الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٦٩
الحديث رقم ٧١٦٩ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب موعظة الإمام للخصوم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الشَّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي وِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لِلْخَصْمِ وَقَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَسَأَلَهُ إِنْسَانٌ الشَّهَادَةَ فَقَالَ ائْتِ الْأَمِيرَ حَتَّى أَشْهَدَ لَكَ وَقَالَ عِكْرِمَةُ قَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ وَأَنْتَ أَمِيرٌ فَقَالَ شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ عُمَرُ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللهِ لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيَدِي وَأَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالزِّنَا أَرْبَعًا فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْهَدَ مَنْ حَضَرَهُ وَقَالَ حَمَّادٌ إِذَا أَقَرَّ مَرَّةً عِنْدَ الْحَاكِمِ رُجِمَ وَقَالَ الْحَكَمُ أَرْبَعًا
٧١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ حَكَمَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حَدٍّ أَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيُقَامَ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى مَنْ خَصَّ جَوَازَ الْحُكْمِ فِي الْمَسْجِدِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ يَتَأَذَّى بِهِ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَقَعُ بِهِ لِلْمَسْجِدِ نَقْصٌ كَالتَّلْوِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: أَخْرِجَاهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَضَرَبَهُ، وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ) أَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِرَجُلٍ فِي حَدٍّ فَقَالَ: أَخْرِجَاهُ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ اضْرِبَاهُ وَسَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَعْقِلٍ وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَقَافٍ مَكْسُورَةٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عُمَرَ فَسَارَّهُ، فَقَالَ: يَا قَنْبَرُ أَخْرِجْهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَفِي سَنَدِهِ مَنْ فِيهِ مَقَالٌ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَفِيهِ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمُرَادُ فِي التَّرْجَمَةِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ خَدْشٍ؛ لِأَنَّ الرَّجْمَ يَحْتَاجُ إِلَى قَدْرٍ زَائِدٍ مِنْ حَفْرٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُلَائِمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ فِيهِ تَرْكُ إِقَامَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْحُدُودِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ) يُرِيدُ أَنَّهُمْ خَالَفُوا عُقَيْلًا فِي الصَّحَابِيِّ، فَإِنَّهُ جَعَلَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ بِالْمُصَلَّى وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْحَدِيثَ كُلَّهُ عَنْ جَابِرٍ، وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْحُدُودِ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ يُونُسَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ فَوَصَلَهَا وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا هُنَاكَ أَيْضًا، حَيْثُ قَالَ عَقِبَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: لَمْ يَقُلْ يُونُسُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي الْمَسْجِدِ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَجَازَهُ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالضَّرْبِ بِالسِّيَاطِ الْيَسِيرَةِ، فَإِذَا كَثُرَتِ الْحُدُودُ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَقَوْلُ مَنْ نَزَّهَ الْمَسْجِدَ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى، وَفِي الْبَابِ حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ فِي النَّهْيِ عَنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ انْتَهَى. وَالْمَشْهُورُ فِيهِ حَدِيثُ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَوَاثِلَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ، وَأَصْلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْحُدُودِ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: خِصَالٌ لَا تَنْبَغِي فِي الْمَسْجِدِ: لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَنْ كَرِهَ إِدْخَالَ الْمَيِّتِ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْلَى بِأَنْ يَقُولَ لَا يُقَامَ الْحَدُّ فِي الْمَسْجِدِ؛ إِذْ لَا يُؤْمَنُ خُرُوجُ الدَّمِ مِنَ الْمَجْلُودِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْقَتْلِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ.
٢٠ - بَاب مَوْعِظَةِ الْإِمَامِ لِلْخُصُومِ
٧١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«الحدود» [خ¦٦٨٢٠] (وَابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك، مما (١) وصله أيضًا (٢) فيه [خ¦٦٨٢٠] الثَّلاثة (عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي الرَّجْمِ) فخالفوا عُقيلًا في الصَّحابيِّ، فإنَّه جعل أصل الحديث من رواية أبي سَلَمة عن أبي هريرة، وهؤلاء جعلوه من رواية جابرٍ.
(٢٠) (باب مَوْعِظَةِ الإِمَامِ لِلْخُصُومِ) عند الدَّعوى.
٧١٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ، أبو عبد الرَّحمن (٣) الحارثيُّ القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (٤) (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بِنْت» (أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ أمِّ المؤمنين (﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا) بالنِّسبة إلى الاطِّلاع (٥) على بواطن (٦) الخصوم (بَشَرٌ) لا بالنِّسبة إلى كلِّ شيءٍ، فإنَّ له ﷺ أوصافًا أُخَر، والحصر مجازيٌّ؛ لأنَّه حصرٌ خاصٌّ، أي: باعتبار علم البواطن، ومعلومٌ أنَّه ﷺ بشرٌ، وإنَّما قال ذلك توطئةً لقوله: (وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ) بتشديد الياء، فلا أعلم بواطن أموركم؛ كما هو مقتضى أصل الخلقة البشريَّة (وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ) بالحاء المهملة: أبلغ في الإتيان (بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ) وهو كاذبٌ (فَأَقْضِي) أي: له بسبب كونه ألحنَ بحجَّته (نَحْوَ مَا أَسْمَعُ) منه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «على نَحْوِ ما أسمع» (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ
بِحَقِّ أَخِيهِ) أي: المسلم، وكذا الذِّمِّيِّ، و «مَن» في قوله: «فمن قضيت» شرطيَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من حقِّ أخيه» (شَيْئًا؛ فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) أي: فإنَّما أقضي له بشيءٍ حرامٍ يؤول إلى النَّار؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وفيه: أنَّه ﵊ لا يعلم بواطن الأمور إلَّا أن يُطْلِعَه الله على ذلك، وأنَّه يحكم بالظَّاهر، ولم يُطْلِعْه الله تعالى على حقيقة الأمر في ذلك حتَّى لا يحتاج إلى بيِّنةٍ ويمينٍ تعليمًا؛ لتقتدي به أمَّته، فإنَّه لو حكم في القضايا (١) بيقينه الحاصل من الغيب؛ لما أمكن الحكم لأمَّته من بعده، ولمَّا كان الحكم بعده ممَّا لا بدَّ منه؛ أجرى أحكامه على الظَّاهر، وأمر أمَّته بالاقتداء به، فإذا حكم بما يخالف الباطن؛ لا يجوز للمقضيِّ له (٢) أخذ ما قُضِيَ له به، وفيه دلالةٌ على صحَّة مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد وجماهير علماء الأمصار أنَّ حكم الحاكم إنَّما ينفذ ظاهرًا لا باطنًا، وأنَّه لا يُحِلُّ حرامًا، ولا يحرِّم حلالًا، بخلاف مذهب (٣) أبي حنيفة حيث قال: إنَّ حكمه ينفذ ظاهرًا وباطنًا في العقود والفسوخ، وسيكون لنا عودةٌ إلى مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في «باب من قُضِيَ له بحقِّ أخيه؛ فلا يأخذه» [خ¦٧١٨١] بعون الله سبحانه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، فينبغي للحاكم أن يَعِظَ الخصمين، ويحذِّرهما من الظُّلم وطلب الباطل؛ اقتداءً به ﷺ، قال في «الفتح»: وفي الحديث أنَّ التَّعمُّق (٤) في البلاغة بحيث يحصل اقتدارُ صاحبها على تزيين الباطل في صورة الحقِّ وعكسه مذمومٌ، ولو كان ذلك في التَّوصُّل إلى الحقِّ؛ لم يُذَمَّ، وإنَّما يُذَمُّ من ذلك ما يُتوصَّل به إلى الباطل في صورة الحقِّ فالبلاغة إذًا لا تُذَمُّ لذاتها، وإنَّما تُذَمُّ بحسب المتعلّق (٥) الذي قد يُمدَح بسببه، وهي في حدِّ ذاتها ممدوحةٌ، وهذا كما يُذَمُّ صاحِبُها إذا طرأ عليه بسببها الإعجابُ وتحقير غيره ممَّن لم يصل إلى درجته، ولا سيَّما إن (٦) كان الغير من أهل الصَّلاح؛ فإنَّ البلاغة إنَّما تُذَمُّ من هذه الحيثيَّة بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجيَّة عنها، ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغيرها،
بل كلُّ فطنةٍ توصل إلى المطلوب محمودةٌ في حدِّ ذاتها، وقد تُذَمُّ أو تُمدَح بحسب متعلَّقها (١)، واختُلف في تعريف البلاغة؛ فقيل: أن يُبَلِّغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه، وقيل: إيصال (٢) المعنى إلى الغير بأحسن لفظٍ، أو هي الإيجاز مع الإفهام، والتَّصرُّف من غير إضمارٍ، أو هي قليلٌ لا يُبْهَم (٣) وكثيرٌ لا يُسأَم، أو هي إجمال اللَّفظ واتِّساع المعنى، وقيل: هي النُّطق (٤) في موضعه والسُّكوت في موضعه، وهذا كلُّه عن المتقدِّمين، وعرَّف أهل المعاني والبيان البلاغة: بأنَّها (٥) مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع الفصاحة؛ وهي خلوُّه من التَّعقيد. انتهى (٦).
(٢١) (باب) حكم (الشَّهَادَةِ) التي (تَكُونُ عِنْدَ الحَاكِمِ فِي) زمان (وِلَايَتِهِ القَضَاءَ) ولأبي ذرٍّ: «في (٧) ولاية القضاء» (أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ) أي: قبل ولايته القضاء (لِلْخَصْمِ) متعلِّقٌ بـ «الشَّهادة» أي: للخصم الذي هو أحد الخصمين، فهل يقضي له على خصمه لعلمه بذلك أو يشهد له عند قاضٍ آخر؟
(وَقَالَ شُرَيْحٌ القَاضِي وَسَأَلَهُ إِنْسَانٌ الشَّهَادَةَ) على شيءٍ كان أشهده عليه، ثمَّ جاء فخاصم إليه (فَقَالَ) له شريحٌ، ولأبي ذرٍّ: «قال»: (ائْتِ الأَمِيرَ حَتَّى أَشْهَدَ لَكَ) عليه عنده، ولم يحكم
فيها بعلمه، وهذا وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه» عن عبد الله بن شُبرمة عن الشَّعبيِّ عنه، ولم يُسمَّ الأمير (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ ﵄، فيما وصله الثَّوريُّ أيضًا، وابن أبي شيبة عن عبد الكريم الجزريِّ (١) عن عكرمة: (قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ﵁، وكان عند عمر شهادةٌ في آية الرَّجم -وهي: «الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا؛ فارجموهما نكالًا من الله» - أنَّها من القرآن، فلم يلحقها في المصحف بشهادته وحده: (لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا) بفتح التَّاء (عَلَى حَدٍّ زِنًى أَوْ سَرِقَةٍ وَأَنْتَ أَمِيرٌ) أكنت تقيمه عليه؟ قال: لا، حتَّى يشهد معي غيري (فَقَالَ) عمر لعبد الرحمن: (شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ) واحدٍ (مِنَ المُسْلِمِينَ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ عُمَرُ) ﵁ مُفصِحًا بالعلَّة لكونه لم يُلحِق آية الرَّجم بالمصحف بمجرَّد علمه وحده: (لَوْلَا أَنْ يَقُولَ الناس: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللهِ؛ لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيَدِي) في المصحف، فأشار إلى أنَّ ذلك من قطع الذَّرائع؛ لئلَّا يجد حكَّام السُّوء سبيلًا إلى أن يَدَّعوا العلم لمن أحبُّوا له الحكم بشيءٍ، وقوله: «قال عمر» هو طرفٌ من حديثٍ أخرجه مالكٌ في «موطَّئِه»، وعكرمة لم يدرك عبد الرَّحمن بن عوفٍ فضلًا عن عمر، فهو مُنقطِع.
(وَأَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالزِّنَى أَرْبَعًا) أي: أقرَّ أربع مراتٍ (فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ) بإقراره (وَلَمْ يُذْكَرْ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الكاف (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْهَدَ) على ماعزٍ (مَنْ حَضَرَهُ) وقد سبق موصولًا في غير ما موضعٍ [خ¦٦٨٢٤] وأشار به إلى الرَّدِّ على من قال: لا يقضي بإقرار الخصم حتَّى يدعوَ شاهدينِ يحضران إقراره (وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن أبي سليمان فقيه الكوفة: (إِذَا أَقَرَّ) زانٍ (مَرَّةً) واحدةً (عِنْدَ الحَاكِمِ؛ رُجِمَ) بغير بيِّنةٍ، ولا إقرار أربعًا (وَقَالَ الحَكَمُ) -بفتحتين- ابن عُتَيبة فقيه الكوفة أيضًا: لا يُرجَم حتَّى يُقِرَّ (أَرْبَعًا) وصل القولينِ ابنُ أبي شيبة من طريق شعبة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ حَكَمَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حَدٍّ أَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيُقَامَ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى مَنْ خَصَّ جَوَازَ الْحُكْمِ فِي الْمَسْجِدِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ يَتَأَذَّى بِهِ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَقَعُ بِهِ لِلْمَسْجِدِ نَقْصٌ كَالتَّلْوِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: أَخْرِجَاهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَضَرَبَهُ، وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ) أَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِرَجُلٍ فِي حَدٍّ فَقَالَ: أَخْرِجَاهُ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ اضْرِبَاهُ وَسَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَعْقِلٍ وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَقَافٍ مَكْسُورَةٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عُمَرَ فَسَارَّهُ، فَقَالَ: يَا قَنْبَرُ أَخْرِجْهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَفِي سَنَدِهِ مَنْ فِيهِ مَقَالٌ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَفِيهِ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمُرَادُ فِي التَّرْجَمَةِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ خَدْشٍ؛ لِأَنَّ الرَّجْمَ يَحْتَاجُ إِلَى قَدْرٍ زَائِدٍ مِنْ حَفْرٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُلَائِمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ فِيهِ تَرْكُ إِقَامَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْحُدُودِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ) يُرِيدُ أَنَّهُمْ خَالَفُوا عُقَيْلًا فِي الصَّحَابِيِّ، فَإِنَّهُ جَعَلَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ بِالْمُصَلَّى وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْحَدِيثَ كُلَّهُ عَنْ جَابِرٍ، وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْحُدُودِ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ يُونُسَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ فَوَصَلَهَا وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا هُنَاكَ أَيْضًا، حَيْثُ قَالَ عَقِبَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: لَمْ يَقُلْ يُونُسُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي الْمَسْجِدِ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَجَازَهُ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالضَّرْبِ بِالسِّيَاطِ الْيَسِيرَةِ، فَإِذَا كَثُرَتِ الْحُدُودُ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَقَوْلُ مَنْ نَزَّهَ الْمَسْجِدَ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى، وَفِي الْبَابِ حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ فِي النَّهْيِ عَنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ انْتَهَى. وَالْمَشْهُورُ فِيهِ حَدِيثُ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَوَاثِلَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ، وَأَصْلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْحُدُودِ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: خِصَالٌ لَا تَنْبَغِي فِي الْمَسْجِدِ: لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَنْ كَرِهَ إِدْخَالَ الْمَيِّتِ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْلَى بِأَنْ يَقُولَ لَا يُقَامَ الْحَدُّ فِي الْمَسْجِدِ؛ إِذْ لَا يُؤْمَنُ خُرُوجُ الدَّمِ مِنَ الْمَجْلُودِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْقَتْلِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ.
٢٠ - بَاب مَوْعِظَةِ الْإِمَامِ لِلْخُصُومِ
٧١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«الحدود» [خ¦٦٨٢٠] (وَابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك، مما (١) وصله أيضًا (٢) فيه [خ¦٦٨٢٠] الثَّلاثة (عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي الرَّجْمِ) فخالفوا عُقيلًا في الصَّحابيِّ، فإنَّه جعل أصل الحديث من رواية أبي سَلَمة عن أبي هريرة، وهؤلاء جعلوه من رواية جابرٍ.
(٢٠) (باب مَوْعِظَةِ الإِمَامِ لِلْخُصُومِ) عند الدَّعوى.
٧١٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ، أبو عبد الرَّحمن (٣) الحارثيُّ القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (٤) (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بِنْت» (أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ أمِّ المؤمنين (﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا) بالنِّسبة إلى الاطِّلاع (٥) على بواطن (٦) الخصوم (بَشَرٌ) لا بالنِّسبة إلى كلِّ شيءٍ، فإنَّ له ﷺ أوصافًا أُخَر، والحصر مجازيٌّ؛ لأنَّه حصرٌ خاصٌّ، أي: باعتبار علم البواطن، ومعلومٌ أنَّه ﷺ بشرٌ، وإنَّما قال ذلك توطئةً لقوله: (وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ) بتشديد الياء، فلا أعلم بواطن أموركم؛ كما هو مقتضى أصل الخلقة البشريَّة (وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ) بالحاء المهملة: أبلغ في الإتيان (بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ) وهو كاذبٌ (فَأَقْضِي) أي: له بسبب كونه ألحنَ بحجَّته (نَحْوَ مَا أَسْمَعُ) منه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «على نَحْوِ ما أسمع» (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ
بِحَقِّ أَخِيهِ) أي: المسلم، وكذا الذِّمِّيِّ، و «مَن» في قوله: «فمن قضيت» شرطيَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من حقِّ أخيه» (شَيْئًا؛ فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) أي: فإنَّما أقضي له بشيءٍ حرامٍ يؤول إلى النَّار؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وفيه: أنَّه ﵊ لا يعلم بواطن الأمور إلَّا أن يُطْلِعَه الله على ذلك، وأنَّه يحكم بالظَّاهر، ولم يُطْلِعْه الله تعالى على حقيقة الأمر في ذلك حتَّى لا يحتاج إلى بيِّنةٍ ويمينٍ تعليمًا؛ لتقتدي به أمَّته، فإنَّه لو حكم في القضايا (١) بيقينه الحاصل من الغيب؛ لما أمكن الحكم لأمَّته من بعده، ولمَّا كان الحكم بعده ممَّا لا بدَّ منه؛ أجرى أحكامه على الظَّاهر، وأمر أمَّته بالاقتداء به، فإذا حكم بما يخالف الباطن؛ لا يجوز للمقضيِّ له (٢) أخذ ما قُضِيَ له به، وفيه دلالةٌ على صحَّة مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد وجماهير علماء الأمصار أنَّ حكم الحاكم إنَّما ينفذ ظاهرًا لا باطنًا، وأنَّه لا يُحِلُّ حرامًا، ولا يحرِّم حلالًا، بخلاف مذهب (٣) أبي حنيفة حيث قال: إنَّ حكمه ينفذ ظاهرًا وباطنًا في العقود والفسوخ، وسيكون لنا عودةٌ إلى مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في «باب من قُضِيَ له بحقِّ أخيه؛ فلا يأخذه» [خ¦٧١٨١] بعون الله سبحانه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، فينبغي للحاكم أن يَعِظَ الخصمين، ويحذِّرهما من الظُّلم وطلب الباطل؛ اقتداءً به ﷺ، قال في «الفتح»: وفي الحديث أنَّ التَّعمُّق (٤) في البلاغة بحيث يحصل اقتدارُ صاحبها على تزيين الباطل في صورة الحقِّ وعكسه مذمومٌ، ولو كان ذلك في التَّوصُّل إلى الحقِّ؛ لم يُذَمَّ، وإنَّما يُذَمُّ من ذلك ما يُتوصَّل به إلى الباطل في صورة الحقِّ فالبلاغة إذًا لا تُذَمُّ لذاتها، وإنَّما تُذَمُّ بحسب المتعلّق (٥) الذي قد يُمدَح بسببه، وهي في حدِّ ذاتها ممدوحةٌ، وهذا كما يُذَمُّ صاحِبُها إذا طرأ عليه بسببها الإعجابُ وتحقير غيره ممَّن لم يصل إلى درجته، ولا سيَّما إن (٦) كان الغير من أهل الصَّلاح؛ فإنَّ البلاغة إنَّما تُذَمُّ من هذه الحيثيَّة بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجيَّة عنها، ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغيرها،
بل كلُّ فطنةٍ توصل إلى المطلوب محمودةٌ في حدِّ ذاتها، وقد تُذَمُّ أو تُمدَح بحسب متعلَّقها (١)، واختُلف في تعريف البلاغة؛ فقيل: أن يُبَلِّغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه، وقيل: إيصال (٢) المعنى إلى الغير بأحسن لفظٍ، أو هي الإيجاز مع الإفهام، والتَّصرُّف من غير إضمارٍ، أو هي قليلٌ لا يُبْهَم (٣) وكثيرٌ لا يُسأَم، أو هي إجمال اللَّفظ واتِّساع المعنى، وقيل: هي النُّطق (٤) في موضعه والسُّكوت في موضعه، وهذا كلُّه عن المتقدِّمين، وعرَّف أهل المعاني والبيان البلاغة: بأنَّها (٥) مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع الفصاحة؛ وهي خلوُّه من التَّعقيد. انتهى (٦).
(٢١) (باب) حكم (الشَّهَادَةِ) التي (تَكُونُ عِنْدَ الحَاكِمِ فِي) زمان (وِلَايَتِهِ القَضَاءَ) ولأبي ذرٍّ: «في (٧) ولاية القضاء» (أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ) أي: قبل ولايته القضاء (لِلْخَصْمِ) متعلِّقٌ بـ «الشَّهادة» أي: للخصم الذي هو أحد الخصمين، فهل يقضي له على خصمه لعلمه بذلك أو يشهد له عند قاضٍ آخر؟
(وَقَالَ شُرَيْحٌ القَاضِي وَسَأَلَهُ إِنْسَانٌ الشَّهَادَةَ) على شيءٍ كان أشهده عليه، ثمَّ جاء فخاصم إليه (فَقَالَ) له شريحٌ، ولأبي ذرٍّ: «قال»: (ائْتِ الأَمِيرَ حَتَّى أَشْهَدَ لَكَ) عليه عنده، ولم يحكم
فيها بعلمه، وهذا وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه» عن عبد الله بن شُبرمة عن الشَّعبيِّ عنه، ولم يُسمَّ الأمير (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ ﵄، فيما وصله الثَّوريُّ أيضًا، وابن أبي شيبة عن عبد الكريم الجزريِّ (١) عن عكرمة: (قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ﵁، وكان عند عمر شهادةٌ في آية الرَّجم -وهي: «الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا؛ فارجموهما نكالًا من الله» - أنَّها من القرآن، فلم يلحقها في المصحف بشهادته وحده: (لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا) بفتح التَّاء (عَلَى حَدٍّ زِنًى أَوْ سَرِقَةٍ وَأَنْتَ أَمِيرٌ) أكنت تقيمه عليه؟ قال: لا، حتَّى يشهد معي غيري (فَقَالَ) عمر لعبد الرحمن: (شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ) واحدٍ (مِنَ المُسْلِمِينَ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ عُمَرُ) ﵁ مُفصِحًا بالعلَّة لكونه لم يُلحِق آية الرَّجم بالمصحف بمجرَّد علمه وحده: (لَوْلَا أَنْ يَقُولَ الناس: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللهِ؛ لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيَدِي) في المصحف، فأشار إلى أنَّ ذلك من قطع الذَّرائع؛ لئلَّا يجد حكَّام السُّوء سبيلًا إلى أن يَدَّعوا العلم لمن أحبُّوا له الحكم بشيءٍ، وقوله: «قال عمر» هو طرفٌ من حديثٍ أخرجه مالكٌ في «موطَّئِه»، وعكرمة لم يدرك عبد الرَّحمن بن عوفٍ فضلًا عن عمر، فهو مُنقطِع.
(وَأَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالزِّنَى أَرْبَعًا) أي: أقرَّ أربع مراتٍ (فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ) بإقراره (وَلَمْ يُذْكَرْ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الكاف (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْهَدَ) على ماعزٍ (مَنْ حَضَرَهُ) وقد سبق موصولًا في غير ما موضعٍ [خ¦٦٨٢٤] وأشار به إلى الرَّدِّ على من قال: لا يقضي بإقرار الخصم حتَّى يدعوَ شاهدينِ يحضران إقراره (وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن أبي سليمان فقيه الكوفة: (إِذَا أَقَرَّ) زانٍ (مَرَّةً) واحدةً (عِنْدَ الحَاكِمِ؛ رُجِمَ) بغير بيِّنةٍ، ولا إقرار أربعًا (وَقَالَ الحَكَمُ) -بفتحتين- ابن عُتَيبة فقيه الكوفة أيضًا: لا يُرجَم حتَّى يُقِرَّ (أَرْبَعًا) وصل القولينِ ابنُ أبي شيبة من طريق شعبة.