ. وَقَالَ الْمبرد: المفاداة أَن تدفع رجلا وَتَأْخُذ رجلا وَالْفِدَاء أَن تشتريه. وَقيل: هما بِمَعْنى قلت: يفادى هُنَا بِمَعْنى: أَن يُعْطي مَالا ويستنقذ الْأَسير. قَوْله: (إِذا كَانَ) ، أَي: أَخُوهُ أَو عَمه مُشْركًا من أهل دَار الْحَرْب، وَإِنَّمَا قَالَ البُخَارِيّ: هَل يفادى؟ بالاستفهام على سَبِيل الاستخبار، وَلم يبين حكم الْمَسْأَلَة. وَاقْتصر على ذكر أخي الرجل وَعَمه من بَين سَائِر ذَوي رَحمَه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ترك بَيَان حكم الْمَسْأَلَة لأجل الْخلاف فِيهِ على مَا نبينه، وَأما اقْتِصَاره على الْأَخ وَالْعم فَلِأَنَّهُ استنبط من حَدِيث الْبَاب أَن الْأَخ وَالْعم لَا يعتقان على من ملكهمَا، وَكَذَلِكَ ابْن الْعم، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد ملك من عَمه الْعَبَّاس وَمن ابْن عَمه عقيل بِالْغَنِيمَةِ الَّتِي لَهُ فِيهَا نصيب، وَكَذَلِكَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد ملك من أَخِيه عقيل وَعَمه الْعَبَّاس وَلم يعتقا عَلَيْهِ.
وَأما بَيَان الِاخْتِلَاف فِيمَن يعْتق على الرجل إِذا ملكه، فَذهب مَالك إِلَى أَنه لَا يعْتق عَلَيْهِ إلَاّ أهل الْفَرَائِض فِي كتاب الله تَعَالَى، وهم: الْوَلَد ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَولد الْوَلَد، وَإِن سفلوا، وَأَبوهُ وأجداده وجداته من قبل الْأَب وَالأُم وَإِن بعدوا، وَإِخْوَته لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب أَو لأم، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي إلَاّ فِي الْأُخوة: فَإِنَّهُم لَا يعتقون، وحجته فِيهِ: أَن عقيلاً كَانَ أَخا عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلم يعْتق عَلَيْهِ بِمَا ملك من نَفسه من الْغَنِيمَة مِنْهُ. وَعند الْحَنَفِيَّة: كل من ملك ذَا رحم محرم مِنْهُ عتق عَلَيْهِ، وَذُو الرَّحِم الْمحرم كل شَخْصَيْنِ يدليان إِلَى أصل وَاحِد بِغَيْر وَاسِطَة: كالأخوين، أَو أَحدهمَا بِوَاسِطَة، وَالْآخر بواسطتين، كالعم وَابْن الْعم، وَلَا يعْتق ذُو رحم غير محرم كبني الْأَعْمَام والأخوال وَبني العمات والخالات، وَلَا محرم غير ذِي رحم كالمحرمات بالصهرية، أَو الرَّضَاع إِجْمَاعًا، وَيَقُول الْحَنَفِيَّة قَالَ أَحْمد وَعنهُ كَقَوْل الشَّافِعِي. وَفِي (حاوي) الْحَنَابِلَة: وَمن ملك ذَا رحم محرم عتق عَلَيْهِ، وَعنهُ: لَا يعْتق إلَاّ عَمُود النّسَب. وَحجَّة الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة من حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب، قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ مُوسَى فِي مَوضِع آخر: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب فِيمَا يحْسب حَمَّاد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عبد الله بن مُعَاوِيَة الجُمَحِي الْبَصْرِيّ حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) . وَقَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا حجاج وَأَبُو دَاوُد، قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ ابْن مَاجَه: حَدثنَا عقبَة بن مكرم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، قَالَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة وَعَاصِم عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ البُخَارِيّ بترجمة هَذَا الْبَاب
إِلَى تَضْعِيف حَدِيث سَمُرَة هَذَا، واستنكره ابْن الْمَدِينِيّ، وَرجح التِّرْمِذِيّ إرْسَاله، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا يَصح. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَتفرد بِهِ حَمَّاد، وَكَانَ يشك فِي وَصله، وَغَيره يرويهِ عَن قَتَادَة عَن الْحسن. قَوْله: وَعَن قَتَادَة عَن عمر قَوْله: مُنْقَطِعًا، أخرج ذَلِك النَّسَائِيّ. قلت: مَا وَجه دلَالَة هَذِه التَّرْجَمَة على ضعف هَذَا الحَدِيث؟ فَمَا هَذِه الدّلَالَة؟ هَل هِيَ لفظية أَو عقلية؟ والْحَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من طَرِيق أَحْمد بن حَنْبَل عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم الْأَحول وَقَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة مَرْفُوعا، وَسكت عَنهُ، ثمَّ أخرجه عَن ضَمرَة بن ربيعَة عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: (من ملك ذَا رحم فَهُوَ حر) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، والمحفوط: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، وَصَححهُ أَيْضا ابْن حزم وَابْن الْقطَّان، وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا خبر صَحِيح تقوم بِهِ الْحجَّة كل من رُوَاته ثِقَات. انْتهى. وَلَئِن سلمنَا مَا قَالُوا، فَمَا يقلون فِي حَدِيث ضَمرَة ابْن ربيعَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَهَذَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي الِاحْتِجَاج؟ فَإِن قلت: قَالُوا: تفرد بِهِ ضَمرَة. قلت: لَيْسَ انْفِرَاده بِهِ دَلِيلا على أَنه غير مَحْفُوظ وَلَا يُوجب ذَلِك عِلّة فِيهِ، لِأَنَّهُ من الثِّقَات المأمونين لم يكن بِالشَّام رجل يُشبههُ، كَذَا قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة مَأْمُونا لم يكن هُنَاكَ أفضل مِنْهُ، وَقَالَ ابْن يُونُس: كَانَ فَقِيه أهل فلسطين فِي زَمَانه. والْحَدِيث إِذا انْفَرد بِهِ مثل هَذَا كَانَ صَحِيحا، وَلَا يضرّهُ تفرده.
وقالَ أنَسٌ قَالَ العَبَّاسُ لِلْنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فأدَّيْتُ نَفْسِي وفاديْتُ عَقيلاً
هَذَا التَّعْلِيق جُزْء من حَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْقِسْمَة، وَتَعْلِيق القنو فِي الْمَسْجِد. أخرجه هُنَاكَ فَقَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، قَالَ: أُتِي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمَال من الْبَحْرين ... الحَدِيث، وَفِيه: جَاءَهُ الْعَبَّاس فَقَالَ: يَا رَسُول الله {أَعْطِنِي، فَإِنِّي فاديت نَفسِي وفاديت عقيلاً ... إِلَى آخِره. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ مَوْصُولا، فَقَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الطّيب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله، حَدثنَا مُحَمَّد بن عِصَام حَدثنَا حَفْص بن عبد الله حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ... إِلَى آخِره وعباس عَم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما أسر فِي وقْعَة بدر فَأدى نَفسه بِمِائَة أُوقِيَّة من ذهب، قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) : وَهَذِه الْمِائَة عَن نَفسه وَعَن بني أَخِيه عقيل وَنَوْفَل، وروى هِشَام بن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ: فدى الْعَبَّاس نَفسه بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ من كل وَاحِد من الأسرى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أضعفوها على الْعَبَّاس، فَقَالَ: تَرَكتنِي فَقِيرا مَا عِشْت أسأَل الله. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَأَيْنَ المَال الَّذِي تركته عِنْد أم الْفضل) ، وَذكره فَقَالَ: يَا ابْن أخي من أعلمك؟ فوَاللَّه مَا كَانَ عندنَا ثَالِث. فَقَالَ: (أَخْبرنِي الله) ، فَقَالَ أشهد أَنَّك لصَادِق وَمَا علمت أَنَّك رَسُول الله قبل الْيَوْم، وَأسلم وَأمر إبني إخيه، فَأَسْلمَا. قَالَ ابْن عَبَّاس: وَفِيه نزل: {يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى أَن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ} (الْأَنْفَال: ٠٧) . الْآيَة، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عَن يزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة عَن الزُّهْرِيّ عَن جمَاعَة، سماهم. قَالُوا: بعثت قُرَيْش إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي فدَاء أسرائهم، ففدى كل قوم أسيرهم بِمَا رَضوا، وَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول الله قد كنت مُسلما. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الله أعلم بِإِسْلَامِك، فَإِن يكن كَمَا تَقول فَالله يجْزِيك، وَأما ظاهرك فقد كَانَ علينا فافتدِ نَفسك وَابْني أَخِيك نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَعقيل بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب، وَحَلِيفك عتبَة بن عَمْرو أخي بني الْحَارِث بن فهر) قَالَ: مَا ذَاك عِنْدِي يَا رَسُول الله} قَالَ: (فإين المَال الَّذِي دَفَنته أَنْت وَأم الْفضل؟ قَالَ: فَقلت لَهَا: إِن أصبت فِي سَفَرِي هَذَا فَهَذَا المَال الَّذِي دَفَنته لبني الْفضل وَعبد الله وَقثم) قَالَ: وَالله إِنِّي لأعْلم أَنَّك رَسُول الله إِن هَذَا شَيْء مَا علمه أحد غَيْرِي وَغير أم الْفضل، فَاحْسبْ لي يَا رَسُول الله مَا أصبْتُم مني عشْرين أُوقِيَّة من مَال كَانَ معي. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا، ذَاك شَيْء أَعْطَانَا الله مِنْك، ففدى نَفسه وَابْني أَخَوَيْهِ وَحَلِيفه، فَأنْزل الله عزوجل فِيهِ: {يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى ... } (الْأَنْفَال: ٠٧) . الْآيَة قَالَ الْعَبَّاس: فَأَعْطَانِي الله مَكَان الْعشْرين أُوقِيَّة فِي الْإِسْلَام عشْرين عبدا، كلهم فِي يَده مَال يضْرب بِهِ مَعَ مَا أَرْجُو من مغْفرَة الله، عز وَجل.
وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي أسر الْعَبَّاس، فَقيل: ملك من الْمَلَائِكَة، وَقيل: أسره أَبُو الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو وأخو بني سَلمَة الْأنْصَارِيّ وَكَانَ الْعَبَّاس جسيماً وَأَبُو الْيُسْر مجموعاً، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَيفَ أسرت الْعَبَّاس؟) فَقَالَ: أعانني عَلَيْهِ رجل مَا رَأَيْته قطّ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أعانك عَلَيْهِ ملك كريم) . وَقيل
أسره عبيد الله بن أَوْس الْأنْصَارِيّ من بني ظفر وَسمي: بمقرن، قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَإِنَّمَا سمي بِهِ لِأَنَّهُ قرن بَين الْعَبَّاس وَنَوْفَل وَعقيل بجبل، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لقد أعانك عَلَيْهِم ملك كريم) ، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق وَلما أسر الْعَبَّاس بَات رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ساهراً تِلْكَ اللَّيْلَة، فَقيل لَهُ: مَالك لَا تنام؟ فَقَالَ: (يَمْنعنِي أَمر الْعَبَّاس) ، وَكَانَ موثقًا بالقيد، فأطلقوه فَنَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وكانَ عَلِيٌّ لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي أصابَ مِنْ أخِيهِ عَقِيلٍ ومِنْ عَمِّهِ عَبَّاسٍ
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ ذكره فِي معرض الِاسْتِدْلَال على أَنه لَا يعْتق الْأَخ وَلَا الْعم بِمُجَرَّد الْملك، إِذْ لَو عتقا لعتق الْعَبَّاس وَعقيل على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي حِصَّته من الْغَنِيمَة، وَأجِيب: بِأَن الْكَافِر لَا يملك بِالْغَنِيمَةِ ابْتِدَاء، بل يتَخَيَّر فِيهِ بَين الْقَتْل والاسترقاق وَالْفِدَاء، فَلَا يلْزم الْعتْق بِمُجَرَّد الْغَنِيمَة.