الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٣٣
الحديث رقم ٦١٣٣ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ حَقِّ الضَّيْفِ
٦١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
يخبرنا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن المؤمن لا يصاب من مكان واحد مرتين، فينبغي أن يكون حازمًا حذرًا متيقظًا لا يؤتى من الغفلة فينخدع.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
احْتِيجَ إِلَى تَأَلُّفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ثم ذكر حديثين تقدما: أحدهما: حَدِيثُ عَائِشَةَ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَوْضِعِ شَرْحِهِ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ، وَالنُّكْتَةُ فِي إِيرَادِهِ هُنَا التَّلْمِيحُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِلَفْظِ الْمُدَارَاةِ. وَهُوَ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ أُدَارِيهِ عَنْ نِفَاقِهِ، وَأَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ غَيْرَهُ.
والثاني: حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ وَفِيهِ قِصَّةُ أَبِيهِ مَخْرَمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ ; وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ وَقَدْ رَمَزَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ عَقِبَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّهُ الْمُبْهَمَ فِيهِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ قَبْلُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرَّ رَجُلٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو الْعَشِيرَةِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ كَأَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. وَشَرَحَ ابْنُ بَطَّالٍ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ كَانَ مُنَافِقًا، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَأْمُورًا بِالْحُكْمِ بِمَا ظَهَرَ، لَا بِمَا يَعْلَمُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي الْمُبْهَمِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: إِنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا، لَا مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَلَا عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَإِنَّمَا قِيلَ فِي مَخْرَمَةَ مَا قِيلَ لِمَا كَانَ فِي خُلُقِهِ مِنَ الشِّدَّةِ، فَكَانَ لِذَلِكَ فِي لِسَانِهِ بَذَاءَةٌ، وَأَمَّا عُيَيْنَةُ فَكَانَ إِسْلَامُهُ ضَعِيفًا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَهْوَجَ، فَكَانَ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَلَمَّا جَاءَ قَالَ خَبَّأْتُ هَذَا لَكَ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَدْ خَبَّأْتُ وَقَوْلُهُ: قَالَ أَيُّوبُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: بِثَوْبِهِ وَأَنَّهُ يُرِيهِ إِيَّاهُ وَالْمَعْنَى أَشَارَ أَيُّوبُ بِثَوْبِهِ لِيُرِي الْحَاضِرِينَ كَيْفِيَّةَ مَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ كَلَامِهِ مَعَ مَخْرَمَةَ، وَلَفْظُ الْقَوْلِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ، وَقَوْلُهُ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ وَصُورَتُهُ مُرْسَلٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ إِلَخْ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ وَصْلِ الْخَبَرِ، وَأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَحَمَّادٍ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُمَا الْإِرْسَالَ لَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ مَوْصُولٌ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ وَصْلِ رِوَايَةِ حَاتِمٍ هَذِهِ فِي الشَّهَادَاتِ.
٨٣ - بَاب لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ
٦١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ) اللَّدْغُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَكُونُ مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ، وَاللَّذْعُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَا يَكُونُ مِنَ النَّارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَالْجُحْرُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حَكِيمَ إِلَّا بِتَجْرِبَةٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا حِلْمَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ إِلَّا بِتَجْرِبَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا لِذِي تَجْرِبَةٍ وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حِلْمَ إِلَّا بِالتَّجَارِبِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ ثُمَّ انْتَبَهَ فَقَالَ: لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ. قَالَهَا ثَلَاثًا وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ، وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: مَعْنَاهُ: لَا يَحْصُلُ الْحِلْمُ حَتَّى يَرْتَكِبَ الْأُمُورَ وَيَعْثُرَ فِيهَا فَيَعْتَبِرُ بِهَا وَيَسْتَبِينُ مَوَاضِعَ الْخَطَأِ وَيَجْتَنِبُهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَعْنَى لَا يَكُونُ حَلِيمًا كَامِلًا إِلَّا مَنْ وَقَعَ فِي زَلَّةٍ وَحَصَلَ مِنْهُ خَطَأٌ فَحِينَئِذٍ يَخْجَلُ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَسْتُرَ مَنْ رَآهُ عَلَى عَيْبٍ فَيَعْفُوَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ جَرَّبَ الْأُمُورَ عَلِمَ نَفْعَهَا وَضَرَرَهَا فَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَّا عَنْ حِكْمَةٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْحَلِيمِ بِذِي التَّجْرِبَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْحَكِيمِ بِخِلَافِهِ، وَأَنَّ الْحَلِيمَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ تَجْرِبَةٌ قَدْ يَعْثُرُ فِي مَوَاضِعَ لَا يَنْبَغِي لَهُ فِيهَا الْحِلْمُ بِخِلَافِ الْحَلِيمِ الْمُجَرِّبِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ أَثَرِ مُعَاوِيَةَ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَخْرَجَه الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَكَذَا قَالَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ فِيهِ، وَخَالَفَهُمْ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ فَقَالَا: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ زَمْعَةَ، وَابْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَاسْتَغْرَبَهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى قَالَ: وَأَمَّا زَمْعَةُ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا أَبُو نُعَيْمٍ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ عَنْ زَمْعَةَ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
قَوْلُهُ: (لَا يُلْدَغُ) هُوَ بِالرَّفْعِ عن صِيغَةِ الْخَبَرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، أَيْ لِيَكُنِ الْمُؤْمِنُ حَازِمًا حَذِرًا لَا يُؤْتَى مِنْ نَاحِيَةِ الْغَفْلَةِ، فَيُخْدَعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الدِّينِ كَمَا يَكُونُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَهُوَ أَوْلَاهُمَا بِالْحَذَرِ، وَقَدْ رُوِيَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ فِي الْوَصْلِ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَكَذَلِكَ قَرَأْنَاهُ، قِيلَ: مَعْنَى لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ أَنَّ مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ قَائِلُ هَذَا أَنَّ عُمُومَ الْخَبَرِ يَتَنَاوَلُ هَذَا فَيُمْكِنُ وَإِلَّا فَسَبَبُ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّغْفِيلِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْفِطْنَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ إِذَا نُكِبَ مِنْ وَجْهٍ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْأَكْثَرُ وَمِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ رَاوِي الْخَبَرِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ لَمَّا قَدِمَ مِنْ عِنْدَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: مَاذَا صَنَعَ بِكَ؟ قَالَ: أَوْفَى عَنِّي دَيْنِي، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ شِهَابٍ تَعُودُ تُدَانُ؟ قُلْتُ: لَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: لَا يُعَاقَبُ فِي الدُّنْيَا بِذَنْبٍ فَيُعَاقَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَامِلِ الَّذِي قَدْ أَوْقَفَتْهُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى غَوَامِضِ الْأُمُورِ حَتَّى صَارَ يَحْذَرُ مِمَّا سَيَقَعُ. وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمُغَفَّلُ فَقَدْ يُلْدَغُ مِرَارًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ جُحْرٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالسَّرَخْسِيِّ (وَاحِدٍ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ جُحْرِ حَيَّةٍ وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِيهِ أَدَبٌ شَرِيفٌ أَدَّبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ وَنَبَّهَهُمْ كَيْفَ يَحْذَرُونَ مِمَّا يَخَافُونَ سُوءَ عَاقِبَتِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ حَذِرٌ أَخْرَجَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ قَالَ: وَهَذَا الْكَلَامُ مِمَّا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَوَّلُ مَا قَالَهُ لِأَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ وَكَانَ شَاعِرًا فَأُسِرَ بِبَدْرٍ فَشَكَا عَائِلَةً وَفَقْرًا فَمَنَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَطْلَقَهُ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، فَظَفِرَ بِهِ بِأُحُدٍ فَقَالَ: مُنَّ عَلَيَّ وَذَكَرَ فَقْرَهُ وَعِيَالَهُ؛ .. لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، وَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَأَخْرَجَ قِصَّتَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِيِ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَهْذِيبِ السِّيرَةِ بَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ حِينَئِذٍ: لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، وَصَنِيعُ أَبِي عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْثَالِ مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّهُ مَثَلٌ قَدِيمٌ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا السَّبَبُ يُضَعِّفُ الْوَجْهَ الثَّانِي يَعْنِي الرِّوَايَةَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
صاحب (تَجْرِبَةٍ) وهذا لفظ أبي سعيدٍ مرفوعًا أخرجهُ أحمد وصحَّحه ابن حبَّان، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا حِلْم» بكسر الحاء المهملة وسكون اللام «إلَّا بتجربةٍ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا لذِي تجربةٍ» والحلمُ التَّأني في الأمورِ المقلقةِ، والمعنى أنَّ المرءَ لا يوصفُ بالحلمِ حتَّى يجرِّب الأمورَ، وقيل: المعنى لا يكون حليمًا كاملًا إلَّا مَن وقع في زلَّةٍ وحصل منه خطأٌ، فحينئذٍ يخجلُ.
وقال ابنُ الأثير: معناه لا يحصلُ الحلم حتَّى يركبَ الأمورَ ويعثرَ فيها، فيعتبرَ بها ويستبينَ مواضعَ الخطأ ويجتنبَها، وقيل: المراد: أنَّ من جرَّب الأمورَ وعرفَ عواقبَها آثرَ الحلمَ، وصبرَ على قليلِ الأذى؛ ليدفعَ به ما هو أكبر منه.
وقال الطِّيبيُّ: ويمكن أن يكون تخصيصُ الحليم بذي التَّجربة؛ للإشارة إلى أنَّ غيرَ الحليم بخلافهِ، فإنَّ الحليم الَّذي ليس له تجربةٌ قد يعثرُ في مواضع لا ينبغِي له فيها الحلم بخلافِ الحليم المجرِّب، وهذا الأثرُ وصله ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» عن عيسى بنِ يونس، عن هشامِ بن عروة، عن أبيهِ، قال معاوية: لا حلمَ إلَّا بالتَّجارب. وأخرجه البخاريُّ في «الأدب المفرد» من طريق عليِّ بن مُسْهر، عن هشامٍ، عن أبيهِ قال: كنتُ جالسًا عند معاويةَ فقال: لا حليمَ إلَّا ذو تجربةٍ. قالها ثلاثًا. وأخرج من حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: «لا حليمَ إلَّا ذو عثرةٍ، ولا حكيمَ إلَّا ذو تجربةٍ» وأخرجه أحمدُ وصحَّحه ابن حبَّان، ومرَّ.
٦١٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ) بالدال المهملة والغين المعجمة، على صيغة المجهولِ، وهو ما يكون من ذوات السُّموم، وأمَّا الَّذي بالذال المعجمة والعين المهملة (١)، فما يكون من النَّار، والمؤمن مرفوعٌ بيلدغُ (مِنْ جُحْرٍ)
بضم الجيم وسكون الحاء المهملة (وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) وقوله: «يلدغ» بالرَّفع على صيغةِ الخبر، ومعناه الأمرُ، أي: ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحيةِ الغفلةِ، فيُخدع مرَّة بعد أُخرى، وقد يكون ذلك في أمرِ الدِّين، كما يكون في أمر الدُّنيا وهو أَوْلَاهُما بالحذرِ، وروي بكسر الغين بلفظ النَّهي، فيتحقَّق فيه معنى النَّهي على هذه الرِّواية، قاله الخطابيُّ. قال السَّفاقِسيُّ -بعد ذكره له-: وكذا قرأناه. انتهى. أي: لا يُخْدَعَنَّ المؤمن ولا يُؤْتَيَنَّ من ناحيةِ الغفلةِ فيقعُ في مكروهٍ، لكن قال التُّوربشتيُّ: أرى أنَّ الحديثَ لم يبلغِ الخطابيَّ على ما كان عليه، وهو مشهورٌ عند أهل السِّير، وذلك أنَّه ﷺ منَّ على أبي عزَّةَ الشَّاعر الجمحيِّ، وشرط عليه أن لا يجلب عليه، فلما بلغَ مأمنه عادَ إلى ما كان، فأُسِر مرَّة أُخرى فأمر بضربِ عنقهِ، وكلَّمه بعض النَّاس في المَنِّ عليه فقال: «لا يلدغُ المؤمن … » (١) الحديث.
ونقل النَّوويُّ عن القاضِي عياض هذه القصَّة وقال: سبب هذا الحديث معروفٌ، وهو أنَّه ﷺ أَسَر أبا عزَّة الشَّاعر يومَ بدرٍ، فمَنَّ عليه وعاهدَهُ أن لا يُحَرِّضَ عليه ولا يهجوهُ، فأطلقَه فلحقَ بقومه، ثمَّ رجع إلى التَّحريض والهجاء، ثم أُسر يوم أحد فسأله المنَّ فقال ﷺ: «لا يلدغُ المؤمن» الحديث، وهذا السَّبب يضعِّف الوجه الثَّاني.
وأجاب في «شرح المشكاة»: بأنَّه يوجَّه بأن يكون ﷺ لمَّا رأى من نفسه الزَّكيَّة الكريمةِ الميل إلى الحلم والعفوِ عنه جرَّد منها مؤمنًا كاملًا حازمًا ذا شهامةٍ، ونهاه عن ذلك، يعني ليس من شيمةِ المؤمن الحازم الَّذي يغضبُ لله ويذبُّ عن دينِ الله أن ينخدعَ من مثل هذا الغادرِ المتمرِّد مرَّةً بعد أخرى، فانته عن حديثِ الحلمِ وامضِ لشأنك (٢) في الانتقامِ منه، والانتصار من عدوِّ الله، فإنَّ مقامَ الغضبِ لله يأبى الحلم والعفوَ، ومن أوصافهِ ﷺ، أنَّه كان لا ينتقمُ لنفسه إلَّا أن تُنْتهك حرمةُ الله فينتقمَ لها، وقد ظهرَ من هذا أنَّ الحلم مطلقًا غير محمودٍ، كما أنَّ الحَِرَدَ (٣) كذلك (٤)،
فمقام التَّحلُّم (١) مع المؤمنين مندوبٌ إليه مع الأولياء، والغلظة مع الأعداء. قال تعالى في وصف الصَّحابة: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] فظهرَ من هذا أنَّ القول بالنَّهي أولى، والمقام له أَدْعى، وسلوكُ ما ذهبَ إليه أبو سليمان الخطَّابيُّ ﵀ أوضحُ وأهدَى وأحقُّ أن يتَّبعَ وأَحرى، وهذا الكلام منه ﷺ وأول (٢) ما قاله لأبي عزَّة المذكور، وأمَّا قول السَّفاقِسيُّ: وهذا مثلٌ قديم تمثَّل به ﷺ إذ كان ﷺ كثيرًا ما يتمثَّل بالأمثالِ القديمة، وأصل ذلك أنَّ رجلًا أدخلَ يده في جحرٍ لصيدٍ أو غيره (٣)، فلدغتْه حيَّةٌ في يدهِ فضربتْه العربُ مثلًا، فقالوا: لا يدخلُ الرَّجل يدَه في جحرٍ فيُلدغ منه مرَّة ثانية (٤). فتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه إذا كان المثل العربيُّ على الصُّورة الَّتي حكاها، فالنَّبيُّ ﷺ لم يوردْه كذلك حتَّى يقال: إنَّه تمثَّل به. نعم، أورد كلامًا بمعناه، وانظرْ فرق ما بين كلامهِ ﵊ وبين لفظ المثل المذكور، فطلاوةُ البلاغةِ على لفظهِ ﵊ وحلاوةُ العبارةِ فيه باديةٌ يدركُها ذو الذَّوق السَّليم عليه أفضل صلاة (٥) الله وأزكى التَّسليم.
تنبيهٌ: قال شيخُنا في «الأحاديثِ المشتهرة» وسبقه إلى الإشارةِ لنحوه شيخه في «فتح الباري»: حديث «لا يلدغُ المؤمن من جُحر واحدٍ مرَّتين» أخرجه الشَّيخان وأبو داود وابن ماجه والعسكريُّ كلُّهم من حديث عُقيل، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة، به، مرفوعًا. لكن ليس عند ابن ماجه والعسكريِّ «واحد» (٦)، وهو عند مسلم أيضًا من طريقِ ابن أخي ابن شهابٍ الزُّهريِّ، عن عمِّه به (٧) مثله. وتابعهما سعيدُ بن عبد العزيز: أنَّ هشام بن عبد الملك
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَكَانَ فِي خلقه شَيْء) أَي: فِي خلق مخرمَة شَيْء أَي نوع من الشكاسة.
وَابْن علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَعليَّة إسم أمه، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم وَفتح اللَّام واسْمه زُهَيْر الْقرشِي، وَعبد الله هَذَا تَابِعِيّ، وَحَدِيثه مُرْسل، ومخرمة بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالِد الْمسور بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكِلَاهُمَا صَحَابِيّ، وَقد مر حَدِيثهمَا فِي كتاب اللبَاس فِي: بَاب القباء وفروج حَرِير.
قَوْله: (أقبية) جمع قبَاء من ديباج وَهُوَ الثَّوْب الْمُتَّخذ من الإبر يسم وَهُوَ فَارسي مُعرب. قَوْله: (مزررة) من التزرير وَهُوَ جعلك للثياب أزراراً. قَوْله: (بِالذَّهَب) يتَعَلَّق بالمزررة. قَوْله: (فَقَسمهَا فِي نَاس) أَي: قسم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الأقبية الْمَذْكُورَة بَين نَاس، وَكلمَة: فِي، بِمَعْنى بَين، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: { (٩٨) فادخلي فِي عبَادي} (الْفجْر: ٢٩) أَي: بَين عبَادي. قَوْله: (وَاحِدًا) أَي: ثوبا وَاحِدًا من الأقبية لأجل مخرمَة، وَكَانَ غَائِبا. قَوْله: (فَلَمَّا جَاءَ) أَي: مخرمَة، قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: خبأت هَذَا لَك، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: قد خبأت. قَوْله: (قَالَ أَيُّوب) مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور، وَقَالَ، هُنَا بِمَعْنى: أَشَارَ، لِأَن لفظ القَوْل يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْفِعْل أَي: أَشَارَ أَيُّوب إِلَى ثَوْبه ليستحضر فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَائِلا: إِنَّه أَي: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يرِيه إِيَّاه أَي: يري مخرمَة الثَّوْب الَّذِي خباه لَهُ يطيب قلبه بِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي خلقه شَيْء كَمَا ذكرنَا، ويروى: وَأَنه يرِيه إِيَّاه، بِالْوَاو.
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ. وَقَالَ حاتِمُ بنُ وَرْدَانَ: حَدثنَا أيُّوبُ عَنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عَنِ المِسْوَرِ: قَدِمَتْ عَلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أقْبِيَةٌ.
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي: بَاب قسْمَة الإِمَام مَا يقدم عَلَيْهِ، أخرجه عبد الله بن عبد الْوَهَّاب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي مليكَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أهديت لَهُ أقبية ... الحَدِيث. قَوْله: وَقَالَ حَاتِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة ابْن وردان الْبَصْرِيّ ... إِلَى آخِره وَقد تقدم فِي: بَاب قسْمَة الإِمَام مَا يقدم عَلَيْهِ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصُورَة رِوَايَة حَمَّاد إرْسَال، وَلَكِن الحَدِيث فِي الأَصْل مَوْصُول وَتَعْلِيق حَاتِم وَصله البُخَارِيّ فِي الشَّهَادَات فِي: بَاب شَهَادَة الْأَعْمَى، وَأمره ونكاحه عَن زِيَاد بن يحيى حَدثنَا حَاتِم بن وردان حَدثنَا أَيُّوب عَن عبد الله عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْمسور بن مخرمَة، قَالَ: قدمت على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أقبية الديباج ... الحَدِيث.
٨٣ - (بابٌ لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْر مَرَّتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ، غير أَن فِي الحَدِيث من: جُحر وَاحِد، واللدغ بِالدَّال الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة مَا يكون من ذَوَات السمُوم، واللذع بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة مَا يكون من النَّار، والجحر بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة.
وَقَالَ مُعاوِيَةُ: لَا حَلِيمَ إلَاّ ذُو تَجْرِبَةٍ
مُعَاوِيَة هُوَ ابْن أبي سُفْيَان. ومناسبة ذكر أَثَره للْحَدِيث الَّذِي هُوَ التَّرْجَمَة هِيَ أَن الْحَلِيم الَّذِي لَيْسَ لَهُ تجربة قد يَقع فِي أَمر مرّة بعد أُخْرَى فَلذَلِك قيد الْحَلِيم بِذِي التجربة. قَوْله: لَا حَلِيم إلَاّ ذُو تجربة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لَا حلم بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون اللَّام إلَاّ بتجربة، والحلم عبارَة عَن التأني فِي الْأُمُور المقلقة، وَالْمعْنَى: أَن الْمَرْء لَا يُوصف بالحلم حَتَّى يجرب الْأُمُور، وَقيل: إِن من جرب الْأُمُور وَعرف عواقبها آثر الْحلم وصبر على قَلِيل الْأَذَى ليدفع بِهِ مَا هُوَ أَكثر مِنْهُ، وَتَعْلِيق مُعَاوِيَة وَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن عِيسَى بن يُونُس عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَة: لَا حلم إلَاّ بالتجارب.
٦١٣٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّب عنْ أبي هُرَيْرَةَ،
رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَا يُلْدغُ المْؤْمِنُ مِنْ جْحْرٍ واحدٍ مَرَّتَيْنِ) .
الحَدِيث هُوَ عين التَّرْجَمَة. وَعقيل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف ابْن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب وَأَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد بن الْحَارِث الْمصْرِيّ.
قَوْله: (لَا يلْدغ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمُؤمن مَرْفُوع بِهِ على صِيغَة الْخَبَر، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا لَفظه خبر وَمَعْنَاهُ أَمر أَي: لَكِن الْمُؤمن حازماً حذرا لَا يُؤْتى من نَاحيَة الْغَفْلَة فينخدع مرّة بعد أُخْرَى، وَقد يكون ذَلِك فِي أَمر الدّين كَمَا يكون فِي أَمر الدُّنْيَا، وَهُوَ أولاهما بالحذر. قَالَ: وَقد رُوِيَ بِكَسْر الْغَيْن فِي الْوَصْل فَيتَحَقَّق معنى النَّهْي فِيهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَلِكَ قَرَأنَا، وَقَالَ أَبُو عبيد مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ إِذا نكث من وَجه أَن يعود إِلَيْهِ، وَقيل: المُرَاد بِالْمُؤمنِ فِي هَذَا الحَدِيث الْكَامِل الَّذِي قد وقفته مَعْرفَته على غوامض الْأُمُور حَتَّى صَار يحذر مِمَّا سيقع، وَأما الْمُؤمن الْمُغَفَّل فقد يلْدغ مرَارًا، وَهَذَا الْكَلَام مِمَّا لم يسْبق إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأول مَا قَالَه لأبي غرَّة الجُمَحِي وَكَانَ شَاعِرًا فَأسر ببدر فَشكى عائلة وفقراً فَمن عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأطْلقهُ بِغَيْر فدَاه، فظفر بِهِ بِأحد فَقَالَ: من عَليّ وَذكر فقره وَعِيَاله، فَقَالَ: لَا تمسح عَارِضَيْك بِمَكَّة، وَتقول: سخرت بِمُحَمد مرَّتَيْنِ، وَأمر بِهِ فَقتل.
(بَاب حَقِّ الضَّيْفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِقَامَة الضَّيْف وَسَيَأْتِي بَيَان حَقه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، والضيافة من سنَن الْمُرْسلين وَعباد الله الصَّالِحين.
٦١٣٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّب عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَا يُلْدغُ المْؤْمِنُ مِنْ جْحْرٍ واحدٍ مَرَّتَيْنِ) .
الحَدِيث هُوَ عين التَّرْجَمَة. وَعقيل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف ابْن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب وَأَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد بن الْحَارِث الْمصْرِيّ.
قَوْله: (لَا يلْدغ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمُؤمن مَرْفُوع بِهِ على صِيغَة الْخَبَر، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا لَفظه خبر وَمَعْنَاهُ أَمر أَي: لَكِن الْمُؤمن حازماً حذرا لَا يُؤْتى من نَاحيَة الْغَفْلَة فينخدع مرّة بعد أُخْرَى، وَقد يكون ذَلِك فِي أَمر الدّين كَمَا يكون فِي أَمر الدُّنْيَا، وَهُوَ أولاهما بالحذر. قَالَ: وَقد رُوِيَ بِكَسْر الْغَيْن فِي الْوَصْل فَيتَحَقَّق معنى النَّهْي فِيهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَلِكَ قَرَأنَا، وَقَالَ أَبُو عبيد مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ إِذا نكث من وَجه أَن يعود إِلَيْهِ، وَقيل: المُرَاد بِالْمُؤمنِ فِي هَذَا الحَدِيث الْكَامِل الَّذِي قد وقفته مَعْرفَته على غوامض الْأُمُور حَتَّى صَار يحذر مِمَّا سيقع، وَأما الْمُؤمن الْمُغَفَّل فقد يلْدغ مرَارًا، وَهَذَا الْكَلَام مِمَّا لم يسْبق إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأول مَا قَالَه لأبي غرَّة الجُمَحِي وَكَانَ شَاعِرًا فَأسر ببدر فَشكى عائلة وفقراً فَمن عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأطْلقهُ بِغَيْر فدَاه، فظفر بِهِ بِأحد فَقَالَ: من عَليّ وَذكر فقره وَعِيَاله، فَقَالَ: لَا تمسح عَارِضَيْك بِمَكَّة، وَتقول: سخرت بِمُحَمد مرَّتَيْنِ، وَأمر بِهِ فَقتل.
(بَاب حَقِّ الضَّيْفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِقَامَة الضَّيْف وَسَيَأْتِي بَيَان حَقه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، والضيافة من سنَن الْمُرْسلين وَعباد الله الصَّالِحين.
٦١٣٤ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ مَنْصُور حَدثنَا رَوْحُ بنُ عُبادةَ حَدثنَا حُسَيْنٌ عَنْ يَحْيَى ابنِ أبي كَثِيرٍ عَنْ أبي سلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ قَالَ: دَخَلَ عَليَّ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: أَلَمْ أخْبَرْ أنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قُلْتُ: بَلى. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ قُمْ وَنَمْ وَصُمْ وأفْطِرْ، فإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّكَ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمرٌ وإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْر ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فَإِنَّ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثالِها، فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ، قَالَ: فَشَدَّدْتُ عَلَيَّ. فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذالِكَ، قَالَ: فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: إنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذالِكَ، قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ الله داوُدَ. قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِيِّ الله داوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِن لزورك عَلَيْك حَقًا) والزور بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْوَاو وبالراء بِمَعْنى الزائر وَهُوَ الضَّيْف، وَحقه يَوْم وَلَيْلَة. وَاخْتلف فِي وُجُوبهَا: فأوجبها اللَّيْث بن سعد فرضا لَيْلَة وَاحِدَة، وَأَجَازَ للْعَبد الْمَأْذُون لَهُ أَن يضيف مِمَّا فِي يَده، وَاحْتج بِحَدِيث عقبَة، وَقَالَت جمَاعَة من أهل الْعلم: الضِّيَافَة من مَكَارِم الْأَخْلَاق فِي باديته وحاضرته، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك: لَيْسَ على أهل الْحَضَر ضِيَافَة، وَقَالَ سَحْنُون: إِنَّمَا الضِّيَافَة على أهل الْقرى، وَأما الْحَضَر فالفندق ينزل فِيهِ المسافرون، وَحَدِيث عقبَة كَانَ فِي أول الْإِسْلَام حِين كَانَت الْمُوَاسَاة وَاجِبَة، فَأَما إِذا أَتَى الله بِالْخَيرِ وَالسعَة فالضيافة مَنْدُوب إِلَيْهَا وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: جائزته فِي يَوْم وَلَيْلَة، دَلِيل على أَن الضِّيَافَة لَيست بفريضة، والجائزة فِي لِسَان الْعَرَب المنحة والعطية، وَذَلِكَ تفضل وَلَيْسَ بِوَاجِب وحسين فِي السَّنَد هُوَ الْمعلم.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب حق الضَّيْف فِي الصَّوْم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مشروحاً.
قَوْله: (دخل عَليّ) بتَشْديد الْيَاء وفاعل دخل هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ألم أخبر؟) بِلَفْظ الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن يطول بك عمر) يَعْنِي: عَسى أَن تكون طَوِيل الْعُمر فَتبقى ضَعِيف القوى كليل الْحَواس نهيك النَّفس فَلَا تقدر على المداومة عَلَيْهِ وَخير الْأَعْمَال مَا دَامَ وَإِن قل. قَوْله: (وَإِن من حَسبك) أَي: من كفايتك، ويروى: وَأَن حَسبك أَي: كافيك، وَيحْتَمل زِيَادَة: من عَليّ رَأْي الْكُوفِيّين. قَوْله: (الدَّهْر) بِالرَّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى تَقْدِير هُوَ الدَّهْر كُله، وَأما النصب فعلى تَقْدِير: أَن تَصُوم الدَّهْر.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
احْتِيجَ إِلَى تَأَلُّفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ثم ذكر حديثين تقدما: أحدهما: حَدِيثُ عَائِشَةَ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَوْضِعِ شَرْحِهِ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ، وَالنُّكْتَةُ فِي إِيرَادِهِ هُنَا التَّلْمِيحُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِلَفْظِ الْمُدَارَاةِ. وَهُوَ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ أُدَارِيهِ عَنْ نِفَاقِهِ، وَأَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ غَيْرَهُ.
والثاني: حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ وَفِيهِ قِصَّةُ أَبِيهِ مَخْرَمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ ; وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ وَقَدْ رَمَزَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ عَقِبَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّهُ الْمُبْهَمَ فِيهِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ قَبْلُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرَّ رَجُلٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو الْعَشِيرَةِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ كَأَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. وَشَرَحَ ابْنُ بَطَّالٍ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ كَانَ مُنَافِقًا، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَأْمُورًا بِالْحُكْمِ بِمَا ظَهَرَ، لَا بِمَا يَعْلَمُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي الْمُبْهَمِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: إِنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا، لَا مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَلَا عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَإِنَّمَا قِيلَ فِي مَخْرَمَةَ مَا قِيلَ لِمَا كَانَ فِي خُلُقِهِ مِنَ الشِّدَّةِ، فَكَانَ لِذَلِكَ فِي لِسَانِهِ بَذَاءَةٌ، وَأَمَّا عُيَيْنَةُ فَكَانَ إِسْلَامُهُ ضَعِيفًا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَهْوَجَ، فَكَانَ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَلَمَّا جَاءَ قَالَ خَبَّأْتُ هَذَا لَكَ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَدْ خَبَّأْتُ وَقَوْلُهُ: قَالَ أَيُّوبُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: بِثَوْبِهِ وَأَنَّهُ يُرِيهِ إِيَّاهُ وَالْمَعْنَى أَشَارَ أَيُّوبُ بِثَوْبِهِ لِيُرِي الْحَاضِرِينَ كَيْفِيَّةَ مَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ كَلَامِهِ مَعَ مَخْرَمَةَ، وَلَفْظُ الْقَوْلِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ، وَقَوْلُهُ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ وَصُورَتُهُ مُرْسَلٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ إِلَخْ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ وَصْلِ الْخَبَرِ، وَأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَحَمَّادٍ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُمَا الْإِرْسَالَ لَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ مَوْصُولٌ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ وَصْلِ رِوَايَةِ حَاتِمٍ هَذِهِ فِي الشَّهَادَاتِ.
٨٣ - بَاب لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ
٦١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ) اللَّدْغُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَكُونُ مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ، وَاللَّذْعُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَا يَكُونُ مِنَ النَّارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَالْجُحْرُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حَكِيمَ إِلَّا بِتَجْرِبَةٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا حِلْمَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ إِلَّا بِتَجْرِبَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا لِذِي تَجْرِبَةٍ وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حِلْمَ إِلَّا بِالتَّجَارِبِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ ثُمَّ انْتَبَهَ فَقَالَ: لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ. قَالَهَا ثَلَاثًا وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ، وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: مَعْنَاهُ: لَا يَحْصُلُ الْحِلْمُ حَتَّى يَرْتَكِبَ الْأُمُورَ وَيَعْثُرَ فِيهَا فَيَعْتَبِرُ بِهَا وَيَسْتَبِينُ مَوَاضِعَ الْخَطَأِ وَيَجْتَنِبُهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَعْنَى لَا يَكُونُ حَلِيمًا كَامِلًا إِلَّا مَنْ وَقَعَ فِي زَلَّةٍ وَحَصَلَ مِنْهُ خَطَأٌ فَحِينَئِذٍ يَخْجَلُ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَسْتُرَ مَنْ رَآهُ عَلَى عَيْبٍ فَيَعْفُوَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ جَرَّبَ الْأُمُورَ عَلِمَ نَفْعَهَا وَضَرَرَهَا فَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَّا عَنْ حِكْمَةٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْحَلِيمِ بِذِي التَّجْرِبَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْحَكِيمِ بِخِلَافِهِ، وَأَنَّ الْحَلِيمَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ تَجْرِبَةٌ قَدْ يَعْثُرُ فِي مَوَاضِعَ لَا يَنْبَغِي لَهُ فِيهَا الْحِلْمُ بِخِلَافِ الْحَلِيمِ الْمُجَرِّبِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ أَثَرِ مُعَاوِيَةَ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَخْرَجَه الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَكَذَا قَالَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ فِيهِ، وَخَالَفَهُمْ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ فَقَالَا: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ زَمْعَةَ، وَابْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَاسْتَغْرَبَهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى قَالَ: وَأَمَّا زَمْعَةُ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا أَبُو نُعَيْمٍ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ عَنْ زَمْعَةَ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
قَوْلُهُ: (لَا يُلْدَغُ) هُوَ بِالرَّفْعِ عن صِيغَةِ الْخَبَرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، أَيْ لِيَكُنِ الْمُؤْمِنُ حَازِمًا حَذِرًا لَا يُؤْتَى مِنْ نَاحِيَةِ الْغَفْلَةِ، فَيُخْدَعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الدِّينِ كَمَا يَكُونُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَهُوَ أَوْلَاهُمَا بِالْحَذَرِ، وَقَدْ رُوِيَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ فِي الْوَصْلِ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَكَذَلِكَ قَرَأْنَاهُ، قِيلَ: مَعْنَى لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ أَنَّ مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ قَائِلُ هَذَا أَنَّ عُمُومَ الْخَبَرِ يَتَنَاوَلُ هَذَا فَيُمْكِنُ وَإِلَّا فَسَبَبُ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّغْفِيلِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْفِطْنَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ إِذَا نُكِبَ مِنْ وَجْهٍ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْأَكْثَرُ وَمِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ رَاوِي الْخَبَرِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ لَمَّا قَدِمَ مِنْ عِنْدَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: مَاذَا صَنَعَ بِكَ؟ قَالَ: أَوْفَى عَنِّي دَيْنِي، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ شِهَابٍ تَعُودُ تُدَانُ؟ قُلْتُ: لَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: لَا يُعَاقَبُ فِي الدُّنْيَا بِذَنْبٍ فَيُعَاقَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَامِلِ الَّذِي قَدْ أَوْقَفَتْهُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى غَوَامِضِ الْأُمُورِ حَتَّى صَارَ يَحْذَرُ مِمَّا سَيَقَعُ. وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمُغَفَّلُ فَقَدْ يُلْدَغُ مِرَارًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ جُحْرٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالسَّرَخْسِيِّ (وَاحِدٍ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ جُحْرِ حَيَّةٍ وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِيهِ أَدَبٌ شَرِيفٌ أَدَّبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ وَنَبَّهَهُمْ كَيْفَ يَحْذَرُونَ مِمَّا يَخَافُونَ سُوءَ عَاقِبَتِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ حَذِرٌ أَخْرَجَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ قَالَ: وَهَذَا الْكَلَامُ مِمَّا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَوَّلُ مَا قَالَهُ لِأَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ وَكَانَ شَاعِرًا فَأُسِرَ بِبَدْرٍ فَشَكَا عَائِلَةً وَفَقْرًا فَمَنَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَطْلَقَهُ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، فَظَفِرَ بِهِ بِأُحُدٍ فَقَالَ: مُنَّ عَلَيَّ وَذَكَرَ فَقْرَهُ وَعِيَالَهُ؛ .. لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، وَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَأَخْرَجَ قِصَّتَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِيِ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَهْذِيبِ السِّيرَةِ بَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ حِينَئِذٍ: لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، وَصَنِيعُ أَبِي عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْثَالِ مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّهُ مَثَلٌ قَدِيمٌ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا السَّبَبُ يُضَعِّفُ الْوَجْهَ الثَّانِي يَعْنِي الرِّوَايَةَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
صاحب (تَجْرِبَةٍ) وهذا لفظ أبي سعيدٍ مرفوعًا أخرجهُ أحمد وصحَّحه ابن حبَّان، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا حِلْم» بكسر الحاء المهملة وسكون اللام «إلَّا بتجربةٍ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا لذِي تجربةٍ» والحلمُ التَّأني في الأمورِ المقلقةِ، والمعنى أنَّ المرءَ لا يوصفُ بالحلمِ حتَّى يجرِّب الأمورَ، وقيل: المعنى لا يكون حليمًا كاملًا إلَّا مَن وقع في زلَّةٍ وحصل منه خطأٌ، فحينئذٍ يخجلُ.
وقال ابنُ الأثير: معناه لا يحصلُ الحلم حتَّى يركبَ الأمورَ ويعثرَ فيها، فيعتبرَ بها ويستبينَ مواضعَ الخطأ ويجتنبَها، وقيل: المراد: أنَّ من جرَّب الأمورَ وعرفَ عواقبَها آثرَ الحلمَ، وصبرَ على قليلِ الأذى؛ ليدفعَ به ما هو أكبر منه.
وقال الطِّيبيُّ: ويمكن أن يكون تخصيصُ الحليم بذي التَّجربة؛ للإشارة إلى أنَّ غيرَ الحليم بخلافهِ، فإنَّ الحليم الَّذي ليس له تجربةٌ قد يعثرُ في مواضع لا ينبغِي له فيها الحلم بخلافِ الحليم المجرِّب، وهذا الأثرُ وصله ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» عن عيسى بنِ يونس، عن هشامِ بن عروة، عن أبيهِ، قال معاوية: لا حلمَ إلَّا بالتَّجارب. وأخرجه البخاريُّ في «الأدب المفرد» من طريق عليِّ بن مُسْهر، عن هشامٍ، عن أبيهِ قال: كنتُ جالسًا عند معاويةَ فقال: لا حليمَ إلَّا ذو تجربةٍ. قالها ثلاثًا. وأخرج من حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: «لا حليمَ إلَّا ذو عثرةٍ، ولا حكيمَ إلَّا ذو تجربةٍ» وأخرجه أحمدُ وصحَّحه ابن حبَّان، ومرَّ.
٦١٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ) بالدال المهملة والغين المعجمة، على صيغة المجهولِ، وهو ما يكون من ذوات السُّموم، وأمَّا الَّذي بالذال المعجمة والعين المهملة (١)، فما يكون من النَّار، والمؤمن مرفوعٌ بيلدغُ (مِنْ جُحْرٍ)
بضم الجيم وسكون الحاء المهملة (وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) وقوله: «يلدغ» بالرَّفع على صيغةِ الخبر، ومعناه الأمرُ، أي: ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحيةِ الغفلةِ، فيُخدع مرَّة بعد أُخرى، وقد يكون ذلك في أمرِ الدِّين، كما يكون في أمر الدُّنيا وهو أَوْلَاهُما بالحذرِ، وروي بكسر الغين بلفظ النَّهي، فيتحقَّق فيه معنى النَّهي على هذه الرِّواية، قاله الخطابيُّ. قال السَّفاقِسيُّ -بعد ذكره له-: وكذا قرأناه. انتهى. أي: لا يُخْدَعَنَّ المؤمن ولا يُؤْتَيَنَّ من ناحيةِ الغفلةِ فيقعُ في مكروهٍ، لكن قال التُّوربشتيُّ: أرى أنَّ الحديثَ لم يبلغِ الخطابيَّ على ما كان عليه، وهو مشهورٌ عند أهل السِّير، وذلك أنَّه ﷺ منَّ على أبي عزَّةَ الشَّاعر الجمحيِّ، وشرط عليه أن لا يجلب عليه، فلما بلغَ مأمنه عادَ إلى ما كان، فأُسِر مرَّة أُخرى فأمر بضربِ عنقهِ، وكلَّمه بعض النَّاس في المَنِّ عليه فقال: «لا يلدغُ المؤمن … » (١) الحديث.
ونقل النَّوويُّ عن القاضِي عياض هذه القصَّة وقال: سبب هذا الحديث معروفٌ، وهو أنَّه ﷺ أَسَر أبا عزَّة الشَّاعر يومَ بدرٍ، فمَنَّ عليه وعاهدَهُ أن لا يُحَرِّضَ عليه ولا يهجوهُ، فأطلقَه فلحقَ بقومه، ثمَّ رجع إلى التَّحريض والهجاء، ثم أُسر يوم أحد فسأله المنَّ فقال ﷺ: «لا يلدغُ المؤمن» الحديث، وهذا السَّبب يضعِّف الوجه الثَّاني.
وأجاب في «شرح المشكاة»: بأنَّه يوجَّه بأن يكون ﷺ لمَّا رأى من نفسه الزَّكيَّة الكريمةِ الميل إلى الحلم والعفوِ عنه جرَّد منها مؤمنًا كاملًا حازمًا ذا شهامةٍ، ونهاه عن ذلك، يعني ليس من شيمةِ المؤمن الحازم الَّذي يغضبُ لله ويذبُّ عن دينِ الله أن ينخدعَ من مثل هذا الغادرِ المتمرِّد مرَّةً بعد أخرى، فانته عن حديثِ الحلمِ وامضِ لشأنك (٢) في الانتقامِ منه، والانتصار من عدوِّ الله، فإنَّ مقامَ الغضبِ لله يأبى الحلم والعفوَ، ومن أوصافهِ ﷺ، أنَّه كان لا ينتقمُ لنفسه إلَّا أن تُنْتهك حرمةُ الله فينتقمَ لها، وقد ظهرَ من هذا أنَّ الحلم مطلقًا غير محمودٍ، كما أنَّ الحَِرَدَ (٣) كذلك (٤)،
فمقام التَّحلُّم (١) مع المؤمنين مندوبٌ إليه مع الأولياء، والغلظة مع الأعداء. قال تعالى في وصف الصَّحابة: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] فظهرَ من هذا أنَّ القول بالنَّهي أولى، والمقام له أَدْعى، وسلوكُ ما ذهبَ إليه أبو سليمان الخطَّابيُّ ﵀ أوضحُ وأهدَى وأحقُّ أن يتَّبعَ وأَحرى، وهذا الكلام منه ﷺ وأول (٢) ما قاله لأبي عزَّة المذكور، وأمَّا قول السَّفاقِسيُّ: وهذا مثلٌ قديم تمثَّل به ﷺ إذ كان ﷺ كثيرًا ما يتمثَّل بالأمثالِ القديمة، وأصل ذلك أنَّ رجلًا أدخلَ يده في جحرٍ لصيدٍ أو غيره (٣)، فلدغتْه حيَّةٌ في يدهِ فضربتْه العربُ مثلًا، فقالوا: لا يدخلُ الرَّجل يدَه في جحرٍ فيُلدغ منه مرَّة ثانية (٤). فتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه إذا كان المثل العربيُّ على الصُّورة الَّتي حكاها، فالنَّبيُّ ﷺ لم يوردْه كذلك حتَّى يقال: إنَّه تمثَّل به. نعم، أورد كلامًا بمعناه، وانظرْ فرق ما بين كلامهِ ﵊ وبين لفظ المثل المذكور، فطلاوةُ البلاغةِ على لفظهِ ﵊ وحلاوةُ العبارةِ فيه باديةٌ يدركُها ذو الذَّوق السَّليم عليه أفضل صلاة (٥) الله وأزكى التَّسليم.
تنبيهٌ: قال شيخُنا في «الأحاديثِ المشتهرة» وسبقه إلى الإشارةِ لنحوه شيخه في «فتح الباري»: حديث «لا يلدغُ المؤمن من جُحر واحدٍ مرَّتين» أخرجه الشَّيخان وأبو داود وابن ماجه والعسكريُّ كلُّهم من حديث عُقيل، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة، به، مرفوعًا. لكن ليس عند ابن ماجه والعسكريِّ «واحد» (٦)، وهو عند مسلم أيضًا من طريقِ ابن أخي ابن شهابٍ الزُّهريِّ، عن عمِّه به (٧) مثله. وتابعهما سعيدُ بن عبد العزيز: أنَّ هشام بن عبد الملك
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَكَانَ فِي خلقه شَيْء) أَي: فِي خلق مخرمَة شَيْء أَي نوع من الشكاسة.
وَابْن علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَعليَّة إسم أمه، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم وَفتح اللَّام واسْمه زُهَيْر الْقرشِي، وَعبد الله هَذَا تَابِعِيّ، وَحَدِيثه مُرْسل، ومخرمة بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالِد الْمسور بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكِلَاهُمَا صَحَابِيّ، وَقد مر حَدِيثهمَا فِي كتاب اللبَاس فِي: بَاب القباء وفروج حَرِير.
قَوْله: (أقبية) جمع قبَاء من ديباج وَهُوَ الثَّوْب الْمُتَّخذ من الإبر يسم وَهُوَ فَارسي مُعرب. قَوْله: (مزررة) من التزرير وَهُوَ جعلك للثياب أزراراً. قَوْله: (بِالذَّهَب) يتَعَلَّق بالمزررة. قَوْله: (فَقَسمهَا فِي نَاس) أَي: قسم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الأقبية الْمَذْكُورَة بَين نَاس، وَكلمَة: فِي، بِمَعْنى بَين، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: { (٩٨) فادخلي فِي عبَادي} (الْفجْر: ٢٩) أَي: بَين عبَادي. قَوْله: (وَاحِدًا) أَي: ثوبا وَاحِدًا من الأقبية لأجل مخرمَة، وَكَانَ غَائِبا. قَوْله: (فَلَمَّا جَاءَ) أَي: مخرمَة، قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: خبأت هَذَا لَك، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: قد خبأت. قَوْله: (قَالَ أَيُّوب) مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور، وَقَالَ، هُنَا بِمَعْنى: أَشَارَ، لِأَن لفظ القَوْل يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْفِعْل أَي: أَشَارَ أَيُّوب إِلَى ثَوْبه ليستحضر فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَائِلا: إِنَّه أَي: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يرِيه إِيَّاه أَي: يري مخرمَة الثَّوْب الَّذِي خباه لَهُ يطيب قلبه بِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي خلقه شَيْء كَمَا ذكرنَا، ويروى: وَأَنه يرِيه إِيَّاه، بِالْوَاو.
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ. وَقَالَ حاتِمُ بنُ وَرْدَانَ: حَدثنَا أيُّوبُ عَنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عَنِ المِسْوَرِ: قَدِمَتْ عَلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أقْبِيَةٌ.
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي: بَاب قسْمَة الإِمَام مَا يقدم عَلَيْهِ، أخرجه عبد الله بن عبد الْوَهَّاب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي مليكَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أهديت لَهُ أقبية ... الحَدِيث. قَوْله: وَقَالَ حَاتِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة ابْن وردان الْبَصْرِيّ ... إِلَى آخِره وَقد تقدم فِي: بَاب قسْمَة الإِمَام مَا يقدم عَلَيْهِ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصُورَة رِوَايَة حَمَّاد إرْسَال، وَلَكِن الحَدِيث فِي الأَصْل مَوْصُول وَتَعْلِيق حَاتِم وَصله البُخَارِيّ فِي الشَّهَادَات فِي: بَاب شَهَادَة الْأَعْمَى، وَأمره ونكاحه عَن زِيَاد بن يحيى حَدثنَا حَاتِم بن وردان حَدثنَا أَيُّوب عَن عبد الله عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْمسور بن مخرمَة، قَالَ: قدمت على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أقبية الديباج ... الحَدِيث.
٨٣ - (بابٌ لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْر مَرَّتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ، غير أَن فِي الحَدِيث من: جُحر وَاحِد، واللدغ بِالدَّال الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة مَا يكون من ذَوَات السمُوم، واللذع بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة مَا يكون من النَّار، والجحر بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة.
وَقَالَ مُعاوِيَةُ: لَا حَلِيمَ إلَاّ ذُو تَجْرِبَةٍ
مُعَاوِيَة هُوَ ابْن أبي سُفْيَان. ومناسبة ذكر أَثَره للْحَدِيث الَّذِي هُوَ التَّرْجَمَة هِيَ أَن الْحَلِيم الَّذِي لَيْسَ لَهُ تجربة قد يَقع فِي أَمر مرّة بعد أُخْرَى فَلذَلِك قيد الْحَلِيم بِذِي التجربة. قَوْله: لَا حَلِيم إلَاّ ذُو تجربة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لَا حلم بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون اللَّام إلَاّ بتجربة، والحلم عبارَة عَن التأني فِي الْأُمُور المقلقة، وَالْمعْنَى: أَن الْمَرْء لَا يُوصف بالحلم حَتَّى يجرب الْأُمُور، وَقيل: إِن من جرب الْأُمُور وَعرف عواقبها آثر الْحلم وصبر على قَلِيل الْأَذَى ليدفع بِهِ مَا هُوَ أَكثر مِنْهُ، وَتَعْلِيق مُعَاوِيَة وَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن عِيسَى بن يُونُس عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَة: لَا حلم إلَاّ بالتجارب.
٦١٣٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّب عنْ أبي هُرَيْرَةَ،
رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَا يُلْدغُ المْؤْمِنُ مِنْ جْحْرٍ واحدٍ مَرَّتَيْنِ) .
الحَدِيث هُوَ عين التَّرْجَمَة. وَعقيل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف ابْن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب وَأَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد بن الْحَارِث الْمصْرِيّ.
قَوْله: (لَا يلْدغ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمُؤمن مَرْفُوع بِهِ على صِيغَة الْخَبَر، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا لَفظه خبر وَمَعْنَاهُ أَمر أَي: لَكِن الْمُؤمن حازماً حذرا لَا يُؤْتى من نَاحيَة الْغَفْلَة فينخدع مرّة بعد أُخْرَى، وَقد يكون ذَلِك فِي أَمر الدّين كَمَا يكون فِي أَمر الدُّنْيَا، وَهُوَ أولاهما بالحذر. قَالَ: وَقد رُوِيَ بِكَسْر الْغَيْن فِي الْوَصْل فَيتَحَقَّق معنى النَّهْي فِيهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَلِكَ قَرَأنَا، وَقَالَ أَبُو عبيد مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ إِذا نكث من وَجه أَن يعود إِلَيْهِ، وَقيل: المُرَاد بِالْمُؤمنِ فِي هَذَا الحَدِيث الْكَامِل الَّذِي قد وقفته مَعْرفَته على غوامض الْأُمُور حَتَّى صَار يحذر مِمَّا سيقع، وَأما الْمُؤمن الْمُغَفَّل فقد يلْدغ مرَارًا، وَهَذَا الْكَلَام مِمَّا لم يسْبق إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأول مَا قَالَه لأبي غرَّة الجُمَحِي وَكَانَ شَاعِرًا فَأسر ببدر فَشكى عائلة وفقراً فَمن عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأطْلقهُ بِغَيْر فدَاه، فظفر بِهِ بِأحد فَقَالَ: من عَليّ وَذكر فقره وَعِيَاله، فَقَالَ: لَا تمسح عَارِضَيْك بِمَكَّة، وَتقول: سخرت بِمُحَمد مرَّتَيْنِ، وَأمر بِهِ فَقتل.
(بَاب حَقِّ الضَّيْفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِقَامَة الضَّيْف وَسَيَأْتِي بَيَان حَقه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، والضيافة من سنَن الْمُرْسلين وَعباد الله الصَّالِحين.
٦١٣٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّب عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَا يُلْدغُ المْؤْمِنُ مِنْ جْحْرٍ واحدٍ مَرَّتَيْنِ) .
الحَدِيث هُوَ عين التَّرْجَمَة. وَعقيل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف ابْن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب وَأَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد بن الْحَارِث الْمصْرِيّ.
قَوْله: (لَا يلْدغ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمُؤمن مَرْفُوع بِهِ على صِيغَة الْخَبَر، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا لَفظه خبر وَمَعْنَاهُ أَمر أَي: لَكِن الْمُؤمن حازماً حذرا لَا يُؤْتى من نَاحيَة الْغَفْلَة فينخدع مرّة بعد أُخْرَى، وَقد يكون ذَلِك فِي أَمر الدّين كَمَا يكون فِي أَمر الدُّنْيَا، وَهُوَ أولاهما بالحذر. قَالَ: وَقد رُوِيَ بِكَسْر الْغَيْن فِي الْوَصْل فَيتَحَقَّق معنى النَّهْي فِيهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَلِكَ قَرَأنَا، وَقَالَ أَبُو عبيد مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ إِذا نكث من وَجه أَن يعود إِلَيْهِ، وَقيل: المُرَاد بِالْمُؤمنِ فِي هَذَا الحَدِيث الْكَامِل الَّذِي قد وقفته مَعْرفَته على غوامض الْأُمُور حَتَّى صَار يحذر مِمَّا سيقع، وَأما الْمُؤمن الْمُغَفَّل فقد يلْدغ مرَارًا، وَهَذَا الْكَلَام مِمَّا لم يسْبق إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأول مَا قَالَه لأبي غرَّة الجُمَحِي وَكَانَ شَاعِرًا فَأسر ببدر فَشكى عائلة وفقراً فَمن عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأطْلقهُ بِغَيْر فدَاه، فظفر بِهِ بِأحد فَقَالَ: من عَليّ وَذكر فقره وَعِيَاله، فَقَالَ: لَا تمسح عَارِضَيْك بِمَكَّة، وَتقول: سخرت بِمُحَمد مرَّتَيْنِ، وَأمر بِهِ فَقتل.
(بَاب حَقِّ الضَّيْفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِقَامَة الضَّيْف وَسَيَأْتِي بَيَان حَقه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، والضيافة من سنَن الْمُرْسلين وَعباد الله الصَّالِحين.
٦١٣٤ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ مَنْصُور حَدثنَا رَوْحُ بنُ عُبادةَ حَدثنَا حُسَيْنٌ عَنْ يَحْيَى ابنِ أبي كَثِيرٍ عَنْ أبي سلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ قَالَ: دَخَلَ عَليَّ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: أَلَمْ أخْبَرْ أنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قُلْتُ: بَلى. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ قُمْ وَنَمْ وَصُمْ وأفْطِرْ، فإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّكَ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمرٌ وإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْر ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فَإِنَّ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثالِها، فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ، قَالَ: فَشَدَّدْتُ عَلَيَّ. فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذالِكَ، قَالَ: فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: إنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذالِكَ، قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ الله داوُدَ. قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِيِّ الله داوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِن لزورك عَلَيْك حَقًا) والزور بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْوَاو وبالراء بِمَعْنى الزائر وَهُوَ الضَّيْف، وَحقه يَوْم وَلَيْلَة. وَاخْتلف فِي وُجُوبهَا: فأوجبها اللَّيْث بن سعد فرضا لَيْلَة وَاحِدَة، وَأَجَازَ للْعَبد الْمَأْذُون لَهُ أَن يضيف مِمَّا فِي يَده، وَاحْتج بِحَدِيث عقبَة، وَقَالَت جمَاعَة من أهل الْعلم: الضِّيَافَة من مَكَارِم الْأَخْلَاق فِي باديته وحاضرته، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك: لَيْسَ على أهل الْحَضَر ضِيَافَة، وَقَالَ سَحْنُون: إِنَّمَا الضِّيَافَة على أهل الْقرى، وَأما الْحَضَر فالفندق ينزل فِيهِ المسافرون، وَحَدِيث عقبَة كَانَ فِي أول الْإِسْلَام حِين كَانَت الْمُوَاسَاة وَاجِبَة، فَأَما إِذا أَتَى الله بِالْخَيرِ وَالسعَة فالضيافة مَنْدُوب إِلَيْهَا وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: جائزته فِي يَوْم وَلَيْلَة، دَلِيل على أَن الضِّيَافَة لَيست بفريضة، والجائزة فِي لِسَان الْعَرَب المنحة والعطية، وَذَلِكَ تفضل وَلَيْسَ بِوَاجِب وحسين فِي السَّنَد هُوَ الْمعلم.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب حق الضَّيْف فِي الصَّوْم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مشروحاً.
قَوْله: (دخل عَليّ) بتَشْديد الْيَاء وفاعل دخل هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ألم أخبر؟) بِلَفْظ الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن يطول بك عمر) يَعْنِي: عَسى أَن تكون طَوِيل الْعُمر فَتبقى ضَعِيف القوى كليل الْحَواس نهيك النَّفس فَلَا تقدر على المداومة عَلَيْهِ وَخير الْأَعْمَال مَا دَامَ وَإِن قل. قَوْله: (وَإِن من حَسبك) أَي: من كفايتك، ويروى: وَأَن حَسبك أَي: كافيك، وَيحْتَمل زِيَادَة: من عَليّ رَأْي الْكُوفِيّين. قَوْله: (الدَّهْر) بِالرَّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى تَقْدِير هُوَ الدَّهْر كُله، وَأما النصب فعلى تَقْدِير: أَن تَصُوم الدَّهْر.