«لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٥٥

الحديث رقم ٦١٥٥ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لأن يمتلئ جوف رجل قيحا يريه خير من أن يمتلئ…

«لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا.»

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ تَرِبَتْ يَمِينُكِ وَعَقْرَى حَلْقَى

سند حديث: ٦١٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ…

٦١٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ : حَدَّثَنَا أَبِي : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح حديث: «لأن يمتلئ جوف رجل قيحا يريه خير من أن يمتلئ…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان الجمحيُّ القرشيُّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ عبد الله (١) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ) بلام التَّأكيد، و «أن» المصدريَّة في موضعِ رفع على الابتداءِ (جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا) نصب على التَّمييز، والقيح المِدَّة، لا (٢) يخالطُها دمٌ، وخبر المبتدأ قوله: (خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) ظاهرُه العموم في كلِّ شعرٍ لكنَّه مخصوصٌ بما لم يكن حقًّا، وأمَّا الحقُّ فلا؛ كمدحِ الله ورسولهِ، وما يشتملُ على الذِّكر والزُّهد وسائرِ المواعظ ممَّا لا إفراطَ فيه، وحملَه ابن بطَّال على الشِّعر الَّذي هُجِي به النَّبيُّ ، وتعقَّبه أبو عُبيد بأنَّ الَّذي هُجي به النَّبيُّ لو كان شطر بيتٍ كان كفرًا، قال: والوجه عندِي أن يمتلئ قلبُه منه حتَّى يغلبَ عليه فيشغله عن القرآن والذِّكر، فأمَّا إذا كان الغالبُ القرآن والذِّكر عليه، فليس جوفُه بممتلئٍ من الشِّعر. نعم، أخرج أبو يعلى الموصليُّ، عن جابرٍ مرفوعًا «لأنْ يمتلئ جوفُ أحدِكم قيحًا أو دمًا خيرٌ له من أن يمتلئَ شعرًا هُجِيتُ به» وفي سندهِ راوٍ لم يُعرف، وأخرجه الطَّحاويُّ وابنُ عديٍّ من رواية الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة مثل حديث الباب. قال: فقالتْ عائشةُ: لم يحفظ إنَّما قال: «أنْ يمتلئَ شعرًا هُجِيتُ به». قال في «الفتح»: وابنُ الكلبيِّ واهي الحديث، وشيخه أبو صالحٍ ليس هو السَّمَّان المتَّفق على تخريجهِ في «الصَّحيحين» (٣) عن أبي هريرة بل هو آخرُ ضعيفٌ، يقال له: باذان، فلم تثبتْ هذه الزِّيادة، وقال السُّهيليُّ: إنْ قُلنا بما قالتْه عائشةُ من تخصيصِ النَّهي بمن يمتلئُ جوفهُ من شعرٍ هُجِي به ، فليس في الحديثِ إلَّا عَيْبُ (٤) امتلاءِ الجوفِ منه، فلا يدخلُ في النَّهي رواية اليسيرِ على سبيلِ الحكايةِ ولا الاستشهاد به في اللُّغة، وحينئذٍ فلا يكُفُر قائله، ولا فرقَ بينه وبين الكلام الَّذي ذمُّوا به النَّبيَّ .

٦١٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ)

سليمان بنُ مهران الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ) ظاهره كما في «بهجة النفوس» أنَّ المراد الجوف كلُّه وما فيه من القلب وغيره، أو المراد القلب خاصَّة وهو الأظهرُ لأنَّ أهل الطِّبِّ يزعمون أنَّ القيحَ إذا وصل إلى القلبِ شيءٌ منه وإن كان يسيرًا، فإنَّ صاحبه يموتُ لا محالةَ بخلافِ غير القلب ممَّا (١) في الجوفِ من الكبدِ والرِّئة. وعند الطَّحاويِّ والطَّبرانيِّ من حديث عوفِ بن مالكٍ: «لأنْ يمتلئَ جوفُ أحدكُم من عانتهِ إلى لهاتهِ قيحًا يتخضخضُ خيرٌ له من أن يمتلئَ شعرًا»، وسنده حسن، و «يَرِيْه» بفتح التحتية وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «حتَّى يريه» بزيادة حتَّى، ونسبها بعضُهم للأَصيليِّ فعلى حذف حتَّى مرفوع، وعلى ثبوتها بالنَّصب، وذكر ابنُ الجوزيِّ أنَّ جماعةً من المبتدئين يقرؤونها بالنَّصب مع إسقاط حتَّى جريًا على المألوفِ وهو غلطٌ إذ ليس هنا ما ينصب، وقال الزَّركشيُّ: رواه (٢) الأَصيليُّ بالنَّصب على بدلِ الفعل من الفعلِ، وأجرى إعرابَ «يمتلئ» على «يَرِيه» (٣) ومعناه -كما في «الصحاح» - يأكله، وقيل: معناه أنَّ القيحَ يأكلُ جوفه، وقيل: يصيبُ رئته. وتعقِّب بأنَّ الرِّئَة مهموزة العين. وأُجيب بأنَّه لا يلزمُ من كون الأصلِ مهموزًا أن لا يستعمل مسهلًا. قال: في «الفتح»: ووقع في حديثِ أبي سعيدٍ عند مسلم لهذا الحديثِ سببٌ ولفظه بينما نحن نسيرُ مع رسول الله بالعَرْجِ، إذ عَرَض لنا شاعرٌ ينشدُ، فقال: «أمسكوا الشَّيطان لأن يمتلئَ جوفُ أحدكم قيحًا» (خَيْرٌ مِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «له من» (أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) وهذا الزَّجر (٤) إنَّما هو لمن أقبلَ على الشِّعر، وتشاغلَ له عن تلاوةِ القرآن والذِّكر والعبادةِ، وألحقَ أبو عبد الله محمد (٥) بنُ أبي جمرة -بامتلاءِ الجوف بالشِّعر المذمومِ المشغِلِ عن الواجباتِ والمستحبَّات- الامتلاءَ من السَّجع مثلًا، ومن كلِّ علمٍ مذمومٍ كالسِّحر وغيرهِ من العلوم.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦١٥٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْب حَدثنَا شُعْبَةُ عَن عُدَيِّ بنِ ثابِتٍ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله عَنهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ ل حَسَّانَ: أهْجُهُمْ أوْ قَالَ: هاجِهِمْ وجِبْرِيلُ مَعَكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن حَفْص بن عمر وَفِي الْمَغَازِي عَن حجاج بن منهال وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (أوهاجهم) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (وَجِبْرِيل مَعَك) أَي: بالتأييد والمعاونة، وَقَالَ ابْن بطال: هجو الْكفَّار من أفضل الْأَعْمَال وَكفى بقوله: أللهم أيده فضلا وشرفاً للْعَمَل وَالْعَامِل بِهِ، وَهَذَا إِذا كَانَ جَوَابا عَن سبهم للْمُسلمين بِقَرِينَة مَا قَالَ: أجب.

