الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٩٨٨
الحديث رقم ٥٩٨٨ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من وصل وصله الله.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٥٩٨٨ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
قوله: «خَلَقَ اللهُ الخلقَ، فلمَّا فرغَ منه» أي: انتهى من خلق المخلوقات، وهو يدل على أن ذلك وقع في وقت محدد، وإن كان الله تعالى لا حدَّ لقدرته، ولا يشغله شأن عن شأن، ولكن اقتضت حكمته أن يجعل لفعله ذلك وقتًا معينًا، وهذا من الأدلة على أن أفعاله تتعلق بمشيئته، فمتى أراد أن يفعل شيئا فعله.
وليس معنى قوله: «لما فرغ» أنه تعالى انتهى من خلق كل شيء، بل مخلوقاته تعالى لا تزال توجد شيئا بعد شيء، ولكن سبق علمه بها، وتقديره لها وكتابته إياها، ثم هي تقع بمشيئته، فلا يكون إلا ما سبق به علمه، وتقديره وكتابته، وشاءه فوجد.
قوله: «قامت الرَّحِمُ فأخذت بحَقْو الرَّحمن، فقال له: مَه» هذه الأفعال المسنَدة إلى الرحم، من القيام والقول، ظاهر الحديث أنها على ظاهرها حقيقة، وإن كانت الرحم معنى يقوم بالناس، ولكن قدرة الله تعالى لا تُقاس بما يعرفه عقل الإنسان، وهذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات، التي نص الأئمة على أنها تُمَرُّ كما جاء، وردُّوا على من نفى موجبه. وليس ظاهر هذا الحديث أن لله إزاراً ورداءً من جنس الملابس التي يلبسها الناس، مما يصنع من الجلود والكتان والقطن وغيره، قال تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).
قوله: «قالت: هذا مقامُ العائذِ بك من القَطِيعة» هذا أعظم مقام، والعائذ به استعاذ بأعظم معاذ، وهو دليل على تعظيم صلة الرحم، وعظم قطيعتها، والقطيعة: عدم الوصل، والوصل: هو الإحسان إلى ذوي القرابة، والتودُّد لهم والقرب منهم، ومساعدتهم، ودفع ما يؤذيهم، والحرص على جلب ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
قوله: «قال: ألَا تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَن وصلكِ، وأقطعَ مَن قطعكِ، قالت: بلى يا ربِّ، قال: فذاك» فمن وصل قرابته وصله الله، ومن وصله الله، وصل إلى كل خير وسعادة في الدنيا والآخرة، ولا بد أن تكون نهايته مجاورة ربه في الفردوس؛ لأن الوصل لا ينتهي إلا إلى هناك فينظر إلى وجه ربه الكريم. ومن قطع قرابته قطعه الله، ومن قطعه الله فهو المقطوع مع عدو الله الشيطان الطريد الرجيم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يتهدَّده: سأفرغُ لك. والوجه الآخر منزَّلٌ على الفراغِ من الشُّغل، لكن على سبيل التَّمثيل شبَّه تدبيرهُ تعالى أمرَ الآخرةِ من الأخذ في الجزاءِ وإيصالِ الثَّواب والعقابِ إلى المكلَّفين بعد تدبيرهِ تعالى لأمر الدُّنيا بالأمرِ والنَّهي، والإماتةِ والإحياءِ، والمنعِ والعطاءِ، وأنَّه ﷾ لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ بحال من إذا كان في شغلٍ يشغلهُ عن شغلٍ آخر إذا فرغَ من ذلك الشُّغل شرع في آخر، وقد ألمَّ به صاحب «المفتاح» حيثُ قال: الفراغُ الخلاص من المهام، والله تعالى لا يشغلُه شأنٌ عن شأنٍ وقع مستعارًا للأخذِ في الجزاءِ وحدَه. وهو المرادُ من قولهِ (١): وقعَ ذلك فراغًا إلى طريقِ المثل (قَالَتِ الرَّحِمُ) بلسانِ الحال، أو بلسانِ المقال (٢)، وعلى الثَّاني هل يخلقُ (٣) الله فيها حياةً وعقلًا؟ وحملَه القاضِي عياض على المجازِ، وأنَّه من ضربِ المثلِ، لكن في حديثِ عبد الله بن عَمرو عند أحمد أنَّها تكلَّمتْ بلسانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ. وزاد في «سورةِ القتال»: «قامتِ الرَّحم فأخذتْ بِحَقْوِ الرَّحمن» [خ¦٤٨٣٠] وهو استعارةٌ أيضًا سبقَ ذكرها في السُّورة المذكورة، وزاد أيضًا في السُّورة: «فقال: مَهْ، فقالت» [خ¦٤٨٣٠]: (هَذَا مَقَامُ العَائِذِ) أي: قيامِي هذا قيامَ المستجيرِ (بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ. قَالَ) الله تعالى: (نَعَمْ أَمَا) بتخفيف الميم (تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ) بأن أتعطَّف عليه وأرحمَه (وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ) فلا أرحمَه (قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ) رضيتُ، ولأبي ذرٍّ: «بلى وربِّ» (قَالَ) تعالى: (فَهْوَ) أي: قوله: «أصلَ من وصلك … » إلى آخره، (لَكِ) بكسر الكاف.
قال أبو هريرة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]) وهذا الحديثٌ مرَّ في تفسير «سورةِ القتال» [خ¦٤٨٣٠].
٥٩٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة آخره دال
مهملة، أبو الهيثم البجليُّ الكوفيُّ القَطَوانيُّ -بفتح القاف والطاء المهملة- قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلال، أبو محمد مولى الصِّدِّيق قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيُّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الرَّحِمَ شَُِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) بكسر الشين المعجمة مصحَّحًا (١) عليها في الفرع، وسكون الجيم بعدها نون، ويجوز فتح الأول وضمه. قال في «الفتح»: روايةً ولغةً، وأصله عروقُ الشَّجر المشتبكةِ، والشَّجَن -بالتَّحريك- واحدُ الشُّجون وهي طرقُ الأوديةِ، ويقال: الحديث شجون، أي: يدخلُ بعضُه في بعضٍ، وسقط قوله: «إنَّ» لأبي ذرٍّ فالرَّحم رفع، وقوله: «من الرَّحمن» أي: اشتقَّ اسمُها من اسم الرَّحمن، فلها به عُلْقَة. وعند النَّسائيِّ من حديث عبد الرَّحمن بن عوف مرفوعًا: «أنَا الرَّحمن خلقْتُ الرَّحم بيدَيَّ وشققْتُ لها اسمًا مِن اسمِي» والمعنى: أنَّها أثرٌ من آثارِ الرَّحمة مشتبكةٌ بها، فالقاطعُ لها منقطعٌ من رحمةِ الله، وليس المعنى أنَّها من ذاتِ الله، تعالى الله عن ذلكَ علوًّا كبيرًا (فَقَالَ اللهُ) تعالى، زاد الإسماعيلي: «لها»، والفاء عطفٌ على محذوفٍ، أي: فقالتْ: هذا مقامُ العائذِ بك من القطيعةِ، فقال الله تعالى: (مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ). قال ابنُ أبي جمرة: الوصلُ من الله كنايةٌ عن عظيمِ إحسانهِ، وإنَّما خاطبَ النَّاس بما يفهمونَه (٢)، ولمَّا كان أعظم ما يُعطيه المحبوب لمحبوبه (٣) الوصال، وهو القربُ منه وإسعافُه بما يريدُ، وكانت (٤) حقيقةُ ذلك مستحيلةً في حقِّ الله تعالى، عُرِف أنَّ ذلك كنايةً عن عظيمِ إحسانهِ لعبدهِ. قال: وكذا القولُ في القطعِ، وهو (٥) كنايةٌ عن حرمانهِ الإحسان.
وهذا الحديثُ من أفرادهِ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٥٩٨٦ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنُ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَنْ أحَبَّ أنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رزْقِهِ ويُنْسَأ لَهُ فِي أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٢٠٦٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم بِهَذَا النسق.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده بِهِ.
وَقد ورد فِي فضل صلَة الرَّحِم أَحَادِيث كَثِيرَة: مِنْهَا حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ، رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (زوائده على الْمسند) وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) بِلَفْظ: من سره أَن يمدله فِي عمره ويوسع عَلَيْهِ فِي رزقه وَيدْفَع عَنهُ ميتَة السوء فَليصل رَحمَه. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه التِّرْمِذِيّ: أَن صلَة الرَّحِم محبَّة فِي الْأَهْل مثراة فِي المَال منسأة فِي الْأَثر. وَمِنْهَا حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، أخرجه أَحْمد بِسَنَد رِجَاله ثِقَات مَرْفُوعا: صلَة الرَّحِم وَحسن الْجوَار وَحسن الْخلق يعمرَانِ الديار وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَار. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي: (كتاب التَّرْغِيب والترهيب) مَرْفُوعا: والوالدين يزِيد فِي الْعُمر وَالْكذب ينقص الرزق وبر الْوَالِدين من أعظم صلَة الرَّحِم، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وثوبان مُسْندًا عَن التَّوْرَاة: (ابْن آدم {اتقِ رَبك وبرَّ والديك وصل رَحِمك أمد لَك فِي عمرك) . وَرُوِيَ أَيْضا عَن ثَوْبَان يرفعهُ: لَا يزِيد فِي الْعُمر إلَاّ بر الْوَالِدين وَلَا يزِيد فِي الرزق إلَاّ صلَة الرَّحِم، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده عَليّ رَضِي الله عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ، وَسَأَلَ عَن قَوْله: {يمحو الله مَا يَشَاء} (الرَّعْد: ٣٩) قَالَ: هِيَ الصَّدَقَة على وَجههَا وبر الْوَالِدين واصطناع الْمَعْرُوف وصلَة الرَّحِم تحول الشَّقَاء سَعَادَة وتزيد فِي الْعُمر وتقي مصَارِع السوء، يَا عَليّ وَمن كَانَت فِيهِ خصْلَة وَاحِدَة من هَذِه الْأَشْيَاء أعطَاهُ الله تَعَالَى هَذِه الثَّلَاث الْخِصَال، وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الله بن عمر يرفعهُ: أَن الْإِنْسَان ليصل رَحمَه وَمَا بَقِي من عمره إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام فيزيد الله فِي عمره ثَلَاثِينَ سنة، وَأَن الرجل ليقطع رَحمَه وَقد بَقِي من عمره ثَلَاثُونَ سنة فينقص الله عمره حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ إلَاّ ثَلَاثَة أَيَّام. قَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا حَدِيث حسن، وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمًا وَنحن فِي صفة بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت البارحة عجبا، رَأَيْت رجلا من أمتِي أَتَاهُ ملك الْمَوْت ليقْبض روحه فَجَاءَهُ بره بِوَالِديهِ فَرد ملك الْمَوْت عَنهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا حَدِيث حسن جدا.
١٣ - (بابٌ مَنْ وَصَلَ وصَلَهُ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من وصل رَحمَه الله، يَعْنِي: يعْطف عَلَيْهِ بفضله إِمَّا فِي عَاجل دُنْيَاهُ أَو آجل آخرته، وَالْعرب تَقول إِذا تفضل رجل على رجل آخر بِمَال أَو وهبه هبة: وصل فلَان فلَانا، كَذَا.
٥٩٨٧ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مُعاوِيَةُ بنُ أبي مُزَرِّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمِّي سَعِيدَ بنَ يَسار يُحَدِّثُ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قالَتِ الرَّحِمُ: هَذاا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ} أما تَرْضَيْنَ أنْ أصلَ مِنْ وصَلَكِ وأقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَهْوَ لَكِ. قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فاقْرَأوا إنْ شِئْتُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الَاْرْضِ وَتُقَطِّعُو اْ أَرْحَامَكُمْ} (مُحَمَّد: ٢٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمُعَاوِيَة بن أبي مزرد بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالدال الْمُهْملَة الْمدنِي وَله حَدِيث آخر وَهُوَ ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب عَن عَائِشَة، وَحَدِيث آخر قد مر فِي الزَّكَاة، يروي عَن عَمه سعيد بن يسَار ضد الْيَمين أبي الْحباب مولى شقران مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَة.
والْحَدِيث مضى
فِي التَّفْسِير فِي سُورَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن خَالِد عَن سُلَيْمَان عَن مُعَاوِيَة بن أبي مزرد ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (خلق الْخلق) يحْتَمل أَن يكون المُرَاد خلق جَمِيع الْمَخْلُوقَات، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الْمُكَلّفين. قَوْله: (حَتَّى إِذا فرغ) المُرَاد بالفراغ قَضَاؤُهُ وإتمامه وَنَحْو ذَلِك بِمَا يشْهد بِأَنَّهُ مجَاز القَوْل، فَإِن الله تَعَالَى لَا يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن، أَو يُطلق عَلَيْهِ الْفَرَاغ الَّذِي هُوَ ضد الشّغل. قَوْله: (قَالَت الرَّحِم) يحْتَمل أَن يكون هَذَا القَوْل بعد خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. أَو بعد خلقهَا كتبا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، أَو بعد انْتِهَاء خلق أَرْوَاح بني آدم عِنْد قَوْله: { (٧) أَلَسْت بربكم} (الْأَعْرَاف: ١٧٢) . لما أخرجهم من صلب آدم عَلَيْهِ السَّلَام، مثل الذَّر، ثمَّ إِسْنَاد القَوْل إِلَى الرَّحِم يحْتَمل أَن يكون بِلِسَان الْحَال، وَيحْتَمل أَن يكون بِلِسَان الْمقَال. يتَكَلَّم كَمَا هِيَ، أَو يخلق الله لَهَا عِنْد كَلَامهَا حَيَاة وعقلاً، وَقيل: هُوَ فِي الْحَقِيقَة ضرب مثل واستعادة إِذْ الرَّحْمَن معنى وَهُوَ إِيصَال الْقُرْبَى بَين أهل النّسَب، وَهِي اسْتِعَارَة تمثيلية، وَهِي الَّتِي الْوَجْه فِيهَا منتزع من أُمُور متوهمة للمشبه الْمَعْقُول بِمَا كَانَت تَابِعَة للمشبه بِهِ المحسوس، وَذَلِكَ انه شبهت حَالَة الرَّحِم وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من الافتقار إِلَى الصِّلَة والذب مِنْهَا من القطيعة بِحَال مستجير يَأْخُذ بذيل المستجار بِهِ وحقو إزَاره، ثمَّ أَدخل صُورَة حَال الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ، وَاسْتعْمل فِي حَال الْمُشبه مَا كَانَ مُسْتَعْملا فِي الْمُشبه بِهِ من الْأَلْفَاظ بدلائل قَرَائِن الْأَحْوَال، وَيجوز أَن يكون اسْتِعَارَة مكنية بِأَن يشبه الرَّحِم بِإِنْسَان يستجير بِمن يحميه ويذب عَنهُ مَا يُؤْذِيه، ثمَّ انْعَقَد على سَبِيل الإستعارة التخييلية مَا هُوَ لَازم الْمُشبه بِهِ من الْقيام ليَكُون قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْحَقِيقَة، ثمَّ رشحت الإستعارة بِأخذ القَوْل. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الرَّحِم الَّتِي توصل وتقطع إِنَّمَا هِيَ معنى من الْمعَانِي لَيست بجسم، وَإِنَّمَا هِيَ قرَابَة وَنسب يجمعه رحم وَالِده ويتصل بعضه بِبَعْض، فَسُمي ذَلِك الِاتِّصَال رحما. والمعاني لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا الْقيام وَلَا الْكَلَام فَيكون ذكر قِيَامهَا هُنَا وتعلقها بالعرش ضرب مثل وَحسن اسْتِعَارَة على عَادَة الْعَرَب فِي اسْتِعْمَال ذَلِك وتعظيم شَأْنهَا وفضيلة واصلها وعظيم إِثْم قاطعها بعقوقه، وَلِهَذَا سمي العقوق قطعا، والعق الشق كَأَنَّهُ قطع ذَلِك السَّبَب الْمُتَّصِل. قَالَ: وَيجوز أَن يكون المُرَاد قيام ملك من الْمَلَائِكَة وَتعلق بالعرش وَتكلم على لسانها بِهَذَا بِأَمْر الله عز وَجل. قَوْله: (أَن أصل من وصلك) الْوَصْل من الله تَعَالَى كِنَايَة عَن عَظِيم إحسانه، وَالْقطع مِنْهُ كِنَايَة عَن حرمَان الْإِحْسَان.
٥٩٨٨ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حَدثنَا سُلَيْمانُ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ دِينَار عنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمانِ، فَقَالَ الله: مَنْ وصَلَكِ وصَلْتُهُ ومَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ مولى عبد الله بن أبي عَتيق واسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (شجنة) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم بعْدهَا نون وَجَاء بِضَم أَوله وبفتحه رِوَايَة ولغة وَاصل الشجنة عروق الشّجر المشتبكة. قَوْله: (من الرَّحْمَن) أَي: أَخذ اسْمهَا من هَذَا لإسم كَمَا فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: قَالَ الله: {أَنا الله وَأَنا الرَّحْمَن خلقت الرَّحِم وشققت لَهَا من إسمي من وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا بتته} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قَالَ الله تَعَالَى: {الرَّحِم شجنة مني فَمن وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا قطعته} وَالْمعْنَى أَنَّهَا أثر من آثَار الرَّحْمَة مشتبكة بهَا فالقاطع لَهَا مُنْقَطع من رَحْمَة الله. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: معنى الحَدِيث أَن الرَّحِم مُشْتَقّ اسْمهَا من إسم الرَّحْمَن، فلهَا بِهِ علقَة وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا من ذَات الله تَعَالَى، تَعَالَى الله عَن ذَلِك.
٥٩٨٩ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا سُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ: أَخْبرنِي مُعاوِيَةُ بنُ أبي مُرَزِّدٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يتهدَّده: سأفرغُ لك. والوجه الآخر منزَّلٌ على الفراغِ من الشُّغل، لكن على سبيل التَّمثيل شبَّه تدبيرهُ تعالى أمرَ الآخرةِ من الأخذ في الجزاءِ وإيصالِ الثَّواب والعقابِ إلى المكلَّفين بعد تدبيرهِ تعالى لأمر الدُّنيا بالأمرِ والنَّهي، والإماتةِ والإحياءِ، والمنعِ والعطاءِ، وأنَّه ﷾ لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ بحال من إذا كان في شغلٍ يشغلهُ عن شغلٍ آخر إذا فرغَ من ذلك الشُّغل شرع في آخر، وقد ألمَّ به صاحب «المفتاح» حيثُ قال: الفراغُ الخلاص من المهام، والله تعالى لا يشغلُه شأنٌ عن شأنٍ وقع مستعارًا للأخذِ في الجزاءِ وحدَه. وهو المرادُ من قولهِ (١): وقعَ ذلك فراغًا إلى طريقِ المثل (قَالَتِ الرَّحِمُ) بلسانِ الحال، أو بلسانِ المقال (٢)، وعلى الثَّاني هل يخلقُ (٣) الله فيها حياةً وعقلًا؟ وحملَه القاضِي عياض على المجازِ، وأنَّه من ضربِ المثلِ، لكن في حديثِ عبد الله بن عَمرو عند أحمد أنَّها تكلَّمتْ بلسانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ. وزاد في «سورةِ القتال»: «قامتِ الرَّحم فأخذتْ بِحَقْوِ الرَّحمن» [خ¦٤٨٣٠] وهو استعارةٌ أيضًا سبقَ ذكرها في السُّورة المذكورة، وزاد أيضًا في السُّورة: «فقال: مَهْ، فقالت» [خ¦٤٨٣٠]: (هَذَا مَقَامُ العَائِذِ) أي: قيامِي هذا قيامَ المستجيرِ (بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ. قَالَ) الله تعالى: (نَعَمْ أَمَا) بتخفيف الميم (تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ) بأن أتعطَّف عليه وأرحمَه (وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ) فلا أرحمَه (قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ) رضيتُ، ولأبي ذرٍّ: «بلى وربِّ» (قَالَ) تعالى: (فَهْوَ) أي: قوله: «أصلَ من وصلك … » إلى آخره، (لَكِ) بكسر الكاف.
قال أبو هريرة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]) وهذا الحديثٌ مرَّ في تفسير «سورةِ القتال» [خ¦٤٨٣٠].
٥٩٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة آخره دال
مهملة، أبو الهيثم البجليُّ الكوفيُّ القَطَوانيُّ -بفتح القاف والطاء المهملة- قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلال، أبو محمد مولى الصِّدِّيق قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيُّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الرَّحِمَ شَُِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) بكسر الشين المعجمة مصحَّحًا (١) عليها في الفرع، وسكون الجيم بعدها نون، ويجوز فتح الأول وضمه. قال في «الفتح»: روايةً ولغةً، وأصله عروقُ الشَّجر المشتبكةِ، والشَّجَن -بالتَّحريك- واحدُ الشُّجون وهي طرقُ الأوديةِ، ويقال: الحديث شجون، أي: يدخلُ بعضُه في بعضٍ، وسقط قوله: «إنَّ» لأبي ذرٍّ فالرَّحم رفع، وقوله: «من الرَّحمن» أي: اشتقَّ اسمُها من اسم الرَّحمن، فلها به عُلْقَة. وعند النَّسائيِّ من حديث عبد الرَّحمن بن عوف مرفوعًا: «أنَا الرَّحمن خلقْتُ الرَّحم بيدَيَّ وشققْتُ لها اسمًا مِن اسمِي» والمعنى: أنَّها أثرٌ من آثارِ الرَّحمة مشتبكةٌ بها، فالقاطعُ لها منقطعٌ من رحمةِ الله، وليس المعنى أنَّها من ذاتِ الله، تعالى الله عن ذلكَ علوًّا كبيرًا (فَقَالَ اللهُ) تعالى، زاد الإسماعيلي: «لها»، والفاء عطفٌ على محذوفٍ، أي: فقالتْ: هذا مقامُ العائذِ بك من القطيعةِ، فقال الله تعالى: (مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ). قال ابنُ أبي جمرة: الوصلُ من الله كنايةٌ عن عظيمِ إحسانهِ، وإنَّما خاطبَ النَّاس بما يفهمونَه (٢)، ولمَّا كان أعظم ما يُعطيه المحبوب لمحبوبه (٣) الوصال، وهو القربُ منه وإسعافُه بما يريدُ، وكانت (٤) حقيقةُ ذلك مستحيلةً في حقِّ الله تعالى، عُرِف أنَّ ذلك كنايةً عن عظيمِ إحسانهِ لعبدهِ. قال: وكذا القولُ في القطعِ، وهو (٥) كنايةٌ عن حرمانهِ الإحسان.
وهذا الحديثُ من أفرادهِ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٥٩٨٦ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنُ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَنْ أحَبَّ أنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رزْقِهِ ويُنْسَأ لَهُ فِي أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٢٠٦٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم بِهَذَا النسق.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده بِهِ.
وَقد ورد فِي فضل صلَة الرَّحِم أَحَادِيث كَثِيرَة: مِنْهَا حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ، رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (زوائده على الْمسند) وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) بِلَفْظ: من سره أَن يمدله فِي عمره ويوسع عَلَيْهِ فِي رزقه وَيدْفَع عَنهُ ميتَة السوء فَليصل رَحمَه. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه التِّرْمِذِيّ: أَن صلَة الرَّحِم محبَّة فِي الْأَهْل مثراة فِي المَال منسأة فِي الْأَثر. وَمِنْهَا حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، أخرجه أَحْمد بِسَنَد رِجَاله ثِقَات مَرْفُوعا: صلَة الرَّحِم وَحسن الْجوَار وَحسن الْخلق يعمرَانِ الديار وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَار. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي: (كتاب التَّرْغِيب والترهيب) مَرْفُوعا: والوالدين يزِيد فِي الْعُمر وَالْكذب ينقص الرزق وبر الْوَالِدين من أعظم صلَة الرَّحِم، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وثوبان مُسْندًا عَن التَّوْرَاة: (ابْن آدم {اتقِ رَبك وبرَّ والديك وصل رَحِمك أمد لَك فِي عمرك) . وَرُوِيَ أَيْضا عَن ثَوْبَان يرفعهُ: لَا يزِيد فِي الْعُمر إلَاّ بر الْوَالِدين وَلَا يزِيد فِي الرزق إلَاّ صلَة الرَّحِم، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده عَليّ رَضِي الله عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ، وَسَأَلَ عَن قَوْله: {يمحو الله مَا يَشَاء} (الرَّعْد: ٣٩) قَالَ: هِيَ الصَّدَقَة على وَجههَا وبر الْوَالِدين واصطناع الْمَعْرُوف وصلَة الرَّحِم تحول الشَّقَاء سَعَادَة وتزيد فِي الْعُمر وتقي مصَارِع السوء، يَا عَليّ وَمن كَانَت فِيهِ خصْلَة وَاحِدَة من هَذِه الْأَشْيَاء أعطَاهُ الله تَعَالَى هَذِه الثَّلَاث الْخِصَال، وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الله بن عمر يرفعهُ: أَن الْإِنْسَان ليصل رَحمَه وَمَا بَقِي من عمره إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام فيزيد الله فِي عمره ثَلَاثِينَ سنة، وَأَن الرجل ليقطع رَحمَه وَقد بَقِي من عمره ثَلَاثُونَ سنة فينقص الله عمره حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ إلَاّ ثَلَاثَة أَيَّام. قَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا حَدِيث حسن، وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمًا وَنحن فِي صفة بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت البارحة عجبا، رَأَيْت رجلا من أمتِي أَتَاهُ ملك الْمَوْت ليقْبض روحه فَجَاءَهُ بره بِوَالِديهِ فَرد ملك الْمَوْت عَنهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا حَدِيث حسن جدا.
١٣ - (بابٌ مَنْ وَصَلَ وصَلَهُ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من وصل رَحمَه الله، يَعْنِي: يعْطف عَلَيْهِ بفضله إِمَّا فِي عَاجل دُنْيَاهُ أَو آجل آخرته، وَالْعرب تَقول إِذا تفضل رجل على رجل آخر بِمَال أَو وهبه هبة: وصل فلَان فلَانا، كَذَا.
٥٩٨٧ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مُعاوِيَةُ بنُ أبي مُزَرِّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمِّي سَعِيدَ بنَ يَسار يُحَدِّثُ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قالَتِ الرَّحِمُ: هَذاا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ} أما تَرْضَيْنَ أنْ أصلَ مِنْ وصَلَكِ وأقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَهْوَ لَكِ. قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فاقْرَأوا إنْ شِئْتُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الَاْرْضِ وَتُقَطِّعُو اْ أَرْحَامَكُمْ} (مُحَمَّد: ٢٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمُعَاوِيَة بن أبي مزرد بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالدال الْمُهْملَة الْمدنِي وَله حَدِيث آخر وَهُوَ ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب عَن عَائِشَة، وَحَدِيث آخر قد مر فِي الزَّكَاة، يروي عَن عَمه سعيد بن يسَار ضد الْيَمين أبي الْحباب مولى شقران مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَة.
والْحَدِيث مضى
فِي التَّفْسِير فِي سُورَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن خَالِد عَن سُلَيْمَان عَن مُعَاوِيَة بن أبي مزرد ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (خلق الْخلق) يحْتَمل أَن يكون المُرَاد خلق جَمِيع الْمَخْلُوقَات، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الْمُكَلّفين. قَوْله: (حَتَّى إِذا فرغ) المُرَاد بالفراغ قَضَاؤُهُ وإتمامه وَنَحْو ذَلِك بِمَا يشْهد بِأَنَّهُ مجَاز القَوْل، فَإِن الله تَعَالَى لَا يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن، أَو يُطلق عَلَيْهِ الْفَرَاغ الَّذِي هُوَ ضد الشّغل. قَوْله: (قَالَت الرَّحِم) يحْتَمل أَن يكون هَذَا القَوْل بعد خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. أَو بعد خلقهَا كتبا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، أَو بعد انْتِهَاء خلق أَرْوَاح بني آدم عِنْد قَوْله: { (٧) أَلَسْت بربكم} (الْأَعْرَاف: ١٧٢) . لما أخرجهم من صلب آدم عَلَيْهِ السَّلَام، مثل الذَّر، ثمَّ إِسْنَاد القَوْل إِلَى الرَّحِم يحْتَمل أَن يكون بِلِسَان الْحَال، وَيحْتَمل أَن يكون بِلِسَان الْمقَال. يتَكَلَّم كَمَا هِيَ، أَو يخلق الله لَهَا عِنْد كَلَامهَا حَيَاة وعقلاً، وَقيل: هُوَ فِي الْحَقِيقَة ضرب مثل واستعادة إِذْ الرَّحْمَن معنى وَهُوَ إِيصَال الْقُرْبَى بَين أهل النّسَب، وَهِي اسْتِعَارَة تمثيلية، وَهِي الَّتِي الْوَجْه فِيهَا منتزع من أُمُور متوهمة للمشبه الْمَعْقُول بِمَا كَانَت تَابِعَة للمشبه بِهِ المحسوس، وَذَلِكَ انه شبهت حَالَة الرَّحِم وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من الافتقار إِلَى الصِّلَة والذب مِنْهَا من القطيعة بِحَال مستجير يَأْخُذ بذيل المستجار بِهِ وحقو إزَاره، ثمَّ أَدخل صُورَة حَال الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ، وَاسْتعْمل فِي حَال الْمُشبه مَا كَانَ مُسْتَعْملا فِي الْمُشبه بِهِ من الْأَلْفَاظ بدلائل قَرَائِن الْأَحْوَال، وَيجوز أَن يكون اسْتِعَارَة مكنية بِأَن يشبه الرَّحِم بِإِنْسَان يستجير بِمن يحميه ويذب عَنهُ مَا يُؤْذِيه، ثمَّ انْعَقَد على سَبِيل الإستعارة التخييلية مَا هُوَ لَازم الْمُشبه بِهِ من الْقيام ليَكُون قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْحَقِيقَة، ثمَّ رشحت الإستعارة بِأخذ القَوْل. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الرَّحِم الَّتِي توصل وتقطع إِنَّمَا هِيَ معنى من الْمعَانِي لَيست بجسم، وَإِنَّمَا هِيَ قرَابَة وَنسب يجمعه رحم وَالِده ويتصل بعضه بِبَعْض، فَسُمي ذَلِك الِاتِّصَال رحما. والمعاني لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا الْقيام وَلَا الْكَلَام فَيكون ذكر قِيَامهَا هُنَا وتعلقها بالعرش ضرب مثل وَحسن اسْتِعَارَة على عَادَة الْعَرَب فِي اسْتِعْمَال ذَلِك وتعظيم شَأْنهَا وفضيلة واصلها وعظيم إِثْم قاطعها بعقوقه، وَلِهَذَا سمي العقوق قطعا، والعق الشق كَأَنَّهُ قطع ذَلِك السَّبَب الْمُتَّصِل. قَالَ: وَيجوز أَن يكون المُرَاد قيام ملك من الْمَلَائِكَة وَتعلق بالعرش وَتكلم على لسانها بِهَذَا بِأَمْر الله عز وَجل. قَوْله: (أَن أصل من وصلك) الْوَصْل من الله تَعَالَى كِنَايَة عَن عَظِيم إحسانه، وَالْقطع مِنْهُ كِنَايَة عَن حرمَان الْإِحْسَان.
٥٩٨٨ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حَدثنَا سُلَيْمانُ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ دِينَار عنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمانِ، فَقَالَ الله: مَنْ وصَلَكِ وصَلْتُهُ ومَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ مولى عبد الله بن أبي عَتيق واسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (شجنة) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم بعْدهَا نون وَجَاء بِضَم أَوله وبفتحه رِوَايَة ولغة وَاصل الشجنة عروق الشّجر المشتبكة. قَوْله: (من الرَّحْمَن) أَي: أَخذ اسْمهَا من هَذَا لإسم كَمَا فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: قَالَ الله: {أَنا الله وَأَنا الرَّحْمَن خلقت الرَّحِم وشققت لَهَا من إسمي من وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا بتته} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قَالَ الله تَعَالَى: {الرَّحِم شجنة مني فَمن وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا قطعته} وَالْمعْنَى أَنَّهَا أثر من آثَار الرَّحْمَة مشتبكة بهَا فالقاطع لَهَا مُنْقَطع من رَحْمَة الله. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: معنى الحَدِيث أَن الرَّحِم مُشْتَقّ اسْمهَا من إسم الرَّحْمَن، فلهَا بِهِ علقَة وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا من ذَات الله تَعَالَى، تَعَالَى الله عَن ذَلِك.
٥٩٨٩ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا سُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ: أَخْبرنِي مُعاوِيَةُ بنُ أبي مُرَزِّدٍ