«تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٠٤

الحديث رقم ٥١٠٤ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب شهادة المرضعة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥١٠٤ في صحيح البخاري

«تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَأَعْرَضَ، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ، قَالَ كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا، دَعْهَا عَنْكَ». وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، يَحْكِي أَيُّوبَ.

بَابُ مَا يَحِلُّ مِنَ النِّسَاءِ وَمَا يَحْرُمُ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وَقَالَ أَنَسٌ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ الْحَرَائِرُ حَرَامٌ ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَنْزِعَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ وَقَالَ ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ فَهُوَ حَرَامٌ كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ ٥١٠٥ - وَقَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي حَبِيبٌ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَرُمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ وَمِنَ الصِّهْرِ سَبْعٌ ثُمَّ قَرَأَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الْآيَةَ

⦗١١⦘

وَجَمَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ ابْنَةِ عَلِيٍّ وَامْرَأَةِ عَلِيٍّ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ مَرَّةً ثُمَّ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ وَجَمَعَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَيْنَ ابْنَتَيْ عَمٍّ فِي لَيْلَةٍ وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ لِلْقَطِيعَةِ وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى الْكِنْدِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ فِيمَنْ يَلْعَبُ بِالصَّبِيِّ إِنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ فَلَا يَتَزَوَّجَنَّ أُمَّهُ وَيَحْيَى هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا زَنَى بِهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَرَّمَهُ وَأَبُو نَصْرٍ هَذَا لَمْ يُعْرَفْ بِسَمَاعِهِ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُرْوَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ وَبَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَحْرُمُ حَتَّى يُلْزِقَ بِالْأَرْضِ يَعْنِي يُجَامِعَ وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ عَلِيٌّ: لَا تَحْرُمُ وَهَذَا مُرْسَلٌ.

بَابٌ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الدُّخُولُ وَالْمَسِيسُ وَاللِّمَاسُ هُوَ الْجِمَاعُ وَمَنْ قَالَ بَنَاتُ وَلَدِهَا مِنْ بَنَاتِهِ فِي التَّحْرِيمِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِأُمِّ حَبِيبَةَ لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَكَذَلِكَ حَلَائِلُ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ هُنَّ حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ وَهَلْ تُسَمَّى الرَّبِيبَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِهِ وَدَفَعَ النَّبِيُّ رَبِيبَةً لَهُ إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا وَسَمَّى النَّبِيُّ ابْنَ ابْنَتِهِ ابْنًا

إسناد حديث رقم ٥١٠٤ من صحيح البخاري

٥١٠٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ، لَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ، قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥١٠٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الصَّحِيحُ، وَأَلْزَمَ الشَّافِعِيُّ الْمَالِكِيَّةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِرَدِّ أَصْلِهِمْ بِتَقْدِيمِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَوْ خَالَفَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ إِذَا كَانَ مِنَ الْآحَادِ لِمَا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ مِنْ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَهَذَا رَأْيُ فُقَهَائِنَا إِلَّا الزُّهْرِيِّ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا نَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْخَاصَّةِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ عَامًّا ظَاهِرًا مِنْ هَذَا، وَقَدْ تَرَكُوهُ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ، فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا إِمَّا أَنْ يَرُدُّوا هَذَا الْخَبَرَ وَهُمْ لَمْ يَرُدُّوهُ أَوْ يَرُدُّوا مَا خَالَفَ الْخَبَرَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ الْمَطْلُوبُ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: يُتَصَوَّرُ تَجْرِيدُ لَبَنِ الْفَحْلِ بِرَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ تُرْضِعُ إِحْدَاهُمَا صَبِيًّا وَالْأُخْرَى صَبِيَّةً فَالْجُمْهُورُ قَالُوا يَحْرُمُ عَلَى الصَّبِيِّ تَزْوِيجُ الصَّبِيَّةِ، وَقَالَ مَنْ خَالَفَهُمْ: يَجُوزُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى الرَّضَاعَ وَصَدَّقَهُ الرَّضِيعُ يَثْبُتُ حُكْمُ الرَّضَاعِ بَيْنَهُمَا وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ، لِأَنَّ أَفْلَحَ ادَّعَى وَصَدَّقَتْهُ عَائِشَةُ وَأَذِنَ الشَّارِعُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.

وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى أَفْلَحَ وَتَسْلِيمِ عَائِشَةَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ يُحَرِّمُ كَمَا يُحَرِّمُ كَثِيرُهُ لِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ فِيهِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ عَدَمَ الذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَدَمِ الْمَحْضِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي حُكْمٍ يَتَوَقَّفُ عَنِ الْعَمَلِ حَتَّى يَسْأَلَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ، وَأَنَّ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ طَالَبَ الْمُدَّعِي بِبَيَانِهِ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمَا، وَأَنَّ الْعَالِمَ إِذَا سُئِلَ يُصَدِّقُ مَنْ قَالَ الصَّوَابَ فِيهَا.

وَفِيهِ وُجُوبُ احْتِجَابِ الْمَرْأَةِ مِنَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ وَمَشْرُوعِيَّةُ اسْتِئْذَانِ الْمَحْرَمِ عَلَى مَحْرَمِهِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّسْمِيَةِ بِأَفْلَحَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ إِذَا بَادَرَ بِالتَّعْلِيلِ قَبْلَ سَمَاعِ الْفَتْوَى أَنْكَرَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ لَهَا تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تَسْأَلَ عَنِ الْحُكْمِ فَقَطْ وَلَا تُعَلِّلَ، وَأَلْزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ مَنْ أَطْلَقَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا رَوَى عَنِ النَّبِيِّ حَدِيثًا وَصَحَّ عَنْهُ ثُمَّ صَحَّ عَنْهُ الْعَمَلُ بِخِلَافِهِ أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا رَأَى لَا بِمَا رَوَى، لِأَنَّ عَائِشَةَ صَحَّ عَنْهَا أَنْ لَا اعْتِبَارَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي السُّنَنِ وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَأَخَذَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَعَمِلُوا بِرِوَايَتِهَا فِي قِصَّةِ أَخِي أَبِي الْقُعَيْسِ وَحَرَّمُوهُ بِلَبَنِ الْفَحْلِ فَكَانَ يَلْزَمُهُمْ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ أَنْ يَتَّبِعُوا عَمَلَ عَائِشَةَ وَيُعْرِضُوا عَنْ رِوَايَتِهَا، وَلَوْ كَانَ رَوَى هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ عَائِشَةَ لَكَانَ لَهُمْ مَعْذِرَةٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهَا، وَهُوَ إِلْزَامٌ قَوِيٌّ.

٢٣ - بَاب شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ

٥١٠٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قالَ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ، لَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ، قَالَ: كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا دَعْهَا عَنْكَ، وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. يَحْكِي أَيُّوبَ.

قَوْلُهُ (بَابُ شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ) أَيْ وَحْدَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا لَا تَجُوزُ فِي الرَّضَاعِ وَشِبْهِهِ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث قد (١) سبق في «كتاب الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٤].

(٢٣) (بابُ) حكم (شَهَادَةِ المُرْضِعَةِ) وَحْدَها بالرَّضاعة.

٥١٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروفُ بأمِّه (٢) عُليَّةَ قال: (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) (٣) بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتية، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) المكيُّ، ذكره ابن حبَّان في ثقات التَّابعين، وليس له في الصَّحيح سوى هذا الحديث (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) القرشيِّ المكيِّ الصحابيِّ (قَالَ) عبد الله ابن أبي مليكةَ: (وَقَدْ سَمِعْتُهُ) أي: هذا (٤) الحديث (مِنْ عُقْبَةَ) بن الحارثِ. قال الحافظ ابنُ حجر: والعمدةُ فيه على سماعِ ابن أبي مُليكة من (٥) عقبة نفسه (لَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ. قَالَ) عقبة بن الحارثِ: (تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) هي أمُّ يحيى بنت أبي إهاب (فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ) لم تسمَّ (فَقَالَتْ) لنا: قد (أَرْضَعْتُكُمَا) قال عقبة: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ): يا رسول الله (تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ) وفي بعض الطُّرق: «أَمَةٌ» (سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ) ولأبي ذرٍّ: «لَقد» (أَرْضَعْتُكُمَا، وَهْيَ كَاذِبَةٌ) في قولها

(فَأَعْرَضَ عَنْهُ) (١) من باب الالتفات، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عَنِّي» (فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: من جهةِ وجههِ (قُلْتُ (٢): إِنَّهَا كَاذِبَةٌ. قَالَ) : (كَيْفَ) تصنعُ (بِهَا) أي: بالَّتي تزوَّجتها؟ أو أي فعلٍ تفعلُ بها (وَقَدْ زَعَمَتْ) أي: المرأةُ السَّوداءُ (أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ دَعْهَا) اترُكها (عَنْكَ) أي: على سبيلِ الاحتياطِ والورعِ، لا الحكم بثبوتِ (٣) الرَّضاعِ وفسادِ النِّكاحِ بمجرد قولِ المرضعةِ؛ إذ لم يجرِ بحضرتهِ ترافعٌ وأداءُ شهادةٍ، بل كان ذلك مجرَّد إخبارٍ واستفتاءٍ. نعم لو شهدتِ المرضعةُ عند حاكم قبلتْ، ولو قالت: أرضعتهُ. لأنَّها لم تجرَّ بشهادتِها نفعًا، ولم تدفَع بها ضررًا، بخلافِ شهادتِها بولادتِها لجرِّها نفعَ النَّفقةِ والإرث وغيرهما، ولا نظرَ إلى ما يتعلَّقُ بشهادتِها من ثبوتِ الحرمةِ وحِلِّ الخلوةِ، فإنَّ الشَّهادةَ لا تردُّ بمثل ذلك بدليل قبول شهادة الطَّلاق، وإن استفيدَ بها حِلُّ المناكحة، وليس المراد قبول شهادتِها وحدَها، بل لا تقبل عند الشَّافعيِّ إلَّا مع ثلاثِ نسوةٍ أخرى، وأن لا تكون طالبةَ أجرةٍ على الرَّضاعِ، فإن طلبتها فلا تقبلُ لاتِّهامها بذلك، واستدلَّ به الشَّافعيَّة على أنَّه لو شهدَت واحدةٌ أو أكثر ولم يتمَّ النِّصابُ بالرَّضاعِ فالورعُ للرَّجلِ أن يجتنبها بأن لا ينكِحها إن لم ينكحْها، وأن (٤) يُطلِّقها إن نَكَحها لتحلَّ لغيرهِ، ويكرهُ له المُقامُ معها، وتقبلُ في الرَّضاعِ شهادة أمِّ الزَّوجةِ وبنتها مع غيرِهِما حِسْبةً بلا تقدُّمِ دعوى، وإِنْ احتملَ كون الزَّوجةِ مدَّعيةً لأنَّ الرَّضاعَ تقبل فيه شهادةُ الحسبةِ.

قال عليُّ بنُ عبد الله المدينيُّ: (وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّةَ (بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى؛ يَحْكِي) إشارة (أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ، حيث يحكي فعلَ النَّبيِّ ، حيث أشارَ بيده وقال بلسانهِ: (دَعْهَا عَنْكَ) فحكى ذلك كلُّ راوٍ لمن دونهُ.

وسبقَ الحديث في «كتاب العلم» في «باب الرِّحلة» [خ¦٨٨] وفي «باب شهادة الإماء والعبيد» في «كتاب الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٩].

(٢٤) (بابُ مَا يَحِلُّ مِنَ النِّسَاءِ وَمَا يَحْرُمُ) منهنَّ (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾) أي: نكاحُ أمَّهاتِكم فهو من مجازِ الحذفِ الَّذي دلَّ العقلُ على حذفهِ (﴿وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] إِلَى آخِرِ الآية) وساق في روايةِ كريمةَ إلى قوله: «﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾» وقال: «الآيتين إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾» والأمَّهاتُ: كلُّ أنثى ولدتكَ أو ولدَت مَنْ وَلَدَكَ (١)، ذكرًا كان أو أنثى، بواسطةٍ أو بغيرها. والبناتُ: كلُّ أنثَى ولدْتَها أو وَلَدْتَ مَنْ وَلَدَهَا، ذَكرًا كانَ أو أنثى، بواسطةٍ أو بغيرها (٢). والأخواتُ: كلُّ أُنثى وَلَدَهَا أبواكَ (٣) أو أحدُهما. والعمَّاتُ: كلُّ أختِ ذكرٍ وَلَدَكَ بواسطةٍ وبغيرها (٤). والخالاتُ: كلُّ أختِ أنثى وَلَدَتْكَ بواسطةٍ أو بغيرها، فأختُ أبي الأمِّ عمَّةٌ لأنَّها أختُ ذكرٍ ولدك بواسطةٍ، وأختُ أمِّ الأبِ خالةٌ لأنَّها أختُ أنثى ولدتك بواسطةٍ، وبناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ وإن بعدنَ، لا من دخلَت في اسمِ ولد العمومةِ والخؤولةِ فلا تحرمُ.

(وَقَالَ أَنَسٌ) أي: ابنُ مالك ممَّا وَصلهُ إسماعيل القاضِي في كتابه «أحكام القرآن» بإسنادٍ صحيحٍ من طريق سليمان التَّيميِّ، عن أبي مجلزٍ، عن أنسِ بن مالك أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٤]) أي: (ذَوَاتُ الأَزْوَاجِ) لأنَّهن (٥) أحصنَّ فروجهنَّ بالتَّزويج (الحَرَائِرُ حَرَامٌ) نكاحهنَّ، إلَّا بعد طلاقِ أزواجهنَّ وانقضاءِ عدَّتهنَّ (﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لَا يَرَى) بها (بَأْسًا) حَرجًا (أَنْ يَنْزِعَ الرَّجُلُ) وفي نسخةٍ: «أن يزوِّج الرَّجلُ» (٦) (جَارِيَتَهُ)

وللكُشمِيهنيِّ: «جارية» (مِنْ) تحتِ (عَبْدِهِ) فيطَأَها، والأكثرون على أنَّ المرادَ بـ ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) اللَّاتي سُبينَ ولهنَّ أزواجٌ في دار الكفرِ، فهنَّ حلالٌ لغزاةِ المسلمين، وإن كنَّ محصناتٍ.

(وَقَالَ) الله تعالى: (﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ﴾) أي: لا تتزوجوهنَّ أو (٢) لا تزوجوهنَّ (﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]) أي: المشركاتُ، فمِن موانعِ النِّكاحِ الكفر، فيحرمُ مناكحةُ غير أهل الكتابين -التوراةِ والإنجيلِ- من المجوس، وإن كان لهم شبهة كتابٍ إذ لا كتابَ بأيديهِم، وكذا من المتمسِّكينَ (٣) بصحفِ شيث وإدريس وإبراهيم وزبور داودَ لأنَّها لم تنزِل بنظمٍ (٤) يدرسُ ويتلَى، وإنَّما أوحَى إليهم معانيهَا، أو أنَّها لم تتضمَّن أحكامًا وشرائعَ بل كانت حِكمًا ومواعظَ. وكذا يحرمُ نكاحُ سائرِ الكفَّارِ، كعبدةِ الشَّمسِ والقمرِ والصُّورِ والنُّجومِ، والمعطلةِ والزَّنادقةِ والباطنيَّةِ، بخلافِ أهلِ الكتابينِ. وفرَّقَ القفَّالُ بين الكتابيَّة وغيرها بأنَّ غيرها اجتمعَ فيه نقصان الكفرِ في الحالِ، وفساد الدِّينِ في الأصلِ، والكتابيَّة فيها نقصٌ واحدٌ وهو كفرها في الحال.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الفريابيُّ وعبدُ بن حُميدٍ بإسنادٍ صحيحٍ عنه أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ) من الزَّوجات (فَهْوَ حَرَامٌ، كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ) أمَّا العبدُ فيحرمُ عليهِ ما زاد على ثنتين. قاله البخاريُّ بالسَّند إليه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الصَّحِيحُ، وَأَلْزَمَ الشَّافِعِيُّ الْمَالِكِيَّةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِرَدِّ أَصْلِهِمْ بِتَقْدِيمِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَوْ خَالَفَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ إِذَا كَانَ مِنَ الْآحَادِ لِمَا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ مِنْ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَهَذَا رَأْيُ فُقَهَائِنَا إِلَّا الزُّهْرِيِّ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا نَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْخَاصَّةِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ عَامًّا ظَاهِرًا مِنْ هَذَا، وَقَدْ تَرَكُوهُ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ، فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا إِمَّا أَنْ يَرُدُّوا هَذَا الْخَبَرَ وَهُمْ لَمْ يَرُدُّوهُ أَوْ يَرُدُّوا مَا خَالَفَ الْخَبَرَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ الْمَطْلُوبُ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: يُتَصَوَّرُ تَجْرِيدُ لَبَنِ الْفَحْلِ بِرَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ تُرْضِعُ إِحْدَاهُمَا صَبِيًّا وَالْأُخْرَى صَبِيَّةً فَالْجُمْهُورُ قَالُوا يَحْرُمُ عَلَى الصَّبِيِّ تَزْوِيجُ الصَّبِيَّةِ، وَقَالَ مَنْ خَالَفَهُمْ: يَجُوزُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى الرَّضَاعَ وَصَدَّقَهُ الرَّضِيعُ يَثْبُتُ حُكْمُ الرَّضَاعِ بَيْنَهُمَا وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ، لِأَنَّ أَفْلَحَ ادَّعَى وَصَدَّقَتْهُ عَائِشَةُ وَأَذِنَ الشَّارِعُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.

وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى أَفْلَحَ وَتَسْلِيمِ عَائِشَةَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ يُحَرِّمُ كَمَا يُحَرِّمُ كَثِيرُهُ لِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ فِيهِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ عَدَمَ الذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَدَمِ الْمَحْضِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي حُكْمٍ يَتَوَقَّفُ عَنِ الْعَمَلِ حَتَّى يَسْأَلَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ، وَأَنَّ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ طَالَبَ الْمُدَّعِي بِبَيَانِهِ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمَا، وَأَنَّ الْعَالِمَ إِذَا سُئِلَ يُصَدِّقُ مَنْ قَالَ الصَّوَابَ فِيهَا.

وَفِيهِ وُجُوبُ احْتِجَابِ الْمَرْأَةِ مِنَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ وَمَشْرُوعِيَّةُ اسْتِئْذَانِ الْمَحْرَمِ عَلَى مَحْرَمِهِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّسْمِيَةِ بِأَفْلَحَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ إِذَا بَادَرَ بِالتَّعْلِيلِ قَبْلَ سَمَاعِ الْفَتْوَى أَنْكَرَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ لَهَا تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تَسْأَلَ عَنِ الْحُكْمِ فَقَطْ وَلَا تُعَلِّلَ، وَأَلْزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ مَنْ أَطْلَقَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا رَوَى عَنِ النَّبِيِّ حَدِيثًا وَصَحَّ عَنْهُ ثُمَّ صَحَّ عَنْهُ الْعَمَلُ بِخِلَافِهِ أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا رَأَى لَا بِمَا رَوَى، لِأَنَّ عَائِشَةَ صَحَّ عَنْهَا أَنْ لَا اعْتِبَارَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي السُّنَنِ وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَأَخَذَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَعَمِلُوا بِرِوَايَتِهَا فِي قِصَّةِ أَخِي أَبِي الْقُعَيْسِ وَحَرَّمُوهُ بِلَبَنِ الْفَحْلِ فَكَانَ يَلْزَمُهُمْ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ أَنْ يَتَّبِعُوا عَمَلَ عَائِشَةَ وَيُعْرِضُوا عَنْ رِوَايَتِهَا، وَلَوْ كَانَ رَوَى هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ عَائِشَةَ لَكَانَ لَهُمْ مَعْذِرَةٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهَا، وَهُوَ إِلْزَامٌ قَوِيٌّ.

٢٣ - بَاب شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ

٥١٠٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قالَ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ، لَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ، قَالَ: كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا دَعْهَا عَنْكَ، وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. يَحْكِي أَيُّوبَ.

قَوْلُهُ (بَابُ شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ) أَيْ وَحْدَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا لَا تَجُوزُ فِي الرَّضَاعِ وَشِبْهِهِ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث قد (١) سبق في «كتاب الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٤].

(٢٣) (بابُ) حكم (شَهَادَةِ المُرْضِعَةِ) وَحْدَها بالرَّضاعة.

٥١٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروفُ بأمِّه (٢) عُليَّةَ قال: (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) (٣) بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتية، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) المكيُّ، ذكره ابن حبَّان في ثقات التَّابعين، وليس له في الصَّحيح سوى هذا الحديث (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) القرشيِّ المكيِّ الصحابيِّ (قَالَ) عبد الله ابن أبي مليكةَ: (وَقَدْ سَمِعْتُهُ) أي: هذا (٤) الحديث (مِنْ عُقْبَةَ) بن الحارثِ. قال الحافظ ابنُ حجر: والعمدةُ فيه على سماعِ ابن أبي مُليكة من (٥) عقبة نفسه (لَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ. قَالَ) عقبة بن الحارثِ: (تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) هي أمُّ يحيى بنت أبي إهاب (فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ) لم تسمَّ (فَقَالَتْ) لنا: قد (أَرْضَعْتُكُمَا) قال عقبة: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ): يا رسول الله (تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ) وفي بعض الطُّرق: «أَمَةٌ» (سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ) ولأبي ذرٍّ: «لَقد» (أَرْضَعْتُكُمَا، وَهْيَ كَاذِبَةٌ) في قولها

(فَأَعْرَضَ عَنْهُ) (١) من باب الالتفات، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عَنِّي» (فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: من جهةِ وجههِ (قُلْتُ (٢): إِنَّهَا كَاذِبَةٌ. قَالَ) : (كَيْفَ) تصنعُ (بِهَا) أي: بالَّتي تزوَّجتها؟ أو أي فعلٍ تفعلُ بها (وَقَدْ زَعَمَتْ) أي: المرأةُ السَّوداءُ (أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ دَعْهَا) اترُكها (عَنْكَ) أي: على سبيلِ الاحتياطِ والورعِ، لا الحكم بثبوتِ (٣) الرَّضاعِ وفسادِ النِّكاحِ بمجرد قولِ المرضعةِ؛ إذ لم يجرِ بحضرتهِ ترافعٌ وأداءُ شهادةٍ، بل كان ذلك مجرَّد إخبارٍ واستفتاءٍ. نعم لو شهدتِ المرضعةُ عند حاكم قبلتْ، ولو قالت: أرضعتهُ. لأنَّها لم تجرَّ بشهادتِها نفعًا، ولم تدفَع بها ضررًا، بخلافِ شهادتِها بولادتِها لجرِّها نفعَ النَّفقةِ والإرث وغيرهما، ولا نظرَ إلى ما يتعلَّقُ بشهادتِها من ثبوتِ الحرمةِ وحِلِّ الخلوةِ، فإنَّ الشَّهادةَ لا تردُّ بمثل ذلك بدليل قبول شهادة الطَّلاق، وإن استفيدَ بها حِلُّ المناكحة، وليس المراد قبول شهادتِها وحدَها، بل لا تقبل عند الشَّافعيِّ إلَّا مع ثلاثِ نسوةٍ أخرى، وأن لا تكون طالبةَ أجرةٍ على الرَّضاعِ، فإن طلبتها فلا تقبلُ لاتِّهامها بذلك، واستدلَّ به الشَّافعيَّة على أنَّه لو شهدَت واحدةٌ أو أكثر ولم يتمَّ النِّصابُ بالرَّضاعِ فالورعُ للرَّجلِ أن يجتنبها بأن لا ينكِحها إن لم ينكحْها، وأن (٤) يُطلِّقها إن نَكَحها لتحلَّ لغيرهِ، ويكرهُ له المُقامُ معها، وتقبلُ في الرَّضاعِ شهادة أمِّ الزَّوجةِ وبنتها مع غيرِهِما حِسْبةً بلا تقدُّمِ دعوى، وإِنْ احتملَ كون الزَّوجةِ مدَّعيةً لأنَّ الرَّضاعَ تقبل فيه شهادةُ الحسبةِ.

قال عليُّ بنُ عبد الله المدينيُّ: (وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّةَ (بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى؛ يَحْكِي) إشارة (أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ، حيث يحكي فعلَ النَّبيِّ ، حيث أشارَ بيده وقال بلسانهِ: (دَعْهَا عَنْكَ) فحكى ذلك كلُّ راوٍ لمن دونهُ.

وسبقَ الحديث في «كتاب العلم» في «باب الرِّحلة» [خ¦٨٨] وفي «باب شهادة الإماء والعبيد» في «كتاب الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٩].

(٢٤) (بابُ مَا يَحِلُّ مِنَ النِّسَاءِ وَمَا يَحْرُمُ) منهنَّ (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾) أي: نكاحُ أمَّهاتِكم فهو من مجازِ الحذفِ الَّذي دلَّ العقلُ على حذفهِ (﴿وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] إِلَى آخِرِ الآية) وساق في روايةِ كريمةَ إلى قوله: «﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾» وقال: «الآيتين إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾» والأمَّهاتُ: كلُّ أنثى ولدتكَ أو ولدَت مَنْ وَلَدَكَ (١)، ذكرًا كان أو أنثى، بواسطةٍ أو بغيرها. والبناتُ: كلُّ أنثَى ولدْتَها أو وَلَدْتَ مَنْ وَلَدَهَا، ذَكرًا كانَ أو أنثى، بواسطةٍ أو بغيرها (٢). والأخواتُ: كلُّ أُنثى وَلَدَهَا أبواكَ (٣) أو أحدُهما. والعمَّاتُ: كلُّ أختِ ذكرٍ وَلَدَكَ بواسطةٍ وبغيرها (٤). والخالاتُ: كلُّ أختِ أنثى وَلَدَتْكَ بواسطةٍ أو بغيرها، فأختُ أبي الأمِّ عمَّةٌ لأنَّها أختُ ذكرٍ ولدك بواسطةٍ، وأختُ أمِّ الأبِ خالةٌ لأنَّها أختُ أنثى ولدتك بواسطةٍ، وبناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ وإن بعدنَ، لا من دخلَت في اسمِ ولد العمومةِ والخؤولةِ فلا تحرمُ.

(وَقَالَ أَنَسٌ) أي: ابنُ مالك ممَّا وَصلهُ إسماعيل القاضِي في كتابه «أحكام القرآن» بإسنادٍ صحيحٍ من طريق سليمان التَّيميِّ، عن أبي مجلزٍ، عن أنسِ بن مالك أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٤]) أي: (ذَوَاتُ الأَزْوَاجِ) لأنَّهن (٥) أحصنَّ فروجهنَّ بالتَّزويج (الحَرَائِرُ حَرَامٌ) نكاحهنَّ، إلَّا بعد طلاقِ أزواجهنَّ وانقضاءِ عدَّتهنَّ (﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لَا يَرَى) بها (بَأْسًا) حَرجًا (أَنْ يَنْزِعَ الرَّجُلُ) وفي نسخةٍ: «أن يزوِّج الرَّجلُ» (٦) (جَارِيَتَهُ)

وللكُشمِيهنيِّ: «جارية» (مِنْ) تحتِ (عَبْدِهِ) فيطَأَها، والأكثرون على أنَّ المرادَ بـ ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) اللَّاتي سُبينَ ولهنَّ أزواجٌ في دار الكفرِ، فهنَّ حلالٌ لغزاةِ المسلمين، وإن كنَّ محصناتٍ.

(وَقَالَ) الله تعالى: (﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ﴾) أي: لا تتزوجوهنَّ أو (٢) لا تزوجوهنَّ (﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]) أي: المشركاتُ، فمِن موانعِ النِّكاحِ الكفر، فيحرمُ مناكحةُ غير أهل الكتابين -التوراةِ والإنجيلِ- من المجوس، وإن كان لهم شبهة كتابٍ إذ لا كتابَ بأيديهِم، وكذا من المتمسِّكينَ (٣) بصحفِ شيث وإدريس وإبراهيم وزبور داودَ لأنَّها لم تنزِل بنظمٍ (٤) يدرسُ ويتلَى، وإنَّما أوحَى إليهم معانيهَا، أو أنَّها لم تتضمَّن أحكامًا وشرائعَ بل كانت حِكمًا ومواعظَ. وكذا يحرمُ نكاحُ سائرِ الكفَّارِ، كعبدةِ الشَّمسِ والقمرِ والصُّورِ والنُّجومِ، والمعطلةِ والزَّنادقةِ والباطنيَّةِ، بخلافِ أهلِ الكتابينِ. وفرَّقَ القفَّالُ بين الكتابيَّة وغيرها بأنَّ غيرها اجتمعَ فيه نقصان الكفرِ في الحالِ، وفساد الدِّينِ في الأصلِ، والكتابيَّة فيها نقصٌ واحدٌ وهو كفرها في الحال.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الفريابيُّ وعبدُ بن حُميدٍ بإسنادٍ صحيحٍ عنه أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ) من الزَّوجات (فَهْوَ حَرَامٌ، كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ) أمَّا العبدُ فيحرمُ عليهِ ما زاد على ثنتين. قاله البخاريُّ بالسَّند إليه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل