الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٨٢
الحديث رقم ٤٥٨٢ من كتاب «سورة النساء» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ * صَعِيدًا﴾ وَجْهَ الْأَرْضِ. وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا، فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ عُمَرُ: الْجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ.
٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ: أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الْأَوَّلِ، حَتَّى إِذَا لَمْ
يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، فَيُقَالُ: مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي: زِنَةَ ذَرَّةٍ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أَيْ: زِنَةَ ذَرَّةٍ، وَيُقَالُ: هَذَا مِثْقَالُ هَذَا، أَيْ: وَزْنُهُ، وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنَ الثِّقَلِ، وَالذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، وَيُقَالُ: وَاحِدَةُ الْهَبَاءِ، وَالذَّرَّةُ يُقَالُ: زِنَتُهَا رُبُعُ وَرَقَةِ نُخَالَةٍ، وَوَرَقَةُ النُّخَالَةِ وَزْنُ رُبُعِ خَرْدَلَةٍ، وَزِنَةُ الْخَرْدَلَةِ رُبُعُ سِمْسِمَةٍ. وَيُقَالُ: الذَّرَّةُ لَا وَزْنَ لَهَا، وَإِنَّ شَخْصًا تَرَكَ رَغِيفًا حَتَّى عَلَاهُ الذَّرُّ فَوَزَنَهُ، فَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا، حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي الشَّفَاعَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ، وَهُوَ بِطُولِهِ فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُهُمَا بِتَمَامِهِمَا مُتَوَالِيَيْنِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ. وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ الرَّمْلِيُّ، يُعْرَفُ بِابْنِ الْوَاسِطِيِّ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَلَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي الِاعْتِصَامِ.
٩ - بَاب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ، ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ، طَمَسَ الْكِتَابَ: مَحَاهُ، جَهَنَّمَ ﴿سَعِيرًا﴾ وُقُودًا
٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: أَمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
[الحديث ٤٥٨٢ - أطرافه في: ٥٠٤٩، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥، ٥٠٥٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ وَقَعَ فِي الْبَابِ تَفَاسِيرُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الِاعْتِذَارَ عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: الْمُخْتَالُ وَالْخَالُ وَاحِدٌ وَصَوَّبَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾ الْمُخْتَالُ ذُو الْخُيَلَاءِ وَالْخَالُ وَاحِدٌ. قَالَ: وَيَجِيءُ مَصْدَرًا، قَالَ الْعَجَّاجُ وَالْخَالُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْجِبَالِ. قُلْتُ: وَالْخَالُ يُطْلَقُ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فِي قَصِيدَةٍ فَبَلَغَ نَحْوًا مِنَ الْعِشْرِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُجِدَتْ قَصِيدَةٌ، تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ عِشْرِينَ أُخْرَى، وَكَلَامُ عِيَاضٍ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ لَا الْفَوْقَانِيَّةِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٥٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، ابن عمرٍو السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان بالإسناد السَّابق: (بَعْضُ الحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بفتح العين، و «مرَّة» بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، الجَمَليِّ -بفتح الجيم والميم- أبي عبد الله الكوفيِّ الأعمى (١)، أي: من رواية الأعمش عن عمرو بن مرَّة عن إبراهيم؛ كما صرَّح بذلك في «باب البكاء عند قراءة القرآن» [خ¦٥٠٥٥] حيث أخرجه عن مسدَّدٍ عن يحيى القطَّان بالإسناد المذكور، وقال بعده: قال الأعمش: وبعض الحديث حدَّثني عمرو بن مرَّة عن إبراهيم، والحاصل: أنَّ الأعمش سمع الحديث من إبراهيم النَّخعيِّ، وسمع بعضه من عمرو بن مرَّة عن إبراهيم؛ يعني: عن عَبيدة عن ابن مسعودٍ أنَّه (قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: اقْرَأْ عَلَيَّ) زاد في «باب من أحبَّ أن يسمع القرآن من غيره» [خ¦٥٠٤٩] من طريق عمر بن حفصٍ، عن أبيه، عن الأعمش: «القرآن» وهو يَصْدُقُ بالبعض (قُلْتُ: آقْرَأُ) بمدِّ الهمزة (٢) (عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) قال ابن بطَّالٍ: يُحتَمل أن يكون أحبَّ أن يسمعه من غيره؛ ليكون عَرْضُ القرآن سنَّةً أو ليتدبَّره ويتفهَّمه؛ وذلك أنَّ المستمع أقوى على التَّدبُّر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته ﷺ على أُبَيِّ بن كعبٍ، فإنَّه أراد أن يعلِّمه كيف أداء القراءة ومخارج الحروف (٣) (فقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى (٤) بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ قَالَ) ﵊: (أَمْسِكْ) وفي (١) «باب البكاء عند قراءة القرآن» [خ¦٥٠٥٥]: قال لي: «كفَّ أو أمسك» على الشَّكِّ (فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) بالذَّال المعجمة وكسر الرَّاء، خبر المبتدأ؛ وهو «عيناه»، و «إذا» للمفاجأة، أي: تُطلِقَان دمعهما، وبكاؤه ﵊ على المُفرِطِين، أو لِعِظَم ما تضمَّنته الآية من هول المَطْلَع وشدَّة الأمر، أو هو (٢) بكاء فرحٍ لا بكاء جزعٍ؛ لأنَّه تعالى جعل أمَّته شهداء على سائر الأمم، كما قال الشَّاعر:
طَفَحَ السُّرورُ عليَّ حتَّى إنَّه … من عِظْمِ ما قد سرَّني أبكاني
وهذا الأخير نقله صاحب «فتوح الغيب» عن الزَّمخشريِّ.
وفي هذا الحديث ثلاثةٌ من التَّابعين على نسقٍ واحدٍ، وأخرجه أيضًا في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٤٩] وكذلك النَّسائيُّ.
(١٠) (بابُ قولِه) تعالى -وسقط الباب وتاليه- لغير أبي (٣) ذر (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾) مرضًا يُخَاف معه من استعمال الماء، أو مرضًا يمنع من الوصول إليه، والمرض: انحراف مزاجٍ تصدر معه الأفعال غير مستقيمةٍ، والمراد هنا: كلُّ ما يُخَاف منه محذورٌ، ولو شَيْنًا فاحشًا في عضوٍ ظاهرٍ، وعن مجاهدٍ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: أنَّ قوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾ نزلت في رجلٍ من الأنصار كان مريضًا، فلم يستطع أن يقوم فيتوضَّأ، ولم يكن له خادمٌ يناوله (٤)، فأتى رسول الله ﷺ، فذكر ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا مرسلٌ (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) طويلٍ أو قصيرٍ لا تجدون
فيه الماء (١)، والسَّفر: هو الخروج عن الوطن، وينبغي أن يكون مباحًا (﴿أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ﴾ [النساء: ٤٣]) فأحدث (٢) بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، وأصل الغائط: المطمئنُّ من الأرض، وكانت عادة العرب إتيانه للحدث ليسترهم عن أعين النَّاس، فكَنُّوا به عن الخارج تسميةً للشَّيء باسم مكانه.
﴿صَعِيدًا﴾) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا (٣)﴾ [النساء: ٤٣] قال: (وَجْهَ الأَرْضِ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «وجهُ الأرض» بالرَّفع، بتقدير: هو، والمراد بوجه الأرض: ظاهرها سواءٌ كان عليها ترابٌ أم لا ولذا قالت الحنفيَّة: لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صلدٍ ومسح أجزأه، وقالت (٤) الشَّافعيَّة: لا بدَّ أن يعلَقَ باليد شيءٌ من التُّراب لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] أي: من بعضه، وجَعْلُ «من» لابتداء الغاية تعسُّفٌ؛ إذ لا يُفهَم من نحو ذلك إلا التَّبعيض، والمسح ببعض الخشب والحجر غير مقصودٍ، هذا وإنَّه وُصِفَ بالطَّيِّب، والأرض الطَّيِّبة هي المُنبِتة، وغير الطَّيِّبة لا تُنبِت، وغير التُّراب لا يُنبِت، والذي لا ينبت لا يكون طَيِّبًا، فهو أمرٌ بالتُّراب فقط، وقال الشَّافعيُّ -وهو القدوة في اللُّغة وقوله فيها الحجَّة-: لا يقع اسم الصَّعيد إلَّا على ترابٍ ذي غبارٍ، فأمَّا البطحاء الغليظة والرَّقيقة؛ فلا يقع عليها اسم الصَّعيد، فإن خالطه ترابٌ أو مدرٌ يكون له غبار؛ كان الذي خالطه هو الصَّعيد، وقد وافق الشَّافعيَّ الفرَّاء وأبو عبيد، وفي حديث حذيفة عند الدَّارقطنيِّ في «سننه» وأبي عَوانة في «صحيحه» مرفوعًا: «جُعِلَت لي الأرض مسجدًا، وترابها لنا (٥) طهورًا» وعند مسلمٍ: «تربتها» وهذا مفسِّرٌ للآية (٦)، والمفسَّر يقضي على المُجْمَل.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ: أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الْأَوَّلِ، حَتَّى إِذَا لَمْ
يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، فَيُقَالُ: مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي: زِنَةَ ذَرَّةٍ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أَيْ: زِنَةَ ذَرَّةٍ، وَيُقَالُ: هَذَا مِثْقَالُ هَذَا، أَيْ: وَزْنُهُ، وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنَ الثِّقَلِ، وَالذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، وَيُقَالُ: وَاحِدَةُ الْهَبَاءِ، وَالذَّرَّةُ يُقَالُ: زِنَتُهَا رُبُعُ وَرَقَةِ نُخَالَةٍ، وَوَرَقَةُ النُّخَالَةِ وَزْنُ رُبُعِ خَرْدَلَةٍ، وَزِنَةُ الْخَرْدَلَةِ رُبُعُ سِمْسِمَةٍ. وَيُقَالُ: الذَّرَّةُ لَا وَزْنَ لَهَا، وَإِنَّ شَخْصًا تَرَكَ رَغِيفًا حَتَّى عَلَاهُ الذَّرُّ فَوَزَنَهُ، فَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا، حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي الشَّفَاعَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ، وَهُوَ بِطُولِهِ فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُهُمَا بِتَمَامِهِمَا مُتَوَالِيَيْنِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ. وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ الرَّمْلِيُّ، يُعْرَفُ بِابْنِ الْوَاسِطِيِّ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَلَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي الِاعْتِصَامِ.
٩ - بَاب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ، ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ، طَمَسَ الْكِتَابَ: مَحَاهُ، جَهَنَّمَ ﴿سَعِيرًا﴾ وُقُودًا
٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: أَمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
[الحديث ٤٥٨٢ - أطرافه في: ٥٠٤٩، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥، ٥٠٥٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ وَقَعَ فِي الْبَابِ تَفَاسِيرُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الِاعْتِذَارَ عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: الْمُخْتَالُ وَالْخَالُ وَاحِدٌ وَصَوَّبَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾ الْمُخْتَالُ ذُو الْخُيَلَاءِ وَالْخَالُ وَاحِدٌ. قَالَ: وَيَجِيءُ مَصْدَرًا، قَالَ الْعَجَّاجُ وَالْخَالُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْجِبَالِ. قُلْتُ: وَالْخَالُ يُطْلَقُ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فِي قَصِيدَةٍ فَبَلَغَ نَحْوًا مِنَ الْعِشْرِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُجِدَتْ قَصِيدَةٌ، تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ عِشْرِينَ أُخْرَى، وَكَلَامُ عِيَاضٍ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ لَا الْفَوْقَانِيَّةِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٥٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، ابن عمرٍو السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان بالإسناد السَّابق: (بَعْضُ الحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بفتح العين، و «مرَّة» بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، الجَمَليِّ -بفتح الجيم والميم- أبي عبد الله الكوفيِّ الأعمى (١)، أي: من رواية الأعمش عن عمرو بن مرَّة عن إبراهيم؛ كما صرَّح بذلك في «باب البكاء عند قراءة القرآن» [خ¦٥٠٥٥] حيث أخرجه عن مسدَّدٍ عن يحيى القطَّان بالإسناد المذكور، وقال بعده: قال الأعمش: وبعض الحديث حدَّثني عمرو بن مرَّة عن إبراهيم، والحاصل: أنَّ الأعمش سمع الحديث من إبراهيم النَّخعيِّ، وسمع بعضه من عمرو بن مرَّة عن إبراهيم؛ يعني: عن عَبيدة عن ابن مسعودٍ أنَّه (قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: اقْرَأْ عَلَيَّ) زاد في «باب من أحبَّ أن يسمع القرآن من غيره» [خ¦٥٠٤٩] من طريق عمر بن حفصٍ، عن أبيه، عن الأعمش: «القرآن» وهو يَصْدُقُ بالبعض (قُلْتُ: آقْرَأُ) بمدِّ الهمزة (٢) (عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) قال ابن بطَّالٍ: يُحتَمل أن يكون أحبَّ أن يسمعه من غيره؛ ليكون عَرْضُ القرآن سنَّةً أو ليتدبَّره ويتفهَّمه؛ وذلك أنَّ المستمع أقوى على التَّدبُّر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته ﷺ على أُبَيِّ بن كعبٍ، فإنَّه أراد أن يعلِّمه كيف أداء القراءة ومخارج الحروف (٣) (فقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى (٤) بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ قَالَ) ﵊: (أَمْسِكْ) وفي (١) «باب البكاء عند قراءة القرآن» [خ¦٥٠٥٥]: قال لي: «كفَّ أو أمسك» على الشَّكِّ (فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) بالذَّال المعجمة وكسر الرَّاء، خبر المبتدأ؛ وهو «عيناه»، و «إذا» للمفاجأة، أي: تُطلِقَان دمعهما، وبكاؤه ﵊ على المُفرِطِين، أو لِعِظَم ما تضمَّنته الآية من هول المَطْلَع وشدَّة الأمر، أو هو (٢) بكاء فرحٍ لا بكاء جزعٍ؛ لأنَّه تعالى جعل أمَّته شهداء على سائر الأمم، كما قال الشَّاعر:
طَفَحَ السُّرورُ عليَّ حتَّى إنَّه … من عِظْمِ ما قد سرَّني أبكاني
وهذا الأخير نقله صاحب «فتوح الغيب» عن الزَّمخشريِّ.
وفي هذا الحديث ثلاثةٌ من التَّابعين على نسقٍ واحدٍ، وأخرجه أيضًا في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٤٩] وكذلك النَّسائيُّ.
(١٠) (بابُ قولِه) تعالى -وسقط الباب وتاليه- لغير أبي (٣) ذر (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾) مرضًا يُخَاف معه من استعمال الماء، أو مرضًا يمنع من الوصول إليه، والمرض: انحراف مزاجٍ تصدر معه الأفعال غير مستقيمةٍ، والمراد هنا: كلُّ ما يُخَاف منه محذورٌ، ولو شَيْنًا فاحشًا في عضوٍ ظاهرٍ، وعن مجاهدٍ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: أنَّ قوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾ نزلت في رجلٍ من الأنصار كان مريضًا، فلم يستطع أن يقوم فيتوضَّأ، ولم يكن له خادمٌ يناوله (٤)، فأتى رسول الله ﷺ، فذكر ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا مرسلٌ (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) طويلٍ أو قصيرٍ لا تجدون
فيه الماء (١)، والسَّفر: هو الخروج عن الوطن، وينبغي أن يكون مباحًا (﴿أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ﴾ [النساء: ٤٣]) فأحدث (٢) بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، وأصل الغائط: المطمئنُّ من الأرض، وكانت عادة العرب إتيانه للحدث ليسترهم عن أعين النَّاس، فكَنُّوا به عن الخارج تسميةً للشَّيء باسم مكانه.
﴿صَعِيدًا﴾) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا (٣)﴾ [النساء: ٤٣] قال: (وَجْهَ الأَرْضِ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «وجهُ الأرض» بالرَّفع، بتقدير: هو، والمراد بوجه الأرض: ظاهرها سواءٌ كان عليها ترابٌ أم لا ولذا قالت الحنفيَّة: لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صلدٍ ومسح أجزأه، وقالت (٤) الشَّافعيَّة: لا بدَّ أن يعلَقَ باليد شيءٌ من التُّراب لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] أي: من بعضه، وجَعْلُ «من» لابتداء الغاية تعسُّفٌ؛ إذ لا يُفهَم من نحو ذلك إلا التَّبعيض، والمسح ببعض الخشب والحجر غير مقصودٍ، هذا وإنَّه وُصِفَ بالطَّيِّب، والأرض الطَّيِّبة هي المُنبِتة، وغير الطَّيِّبة لا تُنبِت، وغير التُّراب لا يُنبِت، والذي لا ينبت لا يكون طَيِّبًا، فهو أمرٌ بالتُّراب فقط، وقال الشَّافعيُّ -وهو القدوة في اللُّغة وقوله فيها الحجَّة-: لا يقع اسم الصَّعيد إلَّا على ترابٍ ذي غبارٍ، فأمَّا البطحاء الغليظة والرَّقيقة؛ فلا يقع عليها اسم الصَّعيد، فإن خالطه ترابٌ أو مدرٌ يكون له غبار؛ كان الذي خالطه هو الصَّعيد، وقد وافق الشَّافعيَّ الفرَّاء وأبو عبيد، وفي حديث حذيفة عند الدَّارقطنيِّ في «سننه» وأبي عَوانة في «صحيحه» مرفوعًا: «جُعِلَت لي الأرض مسجدًا، وترابها لنا (٥) طهورًا» وعند مسلمٍ: «تربتها» وهذا مفسِّرٌ للآية (٦)، والمفسَّر يقضي على المُجْمَل.