الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٣٣
الحديث رقم ٦١٣٣ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ حَقِّ الضَّيْفِ
٦١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
احْتِيجَ إِلَى تَأَلُّفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ثم ذكر حديثين تقدما: أحدهما: حَدِيثُ عَائِشَةَ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَوْضِعِ شَرْحِهِ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ، وَالنُّكْتَةُ فِي إِيرَادِهِ هُنَا التَّلْمِيحُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِلَفْظِ الْمُدَارَاةِ. وَهُوَ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ أُدَارِيهِ عَنْ نِفَاقِهِ، وَأَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ غَيْرَهُ.
والثاني: حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ وَفِيهِ قِصَّةُ أَبِيهِ مَخْرَمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ ; وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ وَقَدْ رَمَزَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ عَقِبَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّهُ الْمُبْهَمَ فِيهِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ قَبْلُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرَّ رَجُلٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو الْعَشِيرَةِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ كَأَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. وَشَرَحَ ابْنُ بَطَّالٍ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ كَانَ مُنَافِقًا، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَأْمُورًا بِالْحُكْمِ بِمَا ظَهَرَ، لَا بِمَا يَعْلَمُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي الْمُبْهَمِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: إِنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا، لَا مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَلَا عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَإِنَّمَا قِيلَ فِي مَخْرَمَةَ مَا قِيلَ لِمَا كَانَ فِي خُلُقِهِ مِنَ الشِّدَّةِ، فَكَانَ لِذَلِكَ فِي لِسَانِهِ بَذَاءَةٌ، وَأَمَّا عُيَيْنَةُ فَكَانَ إِسْلَامُهُ ضَعِيفًا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَهْوَجَ، فَكَانَ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَلَمَّا جَاءَ قَالَ خَبَّأْتُ هَذَا لَكَ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَدْ خَبَّأْتُ وَقَوْلُهُ: قَالَ أَيُّوبُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: بِثَوْبِهِ وَأَنَّهُ يُرِيهِ إِيَّاهُ وَالْمَعْنَى أَشَارَ أَيُّوبُ بِثَوْبِهِ لِيُرِي الْحَاضِرِينَ كَيْفِيَّةَ مَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ كَلَامِهِ مَعَ مَخْرَمَةَ، وَلَفْظُ الْقَوْلِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ، وَقَوْلُهُ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ وَصُورَتُهُ مُرْسَلٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ إِلَخْ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ وَصْلِ الْخَبَرِ، وَأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَحَمَّادٍ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُمَا الْإِرْسَالَ لَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ مَوْصُولٌ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ وَصْلِ رِوَايَةِ حَاتِمٍ هَذِهِ فِي الشَّهَادَاتِ.
٨٣ - بَاب لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ
٦١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ) اللَّدْغُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَكُونُ مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ، وَاللَّذْعُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَا يَكُونُ مِنَ النَّارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَالْجُحْرُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حَكِيمَ إِلَّا بِتَجْرِبَةٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا حِلْمَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ إِلَّا بِتَجْرِبَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا لِذِي تَجْرِبَةٍ وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حِلْمَ إِلَّا بِالتَّجَارِبِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ ثُمَّ انْتَبَهَ فَقَالَ: لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ. قَالَهَا ثَلَاثًا وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ، وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: مَعْنَاهُ: لَا يَحْصُلُ الْحِلْمُ حَتَّى يَرْتَكِبَ الْأُمُورَ وَيَعْثُرَ فِيهَا فَيَعْتَبِرُ بِهَا وَيَسْتَبِينُ مَوَاضِعَ الْخَطَأِ وَيَجْتَنِبُهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَعْنَى لَا يَكُونُ حَلِيمًا كَامِلًا إِلَّا مَنْ وَقَعَ فِي زَلَّةٍ وَحَصَلَ مِنْهُ خَطَأٌ فَحِينَئِذٍ يَخْجَلُ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَسْتُرَ مَنْ رَآهُ عَلَى عَيْبٍ فَيَعْفُوَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ جَرَّبَ الْأُمُورَ عَلِمَ نَفْعَهَا وَضَرَرَهَا فَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَّا عَنْ حِكْمَةٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْحَلِيمِ بِذِي التَّجْرِبَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْحَكِيمِ بِخِلَافِهِ، وَأَنَّ الْحَلِيمَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ تَجْرِبَةٌ قَدْ يَعْثُرُ فِي مَوَاضِعَ لَا يَنْبَغِي لَهُ فِيهَا الْحِلْمُ بِخِلَافِ الْحَلِيمِ الْمُجَرِّبِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ أَثَرِ مُعَاوِيَةَ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَخْرَجَه الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَكَذَا قَالَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ فِيهِ، وَخَالَفَهُمْ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ فَقَالَا: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ زَمْعَةَ، وَابْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَاسْتَغْرَبَهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى قَالَ: وَأَمَّا زَمْعَةُ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا أَبُو نُعَيْمٍ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ عَنْ زَمْعَةَ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
قَوْلُهُ: (لَا يُلْدَغُ) هُوَ بِالرَّفْعِ عن صِيغَةِ الْخَبَرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، أَيْ لِيَكُنِ الْمُؤْمِنُ حَازِمًا حَذِرًا لَا يُؤْتَى مِنْ نَاحِيَةِ الْغَفْلَةِ، فَيُخْدَعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الدِّينِ كَمَا يَكُونُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَهُوَ أَوْلَاهُمَا بِالْحَذَرِ، وَقَدْ رُوِيَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ فِي الْوَصْلِ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَكَذَلِكَ قَرَأْنَاهُ، قِيلَ: مَعْنَى لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ أَنَّ مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ قَائِلُ هَذَا أَنَّ عُمُومَ الْخَبَرِ يَتَنَاوَلُ هَذَا فَيُمْكِنُ وَإِلَّا فَسَبَبُ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّغْفِيلِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْفِطْنَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ إِذَا نُكِبَ مِنْ وَجْهٍ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْأَكْثَرُ وَمِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ رَاوِي الْخَبَرِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ لَمَّا قَدِمَ مِنْ عِنْدَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: مَاذَا صَنَعَ بِكَ؟ قَالَ: أَوْفَى عَنِّي دَيْنِي، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ شِهَابٍ تَعُودُ تُدَانُ؟ قُلْتُ: لَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: لَا يُعَاقَبُ فِي الدُّنْيَا بِذَنْبٍ فَيُعَاقَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَامِلِ الَّذِي قَدْ أَوْقَفَتْهُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى غَوَامِضِ الْأُمُورِ حَتَّى صَارَ يَحْذَرُ مِمَّا سَيَقَعُ. وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمُغَفَّلُ فَقَدْ يُلْدَغُ مِرَارًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ جُحْرٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالسَّرَخْسِيِّ (وَاحِدٍ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ جُحْرِ حَيَّةٍ وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِيهِ أَدَبٌ شَرِيفٌ أَدَّبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ وَنَبَّهَهُمْ كَيْفَ يَحْذَرُونَ مِمَّا يَخَافُونَ سُوءَ عَاقِبَتِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ حَذِرٌ أَخْرَجَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ قَالَ: وَهَذَا الْكَلَامُ مِمَّا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَوَّلُ مَا قَالَهُ لِأَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ وَكَانَ شَاعِرًا فَأُسِرَ بِبَدْرٍ فَشَكَا عَائِلَةً وَفَقْرًا فَمَنَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَطْلَقَهُ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، فَظَفِرَ بِهِ بِأُحُدٍ فَقَالَ: مُنَّ عَلَيَّ وَذَكَرَ فَقْرَهُ وَعِيَالَهُ؛ .. لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، وَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَأَخْرَجَ قِصَّتَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِيِ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَهْذِيبِ السِّيرَةِ بَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ حِينَئِذٍ: لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، وَصَنِيعُ أَبِي عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْثَالِ مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّهُ مَثَلٌ قَدِيمٌ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا السَّبَبُ يُضَعِّفُ الْوَجْهَ الثَّانِي يَعْنِي الرِّوَايَةَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
صاحب (تَجْرِبَةٍ) وهذا لفظ أبي سعيدٍ مرفوعًا أخرجهُ أحمد وصحَّحه ابن حبَّان، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا حِلْم» بكسر الحاء المهملة وسكون اللام «إلَّا بتجربةٍ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا لذِي تجربةٍ» والحلمُ التَّأني في الأمورِ المقلقةِ، والمعنى أنَّ المرءَ لا يوصفُ بالحلمِ حتَّى يجرِّب الأمورَ، وقيل: المعنى لا يكون حليمًا كاملًا إلَّا مَن وقع في زلَّةٍ وحصل منه خطأٌ، فحينئذٍ يخجلُ.
وقال ابنُ الأثير: معناه لا يحصلُ الحلم حتَّى يركبَ الأمورَ ويعثرَ فيها، فيعتبرَ بها ويستبينَ مواضعَ الخطأ ويجتنبَها، وقيل: المراد: أنَّ من جرَّب الأمورَ وعرفَ عواقبَها آثرَ الحلمَ، وصبرَ على قليلِ الأذى؛ ليدفعَ به ما هو أكبر منه.
وقال الطِّيبيُّ: ويمكن أن يكون تخصيصُ الحليم بذي التَّجربة؛ للإشارة إلى أنَّ غيرَ الحليم بخلافهِ، فإنَّ الحليم الَّذي ليس له تجربةٌ قد يعثرُ في مواضع لا ينبغِي له فيها الحلم بخلافِ الحليم المجرِّب، وهذا الأثرُ وصله ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» عن عيسى بنِ يونس، عن هشامِ بن عروة، عن أبيهِ، قال معاوية: لا حلمَ إلَّا بالتَّجارب. وأخرجه البخاريُّ في «الأدب المفرد» من طريق عليِّ بن مُسْهر، عن هشامٍ، عن أبيهِ قال: كنتُ جالسًا عند معاويةَ فقال: لا حليمَ إلَّا ذو تجربةٍ. قالها ثلاثًا. وأخرج من حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: «لا حليمَ إلَّا ذو عثرةٍ، ولا حكيمَ إلَّا ذو تجربةٍ» وأخرجه أحمدُ وصحَّحه ابن حبَّان، ومرَّ.
٦١٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ) بالدال المهملة والغين المعجمة، على صيغة المجهولِ، وهو ما يكون من ذوات السُّموم، وأمَّا الَّذي بالذال المعجمة والعين المهملة (١)، فما يكون من النَّار، والمؤمن مرفوعٌ بيلدغُ (مِنْ جُحْرٍ)
بضم الجيم وسكون الحاء المهملة (وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) وقوله: «يلدغ» بالرَّفع على صيغةِ الخبر، ومعناه الأمرُ، أي: ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحيةِ الغفلةِ، فيُخدع مرَّة بعد أُخرى، وقد يكون ذلك في أمرِ الدِّين، كما يكون في أمر الدُّنيا وهو أَوْلَاهُما بالحذرِ، وروي بكسر الغين بلفظ النَّهي، فيتحقَّق فيه معنى النَّهي على هذه الرِّواية، قاله الخطابيُّ. قال السَّفاقِسيُّ -بعد ذكره له-: وكذا قرأناه. انتهى. أي: لا يُخْدَعَنَّ المؤمن ولا يُؤْتَيَنَّ من ناحيةِ الغفلةِ فيقعُ في مكروهٍ، لكن قال التُّوربشتيُّ: أرى أنَّ الحديثَ لم يبلغِ الخطابيَّ على ما كان عليه، وهو مشهورٌ عند أهل السِّير، وذلك أنَّه ﷺ منَّ على أبي عزَّةَ الشَّاعر الجمحيِّ، وشرط عليه أن لا يجلب عليه، فلما بلغَ مأمنه عادَ إلى ما كان، فأُسِر مرَّة أُخرى فأمر بضربِ عنقهِ، وكلَّمه بعض النَّاس في المَنِّ عليه فقال: «لا يلدغُ المؤمن … » (١) الحديث.
ونقل النَّوويُّ عن القاضِي عياض هذه القصَّة وقال: سبب هذا الحديث معروفٌ، وهو أنَّه ﷺ أَسَر أبا عزَّة الشَّاعر يومَ بدرٍ، فمَنَّ عليه وعاهدَهُ أن لا يُحَرِّضَ عليه ولا يهجوهُ، فأطلقَه فلحقَ بقومه، ثمَّ رجع إلى التَّحريض والهجاء، ثم أُسر يوم أحد فسأله المنَّ فقال ﷺ: «لا يلدغُ المؤمن» الحديث، وهذا السَّبب يضعِّف الوجه الثَّاني.
وأجاب في «شرح المشكاة»: بأنَّه يوجَّه بأن يكون ﷺ لمَّا رأى من نفسه الزَّكيَّة الكريمةِ الميل إلى الحلم والعفوِ عنه جرَّد منها مؤمنًا كاملًا حازمًا ذا شهامةٍ، ونهاه عن ذلك، يعني ليس من شيمةِ المؤمن الحازم الَّذي يغضبُ لله ويذبُّ عن دينِ الله أن ينخدعَ من مثل هذا الغادرِ المتمرِّد مرَّةً بعد أخرى، فانته عن حديثِ الحلمِ وامضِ لشأنك (٢) في الانتقامِ منه، والانتصار من عدوِّ الله، فإنَّ مقامَ الغضبِ لله يأبى الحلم والعفوَ، ومن أوصافهِ ﷺ، أنَّه كان لا ينتقمُ لنفسه إلَّا أن تُنْتهك حرمةُ الله فينتقمَ لها، وقد ظهرَ من هذا أنَّ الحلم مطلقًا غير محمودٍ، كما أنَّ الحَِرَدَ (٣) كذلك (٤)،
فمقام التَّحلُّم (١) مع المؤمنين مندوبٌ إليه مع الأولياء، والغلظة مع الأعداء. قال تعالى في وصف الصَّحابة: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] فظهرَ من هذا أنَّ القول بالنَّهي أولى، والمقام له أَدْعى، وسلوكُ ما ذهبَ إليه أبو سليمان الخطَّابيُّ ﵀ أوضحُ وأهدَى وأحقُّ أن يتَّبعَ وأَحرى، وهذا الكلام منه ﷺ وأول (٢) ما قاله لأبي عزَّة المذكور، وأمَّا قول السَّفاقِسيُّ: وهذا مثلٌ قديم تمثَّل به ﷺ إذ كان ﷺ كثيرًا ما يتمثَّل بالأمثالِ القديمة، وأصل ذلك أنَّ رجلًا أدخلَ يده في جحرٍ لصيدٍ أو غيره (٣)، فلدغتْه حيَّةٌ في يدهِ فضربتْه العربُ مثلًا، فقالوا: لا يدخلُ الرَّجل يدَه في جحرٍ فيُلدغ منه مرَّة ثانية (٤). فتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه إذا كان المثل العربيُّ على الصُّورة الَّتي حكاها، فالنَّبيُّ ﷺ لم يوردْه كذلك حتَّى يقال: إنَّه تمثَّل به. نعم، أورد كلامًا بمعناه، وانظرْ فرق ما بين كلامهِ ﵊ وبين لفظ المثل المذكور، فطلاوةُ البلاغةِ على لفظهِ ﵊ وحلاوةُ العبارةِ فيه باديةٌ يدركُها ذو الذَّوق السَّليم عليه أفضل صلاة (٥) الله وأزكى التَّسليم.
تنبيهٌ: قال شيخُنا في «الأحاديثِ المشتهرة» وسبقه إلى الإشارةِ لنحوه شيخه في «فتح الباري»: حديث «لا يلدغُ المؤمن من جُحر واحدٍ مرَّتين» أخرجه الشَّيخان وأبو داود وابن ماجه والعسكريُّ كلُّهم من حديث عُقيل، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة، به، مرفوعًا. لكن ليس عند ابن ماجه والعسكريِّ «واحد» (٦)، وهو عند مسلم أيضًا من طريقِ ابن أخي ابن شهابٍ الزُّهريِّ، عن عمِّه به (٧) مثله. وتابعهما سعيدُ بن عبد العزيز: أنَّ هشام بن عبد الملك
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
احْتِيجَ إِلَى تَأَلُّفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ثم ذكر حديثين تقدما: أحدهما: حَدِيثُ عَائِشَةَ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَوْضِعِ شَرْحِهِ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ، وَالنُّكْتَةُ فِي إِيرَادِهِ هُنَا التَّلْمِيحُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِلَفْظِ الْمُدَارَاةِ. وَهُوَ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ أُدَارِيهِ عَنْ نِفَاقِهِ، وَأَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ غَيْرَهُ.
والثاني: حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ وَفِيهِ قِصَّةُ أَبِيهِ مَخْرَمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ ; وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ وَقَدْ رَمَزَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ عَقِبَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّهُ الْمُبْهَمَ فِيهِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ قَبْلُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرَّ رَجُلٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو الْعَشِيرَةِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ كَأَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. وَشَرَحَ ابْنُ بَطَّالٍ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ كَانَ مُنَافِقًا، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَأْمُورًا بِالْحُكْمِ بِمَا ظَهَرَ، لَا بِمَا يَعْلَمُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي الْمُبْهَمِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: إِنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا، لَا مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَلَا عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَإِنَّمَا قِيلَ فِي مَخْرَمَةَ مَا قِيلَ لِمَا كَانَ فِي خُلُقِهِ مِنَ الشِّدَّةِ، فَكَانَ لِذَلِكَ فِي لِسَانِهِ بَذَاءَةٌ، وَأَمَّا عُيَيْنَةُ فَكَانَ إِسْلَامُهُ ضَعِيفًا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَهْوَجَ، فَكَانَ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَلَمَّا جَاءَ قَالَ خَبَّأْتُ هَذَا لَكَ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَدْ خَبَّأْتُ وَقَوْلُهُ: قَالَ أَيُّوبُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: بِثَوْبِهِ وَأَنَّهُ يُرِيهِ إِيَّاهُ وَالْمَعْنَى أَشَارَ أَيُّوبُ بِثَوْبِهِ لِيُرِي الْحَاضِرِينَ كَيْفِيَّةَ مَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ كَلَامِهِ مَعَ مَخْرَمَةَ، وَلَفْظُ الْقَوْلِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ، وَقَوْلُهُ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ وَصُورَتُهُ مُرْسَلٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ إِلَخْ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ وَصْلِ الْخَبَرِ، وَأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَحَمَّادٍ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُمَا الْإِرْسَالَ لَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ مَوْصُولٌ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ وَصْلِ رِوَايَةِ حَاتِمٍ هَذِهِ فِي الشَّهَادَاتِ.
٨٣ - بَاب لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ
٦١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ) اللَّدْغُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَكُونُ مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ، وَاللَّذْعُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَا يَكُونُ مِنَ النَّارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَالْجُحْرُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حَكِيمَ إِلَّا بِتَجْرِبَةٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا حِلْمَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ إِلَّا بِتَجْرِبَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا لِذِي تَجْرِبَةٍ وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حِلْمَ إِلَّا بِالتَّجَارِبِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ ثُمَّ انْتَبَهَ فَقَالَ: لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ. قَالَهَا ثَلَاثًا وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ، وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: مَعْنَاهُ: لَا يَحْصُلُ الْحِلْمُ حَتَّى يَرْتَكِبَ الْأُمُورَ وَيَعْثُرَ فِيهَا فَيَعْتَبِرُ بِهَا وَيَسْتَبِينُ مَوَاضِعَ الْخَطَأِ وَيَجْتَنِبُهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَعْنَى لَا يَكُونُ حَلِيمًا كَامِلًا إِلَّا مَنْ وَقَعَ فِي زَلَّةٍ وَحَصَلَ مِنْهُ خَطَأٌ فَحِينَئِذٍ يَخْجَلُ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَسْتُرَ مَنْ رَآهُ عَلَى عَيْبٍ فَيَعْفُوَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ جَرَّبَ الْأُمُورَ عَلِمَ نَفْعَهَا وَضَرَرَهَا فَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَّا عَنْ حِكْمَةٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْحَلِيمِ بِذِي التَّجْرِبَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْحَكِيمِ بِخِلَافِهِ، وَأَنَّ الْحَلِيمَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ تَجْرِبَةٌ قَدْ يَعْثُرُ فِي مَوَاضِعَ لَا يَنْبَغِي لَهُ فِيهَا الْحِلْمُ بِخِلَافِ الْحَلِيمِ الْمُجَرِّبِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ أَثَرِ مُعَاوِيَةَ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَخْرَجَه الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَكَذَا قَالَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ فِيهِ، وَخَالَفَهُمْ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ فَقَالَا: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ زَمْعَةَ، وَابْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَاسْتَغْرَبَهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى قَالَ: وَأَمَّا زَمْعَةُ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا أَبُو نُعَيْمٍ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ عَنْ زَمْعَةَ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
قَوْلُهُ: (لَا يُلْدَغُ) هُوَ بِالرَّفْعِ عن صِيغَةِ الْخَبَرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، أَيْ لِيَكُنِ الْمُؤْمِنُ حَازِمًا حَذِرًا لَا يُؤْتَى مِنْ نَاحِيَةِ الْغَفْلَةِ، فَيُخْدَعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الدِّينِ كَمَا يَكُونُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَهُوَ أَوْلَاهُمَا بِالْحَذَرِ، وَقَدْ رُوِيَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ فِي الْوَصْلِ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَكَذَلِكَ قَرَأْنَاهُ، قِيلَ: مَعْنَى لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ أَنَّ مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ قَائِلُ هَذَا أَنَّ عُمُومَ الْخَبَرِ يَتَنَاوَلُ هَذَا فَيُمْكِنُ وَإِلَّا فَسَبَبُ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّغْفِيلِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْفِطْنَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ إِذَا نُكِبَ مِنْ وَجْهٍ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْأَكْثَرُ وَمِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ رَاوِي الْخَبَرِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ لَمَّا قَدِمَ مِنْ عِنْدَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: مَاذَا صَنَعَ بِكَ؟ قَالَ: أَوْفَى عَنِّي دَيْنِي، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ شِهَابٍ تَعُودُ تُدَانُ؟ قُلْتُ: لَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: لَا يُعَاقَبُ فِي الدُّنْيَا بِذَنْبٍ فَيُعَاقَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَامِلِ الَّذِي قَدْ أَوْقَفَتْهُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى غَوَامِضِ الْأُمُورِ حَتَّى صَارَ يَحْذَرُ مِمَّا سَيَقَعُ. وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمُغَفَّلُ فَقَدْ يُلْدَغُ مِرَارًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ جُحْرٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالسَّرَخْسِيِّ (وَاحِدٍ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ جُحْرِ حَيَّةٍ وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِيهِ أَدَبٌ شَرِيفٌ أَدَّبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ وَنَبَّهَهُمْ كَيْفَ يَحْذَرُونَ مِمَّا يَخَافُونَ سُوءَ عَاقِبَتِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ حَذِرٌ أَخْرَجَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ قَالَ: وَهَذَا الْكَلَامُ مِمَّا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَوَّلُ مَا قَالَهُ لِأَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ وَكَانَ شَاعِرًا فَأُسِرَ بِبَدْرٍ فَشَكَا عَائِلَةً وَفَقْرًا فَمَنَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَطْلَقَهُ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، فَظَفِرَ بِهِ بِأُحُدٍ فَقَالَ: مُنَّ عَلَيَّ وَذَكَرَ فَقْرَهُ وَعِيَالَهُ؛ .. لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، وَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَأَخْرَجَ قِصَّتَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِيِ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَهْذِيبِ السِّيرَةِ بَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ حِينَئِذٍ: لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، وَصَنِيعُ أَبِي عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْثَالِ مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّهُ مَثَلٌ قَدِيمٌ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا السَّبَبُ يُضَعِّفُ الْوَجْهَ الثَّانِي يَعْنِي الرِّوَايَةَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
صاحب (تَجْرِبَةٍ) وهذا لفظ أبي سعيدٍ مرفوعًا أخرجهُ أحمد وصحَّحه ابن حبَّان، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا حِلْم» بكسر الحاء المهملة وسكون اللام «إلَّا بتجربةٍ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا لذِي تجربةٍ» والحلمُ التَّأني في الأمورِ المقلقةِ، والمعنى أنَّ المرءَ لا يوصفُ بالحلمِ حتَّى يجرِّب الأمورَ، وقيل: المعنى لا يكون حليمًا كاملًا إلَّا مَن وقع في زلَّةٍ وحصل منه خطأٌ، فحينئذٍ يخجلُ.
وقال ابنُ الأثير: معناه لا يحصلُ الحلم حتَّى يركبَ الأمورَ ويعثرَ فيها، فيعتبرَ بها ويستبينَ مواضعَ الخطأ ويجتنبَها، وقيل: المراد: أنَّ من جرَّب الأمورَ وعرفَ عواقبَها آثرَ الحلمَ، وصبرَ على قليلِ الأذى؛ ليدفعَ به ما هو أكبر منه.
وقال الطِّيبيُّ: ويمكن أن يكون تخصيصُ الحليم بذي التَّجربة؛ للإشارة إلى أنَّ غيرَ الحليم بخلافهِ، فإنَّ الحليم الَّذي ليس له تجربةٌ قد يعثرُ في مواضع لا ينبغِي له فيها الحلم بخلافِ الحليم المجرِّب، وهذا الأثرُ وصله ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» عن عيسى بنِ يونس، عن هشامِ بن عروة، عن أبيهِ، قال معاوية: لا حلمَ إلَّا بالتَّجارب. وأخرجه البخاريُّ في «الأدب المفرد» من طريق عليِّ بن مُسْهر، عن هشامٍ، عن أبيهِ قال: كنتُ جالسًا عند معاويةَ فقال: لا حليمَ إلَّا ذو تجربةٍ. قالها ثلاثًا. وأخرج من حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: «لا حليمَ إلَّا ذو عثرةٍ، ولا حكيمَ إلَّا ذو تجربةٍ» وأخرجه أحمدُ وصحَّحه ابن حبَّان، ومرَّ.
٦١٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ) بالدال المهملة والغين المعجمة، على صيغة المجهولِ، وهو ما يكون من ذوات السُّموم، وأمَّا الَّذي بالذال المعجمة والعين المهملة (١)، فما يكون من النَّار، والمؤمن مرفوعٌ بيلدغُ (مِنْ جُحْرٍ)
بضم الجيم وسكون الحاء المهملة (وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) وقوله: «يلدغ» بالرَّفع على صيغةِ الخبر، ومعناه الأمرُ، أي: ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحيةِ الغفلةِ، فيُخدع مرَّة بعد أُخرى، وقد يكون ذلك في أمرِ الدِّين، كما يكون في أمر الدُّنيا وهو أَوْلَاهُما بالحذرِ، وروي بكسر الغين بلفظ النَّهي، فيتحقَّق فيه معنى النَّهي على هذه الرِّواية، قاله الخطابيُّ. قال السَّفاقِسيُّ -بعد ذكره له-: وكذا قرأناه. انتهى. أي: لا يُخْدَعَنَّ المؤمن ولا يُؤْتَيَنَّ من ناحيةِ الغفلةِ فيقعُ في مكروهٍ، لكن قال التُّوربشتيُّ: أرى أنَّ الحديثَ لم يبلغِ الخطابيَّ على ما كان عليه، وهو مشهورٌ عند أهل السِّير، وذلك أنَّه ﷺ منَّ على أبي عزَّةَ الشَّاعر الجمحيِّ، وشرط عليه أن لا يجلب عليه، فلما بلغَ مأمنه عادَ إلى ما كان، فأُسِر مرَّة أُخرى فأمر بضربِ عنقهِ، وكلَّمه بعض النَّاس في المَنِّ عليه فقال: «لا يلدغُ المؤمن … » (١) الحديث.
ونقل النَّوويُّ عن القاضِي عياض هذه القصَّة وقال: سبب هذا الحديث معروفٌ، وهو أنَّه ﷺ أَسَر أبا عزَّة الشَّاعر يومَ بدرٍ، فمَنَّ عليه وعاهدَهُ أن لا يُحَرِّضَ عليه ولا يهجوهُ، فأطلقَه فلحقَ بقومه، ثمَّ رجع إلى التَّحريض والهجاء، ثم أُسر يوم أحد فسأله المنَّ فقال ﷺ: «لا يلدغُ المؤمن» الحديث، وهذا السَّبب يضعِّف الوجه الثَّاني.
وأجاب في «شرح المشكاة»: بأنَّه يوجَّه بأن يكون ﷺ لمَّا رأى من نفسه الزَّكيَّة الكريمةِ الميل إلى الحلم والعفوِ عنه جرَّد منها مؤمنًا كاملًا حازمًا ذا شهامةٍ، ونهاه عن ذلك، يعني ليس من شيمةِ المؤمن الحازم الَّذي يغضبُ لله ويذبُّ عن دينِ الله أن ينخدعَ من مثل هذا الغادرِ المتمرِّد مرَّةً بعد أخرى، فانته عن حديثِ الحلمِ وامضِ لشأنك (٢) في الانتقامِ منه، والانتصار من عدوِّ الله، فإنَّ مقامَ الغضبِ لله يأبى الحلم والعفوَ، ومن أوصافهِ ﷺ، أنَّه كان لا ينتقمُ لنفسه إلَّا أن تُنْتهك حرمةُ الله فينتقمَ لها، وقد ظهرَ من هذا أنَّ الحلم مطلقًا غير محمودٍ، كما أنَّ الحَِرَدَ (٣) كذلك (٤)،
فمقام التَّحلُّم (١) مع المؤمنين مندوبٌ إليه مع الأولياء، والغلظة مع الأعداء. قال تعالى في وصف الصَّحابة: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] فظهرَ من هذا أنَّ القول بالنَّهي أولى، والمقام له أَدْعى، وسلوكُ ما ذهبَ إليه أبو سليمان الخطَّابيُّ ﵀ أوضحُ وأهدَى وأحقُّ أن يتَّبعَ وأَحرى، وهذا الكلام منه ﷺ وأول (٢) ما قاله لأبي عزَّة المذكور، وأمَّا قول السَّفاقِسيُّ: وهذا مثلٌ قديم تمثَّل به ﷺ إذ كان ﷺ كثيرًا ما يتمثَّل بالأمثالِ القديمة، وأصل ذلك أنَّ رجلًا أدخلَ يده في جحرٍ لصيدٍ أو غيره (٣)، فلدغتْه حيَّةٌ في يدهِ فضربتْه العربُ مثلًا، فقالوا: لا يدخلُ الرَّجل يدَه في جحرٍ فيُلدغ منه مرَّة ثانية (٤). فتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه إذا كان المثل العربيُّ على الصُّورة الَّتي حكاها، فالنَّبيُّ ﷺ لم يوردْه كذلك حتَّى يقال: إنَّه تمثَّل به. نعم، أورد كلامًا بمعناه، وانظرْ فرق ما بين كلامهِ ﵊ وبين لفظ المثل المذكور، فطلاوةُ البلاغةِ على لفظهِ ﵊ وحلاوةُ العبارةِ فيه باديةٌ يدركُها ذو الذَّوق السَّليم عليه أفضل صلاة (٥) الله وأزكى التَّسليم.
تنبيهٌ: قال شيخُنا في «الأحاديثِ المشتهرة» وسبقه إلى الإشارةِ لنحوه شيخه في «فتح الباري»: حديث «لا يلدغُ المؤمن من جُحر واحدٍ مرَّتين» أخرجه الشَّيخان وأبو داود وابن ماجه والعسكريُّ كلُّهم من حديث عُقيل، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة، به، مرفوعًا. لكن ليس عند ابن ماجه والعسكريِّ «واحد» (٦)، وهو عند مسلم أيضًا من طريقِ ابن أخي ابن شهابٍ الزُّهريِّ، عن عمِّه به (٧) مثله. وتابعهما سعيدُ بن عبد العزيز: أنَّ هشام بن عبد الملك