«قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٨٢

الحديث رقم ٤٥٨٢ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قال لي النبي ﷺ: اقرأ علي، قلت: آقرأ عليك…

«قَالَ لِي النَّبِيُّ : اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: أَمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ».

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ * صَعِيدًا﴾ وَجْهَ الْأَرْضِ. وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا، فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ عُمَرُ: الْجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ.

سند حديث: ٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا…

٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قال لي النبي ﷺ: اقرأ علي، قلت: آقرأ عليك…

طلب النبي صلى الله عليه وسلم من عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه شيئًا من القرآن، فقال: يا رسول الله، كيف أقرؤه عليك وعليك أنزل؟! فقال صلى الله عليه وسلم: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عليه من سورة النساء، فلما بلغ قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا}.

أي ماذا يكون حالك وحال أمتك إذا أتينا بك شهيدًا على أمتك أنك بلغتهم رسالة ربك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: توقف الآن عن القراءة، قال ابن مسعود رضي الله عنه: فالتفتُّ إليه فإذا عيناه تجري دموعهما رهبة من الموقف، ورحمة بأمته.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • قال النووي: استحباب استماع القراءة والإصغاء لها والبكاء عندها وتدبرها، واستحباب طلب القراءة من غيره ليستمع له، وهو أبلغ في التفهم والتدبر من قراءته بنفسه.
  • سماع القرآن فيه ثواب كما في تلاوته.
  • فضيلة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حيث أحب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسمعه من فِيه، وهذا يدل على حرص ابن مسعود رضي الله عنه على تطلُّب القرآن وحفظه وإتقانه.
  • فضيلة البكاء خشية من الله عز وجل عند سماع آياته، مع التزام السكون، وحسن الصمت، وعدم الصراخ.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قال لي النبي ﷺ: اقرأ علي، قلت: آقرأ عليك…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ: أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الْأَوَّلِ، حَتَّى إِذَا لَمْ

يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، فَيُقَالُ: مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي: زِنَةَ ذَرَّةٍ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أَيْ: زِنَةَ ذَرَّةٍ، وَيُقَالُ: هَذَا مِثْقَالُ هَذَا، أَيْ: وَزْنُهُ، وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنَ الثِّقَلِ، وَالذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، وَيُقَالُ: وَاحِدَةُ الْهَبَاءِ، وَالذَّرَّةُ يُقَالُ: زِنَتُهَا رُبُعُ وَرَقَةِ نُخَالَةٍ، وَوَرَقَةُ النُّخَالَةِ وَزْنُ رُبُعِ خَرْدَلَةٍ، وَزِنَةُ الْخَرْدَلَةِ رُبُعُ سِمْسِمَةٍ. وَيُقَالُ: الذَّرَّةُ لَا وَزْنَ لَهَا، وَإِنَّ شَخْصًا تَرَكَ رَغِيفًا حَتَّى عَلَاهُ الذَّرُّ فَوَزَنَهُ، فَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا، حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي الشَّفَاعَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ، وَهُوَ بِطُولِهِ فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُهُمَا بِتَمَامِهِمَا مُتَوَالِيَيْنِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ. وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ الرَّمْلِيُّ، يُعْرَفُ بِابْنِ الْوَاسِطِيِّ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَلَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي الِاعْتِصَامِ.

٩ - بَاب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ، ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ، طَمَسَ الْكِتَابَ: مَحَاهُ، جَهَنَّمَ ﴿سَعِيرًا﴾ وُقُودًا

٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ : اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: أَمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.

[الحديث ٤٥٨٢ - أطرافه في: ٥٠٤٩، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥، ٥٠٥٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ وَقَعَ فِي الْبَابِ تَفَاسِيرُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الِاعْتِذَارَ عَنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: الْمُخْتَالُ وَالْخَالُ وَاحِدٌ وَصَوَّبَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾ الْمُخْتَالُ ذُو الْخُيَلَاءِ وَالْخَالُ وَاحِدٌ. قَالَ: وَيَجِيءُ مَصْدَرًا، قَالَ الْعَجَّاجُ وَالْخَالُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْجِبَالِ. قُلْتُ: وَالْخَالُ يُطْلَقُ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فِي قَصِيدَةٍ فَبَلَغَ نَحْوًا مِنَ الْعِشْرِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُجِدَتْ قَصِيدَةٌ، تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ عِشْرِينَ أُخْرَى، وَكَلَامُ عِيَاضٍ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ لَا الْفَوْقَانِيَّةِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، ابن عمرٍو السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان بالإسناد السَّابق: (بَعْضُ الحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بفتح العين، و «مرَّة» بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، الجَمَليِّ -بفتح الجيم والميم- أبي عبد الله الكوفيِّ الأعمى (١)، أي: من رواية الأعمش عن عمرو بن مرَّة عن إبراهيم؛ كما صرَّح بذلك في «باب البكاء عند قراءة القرآن» [خ¦٥٠٥٥] حيث أخرجه عن مسدَّدٍ عن يحيى القطَّان بالإسناد المذكور، وقال بعده: قال الأعمش: وبعض الحديث حدَّثني عمرو بن مرَّة عن إبراهيم، والحاصل: أنَّ الأعمش سمع الحديث من إبراهيم النَّخعيِّ، وسمع بعضه من عمرو بن مرَّة عن إبراهيم؛ يعني: عن عَبيدة عن ابن مسعودٍ أنَّه (قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ : اقْرَأْ عَلَيَّ) زاد في «باب من أحبَّ أن يسمع القرآن من غيره» [خ¦٥٠٤٩] من طريق عمر بن حفصٍ، عن أبيه، عن الأعمش: «القرآن» وهو يَصْدُقُ بالبعض (قُلْتُ: آقْرَأُ) بمدِّ الهمزة (٢) (عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) قال ابن بطَّالٍ: يُحتَمل أن يكون أحبَّ أن يسمعه من غيره؛ ليكون عَرْضُ القرآن سنَّةً أو ليتدبَّره ويتفهَّمه؛ وذلك أنَّ المستمع أقوى على التَّدبُّر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته على أُبَيِّ بن كعبٍ، فإنَّه أراد أن يعلِّمه كيف أداء القراءة ومخارج الحروف (٣) (فقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى (٤) بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ

بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ قَالَ) : (أَمْسِكْ) وفي (١) «باب البكاء عند قراءة القرآن» [خ¦٥٠٥٥]: قال لي: «كفَّ أو أمسك» على الشَّكِّ (فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) بالذَّال المعجمة وكسر الرَّاء، خبر المبتدأ؛ وهو «عيناه»، و «إذا» للمفاجأة، أي: تُطلِقَان دمعهما، وبكاؤه على المُفرِطِين، أو لِعِظَم ما تضمَّنته الآية من هول المَطْلَع وشدَّة الأمر، أو هو (٢) بكاء فرحٍ لا بكاء جزعٍ؛ لأنَّه تعالى جعل أمَّته شهداء على سائر الأمم، كما قال الشَّاعر:

طَفَحَ السُّرورُ عليَّ حتَّى إنَّه … من عِظْمِ ما قد سرَّني أبكاني

وهذا الأخير نقله صاحب «فتوح الغيب» عن الزَّمخشريِّ.

وفي هذا الحديث ثلاثةٌ من التَّابعين على نسقٍ واحدٍ، وأخرجه أيضًا في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٤٩] وكذلك النَّسائيُّ.

(١٠) (بابُ قولِه) تعالى -وسقط الباب وتاليه- لغير أبي (٣) ذر (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾) مرضًا يُخَاف معه من استعمال الماء، أو مرضًا يمنع من الوصول إليه، والمرض: انحراف مزاجٍ تصدر معه الأفعال غير مستقيمةٍ، والمراد هنا: كلُّ ما يُخَاف منه محذورٌ، ولو شَيْنًا فاحشًا في عضوٍ ظاهرٍ، وعن مجاهدٍ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: أنَّ قوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾ نزلت في رجلٍ من الأنصار كان مريضًا، فلم يستطع أن يقوم فيتوضَّأ، ولم يكن له خادمٌ يناوله (٤)، فأتى رسول الله ، فذكر ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا مرسلٌ (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) طويلٍ أو قصيرٍ لا تجدون

فيه الماء (١)، والسَّفر: هو الخروج عن الوطن، وينبغي أن يكون مباحًا (﴿أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ﴾ [النساء: ٤٣]) فأحدث (٢) بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، وأصل الغائط: المطمئنُّ من الأرض، وكانت عادة العرب إتيانه للحدث ليسترهم عن أعين النَّاس، فكَنُّوا به عن الخارج تسميةً للشَّيء باسم مكانه.

﴿صَعِيدًا﴾) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا (٣)[النساء: ٤٣] قال: (وَجْهَ الأَرْضِ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «وجهُ الأرض» بالرَّفع، بتقدير: هو، والمراد بوجه الأرض: ظاهرها سواءٌ كان عليها ترابٌ أم لا ولذا قالت الحنفيَّة: لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صلدٍ ومسح أجزأه، وقالت (٤) الشَّافعيَّة: لا بدَّ أن يعلَقَ باليد شيءٌ من التُّراب لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] أي: من بعضه، وجَعْلُ «من» لابتداء الغاية تعسُّفٌ؛ إذ لا يُفهَم من نحو ذلك إلا التَّبعيض، والمسح ببعض الخشب والحجر غير مقصودٍ، هذا وإنَّه وُصِفَ بالطَّيِّب، والأرض الطَّيِّبة هي المُنبِتة، وغير الطَّيِّبة لا تُنبِت، وغير التُّراب لا يُنبِت، والذي لا ينبت لا يكون طَيِّبًا، فهو أمرٌ بالتُّراب فقط، وقال الشَّافعيُّ -وهو القدوة في اللُّغة وقوله فيها الحجَّة-: لا يقع اسم الصَّعيد إلَّا على ترابٍ ذي غبارٍ، فأمَّا البطحاء الغليظة والرَّقيقة؛ فلا يقع عليها اسم الصَّعيد، فإن خالطه ترابٌ أو مدرٌ يكون له غبار؛ كان الذي خالطه هو الصَّعيد، وقد وافق الشَّافعيَّ الفرَّاء وأبو عبيد، وفي حديث حذيفة عند الدَّارقطنيِّ في «سننه» وأبي عَوانة في «صحيحه» مرفوعًا: «جُعِلَت لي الأرض مسجدًا، وترابها لنا (٥) طهورًا» وعند مسلمٍ: «تربتها» وهذا مفسِّرٌ للآية (٦)، والمفسَّر يقضي على المُجْمَل.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِحَسب الْمقَام إِلَيْهِمَا جَمِيعًا أَو إِلَى الْمشَار إِلَيْهِ فَقَط. قَوْله: (كَأَنَّهُ سراب يحطم بَعْضهَا بَعْضًا) أَي: بِكَسْر بَعْضهَا بَعْضًا، وَمِنْه سميت النَّار: الحطمة لِأَنَّهَا تحطم كل شَيْء أَي تكسره وَتَأْتِي عَلَيْهِ، والسراب هُوَ الَّذِي ترَاهُ نصف النَّهَار كَأَنَّهُ مَاء قَوْله: (أَتَاهُم) أَي: ظهر لَهُم، والإتيان مجَاز عَن الظُّهُور. وَقيل: الْإِتْيَان عبارَة عَن رُؤْيَتهمْ إِيَّاه، لِأَن الْعَادة أَن من غَابَ عَن غَيره لَا تمكنه رُؤْيَته إلَاّ بالإتيان، فَعبر بالإيتان هُنَا عَن الرُّؤْيَة مجَازًا وَقيل: فعل من أَفعَال الله تَعَالَى سَمَّاهُ إتيانا وَقيل المُرَاد بالإتيان إتْيَان بعض مَلَائكَته وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الْوَجْه أشبه عِنْدِي فِي قَوْله: (فِي أدنى صُورَة) أَي: أقربها. قَالَ الْخطابِيّ: الصُّورَة الصّفة يُقَال: صُورَة هَذَا الْأَمر كَذَا أَي صفته، وَأطلق الصُّورَة على سَبِيل المشاكلة والمجانسة. قَوْله: (من الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا) ، أَي: من الصُّورَة الَّتِي عرفوه فِيهَا، والرؤية بِمَعْنى الْعلم لأَنهم لم يروه قبل ذَلِك، وَمَعْنَاهُ: يتجلى الله لَهُم بِالصّفةِ الَّتِي يعرفونه بهَا لِأَنَّهُ لَا يشبه شَيْئا من مخلوقاته فيعلمون أَنه رَبهم فَيَقُولُونَ: انت رَبنَا. قَوْله: (على أفقر مَا كُنَّا إِلَيْهِم) ، أَي: على أحْوج، يَعْنِي: لم نتبعهم فِي الدُّنْيَا مَعَ الِاحْتِيَاج إِلَيْهِم، فَفِي هَذَا الْيَوْم بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا) ، وَفَائِدَة قَوْلهم هَذَا مَعَ أَن يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ يَوْم التَّكْلِيف استلذاذا وافتخارا بِهِ وتذكارا بِسَبَب النِّعْمَة الَّتِي وجدوها.

٩ - (بابٌ: {فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هاؤُلاءِ شَهِيدا} (النِّسَاء: ٤١)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {إِذا جِئْنَا} الْآيَة، أخبر الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة عَن هول يَوْم الْقِيَامَة وَشدَّة أمره وشأنه فَكيف يكون الْأَمر وَالْحَال يَوْم الْقِيَامَة حِين يَجِيء من كل أمة بِشَهِيد يَعْنِي الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَكيف يصنع هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة من الْيَهُود وَغَيرهم إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد يشْهد عَلَيْهِم بِمَا فعلوا وَهُوَ نَبِيّهم كَقَوْلِه: {وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ} (الْمَائِدَة: ١١٧) المكذبين {شَهِيدا} وَفِي (التَّلْوِيح) وَاخْتلف فِي الْمَعْنى بقوله: هَؤُلَاءِ من هم، فَعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيّ: هم المكذبون، وَقَالَ مقَاتل: هم كفار أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي (تَفْسِير ابْن النَّقِيب) هم سَائِر أمته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه يشْهد عَلَيْهِم. وَالثَّانِي: أَنه يشْهد لَهُم، فعلى هَذَا يكون على: بِمَعْنى اللَّام، وَقيل: المُرَاد بهم أمة الْكفَّار، وَقيل: أَنهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَقيل: هم كفار قُرَيْش دون غَيرهم، وَفِي الَّذِي يشْهد بِهِ أَقْوَال أَرْبَعَة: الأول: أَنه يشْهد أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد بلغ أمته، قَالَه ابْن مَسْعُود وَابْن جريج وَالسُّديّ وَمُقَاتِل. الثَّانِي: أَنه يشْهد بإيمَانهمْ، قَالَه أَبُو الْعَالِيَة. الثَّالِث: إِنَّه يشْهد بأعمالهم. قَالَه مُجَاهِد وقادة. الرَّابِع: إِنَّه يشْهد لَهُم وَعَلَيْهِم، قَالَه الزّجاج.

المُخْتال والخَتَالُ وَاحِدٍ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالاً فخورا} والمختال المتكبر: أَي: يتخيل فِي صُورَة من هُوَ أعظم مِنْهُ كبرا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ التياه والجهول الَّذِي يتكبر عَن إكرام أَقَاربه وَأَصْحَابه. قَوْله: (وَأحد) ، يَعْنِي: فِي الْمَعْنى، وَفِيه نظر، لِأَن المختال من الْخُيَلَاء، والختال: بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من الختل وَهُوَ الخديعة فَلَا يُنَاسب معنى الْكبر، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: المختال وَالْخَال وَاحِد وَالْخَال وَاحِد وَالْخَال بِدُونِ التَّاء وَصوب هَذَا جمَاعَة، وَكَذَا فِي كَلَام أبي عُبَيْدَة. (فَإِن قلت) : مَا وَجه التصويب فِيهِ؟ فَكيف هُنَا بِمَعْنى وَاحِد؟ قلت: الْخَال يَأْتِي لمعان كَثِيرَة: (مِنْهَا) : معنى الْكبر لِأَن الْخَال بِمَعْنى الخائل وَهُوَ المتكبر، وَقَالَ بَعضهم: الْخَال يُطلق على معَان كَثِيرَة نظمها بَعضهم فِي قصيدة تبلغ نَحوا من الْعشْرين بَيْتا قلت: كتبت قصيدة فِي مُؤَلَّفِي (رونق الْمجَالِس) تنْسب إِلَى ثَعْلَب تبلغ هَذِه اللَّفْظَة فِيهَا نَحوا من أَرْبَعِينَ.

نَطْمِسَ وُجُوها نُسَوِّيها حَتَّى تَعُودَ كَأفْعَالِهِمْ طَمَسَ الكِتابَ مَحاهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {من قبل أَن

نطمس وُجُوهًا} وَفَسرهُ بقوله نسويها بقوله: (حَتَّى تعود كأفقائهم) وَأسْندَ الطَّبَرِيّ عَن قَتَادَة أَن المُرَاد أَن تعود الْأَوْجه فِي الأفقية، وَعَن قَتَادَة: تذْهب بالشفاه والأعين والحواجب فيردها أقفاء، وَقَالَ أبي بن كَعْب: هُوَ تَمْثِيل وَلَيْسَ المُرَاد حَقِيقَتهَا حسا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: نطمس مَنْصُوب على الْحِكَايَة من قَوْله: (من قبل أَن نطمس) وَأَشَارَ بقوله: طمس الْكتاب محاه إِلَى أَن الطمس يَجِيء بِمَعْنى المحو أَيْضا.

سَعِيرا وُقُودا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كفى بجهنم سعيرا} (النِّسَاء: ٥٥) وَفسّر سعيرا بقوله: وقودا. لَو كَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التفاسير لَيست لهَذِهِ الْآيَة وَكَأَنَّهَا من النساخ. قلت: هَذَا بعيد جدا لِأَن غَالب الْكتاب جهلة فَمن أَيْن لَهُم هَذِه التفاسير؟ وَبِأَيِّ وَجه يلحقون مثل هَذِه فِي مثل هَذَا الْكتاب الَّذِي لَا يحلق أساطين الْعلمَاء شاؤه؟ وَمن شَأْن النساخ التحريف والتصحيف والإسقاط وَلَيْسَ من دأبهم أَن يزِيدُوا فِي كتاب مُرَتّب منقح من عِنْدهم، وَلَو قَالَ: وَكَأَنَّهُ من بعض الروَاة المعتنين بالجامع لَكَانَ لَهُ وَجه، وَلَا يبعد أَن يكون هَذَا من نفس البُخَارِيّ من غير تفكر فِيهِ، فَإِن تنبه عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ مَا أدْرك إِلَى وضع هَذِه التفاسير فِي محلهَا ثمَّ استمرت على ذَلِك.

٤٥٨٢ - ح دَّثنا صَدْقَةُ أخْبرنا يَحْيَى عنْ سُفْيَانَ عنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عنْ عَبْدِ الله قَالَ يَحْيَى بَعْضُ الحَدِيثِ عَنْ عَمْرو بنِ مُرَّةَ قَالَ قَالَ لي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ اقْرَأ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ فَإِنِّي أُحِبُّ أنْ أسُمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّساءِ حَتَّى بَلغْتُ (فَكَيْفَ إذَا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هاؤُلاءِ شَهيدا) قَالَ أمْسِك فَإذَا عَيْناهُ تَذْرِفانِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَصدقَة هُوَ ابْن الْفضل أَبُو الْفضل الْمروزِي، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَعبيدَة، بِفَتْح الْعين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عَمْرو السَّلمَانِي.

وَمن سُفْيَان إِلَى آخِره كلهم كوفيون، وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد وهم لِسُلَيْمَان وَإِبْرَاهِيم وَعبيدَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَعَمْرو بِفَتْح الْعين، ابْن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، الْجملِي بِفَتْح الْجِيم التَّابِعِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَعَن عمر بن حَفْص وَعَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْعلم عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن غيلَان وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري بِهِ وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن سُوَيْد بن نصر بِهِ وَعَن غَيره.

قَوْله: (قَالَ يحيى) هُوَ الْقطَّان، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد ذكر البُخَارِيّ كَلَام يحيى للتقوية، وإلاّ فإسناد عَمْرو مَقْطُوع وَبَعض الحَدِيث مَجْهُول قلت: ظَاهره كَذَا، وَلكنه أوضحه فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي: بَاب الْبكاء عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عُبَيْدَة عَن عبد الله. قَالَ الْأَعْمَش: وَبَعض الحَدِيث حَدثنِي عَمْرو بن مرّة عَن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن أبي الضُّحَى عَن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اقْرَأ عليّ) الحَدِيث. قَوْله: (اقْرَأ عليّ) فِيهِ أَن الْقِرَاءَة من الْغَيْر أبلغ فِي التدبر والتفهم من قِرَاءَة الْإِنْسَان بِنَفسِهِ، وَفِيه فضل ظَاهر لعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (تَفْسِير عبد) لما قَرَأَ عبد الله هَذِه الْآيَة قَالَ سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من سره أَن يقْرَأ الْقُرْآن غضا كَمَا نزل فليقرأه على قِرَاءَة ابْن أم عبد) . قَوْله: (فَإِذا عَيناهُ) ، كلمة إِذا للمفاجأة. (وَعَيناهُ) مُبْتَدأ، وتذرفان، خَبره، أَي: عينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تطلقان دمعهما يُقَال: ذرف الدمع بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وذرفت الْعين دمعها. وَفِي بكاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وُجُوه: الأول: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: بكاؤه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَنَّهُ لَا بُد من أَدَاء الشَّهَادَة وَالْحكم على الْمَشْهُود عَلَيْهِ إِنَّمَا يكون يَقُول الشَّاهِد، فَلَمَّا كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هُوَ الشَّاهِد وَهُوَ الشافع بَكَى على المفرطين مِنْهُم. الثَّانِي: أَنه بَكَى لعظم مَا تضمنته هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة من هول المطلع وَشدَّة الْأَمر إِذْ يُؤْتِي بالأنبياء عَلَيْهِم السَّلَام، شُهَدَاء على أممهم بالتصديق والتكذيب. الثَّالِث: أَنه بَكَى فَرحا لقبُول شَهَادَة أمته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم الْقِيَامَة وَقبُول تزكيته لَهُم فِي ذَلِك الْيَوْم الْعَظِيم.

١٠ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أوْ عَلَى سَفَرٍ أوْ جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ} (النِّسَاء: ٤٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم مرضى} الْآيَة. قَوْله: (مرضى) ، جمع مَرِيض، وَأَرَادَ بِهِ مَرِيضا يضرّهُ المَاء كصاحب الجدري والجروح وَمن يتَضَرَّر بِاسْتِعْمَال المَاء هَذَا قَول جمَاعَة من الْفُقَهَاء إلَاّ مَا ذهب إِلَيْهِ عَطاء وَالْحسن أَنه لَا يتَيَمَّم مَعَ وجود المَاء احتجاجا بقوله تَعَالَى: {فَإِن لم تَجدوا مَاء} وَلم يُؤْخَذ بِهِ. قَوْله: (أَو على سفر) ، أَي: أَو كُنْتُم على سفر وَلَيْسَ السّفر شرطا لإباحة التَّيَمُّم، وَإِنَّمَا الشَّرْط عدم المَاء، وَإِنَّمَا ذكر السّفر لِأَن المَاء يعْدم فِيهِ غَالِبا. قَوْله: (أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط) ، وَهُوَ الْموضع المطمئن من الأَرْض، كَانُوا يتبرزون هُنَاكَ ليغيبوا عَن أعين النَّاس، فكنى عَن الْحَدث بمكانه، ثمَّ كثر الِاسْتِعْمَال حَتَّى صَار كالحقيقة، وَالْفِعْل مِنْهُ: غاط يغوط، مثل عَاد يعود.

صَعِيدٌ أوْجهَ الأَرْضِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} وَفسّر صَعِيدا بقوله: وَجه الأَرْض، ذكره أَبُو بكر بن الْمُنْذر عَن أبي عُبَيْدَة.

وَقَالَ جَابِرُ كَانَتِ الطَوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إلَيْها فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ وَفِي أسْلَمَ وَاحِدٌ وَفِي كُلِّ حَيِّ وَاحِدٌ كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمِ الشَّيْطَانُ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت} (النِّسَاء: ٦٠) . قَوْله: (كَانَت الطواغيت) ، هُوَ جمع طاغوت، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: الطاغوت اسْم وَاحِد مؤنث، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد هُوَ عِنْدِي جمَاعَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الطاغوت يكون جمعا وواحدا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وطاغوت وَإِن كَانَ على وزن لاهوت، فَهُوَ مقلوب لِأَنَّهُ من طَغى ولاهوت غير مقلوب لِأَنَّهُ من لاه. لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الرغبوت والرهبوت انْتهى. قلت: أَصله طغبوت فَقدمت الْيَاء على الْغَيْن فَصَارَ طيغوت فقلبت الْيَاء ألفا لتحركهاوانفتاح مَا قبلهَا، والطاغوت والكاهن والشياطن وكل رَأس فِي الضلال فَهُوَ طاغوت. قَوْله: (فِي جُهَيْنَة وَاحِد) ، أَي: مُسَمّى بطاغوت، وجهينة قَبيلَة، وَكَذَلِكَ أسلم على وزن أفعل التَّفْصِيل. قَوْله: (كهان) ، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ أَي: الطواغيت الْمَذْكُورَة فِي الْقَبَائِل كهان، بِضَم الْكَاف، جمع كَاهِن ينزل عَلَيْهِم الشَّيْطَان فَيلقى إِلَيْهِم الْأَخْبَار، والكاهن هُوَ الَّذِي يتعاطى الْخَبَر عَن الكائنات فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان ويدعى معرفَة الْأَسْرَار، وَهَذَا الْأَثر ذكره ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه عَن الْحسن بن الصَّباح: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الْكَرِيم حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن عقيل عَن أَبِيه عقيل بن معقل عَن وهب بن مُنَبّه. قَالَ: سَأَلت جَابر ابْن عبد الله عَن الطواغيت الحَدِيث بِزِيَادَة، وَفِي هِلَال وَاحِد.

وَقَالَ عُمَرُ الجِبْتُ السِّحْرُ وَالطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ وَقَال عِكْرَمَةُ الجِبْتُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ شَيْطَانٌ وَالطَاغُوتُ الكَاهِنُ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت} (النِّسَاء: ٥١) وَأثر عمر رَوَاهُ عبد بن حميد عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن حسان بن قَائِد عَن عمر، وَأثر عِكْرِمَة رَوَاهُ عبد أَيْضا عَن أبي الْوَلِيد عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَنهُ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيّ أَن المُرَاد بالجبت والطاغوت جنس مَا كَانَ يعبد من دون الله سَوَاء كَانَ صنما أَو شَيْطَانا أَو آدَمِيًّا، فَيدْخل فِيهِ السَّاحر والكاهن، وَأخرج الطَّبَرِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير. قَالَ: الجبت السَّاحر بِلِسَان الْحَبَشَة، والطاغوت الكاهن، وَهَذَا يدل على وُقُوع المعرب فِي الْقُرْآن. وَاخْتلف فِيهِ فَأنْكر الشَّافِعِي وَأَبُو عُبَيْدَة وُقُوع ذَلِك فِي الْقُرْآن وحملا مَا وجد من ذَلِك على توارد اللغتين، وَأَجَازَ ذَلِك قوم وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَاحْتج لذَلِك بِوُقُوع إسماء الْإِعْلَام فِيهِ كإبراهيم وَغَيره، فَلَا مَانع من وُقُوع إسماء الْأَجْنَاس فِيهِ أَيْضا وَقد وَقع فِي البُخَارِيّ جملَة من ذَلِك، وَقيل: مَا وَقع من ذَلِك فِي الْقُرْآن سَبْعَة وَعِشْرُونَ وَهِي (السلسبيل) و (كورت) وَبيع (روم) و (طُوبَى) و (سجيل) و (كافور) و (زنجبيل) و (ومشكاة) و (وسرادق) و (استبرق) و (صلوَات) و (سندس) و (طور) و (قَرَاطِيس) و (ربانيين) و (غساق) و (دِينَار) و (قسطاس) و (قسورة) و (اليم) و (ناشئة) و (كِفْلَيْنِ)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ: أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الْأَوَّلِ، حَتَّى إِذَا لَمْ

يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، فَيُقَالُ: مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي: زِنَةَ ذَرَّةٍ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أَيْ: زِنَةَ ذَرَّةٍ، وَيُقَالُ: هَذَا مِثْقَالُ هَذَا، أَيْ: وَزْنُهُ، وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنَ الثِّقَلِ، وَالذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، وَيُقَالُ: وَاحِدَةُ الْهَبَاءِ، وَالذَّرَّةُ يُقَالُ: زِنَتُهَا رُبُعُ وَرَقَةِ نُخَالَةٍ، وَوَرَقَةُ النُّخَالَةِ وَزْنُ رُبُعِ خَرْدَلَةٍ، وَزِنَةُ الْخَرْدَلَةِ رُبُعُ سِمْسِمَةٍ. وَيُقَالُ: الذَّرَّةُ لَا وَزْنَ لَهَا، وَإِنَّ شَخْصًا تَرَكَ رَغِيفًا حَتَّى عَلَاهُ الذَّرُّ فَوَزَنَهُ، فَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا، حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي الشَّفَاعَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ، وَهُوَ بِطُولِهِ فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُهُمَا بِتَمَامِهِمَا مُتَوَالِيَيْنِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ. وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ الرَّمْلِيُّ، يُعْرَفُ بِابْنِ الْوَاسِطِيِّ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَلَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي الِاعْتِصَامِ.

٩ - بَاب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ، ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ، طَمَسَ الْكِتَابَ: مَحَاهُ، جَهَنَّمَ ﴿سَعِيرًا﴾ وُقُودًا

٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ : اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: أَمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.

[الحديث ٤٥٨٢ - أطرافه في: ٥٠٤٩، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥، ٥٠٥٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ وَقَعَ فِي الْبَابِ تَفَاسِيرُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الِاعْتِذَارَ عَنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: الْمُخْتَالُ وَالْخَالُ وَاحِدٌ وَصَوَّبَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾ الْمُخْتَالُ ذُو الْخُيَلَاءِ وَالْخَالُ وَاحِدٌ. قَالَ: وَيَجِيءُ مَصْدَرًا، قَالَ الْعَجَّاجُ وَالْخَالُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْجِبَالِ. قُلْتُ: وَالْخَالُ يُطْلَقُ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فِي قَصِيدَةٍ فَبَلَغَ نَحْوًا مِنَ الْعِشْرِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُجِدَتْ قَصِيدَةٌ، تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ عِشْرِينَ أُخْرَى، وَكَلَامُ عِيَاضٍ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ لَا الْفَوْقَانِيَّةِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، ابن عمرٍو السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان بالإسناد السَّابق: (بَعْضُ الحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بفتح العين، و «مرَّة» بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، الجَمَليِّ -بفتح الجيم والميم- أبي عبد الله الكوفيِّ الأعمى (١)، أي: من رواية الأعمش عن عمرو بن مرَّة عن إبراهيم؛ كما صرَّح بذلك في «باب البكاء عند قراءة القرآن» [خ¦٥٠٥٥] حيث أخرجه عن مسدَّدٍ عن يحيى القطَّان بالإسناد المذكور، وقال بعده: قال الأعمش: وبعض الحديث حدَّثني عمرو بن مرَّة عن إبراهيم، والحاصل: أنَّ الأعمش سمع الحديث من إبراهيم النَّخعيِّ، وسمع بعضه من عمرو بن مرَّة عن إبراهيم؛ يعني: عن عَبيدة عن ابن مسعودٍ أنَّه (قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ : اقْرَأْ عَلَيَّ) زاد في «باب من أحبَّ أن يسمع القرآن من غيره» [خ¦٥٠٤٩] من طريق عمر بن حفصٍ، عن أبيه، عن الأعمش: «القرآن» وهو يَصْدُقُ بالبعض (قُلْتُ: آقْرَأُ) بمدِّ الهمزة (٢) (عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) قال ابن بطَّالٍ: يُحتَمل أن يكون أحبَّ أن يسمعه من غيره؛ ليكون عَرْضُ القرآن سنَّةً أو ليتدبَّره ويتفهَّمه؛ وذلك أنَّ المستمع أقوى على التَّدبُّر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته على أُبَيِّ بن كعبٍ، فإنَّه أراد أن يعلِّمه كيف أداء القراءة ومخارج الحروف (٣) (فقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى (٤) بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ

بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ قَالَ) : (أَمْسِكْ) وفي (١) «باب البكاء عند قراءة القرآن» [خ¦٥٠٥٥]: قال لي: «كفَّ أو أمسك» على الشَّكِّ (فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) بالذَّال المعجمة وكسر الرَّاء، خبر المبتدأ؛ وهو «عيناه»، و «إذا» للمفاجأة، أي: تُطلِقَان دمعهما، وبكاؤه على المُفرِطِين، أو لِعِظَم ما تضمَّنته الآية من هول المَطْلَع وشدَّة الأمر، أو هو (٢) بكاء فرحٍ لا بكاء جزعٍ؛ لأنَّه تعالى جعل أمَّته شهداء على سائر الأمم، كما قال الشَّاعر:

طَفَحَ السُّرورُ عليَّ حتَّى إنَّه … من عِظْمِ ما قد سرَّني أبكاني

وهذا الأخير نقله صاحب «فتوح الغيب» عن الزَّمخشريِّ.

وفي هذا الحديث ثلاثةٌ من التَّابعين على نسقٍ واحدٍ، وأخرجه أيضًا في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٤٩] وكذلك النَّسائيُّ.

(١٠) (بابُ قولِه) تعالى -وسقط الباب وتاليه- لغير أبي (٣) ذر (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾) مرضًا يُخَاف معه من استعمال الماء، أو مرضًا يمنع من الوصول إليه، والمرض: انحراف مزاجٍ تصدر معه الأفعال غير مستقيمةٍ، والمراد هنا: كلُّ ما يُخَاف منه محذورٌ، ولو شَيْنًا فاحشًا في عضوٍ ظاهرٍ، وعن مجاهدٍ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: أنَّ قوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾ نزلت في رجلٍ من الأنصار كان مريضًا، فلم يستطع أن يقوم فيتوضَّأ، ولم يكن له خادمٌ يناوله (٤)، فأتى رسول الله ، فذكر ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا مرسلٌ (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) طويلٍ أو قصيرٍ لا تجدون

فيه الماء (١)، والسَّفر: هو الخروج عن الوطن، وينبغي أن يكون مباحًا (﴿أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ﴾ [النساء: ٤٣]) فأحدث (٢) بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، وأصل الغائط: المطمئنُّ من الأرض، وكانت عادة العرب إتيانه للحدث ليسترهم عن أعين النَّاس، فكَنُّوا به عن الخارج تسميةً للشَّيء باسم مكانه.

﴿صَعِيدًا﴾) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا (٣)[النساء: ٤٣] قال: (وَجْهَ الأَرْضِ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «وجهُ الأرض» بالرَّفع، بتقدير: هو، والمراد بوجه الأرض: ظاهرها سواءٌ كان عليها ترابٌ أم لا ولذا قالت الحنفيَّة: لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صلدٍ ومسح أجزأه، وقالت (٤) الشَّافعيَّة: لا بدَّ أن يعلَقَ باليد شيءٌ من التُّراب لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] أي: من بعضه، وجَعْلُ «من» لابتداء الغاية تعسُّفٌ؛ إذ لا يُفهَم من نحو ذلك إلا التَّبعيض، والمسح ببعض الخشب والحجر غير مقصودٍ، هذا وإنَّه وُصِفَ بالطَّيِّب، والأرض الطَّيِّبة هي المُنبِتة، وغير الطَّيِّبة لا تُنبِت، وغير التُّراب لا يُنبِت، والذي لا ينبت لا يكون طَيِّبًا، فهو أمرٌ بالتُّراب فقط، وقال الشَّافعيُّ -وهو القدوة في اللُّغة وقوله فيها الحجَّة-: لا يقع اسم الصَّعيد إلَّا على ترابٍ ذي غبارٍ، فأمَّا البطحاء الغليظة والرَّقيقة؛ فلا يقع عليها اسم الصَّعيد، فإن خالطه ترابٌ أو مدرٌ يكون له غبار؛ كان الذي خالطه هو الصَّعيد، وقد وافق الشَّافعيَّ الفرَّاء وأبو عبيد، وفي حديث حذيفة عند الدَّارقطنيِّ في «سننه» وأبي عَوانة في «صحيحه» مرفوعًا: «جُعِلَت لي الأرض مسجدًا، وترابها لنا (٥) طهورًا» وعند مسلمٍ: «تربتها» وهذا مفسِّرٌ للآية (٦)، والمفسَّر يقضي على المُجْمَل.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِحَسب الْمقَام إِلَيْهِمَا جَمِيعًا أَو إِلَى الْمشَار إِلَيْهِ فَقَط. قَوْله: (كَأَنَّهُ سراب يحطم بَعْضهَا بَعْضًا) أَي: بِكَسْر بَعْضهَا بَعْضًا، وَمِنْه سميت النَّار: الحطمة لِأَنَّهَا تحطم كل شَيْء أَي تكسره وَتَأْتِي عَلَيْهِ، والسراب هُوَ الَّذِي ترَاهُ نصف النَّهَار كَأَنَّهُ مَاء قَوْله: (أَتَاهُم) أَي: ظهر لَهُم، والإتيان مجَاز عَن الظُّهُور. وَقيل: الْإِتْيَان عبارَة عَن رُؤْيَتهمْ إِيَّاه، لِأَن الْعَادة أَن من غَابَ عَن غَيره لَا تمكنه رُؤْيَته إلَاّ بالإتيان، فَعبر بالإيتان هُنَا عَن الرُّؤْيَة مجَازًا وَقيل: فعل من أَفعَال الله تَعَالَى سَمَّاهُ إتيانا وَقيل المُرَاد بالإتيان إتْيَان بعض مَلَائكَته وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الْوَجْه أشبه عِنْدِي فِي قَوْله: (فِي أدنى صُورَة) أَي: أقربها. قَالَ الْخطابِيّ: الصُّورَة الصّفة يُقَال: صُورَة هَذَا الْأَمر كَذَا أَي صفته، وَأطلق الصُّورَة على سَبِيل المشاكلة والمجانسة. قَوْله: (من الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا) ، أَي: من الصُّورَة الَّتِي عرفوه فِيهَا، والرؤية بِمَعْنى الْعلم لأَنهم لم يروه قبل ذَلِك، وَمَعْنَاهُ: يتجلى الله لَهُم بِالصّفةِ الَّتِي يعرفونه بهَا لِأَنَّهُ لَا يشبه شَيْئا من مخلوقاته فيعلمون أَنه رَبهم فَيَقُولُونَ: انت رَبنَا. قَوْله: (على أفقر مَا كُنَّا إِلَيْهِم) ، أَي: على أحْوج، يَعْنِي: لم نتبعهم فِي الدُّنْيَا مَعَ الِاحْتِيَاج إِلَيْهِم، فَفِي هَذَا الْيَوْم بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا) ، وَفَائِدَة قَوْلهم هَذَا مَعَ أَن يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ يَوْم التَّكْلِيف استلذاذا وافتخارا بِهِ وتذكارا بِسَبَب النِّعْمَة الَّتِي وجدوها.

٩ - (بابٌ: {فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هاؤُلاءِ شَهِيدا} (النِّسَاء: ٤١)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {إِذا جِئْنَا} الْآيَة، أخبر الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة عَن هول يَوْم الْقِيَامَة وَشدَّة أمره وشأنه فَكيف يكون الْأَمر وَالْحَال يَوْم الْقِيَامَة حِين يَجِيء من كل أمة بِشَهِيد يَعْنِي الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَكيف يصنع هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة من الْيَهُود وَغَيرهم إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد يشْهد عَلَيْهِم بِمَا فعلوا وَهُوَ نَبِيّهم كَقَوْلِه: {وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ} (الْمَائِدَة: ١١٧) المكذبين {شَهِيدا} وَفِي (التَّلْوِيح) وَاخْتلف فِي الْمَعْنى بقوله: هَؤُلَاءِ من هم، فَعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيّ: هم المكذبون، وَقَالَ مقَاتل: هم كفار أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي (تَفْسِير ابْن النَّقِيب) هم سَائِر أمته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه يشْهد عَلَيْهِم. وَالثَّانِي: أَنه يشْهد لَهُم، فعلى هَذَا يكون على: بِمَعْنى اللَّام، وَقيل: المُرَاد بهم أمة الْكفَّار، وَقيل: أَنهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَقيل: هم كفار قُرَيْش دون غَيرهم، وَفِي الَّذِي يشْهد بِهِ أَقْوَال أَرْبَعَة: الأول: أَنه يشْهد أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد بلغ أمته، قَالَه ابْن مَسْعُود وَابْن جريج وَالسُّديّ وَمُقَاتِل. الثَّانِي: أَنه يشْهد بإيمَانهمْ، قَالَه أَبُو الْعَالِيَة. الثَّالِث: إِنَّه يشْهد بأعمالهم. قَالَه مُجَاهِد وقادة. الرَّابِع: إِنَّه يشْهد لَهُم وَعَلَيْهِم، قَالَه الزّجاج.

المُخْتال والخَتَالُ وَاحِدٍ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالاً فخورا} والمختال المتكبر: أَي: يتخيل فِي صُورَة من هُوَ أعظم مِنْهُ كبرا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ التياه والجهول الَّذِي يتكبر عَن إكرام أَقَاربه وَأَصْحَابه. قَوْله: (وَأحد) ، يَعْنِي: فِي الْمَعْنى، وَفِيه نظر، لِأَن المختال من الْخُيَلَاء، والختال: بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من الختل وَهُوَ الخديعة فَلَا يُنَاسب معنى الْكبر، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: المختال وَالْخَال وَاحِد وَالْخَال وَاحِد وَالْخَال بِدُونِ التَّاء وَصوب هَذَا جمَاعَة، وَكَذَا فِي كَلَام أبي عُبَيْدَة. (فَإِن قلت) : مَا وَجه التصويب فِيهِ؟ فَكيف هُنَا بِمَعْنى وَاحِد؟ قلت: الْخَال يَأْتِي لمعان كَثِيرَة: (مِنْهَا) : معنى الْكبر لِأَن الْخَال بِمَعْنى الخائل وَهُوَ المتكبر، وَقَالَ بَعضهم: الْخَال يُطلق على معَان كَثِيرَة نظمها بَعضهم فِي قصيدة تبلغ نَحوا من الْعشْرين بَيْتا قلت: كتبت قصيدة فِي مُؤَلَّفِي (رونق الْمجَالِس) تنْسب إِلَى ثَعْلَب تبلغ هَذِه اللَّفْظَة فِيهَا نَحوا من أَرْبَعِينَ.

نَطْمِسَ وُجُوها نُسَوِّيها حَتَّى تَعُودَ كَأفْعَالِهِمْ طَمَسَ الكِتابَ مَحاهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {من قبل أَن

نطمس وُجُوهًا} وَفَسرهُ بقوله نسويها بقوله: (حَتَّى تعود كأفقائهم) وَأسْندَ الطَّبَرِيّ عَن قَتَادَة أَن المُرَاد أَن تعود الْأَوْجه فِي الأفقية، وَعَن قَتَادَة: تذْهب بالشفاه والأعين والحواجب فيردها أقفاء، وَقَالَ أبي بن كَعْب: هُوَ تَمْثِيل وَلَيْسَ المُرَاد حَقِيقَتهَا حسا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: نطمس مَنْصُوب على الْحِكَايَة من قَوْله: (من قبل أَن نطمس) وَأَشَارَ بقوله: طمس الْكتاب محاه إِلَى أَن الطمس يَجِيء بِمَعْنى المحو أَيْضا.

سَعِيرا وُقُودا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كفى بجهنم سعيرا} (النِّسَاء: ٥٥) وَفسّر سعيرا بقوله: وقودا. لَو كَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التفاسير لَيست لهَذِهِ الْآيَة وَكَأَنَّهَا من النساخ. قلت: هَذَا بعيد جدا لِأَن غَالب الْكتاب جهلة فَمن أَيْن لَهُم هَذِه التفاسير؟ وَبِأَيِّ وَجه يلحقون مثل هَذِه فِي مثل هَذَا الْكتاب الَّذِي لَا يحلق أساطين الْعلمَاء شاؤه؟ وَمن شَأْن النساخ التحريف والتصحيف والإسقاط وَلَيْسَ من دأبهم أَن يزِيدُوا فِي كتاب مُرَتّب منقح من عِنْدهم، وَلَو قَالَ: وَكَأَنَّهُ من بعض الروَاة المعتنين بالجامع لَكَانَ لَهُ وَجه، وَلَا يبعد أَن يكون هَذَا من نفس البُخَارِيّ من غير تفكر فِيهِ، فَإِن تنبه عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ مَا أدْرك إِلَى وضع هَذِه التفاسير فِي محلهَا ثمَّ استمرت على ذَلِك.

٤٥٨٢ - ح دَّثنا صَدْقَةُ أخْبرنا يَحْيَى عنْ سُفْيَانَ عنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عنْ عَبْدِ الله قَالَ يَحْيَى بَعْضُ الحَدِيثِ عَنْ عَمْرو بنِ مُرَّةَ قَالَ قَالَ لي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ اقْرَأ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ فَإِنِّي أُحِبُّ أنْ أسُمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّساءِ حَتَّى بَلغْتُ (فَكَيْفَ إذَا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هاؤُلاءِ شَهيدا) قَالَ أمْسِك فَإذَا عَيْناهُ تَذْرِفانِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَصدقَة هُوَ ابْن الْفضل أَبُو الْفضل الْمروزِي، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَعبيدَة، بِفَتْح الْعين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عَمْرو السَّلمَانِي.

وَمن سُفْيَان إِلَى آخِره كلهم كوفيون، وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد وهم لِسُلَيْمَان وَإِبْرَاهِيم وَعبيدَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَعَمْرو بِفَتْح الْعين، ابْن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، الْجملِي بِفَتْح الْجِيم التَّابِعِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَعَن عمر بن حَفْص وَعَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْعلم عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن غيلَان وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري بِهِ وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن سُوَيْد بن نصر بِهِ وَعَن غَيره.

قَوْله: (قَالَ يحيى) هُوَ الْقطَّان، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد ذكر البُخَارِيّ كَلَام يحيى للتقوية، وإلاّ فإسناد عَمْرو مَقْطُوع وَبَعض الحَدِيث مَجْهُول قلت: ظَاهره كَذَا، وَلكنه أوضحه فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي: بَاب الْبكاء عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عُبَيْدَة عَن عبد الله. قَالَ الْأَعْمَش: وَبَعض الحَدِيث حَدثنِي عَمْرو بن مرّة عَن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن أبي الضُّحَى عَن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اقْرَأ عليّ) الحَدِيث. قَوْله: (اقْرَأ عليّ) فِيهِ أَن الْقِرَاءَة من الْغَيْر أبلغ فِي التدبر والتفهم من قِرَاءَة الْإِنْسَان بِنَفسِهِ، وَفِيه فضل ظَاهر لعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (تَفْسِير عبد) لما قَرَأَ عبد الله هَذِه الْآيَة قَالَ سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من سره أَن يقْرَأ الْقُرْآن غضا كَمَا نزل فليقرأه على قِرَاءَة ابْن أم عبد) . قَوْله: (فَإِذا عَيناهُ) ، كلمة إِذا للمفاجأة. (وَعَيناهُ) مُبْتَدأ، وتذرفان، خَبره، أَي: عينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تطلقان دمعهما يُقَال: ذرف الدمع بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وذرفت الْعين دمعها. وَفِي بكاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وُجُوه: الأول: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: بكاؤه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَنَّهُ لَا بُد من أَدَاء الشَّهَادَة وَالْحكم على الْمَشْهُود عَلَيْهِ إِنَّمَا يكون يَقُول الشَّاهِد، فَلَمَّا كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هُوَ الشَّاهِد وَهُوَ الشافع بَكَى على المفرطين مِنْهُم. الثَّانِي: أَنه بَكَى لعظم مَا تضمنته هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة من هول المطلع وَشدَّة الْأَمر إِذْ يُؤْتِي بالأنبياء عَلَيْهِم السَّلَام، شُهَدَاء على أممهم بالتصديق والتكذيب. الثَّالِث: أَنه بَكَى فَرحا لقبُول شَهَادَة أمته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم الْقِيَامَة وَقبُول تزكيته لَهُم فِي ذَلِك الْيَوْم الْعَظِيم.

١٠ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أوْ عَلَى سَفَرٍ أوْ جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ} (النِّسَاء: ٤٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم مرضى} الْآيَة. قَوْله: (مرضى) ، جمع مَرِيض، وَأَرَادَ بِهِ مَرِيضا يضرّهُ المَاء كصاحب الجدري والجروح وَمن يتَضَرَّر بِاسْتِعْمَال المَاء هَذَا قَول جمَاعَة من الْفُقَهَاء إلَاّ مَا ذهب إِلَيْهِ عَطاء وَالْحسن أَنه لَا يتَيَمَّم مَعَ وجود المَاء احتجاجا بقوله تَعَالَى: {فَإِن لم تَجدوا مَاء} وَلم يُؤْخَذ بِهِ. قَوْله: (أَو على سفر) ، أَي: أَو كُنْتُم على سفر وَلَيْسَ السّفر شرطا لإباحة التَّيَمُّم، وَإِنَّمَا الشَّرْط عدم المَاء، وَإِنَّمَا ذكر السّفر لِأَن المَاء يعْدم فِيهِ غَالِبا. قَوْله: (أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط) ، وَهُوَ الْموضع المطمئن من الأَرْض، كَانُوا يتبرزون هُنَاكَ ليغيبوا عَن أعين النَّاس، فكنى عَن الْحَدث بمكانه، ثمَّ كثر الِاسْتِعْمَال حَتَّى صَار كالحقيقة، وَالْفِعْل مِنْهُ: غاط يغوط، مثل عَاد يعود.

صَعِيدٌ أوْجهَ الأَرْضِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} وَفسّر صَعِيدا بقوله: وَجه الأَرْض، ذكره أَبُو بكر بن الْمُنْذر عَن أبي عُبَيْدَة.

وَقَالَ جَابِرُ كَانَتِ الطَوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إلَيْها فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ وَفِي أسْلَمَ وَاحِدٌ وَفِي كُلِّ حَيِّ وَاحِدٌ كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمِ الشَّيْطَانُ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت} (النِّسَاء: ٦٠) . قَوْله: (كَانَت الطواغيت) ، هُوَ جمع طاغوت، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: الطاغوت اسْم وَاحِد مؤنث، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد هُوَ عِنْدِي جمَاعَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الطاغوت يكون جمعا وواحدا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وطاغوت وَإِن كَانَ على وزن لاهوت، فَهُوَ مقلوب لِأَنَّهُ من طَغى ولاهوت غير مقلوب لِأَنَّهُ من لاه. لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الرغبوت والرهبوت انْتهى. قلت: أَصله طغبوت فَقدمت الْيَاء على الْغَيْن فَصَارَ طيغوت فقلبت الْيَاء ألفا لتحركهاوانفتاح مَا قبلهَا، والطاغوت والكاهن والشياطن وكل رَأس فِي الضلال فَهُوَ طاغوت. قَوْله: (فِي جُهَيْنَة وَاحِد) ، أَي: مُسَمّى بطاغوت، وجهينة قَبيلَة، وَكَذَلِكَ أسلم على وزن أفعل التَّفْصِيل. قَوْله: (كهان) ، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ أَي: الطواغيت الْمَذْكُورَة فِي الْقَبَائِل كهان، بِضَم الْكَاف، جمع كَاهِن ينزل عَلَيْهِم الشَّيْطَان فَيلقى إِلَيْهِم الْأَخْبَار، والكاهن هُوَ الَّذِي يتعاطى الْخَبَر عَن الكائنات فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان ويدعى معرفَة الْأَسْرَار، وَهَذَا الْأَثر ذكره ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه عَن الْحسن بن الصَّباح: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الْكَرِيم حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن عقيل عَن أَبِيه عقيل بن معقل عَن وهب بن مُنَبّه. قَالَ: سَأَلت جَابر ابْن عبد الله عَن الطواغيت الحَدِيث بِزِيَادَة، وَفِي هِلَال وَاحِد.

وَقَالَ عُمَرُ الجِبْتُ السِّحْرُ وَالطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ وَقَال عِكْرَمَةُ الجِبْتُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ شَيْطَانٌ وَالطَاغُوتُ الكَاهِنُ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت} (النِّسَاء: ٥١) وَأثر عمر رَوَاهُ عبد بن حميد عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن حسان بن قَائِد عَن عمر، وَأثر عِكْرِمَة رَوَاهُ عبد أَيْضا عَن أبي الْوَلِيد عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَنهُ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيّ أَن المُرَاد بالجبت والطاغوت جنس مَا كَانَ يعبد من دون الله سَوَاء كَانَ صنما أَو شَيْطَانا أَو آدَمِيًّا، فَيدْخل فِيهِ السَّاحر والكاهن، وَأخرج الطَّبَرِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير. قَالَ: الجبت السَّاحر بِلِسَان الْحَبَشَة، والطاغوت الكاهن، وَهَذَا يدل على وُقُوع المعرب فِي الْقُرْآن. وَاخْتلف فِيهِ فَأنْكر الشَّافِعِي وَأَبُو عُبَيْدَة وُقُوع ذَلِك فِي الْقُرْآن وحملا مَا وجد من ذَلِك على توارد اللغتين، وَأَجَازَ ذَلِك قوم وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَاحْتج لذَلِك بِوُقُوع إسماء الْإِعْلَام فِيهِ كإبراهيم وَغَيره، فَلَا مَانع من وُقُوع إسماء الْأَجْنَاس فِيهِ أَيْضا وَقد وَقع فِي البُخَارِيّ جملَة من ذَلِك، وَقيل: مَا وَقع من ذَلِك فِي الْقُرْآن سَبْعَة وَعِشْرُونَ وَهِي (السلسبيل) و (كورت) وَبيع (روم) و (طُوبَى) و (سجيل) و (كافور) و (زنجبيل) و (ومشكاة) و (وسرادق) و (استبرق) و (صلوَات) و (سندس) و (طور) و (قَرَاطِيس) و (ربانيين) و (غساق) و (دِينَار) و (قسطاس) و (قسورة) و (اليم) و (ناشئة) و (كِفْلَيْنِ)

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر