«الرَّحِمُ شِجْنَةٌ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ.»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٩٨٩

الحديث رقم ٥٩٨٩ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من وصل وصله الله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «الرحم شجنة، فمن وصلها وصلته ومن قطعها…

«الرَّحِمُ شِجْنَةٌ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ.»

بَابٌ: يَبُلُّ الرَّحِمَ بِبَلَالِهَا

سند حديث: ٥٩٨٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي…

٥٩٨٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «الرحم شجنة، فمن وصلها وصلته ومن قطعها…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٩٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ (١) بن الحكم بن محمَّد بن سالم (٢) بن أبي مريم الجمحيُّ، مولاهم المصري (٣) قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) مولى الصِّدِّيق (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) عبد الرَّحمن السَّابق في هذا الباب [خ¦٥٩٨٧] (عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ) مولى الزُّبير، المدنيُّ القاريُّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ) سقط قولهُ: «زوج النَّبيِّ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، (عَنْ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ): (الرَّحِمُ شُِجْنَةٌ) بكسر الشين، ولأبي ذرٍّ ضمها مصحَّحًا عليهما في الفرع، ولم يقل هنا: «من الرَّحمن» لأنَّ ذلك معلومٌ من الرِّواية السَّابقة (فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ) وفي ذلك تعظيمُ أمر الرَّحم، وأنَّ صلتَها مندوبٌ إليها (٤) وأن قطعَها من الكبائرِ لورودِ الوعيدِ الشَّديد فيه.

(١٤) (بابٌ) بالتَّنوين: (يَبُلُّ) الشَّخص المكلَّف (الرَّحِمَ) ولأبي ذرٍّ: «تُبَل» بضم الفوقية وفتح الموحدة «الرَّحمُ» (بِبَِلَالِهَا) بكسر الموحدة الأولى وفتح الثانية وكسرها، والبَلالُ بمعنى البللِ، وهو النَّداوةُ، وأُطلِقَ ذلك على الصِّلة، كما أُطلِقَ اليُبْس على القطيعةِ.

٥٩٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون

الميم، و «عبَّاس»: بالموحدة والمهملة، أبو عثمان الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) سعد البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) عوف البجليِّ (أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ) (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ جِهَارًا) يتعلَّق بالمفعول، أي: كان المسموع في حال الجهرِ، أو بالفاعلِ، أي: أقولُ ذلك جهارًا (غَيْرَ سِرٍّ) تأكيدٌ لرفعِ توهم أنَّه جهرَ به مرَّةً وأخفاهُ أُخرى (يَقُولُ: إِنَّ آلَ أَبِي) بحذفِ ما يضافُ إلى أداةِ الكنية، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أبي فلان» كناية عن اسمِ علمٍ، وجزمَ الدِّمياطيُّ في «حواشيه» بأنَّ المراد آل أبي العاص بن أميَّة. وفي «سراج المريدين» لابن العربيِّ آل أبي طالبٍ. وأيَّده في «الفتح» بأنَّه في «مستخرج أبي نُعيم» من طريق الفضلِ ابن الموفق، عن عنبسةَ بن عبد الواحدِ -بسند البخاريِّ- عن بيانِ بن بشرٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن عَمرو بن العاص، رفعه «إنَّ لبنِي أبي (١) طالبٍ رحمًا» الحديث (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن عبَّاسٍ شيخ البخاريِّ فيه (فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ) يعني غُنْدرًا شيخ عَمرو فيه (بَيَاضٌ) بالرَّفع على الصَّواب، أي: موضعٌ أبيضُ بغيرِ كتابة، وضعِّف الجرُّ؛ إذ يكون المعنى: في كتاب محمَّد بن جعفرٍ أنَّ آل أبي بياضٍ لأنَّه لا يُعرف في العربِ قبيلةٌ يقال لها: آلُ أبي بياضٍ (٢) فضلًا عن قريش، وسياق الحديث يشعرُ بأنَّهم من قبيلتهِ وهي قريشٌ (لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي) قال في «الفتح»: وفي نسخة من رواية أبي ذرٍّ: «بأولياء» والمرادُ -كما قال السَّفاقِسيُّ-: مَن لم يُسْلم منهم فهو مِن إطلاقِ الكلِّ وإرادةِ البعض. وحملَه الخطَّابيُّ على ولايةِ القُرْب والاختصاصِ لا ولايةَ الدِّين (إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ) بتشديد الياء، مضافًا لياء المتكلم المفتوحة (وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ) مَن صلُح منهم، أي: مَن أحسنَ وعملَ صالحًا، وقيل: من برئ من النِّفاق، وقيل: الصَّحابة، وهو واحدٌ أريدَ به الجمعُ، كقولك: لا يفعل (٣) هذا الصَّالح من النَّاس، تريد الجنس، وقيل: أصله صالحو،

فحذفتِ الواو من الخطِّ موافقةً للَّفظ. وقال في «شرح المشكاة»: المعنى لا أُوالي أحدًا بالقَرَابة، وإنَّما أحبُ الله لِمَا له من الحقِّ الواجبِ على العبادِ، وأحبُّ صالح المؤمنين لوجهِ الله، وأُوالي من أُوالي بالإيمانِ والصَّلاح سواءٌ كان من ذَوي رَحمي أم لا، ولكن أُراعي لذوي الرَّحم حقَّهم بصلةِ الرَّحم (زَادَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ) بفتح العين المهملة والموحدة بينهما نون ساكنة والسين مهملة مفتوحة، وهو موثَّقٌ عندهم، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث، وكان يعدُّ من الأبدالِ (عَنْ بَيَانٍ) بالموحدةِ المفتوحةِ وتخفيفِ التحتية وبعد الألف نون، ابن بشر -بالشين المعجمة- الأحمسيُّ (عَنْ قَيْسٍ) هو: ابنُ أبي (١) حازم (عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ : وَلَكِنْ لَهُمْ) أي: لآل أبي (رَحِمٌ) قرابةٌ (أَبُلُّهَا) بفتح الهمزة وضم الموحدة وتشديد اللَّام المضمومة (بِبَِلَالِهَا) قال في «شرح المشكاة»: فيه مبالغةٌ فالمعنى أبلها بما (٢) عُرِف واشتُهر، شبَّه الرَّحم بأرضٍ إذا بُلَّت بالماء حقَّ بَلالها أَزْهرت وأثمرتْ، ورئي في أثمارِها أثر النَّضارةِ، وأثمرتِ المحبَّة والصَّفاء، وإذا تُرِكتْ بغيرِ سقي يبستْ وأجدبتْ فلم تثمرْ إلَّا العداوةَ والقطيعةَ (يَعْنِي أَصِلُهَا بِصِلَتِهَا) وهذا التَّفسير سقط من رواية النَّسفي، ولأبي ذرٍّ: «ببَلائها» بعد اللَّام ألف وهمزة (٣).

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي البخاريُّ: (بِبَلَاهَا) أي بغير لامٍ ثانيةٍ (كَذَا وَقَعَ، وَبِبَلَالِهَا) أي بإثبات اللَّام (أَجْوَدُ وَأَصَحُّ، وَبِبَلَاهَا لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا). قال في «الكواكب»: يحتمل أن يقال: وجهه أنَّ البلاء جاء بمعنى المعروف والنِّعمة، وحيث كان الرَّحم مَصْرفها أضيفَ إليها بهذه المُلابسة، فكأنَّه قال: أبلُّها بمعروفها اللَّائق بها، والله أعلم.

وهذا الحديث أخرجه مسلم (٤) في «الإيمان».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٥٩٨٦ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنُ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَنْ أحَبَّ أنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رزْقِهِ ويُنْسَأ لَهُ فِي أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٢٠٦٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم بِهَذَا النسق.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده بِهِ.

وَقد ورد فِي فضل صلَة الرَّحِم أَحَادِيث كَثِيرَة: مِنْهَا حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ، رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (زوائده على الْمسند) وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) بِلَفْظ: من سره أَن يمدله فِي عمره ويوسع عَلَيْهِ فِي رزقه وَيدْفَع عَنهُ ميتَة السوء فَليصل رَحمَه. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه التِّرْمِذِيّ: أَن صلَة الرَّحِم محبَّة فِي الْأَهْل مثراة فِي المَال منسأة فِي الْأَثر. وَمِنْهَا حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، أخرجه أَحْمد بِسَنَد رِجَاله ثِقَات مَرْفُوعا: صلَة الرَّحِم وَحسن الْجوَار وَحسن الْخلق يعمرَانِ الديار وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَار. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي: (كتاب التَّرْغِيب والترهيب) مَرْفُوعا: والوالدين يزِيد فِي الْعُمر وَالْكذب ينقص الرزق وبر الْوَالِدين من أعظم صلَة الرَّحِم، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وثوبان مُسْندًا عَن التَّوْرَاة: (ابْن آدم {اتقِ رَبك وبرَّ والديك وصل رَحِمك أمد لَك فِي عمرك) . وَرُوِيَ أَيْضا عَن ثَوْبَان يرفعهُ: لَا يزِيد فِي الْعُمر إلَاّ بر الْوَالِدين وَلَا يزِيد فِي الرزق إلَاّ صلَة الرَّحِم، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده عَليّ رَضِي الله عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ، وَسَأَلَ عَن قَوْله: {يمحو الله مَا يَشَاء} (الرَّعْد: ٣٩) قَالَ: هِيَ الصَّدَقَة على وَجههَا وبر الْوَالِدين واصطناع الْمَعْرُوف وصلَة الرَّحِم تحول الشَّقَاء سَعَادَة وتزيد فِي الْعُمر وتقي مصَارِع السوء، يَا عَليّ وَمن كَانَت فِيهِ خصْلَة وَاحِدَة من هَذِه الْأَشْيَاء أعطَاهُ الله تَعَالَى هَذِه الثَّلَاث الْخِصَال، وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الله بن عمر يرفعهُ: أَن الْإِنْسَان ليصل رَحمَه وَمَا بَقِي من عمره إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام فيزيد الله فِي عمره ثَلَاثِينَ سنة، وَأَن الرجل ليقطع رَحمَه وَقد بَقِي من عمره ثَلَاثُونَ سنة فينقص الله عمره حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ إلَاّ ثَلَاثَة أَيَّام. قَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا حَدِيث حسن، وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمًا وَنحن فِي صفة بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت البارحة عجبا، رَأَيْت رجلا من أمتِي أَتَاهُ ملك الْمَوْت ليقْبض روحه فَجَاءَهُ بره بِوَالِديهِ فَرد ملك الْمَوْت عَنهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا حَدِيث حسن جدا.

١٣ - (بابٌ مَنْ وَصَلَ وصَلَهُ الله)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من وصل رَحمَه الله، يَعْنِي: يعْطف عَلَيْهِ بفضله إِمَّا فِي عَاجل دُنْيَاهُ أَو آجل آخرته، وَالْعرب تَقول إِذا تفضل رجل على رجل آخر بِمَال أَو وهبه هبة: وصل فلَان فلَانا، كَذَا.

٥٩٨٧ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مُعاوِيَةُ بنُ أبي مُزَرِّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمِّي سَعِيدَ بنَ يَسار يُحَدِّثُ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قالَتِ الرَّحِمُ: هَذاا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ} أما تَرْضَيْنَ أنْ أصلَ مِنْ وصَلَكِ وأقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَهْوَ لَكِ. قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فاقْرَأوا إنْ شِئْتُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الَاْرْضِ وَتُقَطِّعُو اْ أَرْحَامَكُمْ} (مُحَمَّد: ٢٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمُعَاوِيَة بن أبي مزرد بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالدال الْمُهْملَة الْمدنِي وَله حَدِيث آخر وَهُوَ ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب عَن عَائِشَة، وَحَدِيث آخر قد مر فِي الزَّكَاة، يروي عَن عَمه سعيد بن يسَار ضد الْيَمين أبي الْحباب مولى شقران مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَة.

والْحَدِيث مضى

فِي التَّفْسِير فِي سُورَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن خَالِد عَن سُلَيْمَان عَن مُعَاوِيَة بن أبي مزرد ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (خلق الْخلق) يحْتَمل أَن يكون المُرَاد خلق جَمِيع الْمَخْلُوقَات، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الْمُكَلّفين. قَوْله: (حَتَّى إِذا فرغ) المُرَاد بالفراغ قَضَاؤُهُ وإتمامه وَنَحْو ذَلِك بِمَا يشْهد بِأَنَّهُ مجَاز القَوْل، فَإِن الله تَعَالَى لَا يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن، أَو يُطلق عَلَيْهِ الْفَرَاغ الَّذِي هُوَ ضد الشّغل. قَوْله: (قَالَت الرَّحِم) يحْتَمل أَن يكون هَذَا القَوْل بعد خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. أَو بعد خلقهَا كتبا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، أَو بعد انْتِهَاء خلق أَرْوَاح بني آدم عِنْد قَوْله: { (٧) أَلَسْت بربكم} (الْأَعْرَاف: ١٧٢) . لما أخرجهم من صلب آدم عَلَيْهِ السَّلَام، مثل الذَّر، ثمَّ إِسْنَاد القَوْل إِلَى الرَّحِم يحْتَمل أَن يكون بِلِسَان الْحَال، وَيحْتَمل أَن يكون بِلِسَان الْمقَال. يتَكَلَّم كَمَا هِيَ، أَو يخلق الله لَهَا عِنْد كَلَامهَا حَيَاة وعقلاً، وَقيل: هُوَ فِي الْحَقِيقَة ضرب مثل واستعادة إِذْ الرَّحْمَن معنى وَهُوَ إِيصَال الْقُرْبَى بَين أهل النّسَب، وَهِي اسْتِعَارَة تمثيلية، وَهِي الَّتِي الْوَجْه فِيهَا منتزع من أُمُور متوهمة للمشبه الْمَعْقُول بِمَا كَانَت تَابِعَة للمشبه بِهِ المحسوس، وَذَلِكَ انه شبهت حَالَة الرَّحِم وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من الافتقار إِلَى الصِّلَة والذب مِنْهَا من القطيعة بِحَال مستجير يَأْخُذ بذيل المستجار بِهِ وحقو إزَاره، ثمَّ أَدخل صُورَة حَال الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ، وَاسْتعْمل فِي حَال الْمُشبه مَا كَانَ مُسْتَعْملا فِي الْمُشبه بِهِ من الْأَلْفَاظ بدلائل قَرَائِن الْأَحْوَال، وَيجوز أَن يكون اسْتِعَارَة مكنية بِأَن يشبه الرَّحِم بِإِنْسَان يستجير بِمن يحميه ويذب عَنهُ مَا يُؤْذِيه، ثمَّ انْعَقَد على سَبِيل الإستعارة التخييلية مَا هُوَ لَازم الْمُشبه بِهِ من الْقيام ليَكُون قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْحَقِيقَة، ثمَّ رشحت الإستعارة بِأخذ القَوْل. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الرَّحِم الَّتِي توصل وتقطع إِنَّمَا هِيَ معنى من الْمعَانِي لَيست بجسم، وَإِنَّمَا هِيَ قرَابَة وَنسب يجمعه رحم وَالِده ويتصل بعضه بِبَعْض، فَسُمي ذَلِك الِاتِّصَال رحما. والمعاني لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا الْقيام وَلَا الْكَلَام فَيكون ذكر قِيَامهَا هُنَا وتعلقها بالعرش ضرب مثل وَحسن اسْتِعَارَة على عَادَة الْعَرَب فِي اسْتِعْمَال ذَلِك وتعظيم شَأْنهَا وفضيلة واصلها وعظيم إِثْم قاطعها بعقوقه، وَلِهَذَا سمي العقوق قطعا، والعق الشق كَأَنَّهُ قطع ذَلِك السَّبَب الْمُتَّصِل. قَالَ: وَيجوز أَن يكون المُرَاد قيام ملك من الْمَلَائِكَة وَتعلق بالعرش وَتكلم على لسانها بِهَذَا بِأَمْر الله عز وَجل. قَوْله: (أَن أصل من وصلك) الْوَصْل من الله تَعَالَى كِنَايَة عَن عَظِيم إحسانه، وَالْقطع مِنْهُ كِنَايَة عَن حرمَان الْإِحْسَان.

٥٩٨٨ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حَدثنَا سُلَيْمانُ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ دِينَار عنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمانِ، فَقَالَ الله: مَنْ وصَلَكِ وصَلْتُهُ ومَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ مولى عبد الله بن أبي عَتيق واسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان.

والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (شجنة) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم بعْدهَا نون وَجَاء بِضَم أَوله وبفتحه رِوَايَة ولغة وَاصل الشجنة عروق الشّجر المشتبكة. قَوْله: (من الرَّحْمَن) أَي: أَخذ اسْمهَا من هَذَا لإسم كَمَا فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: قَالَ الله: {أَنا الله وَأَنا الرَّحْمَن خلقت الرَّحِم وشققت لَهَا من إسمي من وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا بتته} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قَالَ الله تَعَالَى: {الرَّحِم شجنة مني فَمن وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا قطعته} وَالْمعْنَى أَنَّهَا أثر من آثَار الرَّحْمَة مشتبكة بهَا فالقاطع لَهَا مُنْقَطع من رَحْمَة الله. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: معنى الحَدِيث أَن الرَّحِم مُشْتَقّ اسْمهَا من إسم الرَّحْمَن، فلهَا بِهِ علقَة وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا من ذَات الله تَعَالَى، تَعَالَى الله عَن ذَلِك.

٥٩٨٩ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا سُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ: أَخْبرنِي مُعاوِيَةُ بنُ أبي مُرَزِّدٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٩٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ (١) بن الحكم بن محمَّد بن سالم (٢) بن أبي مريم الجمحيُّ، مولاهم المصري (٣) قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) مولى الصِّدِّيق (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) عبد الرَّحمن السَّابق في هذا الباب [خ¦٥٩٨٧] (عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ) مولى الزُّبير، المدنيُّ القاريُّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ) سقط قولهُ: «زوج النَّبيِّ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، (عَنْ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ): (الرَّحِمُ شُِجْنَةٌ) بكسر الشين، ولأبي ذرٍّ ضمها مصحَّحًا عليهما في الفرع، ولم يقل هنا: «من الرَّحمن» لأنَّ ذلك معلومٌ من الرِّواية السَّابقة (فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ) وفي ذلك تعظيمُ أمر الرَّحم، وأنَّ صلتَها مندوبٌ إليها (٤) وأن قطعَها من الكبائرِ لورودِ الوعيدِ الشَّديد فيه.

(١٤) (بابٌ) بالتَّنوين: (يَبُلُّ) الشَّخص المكلَّف (الرَّحِمَ) ولأبي ذرٍّ: «تُبَل» بضم الفوقية وفتح الموحدة «الرَّحمُ» (بِبَِلَالِهَا) بكسر الموحدة الأولى وفتح الثانية وكسرها، والبَلالُ بمعنى البللِ، وهو النَّداوةُ، وأُطلِقَ ذلك على الصِّلة، كما أُطلِقَ اليُبْس على القطيعةِ.

٥٩٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون

الميم، و «عبَّاس»: بالموحدة والمهملة، أبو عثمان الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) سعد البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) عوف البجليِّ (أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ) (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ جِهَارًا) يتعلَّق بالمفعول، أي: كان المسموع في حال الجهرِ، أو بالفاعلِ، أي: أقولُ ذلك جهارًا (غَيْرَ سِرٍّ) تأكيدٌ لرفعِ توهم أنَّه جهرَ به مرَّةً وأخفاهُ أُخرى (يَقُولُ: إِنَّ آلَ أَبِي) بحذفِ ما يضافُ إلى أداةِ الكنية، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أبي فلان» كناية عن اسمِ علمٍ، وجزمَ الدِّمياطيُّ في «حواشيه» بأنَّ المراد آل أبي العاص بن أميَّة. وفي «سراج المريدين» لابن العربيِّ آل أبي طالبٍ. وأيَّده في «الفتح» بأنَّه في «مستخرج أبي نُعيم» من طريق الفضلِ ابن الموفق، عن عنبسةَ بن عبد الواحدِ -بسند البخاريِّ- عن بيانِ بن بشرٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن عَمرو بن العاص، رفعه «إنَّ لبنِي أبي (١) طالبٍ رحمًا» الحديث (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن عبَّاسٍ شيخ البخاريِّ فيه (فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ) يعني غُنْدرًا شيخ عَمرو فيه (بَيَاضٌ) بالرَّفع على الصَّواب، أي: موضعٌ أبيضُ بغيرِ كتابة، وضعِّف الجرُّ؛ إذ يكون المعنى: في كتاب محمَّد بن جعفرٍ أنَّ آل أبي بياضٍ لأنَّه لا يُعرف في العربِ قبيلةٌ يقال لها: آلُ أبي بياضٍ (٢) فضلًا عن قريش، وسياق الحديث يشعرُ بأنَّهم من قبيلتهِ وهي قريشٌ (لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي) قال في «الفتح»: وفي نسخة من رواية أبي ذرٍّ: «بأولياء» والمرادُ -كما قال السَّفاقِسيُّ-: مَن لم يُسْلم منهم فهو مِن إطلاقِ الكلِّ وإرادةِ البعض. وحملَه الخطَّابيُّ على ولايةِ القُرْب والاختصاصِ لا ولايةَ الدِّين (إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ) بتشديد الياء، مضافًا لياء المتكلم المفتوحة (وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ) مَن صلُح منهم، أي: مَن أحسنَ وعملَ صالحًا، وقيل: من برئ من النِّفاق، وقيل: الصَّحابة، وهو واحدٌ أريدَ به الجمعُ، كقولك: لا يفعل (٣) هذا الصَّالح من النَّاس، تريد الجنس، وقيل: أصله صالحو،

فحذفتِ الواو من الخطِّ موافقةً للَّفظ. وقال في «شرح المشكاة»: المعنى لا أُوالي أحدًا بالقَرَابة، وإنَّما أحبُ الله لِمَا له من الحقِّ الواجبِ على العبادِ، وأحبُّ صالح المؤمنين لوجهِ الله، وأُوالي من أُوالي بالإيمانِ والصَّلاح سواءٌ كان من ذَوي رَحمي أم لا، ولكن أُراعي لذوي الرَّحم حقَّهم بصلةِ الرَّحم (زَادَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ) بفتح العين المهملة والموحدة بينهما نون ساكنة والسين مهملة مفتوحة، وهو موثَّقٌ عندهم، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث، وكان يعدُّ من الأبدالِ (عَنْ بَيَانٍ) بالموحدةِ المفتوحةِ وتخفيفِ التحتية وبعد الألف نون، ابن بشر -بالشين المعجمة- الأحمسيُّ (عَنْ قَيْسٍ) هو: ابنُ أبي (١) حازم (عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ : وَلَكِنْ لَهُمْ) أي: لآل أبي (رَحِمٌ) قرابةٌ (أَبُلُّهَا) بفتح الهمزة وضم الموحدة وتشديد اللَّام المضمومة (بِبَِلَالِهَا) قال في «شرح المشكاة»: فيه مبالغةٌ فالمعنى أبلها بما (٢) عُرِف واشتُهر، شبَّه الرَّحم بأرضٍ إذا بُلَّت بالماء حقَّ بَلالها أَزْهرت وأثمرتْ، ورئي في أثمارِها أثر النَّضارةِ، وأثمرتِ المحبَّة والصَّفاء، وإذا تُرِكتْ بغيرِ سقي يبستْ وأجدبتْ فلم تثمرْ إلَّا العداوةَ والقطيعةَ (يَعْنِي أَصِلُهَا بِصِلَتِهَا) وهذا التَّفسير سقط من رواية النَّسفي، ولأبي ذرٍّ: «ببَلائها» بعد اللَّام ألف وهمزة (٣).

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي البخاريُّ: (بِبَلَاهَا) أي بغير لامٍ ثانيةٍ (كَذَا وَقَعَ، وَبِبَلَالِهَا) أي بإثبات اللَّام (أَجْوَدُ وَأَصَحُّ، وَبِبَلَاهَا لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا). قال في «الكواكب»: يحتمل أن يقال: وجهه أنَّ البلاء جاء بمعنى المعروف والنِّعمة، وحيث كان الرَّحم مَصْرفها أضيفَ إليها بهذه المُلابسة، فكأنَّه قال: أبلُّها بمعروفها اللَّائق بها، والله أعلم.

وهذا الحديث أخرجه مسلم (٤) في «الإيمان».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٥٩٨٦ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنُ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَنْ أحَبَّ أنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رزْقِهِ ويُنْسَأ لَهُ فِي أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٢٠٦٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم بِهَذَا النسق.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده بِهِ.

وَقد ورد فِي فضل صلَة الرَّحِم أَحَادِيث كَثِيرَة: مِنْهَا حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ، رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (زوائده على الْمسند) وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) بِلَفْظ: من سره أَن يمدله فِي عمره ويوسع عَلَيْهِ فِي رزقه وَيدْفَع عَنهُ ميتَة السوء فَليصل رَحمَه. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه التِّرْمِذِيّ: أَن صلَة الرَّحِم محبَّة فِي الْأَهْل مثراة فِي المَال منسأة فِي الْأَثر. وَمِنْهَا حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، أخرجه أَحْمد بِسَنَد رِجَاله ثِقَات مَرْفُوعا: صلَة الرَّحِم وَحسن الْجوَار وَحسن الْخلق يعمرَانِ الديار وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَار. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي: (كتاب التَّرْغِيب والترهيب) مَرْفُوعا: والوالدين يزِيد فِي الْعُمر وَالْكذب ينقص الرزق وبر الْوَالِدين من أعظم صلَة الرَّحِم، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وثوبان مُسْندًا عَن التَّوْرَاة: (ابْن آدم {اتقِ رَبك وبرَّ والديك وصل رَحِمك أمد لَك فِي عمرك) . وَرُوِيَ أَيْضا عَن ثَوْبَان يرفعهُ: لَا يزِيد فِي الْعُمر إلَاّ بر الْوَالِدين وَلَا يزِيد فِي الرزق إلَاّ صلَة الرَّحِم، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده عَليّ رَضِي الله عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ، وَسَأَلَ عَن قَوْله: {يمحو الله مَا يَشَاء} (الرَّعْد: ٣٩) قَالَ: هِيَ الصَّدَقَة على وَجههَا وبر الْوَالِدين واصطناع الْمَعْرُوف وصلَة الرَّحِم تحول الشَّقَاء سَعَادَة وتزيد فِي الْعُمر وتقي مصَارِع السوء، يَا عَليّ وَمن كَانَت فِيهِ خصْلَة وَاحِدَة من هَذِه الْأَشْيَاء أعطَاهُ الله تَعَالَى هَذِه الثَّلَاث الْخِصَال، وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الله بن عمر يرفعهُ: أَن الْإِنْسَان ليصل رَحمَه وَمَا بَقِي من عمره إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام فيزيد الله فِي عمره ثَلَاثِينَ سنة، وَأَن الرجل ليقطع رَحمَه وَقد بَقِي من عمره ثَلَاثُونَ سنة فينقص الله عمره حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ إلَاّ ثَلَاثَة أَيَّام. قَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا حَدِيث حسن، وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمًا وَنحن فِي صفة بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت البارحة عجبا، رَأَيْت رجلا من أمتِي أَتَاهُ ملك الْمَوْت ليقْبض روحه فَجَاءَهُ بره بِوَالِديهِ فَرد ملك الْمَوْت عَنهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا حَدِيث حسن جدا.

١٣ - (بابٌ مَنْ وَصَلَ وصَلَهُ الله)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من وصل رَحمَه الله، يَعْنِي: يعْطف عَلَيْهِ بفضله إِمَّا فِي عَاجل دُنْيَاهُ أَو آجل آخرته، وَالْعرب تَقول إِذا تفضل رجل على رجل آخر بِمَال أَو وهبه هبة: وصل فلَان فلَانا، كَذَا.

٥٩٨٧ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مُعاوِيَةُ بنُ أبي مُزَرِّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمِّي سَعِيدَ بنَ يَسار يُحَدِّثُ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قالَتِ الرَّحِمُ: هَذاا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ} أما تَرْضَيْنَ أنْ أصلَ مِنْ وصَلَكِ وأقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَهْوَ لَكِ. قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فاقْرَأوا إنْ شِئْتُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الَاْرْضِ وَتُقَطِّعُو اْ أَرْحَامَكُمْ} (مُحَمَّد: ٢٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمُعَاوِيَة بن أبي مزرد بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالدال الْمُهْملَة الْمدنِي وَله حَدِيث آخر وَهُوَ ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب عَن عَائِشَة، وَحَدِيث آخر قد مر فِي الزَّكَاة، يروي عَن عَمه سعيد بن يسَار ضد الْيَمين أبي الْحباب مولى شقران مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَة.

والْحَدِيث مضى

فِي التَّفْسِير فِي سُورَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن خَالِد عَن سُلَيْمَان عَن مُعَاوِيَة بن أبي مزرد ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (خلق الْخلق) يحْتَمل أَن يكون المُرَاد خلق جَمِيع الْمَخْلُوقَات، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الْمُكَلّفين. قَوْله: (حَتَّى إِذا فرغ) المُرَاد بالفراغ قَضَاؤُهُ وإتمامه وَنَحْو ذَلِك بِمَا يشْهد بِأَنَّهُ مجَاز القَوْل، فَإِن الله تَعَالَى لَا يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن، أَو يُطلق عَلَيْهِ الْفَرَاغ الَّذِي هُوَ ضد الشّغل. قَوْله: (قَالَت الرَّحِم) يحْتَمل أَن يكون هَذَا القَوْل بعد خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. أَو بعد خلقهَا كتبا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، أَو بعد انْتِهَاء خلق أَرْوَاح بني آدم عِنْد قَوْله: { (٧) أَلَسْت بربكم} (الْأَعْرَاف: ١٧٢) . لما أخرجهم من صلب آدم عَلَيْهِ السَّلَام، مثل الذَّر، ثمَّ إِسْنَاد القَوْل إِلَى الرَّحِم يحْتَمل أَن يكون بِلِسَان الْحَال، وَيحْتَمل أَن يكون بِلِسَان الْمقَال. يتَكَلَّم كَمَا هِيَ، أَو يخلق الله لَهَا عِنْد كَلَامهَا حَيَاة وعقلاً، وَقيل: هُوَ فِي الْحَقِيقَة ضرب مثل واستعادة إِذْ الرَّحْمَن معنى وَهُوَ إِيصَال الْقُرْبَى بَين أهل النّسَب، وَهِي اسْتِعَارَة تمثيلية، وَهِي الَّتِي الْوَجْه فِيهَا منتزع من أُمُور متوهمة للمشبه الْمَعْقُول بِمَا كَانَت تَابِعَة للمشبه بِهِ المحسوس، وَذَلِكَ انه شبهت حَالَة الرَّحِم وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من الافتقار إِلَى الصِّلَة والذب مِنْهَا من القطيعة بِحَال مستجير يَأْخُذ بذيل المستجار بِهِ وحقو إزَاره، ثمَّ أَدخل صُورَة حَال الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ، وَاسْتعْمل فِي حَال الْمُشبه مَا كَانَ مُسْتَعْملا فِي الْمُشبه بِهِ من الْأَلْفَاظ بدلائل قَرَائِن الْأَحْوَال، وَيجوز أَن يكون اسْتِعَارَة مكنية بِأَن يشبه الرَّحِم بِإِنْسَان يستجير بِمن يحميه ويذب عَنهُ مَا يُؤْذِيه، ثمَّ انْعَقَد على سَبِيل الإستعارة التخييلية مَا هُوَ لَازم الْمُشبه بِهِ من الْقيام ليَكُون قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْحَقِيقَة، ثمَّ رشحت الإستعارة بِأخذ القَوْل. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الرَّحِم الَّتِي توصل وتقطع إِنَّمَا هِيَ معنى من الْمعَانِي لَيست بجسم، وَإِنَّمَا هِيَ قرَابَة وَنسب يجمعه رحم وَالِده ويتصل بعضه بِبَعْض، فَسُمي ذَلِك الِاتِّصَال رحما. والمعاني لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا الْقيام وَلَا الْكَلَام فَيكون ذكر قِيَامهَا هُنَا وتعلقها بالعرش ضرب مثل وَحسن اسْتِعَارَة على عَادَة الْعَرَب فِي اسْتِعْمَال ذَلِك وتعظيم شَأْنهَا وفضيلة واصلها وعظيم إِثْم قاطعها بعقوقه، وَلِهَذَا سمي العقوق قطعا، والعق الشق كَأَنَّهُ قطع ذَلِك السَّبَب الْمُتَّصِل. قَالَ: وَيجوز أَن يكون المُرَاد قيام ملك من الْمَلَائِكَة وَتعلق بالعرش وَتكلم على لسانها بِهَذَا بِأَمْر الله عز وَجل. قَوْله: (أَن أصل من وصلك) الْوَصْل من الله تَعَالَى كِنَايَة عَن عَظِيم إحسانه، وَالْقطع مِنْهُ كِنَايَة عَن حرمَان الْإِحْسَان.

٥٩٨٨ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حَدثنَا سُلَيْمانُ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ دِينَار عنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمانِ، فَقَالَ الله: مَنْ وصَلَكِ وصَلْتُهُ ومَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ مولى عبد الله بن أبي عَتيق واسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان.

والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (شجنة) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم بعْدهَا نون وَجَاء بِضَم أَوله وبفتحه رِوَايَة ولغة وَاصل الشجنة عروق الشّجر المشتبكة. قَوْله: (من الرَّحْمَن) أَي: أَخذ اسْمهَا من هَذَا لإسم كَمَا فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: قَالَ الله: {أَنا الله وَأَنا الرَّحْمَن خلقت الرَّحِم وشققت لَهَا من إسمي من وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا بتته} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قَالَ الله تَعَالَى: {الرَّحِم شجنة مني فَمن وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا قطعته} وَالْمعْنَى أَنَّهَا أثر من آثَار الرَّحْمَة مشتبكة بهَا فالقاطع لَهَا مُنْقَطع من رَحْمَة الله. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: معنى الحَدِيث أَن الرَّحِم مُشْتَقّ اسْمهَا من إسم الرَّحْمَن، فلهَا بِهِ علقَة وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا من ذَات الله تَعَالَى، تَعَالَى الله عَن ذَلِك.

٥٩٨٩ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا سُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ: أَخْبرنِي مُعاوِيَةُ بنُ أبي مُرَزِّدٍ

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.1 / 29.5
الإضاءة 88%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا إله إلا الله