«أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ، عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٥٠

الحديث رقم ٧١٥٠ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من استرعي رعية فلم ينصح.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧١٥٠ في صحيح البخاري

«أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ، عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٧١٥٠

٧١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧١٥٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَقِّهَا تَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا يُقَيِّدُ مَا أُطْلِقَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُقَيِّدُهُ أَيْضًا مَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي اجْتِنَابِ الْوِلَايَةِ وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ.

وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ دَخَلَ فِيهَا بِغَيْرِ أَهْلِيَّةٍ وَلَمْ يَعْدِلْ، فَإِنَّهُ يَنْدَمُ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنْهُ إِذَا جُوزِيَ بِالْخِزْيِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا وَعَدَلَ فِيهَا فَأَجْرُهُ عَظِيمٌ كَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَلَكِنْ فِي الدُّخُولِ فِيهَا خَطَرٌ عَظِيمٌ، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ الْأَكَابِرُ مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: نِعْمَ الْمُرْضِعَةُ أَيِ الدُّنْيَا، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ أَيْ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى الْمُحَاسَبَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ كَالَّذِي يُفْطَمُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ هَلَاكُهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: نِعْمَ الْمُرْضِعَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ حُصُولِ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَنَفَاذِ الْكَلِمَةِ وَتَحْصِيلِ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالْوَهْمِيَّةِ حَالَ حُصُولِهَا، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ عِنْدَ الِانْفِصَالِ عَنْهَا بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا من التَّبِعَاتُ فِي الْآخِرَةِ.

(تَنْبِيهٌ):

أُلْحِقَتِ التَّاءُ فِي بِئْسَت دُونَ نِعْمَ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا إِذَا كَانَ فَاعِلُهُمَا مُؤَنَّثًا جَوَازُ الْإِلْحَاقِ وَتَرْكِهِ، فَوَقَعَ التَّفَنُّنُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِحَسَبِ ذَلِكَ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يُلْحِقْهَا بِنِعْمَ لِأَنَّ الْمُرْضِعَةَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْإِمَارَةِ وَتَأْنِيثُهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ فَتَرْكُ إِلْحَاقِ التَّاءِ بِهَا وَإِلْحَاقُهَا بِئْسَ نَظَرًا إِلَى كَوْنِ الْإِمَارَةِ حِينَئِذٍ دَاهِيَةً دَهْيَاءَ. قَالَ: وَإِنَّمَا أُتِيَ بِالتَّاءِ فِي الْفَاطِمَةِ وَالْمُرْضِعَةِ إِشَارَةً إِلَى تَصْوِيرِ تَيْنِكَ الْحَالَتَيْنِ الْمُتَجَدِّدَتَيْنِ فِي الْإِرْضَاعِ وَالْفِطَامِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) هُوَ بُنْدَارٌ، وَوَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حِمْرَانَ هُوَ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ: يُخْطِئُ وَمَا لَهُ فِي الصَّحِيحِ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ. وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ الْمَدَنِيُّ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّا تَعْلِيقًا، وَعُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ أَيِ ابْنُ ثَوْبَانَ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ تَعْلِيقًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ.

قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَيْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى (وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ وَذَكَرْتُ شَرْحَهُ هُنَاكَ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي يَنَالُهُ الْمُتَوَلِّي عَنِ النَّعْمَاءِ وَالسَّرَّاءِ دُونَ مَا يَنَالُهُ مِنَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، إِمَّا بِالْعَزْلِ فِي الدُّنْيَا فَيَصِيرُ خَامِلًا وَإِمَّا بِالْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ وَذَلِكَ أَشَدُّ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ. قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: فَلَا يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يَفْرَحَ بِلَذَّةٍ يَعْقُبُهَا حَسَرَاتٌ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْحِرْصُ عَلَى الْوِلَايَةِ هُوَ السَّبَبُ فِي اقْتِتَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا حَتَّى سُفِكَتِ الدِّمَاءُ وَاسْتُبِيحَتِ الْأَمْوَالُ وَالْفُرُوجُ وَعَظُمَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ بِذَلِكَ، وَوَجْهُ النَّدَمِ أَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ أَوْ يُعْزَلُ أَوْ يَمُوتُ فَيَنْدَمُ عَلَى الدُّخُولِ فِيهَا لِأَنَّهُ يُطَالَبُ بِالتَّبِعَاتِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا وَقَدْ فَاتَهُ مَا حَرَصَ عَلَيْهِ بِمُفَارَقَتِهِ، قَالَ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ كَأَنْ يَمُوتَ الْوَالِي وَلَا يُوجَدُ بَعْدَهُ مَنْ يَقُومُ بِالْأَمْرِ غَيْرُهُ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ يَحْصُلُ الْفَسَادُ بِضَيَاعِ الْأَحْوَالِ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا فُرِضَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنَ الْحُصُولِ بِالطَّلَبِ أَوْ بِغَيْرِ طَلَبٍ بَلْ فِي التَّعْبِيرِ بِالْحِرْصِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ قَامَ بِالْأَمْرِ عِنْدَ خَشْيَةِ الضَّيَاعِ يَكُونُ كَمَنْ أُعْطِيَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ لِفَقْدِ الْحِرْصِ غَالِبًا عَمَّنْ هَذَا شَأْنُهُ.

وَقَدْ يُغْتَفَرُ الْحِرْصُ فِي حَقِّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَتَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ عَلَى الْإِمَامِ فَرْضُ عَيْنٍ وَعَلَى الْقَاضِي فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا كَانَ هُنَاكَ غَيْرُهُ.

٨ - بَاب مَنْ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً فَلَمْ يَنْصَحْ

٧١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٨) (باب) ذكر (مَنِ اسْتُرْعِيَ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر العين، أي: منِ (١) استرعاه الله (رَعِيَّةً، فَلَمْ يَنْصَحْ) لها.

٧١٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة (٢) وفتح الهاء بعدها موحَّدةٌ، جعفر بن حيَّان (٣) السَّعديُّ العطارديُّ (٤) البصريُّ، وهو مشهورٌ بكنيته (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ: (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بضمِّ العين (بْنَ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي بعدها تحتيَّةٌ، أمير البصرة في زمن معاوية وولدِه (عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ) معقِل -بكسر القاف- ويَسارٍ -بالتَّحتيَّة والسِّين المهملة المخفَّفة- المزنيَّ الصَّحابيَّ (فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) وكانت وفاته في خلافة معاوية (فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ (٥) يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ) استحفظه (اللهُ) (٦) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يَسْتَرعيه الله» (رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا) بفتح التَّحتية وضمِّ الحاء وسكون الطَّاء المهملتين، أي: فلم يحفظها (٧) ولم يتعهَّد أمرها (٨) (بِنَصِيْحَةٍ) بفتح النُّون، وبعد الصَّاد المهملة المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ، وتنوينٌ آخره، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٩): «بالنَّصيحة»

بزيادة «أل»، وكذا في الفرع كأصله، وفي «الفتح»: «بنُصحِهِ» بضمِّ النُّون وهاء الضَّمير، وقال: كذا للأكثر، وللمُستملي: «بالنَّصيحة» (إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ) إذا كان مُستحِلًّا لذلك، أو لا يجدها (١) مع الفائزين الأوَّلين؛ لأنَّه ليس عامًّا في جميع الأزمان، أو خرج مخرج التَّغليظ، وزاد الطَّبرانيُّ: «وعَرْفُها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًا»، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ لفظ «إلَّا» من قوله: «إلَّا لم يجد»، قال في «الكواكب»: فيصير مفهوم الحديث أنَّه يجدها، عكس المقصود، وأجاب بأنَّ «إلَّا» مقدَّرةٌ، أي: إلَّا لم يجد، والخبر محذوفٌ، أي: ما من عبدٍ كذا إلَّا حرَّم الله عليه الجنَّة، «ولم يجد رائحة الجنَّة» استئنافٌ؛ كالمفسِّر له، أو «ما» ليست للنَّفي، وجاز زيادة «مِنْ» للتَّأكيد في الإثبات عند بعض النُّحاة، وقد ثبتت «إلَّا» في بعض النُّسخ. انتهى. وفي «اليونينيَّة» سقوطها لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٢) قال في «الفتح»: لم يقعِ الجمع بين اللَّفظين المتوعَّد (٣) بهما في طريقٍ واحدةٍ، فقوله: «لم يجد رائحة الجنَّة» وقع في رواية أبي الأشهب، وقوله: «حرَّم الله عليه الجنَّة»، وقع في رواية هشامٍ، أي: التَّالية لهذه، فكأنَّه أراد أنَّ الأصل في الحديث الجمع بين اللَّفظين، فحَفِظ بعضَ ما لم يحفظ بعضٌ، وهو مُحتمَلٌ، لكنَّ الظَّاهر أنَّه لفظٌ واحدٌ تصرَّف فيه بعض (٤) الرُّواة، وفي «الكبير» للطَّبرانيِّ من وجهٍ آخر عن الحسن قال: قدم علينا عبيد الله بن زيادٍ أميرًا أمَّره علينا معاوية غلامًا سفيهًا يسفك الدِّماء سفكًا شديدًا، وفينا عبد الله بن مغفَّلٍ المزنيُّ، فدخل عليه ذات يومٍ، فقال له: انتهِ عمَّا أراك تصنع، فقال له: وما أنت و (٥) ذاك؟ قال: ثمَّ خرج إلى المسجد، فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السَّفيه على رؤوس النَّاس؟ فقال: إنَّه كان عندي علمٌ، فأحببت ألَّا أموتَ حتَّى أقول به على رؤوس النَّاس، ثمَّ قام، فما لبث أن مَرِضَ مَرَضَه الذي تُوفِّي فيه، فأتاه عبيد الله بن زيادٍ يعوده، فذكر نحو حديث الباب، قال الحافظ ابن حجرٍ: فيحتمل أن تكون القصَّة وقعت للصَّحابيَّين.

وحديث الباب (٦) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَقِّهَا تَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا يُقَيِّدُ مَا أُطْلِقَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُقَيِّدُهُ أَيْضًا مَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي اجْتِنَابِ الْوِلَايَةِ وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ.

وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ دَخَلَ فِيهَا بِغَيْرِ أَهْلِيَّةٍ وَلَمْ يَعْدِلْ، فَإِنَّهُ يَنْدَمُ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنْهُ إِذَا جُوزِيَ بِالْخِزْيِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا وَعَدَلَ فِيهَا فَأَجْرُهُ عَظِيمٌ كَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَلَكِنْ فِي الدُّخُولِ فِيهَا خَطَرٌ عَظِيمٌ، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ الْأَكَابِرُ مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: نِعْمَ الْمُرْضِعَةُ أَيِ الدُّنْيَا، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ أَيْ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى الْمُحَاسَبَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ كَالَّذِي يُفْطَمُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ هَلَاكُهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: نِعْمَ الْمُرْضِعَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ حُصُولِ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَنَفَاذِ الْكَلِمَةِ وَتَحْصِيلِ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالْوَهْمِيَّةِ حَالَ حُصُولِهَا، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ عِنْدَ الِانْفِصَالِ عَنْهَا بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا من التَّبِعَاتُ فِي الْآخِرَةِ.

(تَنْبِيهٌ):

أُلْحِقَتِ التَّاءُ فِي بِئْسَت دُونَ نِعْمَ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا إِذَا كَانَ فَاعِلُهُمَا مُؤَنَّثًا جَوَازُ الْإِلْحَاقِ وَتَرْكِهِ، فَوَقَعَ التَّفَنُّنُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِحَسَبِ ذَلِكَ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يُلْحِقْهَا بِنِعْمَ لِأَنَّ الْمُرْضِعَةَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْإِمَارَةِ وَتَأْنِيثُهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ فَتَرْكُ إِلْحَاقِ التَّاءِ بِهَا وَإِلْحَاقُهَا بِئْسَ نَظَرًا إِلَى كَوْنِ الْإِمَارَةِ حِينَئِذٍ دَاهِيَةً دَهْيَاءَ. قَالَ: وَإِنَّمَا أُتِيَ بِالتَّاءِ فِي الْفَاطِمَةِ وَالْمُرْضِعَةِ إِشَارَةً إِلَى تَصْوِيرِ تَيْنِكَ الْحَالَتَيْنِ الْمُتَجَدِّدَتَيْنِ فِي الْإِرْضَاعِ وَالْفِطَامِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) هُوَ بُنْدَارٌ، وَوَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حِمْرَانَ هُوَ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ: يُخْطِئُ وَمَا لَهُ فِي الصَّحِيحِ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ. وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ الْمَدَنِيُّ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّا تَعْلِيقًا، وَعُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ أَيِ ابْنُ ثَوْبَانَ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ تَعْلِيقًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ.

قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَيْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى (وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ وَذَكَرْتُ شَرْحَهُ هُنَاكَ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي يَنَالُهُ الْمُتَوَلِّي عَنِ النَّعْمَاءِ وَالسَّرَّاءِ دُونَ مَا يَنَالُهُ مِنَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، إِمَّا بِالْعَزْلِ فِي الدُّنْيَا فَيَصِيرُ خَامِلًا وَإِمَّا بِالْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ وَذَلِكَ أَشَدُّ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ. قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: فَلَا يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يَفْرَحَ بِلَذَّةٍ يَعْقُبُهَا حَسَرَاتٌ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْحِرْصُ عَلَى الْوِلَايَةِ هُوَ السَّبَبُ فِي اقْتِتَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا حَتَّى سُفِكَتِ الدِّمَاءُ وَاسْتُبِيحَتِ الْأَمْوَالُ وَالْفُرُوجُ وَعَظُمَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ بِذَلِكَ، وَوَجْهُ النَّدَمِ أَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ أَوْ يُعْزَلُ أَوْ يَمُوتُ فَيَنْدَمُ عَلَى الدُّخُولِ فِيهَا لِأَنَّهُ يُطَالَبُ بِالتَّبِعَاتِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا وَقَدْ فَاتَهُ مَا حَرَصَ عَلَيْهِ بِمُفَارَقَتِهِ، قَالَ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ كَأَنْ يَمُوتَ الْوَالِي وَلَا يُوجَدُ بَعْدَهُ مَنْ يَقُومُ بِالْأَمْرِ غَيْرُهُ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ يَحْصُلُ الْفَسَادُ بِضَيَاعِ الْأَحْوَالِ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا فُرِضَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنَ الْحُصُولِ بِالطَّلَبِ أَوْ بِغَيْرِ طَلَبٍ بَلْ فِي التَّعْبِيرِ بِالْحِرْصِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ قَامَ بِالْأَمْرِ عِنْدَ خَشْيَةِ الضَّيَاعِ يَكُونُ كَمَنْ أُعْطِيَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ لِفَقْدِ الْحِرْصِ غَالِبًا عَمَّنْ هَذَا شَأْنُهُ.

وَقَدْ يُغْتَفَرُ الْحِرْصُ فِي حَقِّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَتَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ عَلَى الْإِمَامِ فَرْضُ عَيْنٍ وَعَلَى الْقَاضِي فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا كَانَ هُنَاكَ غَيْرُهُ.

٨ - بَاب مَنْ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً فَلَمْ يَنْصَحْ

٧١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٨) (باب) ذكر (مَنِ اسْتُرْعِيَ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر العين، أي: منِ (١) استرعاه الله (رَعِيَّةً، فَلَمْ يَنْصَحْ) لها.

٧١٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة (٢) وفتح الهاء بعدها موحَّدةٌ، جعفر بن حيَّان (٣) السَّعديُّ العطارديُّ (٤) البصريُّ، وهو مشهورٌ بكنيته (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ: (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بضمِّ العين (بْنَ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي بعدها تحتيَّةٌ، أمير البصرة في زمن معاوية وولدِه (عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ) معقِل -بكسر القاف- ويَسارٍ -بالتَّحتيَّة والسِّين المهملة المخفَّفة- المزنيَّ الصَّحابيَّ (فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) وكانت وفاته في خلافة معاوية (فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ (٥) يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ) استحفظه (اللهُ) (٦) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يَسْتَرعيه الله» (رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا) بفتح التَّحتية وضمِّ الحاء وسكون الطَّاء المهملتين، أي: فلم يحفظها (٧) ولم يتعهَّد أمرها (٨) (بِنَصِيْحَةٍ) بفتح النُّون، وبعد الصَّاد المهملة المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ، وتنوينٌ آخره، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٩): «بالنَّصيحة»

بزيادة «أل»، وكذا في الفرع كأصله، وفي «الفتح»: «بنُصحِهِ» بضمِّ النُّون وهاء الضَّمير، وقال: كذا للأكثر، وللمُستملي: «بالنَّصيحة» (إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ) إذا كان مُستحِلًّا لذلك، أو لا يجدها (١) مع الفائزين الأوَّلين؛ لأنَّه ليس عامًّا في جميع الأزمان، أو خرج مخرج التَّغليظ، وزاد الطَّبرانيُّ: «وعَرْفُها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًا»، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ لفظ «إلَّا» من قوله: «إلَّا لم يجد»، قال في «الكواكب»: فيصير مفهوم الحديث أنَّه يجدها، عكس المقصود، وأجاب بأنَّ «إلَّا» مقدَّرةٌ، أي: إلَّا لم يجد، والخبر محذوفٌ، أي: ما من عبدٍ كذا إلَّا حرَّم الله عليه الجنَّة، «ولم يجد رائحة الجنَّة» استئنافٌ؛ كالمفسِّر له، أو «ما» ليست للنَّفي، وجاز زيادة «مِنْ» للتَّأكيد في الإثبات عند بعض النُّحاة، وقد ثبتت «إلَّا» في بعض النُّسخ. انتهى. وفي «اليونينيَّة» سقوطها لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٢) قال في «الفتح»: لم يقعِ الجمع بين اللَّفظين المتوعَّد (٣) بهما في طريقٍ واحدةٍ، فقوله: «لم يجد رائحة الجنَّة» وقع في رواية أبي الأشهب، وقوله: «حرَّم الله عليه الجنَّة»، وقع في رواية هشامٍ، أي: التَّالية لهذه، فكأنَّه أراد أنَّ الأصل في الحديث الجمع بين اللَّفظين، فحَفِظ بعضَ ما لم يحفظ بعضٌ، وهو مُحتمَلٌ، لكنَّ الظَّاهر أنَّه لفظٌ واحدٌ تصرَّف فيه بعض (٤) الرُّواة، وفي «الكبير» للطَّبرانيِّ من وجهٍ آخر عن الحسن قال: قدم علينا عبيد الله بن زيادٍ أميرًا أمَّره علينا معاوية غلامًا سفيهًا يسفك الدِّماء سفكًا شديدًا، وفينا عبد الله بن مغفَّلٍ المزنيُّ، فدخل عليه ذات يومٍ، فقال له: انتهِ عمَّا أراك تصنع، فقال له: وما أنت و (٥) ذاك؟ قال: ثمَّ خرج إلى المسجد، فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السَّفيه على رؤوس النَّاس؟ فقال: إنَّه كان عندي علمٌ، فأحببت ألَّا أموتَ حتَّى أقول به على رؤوس النَّاس، ثمَّ قام، فما لبث أن مَرِضَ مَرَضَه الذي تُوفِّي فيه، فأتاه عبيد الله بن زيادٍ يعوده، فذكر نحو حديث الباب، قال الحافظ ابن حجرٍ: فيحتمل أن تكون القصَّة وقعت للصَّحابيَّين.

وحديث الباب (٦) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله