الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4682
الحديث رقم 4682 من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة هود.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٦٨٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ : «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولأبي ذَرٍّ: «يستخفون» من الاستخفاء (أَنْ يَتَخَلَّوْا) أي أن يدخلوا في الخلاء (فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ، فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ) بعوراتهم مكشوفاتٍ، فيميلون (١) صدورهم ويغطُّون رؤوسهم استخفاءً (فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ): ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] الآيةَ إلى آخرها.
٤٦٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) بالواو عطفًا (٢) على مقدَّرٍ، أي: أخبرني غير محمَّد بن عبَّادٍ ومحمَّد بن عبَّادٍ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قرأ: (أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي)) بفتح الفوقيَّة والنُّون الأولى وكسر الثَّانية، كذا في الفرع وأصله (٣) وبعدها تحتيَّةٌ ((صُدُورُهُمْ)) بالرَّفع، ولأبي ذَرٍّ: «يَثنُونَ» بضمِّ النُّون الأولى وفتح الثَّانية وإسقاط التَّحتيَّة بعدها (٤) «صدورَهم» نصبٌ على المفعوليَّة، قال محمَّد بن عبَّادٍ: (قُلْتُ: يَا أَبَا العَبَّاسِ) هي كنية عبد الله بن عبَّاسٍ (مَا تَثْنَوْنِي) بفتح النُّون الأولى وبعد الثَّانية تحتيَّةٌ (صُدُورُهُمْ) بالرَّفع؟ (قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ فَيَسْتَحِي) وفي نسخةٍ: «فيستحيي» بمثنَّاتَين تحتيَّتَين (أَوْ يَتَخَلَّى فَيَسْتَحِي) من كشف عورته (فَنَزَلَتْ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥]) ولأبي ذَرٍّ: «(تثنوني)» بفتح الفوقيَّة والنُّون «(صُدُورُهُمْ)» رفعٌ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَبُو الْعَبَّاس من بني عمليق بن لاوذ بن أرم بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام. وَذكر عبد الرَّحْمَن عَن عَمه أبي زرْعَة. حَدثنَا عَمْرو بن حَمَّاد حَدثنَا أَسْبَاط عَن السّديّ. قَالَ: خرج مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، فِي سِتّمائَة ألف وَعشْرين ألف مقَاتل لَا يعدون فيهم ابْن عشر سِنِين لصغره وَلَا ابْن سِتِّينَ لكبره. قَوْله: (فاتبعهم) ، يَعْنِي: فلحقهم، يُقَال: تَبعته حَتَّى اتبعته، وتبعهم فِرْعَوْن وعَلى مقدمته هامان فِي ألف ألف وسِتمِائَة ألف، وَفِيهِمْ مائَة ألف حصان أدهم لَيْسَ فِيهَا أنثي، وَقَالَ ابْن مرْدَوَيْه بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا. كَانَ مَعَ فِرْعَوْن سَبْعُونَ قائدا. مَعَ كل قَائِد سَبْعُونَ ألفا. قَوْله: (بغيا وعدوا) ، منصوبان على الْحَال. قَوْله: (حَتَّى إِذا أدْركهُ الْغَرق) ، أَي: حَتَّى إِذا أدْرك فِرْعَوْن الْغَرق، وَكَانَ يَوْم عَاشُورَاء. قَوْله: (قَالَ آمَنت إِلَى آخِره) ، كرر الْإِيمَان ثَلَاث مَرَّات حرصا على الْقبُول فَلم يَنْفَعهُ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ فِي حَالَة الِاضْطِرَار، وَلَو كَانَ قَالَهَا مرّة وَاحِدَة فِي حَالَة الِاخْتِيَار لقبل ذَلِك مِنْهُ.
نُنْجِيكَ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ وَهُوَ النَّشَزُ المَكَانُ المُرْتَفِعُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فاليوم ننجيك ببدنك لتَكون لمن خَلفك آيَة} وَفسّر (ننجيك) بقوله: (نلقيك) إِلَى آخِره، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن: ننجيك مُشْتَقّ من: النجوة: لَا من النجَاة الَّتِي بِمَعْنى السَّلامَة، وَفسّر النجوة بقوله: هُوَ النشز، بِفَتْح النُّون والشين الْمُعْجَمَة وبالزاي، وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ننجيك، بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف مَعْنَاهُ: نبعدك مِمَّا وَقع فِيهِ قَوْمك من قَعْر الْبَحْر، وَقيل: نلقيك بنجوة من الأَرْض، وقرىء: ننجيك، بِالْحَاء الْمُهْملَة، مَعْنَاهُ: نلقيك بِنَاحِيَة مِمَّا تلِي الْبَحْر، وَذَلِكَ أَنه طرح بعد الْغَرق بِجَانِب الْبَحْر. انْتهى. وَسبب ذَلِك أَن مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصْحَابه لما خَرجُوا من الْبَحْر قَالُوا: من بَقِي فِي الْمَدَائِن من قوم فِرْعَوْن مَا غرق فِرْعَوْن وَإِنَّمَا هُوَ وَأَصْحَابه يصيدون فِي جزائر الْبَحْر، فَأوحى الله تَعَالَى إِلَى الْبَحْر: أَن لفظ فِرْعَوْن عُريَانا فَأَلْقَاهُ على نجوة من الأَرْض على سَاحل الْبَحْر، قَالَ مقَاتل: قَالَ بَنو إِسْرَائِيل: إِن القبط لم يفرقُوا فَأوحى الله إِلَى الْبَحْر فطفا بهم على وَجهه، فنظروا فِرْعَوْن على المَاء، فَمن ذَلِك الْيَوْم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة تطفو الغرقى على المَاء، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {ولتكون لمن خَلفك آيَة} يَعْنِي: لمن بعْدك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَت بَنو إِسْرَائِيل لما أخْبرهُم مُوسَى بِهَلَاك القبط.: مَا مَاتَ فِرْعَوْن وَلَا يَمُوت أبدا فَأمر الله تَعَالَى الْبَحْر فَألْقى فِرْعَوْن على السَّاحِل أَحْمَر قَصِيرا كَأَنَّهُ ثَوْر، فَرَآهُ بَنو إِسْرَائِيل فَمن ذَلِك الْوَقْت لَا يقبل الْبَحْر مَيتا أبدا. فَإِن قيل: فقد ذكر أَن نوحًا، عَلَيْهِ السَّلَام. لما أرسل الْغُرَاب لينْظر لَهُ الأَرْض رأى جيف الغرقى فلهى بهَا عَن حَاجَة نوح عَلَيْهِ السَّلَام، فَالْجَوَاب: أَن المَاء كَانَ قد نصب فَلهَذَا رأى الْجِيَف، وَهنا إِنَّمَا هُوَ مَعَ وجود المَاء واستقراره. قَوْله: (ببدنك) ، أَي: بجسدك. قَالَه مُجَاهِد، وَقيل: المُرَاد بِالْبدنِ الدرْع الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَقيل: كَانَت لَهُ درع من ذهب يعرف بهَا، وَقَرَأَ أَبُو حنيفَة بأبدانك. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يَعْنِي ببدنك كُله وافيا بأجزائه أَو يُرَاد بدروعك كَأَنَّهُ كَانَ مظَاهر بَينهَا.
١١ - ( {سُورَةُ هُودٍ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي تَفْسِير بعض سُورَة هود، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي (المقامات) فِيهَا آيَة مَدَنِيَّة وَقَالَ بَعضهم: آيتان. قَالَ السّديّ:
قَالَ ابْن عَبَّاس: سُورَة هود مَكِّيَّة غير قَوْله: {أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار} (هود: ١١٤) الْآيَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: عَن ابْن عَبَّاس: هِيَ مَكِّيَّة مُطلقًا، وَبِه قَالَ الْحسن وَعِكْرِمَة وَمُجاهد وَجَابِر بن زيد وَقَتَادَة، وَعنهُ: هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ آيَة وَاحِدَة وَهِي: {فلعلك تَارِك بعض مَا يُوحى إِلَيْك} (هود: ١٢) رَوَاهُ عَنهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة، وَقَالَ مقَاتل: مَكِّيَّة إلَاّ آيَتَيْنِ: {أقِم الصَّلَاة} الْآيَة. {وَأُولَئِكَ يُؤمنُونَ بِهِ} (هود: ١٧) نزلت فِي ابْن سَلام وَأَصْحَابه. وَهِي سَبْعَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَسَبْعَة وَسِتُّونَ حرفا. وَألف وَتِسْعمِائَة وَخمْس عشرَة كلمة، وَمِائَة وَثَلَاث وَعِشْرُونَ آيَة.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ عَصِيبٌ شَدِيدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَهَذَا يَوْم عصيب} (هود: ٧٧) وَفَسرهُ بقوله: شَدِيد، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: فِي قَوْله: {هَذَا يَوْم عصيب} شَدِيد الْقَائِل بِهَذَا لوط، عَلَيْهِ السَّلَام، حِين جَاءَتْهُ الْمَلَائِكَة فِي صُورَة غلْمَان جرد بهم منزله وَحسب أَنهم أنَاس، فخاف عَلَيْهِم من قومه وَلم يعلم بذلك أحد فَخرجت امْرَأَته فَأخْبرت بهم قَومهَا. فَقَالَ: {هَذَا يَوْم عصيب} أَي: شَدِيد عليّ وقصته مَشْهُورَة.
لَا جَرَمَ بَلَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا جرم أَنهم فِي الْآخِرَة هم الأخسرون} (هود: ٢٢) وَفَسرهُ بقوله: بل قَالَ بَعضهم: وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: لَا جرم إِن الله يعلم قَالَ: أَي: بلَى أَن الله يعلم. قلت: الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي هَذِه السُّورَة. أَعنِي سُورَة هود. الَّذِي نَقله لَيْسَ فِي سُورَة هود، وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَة النَّحْل، وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر مَا فِي سُورَة هود لِأَنَّهُ فِي صدد تَفْسِير سُورَة هود وَإِن كَانَ الْمَعْنى فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاء، وَالْعم أَن الْفراء قَالَ: لَا جرم، كلمة كَانَت فِي الأَصْل بِمَنْزِلَة لَا بُد وَلَا محَالة، فجرت على ذَلِك وَكَثُرت حَتَّى تحولت إِلَى معنى الْقسم وَصَارَت بِمَنْزِلَة حَقًا، فَلذَلِك يُجَاب عَنهُ بَالَام، كَمَا يُجَاب بهَا عَن الْقسم. أَلا تَرَاهم يَقُولُونَ: لَا جرم لآتينك، وَيُقَال: جرم، فعل عِنْد الْبَصرِيين وَاسم عِنْد الْكُوفِيّين، فَإِذا كَانَ اسْما يكون بِمَعْنى حَقًا وَمعنى الْآيَة. حَقًا إِنَّهُم فِي الْآخِرَة هم الأخسرون، وعَلى قَول الْبَصرِيين لَا رد لقَوْل الْكفَّار: وجرم مَعْنَاهُ عِنْدهم كسب. أَي: كسب كفرهم الخسارة فِي الْآخِرَة.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَحَاقَ نَزَلَ يَحِيقُ يَنْزِلُ
أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس: معنى حاق فِي قَوْله: {وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون} (هود: ٨) نزل بهم وأصابهم. قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَإِنَّمَا ذكر: يَحِيق إِشَارَة إِلَى أَنه من فعل يفعل بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُضَارع.
يؤسٌ فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان منَّا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّه ليؤوس كفور} (هود: ٩) وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن وَزنه فعول، من صِيغ الْمُبَالغَة وَأَنه مُشْتَقّ من يئست من الْيَأْس وَهُوَ انقاطع الرَّجَاء، وَفِي قَوْله: من يئست، تساهل لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الْيَأْس كَمَا تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد الصرفية.
وَقَالَ مُجاهِدٌ تَبْتَئِسْ تَحْزَنْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن مُجَاهدًا فسر قَوْله: تبتئس: تحزن فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلَا نبتئس بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (هود: ٣٦) وَالْخطاب لنوح، عَلَيْهِ السَّلَام، وَوصل هَذَا الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
يَثْنُونَ صُدُروَهُمْ شَك وَامْتِرَاءٌ فِي الحَقِّ لِيسْتَخْفُوا مِنْهُ مِنَ الله إنْ اسْتَطَاعُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا أَنهم يثنون صُدُورهمْ ليستخفوا مِنْهُ} (هود: ٥) الْآيَة. وَهُوَ تَفْسِير مُجَاهِد أَيْضا فَأَنَّهُ قَالَ: يثنون صُدُورهمْ شكا وامتراءا فِي الْحق. قَوْله: (يثنون صُدُورهمْ) من الثني ويعبر بِهِ عَن الشَّك فِي الْحق والإعراض عَنهُ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ:
يزورَّون عَن الْحق وينحرفون عَنهُ لِأَن من أقبل على الشَّيْء استقبله بصدره وَمن أزورّ عَنهُ وانحرف ثنى عَنهُ صَدره وطوى عَنهُ كشحه. وَيُقَال: هَذِه نزلت فِي الْأَخْنَس بن شريق وَكَانَ حُلْو الْكَلَام المنظر يلقِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا يحب وينطوي لَهُ على مَا يكره، وَقيل: نزلت فِي بعض الْمُنَافِقين، وَقيل: فِي بعض الْمُشْركين كَانَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، إِذا مر عَلَيْهِ يثني صَدره ويطأطىء رَأسه كَيْلا يرَاهُ، فَأخْبر الله تَعَالَى نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِمَا ينطوي عَلَيْهِ صُدُورهمْ، ويثنون يكتمون مَا فِيهَا من الْعَدَاوَة. قَوْله: (ليستخفوا مِنْهُ) أَي: من الله. وَقيل: من الرَّسُول، وَهُوَ من الْقُرْآن. وَقَوله: {إِن اسْتَطَاعُوا} لَيْسَ من الْقُرْآن، والتفاسير الْمَذْكُورَة إِلَى هُنَا وَقعت فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعند غَيره وَقعت مؤخرة وَالله أعلم وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ عَن قريب مستقصى.
وَقَالَ أبُو مَيْسَرَةً الأوَّاه الرَّحِيمُ بِالحَبَشِيَّةِ
لم يَقع هَذَا هُنَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَقد تقدم فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، وَأَبُو ميسرَة ضد الميمنة واسْمه عَمْرو بن شُرَحْبِيل الْهَمدَانِي التَّابِعِيّ الْكُوفِي، روى عَنهُ مثل الشّعبِيّ وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي، وَأَشَارَ بقوله الأواه إِلَى قَوْله: {إِن إِبْرَاهِيم لحليم أَواه منيب} (هود: ٧٥) .
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ بَادِي الرَّأْي مَا ظَهَرَ لَنَا
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {هم أراذلنا بَادِي الرَّأْي} الْآيَة. وَفسّر قَوْله: بَادِي الرَّأْي: بقوله: مَا ظهر لنا، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن مزِيد أَخْبرنِي مُحَمَّد بن شُعَيْب أَخْبرنِي عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الجُودِيُّ جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {واستوت على الجودي} (هود: ٤٤) أَي: اسْتَوَت سفينة نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على الجودي، وَهُوَ جبل بالجزيرة، تشامخت الْجبَال يَوْمئِذٍ وتطاولت وتواضع الجودي لله عز وَجل، فَلم يغرق، فأرسيت عَلَيْهِ السَّفِينَة. وَقيل: إِن الجودي جبل بالموصل، وَقيل: بآمدوهما من الجزيرة، وَقَالَ: أكْرم الله عز وَجل، ثَلَاثَة جبال بِثَلَاثَة أَنْبيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، حراء بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: والجودي بِنوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالطور بمُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
وَقَالَ الحَسَنُ: إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد} (هود: ٨٧) فِي قصَّة شُعَيْب، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: إِنَّمَا قَالَ قومه ذَلِك استهزاءً بِهِ. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن الْمُنْذر بن شَاذان عَن زَكَرِيَّا بن عدي عَن أبي مليح عَن الْحسن.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ أقْلِعِي أمْسِكِي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك وَيَا سَمَاء اقلعي} (هود: ٤٠) رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن أبي صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
وَفَارَ التَّنُّورُ نَبَعَ المَاءُ: عَصِيبٌ شَدِيدٌ لَا جَرَمَ بَلَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى إِذا جَاءَ أمرنَا وفار التَّنور} (هود: ٤٠) وَهَذَا أَيْضا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فار) ، من الْفَوْر وَهُوَ الغليان، والفوارة مَا يفور من الْقدر، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: التَّنور اسْم فَارسي مُعرب لَا تعرف لَهُ الْعَرَب اسْما غَيره، فَلذَلِك جَاءَ فِي التَّنْزِيل لأَنهم خوطبوا بِمَا عرفوه: وَاخْتلفُوا فِي مَوْضِعه. فَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ ذَلِك فِي نَاحيَة الْكُوفَة، وَقَالَ: اتخذ نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام، السَّفِينَة فِي جَوف مَسْجِد الْكُوفَة وَكَانَ التَّنور على يَمِين الدَّاخِل مِمَّا يَلِي كشدة، وَبِه قَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولأبي ذَرٍّ: «يستخفون» من الاستخفاء (أَنْ يَتَخَلَّوْا) أي أن يدخلوا في الخلاء (فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ، فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ) بعوراتهم مكشوفاتٍ، فيميلون (١) صدورهم ويغطُّون رؤوسهم استخفاءً (فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ): ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] الآيةَ إلى آخرها.
٤٦٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) بالواو عطفًا (٢) على مقدَّرٍ، أي: أخبرني غير محمَّد بن عبَّادٍ ومحمَّد بن عبَّادٍ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قرأ: (أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي)) بفتح الفوقيَّة والنُّون الأولى وكسر الثَّانية، كذا في الفرع وأصله (٣) وبعدها تحتيَّةٌ ((صُدُورُهُمْ)) بالرَّفع، ولأبي ذَرٍّ: «يَثنُونَ» بضمِّ النُّون الأولى وفتح الثَّانية وإسقاط التَّحتيَّة بعدها (٤) «صدورَهم» نصبٌ على المفعوليَّة، قال محمَّد بن عبَّادٍ: (قُلْتُ: يَا أَبَا العَبَّاسِ) هي كنية عبد الله بن عبَّاسٍ (مَا تَثْنَوْنِي) بفتح النُّون الأولى وبعد الثَّانية تحتيَّةٌ (صُدُورُهُمْ) بالرَّفع؟ (قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ فَيَسْتَحِي) وفي نسخةٍ: «فيستحيي» بمثنَّاتَين تحتيَّتَين (أَوْ يَتَخَلَّى فَيَسْتَحِي) من كشف عورته (فَنَزَلَتْ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥]) ولأبي ذَرٍّ: «(تثنوني)» بفتح الفوقيَّة والنُّون «(صُدُورُهُمْ)» رفعٌ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَبُو الْعَبَّاس من بني عمليق بن لاوذ بن أرم بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام. وَذكر عبد الرَّحْمَن عَن عَمه أبي زرْعَة. حَدثنَا عَمْرو بن حَمَّاد حَدثنَا أَسْبَاط عَن السّديّ. قَالَ: خرج مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، فِي سِتّمائَة ألف وَعشْرين ألف مقَاتل لَا يعدون فيهم ابْن عشر سِنِين لصغره وَلَا ابْن سِتِّينَ لكبره. قَوْله: (فاتبعهم) ، يَعْنِي: فلحقهم، يُقَال: تَبعته حَتَّى اتبعته، وتبعهم فِرْعَوْن وعَلى مقدمته هامان فِي ألف ألف وسِتمِائَة ألف، وَفِيهِمْ مائَة ألف حصان أدهم لَيْسَ فِيهَا أنثي، وَقَالَ ابْن مرْدَوَيْه بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا. كَانَ مَعَ فِرْعَوْن سَبْعُونَ قائدا. مَعَ كل قَائِد سَبْعُونَ ألفا. قَوْله: (بغيا وعدوا) ، منصوبان على الْحَال. قَوْله: (حَتَّى إِذا أدْركهُ الْغَرق) ، أَي: حَتَّى إِذا أدْرك فِرْعَوْن الْغَرق، وَكَانَ يَوْم عَاشُورَاء. قَوْله: (قَالَ آمَنت إِلَى آخِره) ، كرر الْإِيمَان ثَلَاث مَرَّات حرصا على الْقبُول فَلم يَنْفَعهُ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ فِي حَالَة الِاضْطِرَار، وَلَو كَانَ قَالَهَا مرّة وَاحِدَة فِي حَالَة الِاخْتِيَار لقبل ذَلِك مِنْهُ.
نُنْجِيكَ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ وَهُوَ النَّشَزُ المَكَانُ المُرْتَفِعُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فاليوم ننجيك ببدنك لتَكون لمن خَلفك آيَة} وَفسّر (ننجيك) بقوله: (نلقيك) إِلَى آخِره، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن: ننجيك مُشْتَقّ من: النجوة: لَا من النجَاة الَّتِي بِمَعْنى السَّلامَة، وَفسّر النجوة بقوله: هُوَ النشز، بِفَتْح النُّون والشين الْمُعْجَمَة وبالزاي، وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ننجيك، بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف مَعْنَاهُ: نبعدك مِمَّا وَقع فِيهِ قَوْمك من قَعْر الْبَحْر، وَقيل: نلقيك بنجوة من الأَرْض، وقرىء: ننجيك، بِالْحَاء الْمُهْملَة، مَعْنَاهُ: نلقيك بِنَاحِيَة مِمَّا تلِي الْبَحْر، وَذَلِكَ أَنه طرح بعد الْغَرق بِجَانِب الْبَحْر. انْتهى. وَسبب ذَلِك أَن مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصْحَابه لما خَرجُوا من الْبَحْر قَالُوا: من بَقِي فِي الْمَدَائِن من قوم فِرْعَوْن مَا غرق فِرْعَوْن وَإِنَّمَا هُوَ وَأَصْحَابه يصيدون فِي جزائر الْبَحْر، فَأوحى الله تَعَالَى إِلَى الْبَحْر: أَن لفظ فِرْعَوْن عُريَانا فَأَلْقَاهُ على نجوة من الأَرْض على سَاحل الْبَحْر، قَالَ مقَاتل: قَالَ بَنو إِسْرَائِيل: إِن القبط لم يفرقُوا فَأوحى الله إِلَى الْبَحْر فطفا بهم على وَجهه، فنظروا فِرْعَوْن على المَاء، فَمن ذَلِك الْيَوْم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة تطفو الغرقى على المَاء، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {ولتكون لمن خَلفك آيَة} يَعْنِي: لمن بعْدك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَت بَنو إِسْرَائِيل لما أخْبرهُم مُوسَى بِهَلَاك القبط.: مَا مَاتَ فِرْعَوْن وَلَا يَمُوت أبدا فَأمر الله تَعَالَى الْبَحْر فَألْقى فِرْعَوْن على السَّاحِل أَحْمَر قَصِيرا كَأَنَّهُ ثَوْر، فَرَآهُ بَنو إِسْرَائِيل فَمن ذَلِك الْوَقْت لَا يقبل الْبَحْر مَيتا أبدا. فَإِن قيل: فقد ذكر أَن نوحًا، عَلَيْهِ السَّلَام. لما أرسل الْغُرَاب لينْظر لَهُ الأَرْض رأى جيف الغرقى فلهى بهَا عَن حَاجَة نوح عَلَيْهِ السَّلَام، فَالْجَوَاب: أَن المَاء كَانَ قد نصب فَلهَذَا رأى الْجِيَف، وَهنا إِنَّمَا هُوَ مَعَ وجود المَاء واستقراره. قَوْله: (ببدنك) ، أَي: بجسدك. قَالَه مُجَاهِد، وَقيل: المُرَاد بِالْبدنِ الدرْع الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَقيل: كَانَت لَهُ درع من ذهب يعرف بهَا، وَقَرَأَ أَبُو حنيفَة بأبدانك. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يَعْنِي ببدنك كُله وافيا بأجزائه أَو يُرَاد بدروعك كَأَنَّهُ كَانَ مظَاهر بَينهَا.
١١ - ( {سُورَةُ هُودٍ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي تَفْسِير بعض سُورَة هود، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي (المقامات) فِيهَا آيَة مَدَنِيَّة وَقَالَ بَعضهم: آيتان. قَالَ السّديّ:
قَالَ ابْن عَبَّاس: سُورَة هود مَكِّيَّة غير قَوْله: {أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار} (هود: ١١٤) الْآيَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: عَن ابْن عَبَّاس: هِيَ مَكِّيَّة مُطلقًا، وَبِه قَالَ الْحسن وَعِكْرِمَة وَمُجاهد وَجَابِر بن زيد وَقَتَادَة، وَعنهُ: هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ آيَة وَاحِدَة وَهِي: {فلعلك تَارِك بعض مَا يُوحى إِلَيْك} (هود: ١٢) رَوَاهُ عَنهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة، وَقَالَ مقَاتل: مَكِّيَّة إلَاّ آيَتَيْنِ: {أقِم الصَّلَاة} الْآيَة. {وَأُولَئِكَ يُؤمنُونَ بِهِ} (هود: ١٧) نزلت فِي ابْن سَلام وَأَصْحَابه. وَهِي سَبْعَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَسَبْعَة وَسِتُّونَ حرفا. وَألف وَتِسْعمِائَة وَخمْس عشرَة كلمة، وَمِائَة وَثَلَاث وَعِشْرُونَ آيَة.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ عَصِيبٌ شَدِيدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَهَذَا يَوْم عصيب} (هود: ٧٧) وَفَسرهُ بقوله: شَدِيد، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: فِي قَوْله: {هَذَا يَوْم عصيب} شَدِيد الْقَائِل بِهَذَا لوط، عَلَيْهِ السَّلَام، حِين جَاءَتْهُ الْمَلَائِكَة فِي صُورَة غلْمَان جرد بهم منزله وَحسب أَنهم أنَاس، فخاف عَلَيْهِم من قومه وَلم يعلم بذلك أحد فَخرجت امْرَأَته فَأخْبرت بهم قَومهَا. فَقَالَ: {هَذَا يَوْم عصيب} أَي: شَدِيد عليّ وقصته مَشْهُورَة.
لَا جَرَمَ بَلَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا جرم أَنهم فِي الْآخِرَة هم الأخسرون} (هود: ٢٢) وَفَسرهُ بقوله: بل قَالَ بَعضهم: وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: لَا جرم إِن الله يعلم قَالَ: أَي: بلَى أَن الله يعلم. قلت: الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي هَذِه السُّورَة. أَعنِي سُورَة هود. الَّذِي نَقله لَيْسَ فِي سُورَة هود، وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَة النَّحْل، وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر مَا فِي سُورَة هود لِأَنَّهُ فِي صدد تَفْسِير سُورَة هود وَإِن كَانَ الْمَعْنى فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاء، وَالْعم أَن الْفراء قَالَ: لَا جرم، كلمة كَانَت فِي الأَصْل بِمَنْزِلَة لَا بُد وَلَا محَالة، فجرت على ذَلِك وَكَثُرت حَتَّى تحولت إِلَى معنى الْقسم وَصَارَت بِمَنْزِلَة حَقًا، فَلذَلِك يُجَاب عَنهُ بَالَام، كَمَا يُجَاب بهَا عَن الْقسم. أَلا تَرَاهم يَقُولُونَ: لَا جرم لآتينك، وَيُقَال: جرم، فعل عِنْد الْبَصرِيين وَاسم عِنْد الْكُوفِيّين، فَإِذا كَانَ اسْما يكون بِمَعْنى حَقًا وَمعنى الْآيَة. حَقًا إِنَّهُم فِي الْآخِرَة هم الأخسرون، وعَلى قَول الْبَصرِيين لَا رد لقَوْل الْكفَّار: وجرم مَعْنَاهُ عِنْدهم كسب. أَي: كسب كفرهم الخسارة فِي الْآخِرَة.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَحَاقَ نَزَلَ يَحِيقُ يَنْزِلُ
أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس: معنى حاق فِي قَوْله: {وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون} (هود: ٨) نزل بهم وأصابهم. قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَإِنَّمَا ذكر: يَحِيق إِشَارَة إِلَى أَنه من فعل يفعل بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُضَارع.
يؤسٌ فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان منَّا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّه ليؤوس كفور} (هود: ٩) وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن وَزنه فعول، من صِيغ الْمُبَالغَة وَأَنه مُشْتَقّ من يئست من الْيَأْس وَهُوَ انقاطع الرَّجَاء، وَفِي قَوْله: من يئست، تساهل لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الْيَأْس كَمَا تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد الصرفية.
وَقَالَ مُجاهِدٌ تَبْتَئِسْ تَحْزَنْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن مُجَاهدًا فسر قَوْله: تبتئس: تحزن فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلَا نبتئس بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (هود: ٣٦) وَالْخطاب لنوح، عَلَيْهِ السَّلَام، وَوصل هَذَا الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
يَثْنُونَ صُدُروَهُمْ شَك وَامْتِرَاءٌ فِي الحَقِّ لِيسْتَخْفُوا مِنْهُ مِنَ الله إنْ اسْتَطَاعُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا أَنهم يثنون صُدُورهمْ ليستخفوا مِنْهُ} (هود: ٥) الْآيَة. وَهُوَ تَفْسِير مُجَاهِد أَيْضا فَأَنَّهُ قَالَ: يثنون صُدُورهمْ شكا وامتراءا فِي الْحق. قَوْله: (يثنون صُدُورهمْ) من الثني ويعبر بِهِ عَن الشَّك فِي الْحق والإعراض عَنهُ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ:
يزورَّون عَن الْحق وينحرفون عَنهُ لِأَن من أقبل على الشَّيْء استقبله بصدره وَمن أزورّ عَنهُ وانحرف ثنى عَنهُ صَدره وطوى عَنهُ كشحه. وَيُقَال: هَذِه نزلت فِي الْأَخْنَس بن شريق وَكَانَ حُلْو الْكَلَام المنظر يلقِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا يحب وينطوي لَهُ على مَا يكره، وَقيل: نزلت فِي بعض الْمُنَافِقين، وَقيل: فِي بعض الْمُشْركين كَانَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، إِذا مر عَلَيْهِ يثني صَدره ويطأطىء رَأسه كَيْلا يرَاهُ، فَأخْبر الله تَعَالَى نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِمَا ينطوي عَلَيْهِ صُدُورهمْ، ويثنون يكتمون مَا فِيهَا من الْعَدَاوَة. قَوْله: (ليستخفوا مِنْهُ) أَي: من الله. وَقيل: من الرَّسُول، وَهُوَ من الْقُرْآن. وَقَوله: {إِن اسْتَطَاعُوا} لَيْسَ من الْقُرْآن، والتفاسير الْمَذْكُورَة إِلَى هُنَا وَقعت فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعند غَيره وَقعت مؤخرة وَالله أعلم وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ عَن قريب مستقصى.
وَقَالَ أبُو مَيْسَرَةً الأوَّاه الرَّحِيمُ بِالحَبَشِيَّةِ
لم يَقع هَذَا هُنَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَقد تقدم فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، وَأَبُو ميسرَة ضد الميمنة واسْمه عَمْرو بن شُرَحْبِيل الْهَمدَانِي التَّابِعِيّ الْكُوفِي، روى عَنهُ مثل الشّعبِيّ وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي، وَأَشَارَ بقوله الأواه إِلَى قَوْله: {إِن إِبْرَاهِيم لحليم أَواه منيب} (هود: ٧٥) .
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ بَادِي الرَّأْي مَا ظَهَرَ لَنَا
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {هم أراذلنا بَادِي الرَّأْي} الْآيَة. وَفسّر قَوْله: بَادِي الرَّأْي: بقوله: مَا ظهر لنا، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن مزِيد أَخْبرنِي مُحَمَّد بن شُعَيْب أَخْبرنِي عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الجُودِيُّ جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {واستوت على الجودي} (هود: ٤٤) أَي: اسْتَوَت سفينة نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على الجودي، وَهُوَ جبل بالجزيرة، تشامخت الْجبَال يَوْمئِذٍ وتطاولت وتواضع الجودي لله عز وَجل، فَلم يغرق، فأرسيت عَلَيْهِ السَّفِينَة. وَقيل: إِن الجودي جبل بالموصل، وَقيل: بآمدوهما من الجزيرة، وَقَالَ: أكْرم الله عز وَجل، ثَلَاثَة جبال بِثَلَاثَة أَنْبيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، حراء بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: والجودي بِنوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالطور بمُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
وَقَالَ الحَسَنُ: إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد} (هود: ٨٧) فِي قصَّة شُعَيْب، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: إِنَّمَا قَالَ قومه ذَلِك استهزاءً بِهِ. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن الْمُنْذر بن شَاذان عَن زَكَرِيَّا بن عدي عَن أبي مليح عَن الْحسن.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ أقْلِعِي أمْسِكِي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك وَيَا سَمَاء اقلعي} (هود: ٤٠) رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن أبي صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
وَفَارَ التَّنُّورُ نَبَعَ المَاءُ: عَصِيبٌ شَدِيدٌ لَا جَرَمَ بَلَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى إِذا جَاءَ أمرنَا وفار التَّنور} (هود: ٤٠) وَهَذَا أَيْضا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فار) ، من الْفَوْر وَهُوَ الغليان، والفوارة مَا يفور من الْقدر، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: التَّنور اسْم فَارسي مُعرب لَا تعرف لَهُ الْعَرَب اسْما غَيره، فَلذَلِك جَاءَ فِي التَّنْزِيل لأَنهم خوطبوا بِمَا عرفوه: وَاخْتلفُوا فِي مَوْضِعه. فَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ ذَلِك فِي نَاحيَة الْكُوفَة، وَقَالَ: اتخذ نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام، السَّفِينَة فِي جَوف مَسْجِد الْكُوفَة وَكَانَ التَّنور على يَمِين الدَّاخِل مِمَّا يَلِي كشدة، وَبِه قَالَ
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56