الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٥
الحديث رقم ٥١٥ من كتاب «أبواب سترة المصلي» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من قال لا يقطع الصلاة شيء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ
٥١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ، عَنِ الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّامِ عَطْفًا عَلَى فَأَكْرَهُ.
٥١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عَنْ الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْحَنْظَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ السَّكَنِ. وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَزَعَمَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ إِلَخْ) وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ حَدِيثَ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةَ إِلَخْ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَتْ مَارَّةً أَوْ قَائِمَةً أَوْ قَاعِدَةً أَوْ مُضْطَجِعَةً، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى وَهِيَ مُضْطَجِعَةٌ أَمَامَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ فِي الْمُضْطَجِعِ، وَفِي الْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِثْبَاتِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، فَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ حَدِيثَهَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لَمْ يَدُلَّ إِلَّا عَلَى نَسْخِ الِاضْطِجَاعِ فَقَطْ. وَقَدْ نَازَعَ بَعْضُهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخْرَى: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعِلَّةَ فِي قَطْعِ الصَّلَاةِ بِهَا مَا يَحْصُلُ مِنَ التَّشْوِيشِ، وَقَدْ قَالَتْ: إِنَّ الْبُيُوتَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَصَابِيحُ، فَانْتَفَى الْمَعْلُولُ بِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ.
ثَانِيهَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مُطْلَقَةٌ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِهَا زَوْجَتَهُ، فَقَدْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَيُقَالُ: يَتَقَيَّدُ الْقَطْعُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ لِخَشْيَةِ الِافْتِتَانِ بِهَا بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهَا حَاصِلَةٌ.
ثَالِثُهَا: أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَاقِعَةُ حَالٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ، بِخِلَافِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فَإِنَّهُ مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّشْرِيعِ الْعَامِّ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْدِرُ مِنْ مِلْكِ إِرْبِهِ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ وَمَا وَافَقَهُ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ غَيْرُ صَرِيحَةٍ وَصَرِيحَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، فَلَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الصَّرِيحِ بِالْمُحْتَمَلِ، يَعْنِي حَدِيثَ عَائِشَةَ وَمَا وَافَقَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَارِّ وَبَيْنَ النَّائِمِ فِي الْقِبْلَةِ: أَنَّ الْمُرُورَ حَرَامٌ بِخِلَافِ الِاسْتِقْرَارِ نَائِمًا كَانَ أَمْ غَيْرَهُ، فَهَكَذَا الْمَرْأَةُ يَقْطَعُ مُرُورُهَا دُونَ لُبْثِهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَيُصَلِّيَ. وَوَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِي: عَنْ فِرَاشِ أَهْلِهِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَقُومُ، وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ كَانَتْ وَاقِعَةً عَلَى الْفِرَاشِ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَفِيهِ احْتِمَالٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْفِرَاشِ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلُ الْأَوَّلِ.
١٠٦ - بَاب إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ
٥١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا.
[الحديث ٥١٦ - طرفه في: ٥٩٩٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ حَمْلَ الْمُصَلِّي الْجَارِيَةَ إِذَا كَانَ لَا يَضُرُّ الصَّلَاةَ فَمُرُورُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا أَشَدُّ مِنْ مُرُورِهَا. وَأَشَارَ إِلَى نَحْوِ هَذَا الِاسْتِنْبَاطِ الشَّافِعِيُّ، لَكِنَّ
تَقْيِيدَ الْمُصَنِّفِ بِكَوْنِهَا صَغِيرَةً قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْكَبِيرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُ: سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ بِالتَّنْوِينِ وَنَصْبِ أُمَامَةَ، وَرُوِيَ بِالْإِضَافَةِ كَمَا قُرِئَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ بِالْوَجْهَيْنِ، وَتَخْصِيصُ الْحَمْلِ فِي التَّرْجَمَةِ بِكَوْنِهِ عَلَى الْعُنُقِ - مَعَ أَنَّ السِّيَاقَ يَشْمَلُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ - مَأْخُوذٌ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُصَرِّحَةٍ بِذَلِكَ وَهِيَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ فَزَادَ فِيهِ: عَلَى عَاتِقِهِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: عَلَى رَقَبَتِهِ. وأُمَامَةُ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ تَخْفِيفَ الْمِيمَيْنِ - كَانَتْ صَغِيرَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ بِوَصِيَّةٍ مِنْهَا وَلَمْ تُعْقِبْ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَبِي الْعَاصِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ: بِنْتُ زَيْنَبَ بِمَعْنَى اللَّامِ، فَأَظْهَرَ فِي الْمَعْطُوفِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلِأَبِي الْعَاصِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. انْتَهَى.
وَأَشَارَ ابْنُ الْعَطَّارِ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ كَوْنُ وَالِدِ أُمَامَةَ كَانَ إِذْ ذَاكَ مُشْرِكًا، فَنُسِبَتْ إِلَى أُمِّهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إِلَى أَشْرَفِ أَبَوَيْهِ دِينًا وَنَسَبًا. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ أَبِي الْعَاصِ تَبْيِينًا لِحَقِيقَةِ نَسَبِهَا. انْتَهَى. وَهَذَا السِّيَاقُ لِمَالِكٍ وَحْدَهُ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَنَسَبُوهَا إِلَى أَبِيهَا ثُمَّ بَيَّنُوا أَنَّهَا بِنْتُ زَيْنَبَ كَمَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ: يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ - وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَاتِقِهِ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ) كَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، وَمَعْنُ بْنِ عِيسَى، وَأَبُو مُصْعَبٍ وَغَيْرُهُمْ عَنْ مَالِكٍ، فَقَالُوا: ابْنُ الرَّبِيعِ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَغَفَلَ الْكِرْمَانِيُّ، فَقَالَ: خَالَفَ الْقَوْمُ الْبُخَارِيَّ فَقَالَ: رَبِيعَةُ، وَعِنْدَهُمُ الرَّبِيعُ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، كَالْبُخَارِيِّ فَالْمُخَالَفَةُ فِيهِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ مَالِكٍ، وَادَّعَى الْأَصِيلِيُّ أَنَّهُ ابْنُ الرَّبِيعِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَنَسَبَهُ مَالِكٌ مَرَّةً إِلَى جَدِّهِ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا لِإِطْبَاقِ النَّسَّابِينَ عَلَى خِلَافِهِ. نَعَمْ قَدْ نَسَبَهُ مَالِكٌ إِلَى جَدِّهِ فِي قَوْلِهِ: ابْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أَطْبَقَ عَلَى ذَلِكَ النَّسَّابُونَ أَيْضًا، وَاسْمُ أَبِي الْعَاصِ لَقِيطٌ، وَقِيلَ: مِقْسَمٌ، وَقِيلَ: الْقَاسِمُ، وَقِيلَ: مِهْشَمٌ، وَقِيلَ: هُشَيْمٌ، وَقِيلَ: يَاسِرٌ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ. أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَهَاجَرَ، وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ، وَمَاتَتْ مَعَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا) كَذَا لِمَالِكٍ أَيْضًا، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنُ عِجْلَانِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعُمَيْسِ كُلُّهُمْ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ شَيْخِ مَالِكٍ، فَقَالُوا: إِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ: حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخَذَهَا فَوَضَعَهَا ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ قَامَ وَأَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ فِعْلَ الْحَمْلِ وَالْوَضْعِ كَانَ مِنْهُ لَا مِنْهَا، بِخِلَافِ مَا أَوَّلَهُ الْخَطَّابِيُّ حَيْثُ قَالَ: يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الصبية كَانَتْ قَدْ أَلِفَتْهُ، فَإِذَا سَجَدَ تَعَلَّقَتْ بِأَطْرَافِهِ وَالْتَزَمَتْهُ فَيَنْهَضُ مِنْ سُجُودِهِ فَتَبْقَى مَحْمُولَةً كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَرْكَعَ فَيُرْسِلَهَا.
قَالَ: هَذَا وَجْهُهُ عِنْدِي. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ لَفْظَ حَمَلَ لَا يُسَاوِي لَفْظَ وَضَعَ فِي اقْتِضَاءِ فِعْلِ الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: فَلَانٌ حَمَلَ كَذَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ حَمَلَهُ، بِخِلَافِ وَضَعَ، فَعَلَى هَذَا فَالْفِعْلُ الصَّادِرُ مِنْهُ هُوَ الْوَضْعُ لَا الرَّفْعُ فَيَقِلُّ الْعَمَلُ. قَالَ: وَقَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ هَذَا حَسَنًا إِلَى أَنْ رَأَيْتُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ: فَإِذَا قَامَ أَعَادَهَا. قُلْتُ: وَهِيَ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ.
وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا أَصْرَحُ فِي ذَلِكَ وَهِيَ: ثُمَّ
أَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عَلَى رَقَبَتِهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالَّذِي أَحْوَجَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ فِي النَّافِلَةِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَانَ فِي فَرِيضَةٍ. وَسَبَقَهُ إِلَى اسْتِبْعَادِ ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ، وَعِيَاضٌ، لِمَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ وأُمَامَةُ عَلَى عَاتِقِهِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: إِمَامَتُهُ بِالنَّاسِ فِي النَّافِلَةِ لَيْسَتْ بِمَعْهُودَةٍ. وَلِأَبِي دَاوُدَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ - أَوِ الْعَصْرِ - وَقَدْ دَعَاهُ بِلَالٌ إِلَى الصَّلَاةِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا وأُمَامَةُ عَلَى عَاتِقِهِ، فَقَامَ فِي مُصَلَّاهُ فَقُمْنَا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ فَكَبَّرْنَا وَهِيَ فِي مَكَانِهَا، وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ وَتَبِعَهُ السُّهَيْلِيُّ الصُّبْحُ، وَوَهِمَ مَنْ عَزَاهُ لِلصَّحِيحَيْنِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَرَوَى أَشْهَبُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ حَيْثُ لَمْ يَجِد مَنْ يَكْفِيهِ أَمْرَهَا. انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَبَكَتْ وَشَغَلَتْ سِرَّهُ فِي صَلَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ شُغْلِهِ بِحَمْلِهَا. وَفَرَّقَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إِنْ وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ أَمْرَهَا جَازَ فِي النَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ جَازَ فِيهِمَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ.
قُلْتُ: رَوَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَقِبَ رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِهِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ، وَلَفْظُهُ: قَالَ التِّنِّيسِيُّ: قَالَ مَالِكٌ: مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَعَلَّهُ نُسِخَ بِتَحْرِيمِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَبِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَطْعًا بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ. وَذَكَرَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ لِكَوْنِهِ كَانَ مَعْصُومًا مِنْ أَنْ تَبُولَ وَهُوَ حَامِلُهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ وَبِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ فِي أَمْرٍ ثُبُوتُهُ فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
وَحَمَلَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مُتَوَالٍ لِوُجُودِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي أَرْكَانِ صَلَاتِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ادَّعَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ، وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنَ الْخَصَائِصِ، وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ لِضَرُورَةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ طَاهِرٌ، وَمَا فِي جَوْفِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَثِيَابُ الْأَطْفَالِ وَأَجْسَادُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ النَّجَاسَةُ، وَالْأَعْمَالُ فِي الصَّلَاةِ لَا تُبْطِلُهَا إِذَا قَلَّتْ أَوْ تَفَرَّقَتْ، وَدَلَائِلُ الشَّرْعِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي حَمْلِهِ أُمَامَةَ فِي الصَّلَاةِ دَفْعًا لِمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَأْلَفُهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْبَنَاتِ وَحَمْلِهِنَّ، فَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي رَدْعِهِمْ، وَالْبَيَانُ بِالْفِعْلِ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَرْجِيحِ الْعَمَلِ بِالْأَصْلِ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وَلِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ هُنَا بَحْثٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ لَا عُمُومَ لَهَا، وَعَلَى جَوَازِ إِدْخَالِ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَعَلَى أَنَّ لَمْسَ الصِّغَارِ الصَّبَايَا غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الطَّهَارَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِنَّ، وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ حَمَلَ آدَمِيًّا، وَكَذَا مَنْ حَمَلَ حَيَوَانًا طَاهِرًا، وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ الْمُسْتَجْمِرِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أُمَامَةُ كَانَتْ حِينَئِذٍ قَدْ غَسَلَتْ، كَمَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَمَسُّهَا بِحَائِلٍ.
وَفِيهِ تَوَاضُعُهُ ﷺ وَشَفَقَتُهُ عَلَى الْأَطْفَالِ، وَإِكْرَامُهُ لَهُمْ جَبْرًا لَهُمْ وَلِوَالِدَيْهِمْ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في السَّفينة، واحتجَّ الأكثرون بحديث: «لا يقطع الصَّلاة شيءٌ»، وحملوا القطع في حديث أبي ذَرٍّ وابن عبَّاسٍ ﵄ على المُبالَغة في خوف الإفساد بالشُّغل بها، فإن قلت: تمسُّك الأكثرين بحديث: «لا يقطع الصَّلاة شيءٌ» لا يحسن لأنَّه مُطلَقٌ، وحديث الثَّلاثة مُقيَّدٌ، والمُقيَّد (١) يقضي على المُطلَق، أُجيب بأنَّه ورد (٢) ما يقضي على هذا المُقيَّد وهو صلاته ﷺ إلى أزواجه ﵅ وهنَّ في قبلته، ومال (٣) الطَّحاويُّ وغيره إلى (٤) أنَّ صلاته ﵊ إلى أزواجه ناسخةٌ لحديث أبي ذَرٍّ وما وافقه، وعُورِض بأنَّ النَّسخ لا يُصار إليه إِلَّا إذا عُلِمَ التَّاريخ وتعذَّر الجمع، والتَّاريخ هنا لم يتحقَّق، والجمع لم يتعذَّر، وأُجيب بأنَّ ابن عمر ﵄ بعد ما روى أنَّ المرور يقطع قال: «لا يقطع صلاة المسلم شيءٌ» فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك (٥)؛ لم يقل ذلك وكذلك (٦) ابن عبَّاسٍ أحد الرُّواة للقطع رُوِيَ عنه حمله على الكراهة، لكن قد (٧) مال الشَّافعيُّ وغيره إلى تأويل «القطع» بأنَّ المُراد به: نقص الخشوع، لا الخروج من الصَّلاة، ويؤيِّد ذلك أنَّ الصَّحابيَّ راوي الحديث سأل عن الحكمة في التَّقييد بالأسود، فأُجيب بأنَّه شيطانٌ، ومعلومٌ أنَّ الشَّيطان لو مرَّ بين يدَي المصلِّي لم تفسد صلاته.
وفي هذا الحديث: التَّحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ورواته ثمانيةٌ.
٥١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه الحنظليُّ، ولأبي ذَرٍّ: «إسحاق بن إبراهيم (٨)»
(قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي روايةٍ: «حدَّثنا» (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إبراهيم بن سعدٍ» بسكون العين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن عبد الله بن مسلمٍ (أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ الزُّهريَّ (عَنِ الصَّلَاةِ، يَقْطَعُهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ) أي: ابن شهابٍ، وللأَصيليِّ «قال»: (لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ) عامٌّ مخصوصٌ، فإنَّ القول والفعل الكثير يقطعها، أو (١) المُراد: لا يقطعها شيءٌ من الثَّلاثة الَّتي وقع النِّزاع فيها: «المرأة والحمار والكلب»، ثمَّ قال ابن شهابٍ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ مُؤكَّدةٌ بـ «إنَّ» و «اللَّام» (عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ) متعلِّقٌ بقوله: «فيصلِّي»، وهو يقتضي أنَّ صلاته كانت واقعةً على الفراش، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «عن فراش أهله» وهو متعلِّقٌ بقوله: «يقوم».
ورواة هذا الحديث السِّتَّة مدنيُّون، ما خلا إسحاق فإنَّه مروزيٌّ، وفيه: التَّحديث والإخبار بصيغة الجمع والإفراد، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ.