٩٢ - (بابُ مَا يُكْرَهُ أنْ يَكُونَ الغالِبَ عَلَى الإنْسَانِ الشِّعْرُ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ الله والعِلْمِ والقُرْآنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة كَون الْغَالِب على الْإِنْسَان الشّعْر حَتَّى يصده أَي: يمنعهُ عَن ذكر الله ومذاكرة الْعلم وَقِرَاءَة الْقُرْآن، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْغَالِب بِالرَّفْع وَالنّصب. قلت: أما الرّفْع فعلى أَن يكون إسم: كَانَ وَخَبره قَوْله: الشّعْر، وَأما النصب فعلى الْعَكْس، وَهُوَ أَن يكون الشّعْر هُوَ اسْمه وَالْغَالِب خَبره.

٦١٥٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى أخبرنَا حَنْظَلَةُ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لأنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ أحدِكُمْ قَيْحاً خَيْرٌ مِنْ أنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَن امتلاء الْجوف بالشعر كِنَايَة عَن كَثْرَة الِاشْتِغَال بِهِ حَتَّى يكون وقته مُسْتَغْرقا بِهِ فَلَا يتفرغ لذكر الله، عز وَجل، وَلَا لقِرَاءَة الْقُرْآن وَتَحْصِيل الْعلم، وَهَذَا هُوَ المذموم. وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن ذكر الله تَعَالَى وَقِرَاءَة الْقُرْآن والاشتغال بِالْعلمِ إِذا كَانَت غالبة عَلَيْهِ فَلَا يدْخل تَحت هَذَا الذَّم.

وَعبيد الله بن مُوسَى هُوَ أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي الْكُوفِي، وحَنْظَلَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الظَّاء الْمُعْجَمَة وباللام ابْن أبي سُفْيَان الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة وَاسم أبي سُفْيَان الْأسود، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه.

والْحَدِيث أخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب قَالَ: سَمِعت حَنْظَلَة قَالَ: سَمِعت سَالم بن عبد الله يَقُول: سَمِعت عبد الله بن عمر يحدث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مثله، وَهَذَا السَّنَد أقوى من سَنَد البُخَارِيّ على مَا لَا يخفى، وَيُونُس هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى الصَّدَفِي الْمصْرِيّ شيخ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.

قَوْله: (لِأَن يمتلىء) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَأَن مَصْدَرِيَّة وَهُوَ فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره هُوَ قَوْله: (خير لَهُ) . قَوْله: (قَيْحا) نصب على التَّمْيِيز وَهُوَ الصديد الَّذِي يسيل من الدمل وَالْجرْح، وَيُقَال: هُوَ الْمدَّة الَّتِي لَا يخالطها الدَّم، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن عَمْرو بن حُرَيْث عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَأخرجه الْبَزَّار ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ غير وَاحِد عَن إِسْمَاعِيل عَن عَمْرو بن حُرَيْث عَن عمر رَضِي الله عَنهُ مَوْقُوفا، وَلَا نعلم أحدا أسْندهُ إلَاّ خَلاد عَن سُفْيَان، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا مَوْقُوفا، وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث مُحَمَّد بن سعد عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا حَتَّى يرِيه، خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة على مَا نذكرهُ عَن قريب، وروى أَيْضا من حَدِيث عَوْف بن مَالك، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم من عانته إِلَى لهاته قَيْحا يتخضخض، خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) ، وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي سعيد وَأبي الدَّرْدَاء. قلت: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه مُسلم قَالَ: بَيْنَمَا نَحن نسير مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالعرج إِذْ عرض علينا شَاعِر ينشد، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (احْذَرُوا الشَّيْطَان أَو أَمْسكُوا الشَّيْطَان لِأَن يمتلىء جَوف رجل قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَحَدِيث أبي الدَّرْدَاء أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث خَالِد بن معدان عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ:

قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) . وَلما أخرج الطَّحَاوِيّ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة قَالَ: فكره قوم رِوَايَة الشّعْر وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآثَار. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ مسروقاً وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَالم بن عبد الله وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَمْرو بن شُعَيْب فَإِنَّهُم قَالُوا: يكره رِوَايَة الشّعْر وإنشاده، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُم ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس بِرِوَايَة الشّعْر الَّذِي لَا قذع فِيهِ. قلت: أَرَادَ بالآخرين: الشّعبِيّ وعامر بن سعد وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم والقوري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبا حنيفَة ومالكاً وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبا يُوسُف ومحمداً وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبا ثَوْر وَأَبا عبيد، فأنهم قَالُوا: لَا بَأْس بِرِوَايَة الشّعْر الَّذِي لَيْسَ فِيهِ هجاء وَلَا نكت عرض أحد من الْمُسلمين وَلَا فحش، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أبي بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب والبراء بن عَازِب وَأنس بن مَالك وَعبد الله بن عَبَّاس وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبد الله بن الزبير وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَعمْرَان بن الْحصين وَالْأسود بن سريع وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ. قَوْله: (لَا قذع فِيهِ) ، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبعين مُهْملَة وَهُوَ الْفُحْش والخنى، ثمَّ أجَاب الطَّحَاوِيّ عَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بِمَا ملخصه، قيل لعَائِشَة: إِن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) ، فَقَالَت عَائِشَة: يرْجم الله أَبَا هُرَيْرَة، حفظ أول الحَدِيث وَلم يحفظ آخِره: (إِن الْمُشْركين كَانُوا يَهْجُونَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا من مهاجاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَقَوله: (جَوف أحدكُم) ظَاهره الْجوف مُطلقًا بِمَا فِيهِ من الْقلب وَغَيره وَيحْتَمل أَن يُرَاد الْقلب خَاصَّة، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر لِأَن الْقلب إِذا وصل إِلَيْهِ شَيْء مِنْهُ وَإِن كَانَ يَسِيرا فَإِنَّهُ يَمُوت لَا محَالة بِخِلَاف غير الْقلب. وَقَوله: (شعرًا) ظَاهره الْعُمُوم لكنه مَخْصُوص بِمَا لم يكن مدحاً لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَا يشْتَمل على الذّكر والزهد وَسَائِر المواعظ مِمَّا لَا إفراط فِيهِ.

٦١٥٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حدّثنا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لأنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحاً حَتَّى يَرِيَه خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً.

مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات عَن أبي هُرَيْرَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الطِّبّ. وَابْن مَاجَه فِي الْأَدَب جَمِيعًا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (حَتَّى يرِيه) ، زَاد هَذِه اللَّفْظَة أَبُو ذَر فِي رِوَايَته عَن الْكشميهني، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَنسبه بَعضهم إِلَى الْأصيلِيّ أَيْضا، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عَاصِم عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِدُونِ هَذِه اللَّفْظَة، ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزَاد: حَتَّى يرِيه، ولسائر رُوَاة الصَّحِيح: قَيْحا يرِيه، بِإِسْقَاط حق. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو عوَانَة وَابْن حبَان من طرق عَن الْأَعْمَش فِي أَكْثَرهَا حَتَّى يرِيه، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقع فِي حَدِيث سعد عِنْد مُسلم حَتَّى يرِيه، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد البُخَارِيّ بِإِسْقَاط حَتَّى، فعلى ثُبُوتهَا يقْرَأ: يرِيه، بِالنّصب وعَلى حذفهَا بِالرَّفْع ويريه بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الرَّاء من الوري وَهُوَ الدَّاء يُقَال: ورى يري فَهُوَ موري إِذا أصَاب جَوْفه الدَّاء، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الوري مثل الرَّمْي دَاء بداخل الْجوف، يُقَال: رجل موري بِغَيْر همز، وَقَالَ الْفراء: هُوَ الوري بِفَتْح الرَّاء، وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ بِالسُّكُونِ مصدر، وبالفتح إسم. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ورى الْقَيْح جَوْفه يرِيه ورياً: أكله. وَقَالَ قوم: حَتَّى يُصِيب رئته، وَأنْكرهُ غَيرهم لِأَن الرئة مَهْمُوزَة وَإِذا بنيت فعلا قلت: رأه يرآه، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: إِن الرئة أَصْلهَا من ورى وَهِي محذوفة، مِنْهُ تَقول: وريت الرجل فَهُوَ موري إِذا أصبت رئته، وَالْمَشْهُور فِي الرئة الْهَمْز.

٩٣ - (بَاب قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَرِبَتْ يَمِينُكَ، وعَقْرَى حَلْقَى)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تربت يَمِينك، قَالَ ابْن السّكيت: أصل تربت افْتَقَرت وَلكنهَا كلمة تقال وَلَا يُرَاد بهَا الدُّعَاء، وَإِنَّمَا يُرَاد التحريض على الْفِعْل، وَإنَّهُ إِن خَالف أَسَاءَ. وَقَالَ النّحاس: مَعْنَاهُ إِن لم تفعل لم يحصل فِي يَديك إِلَّا التُّرَاب، وَقَالَ ابْن كيسَان: هُوَ مثل جرى على أَنه إِن فانك مَا أَمرتك بِهِ افْتَقَرت إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: افْتَقَرت إِن فاتك فاختصر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ افْتَقَرت من الْعلم، وَقيل: هِيَ كلمة تسْتَعْمل فِي الْمَدْح عِنْد الْمُبَالغَة كَمَا قَالُوا للشاعر: قَاتله الله لقد أَجَاد، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ترب الرجل إِذا افْتقر أَي: لصق بِالتُّرَابِ، إِذا اسْتغنى، وَقيل: مَعْنَاهُ لله دَرك. قَوْله: (وعقرى حلقى) أَي: عقرهَا الله وحلقها: يَعْنِي أَصَابَهَا وجع فِي حلقها خَاصَّة، وَهَكَذَا يرويهِ المحدثون غير منون بِوَزْن: غَضَبي، حَيْثُ هُوَ جَاءَ على الْمُؤَنَّث وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة التَّنْوِين على أَنه مصدر فعل مَتْرُوك اللَّفْظ تَقْدِيره: عيرها الله عقراً وحلقها حلقا، وَيُقَال لِلْأَمْرِ الَّذِي يتعجب مِنْهُ عقراً حلقا، وَيُقَال أَيْضا للْمَرْأَة إِذا كَانَت مؤذية مشؤمة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وعقرى، أَي: عقر الله جَسدهَا، وحلقى أَصَابَهَا وجع فِي حلقها، وَرُبمَا قَالُوا: عقرى حلقى، بِلَا تَنْوِين فَهُوَ نعت، وَقيل: مصدر كدعوى، وَقيل: جمع عقير وحليق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال لما يتعجب مِنْهُ ذَلِك.

٦١٥٦ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ أَفْلَحَ أَخا أبي القُعَيْسِ اسْتأذَنَ عَليَّ بَعْدَ مَا نَزَلَ الحِجابُ، فَقُلْتُ: وَالله لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أسْتَأذِنَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فإِنَّ أَخا أبي القُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أرْضَعَنِي ولاكِنْ أرْضَعَتْني امْرأةُ أبي القُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَليَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله! إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أرْضَعَنِي ولاكِنْ أرْضَعَتْني امْرَأتُهُ، قَالَ: ائْذَني لَهُ فإنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ.

قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذالِكَ كَانَتْ عائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.

مطابقته الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة وَهُوَ قَوْله: (تربت يَمِينك) .

قَوْله: (إِن أَفْلح) على وزن أفعل من الْفَلاح قَالَ أَبُو عمر: أَفْلح ابْن أبي القعيس، وَيُقَال: أَخُو أبي القعيس، وَالأَصَح مَا قَالَه مَالك وَمن تَابعه عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: جَاءَ أَفْلح أَخُو أبي القعيس، هَكَذَا أَيْضا رِوَايَة البُخَارِيّ كَمَا ترى، وَرِوَايَة مَالك مَضَت فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب لبن الْفَحْل، وَأَبُو القعيس بِضَم الْقَاف وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة، وَقَالَ أَبُو عمر: قد قيل: إِن اسْمه الْجَعْد. قَوْله: (اسْتَأْذن عَليّ) ، بِفَتْح الْيَاء الْمُشَدّدَة. قَوْله: (فَإِنَّهُ عمك) ، أَي: أَفْلح عمك أَي: من الرَّضَاع.

وَفِيه: تَحْرِيم لبن الْفَحْل وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء، وَقد مرت بَقِيَّة الْكَلَام فِي كتاب النِّكَاح فِي الْبَاب الْمَذْكُور.

٦١٥٧ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا الحَكَمُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَد عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قالَتْ: أرادَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أنْ يَنْفِرَ فَرَأى صَفِيَّةَ عَلَى بابِ خِبائِها كَئِيبَةً حَزِينَةً لأنَّها حاضَتْ، فَقَالَ: عَقْرَى حَلْقَى لُغَةُ قُرَيْشٍ إنَّكَ لحابِسَتُنا ثُمَّ قَالَ: كُنْتِ أفَضْتِ يَوْمَ النَّحْر، يَعْني: الطَّوَافَ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فانْفِرِي إِذا.

مُطَابقَة الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وآدَم بن أبي إِيَاس، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتيبة تَصْغِير عتبَة الدَّار وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ الْكُوفِي.

والْحَدِيث قد مضى فِي الْحَج فِي: بَاب إِذا حَاضَت الْمَرْأَة بَعْدَمَا أفاضت، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (أَن ينفر) أَي: يرجع من الْحَج. قَوْله: (خبائها) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالمد الْخَيْمَة. قَوْله: (كئيبة) من الكآبة وَهِي سوء الْحَال

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان الجمحيُّ القرشيُّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ عبد الله (١) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ) بلام التَّأكيد، و «أن» المصدريَّة في موضعِ رفع على الابتداءِ (جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا) نصب على التَّمييز، والقيح المِدَّة، لا (٢) يخالطُها دمٌ، وخبر المبتدأ قوله: (خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) ظاهرُه العموم في كلِّ شعرٍ لكنَّه مخصوصٌ بما لم يكن حقًّا، وأمَّا الحقُّ فلا؛ كمدحِ الله ورسولهِ، وما يشتملُ على الذِّكر والزُّهد وسائرِ المواعظ ممَّا لا إفراطَ فيه، وحملَه ابن بطَّال على الشِّعر الَّذي هُجِي به النَّبيُّ ، وتعقَّبه أبو عُبيد بأنَّ الَّذي هُجي به النَّبيُّ لو كان شطر بيتٍ كان كفرًا، قال: والوجه عندِي أن يمتلئ قلبُه منه حتَّى يغلبَ عليه فيشغله عن القرآن والذِّكر، فأمَّا إذا كان الغالبُ القرآن والذِّكر عليه، فليس جوفُه بممتلئٍ من الشِّعر. نعم، أخرج أبو يعلى الموصليُّ، عن جابرٍ مرفوعًا «لأنْ يمتلئ جوفُ أحدِكم قيحًا أو دمًا خيرٌ له من أن يمتلئَ شعرًا هُجِيتُ به» وفي سندهِ راوٍ لم يُعرف، وأخرجه الطَّحاويُّ وابنُ عديٍّ من رواية الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة مثل حديث الباب. قال: فقالتْ عائشةُ: لم يحفظ إنَّما قال: «أنْ يمتلئَ شعرًا هُجِيتُ به». قال في «الفتح»: وابنُ الكلبيِّ واهي الحديث، وشيخه أبو صالحٍ ليس هو السَّمَّان المتَّفق على تخريجهِ في «الصَّحيحين» (٣) عن أبي هريرة بل هو آخرُ ضعيفٌ، يقال له: باذان، فلم تثبتْ هذه الزِّيادة، وقال السُّهيليُّ: إنْ قُلنا بما قالتْه عائشةُ من تخصيصِ النَّهي بمن يمتلئُ جوفهُ من شعرٍ هُجِي به ، فليس في الحديثِ إلَّا عَيْبُ (٤) امتلاءِ الجوفِ منه، فلا يدخلُ في النَّهي رواية اليسيرِ على سبيلِ الحكايةِ ولا الاستشهاد به في اللُّغة، وحينئذٍ فلا يكُفُر قائله، ولا فرقَ بينه وبين الكلام الَّذي ذمُّوا به النَّبيَّ .

٦١٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ)

سليمان بنُ مهران الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ) ظاهره كما في «بهجة النفوس» أنَّ المراد الجوف كلُّه وما فيه من القلب وغيره، أو المراد القلب خاصَّة وهو الأظهرُ لأنَّ أهل الطِّبِّ يزعمون أنَّ القيحَ إذا وصل إلى القلبِ شيءٌ منه وإن كان يسيرًا، فإنَّ صاحبه يموتُ لا محالةَ بخلافِ غير القلب ممَّا (١) في الجوفِ من الكبدِ والرِّئة. وعند الطَّحاويِّ والطَّبرانيِّ من حديث عوفِ بن مالكٍ: «لأنْ يمتلئَ جوفُ أحدكُم من عانتهِ إلى لهاتهِ قيحًا يتخضخضُ خيرٌ له من أن يمتلئَ شعرًا»، وسنده حسن، و «يَرِيْه» بفتح التحتية وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «حتَّى يريه» بزيادة حتَّى، ونسبها بعضُهم للأَصيليِّ فعلى حذف حتَّى مرفوع، وعلى ثبوتها بالنَّصب، وذكر ابنُ الجوزيِّ أنَّ جماعةً من المبتدئين يقرؤونها بالنَّصب مع إسقاط حتَّى جريًا على المألوفِ وهو غلطٌ إذ ليس هنا ما ينصب، وقال الزَّركشيُّ: رواه (٢) الأَصيليُّ بالنَّصب على بدلِ الفعل من الفعلِ، وأجرى إعرابَ «يمتلئ» على «يَرِيه» (٣) ومعناه -كما في «الصحاح» - يأكله، وقيل: معناه أنَّ القيحَ يأكلُ جوفه، وقيل: يصيبُ رئته. وتعقِّب بأنَّ الرِّئَة مهموزة العين. وأُجيب بأنَّه لا يلزمُ من كون الأصلِ مهموزًا أن لا يستعمل مسهلًا. قال: في «الفتح»: ووقع في حديثِ أبي سعيدٍ عند مسلم لهذا الحديثِ سببٌ ولفظه بينما نحن نسيرُ مع رسول الله بالعَرْجِ، إذ عَرَض لنا شاعرٌ ينشدُ، فقال: «أمسكوا الشَّيطان لأن يمتلئَ جوفُ أحدكم قيحًا» (خَيْرٌ مِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «له من» (أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) وهذا الزَّجر (٤) إنَّما هو لمن أقبلَ على الشِّعر، وتشاغلَ له عن تلاوةِ القرآن والذِّكر والعبادةِ، وألحقَ أبو عبد الله محمد (٥) بنُ أبي جمرة -بامتلاءِ الجوف بالشِّعر المذمومِ المشغِلِ عن الواجباتِ والمستحبَّات- الامتلاءَ من السَّجع مثلًا، ومن كلِّ علمٍ مذمومٍ كالسِّحر وغيرهِ من العلوم.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦١٥٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْب حَدثنَا شُعْبَةُ عَن عُدَيِّ بنِ ثابِتٍ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله عَنهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ ل حَسَّانَ: أهْجُهُمْ أوْ قَالَ: هاجِهِمْ وجِبْرِيلُ مَعَكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن حَفْص بن عمر وَفِي الْمَغَازِي عَن حجاج بن منهال وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (أوهاجهم) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (وَجِبْرِيل مَعَك) أَي: بالتأييد والمعاونة، وَقَالَ ابْن بطال: هجو الْكفَّار من أفضل الْأَعْمَال وَكفى بقوله: أللهم أيده فضلا وشرفاً للْعَمَل وَالْعَامِل بِهِ، وَهَذَا إِذا كَانَ جَوَابا عَن سبهم للْمُسلمين بِقَرِينَة مَا قَالَ: أجب.

٩٢ - (بابُ مَا يُكْرَهُ أنْ يَكُونَ الغالِبَ عَلَى الإنْسَانِ الشِّعْرُ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ الله والعِلْمِ والقُرْآنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة كَون الْغَالِب على الْإِنْسَان الشّعْر حَتَّى يصده أَي: يمنعهُ عَن ذكر الله ومذاكرة الْعلم وَقِرَاءَة الْقُرْآن، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْغَالِب بِالرَّفْع وَالنّصب. قلت: أما الرّفْع فعلى أَن يكون إسم: كَانَ وَخَبره قَوْله: الشّعْر، وَأما النصب فعلى الْعَكْس، وَهُوَ أَن يكون الشّعْر هُوَ اسْمه وَالْغَالِب خَبره.

٦١٥٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى أخبرنَا حَنْظَلَةُ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لأنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ أحدِكُمْ قَيْحاً خَيْرٌ مِنْ أنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَن امتلاء الْجوف بالشعر كِنَايَة عَن كَثْرَة الِاشْتِغَال بِهِ حَتَّى يكون وقته مُسْتَغْرقا بِهِ فَلَا يتفرغ لذكر الله، عز وَجل، وَلَا لقِرَاءَة الْقُرْآن وَتَحْصِيل الْعلم، وَهَذَا هُوَ المذموم. وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن ذكر الله تَعَالَى وَقِرَاءَة الْقُرْآن والاشتغال بِالْعلمِ إِذا كَانَت غالبة عَلَيْهِ فَلَا يدْخل تَحت هَذَا الذَّم.

وَعبيد الله بن مُوسَى هُوَ أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي الْكُوفِي، وحَنْظَلَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الظَّاء الْمُعْجَمَة وباللام ابْن أبي سُفْيَان الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة وَاسم أبي سُفْيَان الْأسود، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه.

والْحَدِيث أخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب قَالَ: سَمِعت حَنْظَلَة قَالَ: سَمِعت سَالم بن عبد الله يَقُول: سَمِعت عبد الله بن عمر يحدث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مثله، وَهَذَا السَّنَد أقوى من سَنَد البُخَارِيّ على مَا لَا يخفى، وَيُونُس هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى الصَّدَفِي الْمصْرِيّ شيخ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.

قَوْله: (لِأَن يمتلىء) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَأَن مَصْدَرِيَّة وَهُوَ فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره هُوَ قَوْله: (خير لَهُ) . قَوْله: (قَيْحا) نصب على التَّمْيِيز وَهُوَ الصديد الَّذِي يسيل من الدمل وَالْجرْح، وَيُقَال: هُوَ الْمدَّة الَّتِي لَا يخالطها الدَّم، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن عَمْرو بن حُرَيْث عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَأخرجه الْبَزَّار ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ غير وَاحِد عَن إِسْمَاعِيل عَن عَمْرو بن حُرَيْث عَن عمر رَضِي الله عَنهُ مَوْقُوفا، وَلَا نعلم أحدا أسْندهُ إلَاّ خَلاد عَن سُفْيَان، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا مَوْقُوفا، وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث مُحَمَّد بن سعد عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا حَتَّى يرِيه، خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة على مَا نذكرهُ عَن قريب، وروى أَيْضا من حَدِيث عَوْف بن مَالك، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم من عانته إِلَى لهاته قَيْحا يتخضخض، خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) ، وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي سعيد وَأبي الدَّرْدَاء. قلت: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه مُسلم قَالَ: بَيْنَمَا نَحن نسير مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالعرج إِذْ عرض علينا شَاعِر ينشد، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (احْذَرُوا الشَّيْطَان أَو أَمْسكُوا الشَّيْطَان لِأَن يمتلىء جَوف رجل قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَحَدِيث أبي الدَّرْدَاء أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث خَالِد بن معدان عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ:

قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) . وَلما أخرج الطَّحَاوِيّ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة قَالَ: فكره قوم رِوَايَة الشّعْر وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآثَار. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ مسروقاً وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَالم بن عبد الله وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَمْرو بن شُعَيْب فَإِنَّهُم قَالُوا: يكره رِوَايَة الشّعْر وإنشاده، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُم ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس بِرِوَايَة الشّعْر الَّذِي لَا قذع فِيهِ. قلت: أَرَادَ بالآخرين: الشّعبِيّ وعامر بن سعد وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم والقوري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبا حنيفَة ومالكاً وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبا يُوسُف ومحمداً وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبا ثَوْر وَأَبا عبيد، فأنهم قَالُوا: لَا بَأْس بِرِوَايَة الشّعْر الَّذِي لَيْسَ فِيهِ هجاء وَلَا نكت عرض أحد من الْمُسلمين وَلَا فحش، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أبي بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب والبراء بن عَازِب وَأنس بن مَالك وَعبد الله بن عَبَّاس وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبد الله بن الزبير وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَعمْرَان بن الْحصين وَالْأسود بن سريع وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ. قَوْله: (لَا قذع فِيهِ) ، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبعين مُهْملَة وَهُوَ الْفُحْش والخنى، ثمَّ أجَاب الطَّحَاوِيّ عَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بِمَا ملخصه، قيل لعَائِشَة: إِن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) ، فَقَالَت عَائِشَة: يرْجم الله أَبَا هُرَيْرَة، حفظ أول الحَدِيث وَلم يحفظ آخِره: (إِن الْمُشْركين كَانُوا يَهْجُونَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا من مهاجاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَقَوله: (جَوف أحدكُم) ظَاهره الْجوف مُطلقًا بِمَا فِيهِ من الْقلب وَغَيره وَيحْتَمل أَن يُرَاد الْقلب خَاصَّة، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر لِأَن الْقلب إِذا وصل إِلَيْهِ شَيْء مِنْهُ وَإِن كَانَ يَسِيرا فَإِنَّهُ يَمُوت لَا محَالة بِخِلَاف غير الْقلب. وَقَوله: (شعرًا) ظَاهره الْعُمُوم لكنه مَخْصُوص بِمَا لم يكن مدحاً لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَا يشْتَمل على الذّكر والزهد وَسَائِر المواعظ مِمَّا لَا إفراط فِيهِ.

٦١٥٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حدّثنا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لأنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحاً حَتَّى يَرِيَه خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً.

مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات عَن أبي هُرَيْرَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الطِّبّ. وَابْن مَاجَه فِي الْأَدَب جَمِيعًا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (حَتَّى يرِيه) ، زَاد هَذِه اللَّفْظَة أَبُو ذَر فِي رِوَايَته عَن الْكشميهني، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَنسبه بَعضهم إِلَى الْأصيلِيّ أَيْضا، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عَاصِم عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِدُونِ هَذِه اللَّفْظَة، ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزَاد: حَتَّى يرِيه، ولسائر رُوَاة الصَّحِيح: قَيْحا يرِيه، بِإِسْقَاط حق. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو عوَانَة وَابْن حبَان من طرق عَن الْأَعْمَش فِي أَكْثَرهَا حَتَّى يرِيه، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقع فِي حَدِيث سعد عِنْد مُسلم حَتَّى يرِيه، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد البُخَارِيّ بِإِسْقَاط حَتَّى، فعلى ثُبُوتهَا يقْرَأ: يرِيه، بِالنّصب وعَلى حذفهَا بِالرَّفْع ويريه بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الرَّاء من الوري وَهُوَ الدَّاء يُقَال: ورى يري فَهُوَ موري إِذا أصَاب جَوْفه الدَّاء، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الوري مثل الرَّمْي دَاء بداخل الْجوف، يُقَال: رجل موري بِغَيْر همز، وَقَالَ الْفراء: هُوَ الوري بِفَتْح الرَّاء، وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ بِالسُّكُونِ مصدر، وبالفتح إسم. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ورى الْقَيْح جَوْفه يرِيه ورياً: أكله. وَقَالَ قوم: حَتَّى يُصِيب رئته، وَأنْكرهُ غَيرهم لِأَن الرئة مَهْمُوزَة وَإِذا بنيت فعلا قلت: رأه يرآه، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: إِن الرئة أَصْلهَا من ورى وَهِي محذوفة، مِنْهُ تَقول: وريت الرجل فَهُوَ موري إِذا أصبت رئته، وَالْمَشْهُور فِي الرئة الْهَمْز.

٩٣ - (بَاب قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَرِبَتْ يَمِينُكَ، وعَقْرَى حَلْقَى)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تربت يَمِينك، قَالَ ابْن السّكيت: أصل تربت افْتَقَرت وَلكنهَا كلمة تقال وَلَا يُرَاد بهَا الدُّعَاء، وَإِنَّمَا يُرَاد التحريض على الْفِعْل، وَإنَّهُ إِن خَالف أَسَاءَ. وَقَالَ النّحاس: مَعْنَاهُ إِن لم تفعل لم يحصل فِي يَديك إِلَّا التُّرَاب، وَقَالَ ابْن كيسَان: هُوَ مثل جرى على أَنه إِن فانك مَا أَمرتك بِهِ افْتَقَرت إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: افْتَقَرت إِن فاتك فاختصر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ افْتَقَرت من الْعلم، وَقيل: هِيَ كلمة تسْتَعْمل فِي الْمَدْح عِنْد الْمُبَالغَة كَمَا قَالُوا للشاعر: قَاتله الله لقد أَجَاد، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ترب الرجل إِذا افْتقر أَي: لصق بِالتُّرَابِ، إِذا اسْتغنى، وَقيل: مَعْنَاهُ لله دَرك. قَوْله: (وعقرى حلقى) أَي: عقرهَا الله وحلقها: يَعْنِي أَصَابَهَا وجع فِي حلقها خَاصَّة، وَهَكَذَا يرويهِ المحدثون غير منون بِوَزْن: غَضَبي، حَيْثُ هُوَ جَاءَ على الْمُؤَنَّث وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة التَّنْوِين على أَنه مصدر فعل مَتْرُوك اللَّفْظ تَقْدِيره: عيرها الله عقراً وحلقها حلقا، وَيُقَال لِلْأَمْرِ الَّذِي يتعجب مِنْهُ عقراً حلقا، وَيُقَال أَيْضا للْمَرْأَة إِذا كَانَت مؤذية مشؤمة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وعقرى، أَي: عقر الله جَسدهَا، وحلقى أَصَابَهَا وجع فِي حلقها، وَرُبمَا قَالُوا: عقرى حلقى، بِلَا تَنْوِين فَهُوَ نعت، وَقيل: مصدر كدعوى، وَقيل: جمع عقير وحليق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال لما يتعجب مِنْهُ ذَلِك.

٦١٥٦ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ أَفْلَحَ أَخا أبي القُعَيْسِ اسْتأذَنَ عَليَّ بَعْدَ مَا نَزَلَ الحِجابُ، فَقُلْتُ: وَالله لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أسْتَأذِنَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فإِنَّ أَخا أبي القُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أرْضَعَنِي ولاكِنْ أرْضَعَتْني امْرأةُ أبي القُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَليَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله! إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أرْضَعَنِي ولاكِنْ أرْضَعَتْني امْرَأتُهُ، قَالَ: ائْذَني لَهُ فإنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ.

قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذالِكَ كَانَتْ عائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.

مطابقته الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة وَهُوَ قَوْله: (تربت يَمِينك) .

قَوْله: (إِن أَفْلح) على وزن أفعل من الْفَلاح قَالَ أَبُو عمر: أَفْلح ابْن أبي القعيس، وَيُقَال: أَخُو أبي القعيس، وَالأَصَح مَا قَالَه مَالك وَمن تَابعه عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: جَاءَ أَفْلح أَخُو أبي القعيس، هَكَذَا أَيْضا رِوَايَة البُخَارِيّ كَمَا ترى، وَرِوَايَة مَالك مَضَت فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب لبن الْفَحْل، وَأَبُو القعيس بِضَم الْقَاف وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة، وَقَالَ أَبُو عمر: قد قيل: إِن اسْمه الْجَعْد. قَوْله: (اسْتَأْذن عَليّ) ، بِفَتْح الْيَاء الْمُشَدّدَة. قَوْله: (فَإِنَّهُ عمك) ، أَي: أَفْلح عمك أَي: من الرَّضَاع.

وَفِيه: تَحْرِيم لبن الْفَحْل وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء، وَقد مرت بَقِيَّة الْكَلَام فِي كتاب النِّكَاح فِي الْبَاب الْمَذْكُور.

٦١٥٧ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا الحَكَمُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَد عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قالَتْ: أرادَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أنْ يَنْفِرَ فَرَأى صَفِيَّةَ عَلَى بابِ خِبائِها كَئِيبَةً حَزِينَةً لأنَّها حاضَتْ، فَقَالَ: عَقْرَى حَلْقَى لُغَةُ قُرَيْشٍ إنَّكَ لحابِسَتُنا ثُمَّ قَالَ: كُنْتِ أفَضْتِ يَوْمَ النَّحْر، يَعْني: الطَّوَافَ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فانْفِرِي إِذا.

مُطَابقَة الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وآدَم بن أبي إِيَاس، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتيبة تَصْغِير عتبَة الدَّار وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ الْكُوفِي.

والْحَدِيث قد مضى فِي الْحَج فِي: بَاب إِذا حَاضَت الْمَرْأَة بَعْدَمَا أفاضت، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (أَن ينفر) أَي: يرجع من الْحَج. قَوْله: (خبائها) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالمد الْخَيْمَة. قَوْله: (كئيبة) من الكآبة وَهِي سوء الْحَال

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر