الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6955
الحديث رقم 6955 من كتاب «كتاب الحيل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب في الزكاة وأن لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ:
أخبر أنس رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب عندما جعله عاملًا على البحرين في شرق الجزيرة العربية: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه نسخة فريضة الزكاة التي فرضها النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله رسوله بتبليغها، فمن سئل الزكاة من المسلمين على الكيفية المذكورة من غير تعدٍّ فليعطها، ومن سئل قدرًا زائدًا على الفريضة المعينة في السن أو العدد فلا يعط الزائد على الواجب، وقيل لا يعط شيئًا من الزكاة، وإنما يخرجها بنفسه، ثم شرع في بيان كيفية الفريضة وكيفية أخذها، وبدأ بزكاة الإبل لأنها غالب أموالهم، فقال: ليعط في أربع وعشرين من الإبل شاة من الغنم في كل خمس من الإبل، فإذا بلغت إبله خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، وهي بنت الناقة إذا استكملت السنة ودخلت في الثانية، فإذا بلغت إبله ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، وهي بنت الناقة التي دخلت في السنة الثالثة، فإذا بلغت إبله ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّة، وهي ما استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة، طروقة الجمل، أي استحقت أن يغشاها الفحل، فإذا بلغت إبله واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، وهي ما استكمل السنة الرابعة ودخل في الخامسة، فإذا بلغت إبله ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إبله إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، أي إذا زاد يجعل الكل على عدد الأربعينات والخمسينات، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل، فلا يجب عليه فيها إعطاء شيء؛ لكونها دون النصاب إلا أن يريد صاحب الإبل الأربع أن يتصدق بشيء منها تبرعًا فله ذلك، فإذا وصلت خمسًا من الإبل ففيها شاة.
والواجب في صدقة الغنم التي ترعى ولا تُعْلَف إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة واحدة؛ لأنها أصغر وأقل ثمنًا من الإبل، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائةٍ شاةٌ، وإذا كان عند الرجل سائمة تنقص واحدة من أربعين، فلا زكاة عليه فيها، وبطريق الأولى إذا نقصت زائدًا على ذلك، إلا إذا أراد صاحب تلك السائمة الناقصة أن يتطوع بالتصدق منها، فله ذلك وله الأجر.
وفي زكاة الفضة الخالصة ربع العشر، فإلم تكن إلا تسعين ومائة أي ناقصة عن مائتي درهم، فليس فيها شيء إلا أن يريد مالكها أن يعطي على سبيل التبرع فله ذلك، وذلك يعادل 595 غرامًا من الفضة الخالصة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، لَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجِنَازَةَ إِذَا حَضَرَتْ وَخَافَ فَوْتَهَا أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَكَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِذَا قَامَ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ فَبَعُدَ عَنْهُ الْمَاءُ وَخَشِيَ إِذَا طَلَبَهُ أَنْ يَفُوتَهُ قِيَامُ اللَّيْلِ أَنَّهُ تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.
٣ - بَاب فِي الزَّكَاةِ، وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ
٦٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَني أَبِي حَدَّثَني ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
٦٩٥٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ؟ قَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا. قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ. قَالَ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقال رسول الله ﷺ: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ" وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ، فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ احْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
٦٩٥٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: "يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ. قَالَ: وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ"
٦٩٥٨ - وَقال رسول الله ﷺ: "إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا". وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي رَجُلٍ لَهُ إِبِلٌ فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلِهَا أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ بِبَقَرٍ أَوْ بِدَرَاهِمَ فِرَارًا مِنْ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيَالًا فَلَا شئَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنْ زَكَّى إِبِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ بِيَوْمٍ أَوْ بِسِتَّةٍ جَازَتْ عَنْهُ
٦٩٥٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بن مسعود "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقال رسول الله ﷺ: "اقْضِهِ عَنْهَا". وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذَا بَلَغَتْ الإِبِلُ عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ،
فَإِنْ وَهَبَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَاعَهَا فِرَارًا وَاحْتِيَالًا لِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إِنْ أَتْلَفَهَا فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ فِي مَالِهِ
قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي الزَّكَاةِ) أَيْ تَرْكُ الْحِيَلِ فِي إِسْقَاطِهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) هُوَ لَفْظُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي الْبَابِ وَهَوُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَوْرَدَهُ فِي الزَّكَاةِ بِهَذَا السَّنَدِ تَامًّا وَمُفَرَّقًا وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ، فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ احْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَّلَ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوِ احْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ قَبْلَ الْحَوْلِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالذَّبْحِ وَإِذَا لَمْ يَنْوِ الْفِرَارَ مِنَ الصَّدَقَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَالَ الْحَوْلُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّحَيُّلُ بِأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ أَوْ يَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ فَوَّتَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا يَنْوِي بِهِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِشَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَوْلِ لِقَوْلِهِ ﷺ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ نَوَى بِتَفْوِيتِهِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ لَا تَضُرُّهُ النِّيَّةُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِتَمَامِ الْحَوْلِ وَلَا يُتَوَجَّهُ إِلَيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ إِلَّا حِينَئِذٍ، قَالَ: وَقَالَ الْمُهَلَّبُ قَصَدَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ كُلَّ حِيلَةٍ يَتَحَيَّلُ بِهَا أَحَدٌ فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ إِثْمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَنَعَ مِنْ جَمْعِ الْغَنَمِ أَوْ تَفْرِقَتِهَا خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ فُهِمَ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى، وَفُهِمَ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ فِي قَوْلِهِ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أَنَّ مَنْ رَامَ أَنْ يَنْقُصَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ بِحِيلَةٍ يَحْتَالُهَا أَنَّهُ لَا يُفْلِحُ، قَالَ: وَمَا أَجَابَ بِهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ تَصَرُّفِ ذِي الْمَالِ فِي مَالِهِ قُرْبَ حُلُولِ الْحَوْلِ ثُمَّ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ وَمَنْ نَوَى ذَلِكَ فَالْإِثْمُ عَنْهُ غَيْرُ سَاقِطٍ وَهُوَ كَمَنْ فَرَّ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِيَوْمٍ وَاسْتَعْمَلَ سَفَرًا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِيُفْطِرَ فَالْوَعِيدُ إِلَيْهِ يُتَوَجَّهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ يُنْسَبُ لِأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْقَصْدِ إِلَى إِبْطَالِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَهُوَ النِّصَابُ، وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ بِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنَ الْوُجُوبِ لَا إِسْقَاطٌ لِلْوَاجِبِ، وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مِنْهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَلَوْ نَوَى بِتَصَدُّقِهِ بِالدِّرْهَمِ أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ نِصَابٌ فَلَا يَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِنْ أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحُرْمَةَ تُجَامِعُ الْفَرْضَ كَطَوَافِ الْمُحْدِثِ أَوِ الْعَارِي، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْقَصْدُ مَكْرُوهًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؟
وَقَوْلُهُ امْتِنَاعٌ مِنَ الْوُجُوبِ مُعْتَرَضٌ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ قَدْ تَقَرَّرَ مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ وَلِذَلِكَ جَازَ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِاحْتِيَالَ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا مَكْرُوهٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الزَّكَاةِ مَكْرُوهًا أَيْضًا وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ أَبُو يُوسُفَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مَنْعُ الصَّدَقَةِ وَلَا إِخْرَاجُهَا عَنْ مِلْكِهِ لِمِلْكِ غَيْرِهِ لِيُفَرِّقَهَا بِذَلِكَ فَتَبْطُلَ الصَّدَقَةُ عَنْهَا بِأَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يُحْتَالُ فِي إِبْطَالِ الصَّدَقَةِ بِوَجْهٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ رَاوِي كِتَابِ الْحِيَلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ: مَا احْتَالَ بِهِ الْمُسْلِمُ حَتَّى يَتَخَلَّصَ بِهِ مِنَ الْحَرَامِ أَوْ يَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْحَلَالِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا احْتَالَ بِهِ حَتَّى يُبْطِلَ حَقًّا أَوْ يُحِقَّ بَاطِلًا أَوْ لِيُدْخِلَ بِهِ شُبْهَةً فِي حَقٍّ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَالْمَكْرُوهُ عِنْدَهُ إِلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ نَاظَرَ
مُحَمَّدًا فِي امْرَأَةٍ كَرِهَتْ زَوْجَهَا وَامْتَنَعَ مِنْ فِرَاقِهَا فَمَكَّنَتِ ابْنَ زَوْجِهَا مِنْ نَفْسِهَا فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عِنْدَهُمْ عَلَى زَوْجِهَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ تَثْبُتُ بِالزِّنَا، قَالَ فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: الزِّنَا لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ وَلَا يُقَاسُ شَيْءٌ عَلَى ضِدِّهِ فَقَالَ: يَجْمَعُهُمَا الْجِمَاعُ، فَقُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ حُمِدَتْ بِهِ وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا وَالْآخَرُ ذُمَّتْ بِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهَا الرَّجْمُ، وَيَلْزَمُ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا إِذَا زَنَتْ حَلَّتْ لِزَوْجِهَا، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَزَنَى بِخَامِسَةٍ أَنْ تَحْرُمَ عَلَيْهِ إِحْدَى الْأَرْبَعِ إِلَى آخِرِ الْمُنَاظَرَةِ.
وَقَدْ أَشْكَلَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ فِي التَّرْجَمَةِ فَإِنْ أَهْلَكَهَا بِأَنَّ الْإِهْلَاكَ لَيْسَ مِنَ الْحِيَلِ بَلْ هُوَ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، فَإِنَّ الْحِيلَةَ إِنَّمَا هِيَ لِدَفْعِ ضَرَرٍ أَوْ جَلْبِ مَنْفَعَةٍ وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَذْبَحَ الْحِقَّتَيْنِ مَثَلًا وَيَنْتَفِعَ بِلَحْمِهِمَا فَتَسْقُطَ الزَّكَاةُ بِالْحِقَّتَيْنِ وَيَنْتَقِلَ إِلَى مَا دُونَهُمَا.
قَوْلُهُ: (يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ) الْمُرَادُ بِالْكَنْزِ الْمَالُ الَّذِي يُخَبَّأُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَوَقَعَ هُنَاكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (أَنَا كَنْزٌ) هَذَا زَائِدٌ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا بَدَلَ لَنْ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ) أَيْ صَاحِبُ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (فَيُلْقِمَهَا فَاهُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ يُلْقِمَهَا الْكَانِزُ أَوِ الشُّجَاعُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ فَيَأْخُذَ بِلِهْزِمَتَيْهِ أَيْ يَأْخُذَ الشُّجَاعُ يَدَ الْكَانِزِ بِشِدْقَيْهِ وَهُمَا اللِّهْزِمَتَانِ كَمَا أَوْضَحْتُهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مِنْ نُسْخَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فقَدَّمَ هَذَا عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ) مَا زَائِدَةٌ وَالرَّبُّ الْمَالِكُ وَالنَّعَمِ بِفَتْحَتَيْنِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ وَالْبَقَرُ، وَقِيلَ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ فَقَطْ حَكَاهُ فِي الْمُحْكَمِ، وَقِيلَ الْإِبِلُ فَقَطْ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَيُؤَيِّدُ الثَّالِثَ اقْتِصَارُهُ هُنَا عَلَى الْإخْفَافِ فَإِنَّهَا لِلْإِبِلِ خَاصَّةً، وَالْمُرَادُ بِقَوْله: حَقَّهَا زَكَاتَهَا وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ أَتَمَّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي رَجُلٍ لَهُ إِبِلٌ فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلِهَا أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ ببَقَرٍ أَوْ بِدَرَاهِمَ فِرَارًا مِنَ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيَالًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ إِنْ زَكَّى إِبِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ بِيَوْمٍ أَوْ سَنَةٍ جَازَتْ عَنْهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَيُعْرَفُ، تَقْرِيرُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ مِمَّا مَضَى، وَقَدْ تَأَكَّدَ الْمَنْعُ بِمَسْأَلَةِ التَّعْجِيلِ قَبْلَ تَوْجِيهِ إِلْزَامِهِمُ التَّنَاقُضَ أَنَّ مَنْ أَجَازَ التَّقْدِيمَ لَمْ يُرَاعِ دُخُولَ الْحَوْلِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَإِذَا كَانَ التَّقْدِيمُ عَلَى الْحَوْلِ مُجْزِئًا فَلْيَكُنِ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الْحَوْلِ غَيْرَ مُسْقِطٍ وَأَجَابَ عَنْهُمُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَتَنَاقَضْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ إِلَّا بِتَمَامِ الْحَوْلِ وَيَجْعَلُ مَنْ قَدَّمَهَا كَمَنْ قَدَّمَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ انْتَهَى.
وَالتَّنَاقُضُ لَازِمٌ لِأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ الْحُرْمَةَ تُجَامِعُ الْفَرْضَ كَطَوَافِ الْعَارِي، وَلَوْ لَمْ يَتَقَرَّرِ الْوُجُوبُ لَمْ يَجُزِ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْحَوْلِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ بَاعَ إِبِلًا بِمِثْلِهَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى حَوْلٍ الْأَوْلَى لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ وَالنِّصَابِ، وَالْمَأْخُوذُ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِهَا بِغَيْرِ جِنْسِهَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَسْتَأْنِفُ لِاخْتِلَافِ النِّصَابِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ أَثِمَ، وَلَوْ قُلْنَا يَسْتَأْنِفُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ إِذَا مَلَكَهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ بَاعَهَا بِنَقْدٍ زَكَّى الدَّرَاهِمَ عَنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ. وَنَقَلَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ عَنِ ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَتَى بِقَوْلِهِ: مَانِعُ الزَّكَاةِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه بيان ترك (١) الحيلِ (فِي) إسقاط (الزَّكَاةِ، وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ) بضم أوَّله وفتح ثالثه المشدد (بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) بكسر الميم الثَّانية (وَلَا يُجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ).
٦٩٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (أَبِي) عبدُ الله بنُ المثنَّى بنِ عبدِ الله بنِ أنسِ بنِ مالك ﵁، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ) بضم المثلثة وتخفيف الميم (٢) (أَنَّ أَنَسًا) ﵁ (حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ (٣) رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَلَا يُجْمَعُ) بضم أوَّله وفتح ثالثه، عطفٌ على «فريضة»، أي: لا يجمع المالك المتصدِّق (٤) (بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم الفوقيَّة على الفاء، فلو كان لكلِّ شريكٍ أربعون شاةً فالواجب عليهما شاتان، فإذا جمعَ تحيَّل بتنقيص الزَّكاة؛ إذ يصيرُ على كلِّ واحدٍ نصف شاةٍ (وَلَا يُفَرَّقُ) بضم التحتية وفتح الراء مشددة (بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) بكسر الميم الثَّانية (خَشْيَةَ) المالك كثرة (الصَّدَقَةِ) بنصب «خشية» مفعولًا لأجلِه، وقولهِ: «ولا يُفرِّق» أي: لو كان بين الشَّريكين أربعون شاةً لكلِّ واحدٍ عشرون، فيفرِّق حتَّى لا يجب على (٥) واحدٍ منهما زكاة.
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ، وسبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٥٠].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، لَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجِنَازَةَ إِذَا حَضَرَتْ وَخَافَ فَوْتَهَا أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَكَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِذَا قَامَ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ فَبَعُدَ عَنْهُ الْمَاءُ وَخَشِيَ إِذَا طَلَبَهُ أَنْ يَفُوتَهُ قِيَامُ اللَّيْلِ أَنَّهُ تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.
٣ - بَاب فِي الزَّكَاةِ، وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ
٦٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَني أَبِي حَدَّثَني ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
٦٩٥٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ؟ قَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا. قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ. قَالَ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقال رسول الله ﷺ: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ" وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ، فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ احْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
٦٩٥٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: "يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ. قَالَ: وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ"
٦٩٥٨ - وَقال رسول الله ﷺ: "إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا". وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي رَجُلٍ لَهُ إِبِلٌ فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلِهَا أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ بِبَقَرٍ أَوْ بِدَرَاهِمَ فِرَارًا مِنْ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيَالًا فَلَا شئَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنْ زَكَّى إِبِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ بِيَوْمٍ أَوْ بِسِتَّةٍ جَازَتْ عَنْهُ
٦٩٥٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بن مسعود "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقال رسول الله ﷺ: "اقْضِهِ عَنْهَا". وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذَا بَلَغَتْ الإِبِلُ عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ،
فَإِنْ وَهَبَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَاعَهَا فِرَارًا وَاحْتِيَالًا لِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إِنْ أَتْلَفَهَا فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ فِي مَالِهِ
قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي الزَّكَاةِ) أَيْ تَرْكُ الْحِيَلِ فِي إِسْقَاطِهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) هُوَ لَفْظُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي الْبَابِ وَهَوُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَوْرَدَهُ فِي الزَّكَاةِ بِهَذَا السَّنَدِ تَامًّا وَمُفَرَّقًا وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ، فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ احْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَّلَ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوِ احْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ قَبْلَ الْحَوْلِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالذَّبْحِ وَإِذَا لَمْ يَنْوِ الْفِرَارَ مِنَ الصَّدَقَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَالَ الْحَوْلُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّحَيُّلُ بِأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ أَوْ يَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ فَوَّتَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا يَنْوِي بِهِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِشَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَوْلِ لِقَوْلِهِ ﷺ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ نَوَى بِتَفْوِيتِهِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ لَا تَضُرُّهُ النِّيَّةُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِتَمَامِ الْحَوْلِ وَلَا يُتَوَجَّهُ إِلَيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ إِلَّا حِينَئِذٍ، قَالَ: وَقَالَ الْمُهَلَّبُ قَصَدَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ كُلَّ حِيلَةٍ يَتَحَيَّلُ بِهَا أَحَدٌ فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ إِثْمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَنَعَ مِنْ جَمْعِ الْغَنَمِ أَوْ تَفْرِقَتِهَا خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ فُهِمَ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى، وَفُهِمَ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ فِي قَوْلِهِ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أَنَّ مَنْ رَامَ أَنْ يَنْقُصَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ بِحِيلَةٍ يَحْتَالُهَا أَنَّهُ لَا يُفْلِحُ، قَالَ: وَمَا أَجَابَ بِهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ تَصَرُّفِ ذِي الْمَالِ فِي مَالِهِ قُرْبَ حُلُولِ الْحَوْلِ ثُمَّ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ وَمَنْ نَوَى ذَلِكَ فَالْإِثْمُ عَنْهُ غَيْرُ سَاقِطٍ وَهُوَ كَمَنْ فَرَّ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِيَوْمٍ وَاسْتَعْمَلَ سَفَرًا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِيُفْطِرَ فَالْوَعِيدُ إِلَيْهِ يُتَوَجَّهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ يُنْسَبُ لِأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْقَصْدِ إِلَى إِبْطَالِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَهُوَ النِّصَابُ، وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ بِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنَ الْوُجُوبِ لَا إِسْقَاطٌ لِلْوَاجِبِ، وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مِنْهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَلَوْ نَوَى بِتَصَدُّقِهِ بِالدِّرْهَمِ أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ نِصَابٌ فَلَا يَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِنْ أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحُرْمَةَ تُجَامِعُ الْفَرْضَ كَطَوَافِ الْمُحْدِثِ أَوِ الْعَارِي، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْقَصْدُ مَكْرُوهًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؟
وَقَوْلُهُ امْتِنَاعٌ مِنَ الْوُجُوبِ مُعْتَرَضٌ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ قَدْ تَقَرَّرَ مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ وَلِذَلِكَ جَازَ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِاحْتِيَالَ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا مَكْرُوهٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الزَّكَاةِ مَكْرُوهًا أَيْضًا وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ أَبُو يُوسُفَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مَنْعُ الصَّدَقَةِ وَلَا إِخْرَاجُهَا عَنْ مِلْكِهِ لِمِلْكِ غَيْرِهِ لِيُفَرِّقَهَا بِذَلِكَ فَتَبْطُلَ الصَّدَقَةُ عَنْهَا بِأَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يُحْتَالُ فِي إِبْطَالِ الصَّدَقَةِ بِوَجْهٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ رَاوِي كِتَابِ الْحِيَلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ: مَا احْتَالَ بِهِ الْمُسْلِمُ حَتَّى يَتَخَلَّصَ بِهِ مِنَ الْحَرَامِ أَوْ يَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْحَلَالِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا احْتَالَ بِهِ حَتَّى يُبْطِلَ حَقًّا أَوْ يُحِقَّ بَاطِلًا أَوْ لِيُدْخِلَ بِهِ شُبْهَةً فِي حَقٍّ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَالْمَكْرُوهُ عِنْدَهُ إِلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ نَاظَرَ
مُحَمَّدًا فِي امْرَأَةٍ كَرِهَتْ زَوْجَهَا وَامْتَنَعَ مِنْ فِرَاقِهَا فَمَكَّنَتِ ابْنَ زَوْجِهَا مِنْ نَفْسِهَا فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عِنْدَهُمْ عَلَى زَوْجِهَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ تَثْبُتُ بِالزِّنَا، قَالَ فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: الزِّنَا لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ وَلَا يُقَاسُ شَيْءٌ عَلَى ضِدِّهِ فَقَالَ: يَجْمَعُهُمَا الْجِمَاعُ، فَقُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ حُمِدَتْ بِهِ وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا وَالْآخَرُ ذُمَّتْ بِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهَا الرَّجْمُ، وَيَلْزَمُ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا إِذَا زَنَتْ حَلَّتْ لِزَوْجِهَا، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَزَنَى بِخَامِسَةٍ أَنْ تَحْرُمَ عَلَيْهِ إِحْدَى الْأَرْبَعِ إِلَى آخِرِ الْمُنَاظَرَةِ.
وَقَدْ أَشْكَلَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ فِي التَّرْجَمَةِ فَإِنْ أَهْلَكَهَا بِأَنَّ الْإِهْلَاكَ لَيْسَ مِنَ الْحِيَلِ بَلْ هُوَ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، فَإِنَّ الْحِيلَةَ إِنَّمَا هِيَ لِدَفْعِ ضَرَرٍ أَوْ جَلْبِ مَنْفَعَةٍ وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَذْبَحَ الْحِقَّتَيْنِ مَثَلًا وَيَنْتَفِعَ بِلَحْمِهِمَا فَتَسْقُطَ الزَّكَاةُ بِالْحِقَّتَيْنِ وَيَنْتَقِلَ إِلَى مَا دُونَهُمَا.
قَوْلُهُ: (يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ) الْمُرَادُ بِالْكَنْزِ الْمَالُ الَّذِي يُخَبَّأُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَوَقَعَ هُنَاكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (أَنَا كَنْزٌ) هَذَا زَائِدٌ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا بَدَلَ لَنْ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ) أَيْ صَاحِبُ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (فَيُلْقِمَهَا فَاهُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ يُلْقِمَهَا الْكَانِزُ أَوِ الشُّجَاعُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ فَيَأْخُذَ بِلِهْزِمَتَيْهِ أَيْ يَأْخُذَ الشُّجَاعُ يَدَ الْكَانِزِ بِشِدْقَيْهِ وَهُمَا اللِّهْزِمَتَانِ كَمَا أَوْضَحْتُهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مِنْ نُسْخَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فقَدَّمَ هَذَا عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ) مَا زَائِدَةٌ وَالرَّبُّ الْمَالِكُ وَالنَّعَمِ بِفَتْحَتَيْنِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ وَالْبَقَرُ، وَقِيلَ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ فَقَطْ حَكَاهُ فِي الْمُحْكَمِ، وَقِيلَ الْإِبِلُ فَقَطْ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَيُؤَيِّدُ الثَّالِثَ اقْتِصَارُهُ هُنَا عَلَى الْإخْفَافِ فَإِنَّهَا لِلْإِبِلِ خَاصَّةً، وَالْمُرَادُ بِقَوْله: حَقَّهَا زَكَاتَهَا وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ أَتَمَّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي رَجُلٍ لَهُ إِبِلٌ فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلِهَا أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ ببَقَرٍ أَوْ بِدَرَاهِمَ فِرَارًا مِنَ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيَالًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ إِنْ زَكَّى إِبِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ بِيَوْمٍ أَوْ سَنَةٍ جَازَتْ عَنْهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَيُعْرَفُ، تَقْرِيرُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ مِمَّا مَضَى، وَقَدْ تَأَكَّدَ الْمَنْعُ بِمَسْأَلَةِ التَّعْجِيلِ قَبْلَ تَوْجِيهِ إِلْزَامِهِمُ التَّنَاقُضَ أَنَّ مَنْ أَجَازَ التَّقْدِيمَ لَمْ يُرَاعِ دُخُولَ الْحَوْلِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَإِذَا كَانَ التَّقْدِيمُ عَلَى الْحَوْلِ مُجْزِئًا فَلْيَكُنِ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الْحَوْلِ غَيْرَ مُسْقِطٍ وَأَجَابَ عَنْهُمُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَتَنَاقَضْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ إِلَّا بِتَمَامِ الْحَوْلِ وَيَجْعَلُ مَنْ قَدَّمَهَا كَمَنْ قَدَّمَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ انْتَهَى.
وَالتَّنَاقُضُ لَازِمٌ لِأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ الْحُرْمَةَ تُجَامِعُ الْفَرْضَ كَطَوَافِ الْعَارِي، وَلَوْ لَمْ يَتَقَرَّرِ الْوُجُوبُ لَمْ يَجُزِ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْحَوْلِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ بَاعَ إِبِلًا بِمِثْلِهَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى حَوْلٍ الْأَوْلَى لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ وَالنِّصَابِ، وَالْمَأْخُوذُ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِهَا بِغَيْرِ جِنْسِهَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَسْتَأْنِفُ لِاخْتِلَافِ النِّصَابِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ أَثِمَ، وَلَوْ قُلْنَا يَسْتَأْنِفُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ إِذَا مَلَكَهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ بَاعَهَا بِنَقْدٍ زَكَّى الدَّرَاهِمَ عَنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ. وَنَقَلَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ عَنِ ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَتَى بِقَوْلِهِ: مَانِعُ الزَّكَاةِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه بيان ترك (١) الحيلِ (فِي) إسقاط (الزَّكَاةِ، وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ) بضم أوَّله وفتح ثالثه المشدد (بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) بكسر الميم الثَّانية (وَلَا يُجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ).
٦٩٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (أَبِي) عبدُ الله بنُ المثنَّى بنِ عبدِ الله بنِ أنسِ بنِ مالك ﵁، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ) بضم المثلثة وتخفيف الميم (٢) (أَنَّ أَنَسًا) ﵁ (حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ (٣) رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَلَا يُجْمَعُ) بضم أوَّله وفتح ثالثه، عطفٌ على «فريضة»، أي: لا يجمع المالك المتصدِّق (٤) (بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم الفوقيَّة على الفاء، فلو كان لكلِّ شريكٍ أربعون شاةً فالواجب عليهما شاتان، فإذا جمعَ تحيَّل بتنقيص الزَّكاة؛ إذ يصيرُ على كلِّ واحدٍ نصف شاةٍ (وَلَا يُفَرَّقُ) بضم التحتية وفتح الراء مشددة (بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) بكسر الميم الثَّانية (خَشْيَةَ) المالك كثرة (الصَّدَقَةِ) بنصب «خشية» مفعولًا لأجلِه، وقولهِ: «ولا يُفرِّق» أي: لو كان بين الشَّريكين أربعون شاةً لكلِّ واحدٍ عشرون، فيفرِّق حتَّى لا يجب على (٥) واحدٍ منهما زكاة.
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ، وسبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٥٠].
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56