(١٠٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ) لا تفسد صلاته، وزاد غير الأربعة: (فِي الصَّلَاةِ).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّامِ عَطْفًا عَلَى فَأَكْرَهُ.
٥١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عَنْ الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْحَنْظَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ السَّكَنِ. وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَزَعَمَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ إِلَخْ) وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ حَدِيثَ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةَ إِلَخْ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَتْ مَارَّةً أَوْ قَائِمَةً أَوْ قَاعِدَةً أَوْ مُضْطَجِعَةً، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى وَهِيَ مُضْطَجِعَةٌ أَمَامَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ فِي الْمُضْطَجِعِ، وَفِي الْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِثْبَاتِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، فَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ حَدِيثَهَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لَمْ يَدُلَّ إِلَّا عَلَى نَسْخِ الِاضْطِجَاعِ فَقَطْ. وَقَدْ نَازَعَ بَعْضُهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخْرَى: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعِلَّةَ فِي قَطْعِ الصَّلَاةِ بِهَا مَا يَحْصُلُ مِنَ التَّشْوِيشِ، وَقَدْ قَالَتْ: إِنَّ الْبُيُوتَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَصَابِيحُ، فَانْتَفَى الْمَعْلُولُ بِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ.
ثَانِيهَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مُطْلَقَةٌ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِهَا زَوْجَتَهُ، فَقَدْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَيُقَالُ: يَتَقَيَّدُ الْقَطْعُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ لِخَشْيَةِ الِافْتِتَانِ بِهَا بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهَا حَاصِلَةٌ.
ثَالِثُهَا: أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَاقِعَةُ حَالٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ، بِخِلَافِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فَإِنَّهُ مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّشْرِيعِ الْعَامِّ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْدِرُ مِنْ مِلْكِ إِرْبِهِ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ وَمَا وَافَقَهُ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ غَيْرُ صَرِيحَةٍ وَصَرِيحَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، فَلَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الصَّرِيحِ بِالْمُحْتَمَلِ، يَعْنِي حَدِيثَ عَائِشَةَ وَمَا وَافَقَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَارِّ وَبَيْنَ النَّائِمِ فِي الْقِبْلَةِ: أَنَّ الْمُرُورَ حَرَامٌ بِخِلَافِ الِاسْتِقْرَارِ نَائِمًا كَانَ أَمْ غَيْرَهُ، فَهَكَذَا الْمَرْأَةُ يَقْطَعُ مُرُورُهَا دُونَ لُبْثِهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَيُصَلِّيَ. وَوَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِي: عَنْ فِرَاشِ أَهْلِهِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَقُومُ، وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ كَانَتْ وَاقِعَةً عَلَى الْفِرَاشِ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَفِيهِ احْتِمَالٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْفِرَاشِ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلُ الْأَوَّلِ.
١٠٦ - بَاب إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ
٥١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا.
[الحديث ٥١٦ - طرفه في: ٥٩٩٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ حَمْلَ الْمُصَلِّي الْجَارِيَةَ إِذَا كَانَ لَا يَضُرُّ الصَّلَاةَ فَمُرُورُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا أَشَدُّ مِنْ مُرُورِهَا. وَأَشَارَ إِلَى نَحْوِ هَذَا الِاسْتِنْبَاطِ الشَّافِعِيُّ، لَكِنَّ
تَقْيِيدَ الْمُصَنِّفِ بِكَوْنِهَا صَغِيرَةً قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْكَبِيرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُ: سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ بِالتَّنْوِينِ وَنَصْبِ أُمَامَةَ، وَرُوِيَ بِالْإِضَافَةِ كَمَا قُرِئَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ بِالْوَجْهَيْنِ، وَتَخْصِيصُ الْحَمْلِ فِي التَّرْجَمَةِ بِكَوْنِهِ عَلَى الْعُنُقِ - مَعَ أَنَّ السِّيَاقَ يَشْمَلُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ - مَأْخُوذٌ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُصَرِّحَةٍ بِذَلِكَ وَهِيَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ فَزَادَ فِيهِ: عَلَى عَاتِقِهِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: عَلَى رَقَبَتِهِ. وأُمَامَةُ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ تَخْفِيفَ الْمِيمَيْنِ - كَانَتْ صَغِيرَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ بِوَصِيَّةٍ مِنْهَا وَلَمْ تُعْقِبْ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَبِي الْعَاصِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ: بِنْتُ زَيْنَبَ بِمَعْنَى اللَّامِ، فَأَظْهَرَ فِي الْمَعْطُوفِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلِأَبِي الْعَاصِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. انْتَهَى.
وَأَشَارَ ابْنُ الْعَطَّارِ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ كَوْنُ وَالِدِ أُمَامَةَ كَانَ إِذْ ذَاكَ مُشْرِكًا، فَنُسِبَتْ إِلَى أُمِّهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إِلَى أَشْرَفِ أَبَوَيْهِ دِينًا وَنَسَبًا. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ أَبِي الْعَاصِ تَبْيِينًا لِحَقِيقَةِ نَسَبِهَا. انْتَهَى. وَهَذَا السِّيَاقُ لِمَالِكٍ وَحْدَهُ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَنَسَبُوهَا إِلَى أَبِيهَا ثُمَّ بَيَّنُوا أَنَّهَا بِنْتُ زَيْنَبَ كَمَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ: يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ - وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَاتِقِهِ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ) كَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، وَمَعْنُ بْنِ عِيسَى، وَأَبُو مُصْعَبٍ وَغَيْرُهُمْ عَنْ مَالِكٍ، فَقَالُوا: ابْنُ الرَّبِيعِ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَغَفَلَ الْكِرْمَانِيُّ، فَقَالَ: خَالَفَ الْقَوْمُ الْبُخَارِيَّ فَقَالَ: رَبِيعَةُ، وَعِنْدَهُمُ الرَّبِيعُ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، كَالْبُخَارِيِّ فَالْمُخَالَفَةُ فِيهِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ مَالِكٍ، وَادَّعَى الْأَصِيلِيُّ أَنَّهُ ابْنُ الرَّبِيعِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَنَسَبَهُ مَالِكٌ مَرَّةً إِلَى جَدِّهِ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا لِإِطْبَاقِ النَّسَّابِينَ عَلَى خِلَافِهِ. نَعَمْ قَدْ نَسَبَهُ مَالِكٌ إِلَى جَدِّهِ فِي قَوْلِهِ: ابْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أَطْبَقَ عَلَى ذَلِكَ النَّسَّابُونَ أَيْضًا، وَاسْمُ أَبِي الْعَاصِ لَقِيطٌ، وَقِيلَ: مِقْسَمٌ، وَقِيلَ: الْقَاسِمُ، وَقِيلَ: مِهْشَمٌ، وَقِيلَ: هُشَيْمٌ، وَقِيلَ: يَاسِرٌ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ. أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَهَاجَرَ، وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ، وَمَاتَتْ مَعَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا) كَذَا لِمَالِكٍ أَيْضًا، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنُ عِجْلَانِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعُمَيْسِ كُلُّهُمْ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ شَيْخِ مَالِكٍ، فَقَالُوا: إِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ: حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخَذَهَا فَوَضَعَهَا ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ قَامَ وَأَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ فِعْلَ الْحَمْلِ وَالْوَضْعِ كَانَ مِنْهُ لَا مِنْهَا، بِخِلَافِ مَا أَوَّلَهُ الْخَطَّابِيُّ حَيْثُ قَالَ: يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الصبية كَانَتْ قَدْ أَلِفَتْهُ، فَإِذَا سَجَدَ تَعَلَّقَتْ بِأَطْرَافِهِ وَالْتَزَمَتْهُ فَيَنْهَضُ مِنْ سُجُودِهِ فَتَبْقَى مَحْمُولَةً كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَرْكَعَ فَيُرْسِلَهَا.
قَالَ: هَذَا وَجْهُهُ عِنْدِي. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ لَفْظَ حَمَلَ لَا يُسَاوِي لَفْظَ وَضَعَ فِي اقْتِضَاءِ فِعْلِ الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: فَلَانٌ حَمَلَ كَذَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ حَمَلَهُ، بِخِلَافِ وَضَعَ، فَعَلَى هَذَا فَالْفِعْلُ الصَّادِرُ مِنْهُ هُوَ الْوَضْعُ لَا الرَّفْعُ فَيَقِلُّ الْعَمَلُ. قَالَ: وَقَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ هَذَا حَسَنًا إِلَى أَنْ رَأَيْتُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ: فَإِذَا قَامَ أَعَادَهَا. قُلْتُ: وَهِيَ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ.
وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا أَصْرَحُ فِي ذَلِكَ وَهِيَ: ثُمَّ
أَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عَلَى رَقَبَتِهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالَّذِي أَحْوَجَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ فِي النَّافِلَةِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَانَ فِي فَرِيضَةٍ. وَسَبَقَهُ إِلَى اسْتِبْعَادِ ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ، وَعِيَاضٌ، لِمَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ وأُمَامَةُ عَلَى عَاتِقِهِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: إِمَامَتُهُ بِالنَّاسِ فِي النَّافِلَةِ لَيْسَتْ بِمَعْهُودَةٍ. وَلِأَبِي دَاوُدَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ - أَوِ الْعَصْرِ - وَقَدْ دَعَاهُ بِلَالٌ إِلَى الصَّلَاةِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا وأُمَامَةُ عَلَى عَاتِقِهِ، فَقَامَ فِي مُصَلَّاهُ فَقُمْنَا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ فَكَبَّرْنَا وَهِيَ فِي مَكَانِهَا، وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ وَتَبِعَهُ السُّهَيْلِيُّ الصُّبْحُ، وَوَهِمَ مَنْ عَزَاهُ لِلصَّحِيحَيْنِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَرَوَى أَشْهَبُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ حَيْثُ لَمْ يَجِد مَنْ يَكْفِيهِ أَمْرَهَا. انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَبَكَتْ وَشَغَلَتْ سِرَّهُ فِي صَلَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ شُغْلِهِ بِحَمْلِهَا. وَفَرَّقَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إِنْ وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ أَمْرَهَا جَازَ فِي النَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ جَازَ فِيهِمَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ.
قُلْتُ: رَوَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَقِبَ رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِهِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ، وَلَفْظُهُ: قَالَ التِّنِّيسِيُّ: قَالَ مَالِكٌ: مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَعَلَّهُ نُسِخَ بِتَحْرِيمِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَبِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَطْعًا بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ. وَذَكَرَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ لِكَوْنِهِ كَانَ مَعْصُومًا مِنْ أَنْ تَبُولَ وَهُوَ حَامِلُهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ وَبِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ فِي أَمْرٍ ثُبُوتُهُ فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
وَحَمَلَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مُتَوَالٍ لِوُجُودِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي أَرْكَانِ صَلَاتِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ادَّعَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ، وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنَ الْخَصَائِصِ، وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ لِضَرُورَةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ طَاهِرٌ، وَمَا فِي جَوْفِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَثِيَابُ الْأَطْفَالِ وَأَجْسَادُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ النَّجَاسَةُ، وَالْأَعْمَالُ فِي الصَّلَاةِ لَا تُبْطِلُهَا إِذَا قَلَّتْ أَوْ تَفَرَّقَتْ، وَدَلَائِلُ الشَّرْعِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي حَمْلِهِ أُمَامَةَ فِي الصَّلَاةِ دَفْعًا لِمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَأْلَفُهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْبَنَاتِ وَحَمْلِهِنَّ، فَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي رَدْعِهِمْ، وَالْبَيَانُ بِالْفِعْلِ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَرْجِيحِ الْعَمَلِ بِالْأَصْلِ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وَلِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ هُنَا بَحْثٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ لَا عُمُومَ لَهَا، وَعَلَى جَوَازِ إِدْخَالِ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَعَلَى أَنَّ لَمْسَ الصِّغَارِ الصَّبَايَا غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الطَّهَارَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِنَّ، وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ حَمَلَ آدَمِيًّا، وَكَذَا مَنْ حَمَلَ حَيَوَانًا طَاهِرًا، وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ الْمُسْتَجْمِرِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أُمَامَةُ كَانَتْ حِينَئِذٍ قَدْ غَسَلَتْ، كَمَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَمَسُّهَا بِحَائِلٍ.
وَفِيهِ تَوَاضُعُهُ ﷺ وَشَفَقَتُهُ عَلَى الْأَطْفَالِ، وَإِكْرَامُهُ لَهُمْ جَبْرًا لَهُمْ وَلِوَالِدَيْهِمْ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في السَّفينة، واحتجَّ الأكثرون بحديث: «لا يقطع الصَّلاة شيءٌ»، وحملوا القطع في حديث أبي ذَرٍّ وابن عبَّاسٍ ﵄ على المُبالَغة في خوف الإفساد بالشُّغل بها، فإن قلت: تمسُّك الأكثرين بحديث: «لا يقطع الصَّلاة شيءٌ» لا يحسن لأنَّه مُطلَقٌ، وحديث الثَّلاثة مُقيَّدٌ، والمُقيَّد (١) يقضي على المُطلَق، أُجيب بأنَّه ورد (٢) ما يقضي على هذا المُقيَّد وهو صلاته ﷺ إلى أزواجه ﵅ وهنَّ في قبلته، ومال (٣) الطَّحاويُّ وغيره إلى (٤) أنَّ صلاته ﵊ إلى أزواجه ناسخةٌ لحديث أبي ذَرٍّ وما وافقه، وعُورِض بأنَّ النَّسخ لا يُصار إليه إِلَّا إذا عُلِمَ التَّاريخ وتعذَّر الجمع، والتَّاريخ هنا لم يتحقَّق، والجمع لم يتعذَّر، وأُجيب بأنَّ ابن عمر ﵄ بعد ما روى أنَّ المرور يقطع قال: «لا يقطع صلاة المسلم شيءٌ» فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك (٥)؛ لم يقل ذلك وكذلك (٦) ابن عبَّاسٍ أحد الرُّواة للقطع رُوِيَ عنه حمله على الكراهة، لكن قد (٧) مال الشَّافعيُّ وغيره إلى تأويل «القطع» بأنَّ المُراد به: نقص الخشوع، لا الخروج من الصَّلاة، ويؤيِّد ذلك أنَّ الصَّحابيَّ راوي الحديث سأل عن الحكمة في التَّقييد بالأسود، فأُجيب بأنَّه شيطانٌ، ومعلومٌ أنَّ الشَّيطان لو مرَّ بين يدَي المصلِّي لم تفسد صلاته.
وفي هذا الحديث: التَّحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ورواته ثمانيةٌ.
٥١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه الحنظليُّ، ولأبي ذَرٍّ: «إسحاق بن إبراهيم (٨)»
(قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي روايةٍ: «حدَّثنا» (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إبراهيم بن سعدٍ» بسكون العين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن عبد الله بن مسلمٍ (أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ الزُّهريَّ (عَنِ الصَّلَاةِ، يَقْطَعُهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ) أي: ابن شهابٍ، وللأَصيليِّ «قال»: (لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ) عامٌّ مخصوصٌ، فإنَّ القول والفعل الكثير يقطعها، أو (١) المُراد: لا يقطعها شيءٌ من الثَّلاثة الَّتي وقع النِّزاع فيها: «المرأة والحمار والكلب»، ثمَّ قال ابن شهابٍ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ مُؤكَّدةٌ بـ «إنَّ» و «اللَّام» (عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ) متعلِّقٌ بقوله: «فيصلِّي»، وهو يقتضي أنَّ صلاته كانت واقعةً على الفراش، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «عن فراش أهله» وهو متعلِّقٌ بقوله: «يقوم».
ورواة هذا الحديث السِّتَّة مدنيُّون، ما خلا إسحاق فإنَّه مروزيٌّ، وفيه: التَّحديث والإخبار بصيغة الجمع والإفراد، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ.
(١٠٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ) لا تفسد صلاته، وزاد غير الأربعة: (فِي الصَّلَاةِ).