الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٥٣
الحديث رقم ٤٨٥٣ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: سورة والطور.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٤٨٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ الْأَصْمَعِيِّ: إِنَّ الْمَنُونَ وَاحِدٌ لَا جَمْعَ لَهُ، وَيَبْعُدُ قَوْلُ الْأَخْفَشِ إنَّهُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ: إِنَّ الْمَنُونَ جَمْعُ مَنِيَّةٍ فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ، مَعَ بُعْدِهِ مِنَ الِاشْتِقَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: يَتَنَازَعُونَ: يَتَعَاطَوْنَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَزَادَ: أَيْ يَتَدَاوَلُونَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
نَازَعَتْهُ الرَّاحُ حَتَّى وَقَفَهُ السَّارِي.
[١ - باب]
٤٨٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ.
٤٨٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثُونِي، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ - كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي) أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ ضَعِيفَةً لَا تَقْدِرُ عَلَى الطَّوَافِ مَاشِيَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
قَالَ سُفْيَانُ: فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثُونِي عَنِ الزُّهْرِيِّ) اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: فَصَرَّحَا عَنْهُ بِالسَّمَاعِ، وَهُمَا ثِقَتَانِ.
قُلْتُ: وَهُوَ اعْتِرَاضٌ سَاقِطٌ؛ فَإِنَّهُمَا مَا أَوْرَدَا مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الَّتِي صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَإِنَّمَا بَلَغَتْهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَأَنَّهُ انْزَعَجَ عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الْآيَةِ لِفَهْمِهِ مَعْنَاهَا وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ، فَفَهِمَ الْحُجَّةَ فَاسْتَدْرَكَهَا بِلَطِيفِ طَبْعِهِ، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَيْسُوا أَشَدَّ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَتَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، أَيْ هَلْ خُلِقُوا بَاطِلًا لَا يُؤْمَرُونَ وَلَا يُنْهَوْنَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ؟ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ خَالِقٍ، وَإِذَا أَنْكَرُوا الْخَالِقَ فَهُمُ الْخَالِقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ فِي الْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ أَشَدُّ، لِأَنَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ كَيْفَ يَخْلُقُ، وَإِذَا بَطَلَ الْوَجْهَانِ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ خَالِقًا. ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ أَيْ إِنْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَدَّعُوا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ فَلْيَدَّعُوا خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُمْ، فَقَامَتِ الْحُجَّةُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ فَذَكَرَ الْعِلَّةَ الَّتِي عَاقَتْهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَهُوَ عَدَمُ الْيَقِينِ الَّذِي هُوَ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ، فَلِهَذَا انْزَعَجَ جُبَيْرٌ حَتَّى كَادَ قَلْبُهُ يَطِيرُ، وَمَالَ إِلَى الْإِسْلَامِ. انْتَهَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَمَّا بَلَغَ
هَذِهِ الْآيَةَ، أَنَّهُ اسْتَفْتَحَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ قَرَأَ إِلَى آخِرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ.
٥٣ - سُورَةُ وَالنَّجْمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قُوَّةٍ. ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ حَيْثُ الْوَتَرُ مِنَ الْقَوْسِ. ضِيزَى: عَوْجَاءُ. وَأَكْدَى: قَطَعَ عَطَاءَهُ. ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ هُوَ مِرْزَمُ الْجَوْزَاءِ. ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ وَفَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ. ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ. سَامِدُونَ: الْبَرْطَمَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَفَتُمَارُونَهُ: أَفَتُجَادِلُونَهُ؟ وَمَنْ قَرَأَ: أَفَتَمْرُونَهُ، يَعْنِي: أَفَتُجْحَدُونَهُ؟ ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ بَصَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ. ﴿وَمَا طَغَى﴾ وَمَا جَاوَزَ مَا رَأَى. فَتَمَارَوْا: كَذَّبُوا. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إِذَا هَوَى﴾ غَابَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أَعْطَى فَأَرْضَى.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالنَّجْمِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ وَالنَّجْمِ حَسْبُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّجْمِ الثُّرَيَّا فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: النَّجْمُ وَالنُّجُومُ، ذَهَبَ إِلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ فِي مُسْتَجَرِّهِ
قَالَ الطَّبَرِيُّ: هَذَا الْقَوْلُ لَهُ وَجْهٌ، وَلَكِنْ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَالَهُ، وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. ثُمَّ رَوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُرْآنُ إِذَا نَزَلَ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِلَفْظِ: النَّجْمُ: نُجُومُ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذُو مِرَّةٍ ذُو قُوَّةٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ قُوَّةُ جِبْرِيلَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُو مِرَّةٍ أَيْ شِدَّةٍ وَإِحْكَامٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قَالَ: ذُو خَلْقٍ حَسَنٍ.
قَوْلُهُ: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ حَيْثُ الْوَتَرُ مِنَ الْقَوْسِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَابَ قَوْسَيْنِ أَيْ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ، أَوْ أَدْنَى، أَوْ أَقْرَبَ.
قَوْلُهُ: ﴿ضِيزَى﴾ عَوْجَاءُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ضِيزَى جَائِرَةٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: نَاقِصَةٌ، تَقُولُ: ضَأَزْتُهُ حَقَّهُ: نَقَصْتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَكْدَى: قَطَعَ عَطَاءَهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ اقْتَطَعَ عَطَاءَهُ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُنْقَطِعَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلا﴾ أَيْ: أَطَاعَ قَلِيلًا ثُمَّ انْقَطَعَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ لَيِّنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلا﴾ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْكُدْيَةِ بِالضَّمِّ وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ حَتَّى يَيْأَسَ مِنَ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ هُوَ مِرْزَمُ الْجَوْزَاءِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿الشِّعْرَى﴾ الْكَوْكَبُ الَّذِي خَلْفَ الْجَوْزَاءِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي خُزَاعَةَ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الشِّعْرَى، وَهُوَ الْكَوْكَبُ الَّذِي يَتْبَعُ الْجَوْزَاءَ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ نَاسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ هَذَا النَّجْمَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الشِّعْرَى. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: النَّجْمُ الَّذِي يَتْبَعُ الْجَوْزَاءَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدَّيْنَوَرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَنْوَاءِ: الْعُذْرَةُ وَالشِّعْرَى الْعَبُورُ وَالْجَوْزَاءُ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ وَهُنَّ نُجُومٌ مَشْهُورَةٌ، قَالَ: وَلِلشِّعْرَى
ثَلَاثَةُ أَزْمَانٍ إِذَا رُئِيَتْ غُدْوَةً طَالِعَةً فَذَاكَ صَمِيمُ الْحَرِّ، وَإِذَا رُئيَتْ عِشَاءً طَالِعَةً فَذَاكَ صَمِيمُ الْبَرْدِ، وَلَهَا زَمَانٌ ثَالِثٌ وَهُوَ وَقْتُ نَوْئِهَا. وَأَحَدُ كَوْكَبَيِ الذِّرَاعِ الْمَقْبُوضَةِ هِيَ الشِّعْرَى الْغُمَيْصَاءُ، وَهِيَ تُقَابِلُ الشِّعْرَى الْعَبُورَ وَالْمَجَرَّةُ بَيْنَهُمَا، وَيُقَالُ لِكَوْكَبِهَا الْآخَرِ الشَّمَالِيُّ، الْمِرْزَمُ مِرْزَمُ الذِّرَاعِ، وَهُمَا مِرْزَمَانِ هَذَا وَآخَرُ فِي الْجَوْزَاءِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ انْحَدَرَ سُهَيْلٌ فَصَارَ يَمَانِيًّا فَتَبِعَتْهُ الشِّعْرَى فَعَبَرَتْ إِلَيْهِ الْمَجَرَّةَ وَأَقَامَتِ الْغُمَيْصَاءُ فَبَكَتْ عَلَيْهِ حَتَّى غَمَصَتْ عَيْنُهَا وَالشِّعْرَيَانِ الْغُمَيْصَاءُ وَالْعَبُورُ يَطْلُعَانِ مَعًا.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمِرْزَمُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ نَجْمٌ يُقَابِلُ الشِّعْرَى مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَا يُفَارِقُهَا وَهُوَ الْهَنْعَةُ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ وَفَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ﴿وَفَّى﴾ أَيْ بَلَّغَ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُؤْخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ حَتَّى جَاءَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وَمِنْ طَرِيقِ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ نَحْوُهُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: سَمَّى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وَفَّى، لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: وَفَّى عَمَلِ يَوْمِهِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا وَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: دَنَتِ الْقِيَامَةُ.
قَوْلُهُ: (سَامِدُونَ: الْبَرْطَمَةُ) كَذَا لَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ: الْبَرْطَنَةُ بِالنُّونِ بَدَلَ الْمِيمِ. (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ قَالَ: مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ. ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قَالَ: الْبَرْطَمَةُ. قَالَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ: السَّامِدُونَ يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانُوا يَمُرُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ غِضَابًا مُبَرْطِمِينَ. قَالَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ هُوَ الْغِنَاءُ بِالْحِمْيَرِيَّةِ. وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ هُوَ الْغِنَاءُ بِالْحِمْيَرِيَّةِ، يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنَا أَيْ غَنِّ لَنَا. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قَالَ: الْغِنَاءُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهِيَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، إِذَا أَرَادَ الْيَمَانِيُّ أَنْ يَقُولَ تَغَنَّ، قَالَ: اسْمُدْ. لَفْظُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَاهُونَ. وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: غَافِلُونَ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مُعْرِضُونَ.
(تَنْبِيهٌ): الْبَرْطَمَةُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْإِعْرَاضُ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الْبَرْطَمَةُ هَكَذَا، وَوَضَعَ ذَقَنَهُ فِي صَدْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَفَتُمَارُونَهُ: أَفَتُجَادِلُونَهُ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِهِ، وَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِيهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَرَأَ أَفَتَمْرُونَهُ يَعْنِي: أَفَتَجْحَدُونَهُ) كَذَا لَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ أَفَتَجْحَدُونَ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ يَقُولُ: أَفَتَجْحَدُونَهُ، فَكَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَرَأَ بِهِمَا مَعًا وَفَسَّرَهُمَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهَكَذَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ أَيْ تُجَادِلُونَهُ.
قُلْتُ: قَرَأَهَا مِنَ الْكُوفِيِّينَ عَاصِمٌ كَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ شُرَيْحٌ يَقْرَأُ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ وَمَسْرُوقٌ يَقْرَأُ أَفَتَمْرُونَهُ، وَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ لَكِنْ بِضَمِّ التَّاءِ.
قَوْلُهُ: (مَا زَاغَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فجمعهُ أَكْسَاف وكُسُوف. انتهى. وقيل: إنَّ الفتحَ قراءةٌ شاذَّةٌ، وأنكرها بعضُهم وأثبتها أبو البَقاءِ، وقد قال أبو عُبيدة: الكِسْفُ: جمع كِسْفَةٍ؛ مثل: السِّدْر جمع: سِدْرةٍ.
(﴿الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]) هو (المَوْتُ) فعول من منَّه؛ إذا قطعهُ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاسٍ: (﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ [الطور: ٢٣]) أي: (يَتَعَاطَوْنَ) هم وجُلساؤهُم بتجاذُبٍ، وتجاذُبهم تجاذُب ملاعبةٍ لا تجاذب منازعةٍ، وفيه نوعُ لذَّةٍ.
٤٨٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) يتيم عُروة (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبيرِ (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أمِّ المؤمنين، أنَّها (قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي) أي: أنِّي كنتُ مريضةً لا أقدرُ على الطَّوافِ ماشيةً (فَقَالَ) لي ﵊: (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي) الصُّبح (إِلَى جَنْبِ البَيْتِ) الحرام (يَقْرَأُ بـ ﴿وَالطُّورِ. وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢]).
وهذا الحديث سبق في «الحج» [خ¦١٦١٩].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ الْأَصْمَعِيِّ: إِنَّ الْمَنُونَ وَاحِدٌ لَا جَمْعَ لَهُ، وَيَبْعُدُ قَوْلُ الْأَخْفَشِ إنَّهُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ: إِنَّ الْمَنُونَ جَمْعُ مَنِيَّةٍ فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ، مَعَ بُعْدِهِ مِنَ الِاشْتِقَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: يَتَنَازَعُونَ: يَتَعَاطَوْنَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَزَادَ: أَيْ يَتَدَاوَلُونَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
نَازَعَتْهُ الرَّاحُ حَتَّى وَقَفَهُ السَّارِي.
[١ - باب]
٤٨٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ.
٤٨٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثُونِي، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ - كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي) أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ ضَعِيفَةً لَا تَقْدِرُ عَلَى الطَّوَافِ مَاشِيَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
قَالَ سُفْيَانُ: فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثُونِي عَنِ الزُّهْرِيِّ) اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: فَصَرَّحَا عَنْهُ بِالسَّمَاعِ، وَهُمَا ثِقَتَانِ.
قُلْتُ: وَهُوَ اعْتِرَاضٌ سَاقِطٌ؛ فَإِنَّهُمَا مَا أَوْرَدَا مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الَّتِي صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَإِنَّمَا بَلَغَتْهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَأَنَّهُ انْزَعَجَ عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الْآيَةِ لِفَهْمِهِ مَعْنَاهَا وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ، فَفَهِمَ الْحُجَّةَ فَاسْتَدْرَكَهَا بِلَطِيفِ طَبْعِهِ، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَيْسُوا أَشَدَّ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَتَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، أَيْ هَلْ خُلِقُوا بَاطِلًا لَا يُؤْمَرُونَ وَلَا يُنْهَوْنَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ؟ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ خَالِقٍ، وَإِذَا أَنْكَرُوا الْخَالِقَ فَهُمُ الْخَالِقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ فِي الْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ أَشَدُّ، لِأَنَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ كَيْفَ يَخْلُقُ، وَإِذَا بَطَلَ الْوَجْهَانِ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ خَالِقًا. ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ أَيْ إِنْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَدَّعُوا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ فَلْيَدَّعُوا خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُمْ، فَقَامَتِ الْحُجَّةُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ فَذَكَرَ الْعِلَّةَ الَّتِي عَاقَتْهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَهُوَ عَدَمُ الْيَقِينِ الَّذِي هُوَ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ، فَلِهَذَا انْزَعَجَ جُبَيْرٌ حَتَّى كَادَ قَلْبُهُ يَطِيرُ، وَمَالَ إِلَى الْإِسْلَامِ. انْتَهَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَمَّا بَلَغَ
هَذِهِ الْآيَةَ، أَنَّهُ اسْتَفْتَحَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ قَرَأَ إِلَى آخِرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ.
٥٣ - سُورَةُ وَالنَّجْمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قُوَّةٍ. ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ حَيْثُ الْوَتَرُ مِنَ الْقَوْسِ. ضِيزَى: عَوْجَاءُ. وَأَكْدَى: قَطَعَ عَطَاءَهُ. ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ هُوَ مِرْزَمُ الْجَوْزَاءِ. ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ وَفَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ. ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ. سَامِدُونَ: الْبَرْطَمَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَفَتُمَارُونَهُ: أَفَتُجَادِلُونَهُ؟ وَمَنْ قَرَأَ: أَفَتَمْرُونَهُ، يَعْنِي: أَفَتُجْحَدُونَهُ؟ ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ بَصَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ. ﴿وَمَا طَغَى﴾ وَمَا جَاوَزَ مَا رَأَى. فَتَمَارَوْا: كَذَّبُوا. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إِذَا هَوَى﴾ غَابَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أَعْطَى فَأَرْضَى.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالنَّجْمِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ وَالنَّجْمِ حَسْبُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّجْمِ الثُّرَيَّا فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: النَّجْمُ وَالنُّجُومُ، ذَهَبَ إِلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ فِي مُسْتَجَرِّهِ
قَالَ الطَّبَرِيُّ: هَذَا الْقَوْلُ لَهُ وَجْهٌ، وَلَكِنْ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَالَهُ، وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. ثُمَّ رَوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُرْآنُ إِذَا نَزَلَ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِلَفْظِ: النَّجْمُ: نُجُومُ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذُو مِرَّةٍ ذُو قُوَّةٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ قُوَّةُ جِبْرِيلَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُو مِرَّةٍ أَيْ شِدَّةٍ وَإِحْكَامٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قَالَ: ذُو خَلْقٍ حَسَنٍ.
قَوْلُهُ: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ حَيْثُ الْوَتَرُ مِنَ الْقَوْسِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَابَ قَوْسَيْنِ أَيْ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ، أَوْ أَدْنَى، أَوْ أَقْرَبَ.
قَوْلُهُ: ﴿ضِيزَى﴾ عَوْجَاءُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ضِيزَى جَائِرَةٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: نَاقِصَةٌ، تَقُولُ: ضَأَزْتُهُ حَقَّهُ: نَقَصْتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَكْدَى: قَطَعَ عَطَاءَهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ اقْتَطَعَ عَطَاءَهُ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُنْقَطِعَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلا﴾ أَيْ: أَطَاعَ قَلِيلًا ثُمَّ انْقَطَعَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ لَيِّنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلا﴾ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْكُدْيَةِ بِالضَّمِّ وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ حَتَّى يَيْأَسَ مِنَ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ هُوَ مِرْزَمُ الْجَوْزَاءِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿الشِّعْرَى﴾ الْكَوْكَبُ الَّذِي خَلْفَ الْجَوْزَاءِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي خُزَاعَةَ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الشِّعْرَى، وَهُوَ الْكَوْكَبُ الَّذِي يَتْبَعُ الْجَوْزَاءَ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ نَاسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ هَذَا النَّجْمَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الشِّعْرَى. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: النَّجْمُ الَّذِي يَتْبَعُ الْجَوْزَاءَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدَّيْنَوَرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَنْوَاءِ: الْعُذْرَةُ وَالشِّعْرَى الْعَبُورُ وَالْجَوْزَاءُ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ وَهُنَّ نُجُومٌ مَشْهُورَةٌ، قَالَ: وَلِلشِّعْرَى
ثَلَاثَةُ أَزْمَانٍ إِذَا رُئِيَتْ غُدْوَةً طَالِعَةً فَذَاكَ صَمِيمُ الْحَرِّ، وَإِذَا رُئيَتْ عِشَاءً طَالِعَةً فَذَاكَ صَمِيمُ الْبَرْدِ، وَلَهَا زَمَانٌ ثَالِثٌ وَهُوَ وَقْتُ نَوْئِهَا. وَأَحَدُ كَوْكَبَيِ الذِّرَاعِ الْمَقْبُوضَةِ هِيَ الشِّعْرَى الْغُمَيْصَاءُ، وَهِيَ تُقَابِلُ الشِّعْرَى الْعَبُورَ وَالْمَجَرَّةُ بَيْنَهُمَا، وَيُقَالُ لِكَوْكَبِهَا الْآخَرِ الشَّمَالِيُّ، الْمِرْزَمُ مِرْزَمُ الذِّرَاعِ، وَهُمَا مِرْزَمَانِ هَذَا وَآخَرُ فِي الْجَوْزَاءِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ انْحَدَرَ سُهَيْلٌ فَصَارَ يَمَانِيًّا فَتَبِعَتْهُ الشِّعْرَى فَعَبَرَتْ إِلَيْهِ الْمَجَرَّةَ وَأَقَامَتِ الْغُمَيْصَاءُ فَبَكَتْ عَلَيْهِ حَتَّى غَمَصَتْ عَيْنُهَا وَالشِّعْرَيَانِ الْغُمَيْصَاءُ وَالْعَبُورُ يَطْلُعَانِ مَعًا.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمِرْزَمُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ نَجْمٌ يُقَابِلُ الشِّعْرَى مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَا يُفَارِقُهَا وَهُوَ الْهَنْعَةُ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ وَفَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ﴿وَفَّى﴾ أَيْ بَلَّغَ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُؤْخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ حَتَّى جَاءَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وَمِنْ طَرِيقِ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ نَحْوُهُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: سَمَّى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وَفَّى، لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: وَفَّى عَمَلِ يَوْمِهِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا وَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: دَنَتِ الْقِيَامَةُ.
قَوْلُهُ: (سَامِدُونَ: الْبَرْطَمَةُ) كَذَا لَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ: الْبَرْطَنَةُ بِالنُّونِ بَدَلَ الْمِيمِ. (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ قَالَ: مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ. ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قَالَ: الْبَرْطَمَةُ. قَالَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ: السَّامِدُونَ يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانُوا يَمُرُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ غِضَابًا مُبَرْطِمِينَ. قَالَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ هُوَ الْغِنَاءُ بِالْحِمْيَرِيَّةِ. وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ هُوَ الْغِنَاءُ بِالْحِمْيَرِيَّةِ، يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنَا أَيْ غَنِّ لَنَا. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قَالَ: الْغِنَاءُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهِيَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، إِذَا أَرَادَ الْيَمَانِيُّ أَنْ يَقُولَ تَغَنَّ، قَالَ: اسْمُدْ. لَفْظُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَاهُونَ. وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: غَافِلُونَ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مُعْرِضُونَ.
(تَنْبِيهٌ): الْبَرْطَمَةُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْإِعْرَاضُ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الْبَرْطَمَةُ هَكَذَا، وَوَضَعَ ذَقَنَهُ فِي صَدْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَفَتُمَارُونَهُ: أَفَتُجَادِلُونَهُ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِهِ، وَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِيهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَرَأَ أَفَتَمْرُونَهُ يَعْنِي: أَفَتَجْحَدُونَهُ) كَذَا لَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ أَفَتَجْحَدُونَ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ يَقُولُ: أَفَتَجْحَدُونَهُ، فَكَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَرَأَ بِهِمَا مَعًا وَفَسَّرَهُمَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهَكَذَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ أَيْ تُجَادِلُونَهُ.
قُلْتُ: قَرَأَهَا مِنَ الْكُوفِيِّينَ عَاصِمٌ كَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ شُرَيْحٌ يَقْرَأُ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ وَمَسْرُوقٌ يَقْرَأُ أَفَتَمْرُونَهُ، وَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ لَكِنْ بِضَمِّ التَّاءِ.
قَوْلُهُ: (مَا زَاغَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فجمعهُ أَكْسَاف وكُسُوف. انتهى. وقيل: إنَّ الفتحَ قراءةٌ شاذَّةٌ، وأنكرها بعضُهم وأثبتها أبو البَقاءِ، وقد قال أبو عُبيدة: الكِسْفُ: جمع كِسْفَةٍ؛ مثل: السِّدْر جمع: سِدْرةٍ.
(﴿الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]) هو (المَوْتُ) فعول من منَّه؛ إذا قطعهُ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاسٍ: (﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ [الطور: ٢٣]) أي: (يَتَعَاطَوْنَ) هم وجُلساؤهُم بتجاذُبٍ، وتجاذُبهم تجاذُب ملاعبةٍ لا تجاذب منازعةٍ، وفيه نوعُ لذَّةٍ.
٤٨٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) يتيم عُروة (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبيرِ (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أمِّ المؤمنين، أنَّها (قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي) أي: أنِّي كنتُ مريضةً لا أقدرُ على الطَّوافِ ماشيةً (فَقَالَ) لي ﵊: (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي) الصُّبح (إِلَى جَنْبِ البَيْتِ) الحرام (يَقْرَأُ بـ ﴿وَالطُّورِ. وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢]).
وهذا الحديث سبق في «الحج» [خ¦١٦١٩].